Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
الوساطة والشفاعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يساعد إنسانا ضعيفا بأن يتوسط له عند الكبار لنيل خير أو دفع شر؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا﴾ النساء:٨٥ وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال "اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب " وفى رواية "ما شاء" وفى رواية أبى داود "اشفعوا تؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبى ﷺ "لو راجعتيه" قالت: يا رسول الله: تأمرنى؟ قال "إنما اشفع" قالت لا حاجة لى فيه.
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضى الله عنه، فقال عيينة: يا ابن أخى، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لى عليه، فاستأذن فأذن له عمر، فلما دخل قال: هى يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ الأعراف: ١٩٩ وإن هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله تعالى.
هذه نصوص وحوادث تحث على الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن الشفاعة فى إسقاط حد أو تخفيفه أو فى أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى وصى أو ناظر على طفل أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك فى ترك بعض الحقوق التى فى ولايته، فكلها شفاعة محرمة، تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعى فيها إذا علمها، والحديث صحيح فى رفض النبى ﷺ شفاعة أسامة بن زيد فى عدم إقامة حد السرقة على المرأة الشريفة، وفى قَسَمِه أن فاطمة بنته لو سرقت لقطع يدها.
والكِفل الوارد فى الآية معناه الحظ والنصيب، ومعنى "مقيت" المقتدر والمقدَّر كما قاله ابن عباس وآخرون من المفسرين. وقال آخرون منهم المقيت هو الحفيظ، وقيل: هو الذى عليه قوت كل دابة ورزقها وقيل غير ذلك "الأذكار للنووى ص ٣٢٣"
стр. 4797
المداحون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول: احثوا فى وجوه المداحين التراب؟
الجواب
روى مسلم عن المقداد رضى الله عنه أن رجلا جعل يمدح عثمان رضى الله عنه. فجثا المقداد على ركبتيه وجعل يحثو فى وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال "إذا رأيتم المداحين فاحثوا فى وجوههم التراب" والحثو والحثى هو الحفن باليدين.
وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال:
سمع النبى ﷺ رجلا يثنى على رجل ويطربه فى المدحة فقال "أهلكتم -أو قطعتم -ظهر الرجل" والإطراء هو المبالغة فى المدح وتجاوز الحد، وقيل: هو المدح. ورويا أيضا عن أبى بكر رضى الله عنه أن رجلا ذكر عند النبى ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى ﷺ "ويحك قطعت عنق صاحبك " يقوله مرارا "إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحدا" قال العلماء: إن مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته، قد يكون فى وجه الممدوح وقد يكون بغير حضوره، فأما الذى فى غير حضوره فلا منع منه، إلا أن يجازف المادح ويدخل فى الكذب فيحرم عليه بسبب الكذب، لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذى لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة، بأن يبلغ الممدوح فيفتن به أو غير ذلك.
وأما المدح فى وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضى إباحته واستحبابه وأحاديث تقتضى المنع منه. قال العلماء: وطرق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان وحسن يقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شىء من هذه الأمور كره مدحه كراهة شديدة.
والأحاديث الواردة فى الإباحة كثيرة منها قوله ﷺ فى الحديث الصحيح لأبى بكر رضى الله عنه "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟ وفى الحديث الآخر "لست منهم" أى لست من الذين يلبسون أزرهم خيلاء، وفى الحديث الآخر "يا أبا بكر، لا تبك، إن أمن الناس على فى صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" وفى الحديث الآخر "أرجو أن تكون منهم" أى "من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها" وفى الحديث الآخر "ائذن له وبشره بالجنة" وفى الحديث الآخر "اثبت أُحد، فإنما عليك نبى وصدِّيق وشهيدان".
هذا فى أبى بكر وأما عمر رضى الله عنه فقد صح أن النبى ﷺ قال "دخلت الجنة فرأيت قصرا، فقلت لمن هذا؟ قالوا لعمر، فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك" فقال عمر رضى الله عنه: بأبى وأمى يا رسول الله، أعليك أغار، وفى الحديث الآخر "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك".
وفى شأن عثمان رضى الله عنه صح أن النبى ﷺ قال "افتح لعثمان وبشره بالجنة" وفى شأن على رضى الله عنه صح أنه قال "أنت منى وأنا منك" وفى حديث آخر: "أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون وموسى".
وفى غير الخلفاء الراشدين جاء فى بلال قوله ﷺ "سمعت دُف نعليك فى الجنة" وجاء فى أُبى بن كعب "ليهنك العلم أبا المنذر" وجاء فى عبد الله بن سلام "أنت على الإسلام حتى تموت" وجاء فى أنصاريين "ضحك الله -أو عجب- من فعالكما" وجاء فى الأنصار "أنتم من أحب الناس إلى" وجاء فى أشج عبد القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة" وكل هذه الأحاديث مشهورة فى الصحيح كما ذكره النووى فى"الأذكار" ص ٢٧٣ -٣٧٥ ووردت آثار كثيرة فى مدح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم. وقال الإمام الغزالى فى آخر كتاب الزكاة من إحياء علوم الدين: إذا تصدق إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن ينظر:
فإن كان الدافع للصدقة ممن يحب الشكر عليها ونشرها فينبغى للآخذ أن يخفيها، لأن قضاء حقه ألا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فينبغى أن يشكره ويظهر صدقته، وقال سفيان الثورى ﵀: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس
стр. 4798
الشكر على المعروف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن يصنع بعض الناس معروفا لى، ولكنى لا أستطيع أن أقابل معروفه بمعروف، فماذا أفعل؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: أتى النبى ﷺ الخلاء -فوضعت له وضوءا -ماء يتطهر به- فلما خرج قال "من وضع هذا"؟ فأخبر فقال "اللهم فقهه فى الدين" وثبت فى صحيح مسلم أنه قال لأبى قتادة لملاحظته له فى السفر "حفظك الله بما حفظت به نبيه" وروى الترمذى بإسناد قال عنه: حسن صحيح قوله ﷺ "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ فى الثناء" وروى النسائى وابن ماجه أن النبى ﷺ استقرض من عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألفا، فلما دفع إليه القرض دعا له وقال "بارك الله لك فى أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء".
من السنة إذا صنع للإنسان معروف أن يكافئ فاعله بمثل معروفه أو أحسن، بناء على قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ النساء: ٨٦ لكن ربما لا يستطيع الإنسان أن يقوم بذلك، وهنا يكفى أن يشكر الفاعل ويدعى له بالخير، فقد ورد فى ذلك قوله ﷺ "من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين " رواه أبو داود والنسائى ورواه الطبرانى باللفظ المذكور وروى أبو داود والنسائي أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير ولا أحسن مواساة فى قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة، قال ﷺ "أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم"؟ قالوا: بلى، قال "فذاك بذاك".
وهنا سؤال: ماذا لو كان صانع المعروف غير مسلم كيف نشكره وندعو له؟ والإجابة: أن يدعى له بالهداية وصحة البدن والعافية، بدليل مارواه ابن السنى أن الرسول ﷺ استقى -يعنى طلب ماء يشربه- فسقاه يهودى، فقال له "جمَّلك الله " فما رأى الشيب حتى مات
стр. 4799
القصد فى الموعظة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن بعض الخطباء يطيلون فى الخطبة مما يجعل بعض الحاضرين يفكر فى الانصراف عن سماعها أو تنبيه الخطيب حتى يختصر فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
روى مسلم عن عمار بن ياسر رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" ومعنى "مئنة" علامة دالة.
والمقصود من إطالة الصلاة بالنسبة إلى هذا الحديث الإطالة بالنسبة إلى الخطبة، وليس التطويل الذى يشق على المؤمنين، حتى يتفق مع الحديث: كانت خطبته قصدا وصلاته قصدا. فيستحب لمن وعظ جماعة أو ألقى عليهم علما أن يقتصد فى ذلك ولا يطيل تطويلا يملهم حتى لا يضجروا وتذهب حلاوة العلم، ويكرهوا سماع الخير فيقعوا فى المحظور، وكان الصحابة رضوان الله عليهم ملتزمين بهذا الهدى، فقد روى البخارى ومسلم عن شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود يذكرنا فى كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم فقال: أما إنه يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم، وإنى أتخولكم بالموعظ كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.
ومما يتصل بهذا من أدب الدعوة والإمامة ألا يطيل الإمام فى الصلاة مراعاة لظروف المأمومين، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقد صح فى البخارى ومسلم أن الرسول ﷺ قال لمعاذ حين اشتكى البعض طول صلاته "أفتَّان أنت يا معاذ" ثلاث مرات، والمعنى أن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة، وسبب لكراهة صلاة الجماعة، وأنه عذاب لهم، والإسلام لا يحب ذلك.
ومن الأدب أن تكون الموعظة مفهومة بأسلوب مناسب،وليس فيها غرائب تحار فى فهمها العقول، روى البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 4800
الثعلب والقنفذ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قيام بعض الفلاحين باصطياد حيوانات من الحقول وذبحها وأكلها، مثل الثعلب والقنفذ؟
الجواب
الثعلب حلال أكله عند الشافعية، اعتمادا على عادة العرب فى ذلك، فيندرج تحت عموم قوله تعالى ﴿يسألونك ماذا أُحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ المائدة: ٤ قال ابن الصلاح: ليس فى حل الثعلب حديث عن رسول الله ﷺ ، وفى تحريمه حديثان فى إسنادهما ضعف ... وبالحل قال طاووس وعطاء وقتادة وغيرهم من التابعين. وكره أبو حنيفة ومالك أكله، وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه، لأنه سبع.
أما القنفذ فهو أيضا حلال عند الشافعية، للدليل السابق فى الثعلب، وقد أفتى ابن عمر بإباحته. وما رواه أبو داود عن أبى هريرة عن النبى ﷺ فى أنه خبيث وأن ابن عمر رجع عن قوله فى حله فرواته مجهولون. قال البيهقى: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل. وسئل عنه مالك فقال: لا أدرى راجع كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى ففيه توضيح للأدلة
стр. 4801
زلة العالم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الحكم فيما لو فعل العالم فعلا يتناقض مع ما هو معروف فى الدين؟
الجواب
إن هذا السؤال يستلزم بيان نقطتين، الأولى موقف العالم من هذه الزلَّة، والثانى موقف الناس منه.
وقبل الإجابة نقرر أنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ إلا من عصم الله، فكل ابن آدم معرض لذلك، وخير الخطائين التوابون كما صح فى الحديث، كما نقرر أن فى الشريعة أمورا متفقا على حكمها من الحل أو الحرمة، وأمورا اختلفت فيها الأقوال، فما كان متفقا على حكمه لا تجوز مخالفته ويجب التنبيه على هذه المخالفة قياما بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما كان فيه خلاف ينبغى لمن اختار رأيا والتزمه حتى ظن الناس أنه هو الصحيح. ثم اختار رأيا آخر أثار دهشة الناس أن يبين السبب فى ذلك ليعلم الناس أن الحكم الخلافى لا يجب التزام رأى واحد فيه، كما أن من علم أن المسألة فيها خلاف فى الحكم لا ينبغى أن يعترض على من اتبع أى رأى من الآراء.
وقد تحدث الإمام النووى فى كتابه "الأذكار" ص ٣١٩ عن ذلك فقال: اعلم أنه يستحب للعالم والمعلم والقاضى والمفتى والشيخ المربى وغيرهم ممن يقتدى به ويؤخذ عنه أن يجتنب الأفعال والأقوال والتصرفات التى ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقا فيها، لأنه إذا فعل ذلك ترتب عليه مفاسد.
من جملتها توهم كثير ممن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعا وأمرا معمولا به أبدا، ومنها وقوع الناس فيه بالتنقص واعتقادهم نقصه وإطلاق ألسنتهم بذلك، ومنها أن الناس يسيئون الظن به فينفرون عنه، وينفرون غيرهم عن أخذ العلم عنه، وتسقط رواياته وشهادته، ويبطل العمل بفتواه، ويذهب ركون النفوس إلى ما يقوله من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة، فيبنغى له اجتناب أفرادها فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شىء من ذلك وكان محقا فى نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهره أو ظهر، أو رأى المصلحة فى إظهاره ليعلم جوازه وحكم الشرع فيه فينبغى أن يقول: هذا الوجه الذى فعلته ليس بحرام، أو إنما فعلته لتعلموا انه ليس بحرام إذا كان على الوجه الذى فعلته، وهو كذا وكذا، ودليله كذا وكذا.
واستدل النووى على ذلك بما رواه البخارى ومسلم عن سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ قام على المنبر فكبَّر وكبر الناس وراءه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل على الناس فقال "أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى" والأحاديث فى هذا الباب كثيره كحديث صفية حينما رآها مع الرسول على باب المسجد ليلة فظن بعض المارة سوءا فبادر وقال: "إنها صفية" أى ليست امرأة أجنبية، وبيَّن لهم أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، فربما سول لهم سوءا فى الظن، وجاء فى البخارى أن عليا رضى الله عنه شرب قائما وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت.
والمسألة الثانية أن على التابعين الآخذين عن هذا الشيخ إذا رأوا منه شيئا فى ظاهره مخالفة لمعروف أن يسألوه عنه بنية الاسترشاد - لا بنية النقد والاعتراض - فإن كان قد فعله ناسيا تداركه، وإن كان فعله عامدا وهو صحيح فى نفس الأمر بيَّنه لهم، فقد روى البخارى ومسلم عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفة -أى أفاض منها- حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ: فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال "الصلاة أمامك".
يقول النووى: إن أسامة قال ذلك لأنه ظن أن النبى ﷺ نسى صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتها وقرب خروجه.
كما روى البخارى ومسلم أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال:
يا رسول الله مالك عن فلان، والله إنى لأراه مؤمنا؟ وروى مسلم عن بريدة أن النبى ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، فقال عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال "عمدا صنعته يا عمر" ونظائر هذا كثيرة فى الصحيح.
فالخلاصة أن العالم ومن يقتدى به إذا ظهر منه قول أو فعل يرى المتعلمون أنه مخالف، ينبغى أن يبين لهم وجه الصواب، وينبغى لهم أيضا أن يسألوه عن ذلك بأدب واحترام ولا يبادروا بإساءة الظن به، ولا يعارضوا بأسلوب غير لائق
стр. 4802
التثبت من القول
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الناس يحب أن يخطب فى القرى ويجذب الانتباه إليه فيروي أحاديث دون أن يتثبت من صحتها، وحكايات قد تكون مختلقة، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ الإسراء: ٣٦ ويقول ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ ق: ١٨ وروى مسلم أن النبى ﷺ قال "كفى بالمرء كذبا أن يحدِّث بكل ما سمع" وروى مسلم أيضا أنه ﷺ قال "بحسب المرء من الكذب أن يحدِّث بكل ما سمع " وروى أبو داود بإسناد صحيح أنه ﷺ قال "بئس مطية الرجل زعموا".
هذه النصوص تنفر من الإسراع فى رواية حديث أو حكاية خبر أو إصدار حكم قبل أن يتثبت الإنسان منه. والله سبحانه سائل من تجرأ على ذلك يوم القيامة، ومطلع على نيته، وتشتد حرمة الكذب إذا نسب إلى الله سبحانه أو إلى الرسول ﷺ والله يقول ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ النحل: ١١٦ والرسول ﷺ يقول: "من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخارى ومسلم وكما يحرم الكذب فى نقل الآيات والأحاديث يحرم فى الحكم على الشىء بالحل أو الحرمة، لأن ذلك من اختصاص الله سبحانه وما أذن فيه للرسل، قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ النحل: ١١٦.
ونسبة أقوال أو أفعال إلى غير من لم تصدر عنه كذب عليه وفيه إيذاء وضرر والله يقول: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ الأحزاب: ٥٨ وفى الحديث "لا ضرر ولا ضرار".
وأكثر من يلجئون إلى هذه الطريقة مراءون غير مخلصين لله، يريدون أن يتحدث الناس عنهم بكثرة العلم، أو ينالوا منهم مغنما دنيويا، والرياء شرك محبط للثواب والوعيد عليه شديد فى نصوص القرآن والسنة، ومعلوم أن الرسول ﷺ كان إذا سئل لا يجيب إلا بما يعلم، فإن كان عنده علم أجاب، وإلا رجع إلى الله سبحانه، والوقائع شاهدة على ذلك، كما فى سؤالهم له عن الروح وذى القرنين وأصحاب الكهف، وعن خير البقاع وشرها، والحديث معروف فى قيام الجهلاء بالفتوى بعد موت العلماء، فضلوا وأضلوا
стр. 4803
الإرهاب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الإرهاب،وما موقف الإسلام منه؟
الجواب
الإرهاب هو التخويف، والرهبة هى الخوف، وكل العباد لابد أن يرهبوا الله أى يخافوه قال تعالى: ﴿وإياى فارهبون﴾ البقرة: ٤٠ ومع تخويف الله بعقاب العاصين، يكون الرجاء بثواب الطائعين، قال تعالى ﴿نبِّى عبادى أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابى هو العذاب الأليم﴾ الحجر: ٤٩، ٥٠ وهذان الأمران لابد أن يلازما كل إنسان فى حياته، وإن قال العلماء: ينبغى تغليب الخوف على الرجاء ووضح ذلك كبارهم فقالوا: ينبغى تغليب الخوف على الرجاء فى فترة الشباب وتوافر أسباب القوة التى قد تدعو إلى الانحراف، أما فى فترة الضعف بكبر السن وقرب الأجل فينبغى تغليب الرجاء على الخوف، قالوا ذلك عند شرح البيت الشعرى فى العقائد:
وغلِّب الخوف على الرجاء * وسر لمولاك بلا تناء والله سبحانه يرهبنا أى يخوفنا من عقابه إن انحرفنا فيقول ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ الإسراء: ٥٩ والإنسان يرهب غيره بأساليب متنوعة ولأغراض متعددة فإن كان لغرض مشروع كالتأديب والنهى عن المنكر كان مشروعا، ومنه تأديب الصبى إذا ترك الصلاة، "واضربوهم عليها لعشر" وتأديب الزوجة الناشز ﴿واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن﴾ النساء: ٣٤ ومنه إرهاب العدو منعا لعدوانه علينا، وذلك بالاستعداد لمقاومته وبوسائل أخرى كالدعاية لتخويفه، قال تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ الأنفال: ٦٠. أما الإرهاب بدون سبب مشروع فهو محرم، ذلك أن الإسلام دين السلام، لا يبدأ بعدوان ويؤثر السلامة على المخاطرة التى لم نلجأ إليها، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ البقرة: ٢٠٨ وهو دخول فى السلم بين المسلمين بعضهم مع بعض وبينهم وبين غيرهم، قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ الأنفال: ٦١ وموقف النبى ﷺ فى صلح الحديبية تطبيق عملى لهذا المبدأ العظيم، ووعد إن جاءوه بخطة سلم قبلها منهم، وكانت شروط الصلح مؤكدة لذلك، حتى إن بعض الصحابة شعر فيها بشىء من الذلة والضعف ولكن حكمة الرسول ﷺ بددت كل ذلك، وهو القائل فى حديثه الذى رواه البخارى ومسلم، وقد انتظر العدو فى بعض أيامه حتى مالت الشمس "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ".
وذلك كله إيثار للسلم والأمن الذى هو نعمة أساسية فى حياة الإنسان كما فى الحديث الذى رواه الترمذى "من أصبح آمنا فى سربه معافى فى بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
وقد امتن الله بالأمن على قريش فقال ﴿الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ قريش: ٤ وجعل مكة حرما آمنا، وأقسم أنها البلد الأمين، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وكذلك من آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أى شرك، وجعل سلب الأمن عقابا لمن كفر بأنعم الله، وشرف السلام فكان اسما من أسمائه وسمى به الجنة وجعله تحية المسلمين فيما بينهم وتحية الملائكة لهم فى الجنة وكان نزول القرآن فى ليلة السلام، وكل ذلك وردت به النصوص فى القرآن والسنة "انظر كتابنا: دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
ومن أجل الحفاظ على الأمن والسلام حرم الاعتداء على الحقوق ووضع لها عقوبات صارمة فحرم القتل والسرقة وانتهاك الأعراض بالزنا والقدح والاتهام، وحرم الإفساد فى الأرض وعده محاربة الله ورسوله، كما حرم الإسلام كل ما يقلق الأمن ويساعد على التفرق والمنازعات، كالربا والبخل والنميمة وشهادة الزور والخيانة والكبر والهجران، وإباء الصلح مع من طلبه والاعتداء على المخالف فى العقيدة ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ التوبة: ٧ إلى غير ذلك من الإجراءات التى ذكرت كثيرا منها فى كتابى المشار إليه.
وبلغ من اهتمام الرسول ﷺ بالمحافظة على أمن الناس أنه قال "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وإن كان أخاه لأبيه وأمه " رواه مسلم وقال "من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من فزع يوم القيامة" وروى أبو داود أن بعض الصحابة كان يسير مع النبى ﷺ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزغ فقال ﷺ "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما" وفى حديث رواه الترمذى بنسد حسن "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا" وفى حديث رواه البزار والطبرانى وغيرهما عن عامر بن ربيعة أن رجلا أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال " لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم " وروى الطبرانى أن عبد الله بن عمر سمع النبى ﷺ يقول "من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة" بل إن النظرة المخيفة نهى عنها الحديث الذى رواه الطبرانى "من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه بها بغير حق أخافه الله يوم القيامة" وبخصوص الإرهاب بالسلاح جاء الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدرى لعل الشيطان يترع فى يده فيقع فى حفرة النار ومعنى "يترع " بكسر الراء وبالعين يرمى، وروى "ينزغ " بالزاى المفتوحة وبالغين، ومعناه أيضا يرمى ويفسد، وأصل الترع الطعن والفساد "الترغيب والترهيب للمنذرى ج ٣ ص ١٩٨ ".
وتكفى هذه النصوص لبيان أن تخويف الآمن بدون وجه حق من المنكرات التى تتنافى مع الأخوة الإنسانية، والتى تحول دون التطور الذى يلزمه الهدوء والاطمئنان على الحقوق، تلك المنكرات التى تهوى بالإنسان الذى كرمه الله إلى درك الوحوش فى الغابات التى تسيرها الغرائز ويتحكم فيها منطق الأثرة والأنانية والقوة
стр. 4804
أعداء الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو سبب العداء السافر بين الدول الغربية والإسلامية وكيف يتقى المسلم شر هذا العداء وأثره فى مجتمع للمسلمين؟
الجواب
السبب ببساطة - وذلك فى نظرى- أن الدول الآن قائمة على التنافس والغلب، والأجانب جميعا يعتقدون أن الإسلام فيه كل عناصر القوة، بدليل الواقع الذى لا يستطيعون إنكاره يوم أن كان المسلمون متمسكين بدينهم حق التمسك علما وعملا، وهم لا ينسون الحروب الصليبية، ولا ينسون العروش القديمة التى أزالها الإسلام.
وقد تمكن هؤلاء من الثأر من الإسلام بالتغلب على المسلمين واستعمار بلادهم، واجتهدوا فى تحويلهم عن الدين، أو إضعاف صلتهم به بكل وسيلة حتى لا تقوم لهم دولة كما كانت من قبل، وأذكر بهذه المناسبة أن مسلما إنجليزيا اسمه "خالد شالدريك" ألقى محاضرة فى جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة فى النصف الأول من القرن العشرين بيَّن فيها الأسباب التى دعته إلى اعتناق الإسلام، وكان منها أنه نظر إلى الحرب الشرسة الموجهة من العالم المتحضر إلى الإسلام وعدم اهتمام هؤلاء، بالأديان الأخرى، فعرفت أن المحاربين للإسلام يعتقدون أنه قلعة حصينة فيها كل عناصر القوة أما الأديان الأخرى فما أيسر الاستيلاء عليها ودكَّ حصونها إن كانت لها حصون. ومن هنا -يقول-اتجهت إلى دراسة الإسلام فعرفت أن فيه كل عناصر القوة والصدق، فأسرعت إلى الدخول فيه.
ومن هنا يجب على المسلمين جميعا، أفرادا وجماعات ودولا، أن ينتبهوا إلى ما يراد بهم، وأن يفيقوا من غفلتهم، وأن يعودوا إلى الإسلام عقيدة وشريعة، بالفهم الصحيح والتطبيق الدقيق الشامل فى كل الميادين، مؤمنين تماما بأن دينهم فيه كل عناصر القوة واستقلال الشخصية، والنصوص فى ذلك كثيرة "اقرأ: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية"
стр. 4805
رابعة العدوية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك كلام كثير عن رابعة العدوية فى نشأتها الأولى وانتهاء حياتها بالتصوف، واشتهارها بالحب الإلهى، فهل من كلمة موجزة عنها؟
الجواب
رابعة هى بنت إسماعيل العدوية البصرية، ولقبها ابن خلكان بأم الخير، وذكر أنها مولاة آل عتيك، فخذ من قبيلة الأزد، كانت فى أول أمرها تعزف بالمعازف ثم تابت وقضت حياتها بالبصرة كأنها مسجونة وماتت بها فى سنٍّ لا تقل عن ثمانين سنة، وذلك فى عام ١٨٥ هـ (٨٠١م) ولم تكن وفاتها سنة١٣٥ هـ (٧٥٢ م) لأن محمد بن سليمان الذى ولى البصرة من قبل العباسيين منذ سنة١٤٥ هـ- ١٧٢ هـ قد خطبها فأبت وتفرغت للعبادة، وقالوا: إنها ولدت فى العام الذى بدأ فيه الحسن البصرى مجالس تعليمه، وذلك سنة٩٥ هـ أو ٩٦ هـ، فأكثر الذين كتبوا عنها قالوا: إنها ولدت وعاشت فى القرن الثانى من الهجرة وماتت فى أخرياته.
كانت كثيرة العبادة تلبس الصوف وما إليه من ثياب الشعر، زاهدة فى الدنيا، ولعل أظهر ما تميزت به كلامها فى الحب والمحبة كما فى كتاب "مدارج الساكين" لابن القيم، ومن شعرها المأثور فى ذلك:
أحبك حبين، حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذى هو حب الهوى * فشغلى بذكرك عمن سواكا وأما الذى أنت أهل له * فكشفك لى الحجب حتى أراكا فلا الحمد فى ذا ولا ذاك لى * ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا ذكر الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين "أن محمد بن سليمان الهاشمى والى البصرة أرسل إليها كتابا يخطبها وذكر فيه مقدار غناه وأن مهرها سيكون كبيرا فردت عليه بعد المقدمة: اعلم أن الزهد فى الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابى هذا فهيئ زادك، وقدم لمعادك وكن وصى نفسك ولا تجعل الناس أوصياءك فيقتسموا تراثك، وصم عن الدنيا وليكن إفطارك على الموت. وأما أنا فلو أن أعطانى ما أعطاك وأمثاله ما سرنى أن أشتغل طرفة عين عن الله.
ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى دائرة المعارف الإسلامية "مادة تصوف" وتعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق ص ٣٥٧
стр. 4806
النص والاجتهاد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قولهم: لا اجتهاد مع النص، وهل هذا يمنع الاجتهاد فيما يجُد من الأمور فى الحياة؟
الجواب
هذا التعبير يقصد به أن الإنسان إذا أراد أن يعرف حكما شرعيا ينبغى أن يرجع إلى الكتاب والسنة، فإن وجد فيها الحكم اقتنع به وأراح نفسه ولا يكلفها البحث عنه فى مصادر أخرى يقوم عليها الاجتهاد كالقياس ونحوه.
فالذى يريد أن يعرف وجوب الصلاة يكفيه قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ البقرة: ٤٣ وقوله ﷺ "بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ... " رواه البخارى ومسلم.
والذي يريد أن يعرف عدد الصلوات المفروضة وعدد ركعات كل منها فليرجع إلى سنة النبى ﷺ وفيها الكثير مما يدل على ذلك. وأى اجتهاد يخالف ما نص عليه القرآن والسنة فهو مرفوض. وهذا لا يمنع القول بجواز الاجتهاد فى النص بمعنى أنه إذا امتنع الاجتهاد لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله أو رفضه، ولكن لفهمه فهما دقيقا إذا كان فيه اشتباه مثلا، إن تشريع الوضوء للصلاة جاء صريحا فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ المائدة: ٦ فمسح الرأس مطلوب، لكن هل يجب مسح جميع الرأس أو يكفى مسح البعض؟ إن الباء التى تعدى بها الأمر بالمسح هى التى اجتهد فيها العلماء من أجل معرفة القدر الممسوح وذلك لأن لها عدة معان فى اللغة العربية والقرآن الكريم عربى يفسر عند عدم وجود النص على ضوء هذه اللغة فقال بعض الفقهاء بوجوب مسح كل الرأس، واكتفى البعض بمسح جزء من الرأس، وتوضيح ذلك ليس محله الآن.
فالخلاصة أن الاجتهاد لمعرفة الحكم ليس له محل ما دام النص موجودا، أما الاجتهاد فى النص لفهمه فهما دقيقا فيجوز على القواعد التى وضعها العلماء لذلك، وهى مذكورة فى موضع آخر من هذه الفتاوى
стр. 4807
حياك الله وبياك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى: حياك الله وبياك، ومن الذى قالها؟
الجواب
جاء في كتاب "حياة الحيوان الكبرى للدميرى- الغراب" أن آدم حج إلى مكة وجعل قابيل وصيا على بنيه فقتل قابيل هابيل، فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ فقال لا أدرى، فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه، فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دما.
ثم إن آدم بقى مائة عام لا يبتسم حتى جاءه ملك الموت فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: وما بياك؟ قال أضحكك
стр. 4808
النظم الاقتصادية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تشيع فى هذه الأيام ألفاظ تتحدث عن الاقتصاد مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية فما هى مقومات كل منها، وما هى مقومات النظام الإسلامى؟
الجواب
الكلام على هذه المصطلحات طويل، ويكفى هنا أن نعرف مقومات كل منها باختصار حتى يمكننا أن نعرف الفرق بينها وبين النظام الإسلامى.
١- الاشتراكية تقوم على أركان أهمها:
أ- تقليل الفوارق الطبقية من أجل الوصول إلى المجتمع اللاطبقى.
ب- تسلم البروليتاريا للحكومة لإنشاء حكومة ديكتاتورية.
ج- تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالية فى البلاد.
د- قيام التوزيع على قاعدة: كلٌّ حسب طاقته، ولكل حسب عمله.
٢- والشيوعية تقوم على أركان أهمها:
أ- محو الملكية الخاصة فى الإنتاج والاستهلاك.
ب- تذويب الفوارق بحيث لا توجد طبقة متميزة.
ج- محو السلطة السياسية وتحرير المجتمع من الحكومة.
٣- والرأسمالية تقوم على أركان أهمها:
أ- إقرار الملكية الخاصة بغير حدود.
ب- حرية الفرد واستقلال ملكيته وتنميتها.
ج- ضمان حرية الاستهلاك، وضمان حرية الاستغلال.
٤- الاقتصاد الإسلامى يقوم على أركان أهمها:
أ- إقرار الملكية المزدوجة: الخاصة والعامة.
ب- الحرية الاقتصادية فى نطاق الإسلام خلقا وتشريعا.
ج- العدالة الاجتماعية بالتكافل والتوازن.
ويمكن الرجوع إلى كتاب: اشتراكية الإسلام للدكتور مصطفى السباعى لتوضيح ذلك
стр. 4809
علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟
الجواب
يقول القشيرى المتوفى بمدينة نيسابور يوم الأحد ١٦ من ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة من الهجرة فى رسالته فى التصوف: اليقين هو العلم الذى لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف، ولا يطلق فى وصف الحق سبحانه، لعدم التوقيف. فعلم اليقين هو اليقين، وكذلك عين اليقن نفس اليقين، وحق اليقين نفس اليقين.
فعلم اليقين على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان. وعين اليقين ما كان بحكم البيان -أى بطريق الكشف- وحق اليقين ما كان بنعت العيان. فعلم اليقين لأرباب العقول، وعين اليقين لأصحاب العلوم، وحق اليقين لأصحاب المعارف "ص ٧٤" والشيخ زكريا الأنصارى فى شرحه للرسالة يقول: هذه الألفاظ عبارات عن علوم جلية مع تفاوتها فى القوة، بناء على أن اليقين مقول على أفراده بالتشكيك، والثلاثة مذكورة فى القرآن، قال تعالى: ﴿لو تعلمون علم اليقين﴾ التكاثر: ٥ وقال ﴿لترونها عين اليقين﴾ التكاثر: ٧. وقال ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ الواقعة: ٩٥ وذكر القرطبى فى تفسيره "ج ١٧ ص ٢٣٤ " لسورة الواقعة أن معنى حق اليقن محض اليقين وخالصه، وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما، قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين فهو من باب إضافة الشىء إلى نفسه عند الكوفيين، وعند البصريين حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد، وقيل:
أصل اليقين أن يكون نعتا للحق، فأضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز كقوله "ولدار الآخرة ".
وذكر فى تفسير سورة التكاثر "ج ٢٠ ص ١٧٤" أن علم اليقين بالنار يكون فى الدنيا عن طريق العقل والقلب، وعين اليقين يكون فى الآخرة عند المعاينة بعين الرأس والمشاهدة فيراها يقينا لا تغيب عن عينه
стр. 4810
الذكر واللهو
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيما نراه فى بعض حلقات الذكر من الضرب بالدفوف والمزامير وغيرها؟
الجواب
نقل القرطبى عن أبى بكر الطرطوشى رحمهما الله تعالى أنه سئل عن قوم يجتمعون فى مكان يقرءون شيئا من القرآن، ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أم لا؟ فأجاب: مذهب الصوفية أن هذا بطالة وجهالة وضلالة إلى آخر كلامه، قلت: وقد رأيت أنه أجاب بلفظ غير هذا، وهو أنه قال:
مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإِسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، فهو دين الكفار وعبَّاد العجل، وإنما كان مجلس النبى ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار. فينبغى للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور فى المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم.
هذا مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين. "حياة الحيوان الكبرى للدميرى- العجل "
стр. 4811
شم النسيم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحتفل المصريون بيوم شم النسيم، فما هو أصل هذا الاحتفال، وما رأى الدين فيه؟
الجواب
النسيم هو الريح الطيبة، وشمه يعنى استنشاقه، وهل استنشاق الريح الطيبة له موسم معين حتى يتخذه الناس عيدا يخرجون فيه إلى الحدائق والمزارع، ويتمتعون بالهواء الطلق والمناظر الطبيعية البديعة، ويتناولون فيه أطايب الأطعمة أو أنواعا خاصة منها لها صلة بتقليد قديم أو اعتقاد معين؟ ذلك ما نحاول أن نجيب عليه فيما يأتى:
كان للفراعنة أعياد كثيرة، منها أعياد الزراعة التى تتصل بمواسمها، والتى ارتبط بها تقويمهم إلى حد كبير، فإن لسنتهم الشمسية التى حددوها باثنى عشر شهرا ثلاثة فصول، كل منها أربعة أشهر، وهى فصل الفيضان ثم فصل البذر، ثم فصل الحصاد. ومن هذه الأعياد عيد النيروز الذى كان أول سنتهم الفلكية بشهورها المذكورة وأسمائها القبطية المعروفة الآن.
وكذلك العيد الذى سمى فى العصر القبطى بشم النسيم، وكانوا يحتفلون به فى الاعتدال الربيعى عقب عواصف الشتاء وقبل هبوب الخماسين، وكانوا يعتقدون أن الخليقة خلقت فيه، وبدأ احتفالهم به عام ٢٧٠٠ ق. م وذلك فى يوم ٢٧ برمودة، الذى مات فيه الإِله "ست" إله الشر وانتصر عليه إله الخير. وقيل منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.
وكان من عادتهم فى شم النسيم الاستيقاظ مبكرين، والذهاب إلى النيل للشرب منه وحمل مائه لغسل أراضى بيوتهم التى يزينون جدرانها بالزهور. وكانوا يذهبون إلى الحدائق للنزهة ويأكلون خضرًا كالملوخية والملانة والخس، ويتناولون الأسماك المملحة التى كانت تصاد من بحر يوسف وتملح فى مدينة "كانوس" وهى أبو قير الحالية كما يقول المؤرخ "سترابون" وكانوا يشمون البصل، ويعلقونه على منازلهم وحول أعناقهم للتبرك.
وإذا كان لهم مبرر للتمتع بالهواء والطبيعة وتقديس النيل الذى هو عماد حضارتهم فإن تناولهم لأطعمة خاصة بالذات واهتمامهم بالبصل لا مبرر له إلا خرافة آمنوا بها وحرصوا على تخليد ذكراها. لقد قال الباحثون:
إن أحد أبناء الفراعنة مرض وحارت الكهنة فى علاجه، وذات يوم دخل على فرعون كاهن نوبى معه بصلة أمر بوضعها قرب أنف المريض، بعد تقديم القرابين لإِله الموت "سكر" فشفى. وكان ذلك فى بداية الربيع، ففرح الأهالى بذلك وطافوا بالبلد والبصل حول أعناقهم كالعقود حول معابد الإله "سكر" وبمرور الزمن جدت أسطورة أخرى تقول: إن امرأة تخرج من النيل في ليلة شم النسيم يدعونها "ندَّاهة" تأخذ الأطفال من البيوت وتغرقهم، وقالوا: إنها لا تستطيع أن تدخل بيتا يعلق عليه البصل "محمد صالح -الأهرام: ٣٠/ ٤/١٩٦٢م.
ثم حدث فى التاريخ المصرى حادثان، أولهما يتصل باليهود والثانى بالأقباط، أما اليهود فكانوا قبل خروجهم من مصر يحتفلون بعيد الربيع كالمصريين، فلما خرجوا منها أهملوا الاحتفال به، كما أهملوا كثيرا من عادات المصريين، شأن الكاره الذى يريد أن يتملص من الماضى البغيض وآثاره. لكن العادات القديمة لا يمكن التخلص منها نهائيا وبسهولة، فأحب اليهود أن يحتفلوا بالربيع لكن بعيدا عن مصر وتقويمها، فاحتفلوا به كما يحتفل البابليون، واتبعوا فى ذلك تقويمهم وشهورهم.
فالاحتفال بالربيع كان معروفا عند الأمم القديمة من الفراعنة والبابليين والأشوريين، وكذلك عرفه الرومان والجرمان، وإن كانت له أسماء مختلفة، فهو عند الفراعنة عيد شم النسيم، وعند البابليين والأشوريين عيد ذبح الخروف، وعند اليهود عيد الفصح، وعند الرومان عيد القمر، وعند الجرمان عيد "إستر" إلهة الربيع.
وأخذ احتفال اليهود به معنى دينيا هو شكر الله على نجاتهم من فرعون وقومه.
وأطلقوا عليه اسم "عيد بساح" الذى نقل إلى العربية باسم "عيد الفصح" وهو الخروج، ولعل مما يشير إلى هذا حديث رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى أن اليهود تصوم عاشوراء، فقال لهم "ما هذا اليوم الذى تصومونه"؟ قالوا: هذا يوم عظيم، نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله ﷺ "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه. وفى رواية فنحن نصومه تعظيما له.
غير أن اليهود جعلوا موعدا غير الذى كان عند الفراعنة، فحددوا له يوم البدر الذى يحل فى الاعتدال الربيعى أو يعقبه مباشرة.
ولما ظهرت المسيحية فى الشام احتفل المسيح وقومه بعيد الفصح كما كان يحتفل اليهود. ثم تآمر اليهود على صلب المسيح وكان ذلك يوم الجمعة ٧ من أبريل سنة ٣٠ ميلادية، الذى يعقب عيد الفصح مباشرة، فاعتقد المسيحيون أنه صلب فى هذا اليوم، وأنه قام من بين الأموات بعد الصلب فى يوم الأحد التالى، فرأى بعض طوائفها أن يحتفلوا بذكرى الصلب فى يوم الفصح، ورأت طوائف أخرى أن يحتفلوا باليوم الذى قام فيه المسيح من بين الأموات، وهو عيد القيامة يوم الأحد الذى يعقب عيد الفصح مباشرة، وسارت كل طائفة على رأيها، وظل الحال على ذلك حتى رأى قسطنطين الأكبر إنهاء الخلاف فى "نيقية" سنة ٣٢٥ ميلادية وقرر توحيد العيد، على أن يكون فى أول أحد بعد أول بدر يقع فى الاعتدال الربيعى أو يعقبه مباشرة، وحسب الاعتدال الربيعى وقتذاك فكان بناء على حسابهم فى يوم ٢١ من مارس "٢٥ من برمهات" فأصبح عيد القيامة فى أول أحد بعد أول بدر وبعد هذا التاريخ أطلق عليه اسم عيد الفصح المسيحى تمييزا له عن عيد الفصح اليهودى.
هذا ما كان عند اليهود وتأثر المسيحيين به فى عيد الفصح. أما الأقباط وهم المصريون الذين اعتنقوا المسيحية فكانوا قبل مسيحيتهم يحتفلون بعيد شم النسيم كالعادة القديمة، أما بعد اعتناقهم للدين الجديد فقد وجدوا أن للاحتفال بعيد شم النسيم مظاهر وثنية لا يقرها الدين، وهم لا يستطيعون التخلص من التقاليد القديمة، فحاولوا تعديلها أو صبغها بصبغة تتفق مع الدين الجديد، فاعتبروا هذا اليوم يوما مباركا بدأت فيه الخليقة، وبشَّر فيه جبريل مريم العذراء بحملها للمسيح، وهو اليوم الذى تقوم فيه القيامة ويحشر الخلق، ويذكرنا هذا بحديث رواه مسلم عن النبي ﷺ " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة "صحيح مسلم بشرح النووى" ج ٦ ص ١٤٢".
فاحتفل أقباط مصر بشم النسيم قوميا باعتباره عيد الربيع، ودينيا باعتباره عيد البشارة، ومزجوا فيه بين التقاليد الفرعونية والتقاليد الدينية. وكان الأقباط يصومون أربعين يوما لذكرى الأربعين التى صامها المسيح ﵇، وكان هذا الصوم يبدأ عقب عيد الغطاس مباشرة، فنقله البطريرك الإِسكندرى ديمتريوس الكرام، وهو البطريرك الثامن عشر " ١٨٨ - ٢٣٤ م " إلى ما قبل عيد القيامة مباشرة، وأدمج فى هذا الصوم صوم أسبوع الآلام، فبلغت عدته خمسة وخمسين يوما، وهو الصوم الكبير، وعمَّ ذلك فى أيام مجمع نيقيه " ٣٢٥ م " وبهذا أصبح عيد الربيع يقع فى أيام الصوم إن لم يكن فى أسبوع الآلام، فحرم على المسيحيين أن يحتفلوا بهذا العيد كعادتهم القديمة فى تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ولما عز عليهم ترك ما درجوا عليه زمنا طويلا تخلصوا من هذا المأزق فجعلوا هذا العيد عيدين، أحدهما عيد البشارة يحتفل به دينيا فى موضعه، والثانى عيد الربيع ونقلوه إلى ما بعد عيد القيامة، لتكون لهم الحرية فى تناول ما يشاءون، فجعلوه يوم الاثنين التالى لعيد القيامة مباشرة، ويسمى كنسيًّا "اثنين الفصح" كما نقل الجرمانيون عيد الربيع ليحل فى أول شهر مايو.
من هذا نرى أن شم النسيم بعد أن كان عيدا فرعونيا قوميا يتصل بالزراعة جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطا بالصوم الكبير وبعيد الفصح أو القيامة، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسى والتقويم القمرى معا، ذلك أن الاعتدال الربيعى مرتبط بالتقويم الشمسى، والبدر مرتبط بالتقويم القمرى، وبينهما اختلاف كما هو معروف، وكان هذا سببا فى اختلاف موعده من عام لآخر، وفى زيادة الاختلاف حين تغير حساب السنة الشمسية من التقويم اليوليانى إلى التقويم الجريجورى. وبيان ذلك: أن التقويم القمرى كان شائعا فى الدولة الرومانية، فأبطله يوليوس قيصر، وأنشأ تقويما شمسيا، قدر فيه السنة ب ٢٥، ٣٦٥ يوما، واستخدم طريقة السنة الكبيسة مرة كل أربع سنوات، وأمر يوليوس قيصر باستخدام هذا التقويم رسميا فى عام ٧٠٨ من تأسيس روما، وكان سنة ٤٦ قبل الميلاد، وسمى بالتقويم اليوليانى، واستمر العمل به حتى سنة ١٥٨٢ م حيث لاحظ الفلكيون فى عهد بابا روما جريجوريوس الثالث عشر خطأ فى الحساب الشمسى، وأن الفرق بين السنة المعمول بها والحساب الحقيقى هو ١١ دقيقة، ١٤ ثانية، وهو يعادل يوما فى كل ١٢٨ عاما، وصحح البابا الخطأ المتراكم فأصبح يوم ٥ من أكتوبر سنة ١٥٨٢ هو يوم ١٥ أكتوبر سنة ١٥٨٢ م وهو التقويم المعروف بالجريجورى السائد الآن. وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم ٢٩ من أغسطس سنة ٢٨٤ م الذى استشهد فيه كثيرون أيام " دقلديانوس" جعلوه قائما على الحساب اليوليانى الشمسى، لكن ربطوه دينيا بالتقويم القمرى، وقد بنى على قاعدة وضعها الفلكى "متيون" فى القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل ١٩ سنة شمسية تعادل ٢٣٥ شهرا قمريا، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادى. وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك ديمتريوس الكرام، وساعده فى ذلك الفلكى المصرى بطليموس.
وبهذا يحدد عيد القيامة "الذى يعقبه شم النسيم" بأنه الأحد التالى للقمر الكامل "البدر" الذى يلى الاعتدال الربيعى مباشرة. وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمرى لحساب ظهور القمر الجديد وأوجهه لمئات السنين "وهو المسمى بحساب الألقطى" وطبقوه على التقويم الرومانى اليوليانى، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطى، واستمر ذلك حتى سنة ١٥٨٢ م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل الجريجورى. ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم.
أستمحيك عفوا أيها القارئ الكريم إذْ أتعبتك بذكر تطورات التقويم وتغير مواعيد الأعياد، إذ قد لخصتها من عدة مواضع من كتاب "تاريخ الحضارة المصرية، ومن بحث للدكتور عبد الحميد لطفى فى مجلة الثقافة "عدد ١٢١" لسنتها الثالثة فى ٢٢ / ٤ / ١٩٤١ م ومن منشورات بالصحف: الجمهورية ١٥/٤/١٩٨٥، الأهرام ٢٠/٤/١٩٨٧، ١١/٤ /١٩٨٨ فإنى قصدت بذلك أن تعرف أن عيد الربيع الحقيقى ثابت فى موعده كل عام، لارتباطه بالتقويم الشمسى. أما عيد شم النسيم فإنه موعد يتغير كل عام لاعتماده مع التقويم الشمسى على الدورة القمرية، وهو مرتبط بالأعياد الدينية غير الإسلامية، ولهذه الصفة الدينية زادت فيه طقوس ومظاهر على ما كان معهودا أيام الفراعنة وغيرهم، فحرص الناس فيه على أكل البيض والأسماك المملحة، وذلك ناشىء من تحريمها عليهم فى الصوم الذى يمسكون فيه عن كل ما فيه روح أو ناشىء منه، وحرصوا على تلوين البيض بالأحمر، ولعل ذلك لأنه رمز إلى دم المسيح على ما يعتقدون وقد تفنن الناس فى البيض وتلوينه حتى كان لبعضه شهرة فى التاريخ.
فقد قالوا: إن أشهر أنواع البيض بيضة هنرى الثانى التى بعث بها إلى "ديانادى بواتييه" فكانت علبة صدف على شكل بيضة بها عقد من اللؤلؤ الثمين، كما بعث لويس الرابع عشر للآنسة "دى لا فاليير" علبة بشكل بيضة ضمنها قطعة خشب من الصليب الذى صلب عليه المسيح، ولويس الخامس عشر أهدى خطيبته "مدام دى بارى" بيضة حقيقية من بيض الدجاج مكسوة بطبقة رقيقة من الذهب، وهى التى قال فيها الماركيز "بوفلر" لو أنها أكلت لوجب حفظ قشرتها "مهندس/ محمد حسن سعد - الأهرام ٢٥ من أبريل ١٩٣٨.
وقيصر روسيا "الإِسكندر الثالث" كلف الصائغ "كارل فابرج" بصناعة بيضة لزوجته ١٨٨٤ م، استمر فى صنعها ستة أشهر كانت محلاة بالعقيق والياقوت، وبياضها من الفضة وصفارها من الذهب، وفى كل عام يهديها مثلها حتى أبطلتها الثورة الشيوعية ١٩١٧ م.
وبعد، فهذا هو عيد شم النسيم، الذى كان قوميا ثم صار دينيا، فما حكم احتفال المسلمين به؟ لا شك أن التمتع بمباهج الحياة من أكل وشرب وتنزه أمر مباح ما دام فى الإِطار المشروع، الذى لا ترتكب فيه معصية ولا تنتهك حرمة ولا ينبعث من عقيدة فاسدة. قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧ وقال ﴿قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف: ٣٢. لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين أو موسم خاص لا يجوز فى غيره، وهل لا يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات والمشروبات، أو بظواهر خاصة؟ هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه. إن الإِسلام يريد من المسلم أن يكون فى تصرفه على وعى صحيح وبُعد نظر، لا يندفع مع التيار فيسير حيث يسير ويميل حيث يميل، بل لا بد أن تكون له شخصية مستقلة فاهمة، حريصة على الخير بعيدة عن الشر والانزلاق إليه، وعن التقليد الأعمى، لا ينبغى أن يكون كما قال الحديث " إمَّعة " يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن يجب أن يوطِّن نفسه على أن يحسن إن أحسنوا، وألا يسىء إن أساءوا، وذلك حفاظًا على كرامته واستقلال شخصيته، غير مبال بما يوجه إليه من نقد أو استهزاء، والنبى ﷺ نهانا عن التقليد الذى من هذا النوع فقال "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" رواه البخارى ومسلم.
فلماذا نحرص على شم النسيم فى هذا اليوم بعينه والنسيم موجود فى كل يوم؟ إنه لا يعدو أن يكون يوما عاديًّا من أيام الله حكمه كحكم سائرها، بل إن فيه شائبة تحمل على اليقظة والتبصر والحذر، وهى ارتباطه بعقائد لا يقرها الدين، حيث كان الزعم أن المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد الموت.
ولماذا نحرص على طعام بعينه فى هذا اليوم، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد غير صحيحة، مع أن الحلال كثير وهو موجود فى كل وقت، وقد يكون فى هذا اليوم أردأ منه فى غيره أو أغلى ثمنا.
إن هذا الحرص يبرر لنا أن ننصح بعدم المشاركة فى الاحتفال به مع مراعاة أن المجاملة على حساب الدين والخلق والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ولا عقل سليم، والنبى ﷺ يقول " من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكَّله الله إلى الناس " رواه الترمذى ورواه بمعناه ابن حبان فى صحيحه
стр. 4812
لبس الحرير
المفتي
عطية صقر - مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم ارتداء الملابس الحريرية المنسوجة من ألياف صناعية؟
الجواب
الحرير الذى وردت فيه النصوص هو الحرير الطبيعى المأخوذ من دودة القز، أما الحرير الصناعى فيشبهه فى النعومة ولكن لا يأخذ حكمه، روى ابن ماجه عن على رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرا فجعله فى يمينه بذهبا فجعله فى شماله ثم قال "إن هذين حرام على ذكور أمتى، حل لإناثهم" وقد تقدم بيان حكم الذهب، أما الحرير فجاء فيه إلى جانب ما ذكر ما رواه البخارى ومسلم "لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة" وما روياه أيضًا "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" وروى البخارى عن حذيفة: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب فى آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيهما، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه.
ومحل الحرمة إذا لم تكن هناك ضرورة للبسه، كدواء من آفات أو حكة، فقد أذن الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بذلك كما رواه البخارى ومسلم. والسفارينى فى كتابه "غذاء الألباب" بيَّن الأشياء التى يباح استعمال الحرير فيها، ومذاهب الفقهاء بخصوصها، مثل كيس المصحف وأطراف الثوب والأزرار وما إليها بما لا يزيد على أربع أصابع كما رواه مسلم.
جاء فى"ج ٢ ص ١٥٧" من غذاء الألباب: يحرم لبسه وافتراشه والاتكاء عليه وتوسده وتعليقه وستر الجدر به غير الكعبة المشرفة، كما تحرم التكة وخيط السبحة، وذكر الدميرى الشافعى فى شرح المنهاج أنه يجوز حشو الجبة والمخدة من الحرير والجلوس عليه إذا بسط فوقه ثوب، ويحل خيط السبحة، وتحرم بطانة الجبة من الحرير، وفى لبس الصبيان له رأيان.
والمحرم من الحرير هو الخالص أما المخلوط فيحرم إذا كان الحرير غالبا فى الوزن أو المظهر، وجاء فيه أن أول من لبس الحرير قوم لوط كما ذكره السيوطى فى كتابه "الأوائل" وأن أول من استخرجه من الديدان وتعلمه من الجن هو "جمشيد" وكان فى أول أمره ملكا عادلا ثم طغى فسلب ملكه وهرب إلى الهند ومات مجوسيا قتله الضحاك من ملوك اليمن، وذكر السيوطى أن أول اتخاذ الرجال الحرير فى هذه الأمة فى خلافة على رضى الله عنه الذى سمع الرسول ﷺ يقول "أوشك أن تستحل أمتى فروج النساء والحرير" وهذا أول حرير رأيته على المسلمين، وقد أخرج البخارى تعليقا. وأبو داود والنسائى قول النبى ﷺ "ليكونن من أمتى يستحلون الحِر والحرير" والحر- بكسر الحاء - فرج المرأة.
وذكر كلاما كثيرا عن صناعة الحرير والاتجار فيه والترفه به والصلاة فيه وغير ذلك من المسائل يمكن الرجوع إليها فى هذا الكتاب، وهو "غذاء الألباب " للسفارينى الحنبلى المتوفى سنة ١١٨٨ هجرية من صفحة ١٥٧ -١٧٢ من الجزء الأول. وفيه معلومات طيبة.
وأرى أن لبس الحرير الصناعى الذى يقارب فى مادته أو هيئته الحرير الطبيعى لا يليق بالرجال، وإذا قصدت به المباهاة كان حراما من أجل ذلك
стр. 4813
العزلة والاختلاط
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى شاب لا يتعامل إلا مع المتعمقين فى الدين، ولا يصلى فى الجامع بل فى منزله خشية التعامل مع شباب قريته الذين لا يتورعون عن المعاصى كالغيبة والسباب، ولا يتعامل فى المدرسة إلا مع المتمسكين بالدين؟
الجواب
تحدث العلماء عن الاختلاط والعزلة أيهما أفضل، ووضح الإمام الغزالى ذلك فى كتابه "إحياء علوم الدين ".
وهذا الشاب إذا كان ضعيف الإرادة والعزيمة وخاف على نفسه الانحراف إذا تعامل مع جماعة فله الحق فى اعتزالهم، ولكن بعد أن يقوم بواجبه نحوهم، من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهنا يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركّم من ضل إذا اهتديتم﴾ المائدة: ١٠٥ والحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى "ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك نفسك ودع عنك أمر العوام".
أما إذا كان إيمانه قويا وإرادته قوية فمن الخير أن يختلط بالناس، ولا يحرم نفسه من صلاة الجماعة فى المسجد، ويقوم فى الوقت نفسه بالنصح والإرشاد بالقدر المستطاع، فلعل الله يهدى به الضالين، ولأن يهدى الله به رجلا واحد خير له من حمر النعم كما فى الحديث الشريف
стр. 4814
حق الضيافة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
مع اختلاف نظم الحياة والمجتمعات أصبحت بيوتنا لا تسمح بإقامة الضيوف فيها لعدة أيام، والإسلام أمرنا بإكرام الضيف وبخاصة مع أولى الأرحام، فما هى الأسس التى وضعها الإسلام لهذه العلاقات؟
الجواب
صح عن النبى ﷺ كما رواه البخارى ومسلم أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ومن إكرامه إطعامه وتقديم ما يلزمه، ومنه الإيواء فى مسكن مناسب.
ونظرا لتغير الظروف فى بعض البلاد والأزمان قد يصعب على الإِنسان تدبير مكان لائق للضيف يقيم به المدة المطلوبة، ولذلك فكر بعض الناس فى إعداد دار للضيافة تواجه بها مثل هذه الحالة كالفندق.
جاء فى كتاب "غذاء الألباب" للسفارينى "ج ٢ ص ١٢٨" أن إبراهيم ﵇ أول من بنى دار الضيافة وجعل فيها كسوة الشتاء والصيف ومائدة منصوبة عليها طعام. وأثنى السفارينى على ضيافة إبراهيم من أحد عشر وجها يمكن الرجوع إليها. ثم قال: ضيافة المسلم المسافر المجتاز واجبة على المسلم النازل به فى القرى والأمصار مجانا يوما وليلة، وذلك قدر كفايته، وللضيف حق المطالبة بذلك إذا امتنع عنها، وقال:
تُسَنُّ ثلاثة أيام، وجاء فى حديث رواه البخارى ومسلم وغيرهما قوله "ولا يحل له -أى للضيف - أن يثوى -يقيم- عنده حتى يحرجه".
إذا كانت صلة الرحم مطلوبة فهى فى نطاق الوسع، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وننصح الضيوف والأقارب عند زيارتهم لأصدقائهم أو أقاربهم أن يراعوا ظروفهم، وبخاصة فى البيوت الضيقة فلا يطيلوا الإِقامة عندهم.
وحبذا لو أقام أهل البلد أو الحى دارا لمثل هذه الظروف. وقد يكون فى الفنادق فى المدن منفذ للطوارئ وفيها مستويات تتناسب مع قدرة المضيف. وعلى كل حال فالذوق إحساس نبيل تنبغى مراعاته منعا للإِحراج فى الإِقامة بالذات ما دام هناك متسع فى أماكن خاصة لذلك
стр. 4815
بين الفتوى والقضاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الأحكام الشرعية قد تصدر أحيانا من جهات متعددة، وقد يكون الحكم فى المسألة الواحدة مختلفا من جهة إلى أخرى، فأى الجهات نصدق؟ وهل يجب الالتزام بالفتوى؟
الجواب
كانت الأحكام الشرعية سهلة المأخذ فى صدر الإِسلام، إما من القرآن وإما من السنة. فكان القرآن يجيب على الأسئلة وكذلك الرسول ﷺ كان يجيب على ما يوجه إليه من أسئلة، وكان الصحابة والتابعون من بعدهم يعرفون الأحكام ويعلِّمون من لم يعرفها من الذين لم تتيسر لهم معرفتها مباشرة من الكتاب والسنة.
والمفروض فيمن يجهل حكما شرعيًّا أن يسأل عنه من يعرفه، والمفروض أيضا فيمن يعلم أن يعلِّم من لا يعلم، والنصوص فى ذلك معروفة.
ومن الأحكام الشرعية ما هو موضع اتفاق لا يختلف فيه اثنان، كصلاة الظهر أربع ركعات، ومنها ما فيه اختلاف لعدم ورود النص الصريح الواضح فيه، وقام المجتهدون بمحاولة معرفته من المصادر الأساسية حسب القواعد المعروفة للاستنباط. وذلك كقراءة الفاتحة خلف الإِمام. وفى هذا النوع قد تختلف الآراء، ويمكن لأى إنسان أن يأخذ بأى رأى منها دون حرج بعيدا عن التلفيق الذى تتتبع فيه الرخص ويُسْلِمُ إلى حكم فى المسألة لا يقول به أحد من المجتهدين كالزواج بغير صداق ولا ولى ولا شهود.
وكان فى الصحابة مجتهدون تختلف أنظارهم فى المسألة الواحدة، وكذلك كان فى التابعين مثلهم، وكان الاختلاف محدودا، ثم كثر بتقدم الزمن وكثرة الحوادث التى لم يرد فيها نص وليست لها نظائر سابقة يقاس عليها إن توافرت عوامل الصحة للقياس، وبانتشار العلماء فى الأقطار كان بعض الأقطار يميل إلى رأى العالم البارز فيها، وحدث فى بعض الأقطار أن اختار الحاكم فيها رأيا من آراء العلماء ليكون القضاء والفتوى على أساسه، وجاءت القاعدة التى قررها الأصوليون وهى "حكم الحاكم يرفع الخلاف" فطبقت فى بعض البلاد على المؤسسات الرسمية، وتركت لغيرها الحرية فى اتباع أى رأى من الآراء الاجتهادية واختياره للإجابة على الأسئلة التى توجه إليها. فى أيام النبى ﷺ كانت السلطات الثلاثة المعروفة حديثا فى يده ﵊، وهى السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية. ثم فصلت بعد ذلك بتطور النظم، ومن السلطة التشريعية كان منصب الإِفتاء، ومن القضائية كان منصب القضاء. وظهرت الصفة الرسمية لهذين المنصبين فى الدولة الإِسلامية فى عهد السلطان سليمان القانونى سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠م) ونهض بأمور الدنيا والدين، ولما ضعفت الدولة العثمانية ظهر فى مصر نظام الامتياز ونشأت المحاكم المختلطة سنة ١٨٧٥ م، وصدرت اللائحة الشرعية سنة ١٨٨٠ م، وجرى نص المادة "٢٥" منها بأن المحاكم الشرعية هى المختصة بنظر مواد الأحوال الشخصية وما يتفرع عنها، وكذا فى مواد القتل " ما يسمى الآن بالقانون الجنائى " ولذلك كان عرض الأحكام على "المفتى" واجبا، ثم جاءت المحاكم الأهلية سنة ١٨٨٣ م التى صنعها الاستعمار، فضعف شأن المحاكم الشرعية واقتصرت على الأحوال الشخصية فقط.
كان الجامع الأزهر الشريف هو المرجع لمعرفة الأحكام الشرعية عند الحاجة إليها، فكانت المحاكم تطلب من شيخه الرأى فى المسألة الدينية ليستنير به القاضى فى الحكم، وصدر قرار رسمى بمنصب الإِفتاء مع منصب مشيخة الأزهر ثم أضيف منصب الإِفتاء إلى وزارة العدل فكان يختار المفتى من كبار القضاة ومن أعضاء المحكمة العليا الشرعية بالذات، ثم ألغى القضاء الشرعى سنة ١٩٥٥ م، ومع ذلك بقى منصب المفتى إلى الآن، وحصرت مهمته الرسمية فى أمرين: إثبات أوائل الشهور العربية وبخاصة ما فيها مواسم، وأخذ الرأى فى الإعدام بالقصاص بعد إجراءات المحاكمة، ورأيه فى الأمر الأول ملزم كما كان رأى المحكمة العليا الشرعية قبل إلغائها ملزما، ورأيه فى الأمر الثانى استشارى غير ملزم.
وآراؤه فى المسائل الأخرى -بعد إلغاء الاحتفال بالمحمل وبوفاء النيل- ليست رسمية، وبالتالى ليست ملزمة، فهى كرأى أى عالم من علماء الدين، فى المسائل الفرعية والجزئية والمحلية أما المسائل الكبرى والقضايا الهامة التى تعم العالم الإِسلامى فالمرجع فيها هو شيخ الأزهر بوصفه رئيسا لمجمع البحوث الإِسلامية حسب القانون الأخير رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١م.
العلاقة بين الإِفتاء والقضاء:
قال الخبراء: إن هناك فرقا بين الإِفتاء والقضاء من جهتين، الأولى أن الفتوى لا تتعدى أن تكون إخبارا عن الله تعالى لمجرد بيان الحكم، وليس فيها إلزام بهذا الحكم، أما القضاء فهو إلى جانب الإخبار عن الله تعالى ببيان الحكم، فيه إلزام بهذا الحكم، وللقاضى حق إقامة الحدود والقصاص. وله الحبس والتعزير عند عدم الامتثال.
والثانية أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى، يعنى كل ما فيه قضاء يمكن أن يكون فيه فتوى، وليس العكس، يعنى ليس كل ما فيه فتوى يمكن أن يكون فيه قضاء، فالأحكام الشرعية قسمان، قسم يقبل القضاء مع الفتوى كمسائل المعاملات والأحوال الشخصية فى الزواج والطلاق وما يتعلق بهما، وقسم لا يقبل إلا الفتوى كالعبادات فليس للقاضى أن يحكم بصحة الصلاة أو بطلانها.
وذلك إلى جانب أن القضاء يقوم على خصومة يستمع فيها القاضى إلى الدعوى وأدلتها، بخلاف الفتوى فليس لها ذلك، إذ هى واقعة يطلب صاحبها حكم الشرع فيها.
ثم قال الخبراء: قد تكون الفتوى ملزمة إذا التزم المستفتى بالعمل بها، أو شرع فى تنفيذ الحكم الذى كشفته الفتوى، أو اطمأن قلبه إلى صحتها، أو لم يجد إلا مفتيا واحدا، فلو وجد أكثر من مفت وتوافقت الفتويان لزم العمل بها، وإن اختلفتا فإن استبان له الحق فى إحداهما لزمه العمل بها، وإلا كان عليه العمل بفتوى من يطمئن إليه علما ودينا.
بعد هذا أقول للسائل: إن أى فتوى من عالم موثوق به توافق أى مذهب من المذاهب الفقهية المعروفة يجوز الأخذ بها، أيا كانت وظيفة العالم، كما يجوز له عدم الأخذ بها لأنها غير ملزمة إلا فى الأحوال التى سبق ذكرها، وذلك فيما عدا ما يصدر من المفتى الرسمى بخصوص مواعيد المناسبات الدينية التى كانت من اختصاص المحكمة العليا الشرعية، فذلك قضاء أو يشبهه، ويمكن الرجوع إلى الفتوى الخاصة بأن اختلافهم رحمة
стр. 4816
الغيبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من الأمراض الخلقية المتفشية بين الناس مرض الغيبة، نريد توضيحا لمعناها وما تتحقق به والباعث عليها وأثرها وما هو علاجها؟
الجواب
الكلام عن الغيبة يكون عن عدة أمور هى:
١ - تعريفها: هى ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه، قال رسول الله ﷺ " هل تدرون ما الغيبة"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال " ذكرك أخاك بما يكرهه " قيل: أرأيت إن كان فى أخى ما أقوله؟ قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه " رواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، سواء فى ذلك أن يكون ما يكرهه الإِنسان فى بدنه أو نسبه أو خلقه أو قوله أو فعله أو فى غير ذلك، وقال الحسن: ذكر الغير على ثلاثة أنواع: الغيبة والبهتان والإِفك. فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإِفك أن تقول ما بلغك.
٢ - ما تتحقق به الغيبة قد تكون باللسان، وقد تكون بالإِشارة، وقد تكون بالمحاكاة والتقليد، بل قد تكون بالقلب وانعقاده على العيب وهو سوء الظن قالت السيدة عائشة رضى الله عنها: دخلت علينا امرأة، فلما ولَّتْ أومأتُ بيدى أنها قصيرة، فقال ﵊ "اغتبتيها" رواه ابن أبى الدنيا وابن مردويه. كما قالت عائشة: حاكيت إنسانا - يعنى قلدته، فقال لى النبى ﷺ "ما يسرنى أنى حاكيت إنسانا ولى كذا وكذا" رواه الترمذى وصححه، يعنى: لو أعطيتُ شيئا كثيرا من المال فى مقابل أننى أقلِّد أحدا بما يكرهه، لا أفعل ذلك - ولو سمع إنسان شخصا يغتاب أحدا فرضى بكلامه واستلذه ولم ينكره كان شريكا فى الغيبة، لأنه رضى بذكر أخيه بالعيب.
٣ - أثرها فى الدنيا: تفرق بين الناس، وتورث العداوة فيما بينهم، وفيها فضيحة وهتك أستار، وقد تجر إلى ما هو أسوأ من ذلك.
٤ - الأسباب الباعثة عليها: أسبابها كثيرة، منها: الحقد والغضب، ومجاملة الأقران وموافقة الرفقاء، والتقدم عند الرئيس لهدم المغتاب، والهزل وإضاعة الوقت والتبرؤ من العيب لإِلصاقه بغيره والحسد السخرية والاحتقار، بل قد يبعث عليها الغضب لله، فقد روى أحمد بإسناد صحيح عن عامر بن واثلة أن رجلاً مرَّ على قوم فى حياة النبى ﷺ فسلَّم عليهم فردوا ﵇، فلما جاورهم قال رجل منهم إنى لأبغض هذا فى الله، فلما بلغه ذلك اشتكاه إلى النبى ﷺ ليبين له لماذا يبغضه فى الله، فسأله فقال الرسول لماذا تبغضه؟ فقال: أنا جاره والله ما رأيته يصلى صلاة قط! إلا هذه المكتوبة، فقال الرجل: وهل رأيتنى أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود؟ فقال لا، كما سأله عن مثل ذلك فى الصوم حيث لا يصوم إلا رمضان، وعن الزكاة فلا يتجاوزها إلى الصدقات الأخرى، فقال الرسول للرجل " قُمْ فلعله خير منك " والمراد أنه ما دام يقوم بالفرائض فلا يصح أن يعاب ويبغض لأنه لم يقم بالنوافل - " الإحياء ج ٣ ص ١٢٨".
٥ - صفات المغتاب: الذى يغتاب غيره فيه صفات ذميمة، فهو حقود، عديم المروءة، مفتخر، حسود، مُرَاءٍ، غافل عن الله، غافل عن عيوبه هو، فاسق لأن الغيبة من الكبائر، مضيع لحسناته لأن من اغتابه يأخذ منها، حامل لسيئات غيره، مشيع على المسلم ما ليس فيه من أجل أن يعيبه، وفى ذلك حديث رواه الطبرانى بإسناد جيد " من ذكر امرأ بشىء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله فى نار جهنم حتى يأتى بنفاد ما قال " وفى رواية " أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها برئ يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة فى النار حتى يأتى بنفاد ما قال" أى حتى يأتى بالدليل على ما اتهمه به، والمغتاب مسلم ناقص الإسلام، لحديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " رواه البخارى ومسلم.
٦- أثرها على العبادة: رأى بعض الفقهاء أن الغيبة تبطل الصيام، فإن لم تبطله نقصت من ثوابه، للحديث الذى رواه أحمد فى الفتاتين اللتين كانتا تغتابان أثناء الصيام، حيث استقاءت كل منهما قيحًا ودما وصديدا ولحما وذلك أمام النبى ﷺ فقال " إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس " وكان عطاء من كبار علماء التابعين يرى بطلان الوضوء والصلاة والصيام بالغيبة " الإِحياء ج ٣ ص ١٢٤ " وحسنات المغتاب تنقل إلى من يغتابه، يقول الحسن لرجل قال له: لماذا تغتابنى، أنت لست عظيما حتى أحكمك فى حسناتى " ص ١٢٩ " وروى عن الحسن أن رجلا قال له: إن فلانا قد اغتابك، فبعث إليه رطبا على طبق، وقال له بلغنى أنك أهديت إلىَّ من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرنى فإنى لا أقدر أن أكافئك على التمام " ص، ١٣٤ ".
٧ -عقابها عند الله: المغتاب انتهك حرمة أخيه، والحديث يقول "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم، وروى حديث ضعيف يقول إن الغيبة أشد من الزنى، (ص ٢٠٧ ترغيب) وقد غضب النبى من سماع الغيبة، كما غضب على عائشة حين قالت عن صفية: إنها قصيرة، فقال لها " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح.
وجعلها القرآن كأكل لحم الميت فى قوله تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ الحجرات:
١٢ وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا عند النبى ﷺ فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده فقال النبى ﷺ " تَخَلَّلْ " فقال: ومِم أتخلل وما أكلت لحما؟ قال " إنك أكلت لحم أخيك" رواه الطبرانى ورواته رواة الصحيح، وفى حديث مقبول أن المغتابين يؤذون أهل النار برائحتهم ومنظرهم القبيح زيادة على ما هم فيه من الأذى، وجاء فى حديث أيضًا أن لحم الميت يقرب للمغتاب ويقال له كله ميتا كما أكلته حيا، كما جاء فى حديث رواه ابن حبان فى صحيحه أن أكل جيفة الحمار أهون من الغيبة، وجاء فى حديث أحمد أن النبى ﷺ مَرَّ ليلة الإِسراء على قوم يأكلون الجيف وأخبره جبريل أنهم الذين يأكلون لحوم الناس، وفى حديث رواه أبو داود أن المغتابين لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، كما رآهم النبى ﷺ ليلة المعراج، وفى حديث رواه أحمد أن ريحا منتنة ارتفعت فأخبر النبى ﷺ بأنها رائحة الذين يغتابون المؤمنين، وأخرج أحمد بسند رجاله ثقات أن النبى ﷺ مر بقبرين يعذَّبان، أى يعذب من فيهما، ووضع عليهما جريدة عسى أن يخفف الله بها عنهما، وذلك من أجل الغيبة والبول، أو فى النميمة والبول، "الترغيب ج ٣ ص ٢٠٨" والغيبة -كما سبق- تبطل العبادة عند بعض العلماء، وتأكل الحسنات، وتحمل صاحبها سيئات الناس الذين اغتابهم.
٨-عدم المشاركة فيها: من سمع شخصا يغتاب غيره لا ينبغى أن يوافقه ويسكت ويرضى، فالله يقول فى شأن الصالحين ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ القصص: ٥٥. ويقول ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره.. .
﴾ الأنعام: ٦٨ ويجب الذب عن عرض أخيه، فقد جاء فى الحديث الذى رواه الترمذى وحسنه " من ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة".
٩ -ما يباح من الغيبة: إذا كان ذكر الإنسان غيره بما يكرهه محرما لأنه غيبة، فقد تكون هناك حالات يجوز للإنسان أن يذكر عيوب غيره لا من أجل التحقير والاستهزاء، وذلك فى مثل التظلم لنيل الحق وعرض الظلامة بذكر ما يكرهه الظالم، قال تعالى ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ النساء: ١٤٨ حيث لا ينال الحق إلا بذكر الظالم بالرشوة أو التباطؤ فى العمل أو السرقة ... ففى الحديث " إن لصاحب الحق مقالا" رواه البخارى ومسلم، وفى حديثهما أيضا " مَطل الغنى ظلم " وروى أبو داود والنسائى وابن ماجه بإسناد صحيح قوله ﷺ " لَىُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه " أى تأخر القادر عن سداد دينه يبيح لصاحب الدين طلب عقوبته والتحدث فى عرضه بما يكرهه.
ومنها التوسل بالغيبة لإِزالة منكر، وذلك بالدلالة عليه، كما بلغ زيد ابن أرقم إلى النبى ﷺ ما قاله أبى بن خلف ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ المنافقون: ٨ وعبد الله بن مسعود بلغ النبى ﷺ عيب بعض المسلمين قسمته للمال، كما تباح الغيبة للفتوى، فقد قالت هند للنبى ﷺ عن زوجها أبى سفيان: إنه شحيح ولا يعطيها ما يكفيها النفقة (متفق عليه) وذكر الصحابة أمام النبى امرأة تكثر من الصلاة والصيام ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، كما رواه ابن حبان وصححه الحاكم، فقال " هى فى النار " ولم ينكر عليهم أنهم عابوها بذلك. ومنها تحذير المسلمين من شره بذكر عيبه كقول النبى ﷺ " بئس أخو العشيرة " متفق عليه، وقال الغزالى فى كتابه "الإِحياء ج ٣ ص ١٣٢" يجوز كشف بدعة المبتدع وفسقه حتى لا ينخدع الناس به،ففيه توعية ونصيحة للمسلمين للبعد عن شره، ومنها المشورة عند شراء شىء فيذكر العارف بعيوبه ما فيه من عيوب، والمشورة عند الزواج أيضا لمعرفة حال العروسين، فالمستشار مؤتمن، فقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس عن معاوية بأنه صعلوك لا مال له، حين استشارته فى زواجها منه، وكذلك لو كان الشخص مجاهرا بفسقه ومعصيته ولا يبالى أن يذكره الناس بالسوء، فقد روى فى حديث "أترغبون عن ذكر الفاجر، اهتكوه حتى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس" "الإِحياء ج ٣ ص ١٣٢ " فمن ألقى جلباب الحياء عن وجهة فلا غيبة له، كما روى فى حديث ضعيف. وقال عمر " ليس لفاجر حرمة" ص ١٣٣. وجاء فى المصدر السابق ص ١٣٢:
كانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم، الإِمام الجائر، والمبتدع، والمجاهر بفسقه.
وليس من الغيبة أن يذكر الإِنسان غيره بلقب يعرف به ويشتهر، ولا يكاد يعرف بغيره، كالأعرج والأسود.
١٠- كفارة الغيبة: من وقعت منه غيبة يجب أن يتوب منها، وذلك بالندم والعزم على عدم العود إلى المعصية، وتتم التوبة باستحلال المظلوم وطلب العفو عنه، وكذلك بالاستغفار له، يقول ابن القيم:
لا يلزم استحلاله كالحقوق المالية، لعدم فائدة ذلك، ولأنه ربما يترتب عليه ضرر " غذاء الألباب ج ١ ص ٩٣".
١١ -علاج الغيبة: علاجها يكون بالتوعية من أخطارها الدنيوية والأخروية التى سبق بعضها، كما تعالج بانشغال الإِنسان بعيوب نفسه بدل الانشغال بعيوب الناس، وكذلك عدم مجاملة الناس بالاشتراك فيها، وخشية الله من الحقد والحسد وحب الذات وكراهة الخير للناس، ونهى المغتاب وعدم سماع غيبته، وتعويد اللسان على الكلام الطيب وعفته عن القول الخبيث، يقول مالك بن دينار:
مر عيسى ﵇ ومعه الحواريون بجيفة كلب، فقال الحواريون:
ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال عيسى ﵇: ما أشد بياض أسنانه، كأنه نهاهم عن غيبة الكلب وذكر القبيح " الإِحياء ج ٣ ص ١٢٥".
يمكن الرجوع إلى "إحياء علوم الدين" ج ٣ وإلى "الترغيب والترهيب" ج ٣ وإلى "غذاء الألباب" ج ١
стр. 4817
النميمة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من الأمراض الخلقية الشائعة مرض النميمة، نريد كلمة جامعة عنها وما هو السبيل إلى علاجها؟
الجواب
الكلام عن النميمة يتناول عدة أمور هى:
١ -تعريفها: هى نقل الكلام بين طرفين لغرض الإِفساد. يقول الغزالى " الإحياء ج ٣ ص ١٣٥ ": تطلق النميمة فى الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا، وتعرَّف النميمة أيضا بكشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه طرف ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز والإِيماء، فالنميمة إفشاء السر وكشف الستر عما يكره كشفه، وجاء فى الحديث أن النبى ﷺ مر على قبرين يعذَّبان فوضع عليهما جريدة وقال إنهما يعذبان فى كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة بين الناس. يقول ابن القيم: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة والدماء، فمن ترك الاستبراء الذى هو مقدمة الصلاة، ومن نَمَّ والنميمة أصل العداوة المريقة للدماء، فحظهما العذاب الشديد " غذاء الألباب ج ١ ص ٩١ " ويقول الشاعر:
لى حيلة فيمن ينم وليس للكذاب حيلة * من كان يخلق ما يقول فحيلتى فيه قليلة ٢ -مظاهرها: تكون النميمة بين الحبيبين وبين الزوجين، وبين الأسرتين، وبين الدولتين، وبين الرئيس والمرءوسين.
٣ - آثارها: التفرقة بين الناس، قلق القلب، عار للناقل والسامع، حاملة على التجسس لمعرفة أخبار الناس، حاملة على القتل، وعلى قطع أرزاق الناس، جاء فى الحديث " لا يبلغنى أحد منكم عن أصحابى شيئا، فأنا أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر".
٤ -صفات النمام: النمام ذليل، جاء فى إحياء علوم الدين "ج ٣ ص ٣٥ " أن رجلا سأل حكيما عن السماء وما أثقل منها؟ فقال:
البهتان على البرىء، وعن الأرض وما أوسع منها؟ فقال: الحق، وعن الصخر وما أقسى منه؟ فقال: قلب الكافر وعن النار وأحَرَّ منها؟ فقال: الحسد، وعن الزمهرير وما أبرد منه؟ فقال: الحاجة إلى القريب إذا لم تنجح. وعن البحر وما أغنى منه؟ فقال: القلب القانع، وعن اليتيم وما أذل منه؟ فقال: النمام إذا بان أمره، النمام كذاب، غشاش، مغتاب، خائن للسر، غادر للعهد، غال حسود، منافق، مفسد يحب الشر للناس، الصدق لا يذم من أحد إلا من النمام، ذو وجهين، متجسس، فاسق.
٥ -أسبابها والغرض منها: إرادة السوء للمحكى عنه، وحب المحكى إليه والتزلف إليه، والتسلية والفضول.
٦- عقابها: جاء فى الحديث " لا يدخل الجنة نمَّام " رواه البخارى ومسلم، عذابه فى القبر كما مر فى الحديث، حبسه فى جهنم حتى يأتى بالدليل على ما قاله، وقد مر فى موضوع الغيبة، هو ذو وجهين من أشد الناس عذابا يوم القيامة كما فى البخارى وقال تعالى ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ النساء: ١٠٨ وفى حديث أحمد " شرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرِّقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب " وفى حديث أبى داود " من كان له وجهان فى الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة" النميمة تحلق الدين لأنها تفسد ذات البين، كما فى حديث أبى داود والترمذى وصححه، وجاء فى حديث الطبرانى أنه قيل لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، فقال: كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله ﷺ . ليس له قيمة أدبية كما قال الله فى الوليد أو غيره ﴿ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم﴾ القلم: ١٠، ١١ النمام شؤم لا تنزل الرحمة على قوم هو فيهم، فقد جاء فى الإحياء "ج ٣ ص ٣٥" عن كعب الأحبار أن بنى إسرائيل أصيبوا بقحط، فاستسقى موسى ﵇ مرات، فما سقاهم الله، فأوحى إليه أن السبب هو وجود نمَّام معكم، فقال موسى: ومن هو يا رب حتى أخرجه؟ فقال: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما. والله أعلم بصحة هذا الخبر.
٧-علاج النميمة: يكون بتوعية النمام بخطورة النميمة، بمثل ما سبق من الآيات والأحاديث والحكم، والتنفير منها بأنها صفة امرأة لوط، التى كانت تدل الفاسقين على الفجور، فعذبها الله كما عذبهم، وأنها صفة العتاة من المشركين كالوليد بن المغيرة الذى نهى الله نبيه عن طاعته، إلى غير ذلك من المنفرات لهذا المنكر، وحثه على التوبة منها قبل أن يقضى عليه.
وكذلك يكون علاجها من جهة السامع للنميمة، ببيان أنه أُذنٌ لا شخصية له، يقع فريسة لكل كلام ينقل إليه، وبيان أنه عدو للناس بسبب كلمة يسمعها، فيوقع عليهم الشر، أو يمنعهم الخير، وإظهار أنه كما يُنَمُّ له يُنَمَّ عليه، فالذى نقل إليه الكلام سينقل عنه الكلام، وأنه يحمل وزرا مع النمام لأنه يشجعه على ذلك.
واجب السامع عدم تصديق النميمة لأن النمام فاسق والفاسق مردود الشهادة، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ الحجرات:
٦ كذلك يجب عليه أن ينصحه قياما بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن يبغضه لوجه الله لأنه مبغوض من الله والناس، وألا يظن سوءا بمن نقل عنه الكلام، فالله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ الحجرات: ١٢ وألا يحمله الكلام المنقول إليه على التجسس والبحث فالله قد نهى عن التجسس، وألا يحكى هذه النميمة حتى لا يكون نماما.
روى عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل ذكر له شيئا عن رجل آخر، فقال له عمر: إن شئت نظرنا فى أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وإن شئت عفونا عنك، فقال العفو يا أمير المؤمنين ولا أعود لذلك أبدا.
وقال رجل لعبد الله بن عامر، وكان أميرا، بلغنى أن فلانا أعلم الأمير أنى ذكرته بسوء، قال: قد كان ذلك، قال: فأخبرنى بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك، قال: ما أحب أن أشتم نفسى بلسانى، وحسبى أنى لم أصدقه فيما قال، وقال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شىء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعى، فلو كان صادقا فى قوله لكان لئيما فى صدقه، حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.
والسعاية هى النميمة، إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية. دخل رجل على سليمان بن عبد الملك الأمير الأموى، فقال له: إنى مكلمك كلاما فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فأذن له فى الكلام فقال: إنه قد أحاط بك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك فى الله، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، ولا تُصغ إليهم فيما استحفظك الله إياه ... أعلى قُرَبِهِمْ البغى والنميمة، وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة، وأنت مسئول عما أجرموا، وليسوا مسئولين عما أجرمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
ورفع بعض النمامين إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم، ويحمله على أخذه لكثرته، فكتب على ظهر الرقعة: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، ابتعد عن العيب فالله أعلم بالغيب، الميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعى لعنه الله.
وللمزيد يمكن الرجوع إلى إحياء علوم الدين الجزء الثالث
стр. 4818
عجائب الدنيا السبع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى العجائب السبع التى يتحدث عنها الناس؟ وما موقف الدين منها؟
الجواب
الروايات كثيرة فى تعيين هذه العجائب، وهى روائع فنية معمارية اعتبرها القدماء بمثابة عجائب، وهى حسب أكثر الروايات شيوعا سبع:
١- أهرام الجيزة المصرية، أو الهرم الأكبر وحده الذى بناه "خوفو" فيما بين سنتى ٣٧٣٣، ٣٧٠٠ قبل الميلاد على أرجح الأقوال.
مساحة القاعدة ١٣ فدانا، وارتفاعه ١٤٦ مترا، له مدخل فى الجانب الشمالى يفضى إلى ممر ضيق منحدر، يمر خلال حجرات تنتهى إلى حجرة الدفن. استغرق بناؤه حوالى عشرين عاما، بحجارة يزن الواحد منها فى المتوسط طنين ونصف الطن، نقلت من الضفة الشرقية لنهر النيل إلى الغرب بجهد خارق للعادة. وهى ما تزال مزارا للعالم إلى يومنا هذا.
٢ - حدائق بابل المعلقة، وهى حدائق مقامة على أسوار مدينة بابل على نهر الفرات فى أيام حكم الملك "نبوخذ نصر" وينطق " بختنصر" الذى امتد لمدة أربع وأربعين سنة من توليه الحكم سنة ٦٠٤ قبل الميلاد، كانت المدينة محل إعجاب الزوار من جميع أرجاء العالم، وتحدث عنها المؤرخون القدماء" فى القرن الخامس قبل الميلاد، والحدائق شرفات متدرجة بعضها فوق بعض تميل إلى الداخل، وتصل بينها درجات من الرخام، وكانت تروى بنافورات تستمد الماء من خزان كبير فى أعلى طبقة يملأ من النهر برافعة حلزونية، وكانت تتصل بكل طبقة قاعات فسيحة للحفلات وأحواض للسباحة تملأ بماء ملون، مع نافورات ومساقط يختلط خريرها بتغريد الطيور. وبعض المؤرخين ينسب هذه الحدائق إلى الملكة "سميراميس".
٣ - تمثال الإِله " زيوس " الأوليمبى، نحته الفنان الإغريقى "فيدياس" وطعَّمه بالياقوت والزبرجد، وجعل له ثيابا من الذهب، وأقامه فى معبد " زيوس " فى الغيضة المقدسة بأوليمبيا، وكاد يصل - عندما اكتمل فى سنة ٤٥٧ قبل الميلاد - إلى سقف القاعة الذى كان ارتفاعه نحو عشرين مترا، وكانت هذه البقعة هى مركز الألعاب الأوليمبية التى كانت تعقد كل خمس سنوات، وقد نقله الإِمبراطور "تيودور" الأول إلى القسطنطينية فيما بعد، حيث قضى عليه حريق شب فى سنة٤٧٥ ميلادية.
٤ -ثمثال الشمس فى " رودس" كانت جزيرة رودس فى عهد الإِغريق مركزا للفنون والصناعات، وكان أهلها يعبدون إله الشمس "وهيليوس " فكرموه بتمثال صنعه أحد كبار النحّاتين " تشاريس " فى القرن الثالث قبل الميلاد، بحيث يشرف على مرفأ " رودس " استغرق نحته اثنى عشر عاما وكان من البرونز يزداد بريقه عندما تقع عليه أشعة الشمس، وارتفاعه يبلغ ثلاثةّ وثلاثين مترا، ويمسك بيمينه شعلة. لم يدم أكثر من ستين سنة أسقطه زلزال سنة ٢٢٤ قبل الميلاد.
٥ - معبد "ديانا" ويسمى معبد " أرتميس " ابنة الإِله " زيوس " التى يعدها الإِغريق ربة الطبيعة، ويقيمون لها سنويا حفلات كبيرة ويسميها الرومان " ديانا " أقاموا لها معبدا فى " أفسوس " كبرى اثنتى عشرة مدينة يونانية فى آسيا الصغرى. بناه المهندس المعمارى الإِغريقى "تشرسيفورن " فى القرن السادس قبل الميلاد، ثم أحرقه "هيروستراتوس " سنة ٣٥٦ قبل الميلاد، فأعاد،الإغريق بناءه، فهدمه "القوط " ثانية عندما اجتاحوا المدينة سنة ٢٦٢ قبل الميلاد، وقيل: إن الذى بناه هو المهندس المعمارى للإِسكندر الأكبر المقدونى "ديتوكراتيس " وكان المعبد مقاما على بعد ميل من مدينة " أفسوس " عرضه حوالى خمسين مترا، ويزيد طوله على مائة متر، وبه مائة عمود، ارتفاع الواحد منها ستون مترا، وسُمكه متران، وسقفه مكسو بالرخام وأبوابه مطعمة بالعاج والذهب.
٦ - ضريح " هاليكارناسوس " بآسيا الصغرى، فقد كان يحكم بلاد " كاريا" قبل ميلاد المسيح بحوالى ثلثمائة سنة ملك يدعى "ماوسولوس " ولما مات حوالى سنة ٣٥٣ قبل الميلاد أصرت زوجته "أرتميسيا" على عمل ضريح له فى مدينة " هاليكارناسوس " عاصمة ملكه. وضع تصميمه المهندس " بيثيوس " وماتت الزوجة قبل أن يتم الضريح فاستمر العمل حتى كمل وكان ارتفاعه نحو ثلاثة وأربعين مترا، ومحيطه الخارجى نحو ١٢٢ مترا، صنعت قاعدته من الحجر الأخضر المعرق بالرخام، وأقيم فوق قمته تمثال لعربة قتال، وظل المعبد قائما حتى هدمه زلزال قبيل القرن الخامس عشر الميلادى.
٧ - منار الإِسكندرية، المشهور بمنار " فاروس " نسبة إلى جزيرة صغيرة أوصلها الإِسكندر بالشاطئ عندما أمر المهندس "ديتوكراتس " بإنشاء المدينة والمرفأ لهداية السفن بعد أن ارتطمت بالصخور فى الظلام سفينة كانت تحمل عروسا لأحد مساعديه وقد عهد إلى هذا المساعد بالذات ويدعى " سوستراتوس " ببنائه على شكل برج شاهق بلغ ارتفاعه ١٢٢ مترا من عدة طبقات، وفوق القمة قفص من حديد، به ثغرات واسعة، وكانت النار توقد فيه كل مساء. وفى بعض الروايات أن المنار أنشئ سنة ٢٧٠ قبل الميلاد فى عهد بطليموس فيلا ديلفوس " بطليموس الثانى" وقد ظل قائما حوالى ١٥٠٠ سنة ثم دمره زلزال فى القرن الرابع عشر الميلادى.
هذه المعلومات مختصرة من بحث فى دائرة معارف الشعب "المجلد الأول ص ٩٥ -٩٩" وقد انتهت هذه العجائب ولم يبق منها إلا الأهرام، وهى عجائب استرعت الانتباه فى أزمانها من حيث الهندسة والضخامة والمواد، وقد جدت فى العالم الآن عجائب وعجائب فى مجالات كثيرة لم تكتف بالأرض بل وصلت إلى الفضاء، والدين يقول إن هذه العجائب تدل على جبروت العقل الإِنسانى الذى فسح الله له المجال فى الكون كله، والمهم أن يستخدم ذلك فى شكر المنعم بها وهو الله، وفى خدمة الإنسان الذى جعله الله خليفة فى الأرض وأمره أن يعمرها بالخير، مع الإِيمان بأن كل شىء له نهاية، وأن غرور الإِنسان سيتحطم حتما ﴿إذا الشمس سُرت وإذا النجوم انكدرت " وإذا الجبال سيِّرت﴾ التكوير: ١ - ٣ ﴿فلينظر الإِنسان ممَّ خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر﴾ الطارق: ٥ - ١٠ ﴿إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ ق: ٣٧.
ومن العجائب التى بعد الميلاد: برج بيزا المائل، وسور الصين العظيم، وتمثال النبى موسى، وبرج إيفل، وضريح تاج محل، وتمثال عروس البحر فى فرجينيا، ومتحف الأرميتاج
стр. 4819
كرة القدم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
والدى يحرم علىَّ أن ألعب الكرة مع زملائي، ويقول: إنها من اللهو الذى نهى الله عنه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
من المعلوم أن الأشياء التى لا ضرر فيها ولم يرد نص من الشرع يمنعها تبقى على الأصل وهو الحل الذى يدل عليه عموم قوله تعالى ﴿هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا﴾ البقرة: ٢٩ وقوله ﴿وسخَّر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه﴾ الجاثية:
١٣.
والتكاليف الشرعية هى فى حدود الوسع والطاقة، ولا تحرم الإنسان من التمتع بطيبات الحياة فى الحد المعقول، كما سبق ذكره فى الترويح عن النفس، ومن الترويح الألعاب الرياضية التى كان لكل جماعة اختيار ما يناسبها، وقد سبق الكلام عليها، وذكرنا آدابها "المجلد الثالث ص ١٩٦ وما بعدها".
وكرة القدم من الرياضات القديمة، جاء فى مجلة العربى الصغير "أكتوبر ١٩٧٨ م " أنها بدأت فى الصين قبل نحو ثلاثة آلاف سنة أى قبل " كونفشيوس " ووضعوها فى البرامج العسكرية سنة ٥٠٠ قبل الميلاد، وانتشرت فى اليونان أيام الإِغريق وذكرت فى شعر هوميروس صاحب الإِلياذة والأوديسا، ثم ورثها الرومان وانتشرت فى مستعمراتهم، ثم انتقلت إلى بريطانيا وشجعتها، إلا أنها منعت ثلاث مرات سنة ١٣١٤، ١٣٤٩، ١٤٤٧ بسبب أنها غطت على لعبة الفروسية المهمة، وأنها ألهت الشباب عن صلاة الأحد، ففقدت شعبيتها عدة قرون حتى أوائل القرن التاسع عشر فأحيوها وخاصة بين المدارس الثانوية، ثم غطت جميع أرجاء الكرة الأرضية تقريبا. وبالجملة فهى فى أصلها حلال، ويجب الاحتفاظ بالآداب المطلوبة فى الرياضة كلها، مع مراعاة عدم طغيان اللعب والمشاهدة على الواجبات
стр. 4820
الطب واختلاف الأديان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ أجاز للمريض أن يعالجه طبيب غير مسلم؟ وهل كان هناك أطباء فى زمانه؟
الجواب
الأطباء والعلماء المتخصصون فى فنون المعرفة موجودون فى كل عصور التاريخ، والدين الإِسلامى لا يعارض العلاج من الأمراض، بل يأمر به، كما ذكر فى الإجابة على بعض الأسئلة، والطب كغيره لابد أن يكون عند ذوى الاختصاص، وأول من درس الطب واشتغل به من العرب هو الحارث بن كَلَدَة الثقفى، عاش فى الجاهلية وأدرك الإسلام، تعلم الطب فى مدرسة جنديسابور التى أسسها كسرى الأول ملك فارس بإقليم خوزستان سنة ٥٥٥ ميلادية، " دائرة معارف الشعب. المجلد الخامس ص ٣٢٥".
روى أبو داود عن سعيد أنه قال: مرضت فأتانى رسول الله ﷺ فوضع يده على صدرى حتى وجدت بردها على فؤادى وقال " إنك مفئود" أى مريض بالقلب، إيت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه يتطبب.
جاء فى كتاب " الآداب الشرعية" لابن مفلح: أن اليهودى أو النصرانى إذا كان خبيرا بالطب ثقة عند الإِنسان جاز أن يُستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله.
وفى الصحيح أن النبى ﷺ لما هاجر استأجر رجلا هاديا خِرِّيتًا - ماهرا - واستأمنه على نفسه وماله. وذكر حديث الحارث بن كلدة، ثم قال: وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه ويعامله، فلا ينبغى أن يعدل عنه. وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابى أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهى عنها.
وفى صلح الحديبية بعث الرسول ﷺ عينًا له من خزاعة وقبل خبره، وفى هذا دليل على جواز التداوى عند الكافر وقبول خبره فى وصف المرض ووصف دوائه إذا كان غير متهم فيما يصفه وغير مشكوك فى أمانته
стр. 4821
السر والعلن فى الصدقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الصدقة السرية خير من العلنية وما الدليل على ذلك؟
الجواب
المدار فى الخيرية على الإِخلاص فى العمل، فالسر خير من الجهر إن خاف المتصدق على نفسه الرياء، وعليه يحمل الحديث فى السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
والجهر خير من السر إذا قصد المتصدق أن يقتدى به غيره، وأن يكون هناك تنافس فى الخير، كما حدث في التصدق لتمويل غزوة العسرة، حيث كانت المنافسة شديدة، ولم يعب الرسول ﷺ أحدا تصدق بأكثر مما تصدق به غيره ليكون أحسن منه، فقد ظن بعضهم أنه تصدق بما لم يستطع غيره أن يتصدق به ففوجئ بمن كان أحسن منه، وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه الذى دفع كل ما عنده من نقود وأبقى لعياله الله ورسوله، وكما حدث تنافس الصحابة لتقديم تموين للفقراء من مضر، وقال فيهم الرسول ﷺ كما رواه مسلم "من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
قال تعالى ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ البقرة: ٢٧١ وجاء فى تفسير القرطبى لهذه الآية بعد ذكر الأقوال فى معناها قوله: والتحقيق فيه أن الحال فى الصدقة تختلف بحال المعطى لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها.
أما المعطى فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وذلك لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل.
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف.
وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل.
ثم قال القرطبى ناقلا عن الكيا الطبرى: إن فى هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى، وأنها حق الفقير، وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه على ما هو أحد قولى الشافعى، وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذى إظهاره أولى، لئلا تلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة فى الفرض أبعد عن التهمة.
وذكر آراء أخرى وهى كلها اجتهادية، والأولى -كما سبق- أن يراعى ما فيه كثرة النفع فيعمل به، وما فيه قلته فلا يعمل به، والأنظار فى ذلك مختلفة. ومهما يكن من شىء فلابد فى كل صدقة مفروضة أو غير مفروضة من الإِخلاص لله وعدم الرياء، فالرياء شرك خفى
стр. 4822
حكمة تحريم الزنا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إذا كانت الحكمة من تحريم الزنا هى المحافظة على الأنساب من اختلاطها فهل يظل محرما إذا أمكنت السيطرة على الحمل بمنعه بالوسائل الحديثة، أو يجوز لأى شخص أن يباشر أية امرأة مع وجود هذه الموانع؟
الجواب
يقول الله سبحانه: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ الإِسراء: ٣٢ إن الزنا هو مباشرة الرجل لامرأة بغير عقد زواج صحيح، وقد سمَّاه الله فاحشة والفواحش هى كبائر الذنوب، كما ذمه سبيلا إلى المتعة الجنسية، فالله سبحانه جعل فى الرجل والمرأة هذه الشهوة من أجل تكاثر الجنس البشرى، كما يحصل التكاثر والإِنتاج بعاملين لا بعامل واحد فى الحيوان والنبات وغيرهما، قال تعالى ﴿ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ الذارايات: ٤٩ وتكاثر الجنس البشرى لابد أن يكون منظما لينشأ الجيل فى بيئة مستقرة تؤهله لتحمل المسئولية بعد والديه، ولا تكون البيئة المستقرة إلا بالزواج الشرعى الذى تحدد فيه الحقوق والواجبات للزوجين وللذرية الناتجة منهما.
والاتصال الجنسى مع الموانع من الحمل لا يكون به تناسل إذا جاز لكل إنسان أن يلجأ إليه، وفيه تعطيل لحكمة الله فى خلق آدم وحواء لتحقيق الخلافة فى الأرض، كما أن الاتصال الجنسى بدون حدود لا يؤهل لهذه الخلافة.
ومن هنا تظهر الحكمة فى تحريم الزنا المتمثلة فيما يأتى:
١ - ضمان التناسل الجدير بتسلسل النوع البشرى وبقائه لتحقيق خلافة الإِنسان فى الأرض.
٢ - حماية الغيرة الطبيعية الموجودة فى الإِنسان، وهو أجدر بها من بعض الحيوانات والطيور التى تغار فيها الذكور على إناثها، لأنها كلها مسخرة له بأمر الله فلا يكون أقل منها فى الغيرة.
٣ - وقاية الإِنسان من أمراض خطيرة سببها الاتصال الجنسى غير المنظم، ويؤكد هذا ما ظهر أخيرا من انتشار مرض فقد المناعة المعروف بالإيدز، ويلتقى مع الحديث الشريف المقبول فى مثل هذه المواطن " يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التى لم تكن فى أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين - أعوام القحط - وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاه أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما فى أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم " رواه البيهقى.
٤ - حماية الأنفس من القتل بسبب الغيرة التى تأبى أن يتصل شخص بزوجة آخر أو بنته أو قريبته بغير عقد شرعى.
٥ - ضمان التوارث الصحيح بين أعضاء الأسرة المعروفة بالنسب الصحيح، ومنع الدخيل من التوارث.
٦ - عدم ضمان التناسل مع وجود الموانع من الحمل، فإرادة الله غالبة، وهنا يضيع النسل أو ينسب زوراً لغير أصله، والإِسلام حرم إلصاق الشخص نسبه بغير أصله، كما حرم التبنى.
٧ -المحافظة على كرامة المرأة، حتى لا تكون سلعة مباحة يتداولها كل من يريد قضاء شهوته، كأى متاع آخر يعرض لمن يريد.
من هذا وغيره نعرف حكمة تحريم الزنا وأنها ليست قاصرة على حفظ الأنساب فقط، ولخطورة آثاره وصفه الله فى الآية بأنه فاحشة وساء سبيلا، وحرَّمته كل الأديان من أجل ذلك، وحتى القوانين الوضعية لم تبحه على إطلاقه، فالطبيعة البشرية السوية تأباه ولذلك جعل الإِسلام عقوبته قاسية، فهى للبكر مائة جلدة وللثيب الرجم حتى الموت. وقسوة هذه العقوبة تتضاءل أمام الأخطار الناشئة عن الزنا، وأمام الفوائد الناجمة عن تحريمه، والله سبحانه حكيم خبير فى تشريعه للناس قال تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ البقرة: ٢١٦
стр. 4823
التداوى والتوكل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن مريضا وصف له نقل كلية من صحيح، فقال له بعض الناس: لا داعى للعلاج، فأجله محدود، وليسلِّم أمره إلى الله فان أبا بكر رضى الله عنه عندما مرض قيل له: لو دعونا لك طبيبا، فقال:
الطبيب قد نظر إلىَّ وقال: إنى فعال لما أريد. فهل التداوى من الأمراض ينافى الرضا بقضاء الله؟
الجواب
قرأت العبارة المأثورة عن أبى بكر رضى الله عنه فى إحياء علوم الدين "ج ٤ ص ٣٤٦" عندما تحدث الإِمام الغزالى عن العلاقة بين التداوى والتوكل على الله، وذلك بعد كلامه عن السعى فى إزالة الضرر " ص ٣٤٣" وقال: إن السبب الذى يقطع بأنه يزيل الضرر كالماء المزيل للعطش، والخبز المزيل لضرر الجوع - ليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت، أما السبب الذى يظن بأنه يزيل الضرر كالذى عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل، ودلل على أن التداوى مشروع بقول رسول الله ﷺ وفعله، بل أمر به، وساق من قوله حديث "ما من داء إلا له دواء، عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام " رواه أحمد، وزاد عليه العراقى حديث البخارى " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" وحديث مسلم " لكل داء دواء" وساق الغزالى من فعل النبى ﷺ أنه تداوى غير مرة من العقرب وغيرها، وذكر العراقى أن الطبرانى رواه بإسناد حسن، وكان إذا نزل عليه الوحى صدع رأسه فيغلفه بالحناء، كما رواه البزار وابن عدى فى الكامل، وكان إذا خرجت به قرحة جعل عليها الحناء كما رواه الترمذى وابن ماجه، وفى رواية البخارى جعل عليها التراب، وفصد عرقا لسعد بن معاذ كما رواه مسلم، وساق من الأمر به حديث " تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء" رواه الترمذى وصححه وابن ماجه، وأمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية.
ثم ذكر الغزالى أن هذه الأدوية أسباب مسخَّرة بحكم الله فلا يضر استعمالها مع النظر إلى مسبب الأسباب وهو الله، دون الطبيب والدواء. وقال فى " ص ٢٤٦" إن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن جماعة من الأكابر تركوه كأبى بكر وأبى الدرداء وأبى ذر وقال: ليس فى تركهم الدواء مخالفة لرسول الله ﷺ ، فقد يكون لبعضهم انكشاف بأن الدواء لا يمنع أجله، إما برؤية صادقة أو بحدس وظن أو بكشف محقق قد يكون منه ما حدث لأبى بكر حيث قال لعائشة فى أمر الميراث: إنما هن أختاك، وكانت لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى، فلا يبعد مع هذا الكشف أن يكون قد كشف له أجله ولا حاجة إلى التداوى الذى شوهد الرسول يتداوى ويأمر به.
وقد يكون ببعض من لم يتداووا علة مزمنة لا يقطع بفائدة التداوى منها، وقد يكون لبعضهم أسباب أخرى يمكن الرجوع إلى معرفتها فى المرجع المذكور " ص ٤٧، ٤٨، ٤٩ " ورد الغزالى على من يقولون: إن ترك التداوى أفضل فى كل الأحوال، بأن الرسول فعله وأمر به، وبأنه حذر من دخول بلد فيه الطاعون، ومن الخروج منه إذا وقع به، ونفذه عمر فى طاعون وقع بالشام، ولما قيل له:
أفرارا من قدر الله؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله؟ رواه البخارى مع مراعاة أن قوة الإِيمان لها دخل فى هذا الموضوع، وليس كل الناس سواء فى ذلك، فإذا كان الرسول ﵊ قال " فر من المجذوم فرارك من الأسد " رواه البخارى، فذلك تشريع لعامة الناس وهو الذى أكل مع المجذوم وقال " كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا على الله " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وغيرهم " جمع الجوامع ص ٦٢٨".
من هنا نعرف أن التداوى مأمور به، كسبب من أسباب الشفاء الذى هو من الله سبحانه، ومن كانت عندهم قدرة على التداوى وقصَّروا فقد خالفوا هدى النبى ﷺ ، وأن من أثر عنهم ترك التداوى وكان الأخذ عنهم تشريعا قد تكون لهم أسباب مقبولة، فلا يتخذ ما أثر عنهم حجة فى كل الأحوال، والحديث العام معروف " قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد.
ومن أراد التوسعة فى معرفة موقف الإِسلام من الصحة عامة فعليه بكتاب الطب النبوى لابن القيم وفى كتابنا "توجيهات دينية واجتماعية" لمحة عنه
стр. 4824
المصالح المرسلة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى المصالح المرسلة وما قيمتها فى التشريع؟
الجواب
المصادر الأساسية للتشريع هى القرآن والسنة بالاتفاق، ثم القياس والإجماع على رأى الجمهور. وما عدا ذلك من العرف والمصالح المرسلة والاستحسان وما إليها فيه خلاف كبير.
والمصالح المرسلة هى التى لم يشهد لها أصل معين، كما قضى عمر ﵁ على محمد بن مسلمة أن يمر خليج جاره فى أرضه، لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدا، فعلل الفتوى بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضار.
وهذا الرأى إذا توسع فيه عاد بالضرر، لأنه قد يؤدى إلى ترك كثير من السنن التى لم يحط بها الإنسان علما مع تفرقها فى البلاد. والاستحسان ترك القياس على أصل معين، وذلك لأثر قد ورد، أو للرجوع إلى أصول عامة، أو أصل معين آخر، وهو عند أهل الرأى ليس قولا بمجرد الهوى، ويكثر استعمال المصالح المرسلة والاستحسان فى المعاملات والأمور الدنيوية وتنظيم المسائل السياسية والقضائية والحربية والعلاقات الدولية.
والمالكية لهم قسط كبير فى الاعتماد على المصالح المرسلة فى التشريع، ويليهم الحنابلة كما قال ابن دقيق العيد، يقول البغدادي فى "جنة الناظر" إن الإمام مالكا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح فى جزئياته وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهى معتبرة فى جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة.
ومن أمثلة الحكم بهذا الأصل من فتاوى السلف وأقضيتهم قضاء الصحابة بتضمين الصناع كالخياطين والصباغين الذين يدعون سرقة ما أعطى لهم لخياطته وصباغته ولم يقيموا بينة على أنه تلف بغير سبب منهم، فيقضى عليهم بالضمان، حتى يحتاطوا فى حفظ ما عندهم، ومنها قتل الجماعة بالواحد إذا لم يعينوا القاتل، ومنها فرض الضرائب على الأغنياء إذا لم تكف الموارد الشرعية من الزكاة ونحوها للجهاد فى سبيل الله.
وإذا كان العمل بالمصالح المرسلة يؤدى إلى الاختلاف فى الأحكام من بلد إلى بلد فلا مانع من ذلك، فالخلاف فى مثل هذه الأمور الفرعية الدنيوية لا يضر ما دامت الأصول مرعية "انظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين - مجلة الأزهر- المجلد الثالث ص ١٥٩ "
стр. 4825
أسرى الحرب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يشكو الناس كثيرا من سوء معاملة الأسرى فى الحروب، حتى الحروب التى تقع بين المسلمين بعضهم مع بعض، نريد معرفة هدى الدين فى ذلك؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يُثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ الأنفال:
٦٧-٦٩.
ويقول: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مَنًّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ محمد: ٤.
ويقول ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا﴾ الأحزاب: ٢٦ صياصيهم: حصونهم.
نزلت هذه الآيات فى المدينة، والآية الأولى نزلت فى غزوة بدر، والثانية قيل: نزلت قبلها وقيل بعدها، والثالثة نزلت فى غزوة الأحزاب. ومعنى "يثخن فى الأرض" يكثر القتل ويبالغ فيه، ومعنى "عرض الدنيا" ما كان يريده البعض من الفداء بالمال، ولم يقصد به النبى ﷺ ولا كبار الصحابة، ومعنى ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ سبق حكمه بأنه لا يعذب أحدا إلا بعد نهيه، لولا ذلك لعذبتكم، ثم أحلَّها الله فقال ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا﴾ وقيل فى المعنى: لولا سبقكم بالإيمان بالكتاب وهو القرآن الذى استحققتم به الصفح والعفو، أو لولا أنه سبق فى اللوح المحفوظ أنه حلال لكم لعوقبتم. بل قال البعض:
إن هذه الآية ليس فيها إلزام ذنب للنبي ﷺ لأنها تعنى: ما كان لنبى قبلك أن يكون له ذلك، ولكنك خصصت بجوازه، كما فى الحديث الشريف "أحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى".
على أن الآية الثانية قد بررت ما فعله الرسول من اختياره بعد المشاورة رأى أبي بكر فى أخذ الفداء حيث تقول ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ وأقر الله النبى والصحابة على ما أخذوه، وأنزل تطييبا لبعض الأسرى الذين كانوا يريدون القتال بعد أن أخذ منهم الفداء ﴿يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم﴾ الأنفال:
٧٠.
ومما ورد من الأحاديث فى شأن الأسرى أن النبى ﷺ استشار أصحابه فى أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر رضى الله عنه بأن يأخذ منهم فدية يتقوى بها المسلمون ويطلقهم، لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، وقال عمر رضى الله عنه:
أرى أن تمكَنَّا منهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر، فمال الرسول إلى رأى أبى بكر، فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله يبكى هو وأبو بكر، فقال: من أى شى تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ "أبكى للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علىَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة.." وأنزل الله ﴿ما كان لنبى ... ﴾ وقد تكلم العلماء فى أى الرأيين أصوب فرجحت طائفة قول عمر، بدليل هذا الحديث ورجحت طائفة أخرى قول أبي بكر، وذلك لاستقرار الأمر عليه وموافقته للكتاب الذى سبق من الله بإحلال ذلك لهم،ولموافقته للرحمة التى غلبته الغضب،ولتشبيه الرسول لأبى بكر فى ذلك بإبراهيم ﵇ إذ قال ﴿فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم﴾ إبراهيم: ٣٦ وبعيسى ﵇ فى قوله ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ المائدة: ١١٨ كما شبه عمر فى رأيه بنوح ﵇ فى قوله ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ نوح: ٢٦ وبموسى ﵇ فى قوله ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ يونس: ٨٨.
وبكاء النبى ﷺ كان رحمة لنزول العذاب على من أراد بذلك وجه الدنيا، والرسول لم يرد هو ولا أبو بكر وجه الدنيا، ولكن العذاب لو نزل فسيعم الجميع.
وقد ثبت من الأحاديث والتاريخ الموثوق به أن النبى ﷺ سلك مع الأسرى عدة طرق:
١ - فمنهم من أمسكه وضرب عليه الرق، سواء أكانوا من أولاد العرب أم من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.
٢ -ومنهم من أمر بقتله، مثل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وذلك لشدة عداوتهما للنبى ﷺ وكان ذلك فى رجوعه من غزوه بدر، وقال "لو كان المطعم بن عدى حيًّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنَى لتركتهم له " وكيهود بنى قريظة.
٣-ومنهم من فداه بالمال، كعمه العباس فى غزوة بدر، وقد استأذنه الأنصار أن يترك له فداءه، فقال "لا تدعوا منه درهما" كما رواه البخارى.
٤ - ومنهم من جعل فداءه عملا يؤديه للمسلمين، كبعض أسرى بدر الذين افتدوا أنفسهم بتعليم أولاد الأنصار الكتابة، وكان منهم زيد ابن ثابت.
٥ -ومنهم من مَنَّ عليه الرسول بغير مقابل، كأبى العاص بن الربيع زوج ابنته زينب وأبى عزة الجمحى الذى تركه بدون مال لما ذكر له كثرة بناته، وسبى هوازن ردَّهم بعد القسمة للغنائم واستطاب قلوب الغانمين فطيبوا له -أى وافقوا- ومن لم تطب نفسه بذلك عوَّضه بكل إنسان ستًّا من الأنعام فى الزكاة.
٦ - وثبت أنه ﷺ بادل أسرى المسلمين بأسرى الكفار، فقد استوهب من سلمة بن الأكوع جارية نفلها إياه أبو بكر فى غزوة فزارة كما رواه مسلم -فوهبها له، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسا من المسلمين، وفدى رجلين من المسلمين برجل من عقيل.
وأسر ثمامة بن أثال سيد بنى حنيفة، فربطه فى سارية المسجد ثم أطلقه فأسلم،كما رواه مسلم، كما هبط عليه فى صلح الحديبية سبعون متسلحون يريدون غِرته فأسرهم ثم منَّ عليهم.
وإزاء هذه المرويات من فعل النبى ﷺ اختلف الفقهاء فى الأسرى، فذهب الجمهور ومنهم الشافعي -إلى أن الإمام مخيَّر فيهم، إن شاء قتل كما فعل ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كبعض أسرى بدر، وإن شاء منَّ بلا شىء وإن شاء استرقَّ من أسر. غير أن الأوزاعى وسفيان ومالكا يكرهون أخذ المال من الأسير، لما فى ذلك من تقوية العدو بالرجال.
وهذا التخيير متروك للإمام ليفعل ما فيه المصلحة، وقد روى عن على أن جبريل أمر النبى أن يخيِّر أصحابه فى الأسارى، إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء. ولكن الإمام أبا حنيفة يقول: إن التخيير قد نُسخ، والحكم الآن هو: إما القتل وإما الاسترقاق.
ويقول مجاهد من علماء التابعين: ليس اليوم منٌّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
ومنشأ الخلاف فى التخيير وعدمه هو آية ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فلما منًّا بعدُ وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ فقال أبو حنيفة: إن الحرب هنا فى الآية هى بدر، فالمن والفداء هو فى بدر فقط، وأما بعدها فالحكم هو القتل أو الرق، فالغاية على هذا هى للمن والفداء حتى يكون الحكم منسوخا، فإن جعلت الغاية للإثخان وشد الوثاق - أى القتل والأسر- كان المراد بالحرب جنسها، يعنى أى حرب كانت، لكن الجمهور يرى أن الغاية هى للمن والفداء مع إرادة جنس الحرب.
وقال العلماء أيضا: إن من أسلم قبل الأسر لم يسترق -أى لا يضرب عليه الرق -وأن النبى ﷺ بعد غزوة بدر لم يفد بمال، بل كان يمن أو يفادى أسيرا بأسير.
هذا وقد أوصى النبى ﷺ بالأسرى خيرا، فقد ثبت أنه لما وزع الأسرى على الصحابة قال لهم "استوصوا بالأسرى خيرا" ويقول أحدهم -وهو أبو عزير بن عمير- كنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصُّونى بالخبز وأكلوا التمر، لوصية الرسول إياهم بنا. وكان الفداء ما بين ١٥٠٠، ٤٠٠٠ درهم كما يراه الرسول من حال الأسير.
هذا هو الحكم فى الأسرى من الكفار، أما أسرى الحروب بين المسلمين فلا تنطبق عليهم كل هذه الأحكام وبخاصة القتل والاسترقاق، والواجب معاملتهم بالحسنى فإن كثيرا منهم أو أكثرهم مضطر إلى خوض المعركة، لصرامة القوانين العسكرية.
"زاد المعاد لابن القيم فى باب الجهاد، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية فى غزوة بدر، وسيرة ابن هشام فى غزوة بدر، وشرح النووى على صحيح مسلم فى كتاب الجهاد وكتب التفسير والفقه
стр. 4826
الصحف والمجلات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نحن مضطرون إلى قراءة الصحف والمجلات للاطلاع على الأخبار وزيادة المعلومات، ولكن نجد فيها أمورا خارجة أحيانا عن الدين والذوق، كالصور الفاضحة والإعلانات عن سهرات راقصة، وترويج أفكار شاذة وغير ذلك، فهل نقاطع الصحف أم ماذا نفعل، وهل من الدين نشر هذه الأشياء؟
الجواب
يطلق الكتَّاب على الصحافة اسم السلطة الرابعة -بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية- لقوة أثرها فى توجيه الشعب وفى إصدار الأحكام على الأشخاص والتصرفات، وتكوين الرأى العام، وهى تقوم على الإعلام والإخبار، وعلى الرأى والمعلومات المتنوعة.
والصحافة بهذا المفهوم لم يعرف أول نشأتها، فقيل: إن أقدم جريدة هى " كين بان " الصينية التى صدرت عام ٩١١ قبل الميلاد، وقيل: هى " الوقائع الرسمية" الرومانية التى صدرت عام ٥٨ قبل الميلاد، وكان مؤسسها هو " يوليوس قيصر" ثم دخلت الصحافة عصرها الحديث بعد اختراع الطباعة، فظهرت أول صحيفة باسم "لاغازيت " وكانت أسبوعية من ثمان صفحات لنشر أخبار فرنسا وأوروبا ثم انتشرت فى العالم " جريدة القبس ٩ / ٢ / ١٩٧٥ م ".
ويذكر الدكتور خليل صابات أن أول صحيفة فى العالم العربى ظهرت هى: الوقائع المصرية بالقاهرة سنة ١٨٢٨ م، وبريد الجزائر بالجزائر سنة ١٨٣٠ م، وحديقة الأخبار ببيروت سنة ١٨٥٨ م، والرائد التونسى بتونس سنة ١٨٦٠ م، وسورية بدمشق سنة ١٨٦٥ م وطرابلس غرب بطرابلس سنة ١٨٦٦ م، وزوراء ببغداد سنة ١٨٦٩ م، وصنعاء بصنعاء سنة ١٨٧٧ م، وحجاز بمكة المكرمة سنة ١٨٨٢ م، والمغرب بطنجة سنة ١٨٨٩ م، والغازيتة السودانية بالخرطوم سنة ١٨٩٩ م. وكان صدور العدد الأول من الوقائع المصرية في يوم الثلاثاء ٢٤ أو ٢٥ من جمادى الأولى سنة ١٢٤٤ هـ " ٣ من ديسمبر سنة ١٨٢٨ م " " الأهرام ٤ / ١٢ / ١٩٧٨، ٧ / ٧ / ١٩٨٤ ".
وكانت الأخبار فى الجاهلية تنشر عن طريق الشعراء والرواة والأسواق كعكاظ ومجنة وذى المجاز، وهى تحمل الصدق والكذب فى المدح والهجاء، وجاء فى ذلك قول الله تعالى ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون.
وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظُلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون﴾ الشعراء: ٢٢٤-٢٢٧.
وتعددت وسائل الإِعلام وتطورت، وكثر منها فى هذه الأيام الصحافة بأنواعها المختلفة، والإِذاعة المسموعة والمرئية، والكتب والنشرات وما إليها، وهى -كما قلنا- تقوم على نشر الأخبار وعلى التعليق عليها أو على أشياء أخرى، وعلى نشر الأفكار ومناقشتها للتأييد أو الرفض إلى غير ذلك من الموضوعات، والواجب عليها الالتزام بالقيم والآداب والقوانين التى تضمن لها عدم الانحراف، وتضمن نجاحها فى رسالتها، ومن ذلك:
١ -التزام الصدق فى نقل الأخبار، بالتحرى عنها والتثبت منها، وعدم التعجل فى النشر للفوز بالسبق الصحفى، وأدلة ذلك مذكورة فى موضوع الإِشاعة.
٢ - نشر المعلومات المفيدة التى تحكمها القيم الدينية والقوانين الصحيحة، والبعد عن ترويج الأفكار الشاذة والمنحرفة.
٣-الحيدة فى التعليق ونقد الآراء وعدم التحيز والتعصب والخروج بذلك عن حدود الآداب.
٤ - البعد عن نقد الثوابت من قواعد الدين، لأن ذلك يؤدى إلى رفضها وبلبلة الأفكار حولها، والنصوص فى ذلك كثيرة.
٥ -إذا كانت القوانين تحمى حرية الرأى والصحافة فليس معنى ذلك أنها حرية مطلقة، ولكن هى مقيدة بقيود الثوابت من شعائر الدين والأخلاق والأعراف الصحيحة.
٦ - الرقابة الشديدة على الصحافة ووسائل الإعلام لضمان عدم انحرافها، ووضع العقوبات الرادعة على المخالفات، وبخاصة على الإِشاعات والأخبار الخطيرة فى الحرب والسياسة مثلا.
٧ - العناية الشديدة بالناحية الدينية تحريرا ونشرا ورقابة وجزاء، فللدين أثره الذى لا ينافس فى تصحيح الفكر وتقويم السلوك.
وعلى من يقرؤون الصحف ألا يسارعوا فى تصديق أخبارها الفردية التى لم تصدر عن جهة موثوق بها، والمبادرة بالرد على الأكاذيب من الأخبار والأفكار، ولا أقول بمقاطعتها تماما، فلا غنى عنها. وبالجملة فإن رسالة الصحافة والإِذاعة ووسائل الإِعلام الأخرى تقوم على أمور أربعة أساسية: نظافة النشر، ويقظة التلقى، وصدق الرقابة، وعدالة الجزاء.
وهى كلها متضامنة فى تحقيق رسالتها، والتقصير فى واحد منها يؤدى إلى انحرافها الذى يجرف أمامه المتهم والبرىء ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال:٢٥
стр. 4827
علاج المعاصى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نفسى تغلبنى كثيرا فارتكب المعصية ولا أقدر على منع نفسى منها، فهل من علاج لهذا المرض؟
الجواب
معروف أن الإنسان ليس عقلا فقط ولكنه عقل وروح وغرائز وشهوات، العقل يشده إلى العالم العلوى، عالم الطهر والكمال.
والغرائز تشده إلى العالم السفلى عالم الشهوات الذى تعيش فيه الحيوانات، والمعركة مستمرة بين القوتين، وبقدر انتصار إحداهما يكون الحكم على الإِنسان وتقديره، ومن رحمة الله تعالى به ساعده فى هذه المعركة لتتحقق كرامته، وذلك بإمداده بالوحى الذى تنزلت به الرسل، وبقدر تقبله لهذا المدد الإلهى يكون انتصاره، قال تعالى لآدم حين أهبطه من الجنة إلى الأرض ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه:
١٢٣، ١٢٤ وهذا القرار الحكيم ليس لشخص آدم فقط، بل له ولذريته من بعده إلى نهاية الدنيا، ولذلك جاء بعده قوله تعالى ﴿وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ طه: ١٢٧.
ومن رحمته أيضا بالإِنسان لم يكتب عليه الطرد من رحمته إلى الأبد لهزيمته فى معركة من المعارك، فالشيطان الذى حقت عليه اللعنة إلى يوم الدين بأول مخالفة عصى فيها ربه، أقسم ألا يترك بنى آدم ينعمون برحمة الله، فهو يعمل ليل نهار وبكل وسيلة لإغوائهم كما قال تعالى ﴿قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ الأعراف: ١٦، ١٧.
ولكن فتح باب الأمل لمن هزم فى معركة من المعارك المستمرة التى حشد فيها الشيطان جنوده من ذريته وممن حالفوه من الأعوان كالنفس بغرائزها والشهوات بقوتها، فأعذره إذا رجع إلى ربه، نادما على ضعفه وهزيمته، مادًا إليه يده طالبا المعونة منه، بل حثه على معاودة الجهاد وأمره بالتوبة ووعده إن أخلص فيها بالمغفرة والقبول، كما فعل بأبيه آدم ﴿وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ طه: ١٢١، ١٢٢ ذلك أن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، كما قال ﷺ .
من هنا نعلم أن علاج المعصية هو التوبة النصوح الصادقة، والأمل فى النصر بعد الهزيمة، ويساعد على ذلك دوام ذكر الله والإِيمان بأنه رقيب مطلع على السر والنجوى، فذلك يقويه على البعد عن المعصية إن سولت له بها نفسه، وعلى الرجوع إلى الله إن تورط فيها ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ الزمر: ٥٣، ٥٤. ويعجبنى فى هذا المقام ما قرأته نقلا عن بعض الكتب القديمة أن رجلا قال لطبيب: أعندك دواء لداء الذنوب؟ فقال: نعم، قال وما هو؟ قال: خذ عروق الفقر، وزنجبيل الصبر، واخلطهما بسفوف الذكر، وامزجهما برقائق الفكر، واجعل معه إهليلج التواضع والخشوع، ودقه فى مهراس التوبة والخضوع، ولتَّه بماء الدموع وضعه فى طنجير التذلل، وأوقد تحته نار التوكل، وحرِّكه بملعقة الاستغفار، حتى يزبد زبد التوفيق والوقار، ثم اجعله فى آنية المحبة، وبرِّده بمروحة المودة، وصفِّه بمصفى الأحزان، وصب عليه عصير الأجفان، واجعل معه حقيقة الإِيمان، وامزجه بخوف الرحمن، وتغَذَّ قبل شربه بمر الصيام، ودم على هذا ما عشت من الأيام، وإياك أيها العليل أن تقرب فى أيام دوائك شيئا من الآثام، فإنها تجر عليك ما رجوت برأه من الأسقام، وتجنب فى دوائك العجب والرياء، والبس لباس الحياء، وشد على وسطك منطقة الصدق والوفاء، وإياك أن تدخل بيتك إلا من باب التوبة والصفاء، فإذا دمت على هذا الدواء صفا قلبك بين القلوب، وزالت عنك أوجاع الذنوب " قطوف لعلى الجندى -منبر الإِسلام عدد جمادى الآخرة سنة ١٣٩٠ هـ "
стр. 4828
الحكمة والدبلوماسية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ذكرت كلمة الحكمة فى القرآن كثيرا، وقال بعض المعاصرين إنها تلتقى مع الدبلوماسية المعروفة الآن. فهل هذا صحيح؟
الجواب
الحكمة المذكورة فى القرآن لها عدة معان، تختلف بحسب المواضع العشرين التى ذكرت فيها، يقول الراغب الأصفهانى " ٥٠٢هـ " فى مفرداته: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذى وصف به لقمان فى قوله ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ لقمان: ١٢، ونبه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل فى الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره. ومن هذا الوجه قال الله تعالى ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ التين: ٨ وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة نحو ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ يونس: ١ وعلى ذلك قال تعالى ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة﴾ القمر: ٤، ٥.
ثم ذكر النسبة بين الحكم والحكمة، بأن الحكم أعم، فكل حكمة حكم وليس كل حكم حكمة، وجاء فى التفاسير أقوال كثيرة فى معنى الحكمة، ولا شك أن من معانيها وضع الشىء فى موضعه، فهى فى الرأى سداد، وفى القول صواب، وفى الفعل استقامة والشخص الذى عنده هذه المعانى يكون موفقا وسعيدا فى دنياه وأخراه كما قال تعالى ﴿يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا﴾ البقرة: ٢١٩ ومنهم الأنبياء ومن على شاكلتهم.
وقد تلتقى مع الدبلوماسية فى هذا المعنى، وإن كانت مقاييس الدبلوماسية غير مقاييس الدين، ولعل من تقارب معناهما قوله تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ النحل: ١٢٥ ومقومات الحكمة فى الدعوة مبسوطة فى كتابنا " الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه " وكتابنا " الدعوة الإِسلامية دعوة عالمية ".
ولتمام التوضيح للعلاقة بين الحكمة والدبلوماسية ألخص هنا كلمة عنها للسيد / على سلطان سفير قطر فى القاهرة نشرت بجريدة البلاغ الكويتية فى ٤ / ٨ / ١٩٧٤ جاء فيها: أن الدبلوماسية لفظ مشتق من اللفظ اليونانى " دبلوما" أى الوثيقة أو الشهادة التى تطوى على نفسها، والتى كانت تصدر عن الشخص الذى بيده السلطة العليا فى البلاد، وتخوِّل حاملها امتيازات خاصة.
ولم تدخل هذه اللفظة فى المعجم الدولى إلا منذ أواسط القرن السابع عشر، عندما حلت محل لفظة " المفاوضة " وتطور مدلولها مع الزمن وأصبح يشير إلى معان مختلفة:
١ -إما للدلالة على النهج السياسى فى زمن معين، فيقال مثلا:
تطورت الدبلوماسية العربية فى القرن الحالى، وصارت غير ما كانت عليه فى القرن الماضى.
٢ -وإما للدلالة على اللباقة التى يتحلى بها شخص ما بالنسبة إلى علاقاته مع الغير، فيقال مثلا: فلان عنده دبلوماسية رفيعة.
٣ -وإما للدلالة على المفاوضات وما يتبعها من مراسم، فيقال:
هذه المعضلة تحتاج إلى حل دبلوماسى.
٤ - وإما للدلالة على مهنة السياسى الذى يقوم -على حد تعبير الأستاذ أرنست ساتو- بمهمة التوفيق بين مصالح بلاده ومصالح البلاد المعتمد لديها، وهذا المعنى هو السائد الآن.
والدبلوماسية تحتاج إلى استخدام الذكاء واللباقة فى إدارة دفة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة، ولذلك ينصحون الدبلوماسى بأن يكون قليل الكلام كثير الإِصغاء، حتى إذا اضطر إلى التعليق أو الإِجابة كان رأيه سديدا، لأنه بعد تفكير عميق. لقد كان "ميترنيخ " يتقن سبع لغات، ومع هذا فقد قيل عنه: إنه يتقن الصمت فى اللغات السبع.
وعند التفاوض يعرض الموضوع تدريجيا، ويقف عند الحد الذى يعرف فيه استعداد محدِّثه ودرجة قبوله لما يعرضه، وعندئذ يغير مجرى الحديث بالنسبة لما شاهده على وجه محدثه من استحسان أو استهجان. ومن المهم أن يعرض المفاوض أفكاره على مراحل، بحيث يجزئ الصعوبة ويحصل على موافقة الطرف الآخر على مختلف الأجزاء تباعا.
ومن المتعارف عليه فى لغات الدبلوماسيين: إذا قال الدبلوماسى: نعم، يعنى بذلك ربما، وإذا قال: ربما يعنى بذلك: كلا، وإذا قال: كلا يكون قد تخلى عن اللغة الدبلوماسية.
قال أحد الظرفاء: اكتشفت فن خداع الدبلوماسيين، ذلك أننى أتكلم الصدق، ومع ذلك أراهم لا يثقون فى قولى، وقال آخر:
الدبلوماسى هو الرجل الذى يفطن لعيد ميلاد السيدة ولكنه ينسى السن الذى بلغته.
هذا، ومظاهر الدبلوماسية فى الإِسلام التى تلتقى مع الحكمة فى مفهومها كثيرة، وميادينها متعددة، فهى تكون مع الرجل في بيته ومعه فى جيرانه ومعه فى أصدقائه، ومعه فى رؤسائه، ومعه فى المجتمع كله وتكون على المستوى الفردى والجماعى والدولى، وتوضيح ذلك يطول، ويمكن الرجوع إليه فى معالجة كل موضوع على حدة.
وبخاصة موضوع المداراة والكنية والتعريض
стр. 4829
لا سِيَّما
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يخطئ كثير من المتحدثين فى شكل الكلمة التى تلى تعبير "لاسيما" فهل من توضيح للنطق الصحيح؟
الجواب
معلوم أن القرآن الكريم نزل باللغة العربية، والحديث النبوى نقل إلينا باللغة العربية، واستنباط الأحكام الشرعية منهما لابد فيه من معرفة اللغة العربية نحوًا وصرفا، وبلاغة، فقد يكون الحكم صحيحا فى رفع آخر الكلمة، وخطأ فى نصبه أو جره، بل قد يؤدى الخطأ فى الإعراب إلى الكفر، كما قرأ بعض المسلمين " أن الله برىء من المشركين ورسوله " بجر اللام من " رسوله " والصواب رفعها، فالمعنى على الجر أن الله برىء من الرسول كما أنه برىء من المشركين، واعتقاد ذلك كفر.
والمعنى على الرفع أن الرسول برىء من المشركين كما أن الله برىء منهم، وهذا صحيح.
ومن أجل خطورة اللحن فى القرآن أشار علىّ رضى الله عنه على أبى الأسود الدؤلى بوضع قواعد علم النحو.
وأصبح تعلم النحو واجبًا لصحة القراءة وصواب استنباط الحكم والحماية من الخطأ.
وعبارة " لا سيما" قال العلماء فى إعرابها: "لا" نافية للجنس، و "سِىَّ" تشبه كلمة "مثل" وزنا ومعنى، وهى اسم "لا" وخبرها محذوف وجوبا، ويقدر بكلمة "ثابت" ومعنى "لا سيما" لا يوجد مثيل لما يأتى بعدها.
وأصل " سِىَّ" سِوْىْ، قلبت الواو ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت فى الياء.
ويجوز فى الإِسم الواقع بعد "ما" من عبارة "لا سيما" الجر والرفع مطلقا، والنصب إن كان نكرة. وقد روى بالأوجه الثلاثة قول امرئ القيس:
ألا رب يوم صالح لك منهما * ولا سيما يوم بدارة جلجل والجر أرجحها، وهو إضافة " سىَّ" إليه و "ما" زائدة بينهما، مثلها فى قوله تعالى ﴿أيما الأجلين﴾ القصص: ٢٨.
وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف و "ما" موصولة، أى اسم موصول، والجملة بعدها صلة للموصول لا محل لها من الإعراب أو تكون "ما" نكرة موصوفة بالجملة بعدها فهى فى محل جر، والتقدير ولا مثل شىء هو رفيقه و "سىَّ" مضاف، و"ما" مضاف إليه، فعلى كل من وجهى الجر والرفع تكون فتحة " سىَّ " فتحة إعراب، لأن اسم "لا" النافية للجنس إذا كان مضافا يكون منصوبا.
وأما نصب النكرة بعدها فعلى التمييز، و "ما" كافة عن الإِضافة والفتحة فتحة بناء، مثلها فى "لا رجل" والمعرفة لا يجوز نصبها عند الجمهور، وجوز بعضهم نصبها، بجعل "ما" كافة، و"لا سيما" بمنزلة "إلا" الاستثنائية، فما بعدها منصوب على الاستثناء، كما جاء فى حواشى الأشمونى:
وما يلى "لا سيما إن نكرا * فاجرر أو ارفع ثم نصبه اذكرا فى الجر "ما" زيدت وفى رفع ألف * وصْلٌ لهما وتنكيرٌ وصف وعند رفع مبتدا قدِّر وفى * رفع وجر أعربن "سى" تفى وانصب مميزا وقل "لا سيما * يوم" بأحوال ثلاث فاعلما والنصب إن يعرف اسم فامنعا * وبعد "سىِّ" جملة فوقعا أجاز ذا الرَّضى ولا تحذف "لا" * من "سيما" و"سى" خفف تفضلا وامنع على الصحيح الاستثنا بها * ثم الصلاة للنبى ذى البها " حاشية الصاوى على شرح الدردير للخريدة ".
أنا أعلم أن هناك صعوبة -عند البعض- فى فهم هذا الكلام، وبخاصة الشعر، فليكن رياضة ذهنية لمن يهتمون بذلك، أما غيرهم فيكفى أن يعرفوا أن الاسم الذى يأتى بعد "لا سيما" يجوز رفعه وجره مطلقا، أى إن كان نكرة أو معرفة، أما نصبه فلا يجوز إلا إذا كان نكرة. فإذا قلت: أنا أحب الطلاب ولا سيما المجتهد، جاز لك الرفع والجر فقط، وإذا قلت: أنا أحب الطلاب ولا سيما مجتهد، جاز لك الرفع والجر والنصب أيضًا
стр. 4830
حكم التحية بالسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجب على الإنسان إذا مر على غيره أن يلقى ﵇، وهل يجب على هذا الغير أن يرد ﵇، وما جزاء التقصير فى ذلك؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلِّموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ النور: ٦١ ويقول ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها﴾ النور: ٢٧ ويقول ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ النساء: ٨٦ ويقول ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام﴾ الذاريات: ٢٤، ٢٥.
١ -التحية بين الناس تقليد قديم ولهم فيها طقوس مختلفة يمكن الرجوع لمعرفة بعضها فى الجزء الثانى من موسوعة الأسرة. والتحية بصيغة السلام قديمة جدا، شرعها الله لأبينا آدم ﵇ كما يدل عليه حديث البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال:
اذهب فسلِّم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا:
السلام عليك ورحمة الله، فزادوا: ورحمة الله " والآيات تدل على أن السلام تحية أهل الجنة فيما بينهم، وتحية الملائكة لهم.
والآية الرابعة تدل على أن الملائكة سلمت على سيدنا إبراهيم ﵇، فرد ﵈، والآية الأولى تدل على مشروعية التحية بالسلام فى شريعة الإِسلام، وأنها مأمور بها، والآية الثانية تنهى عن التهاون فيها، والآية الثالثة تأمر برد التحية على من يبدأ بها، وتحث على أن يكون الرد أحسن من البدء.
٢ -ولا يشك عاقل فى أن التحية بالسلام من عوامل التآلف بين الناس، وإشاعة الأمن والمحبة فيما بينهم، ولذلك اختارها الله سبحانه لتكون تحية أهل الجنة بعضهم مع بعض وتحية الملائكة لهم، بعد تحية الله لهم عند دخولها، قال تعالى ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ الأحزاب:
٤٤ وقال ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ الحجر: ٤٦ وقال ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ الرعد: ٢٣، ٢٤ وقال ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾ يونس: ١٠.
ولذلك حث عليها النبى ﷺ فى أكثر من حديث، منها "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم.
[" لا تؤمنوا " بحذف النون لغة صحيحة معروفة، أو مشاكلة للفعل المنصوب قبلها، كما فى شرح ابن علان لأذكار النووى] وروى البخارى ومسلم أن رجلا سأل النبى ﷺ : أي الإِسلام خير؟ فقال "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
٣-والصيغة المشروعة للتحية هى فى الحد الأدنى أن يقول المبتدئ السلام عليك، ويسن أن يزيد: ورحمة الله وبركاته، وأن يكون بصيغة الجمع لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ وثواب الحد الأدنى عشر حسنات وكل زيادة بعشر. كما فى حديث رواه أبو داود والترمذى بإسناد حسن ويكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام، فإنها تحية الموتى كما ورد فى حديث صحيح رواه الترمذى. وللفقهاء تفريعات يرجع إليها فى أذكار النووى.
٤ - وإذا كانت التحية مشروعة ومأمورا بها، فما هى درجة الأمر، هل الوجوب أو الندب؟ قال العلماء: الابتداء مندوب يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه، والإجابة واجبة يثاب المرء على فعلها ويعاقب على تركها.
وإذا كان البادئ بالسلام جماعة كانت السنة على الكفاية، يكفى تسليم واحد منهم، والأفضل أن يسلموا جميعا، وأما رد السلام من الجماعة فيكون واجبا على الكفاية أى يكفى أن يرد واحد منهم، والأفضل أن يردوا جميعا، وإن تركوه جميعا أثموا. والدليل على ذلك حديث رواه أبو داود "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم" وقد مر فى ص ٦٥٣ من المجلد الثانى حكم التحية بالمراسلة أو الإِذاعة. كما مر فى ص ٦٥٧ حكم الاكتفاء فى التحية بالإِشارة باليد، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال لى رسول الله ﷺ "هذا جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
٥ - وإذا كانت تحية السلام مشروعه فهناك أحوال استثنائية لا تشرع فيها، منها:
١ -إذا كان المسلَّم عليه مشغولا بالبول أو موجودا فى حمام فيكره إلقاء السلام عليه، ولا يستحق جوابا إن سلَّم، بل يكره.
٢ -من كان نائما أو ناعسا لا يلقى ﵇.
٣- وكذلك من كان مصليا أو مؤذنا فى حال الصلاة والأذان ويحرم على المصلى أن يرد بصيغة المخاطب "عليكم" وتبطل صلاته، ولا تبطل إن كان الرد بصيغة الغائب "وعليه" ويستحب الرد بالإِشارة لا بالكلام، وإن رد بعد الصلاة فلا بأس، ولا يكره للمؤذن أن يرد، لأنه شىء يسير لا يبطل الأذان ولا يخل به.
٤ -إذا كان المسلَّم عليه يأكل واللقمة فى فمه. لا يسلَّم عليه ولا يستحق جوابا والرد مندوب أما إذا كان على الأكل وليست اللقمة فى فمه فلا بأس بالسلام عليه ويجب الجواب وكذلك فى حال المبايعة وسائر المعاملات يندب السلام وتجب الإجابة.
٥ -السلام على من يستمعون خطبة الجمعة مكروه، لأنهم مأمورون بالإِنصات، فإن خالف وسلَّم لا يجب الرد، وعلى رأى من يقول:
إن الإِنصات سنة يرد عليه واحد فقط من الحاضرين.
٦ - والمشتغل بقراءة القرآن يكره السلام عليه، فإن سلَّم فالراجح وجوب الرد، ثم استئناف القراءة، ولا يكتفى بالرد بالإِشارة كما قال البعض. ومثل قارئ القرآن المشتغل بالدعاء والاستغراق فيه، فيكره السلام عليه، كما يكره السلام على المشتغل بالتلبية فى الإِحرام.
٧ - المرأة الأجنبية إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لا يسلم الرجل عليها، ولو سلم لم يجز لها رد الجواب، وهى لا تسلم عليه ابتداء، وإن سلمت لم تستحق جوابا، فإن أجابها كره له ذلك. وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعا فيسلم عليهن الرجل، أو كان الرجال جمعا كثيرا فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة، وقد مر ذلك فى صفحة ٣٦٣ من المجلد الثالث.
٨-الفاسق بارتكاب منكر ولم يتب لا يسلَّم عليه ولا يرد ﵇، وقد مر ذلك.
٩- غير المسلم لا يسلم عليه تحريما أو كراهة، وقد مر الكلام فى ذلك أيضًا.
وقد جمع بعض الشعراء الحالات المستثناة من السلام فى قوله:
رد السلام واجب إلا على * مَنْ بصلاة أو بأكل شغلا أو شرب وقراءة أو أدعية * أو ذكر، وفى خطبة أو تلبية أو فى قضاء حاجة الإنسان * أو فى إقامة أو الأذان أو سلَّم الطفل أو السكران * أو شابة يخثسى بها افتتان أو فاسق أو ناعس أو نائم * أو حالة الجماع أو تحاكم أو كان فى حمام أو مجنونا * فواحد من بعده عشرونا هذا، ويستحب للإِنسان إذا دخل بيته أن يسلم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، وذلك للآيتين الأوليين المذكورتين فى أول الإجابة، وللحديث الحسن الصحيح الذى رواه الترمذى عن أنس قال: قال لى رسول الله ﷺ " يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلِّم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك ".
ومن أراد الاستزادة فى موضوع السلام فليرجع إلى "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" للإِمام النووى
стр. 4831
الوقت من ذهب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ظهرت ابتكارات حديثة لقتل الوقت وإلهاء الشباب عن العمل الجاد، فما موقف الدين من ذلك؟
الجواب
لا بد للإِجابة على ذلك من بيان قيمة الوقت فى نظر الإِسلام، ملخصا من كتابى "توجيهات دينية اجتماعية": إن الوقت هو الظرف الزمنى الذى يؤدى فيه الإِنسان نشاطه الذى يفيد منه فى حياته الدنيوية والأخروية، فضياع أى جزء منه خسارة كبيرة، ويندم يوم القيامة على التفريط فيه، كما قال تعالى فى أهل النار ﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أوَلم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ فاطر: ٣٧.
والزمن وهو أثر من أثار دورات الفلك لا يقع تحت إرادة الإِنسان، وهو إذا مضى لا يعود. كما يقول الحسن البصرى: ما من يوم ينبثق فجره إلا نادى مناد من قِبل الحق: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد: فتزود منى بعمل صالح فإنى لا أعود إلى يوم القيامة.
والعمر وهو رأس مال العبد الذى ينفق منه مهما كثر فهو قليل، ومهما طال فهو قصير، والآمال تخترمها الآجال، ومن هنا حث الإِسلام على المبادرة بالعمل الصالح وعدم ضياع أية لحظة من لحظات العمر فى غير ما يفيد، ومن مظاهر هذا ما جاء فى حديث البخارى "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ" وما جاء فى حديث حسن صحيح رواه الترمذى والبيهقى "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" وما جاء فى حديث ابن أبي الدنيا بإسناد حسن "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وما جاء فى خطبة أبى بكر الصديق ﵁: إنكم تغدون وتروحون فى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم فى عمل الله -ولا تستطيعون ذلك إلا بالله- فسابقوا فى مهل بأعمالكم قبل أن تنقضى آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم، فالوحا الوحا، النجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره، سريعا سيره. وما قاله بعض البلغاء: من أمضى يومه فى غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثَّله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
وما قاله الإمام الشافعى، وهو النموذج الصالح لطلب العلم:
سهرى لتنقيح العلوم ألَذُّ لى * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلى طربا لحل عويصة * أشهى وأعظم من مدامة ساق وألذ من نقر الفتاة لدفها * نقرى لألقى الرمل عن أوراقى وصرير أقلامى على صفحاتها * أبهى من الدوكاء والعشاق أأبيت سهران الدجى وتبيته * نوما وتبغى بعد ذاك لحاقى؟ وما قاله عمر بن الخطاب وهو نموذج صالح لكل العاملين والمسئولين، حين جاء معاوية بن خديج يبشره بفتح الإِسكندرية فوصل المدينة وقت القيلولة فظن أنه نائم يستريح ثم علم أنه لا ينام فى ذلك الوقت: ... لئن نمت النهار لأضيعن حق الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن حق الله، فكيف بالنوم بين هذين الحقَّين يا معاوية؟ بعد هذه السطور القليلة في بيان قيمة الوقت وخطورة التفريط فى استغلاله فى الخير نعلم أن الإِفراط فى اللهو بكل الوسائل الحديثة غير مشروع، وهو حرام إن ضيَّع واجبا لله أو للأسرة أو للنفس أو للمجتمع، وحرام إن كان على قمار ومراهنة، وحرام إن ترتب عليه ضرر دينى أو صحى أو اقتصادى، والنصوص فى ذلك كثيرة، ويمكن الرجوع إليها عند الإجابة على أحكام أدوات اللعب "ص ٢٠٩ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى" والرياضة البدنية "ص ١٩٦ من المجلد الثالث" والتليفزيون "ص ٢١٢ من المجلد الثالث" والموسيقى والغناء "ص ٢٣٨ من المجلد الأول" وأجهزة الفيديو "ص ٤١٢ من المجلد الثانى"
стр. 4832
التجسس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ فكيف نوفق بين النهى عن التجسس وما فعله النبى ﷺ من إرسال من يتجسس على العدو لمعرفة أخباره؟ وما هو عقاب الجاسوس؟
الجواب
التجسس مأخوذ من الجس، وهو فى الأصل مَسُّ العرق وتعرُّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، كما فى مفردات الأصفهانى، ومنه اشتق الجاسوس، فالتجسس محاولة العلم بالشىء بطريقة سرية لا يفطن لها، أو البحث عما يكتم من الأمور، وقيل: هو والتحسس - بالحاء- بمعنى واحد، وقيل: إن الثانى هو طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: هو تطلبها لنفسه، أما التجسس فهو طلبها لغيره، وقيل غير ذلك.
والتجسس على المسلم منهى عنه لأن فيه كشفا للعورات، ولذلك أجاز النبى ﷺ أن تفقأ عين من نظر إلى بيت غيره من نافذة أو غيرها ليتعرف ما بداخله بغير إذنهم كما رواه البخارى ومسلم. وقال "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" رواه أبو داود بإسناد حسن وقال "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صُبَّ له في أذنه الآنك يوم القيامة" رواه البخاري، والآنك هو الرصاص المذاب وقد أجازه بعض العلماء إذا كان فيه مصلحة مع جريمة ستقع، وهو أليق بالمسئولين عن الأمن إذا كانت الجريمة فيها ضرر لغير من يرتكبها، أما لو استتر بها وضررها يعود عليه فقط فلا يجوز التجسس، وحملت عليه بعض أحداث في أيام عمر ﵁ ذكرها القرطبي في تفسيره "١٦ ص ٣٣٣". أما التجسس على العدو للحذر منه والاستعداد لمقاومته فمشروع، روى مسلم أن النبي ﷺ أرسل بَسْبَسة بن عمرو الأنصاري عينا لتقصي أنباء عير أبي سفيان فى غزوة بدر، وقد ذهب ﷺ بنفسه ومعه أبو بكر إلى بدر وقابلا رجلا وسألاه عن أخبار قريش وعرفا منه مكانهم، ولما كان الرجل قد شرط عليهما أن يعرف من هما قال النبي ﷺ أخيرا "نحن من ماء" ثم انصرفا عنه، وحار الرجل في معرفة هذا النسب، ولعل الرسول ﷺ يقصد أنهما خلقا من ماء. كما بعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص مع جماعة إلى بدر لهذا الغرض، وقبل خروجه إلى بدر أرسل طلحة بن عبيد الله وآخر لذلك، وكانت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة -بين مكة والطائف- فى رجب من السنة الثانية للهجرة لاستطلاع أخبار قريش، وفي سنة أربع أو خمس من الهجرة بعث رسول الله ﷺ بريدة بن الخصيب الأسلمي ليعرف أخبار بني المصطلق عند ماء يسمى "المريسيع".
وإذا كان التجسس على العدو مشروعًا، فإن التجسس له ونقل أخبار المسلمين إليه محظور، وحادث حاطب بن أبي بلتعة معروف، حيث أرسل خطابا إلى أهل مكة يخبرهم فيه بأن الرسول ﷺ سيغزوهم وأعطاه لامرأة لحق بها في الطريق فأخذه منها من أرسلهم الرسول لذلك، وكان ضبطه في مكان يسمى "روضة خاخ " ولما سئل حاطب عن ذلك لم يكذب وأقر بأنه لم يفعله كفرا ولا رِدة، ولكن لمصلحة شخصية له، ولما أراد عمر قتله قال له الرسول ﵊ "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ونزل في ذلك أول سورة الممتحنة.
الخبر طويل في كتب السيرة والتفسير مروى بطريق صحيح وجاء فى بعض رواياته أن الرسول أمر بضرب عنق المرأة حاملة الكتاب إن لم تدفعه لهم.
وهنا تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس، فقالوا: إن كان كافرا يقتل، في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنه نقض للعهد، وإن كان مسلما أو ذميًّا يعاقبان تعزيرًا، إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقال مالك بقتله مطلقا لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض، وهو حد الحرابة "تفسير القرطبي "ج ١٨ ص ٥٠ - ٥٣ ".
وجاء فى زاد المعاد لابن القيم "ج ٢ ص ١٧٠" تعليقا على ذلك قوله: فيه جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما، والعفو عن حاطب لأن الله قد غفر لأهل بدر وهو منهم، فمن لم يكن كذلك جاز قتله، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعى وأبو حنيفة لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجان بقصة حاطب. والصحيح أن قتله راجع إلى رأى الإمام فإن رأى فى قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه اهـ.
وهو رأى معقول يرجع فيه لتقدير المسئولين ومصلحة الأمة، وقتله إما حد وإما تعزير، وآية المحاربة والإفساد في الأرض فيها متسع للآراء.
هذا، ورجال المباحث والمخابرات المكلفون بالبحث عن المجرمين، وتتبع أخبار المتهمين أو المشبوهين تتحكم في الحكم عليهم نياتهم فالأعمال بالنيات، كما يتحكم فيه التزام الحق والعدل، والبعد عن الشبهات والإغراءات، والعلم بأن الله رقيب حسيب، وأن الآخرة خير وأبقى.
تنبيه: الطابور الخامس:
أول ما نشأ هذا التعبير أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام ١٩٣٦ م واستمر ثلاث سنوات، وأول من أطلقه الجنرال الإسباني "كوبيو دنيلانو" وكان أحد قوات الثوار، وكان يتحدث عن قواته الزاحفة على مدريد، وكانت تتألف من أربعة طوابير من الثوار. ثم قال: إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الثوار في قلب مدريد، ويقصد به مؤيدي الثورة من أهالى مدريد.
ثم أصبح هذا الوصف شائعا فى الجاسوسية وعمليات التخريب التى تتم داخل البلد بوساطة أعوان أعدائها، وزاد انتشاره بعد الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ م واعتمد هتلر على كثير من الجواسيس داخل البلاد التى يحاربها، ثم استعمل "الطابور الخامس" لمروجى الإِشاعات ومنظمى الحروب النفسية، "اليقظة ٩ / ١٥ / ١٩٧٨". هذا، وقد ألف "كرايم كانت" كتابا فى الجاسوسية جاء فيه أنها فَنٌّ قديم معناه:
فن الحصول على معلومات من الأعداء بأسلوب سرى للاستفادة منها فى الحروب، وقد استخدمها المصريون حوالى سنة ٣٦٠٠ قبل الميلاد على يد القائد "ثيوت" وجاء فى التوراة أن موسى ﵇ أرسل جواسيس إلى أرض كنعان، عاد منهم اثنان بمعلومات رفضها الإِسرائيليون فعاقبهم الله بالتيه أربعين عاما. لعل مما يشير إلى ذلك قولهم ﴿إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ المائدة: ٢٢ واستغلها اليونان وأشهر أساطيرهم فيها " حصان طروادة" ثم تطورت وتبادلت الدول السفراء - فهم إلى جانب سفارتهم جواسيس لدولهم، واعتمد عليهم يوليوس قيصر سنة ٥٥ ق. م فى غزواته.
وفى العصور الوسطى كانت هناك جواسيس، وذكر من أشهرهم فى إنجلترا فى عهد إدوارد الأول "السير توماس توبر فيل" الذى أعدم لتجسسه عليها بعد أن تجسس لها ضد فرنسا. وتميزت العصور الوسطى بوجود جهازين، أحدهما للتجسس والثانى لمكافحته.
وأول بوليس سرى كان فى عهد الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى.
بفضل "فرنسيس والسينغهام" الذى كان يستخدم الشفرة فى تجسسه
стр. 4833
رعاية الشباب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يوجد اهتمام كبير فى بعض البلاد برعاية الشباب، وتنازعت عدة جهات هذه المهمة، ولكل منها برنامج، والواقع يشهد أن الجهود المبذولة لم تحقق الغرض المرجو منها، فهل فى الإسلام ما يعالج هذه القضية؟
الجواب
من المعلوم أن الإِسلام بما جاء به من قرآن وحديث يحقق الهدف الذى نص عليه فى عدة مواضع، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وهذه الهداية شاملة لكل الأنشطة التى تحقق السعادة فى الدارين، وكاملة لا تحتاج إلى إضافات لأصولها التى تتحقق بها صلاحيتها لكل زمان ومكان. ولبيان منهج الإِسلام فى رعاية الشباب لابد من معرفة أن الشباب -سواء أكان هذا اللفظ جمعا لمفرد هو شاب، أم مصدر الفعل شبَّيتصل بمرحلة من عمر الإنسان هى الحد المتوسط بين الطفولة الضعيفة الساذجة والشيخوخة المتميزة بخصائصها التى تشبه إلى حد كبير مرحلة الطفولة عند الكثيرين.
ومرحلة الشباب تتميز بالتفتح الذهنى والقوه البدنية وخصب العاطفة، والأمل الواسع والحرص الشديد على الأخذ من كل ألوان الحياة بأكبر نصيب. والشباب بهذه الميزات قوة لا تعد لها قوة فى إخصاب الحياة ونموها إذا أحسن استغلاله، والشبان فى كل العصور والبيئات موضع الفخر والاعتزاز للأفراد والجماعات.
ومن هنا كان من أوجب الواجبات أن يستغل استغلالا طيبا، فتنبه العقلاء إلى ذلك وجاءت الأديان مشجعة على الإفادة من هذه القوة الكبيرة، وكان للإسلام القدح المعلَّى فى هذا الميدان، ووضعت كتب فى التربية من أجل ذلك، ويهمنا أن نبين القواعد الأساسية لهذه التربية مختصره من كتابى "تربية الأولاد فى الإسلام" ضمن الموسوعة الكبرى للأسرة، وهى أربعة: التكامل، العناية بالعقل والخلق، التبكير بها، والتعاون عليها.
١ - لابد أن تكون تربية الشباب أو رعايتهم شاملة للجسم والعقل والخلق والروح، فهى كلها متضامنة فى تحديد معالم الشخصية للشباب وتوجيه السلوك. وفى الحديث " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا" والذى يرجع إلى موضوع الرياضة فى الإسلام يتبين له ذلك بوضوح، وخير نموذج لتكامل الرعاية وصية لقمان لابنه التى سجلها القرآن الكريم، فهى شاملة للعقيدة التى لا تشرك مع الله شيئا، وبر الوالدين كرمز لشكر المنعم، ورقابة الله الذى يعلم السر وأخفى، وتوثيق العلاقة بالله عن طريق الصلاة، وكذلك العلاقة بين الناس بنشر العلم، مع التذرع بالصبر فى مجال الكفاح، والمعاملة بالتواضع ولين الجانب والأدب والحياء والسكينة والوقار [سورة لقمان: ١٣- ١٩] .
٢ -يجب أن تحظى الرعاية العقلية والخلقية والروحية بقدر كبير من العناية، لأنها ستجر إلى الرعاية البدنية، وهى صمام أمن يقى الشباب المخاطر، ونور كاشف يضىء له الطريق، وفى الحديث الذى رواه الترمذى "ما نحل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن" والشاب المستقيم فى ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله كما فى حديث البخارى ومسلم. ولذلك كانت استقامة السلوك للأولاد هى موضع طلب الأنبياء من الله عندما سألوه الذرية، كما قال إبراهيم ﴿رب هب لى من الصالحين﴾ الصافات: ١٥٠ وكما قال زكريا ﴿رب هب لى من لدنك ذرية طيبة﴾ آل عمران: ٣٨.
٣-يجب أن تبدأ الرعاية من وقت مبكر ليتعودها الطفل ويشب عليها، فمن أدَّب ولده صغيرا سُرَّ به كبيرا كما قال ابن عباس.
٤ -والتعاون على هذه الرعاية واجب، فهى عبء ثقيل ينوء به فرد واحد أو جهة خاصة، وألوانها الكثيرة تحتاج إلى تخصصات ودرايات كاملة، وهى كلها متضافرة فى التأثير على السلوك، فالبيت والمدرسة والنوادى والساحات والمنظمات ودور اللهو والصحافة والمناهج والنظم وخط السير الاقتصادى والسياسى والاجتماعى كل هؤلاء لا بد من تعاونهم على هذه المهمة، والتقصير فى بعضها سيؤثر حتما على النتيجة المرجوة، ولا بد من أمرين هامين فى هذه المهمة الجماعية: أولهما إخلاص كل جهة فى تنفيذ ما يخصها، وثانيهما: الشعور بالروح الجماعية وانعدام الأنانية واللامبالاة.
هذه هى الخطوط الأساسية لرعاية الشباب على ضوء الإِسلام، فهل يسير على نهجها كل من يتشوف أو يسارع إلى الاشتراك فى هذه المهمة الجليلة؟
стр. 4834
بروتوكولات حكماء صهيون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع أخيرا أن هناك ما يسمى ببروتوكولات حكماء صهيون، فهل هى غير التلمود الذى وضعه اليهود منذ مئات السنين؟
الجواب
مما قرأت عن هذا الموضوع أقتطف بعضا من مقال الدكتور عبد الوهاب المسيرى المنشور بأهرام الجمعة ٢٢ / ٢ / ١٩٧٤ م، حيث جاء فيه:
إن البروتوكولات البالغ عددها أربعة وعشرين: تذكر أن حاخامات اليهود وقادتهم عقدوا مؤتمرا سريا بهدف وضع خطة محكمة بالتعاون مع الماسونيين الأحرار ومع الليبراليين لإقامة وحده عالمية تخضع لسلطان اليهود، وتديرها حكومة يهودية عالمية يكون مقرها القدس.
والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شىء، عن الخير والشر وعن الثورة والرجعية وعن الاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس مثلا يقول: كى نخرب العالم -أى نحن اليهود- سنزيد من أجور العمال -وهى اتجاهات اشتراكية- ولكننا فى الوقت ذاته سنرفع أثمان الضرورات الأولية فنسترد الأجور - وهى اتجاهات رأسمالية - ونعرض الصناعة للخراب والعمال للفوضى -وهى اتجاهات فوضوية- واليهود مسئولون عن كل الأفكار الحديثة وترويجها -اليمينى منها واليسارى- فالبروتوكول الثانى يقول: إن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، وإن الأثر غير الأخلاقى لاتجاهات هذه العلوم لدى غير اليهود سيكون واضحا، ولكن ينبغى أن ندرس أثرها على أخلاق الأمم والجماعات.
والرأى السائد الآن أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسى كتبه صحفى مسيحى يدعى "موريس جول" بعنوان "حوار فى جهنم بين ميكيافيلى ومونتيسكيو" أو "السياسة فى القرن التاسع عشر" ونشر فى بروكسل عام ١٨٦٤ م فتحول الحوار إلى مؤتمر، وتحول الفيلسوفان إلى حكماء صهيون.
وقد لاقت البروتوكولات رواجا كبيرا بعد نشوب الثورة البلشفية التى كان يسميها البعض إذ ذاك بالثورة اليهودية ثم انتقلت إلى غرب أوروبا، وبلغت قمة رواجها فى هزيمة ألمانيا وموقف هتلر من اليهود.
ثم انتهى الكاتب إلى قوله: إن الصهيونى والمعادى للسامية يشتركان فى إنكار القيم الإِنسانية، وينكران على اليهودى إنسانيته السوية، ولذلك فهما يسيران بجوار بعضهما، ولكن الفارق بينهما أن الصهيونى يعرف بالضبط ما يريد، أما المعادى للسامية -وبخاصة إذا كان غريبا- فهو أداته الطيعة السهلة دون أن يدرى ذلك.
هذا، ويمكن معرفة كثير عن اليهود وأثرهم فى الإِفساد- بالاطلاع على مقال أنيس منصور فى أخبار اليوم بتاريخ ٦ / ١٠ / ١٩٧٣، ١١/ ٣ / ١٩٧٣ وفى آخر ساعة ٢٩ / ١ / ١٩٧٥ ومقال الدكتور حسين مؤنس فى مجلة آخر ساعة بتاريخ ٢١ / ٨ / ١٩٧٤.
وفى كلام للدكتور حسين مؤنس عن المافيا تحدث عن سريتهم فى كل أعمالهم، وذكر أن معظم الداعين إلى الإِلحاد من اليهود، ومنهم الكاتب الأمريكى صاحب كتاب "إن الله مات" ويدعون إلى التحلل والفساد، وثبت بالإِحصاء أن ٨٠ % من أصحاب الملاهى المتبذلة وبيوت الدعارة ودور نشر المجلات والمطبوعات الجنسية هم يهود، وصاحب مجلة "بلاى بول" هو "عفنر" اليهودى ويقول " روجيه بريفيت ": إن اليهود إذا ذلوا كان وقع الذلة عليهم عظيما، وفشت الوشاية ضد بعضهم فكان معظم من قبض عليهم النازيون بسبب ذلك. فهم أنانيون لا يحب الواحد منهم إلا نفسه فى مثل هذه المواقف انتهى.
ولعل مما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ الحشر: ١٤.
ومن خطبة للرئيس الأمريكى "بنجامين فرانكلين" سنة ١٨٧٩ م بمناسبة وضع دستور الولايات المتحدة ذكر خطر اليهود على البلاد - وخطابه لا تزال منه نسخة مخطوطة بمعهد فرانكلين فى بنسلفانيا على الرغم من سرقة اليهود للنسخة الأصلية، وجاء فى هذا الخطاب قوله:
أيها السادة،فى كل أرض حل بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقى، وأفسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم.
وقد أدى بهم الاضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب ماليا كما هو الحال فى البرتغال وأسبانيا، فمنذ أكثر من ١٧٠٠ عام وهم يندبون حظهم الأسيف، ويعنون بذلك أنهم قد طردوا من ديار آبائهم، ولكنهم أيها السادة لن يلبثوا إذا ردت إليهم الدول اليوم فلسطين أن يجدوا أسبابا تحملهم على ألا يعودوا إليها، لماذا؟ لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، فلا بد من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون لعرفهم. ثم يقول:
وإذا لم يبعد هؤلاء بنص الدستور عن الولايات المتحدة فإن سيلهم سيتدفق فى غضون مائة سنة إلى حدّ يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا، ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذى بذلنا فى سبيله دماءنا، وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية، ثم يضيف:
لن تمضى مائة سنة حتى يكون مصير أحفادنا العمل فى الحقول لإِطعام اليهود، على حين يظل اليهود فى البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين، إننى أحذركم أيها السادة، أنكم إن لم تبعدوا اليهود نهائيا فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم فى قبوركم. إن اليهود لن يتخذوا مُثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع استبدال جلده الأرقط ... "مجلة البلاغ الكويتية فى١٠ / ٨ / ١٩٧٥ م"
стр. 4835
المافيا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تترد كلمة "المافيا" على الألسنة كثيرا، كقوة إرهابية، فمتى وكيف نشأت؟
الجواب
أمثال هذه الأمور يهتم بها المختصون، ومع ذلك ينبغى أن نعرف شيئا ولو قليلا عنها لنحذر من مخاطرها، على حد قول القائل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه ومن مقال للدكتور حسين مؤنس جاء فيه أن المافيا تنظيم سرى لنفر من عتاة المجرمين فى صقلية والولايات المتحدة، ورجالها يعرفون فى إيطاليا باسم "المافيوزى" ظهروا أول مرة فى صقلية فى العقد الثالث من القرن الماضى "التاسع عشر" وذلك نتيجة غزو نابليون لصقلية وضمها لإِيطاليا، ولما انتهى نابليون سنة ١٨١٩ وانفصلت صقلية عن إيطاليا أصبح أمرها فوضى، فسيطر على الجزيرة جماعة إقطاعيون استعانوا بمن يجمع لهم الأموال من الفلاحين، فاعتمدوا على "المافيوزى" وبتطور الأمور أصبحوا قوة ذات تأثير كبير، بل صاروا دولة داخل دولة لها قوانينها، ومارسوا ما تحرمه الحكومة من بيع المخدرات والسطو على الآمنين وممارسة كل وسائل الإِجرام ولم يقض عليهم إلا موسولينى.
ولما اختفت من صقلية انتقلت فروع منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى أواخر القرن الماضى وعملت لحساب بعض الأغنياء، وتركزت بعد الحرب العالمية الأولى فى شيكاغو ونيويورك، وهنا تنبه اليهود إلى أهميتهم فاستعانوا بهم فنشطت الحكومة للقضاء عليهم، وكان من أساليبهم استخدام النساء والعشيقات ومن أشهرهن "فرجينيا هيلد" التى تنقلت بين عشاق كثيرين فقبض عليها ونفيت سنة ١٩٣٤ م إلى النمسا وماتت فى ٢٣ مارس ١٩٦٦ م بعد أن كنبت تاريخ حياتها، وفيه تكوين هيئة اسمها هيئة قتلة المافيا شركة مساهمة، وكانت فى فندق بنيويورك سنة ١٩٣١ م وكل كبارها يهود. فهم أول من نظم جماعة من المافيا فى أمريكا. وبعد إنشاء هذه الشركة التى كانت لحماية أموالهم استخدمت لإِرهاب التجار المنافسين لهم.
وقد عجز البوليس عن الحد من إجرامهم، واستعمل اليهود المافيا فى فرض سلطانهم، ومعظم الوظائف الكبيرة قائمة على إرهابهم حتى أستاذية الجامعات والصحافة ووسائل الإعلام التى تفننوا فيها. وتنبه لشرهم "هنرى فورد" وألف كتابا فى مغالبهم، فحاولوا تدمير صناعة السيارات التى أنشأها، لكنه كان قويا فقاومهم، ثم جاء ابنه - وصالحهم فوقع تحت نفوذهم
следующие страницы →