← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 666–686 · переход к 671.

стр. 666

٤ - الهندسة الوراثية يطلق هذا المصطلح على استخدام أساليب علمية تمكن من تغيير الجينات (المورثات) أو توليفات منها، ومع أن المصطلح والعلم جديدان إلا أن تجارب الإنسانية فى هذا المحيط تعود إلى زمن بعيد، فعلى مدى آلاف السنين استخدم مستولدو النباتات والحيوانات طرائق متعددة لتوليد أفضل أنواع النباتات والحيوانات على نحو ما نعرف من سلالات الأبقار وسلالات الحبوب التى تم تهجينها. وفى ربع القرن الأخيرتمكن العلماء من تطوير وسائل معقدة لعزل بعض الجينات وإدخالها مرة أخرى فى خلايا ونباتات أو حيوانات كائنات أخرى، وتؤدى هذه الأساليب إلى تغيير خصائص الخلايا والكائنات الوراثية. وقد مضت اتجاهات الهندسة الوراثية بخطوات حثيثة خاصة مع تسارع التقدم العلمى فى جميع المجالات، ومع الحاجة الملحة إلى زيادة الإنتاج الرأسى من المحصولات الزراعية، أو من الإنتاج الحيوانى كاللحوم والألبان، وفضلا عن هذا فإن الهندسة الوراثية مكنت من تخليق عدد لا يستهان به من العقاقير الطبية الفعالة، والمواد اللازمة لإجراء البحوث المتقدمة. وتوجد الجينات فى داخل الخلية على خيوط رفيعة تسمى "الكروموزومات "،ويحتوى كل كروموزوم على جزيء واحد طويل من مادة كيميائية تسمى " الدنا "، واختصاره دنا ( DNA)، ويحتوى الجزيء الواحد على آلاف الجينات، ويتضمن فى تركيبته الكيميائية المعلومات التى فى حجم الجين من كائن معين، ثم يتم وصلها بجزئ من حمض مأخوذ من كائن آخر أو من نفس الكائن، ويسمى الجزىء المهجن حمض "دنا" المؤلف. وقد أثارت الهندسة الوراثية، بالرغم من مزاياها الكثيرة، مخاوف الكثيرين، إذ يخشى عدد لا يستهان به من الناس أن تلحق الضرر بالبيئة، كما يتساءل آخرون على المبرر الخلقى الذى يبيح للعلماء التلاعب بمادة الكائنات الحية الوراثية. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 667

٥ - الهندوسية "الهندوسية" أو "الهندوكية": دين يعتنقه معظم سكان الهند، وقد أطلق عليها ابتداء من القرن الثامن ق. م. اسم: "البرهمية" نسبة إلى "براهما" وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التى تطلب كثيرا من العبادات، كقراءة الأدعية والأناشيد وتقديم القرابين، و"البرهميون" أو"البراهمة": هم أصحاب الطبقة الأولى من عبدة "براهما"الذين ولدوا منه، أو ممن انبثق عنه: "برهمان". قامت "الهندوسية" على أنقاض "الويدية"، وتشربت أفكارها، وتسلمت عن طريقها الملامح الهندية القديمة، والأساطير الروحانية المختلفة التى نمت فى الهند قبل دخول الآريين، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا لـ "الويدية" وتطورا لها. ليس لـ"الهندوسية" مؤسس يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها وأحكامها، فهى مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعد ما وردوا على الهند، وتغلبوا على سكانها. ويعتقد الهنود أنها دين أزلى لا بداية له وملهم به قديم قدم الملهم، ويرى الباحثون الغربيون والمحققون من الهندوس أنه قد نشأ فى قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنا بدأت قبل الميلاد بزمن طويل وقد أنشأه أجيال من الشعراء، والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبا بعد عقب، وفق تطورات الظروف، وتقلبات الشئون، ف" الهندوسية" أسلوب فى الحياة أكثر مما هى مجموعة من العقائد والمعتقدات، وتاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والسنن، وليست لها صيغ محددة المعالم، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط بها إلى عبادة الأحجار والأشجار والحيوان، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة. "الفيدا " هو كتاب "الهندوسية" المقدس، ويقال: إنه أقدم من التوراة بآلاف السنين، وإنه دون فى زمن موغل فى القدم، ربما يرجع إلى ثلاثين ألف سنة مضت، وتعكس نصوصه حياة الآريين فى الهند فى عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه حلهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، مساكنهم وملابسهم، مطاعمهم ومشاربهم. وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية من سذاجة البدوى إلى شعور فلسفى، فتوجد فيه أدعية بدائية، مثل: "أيتها البقرة المقدسة، لك التمجيد والدعاء، فى كل مظهر تظهرين به .. "ونصوص ترتقى إلى وحدة الوجود، مثل": إنى أنا الله، نور الشمس، وضوء القمر وبريق اللهب، ووميض البرق، وصوت الرياح، وأنا الرائحة الطيبة التى تنبعث فى أنحاء الكون، والأصل الأزلى لجميع الكائنات، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح لأنى الأول والآخر والحياة والموت لكل كائن". بلغ تعدد الآلهة عند الهنود مبلغا كبيرا؛ إذ يوجد لكل ظاهرة طبيعية تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه، يستنصرون به فى الشدائد، غير أنهم جمعوا الآلهة فى إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو "براهما" من حيث هو موجد، وهو "فيشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك. و"براهما"، هذا عند فلاسفتهم ليس خالقا، فهو فكرة ذهنية أكثر منه إرادة عاملة، فالعالم -حسب تصورهم- خلق على النحو التالى: أخذ "براهما" يتأمل ويفكر، وعن تفكيره هذا نشأت بذرة مخصبة، تطورت إلى بيضة ذهبية، ومن تلك البيضة نشأ العقل الخالق، يطلقون عليه أيضا "براهما". من المعتقدات الهندوسية: ١ - التناسخ؛ إذ يعتقد الهنود أن الأرواح جائلة متنقلة فى أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر، سواء أكان فى الإنسان، أو فى الحيوان، حتى تصل إلى هدفها الأخير، وهو استجلاء طلعة "براهما" التى لا تكتسب إلا بالاندماج فيه كما تندمج قطرة الماء فى المحيط. ٢ - "كارما" وهى متممة لفكرة تجوال الأرواح. وتقوم نظريتها على أساس أن كل عمل يأتيه الانسان له ثمرته حتما، وأن كل شىء يكتسبه الإنسان فى كل طور من أطوار الوجود المتكرر، تحدده الأعمال التى يقوم بها فى الوجود السابق؛ فأعماله الصالحة ترفع درجته فى الأطوار اللاحقة، حتى إلى النهاية، وهو الاتحاد مع "براهما". والأعمال الشريرة تهبط بدرجته إلى أسفل، فيظل دائرا فى أطوار الوجود المؤلمة لا يتخلص منها أبدا بل تزداد انحدارا به إلى أسفل طبقات الوجود. ٣ - نظام الطبقات: يعتبر "البراهمة" رجال الدين أنفسهم من عنصر إلهى، فهم كهنة الأمة التى لا تجوز الذبائح إلا فى حضرتهم وتحت أيديهم، لذلك قسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات: (أ) طبقة الكهنة. (ب) طبقة المحاربين والتجار. (ج) طبقة الخدم، فلا يجوز لفرد أن يأكل مع آخر من طبقة أخرى، أو يزاوجه، أو يختلط به. ولم يظهر هذا النظام إلا فى قوانين "مينو" حوالى القرن السادس قبل الميلاد وهناك طبقة رابعة لم تدخل التقسيم وهى طبقة المنبوذين؛ إذ هم سكان الهند الأصليون الذين لا يجرى فى عروقهم الدم التوارنى. أو الدم الآرى، ويسمون: "زنوج الهنود"، وقد سلبهم المجتمع الهندوسى حقوقهم الإنسانية، فنزل بهم إلى مستوى أقل -أحيانا- من مستوى الحيوان، فيعتقد الهندوسى فى أحيان كثيرة أن الدنس والرجس يلحقه، إذا مر به المنبوذ على بعد بضعة أمتار. ولم ترجع الفلسفة الهندية نشأة نظام الطبقات إلى نزعة الجنس والعنصر، بل ربطته بنص مقدس، يقول "مينو": " … ثم خلق البرهمى من فمه، و"الكشتريا" وهم المحاربون التجار من ذراعه، و"الويشا" وهم الخدم من فخذه، و"السودرا"، وهم المنبوذون من رجله، فكان لكل من هذه الطبقات منزلة على هذا النحو". ومن ثم اتجه المنبوذون فى تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأزوات التى اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة، فأعظم الآلهة عندهم يظهر فى شكل كومة من الآجر، أو فى هيئة أخرى ساذجة. وهذا الإله هو الذى يمنح الخصب للعواقر، ويحمى المحصول من الآفات، ويرعاهم برعايته وعنايته، ولكل مدينة إلهها. أ. د/محمد شامة

стр. 668

٦ - الهيمنة لغة: القيام على الشيء، وقيل الرقابة على الشىء، يقال هيمن يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء. واصطلاحا: القدرة المطلقة على الشىء من كافة جوانبه، وبشتى الوسائل، بما يكفل تحقيق الغاية المشروعة. وقد ورد فى القرآن الكريم لفظ (مهيمن) مرتين، الأولى كاسم الله وصفة من صفاته، يقول تعالى ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن﴾ (الحشر٢٣)، والثانية كصفة للقرآن الكريم معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ يقول تعالى] وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه [المائدة ٤٨). وبذلك يقرر الإسلام تفرد الحق ﵎ بالهيمنة المطلقة، وأنه اصطفى نبيه محمدا ﷺ فجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وأنزل عليه القرآن الكريم مصدقاً ومهيمناً، مما يجعل الهيمنة حقا لمن اتبع الإسلام والتزم بهديه، أما من فرط فيذيقه الله وبال هيمنة زائفة للمشركين. فالإسلام بطبيعته دين للحياة بجميع أبعاده وفى مختلف ظروفها وأحوالها، وهو دين ينطبق على كل قابلية واستعداد، ويلائم كل عاطفة وإحساس وهو دين متفتح لا يرفض ثقافة معينة لمجرد كونها أجنبية وإنما ينظرفيها ويفحصها بعناية ويأخذ ما يفيد فى مسيرته الحضارية، مما يجعله حقيقاً بالهيمنة، وحقيقاً بأن يهيمن من اتبعه والتزم به على العالم بأسره. فالإسلام كدين ليس تيارا فكريَّا أو ظاهرة وقتية حتى يخشى عليه من تيارات فكرية أخرى إنما هو دين له جذور وأصول راسخة، وقد ختم الله به الرسالات السماوية، وطالب المسلمين بعمارة الأرض والاستخلاف فيها، ونشر القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، والحفاظ على الكرامة الإنسانية لكل البشر وتأكيد حق كل إنسان فى الحرية والمساواة وحماية الأنفس والمعتقدات والعقول والأموال والأعراض، وإقامة موازين العدل بين الناس، وصيانة مؤسسة الأسرة، واحترام المرأة، ومنع الظلم والاستغلال فى كل أشكاله وصوره، وهى مهمة لا يقوم بها ويحمل تبعتها إلا من امتلك الهيمنة، وهى حظ كل مسلم التزم واتبع ولم يغير ويبدل. وإن ظهر فى العصر الحديث ما يسمى بالعولمة التى هى فى جوهرها وإحدى صورها نوع من الهيمنة، فإنه يمكننا القول بأن الإسلام يعد دين العولمة الحقيقية متضمنا الأهداف السابقة. ولعل مواجهة العولمة القادمة بما تحمله من شرور يثير مخاوف كثير من الغيورين على مبادئ دينهم، إلا أن مواجهة ذلك تكون بالعلم والعمل، ويكون موقفنا من الجديد الغريب القادم كموقف ابن رشد من كتب القدماء حين قال: ننظر فى الذى قالوه من ذلك وما أثبتوه فى كتبهم فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم. (هيئة التحرير)

стр. 669

١ - واجب الوجود مصطلح واجب الوجود يشير إلى وجودين: وجود أصلى ثابت لا يتغير، سبب لكل موجود سواه. واجب الوجود بذاته، الموجود الذى وجوب وجوده من ذاته ولذاته- أى لم يكتسبه من أى شىء آخر وهو الضرورى الوجود، الذى يترتب على عدم وجوده استحالة وجود أى شيء، هو الأزلى الأبدى. يقول ابن سينا: "أما الذى هو واجب الوجود بذاته فهو الذى لذاته لا لشىء آخر أى شيء كان، ويلزم محال من فرض عدمه"ووجود فرعى مسبب عن السبب الأول، وهو واجب الوجود بغيره، وقد اعتمد فى وجوده على علة أوجبت وجوده حينما تعلقت به إيجادًا حيث رجحت وجوده على عدمه، ولولا علة الترجيح لبقى فى دائرة الإمكان. هو الذى "إذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده .. وإذا وجب صار واجب الوجود بغيره، فيلزم من هذا أنه كان فيما لم يزل ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره". هو الذى لا يلزم من وجوده أو عدمه أى محال، ويوضحه ابن سينا بالمثال " إن الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها، ولكن عند فرض اثنين واثنين"،وواجب الوجود بذاته عند "الفارابى" "وابن سينا" وغيرهما، هو الله سبحانه مبدئ جميع الموجودات بأعيانها وأنواعها وصفاتها. ومع أن وجود واجب الوجود بذاته الله ، واضح لكل ذى لب يقول سبحانه ﴿أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون﴾ (الطور٣٥ - ٣٦). ويقول سبحانه: ﴿سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد﴾ (فصلت ٥٣). ومع هذا الموضوع فقد أقام المتكلمون والفلاسفة الكثير من الأدلة. منها: دليل الحدوث: وملخصه، العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، والمحدث هو الله سبحانه. دليل العناية: وملخصه، أن كل ما فى العالم موافق لوجود الإنسان، وهذه الموافقة ضرورية من قبل فاعل قاصد مريد هو الله سبحانه. ودليل الاختراع: وملخصه أن كل الموجودات مخترعة اختراعا حقيقيا، وكل مخترع فله مخترع، والمخترع هو الله سبحانه. وقد استدل "الفارابى، و"ابن سينا، على وجود واجب الوجود بذاته، لا من خلال الحدوث أو العناية أو الاختراع وإنما "من نفس الوجود، أى من حيث هو، بغض النظر عن المشاهد الواقع، ويدعى كل منهما أن تصور الذهن للوجود وحده يؤدى به حتما إلى الاعتراف بواجب الوجود بذاته)، ونذكر على سبيل الإيجاز دليلى "الفارابى" وابن سينا". يقول الفارابى: "لك أن تلحظ عالم الخلق، فترى فية أمارات الصنعة. ولك أن تعرض عنه، وتلحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لابد من موجود بذاته … فإن اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد، وإن اعتبرت عالم الوجود فأنت نازل، تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك" ويقول "ابن سينا": "لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود فإما واجب وإما ممكن. فإن كان واجبا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب. وإن كان ممكنا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود" لم يشك "ابن سينا" فى وجود موجود، هذا الوجود إذا نظرنا إليه فى العقل، بصرف النظر عن تحققه فى الخارج، أو فى أفراد معينة. إن كان وجوده عين ذاته، أى غير مستند إلى علة سابقة فهو واجب الوجود بذاته. وإن كان وجوده من غير ذاته، كان ممكن الوجود، وسبب وجوده علة سابقة، لأنه بدون العلة لا يخرج للوجود. وهذه العلة إن كانت واجبة الوجود، ثبت المطلوب وإلا نقلنا الأمر إلى علة أخرى وهكذا … ولابد أن ينتهى الأمر إلى واجب الوجود بذاته، لأن عدم الانتهاء يؤدى إلى محالين وهما: الدور والتسلسل. "وابن سينا" إذ يثبت استحالة الدور والتسلسل، فإنه يؤكد ضرورة الانتهاء إلى واجب الوجود بذاته وهو الله . وواجب الوجود بذاته برئ من كل نقص، وجوده أفضل وأقدم وأكمل الوجود، خير محض، وكمال محض، وحق محض، لا مثل ولا ند ولا ضد له، لا ينقسم لا بالكم ولا بالكيف، مرتبته فى الوجود لذاته، هى مرتبة لا يشاركه فيها غيره أ. د / محمد الأنور حامد عيسى

стр. 670

٢ - الوتر لغة: الفرد أو ما لم يتشفع من العدد، كما فى القاموس (١). واصطلاحا: عبادة زائدة شرعت لنا لا علينا (٢). والوتر صلاة مسنونة، لا أذان لها ولا إقامة، ولا جماعة فيها، ويجوزأن تؤدى على الراحلة، ووقتها بين العشاء وطلوع الفجر، يدل على مشروعيتها ماروى عن خارجة بن حذافة أن رسول الله ﷺ قال: (قد أمدكم الله بصلاة هى خير لكم من حصر النعم وهى الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء والآخر إلى طلوع الفجر) (رواه الحاكم وصححه عن حذاقة) (٣) ووأقل الوتر ركعة، لما روى عن ابن عمرأن رسول الله ﷺ قال: (الوترركعة من آخر الليل) (رواه مسلم عن أبن عمر) (٤) إلا أنه يجوز الزيادة عليها: فتصلى ثلاث ركعات بتسليمه وأحدة، لحديثه عائشة (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لايسلم إلا فى آخرهن) (رواه الحاكم وصححه عن عائشة) (٥). وأجاز بعض الفقهاء أن يصلى ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، أو تسع ركعات، أو سبعا، أو خمسا، ويسلم فيها بعد كل ركعتين، ويوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس من الثلاث عشرة أو الإحدج عشرة، وله أن يوتر بثلاث من التسع والسبع، فإن أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرهن، وقد ثبت ذلك بنصوص صحيحة عن عائشة، منها قولها (كأن رسول الله ﷺ يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة، يوترمنها واحدة) وقولها: (كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك خمس لا يجلس إلا فى آخرها)، وحديثها (ما كان رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا) (رواه مسلم عن عائشة). وروى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فاوتر بواحدة) متفق عليه (٧). أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 671

٣ - الوجد لغة: الوَجْد- بمعنى انفعال القلب- مصدر: وَجَدَ بالشيء وجدا، وهو بخلاف "الوجود" فإنه مصدر وَجَدَ الشيء وجوداً ووجداناً. واصطلاحاً: يختلف الصوفية فى بيان معنى "الوجد" وحقيقته، فمنهم من يراه مستعصيا على التعريف لأن العبارة لا تقع عليه، وكأنه من باب الوجدانيات القلبية التى يصعب تصورها وتصويرها، ومنهم من عرّفه بعبارات تباينت ألفاظها ومعانيها، مثل تعريفه بأنه" ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤية معنى من أحوال الآخرة "، أو هو: لهب يتأجج من شهود عارض القلق "، أو: كما يصادف القلب ويرد عليه، بلا تكلف وتصنع .. إلخ. والوجد محله القلب، مثل سائر الوجدانيات كالفرح والحزن والألم وغيرها .. وهم يستخرجون معنى "الوجد، من قوله تعالى] فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور [، (الحج ٤٦)، فقد استخلصوا من الآية الكريمة أن القلوب نوعان: قلوب عمياء لا ترى، وقلوب مبصرة ناظرة، أو: قلوب تجد، وقلوب لا تجد، وما يسمعه القلب ويبصره هو المعبر عنه بوجد القلوب. وللوجد مراتب ثلاث: أولها: التواجد، وهو استدعاء الوجد بالذكر أو الفكر، وهو أضعف المراتب، لأنه مكتسب، وهو للمبتدئين فى السلوك، ويختلف الشيوخ فى أمر هذه المرتبة، فمنهم من يمنعها لما فيها من التصنع وعدم الصدق، ومنهم من يجيزها لما فيهما من التعرض للأحوال الشريفة، والمختار عندهم: صحة التواجد مطلقاً، استناداً، للحديث الشريف: "ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا" (أخرجه ابن ماجه فى الزهد) .. والمرتبة الثانيه: مرتبة "الوجد"، وهو حصول الشعور الذى استدعاه السالك بتواجده، فإذا راوحه هذا الشعور، أو غلب عليه سمّى "وجدا" فإذا استمر وتوالى على القلب فهو"الوجود،، وهو: المرتبه العليا والأخيرة، وهو ذروة مقام الإحسان. والوجد ثمرة للواردات الإلهية، التى هى بدورها ثمرة الأوراد والأذكار، ولذا كانت الأوراد شرطا فى حصول الوجد، ومن أقوالهم المأثورة: "من لا ورد له بظاهره لا وجد له فى باطنه ". ولأن الوجد قد يلتبس برعونات النفس، قيده الصوفية بضابط الكتاب والسنة،: وقالوا:"كل وَجْدلا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل "، ولأهل الوجد تغيرات تظهر عليهم فى وجدهم مثل: قشعريرة البدن، والصعق، والزفير، والشهيق، والبكاء- والغشية، والأنين، والصراخ. وهذا للمبتدئين الذين يستخفهم الوجد ويؤثر عليهم لضعف قلوبهم عن تحمل ما يرد عليها من الإشراقات، بخلاف الكاملين من أهل السلوك، فإنهم كالجبال، لا تنزعج قلوبهم ولا تضطرب ظواهرهم. أ. د/ أحمد الطيب

стр. 672

٤ - وحدة الوجود لغة: الوحدة مصدر الفعل "وحد" أى بنفسه. فهى ضد الكثرة (١). ويقال: كل شىء انفرد على حدة: أى متميز عن غيره (٢). والخلاصة أن مادة "وحد" تشير إلى الانفراد والتميز، كما أنها تدل على التقدم فى علم أو بأس (٣). واصطلاحا: تعنى أن الكائن الممكن يستلزم كائنا آخر واجبه الوجود بذاته، ليمنحه الوجود، ويفيض عليه بالخير والابداع. وذلك الكائن الواجب الوجود هو الله جل شأنه، لأنه موجود أولا بنفسه، ودون حاجة إلى أى موجد آخر؛ كيلا تمتد السلسلة إلى ما لانهاية. وأن الكائنات الأخرى جميعها مظاهر لعلمه وإرادته، ومنه تستمد الحياة والوجود؛ ولهذا كان وجودها عرضا وبالتبع. وبناء على هذا، فليس ثمة إلا كائن واحد موجود حقيقة وضرورة، بل هو الوجود كله، ولا تسمى الكائنات الأخرى موجودات، إلا بضربا من التوسع والمجاز (٤) هذه هى النظرية التى تدعى "وحدة الوجود". وقد اعتنقها جماعة من الصوفية بعد أن أخذت الدراسات الفلسفية فى الإسلام تضمحل وتتوارى. وقد تكونته هذه الفكرة فى أوائل القرن الثانى عشر الميلادى. وشاع أمرها فى بلاد الأندلس والمشرق، بعد ان اختلط فيها وجود التصوف بالفلسفة اختلاطا كبيرا. وكان من أكبر أنصارها: ابن عربى (ت ٦٣٨) وجلال الدين الرومى. وربما دل ظاهر هذا الاتجاه، على أن مشايعيه قد يلتمسون عذرا للكفار من أمثال فرعون وقوم نوح وغيرهم من المشركين الذين عبدوا الأصنام، واليهود الذين عبدوا العجل. ويدعى أنصارمذهب وحدة الوجود، أن هؤلاء الكفار ما عبدوا غيرالله، وأن خطأهم يكمن فى أنهم خصصوا شيئا دون شىء بالعبادة، وكان الأصل أن يعبدوا كل شىء. لأنه لا شىء موجود على الحقيقة إلا الله. وحين آمن فلاسفة المتصوفة بوحدة الوجود؛ فإنهم فى نفس الوقت آمنوا بفكرة أخرى هى ما أسموه "وحدة الأديان". فلذلك يقرون بأن المشركين والوثنيين جميعا على حق، بحجة أن الله هو كل شىء. فمن عبد صنما أو حجرا أو شجرا أو إنسان أو كوكبا، فقد عبد الله. لكن يجب أن نفو فى هذا المجال بين وحدة الوجود، وبين وحدة الشهود. فوحدة الوجود نظرية باطلة تنافى التوحيد الصحيح. أما وحدة الشهود فهى حق. مثال هذا: لو قال شخص إنه يرى الله في كل شىء، فإن كان يعنى أنه يرى آثارة وشواهده، فتعبيره صحيح. وإن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق، فالتعبير باطل واعتقاده كفرة لأنه تسليم بوحدة الوجود (٥). ولم تكن فكرة وحدة الوجود من ابتكار غلاة فلاسفة الصوفية كابن عربى والحلاج والرومى، بل كان لها جذورها لدى فلاسفة اليونان القدماء، من أمثال طاليس وهيراقليطس والرواقيين، ثم أصحاب مذهب الفيض فى الأفلاطونية المحدثة (٦). ولقد سرت عدوى وحدة الوجود، إلى بعض فلاسفة الغرب، مثل بعض الفلاسفة الفرنسيين الماديين ومنهم "ديدرو" (١٧١٣م-١٧٨٤م) وإلى الفيلسوف الهولندى "سبينوزا" فى القرن الثامن عشر. كما تأثر بها بعض أدباء أوروبا الغربية، ولاسيما أصحاب النزعة الرومانتيكية، الذين اتخذوا الطبيعة موضوعا للتأمل فى أدبهم (٧). والخلاصة أن وحدة الوجود فكرة خاطئة، لا يقرها عقل سليم ولا دين منزل. وأخطر ما فيها: أنها تنافى التوحيد الصحيح، وتؤدى إلى القول بوحدة الأديان، واسقاط التكاليف، وإلغاء المسئولية والالتزام الأخلاقى، انطلاقا من فكرة الجبر كما أنها تنبثق منها اعتقادات غير صحيحة مثل "النور المحمدى"، و"الحقيقة المحمدية".و"الإنسان الكامل". وكل ذلك ينكره الإسلام. أ. د/عبداللطيف محمد العبد

стр. 673

٥ - الوَحْى لغة: الكتاب. وجمعه وُحيٌّ، مثل: حلى وهو أيضا: الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى، وكل ما ألقيته إلى غيرك (١). ويقال: أوحى إليه وله: كلمه بكلام يخفى على غيره. ويعلم من هذا، أن كلمة "الوحى" فى اللغة تعنى السرعة والخفاء، أى الإعلام السريع الخفى. شرعا: هو إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه، بواسطة أو غير واسطة (٣). فالوحى إذن: نقل مافى عالم الربوبية إلى نبى أو رسول عن طريق الملائكة، ليبلغه إلى الناس، مع ملاحظة أن علم الله ثابت فى اللوح المحفوظ، وينزل الوحى طبقا لما هو مدون فيه (٤). والوحى أمرهام وجوهرى فى النبوات والأديان، فهو مثل المعجزة قطب الرحى، وبدونهما لاتكون نبوة أو رسالة. ولهذا جاءت مادة "و. ح. ى" في القرآن الكريم وحده ثمانيا وسبعين مرة (٥) وفيه دلالة على أن للوحى حقيقة، وأنه أمر ضرورى للديانات السماوية. والإيمان بالوحى حق وواجب على كل مسلم ومسلمة، لارتباط ذلك الإيمان بجميع ما أنزل الله من كتاب، وما آتى بعض رسله من صحف. وكل ذلك وحى من الله تعالى ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين﴾ الشعراء:١٩٢ - ١٩٤. وإن نزول الوحى على هيئة كتب وصحف سماوية، لهو شىء ضرورى لحياة البشر، كى تبقى للأنبياء والرسل آثارهم، ولاسيما ذلك الأثر الباقى إلى يوم القيامة، والذى كان من أعظم نعم الله تعالى على خلقه، (٦) ألاوهو القرآن الكريم. ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا﴾ النساء:١٦٣. وملل الوحى هو جبريل ﵊. وقد جاء أسمه نصا فى قوله تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه﴾ البقرة:٩٧. ويفهم من الآية الكريمة وجوب محبة جبريل ﵇ وتعظيم دوره على البشرية إلى يوم القيامه. كما سماه القرآن "الروح الأمين" فى قوله تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين﴾ الشعراء:١٩٢ - ١٩٣. كما سماه "روح القدس" فى قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ النحل:١٠٢. ويسمى"الناموس" كما جاء على لسان ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ فى أول عهده بالوحى: لقد جاءك الناموس الذى نزل الله على موسى (٧). وفى آية واحدة أشار القرآن الكريم إلى ثلاثة مقامات للوحى، (٨) فى قوله : ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء، إنه على حكيم﴾ الشورى:٥١. الأول: "وحيا" أى إلقاء المعنى في القلب. ومعناه أن الله ﵎ يقذف فى روع النبى صلى الله وسلم شيئا لايمارى فيه أنه من الله ، كما جاء فى صحيح ابن حبان عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله واجملوا فى الطلب". الثانى: "من وراء حجاب، أى بالتكليم، كما كلم الله موسى ﵊ فلما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها، لكنه سمع النداء من وراء الشجرة: ﴿نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنى أنا الله رب العالمين﴾ القصص:١٣٠. الثالث: نزول أمين الوحى جبريل على نبينا وعلى الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فقد روى البخارى، عن عائشة رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يارسول الله: كيف يأتيك الوحى؟ فقال: "أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى -أى يقلع - وقد وعيت عنه ماقال - أى حفظت. وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى مايقول". قالت عائشة رضى الله عنها: "ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا". وإنما كانت حالة الصلصلة أشد؛ لأنها انسلاخ من البشرية واتصال بالروحانية. وكانت الثانية أخف؛ لأنها انتقال ملك الوحى من الروحانية إلى البشرية بسهولة ويسر، بإذن من الله تعالى. وقد نزل القرآن الكريم بأكمل صورة للوحى، بواسطة إلقاء جبريل ﵇. وروى الشيخان عن أبى هريرة، أن النبى ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فارجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". وما نطق به صريح الكتاب والسنة، من إثبات حقيقة الوحى ومقاماته، يبطل رأى كل مبطل مرتاب، يدعى أن الوحى نوع من الصرع؛ نتيجة مس الشيطان أو مرض فى المخ، أو تخيل إله، أو توهم جنة ونار (٩). أو كما زعم البراهمة من أن العقل يغنى عن الوحى، أو كما يدعى بعض غلاة الصوفية من أن الوحى نوع من الكشف أو الفيض (١٠). ولو رجعنا إلى تعاليم الإسلام، لوجدنا فكرة الوحى أسهل من كل هذا الهراء، وأضبط من جميع ألوان الافتراء على الله وعلى رسله. ومن هنا يجب الحذرمن الفكر الدخيل، (١١) ومن كل غلو فى دين الله. أ. د/عبد اللطيف محمد العبد

стр. 674

٦ - الوديعة لغة: هى ما يتركه الانسان عند غيره، يقال: أودعه مالا إذا دفعه إليه؛ ليكون عنده وديعة، أو قبله منه وديعة، كما فى المختار (١). واصطلاحا: توكيل فى حفظ مال مملوك (٢). والوديعة قد تكون نقدا أوعينا لها قيمة مالية، يبيح الشارع حيازتها، وهى لاتتصور إلا فيما ينقل ويحول عن موضعه إلى موضع آخر. وترك المالك ماله عند غيره ليحفظه له أمرمشروع، وقبول الغيرحفظ هذه الوديعة مستحب، إذا كان قادرا على الحفظ ورد الوديعة إلى صاحبها عند طلبها. ومن الأدلة على مشروعية الايداع، وقبول الودائع قول الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم اًن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ النساء:٥٨، وما روى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (رواه أبو داود والترمذى والحاكم والدار قطنى والطبرانى وصححه السيوطى) (٣). وترغيب الشارع فى حفظ مال الغير بالإيداع، يحقق مصلحة ضرورية، قصد إليها من تشريع الأحكام، وهى حفظ المال، فإن صاحب المال قد يعجزعن حفظه أو يعنُّ له ما لايتمكن معه من حفظه بنفسه كسفر أوتعرض للمخاطر، فلو لم يشرع إيداعه لدى الغير لضاع على مالكه. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 675

٧ - الِورَّاقة لغةً: الوَرَقُ: ورق الشجرة والشوك. والورقُ من أوراق الشجر والكتاب، والواحدة وَرَقةُ (١). والوَارقةُ: كثير الأوراق والشجر يرق ورقا: ظهر ورقه ومثله (ورَّق وأورق) (٢). واصطلاحا: ظهرت صناعة الوراقة مع ازدهار حركة التأليف والترجمة، وبعد وجود الورق وانتشار صناعته فى بغداد فى الربع الأخير من القرن الثانى للهجرة ة فلفظ "الوراقة، مشتق من الورق وأطلقت كتب الأدب العربى على الطائفة التى توَلَّت أمر هذه الصناعة اسم "الوَرَّاقين (٣). وعَرَّف ابن خلدون فى مقدمته الوراقة بأنها: معاناة "الانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين، واختصت بالأمصار العظيمة العمران" (٤). وقد مارس مهنة الوراقة إلى جانب الوراقين المحترفين عدد كبير من العلماء والأدباء والمحدثين والمفسرين وعلماء اللغة. وقد قال السمعانى: الوَرّاق: بفتح الواو وتشديد الراء وفى آخرها القاف، هذا اسم لمن يكتب المصاحف وكتب الحديث وغيرها. وقد يقال لمن يبيع الورق- الكاغد- ببغداد: الوراق أيضاً (٥). وقد ورد ذكر من تكسب من الوراقة حتى أن القاضى أبا عبيد على بن الحسين بن حرب البغدادى نَدم على ترك الوراقة بعد تكليفه بالقضاء فكان قول: لامالى وللقضاء، لو اقتصرت على الوراقة ما كان حظى بالرديء (٦). وهناك من اشتكى من الوراقة لكساد سوقها وخلو ّطريقها، حتى أن أبا حيّان التوحيدى قال عنها: "حرفة الشُّؤم " رغم اعترافه بأن سوق الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة. ولذلك نلاحظ أن الوراقة كحرفة لم تكن تُغْرى كثيرا من الناس، فلم يكن يُقْبل عليها إلا المشتغلون بالعلم أساتذة وطلابًا، لذلك اعتمد كثير من الفقهاء والُمحَدَِّثين على الوراقة فى كَسب عيشهم (٧). وهناك من النساخ من زهد فى الوراقة فكان إذا حصل على قوته لا يتجاوزه. كشيخ الإسكندرية تاج الدين على بن أحمد الغراف. وهناك من كان يقول: "كتبت من كتب المتكلمين مالا يُحْصى ولعهدى بنفسى، وأنا أكتب فى اليوم والليلة مائة ورقة" (٨). وهناك من اتخذ من مهنته وسيله لتفضيل شاعر على آخر كما فعل الموصلى الشاعر الذى قال عنه ياقوت: اشتغل بالوراقة فكان ينسخ ديوان شعر كِشَاجم وكان مغرى به، وكان يَدُسُّ فيما يكتبه منه أحسن شعر الخالدين ليزيد فى حجم ما ينسخه وينفُق سوقه ويُشَنَّع بذلك على الخالديين لعداوة كانت بينه وبينهم (٩). وكان لكبار المؤلفين فى القرون الأولى للإسلام وَرَّاقون يتولَّون نسخ مؤلَّفاتهم وتوزيعها وهو ما يعادل مهمة الناشرين فى العصر الحديث. ويتولّون كذلك تحصيل مايريدونه من كتب وأجزاء وتجليدها. (هيئة التحرير)

стр. 676

٨ - الوَصيَّة لغة: تطلق بمعنى العهد إلى الغير فى القيام بفعل أمر، حال حياته أو بعد وفاته، يقال أوصيت له أو إليه: جعلته وصيا يقوم على أولاده من بعده، وهذا المعنى اشتهر فيه لفظ الوصاية. وتطلق أيضا على جعل المال للغير، يقال: وصيت بكذا أو أوصيت، أى جعلته له، والوصايا جمع وصية تعم الوصية بالمال والإيصاء أو الوصاية (١) واصطلاحا: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، وقد عرفها بعض الفقهاء بما هو أعم من ذلك فقال: هى الأمر بالتصرف بعد الموت، وبالتبرع بمال بعد الموت، فشمل الوصية لإنسان بتزويج بناته أو غسله، أو الصلاة عليه إماما (٢) أما أدلة المشروعية: فهى الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ (البقرة ١٨٠). وأما السنة: فما روى ابن عمر أن رسول الله ? قال: "ماحق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء فى جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية. وأما المعقول: فهو حاجه الناس إلى الوصية زيادة فى القربات والحسنات وتداركا لما فرط به الإنسان فى حياته من أعمال الخير، وسبب المشروعية أو حكمتها: هو سبب كل التبرعات، وهو تحصيل ذكرى الخير فى الدنيا، ونوال الثواب فى الآخرة، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين، وذلك بشرط التزام المعروف أو العدل، وتجنب الإضرار فى الوصية لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار﴾ (النساء ١٢) والعدل المطلوب: قصرها على مقدار ثلث التركة المحدد شرعا، أما عدم نفاذ الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة الآخرين، فهو لمنع التباغض والتحاسد وقطيعة الرحم. والوصية أربعة أنواع بحسب صفة حكمها الشرعى: ١ - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون المجهولة التى لا مستند لها. ٢ - مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوارثين ولجهات البر والخير والمحتاجين، ويسن لمن ترك مالا كثيرا بأن يجعل خمسه لفقير قريب. ٣ - مباحة: كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب، فهذه الوصية جائزة (٤) ٤ - وقد تكون حراما غير صحيحة اتفاقا، كالوصية بمعصية كبناء كنيسة أو ترميمها. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 677

٩ - الوضوء لغة: بضم الواو: هو اسم للفعل أى استعمال الماء فى أعضاء مخصوصة، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة. يقال: وضؤ الرجل أى صار وضيئا، وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذى يتوضأ به (١) وشرعا: نظافة مخصوصة (٢) أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (٣) وهو غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور فى الأعضاء الأربعة "السابقة" على صفة مخصوصة فى الشرع (٤) وحكمه الأصلى للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (المائدة ٦) وبقوله ?: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (٥) وبإجماع الأمة على وجوبه. وفرض الوضوء بالمدينة، والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار. والوضوء خمسه أنواع عند الحنفية (٦) الأول: فرض: (أ) على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضا كانت أو نفلا، كاملة، أو غير كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، للآية السابقة والحديث. (ب) ولأجل مس القرآن لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة ٧٩) الثانى: واجب للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية: إنه فرض لقوله ?: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير" (٧). قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقة لم تتوقف صحته على الطهارة فيجب بتركه دم فى الواجب، وبدنة فى الفرض للجنابة، وصدقة فى النفل بترك الوضوء. الثالث: مندوب فى أحوال كثيرة منها ما يأتى (٨): (أ) التوضؤ لكل صلاة (ب) مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث وفقه. (ج) للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم (د) قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء. (هـ) بعد ثورة الغضب. (و) لقراءة القرآن. (ز) للأذان والإقامة (ح) بعد ارتكاب خطيئة من غيبة وكذب ونميمة ٠ (ط) بعد قهقهة خارج الصلاة. (ى بعد غسل ميت وحمله. (ك) إذا لمس امرأة للخروج من خلاف العلماء. الرابع مكروه: كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول. الخامس: حرام كالوضوء بماء مغصوب أو بماء يتيم. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 678

١٠ - وفاة الرسول الوفاة: الموت، فإذا أضيف إلى الرسول ﷺ فإنه قد جرى على النبى ﷺ مايجرى على الناس فى قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ الزمر:٣٠، وماذكر به أبو بكر رضى الله عنه المؤمنين الذين اشتد بهم الحزن بموت الرسول ﷺ : أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حى لايموت. قال الله تعالى ﴿ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن ماتا أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرالله شيئا وسيجزى الله الشاكرين﴾ آل عمران:١٤٤، ومع هذه الحقيقة فإن الحزن الشديد قد أخذ بالناس كل مأخذ لحبهم الشديد لرسول الله ﷺ ، والذى عبر فيه آنس رضى الله عنه بقوله: "لما قدم الرسول ﷺ المدينة أضاء فيها كل شئ، ولما مات أظلم منها كل شىء" ولذلك وجدنا عمر رضى الله عنه مع قوته وشدته يكلم الناس قبل أبى بكر رضى الله عنه منكرا موت الرسول ﷺ ، وبعد أن سمع تذكير أبى بكر بالقرآن جلس على الأرض لاتحمله قدماه، وكأنهم لم يسمعوا الآية إلا تلك الساعة (١). والسيدة فاطمة رضى الله عنها قالت وهو فى مرض الوفاة: واكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كربا بعد اليوم (٢) فقالت بعد الوفاة: يا ابتاه. أجابا ربا دعاه، يا أبتاه فى جنة الفردوس ماواه، ياأبتاه إلى جبريل ننعاه (٣). وسبق موت النبى ﷺ الاطمئنان على أمته بعد أن أكمل الله الدين، وأتم النعمة حيث كشف فى صلاة الفجر يوم وفاته ستر حجرة السيدة عائشة ﵂ ونظر إلى المسلمين وهم فى صفوف الصلاة ثم تبسم وضحك وكأنه يودعهم، وهم المسلمون أن يعبروا عن فرحتهم بخروجه، وتأخر أبو بكر رضى الله عنه حيث ظن أن الرسول ﷺ يريد الخروج للصلاة فأشار الرسول ﷺ إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. وكان عندما حضره الموت مستندا إلى صدر أم المؤمنين عائشة، وكان يدخل يده فى إناء الماء كى يمسح وجهه ويقول: لآ إله إلا الله، إن للموت سكرات، وأخذته بحة وهو يقول: ﴿مع الذين أنعم الله عليهم﴾ ويقول: "اللهم فى الرفيق الأعلى" فعرفت السيدة عائشة أنه يخير، وأنه يختار الرفيق الأعلى (٤). ولحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى وترك للناس ما إن تمسكوا به لن يضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه. أ. د/محمد رأفت سعيد

стр. 679

١١ - الوفيات اصطلاحا: يقصد بالوفيات الكتب التى أرّخت لوفيات العلماء والمشاهير والملوك وغيرهم فى كل عصر من العصور، مع ترجمة يسيرة أو طويلة، حسب الشخصية المترجم لها. وقد ذخر تراثنا الإسلامى بمؤلفات تحمل هذا الاسم، منها: ١ - كتاب "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" ومؤلفه هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضى القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكى الإربلى الشافعى، وقد ولد بإربل سنة ٦٠٨ هـ وسمع بها صحيح البخارى، وروى عنه المزى والبرزالى والطبقة، وكان فاضلا بارعا متقنا عارفا بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرا بالعربية، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، قدم الشام فى شبيبته، وقد تفقه بالموصل، ودخل مصر وسكنها مدة، وناب بها فى القضاء عن القاضى بدر الدين السنجارى، ثم قدم الشام على القضاء منفردا بالأمر. ويبين ابن خلكان سبب تأليفه للكتاب فيقول: هذا مختصر فى التاريخ، دعانى إلى جمعه أنى كنت مولعا بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولى النباغة، وتواريخ وفياتهم ومواليدهم، ومن جمع منهم كل عصر فوقع لى منهم شىء؛ حملنى على الاستزادة، وكثرة التتبع، فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده فى كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندى منه مسودات كثيرة فى سنين عديدة. أما عن منهجه فى الكتاب: (١) فقد رتبه على حروف المعجم بعد أن كان قد جمع على ترتيب السنين، والتزم فيه تقديم من كان أول اسمه همزة ثم من كان ثانى اسمه الهمزة، أو ما هو أقرب إليها على غيره، وذلك ليكون أسهل للتناول، وإن كان هذا يفضى إلى تأخير المتقدم، وتقديم المتأخر فى العصر، وإدخال ما ليس من الجنس بين المتجانسين. (ب) لم يذكر ابن خلكان أحدا من الصحابة أو التابعين رضى الله عنهم أو الخلّفاء، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم. (ج) ترجم لكل من له شهرة بين الناس، ويقع السؤال عنه، ولم يقتصر على طائفة مخصوصة، مثل العلماء، أو الملوك، أو الوزراء، أو الشعراء. (د) اعتمد فى ترجمته على الإيجاز وإثبات الوفاة والمولد قدر الإمكان، مع رفع نسبه، وذكر من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة. وقد انتهى ابن خلكان من ترتيبه سنه ٦٤٥ هـ بالقاهرة. ٢ - كتاب " فوات الوفيات والذيل عليها " ومؤلفه محمد بن شاكر الكتبى، وقد صدر الكتبى كتابه بمقدمة قصيرة بين فيها سبب تأليفه لهذا الكتاب، فقال إنه قام بجمعه وترتيبه بعد أن اطلع على وفيات الأعيان لابن خلكان، فوجد أنه لم يذكر أحدا من الخلفاء، وأنه أخل بتراجم بعض فضلاء زمانه وجماعة ممن تقدم على أوانه، فأحب أن يستدرك عليه ما فاته ويذيل على كتابه. وقد انتهى الكتبى من تأليفه لهذا الكتاب سنة ٧٥٣هـ. وفى ذكر الكتبى هذه الغاية من تأليفه على هذا النحو شىء من المغالطة؛ لأن ابن خلكان قد صرح فى مقدمته أنه لا ينوى أن يترجم للخلفاء إلا من عرف سنة وفاته، ولم يكن إغفاله الكثيرين لذهوله عنهم، أو لأنه لم تقع له ترجمة لأحد منهم كما يقول الكتبى وإنما جرى ذلك خضوعا لمنهج محدد. ٣ - كتاب "المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى، ومؤلفه أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى، وقد جمع فيه نحوا من ثلاثة آلاف ترجمة لمشاهير العلماء والأمراء والسلاطين الذين عاشوا فى مصر والشام فى عصر دولتى سلاطين المماليك الأولى والثانية، بالإضافة إلى من عاصرهم من مشاهير المشرق والمغرب من المسلمين وغيرهم. وقد استهل ترجمته بذكر سلطنة الملك المعز عز الدين أيبك، مع ترجمة له ثم انتقل إلى ترتيب المعجم فبدأ بحرف الهمزة، وترجمته للذين ماتوا بين منتصف القرن السابع ومنتصف القرن التاسع تقريبا. وهو تكملة لكتاب "الوافى بالوفيات " لخليل بن أيبك الصفدى. ومثل هذه الكتب تفيد فى معرفة تواريخ الوفاة لكل من العلماء والمشاهير وغيرهم، فضلا عن الترجمة لهم؛ مما يتيح للباحثين مادة خصبة يمكنهم الرجوع إليها عند تناول شخصية من الشخصيات بالبحث والدرس. (هيئة التحرير)

стр. 680

١٢ - الوقت عند الصوفية لغة: وقت العمل جعل له وقتا يؤدى فيه. والوقت: مقدار من الزمان قدر لأمر ما، وجمعه أوقات (١). وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ النساء:١٠٣،أى مفروضات فى الأوقات (٢). والله هو الذى يخلق الوقت أو الزمان ويحدده. وكثيرا ما يتحدد بالليلة لارتباطه بالهلال أول الشهر. والوقت يحكم الإنسان، ولايحكم الله (٣). واصطلاحا: الوقت عند الصوفية عبارة عن العبد (٤) فى زمان الحال (٥) أى عندما يتصل وارد من الحق بقلبه، ويجعل سره مجتمعا فيه، بحيث لايذكر في كشفه الماضى ولا المستقبل (٦) ويشير القاشانى (ت ٧٣٥هـ) إلى أن ما حضر العبد في الحال: إن كان من تصريف الحق، فعلى العبد الرضا والاستسلام. وإن كان مما يتعلق بكسبه، فليلزم ما أهمه فيه بعيدا عن الماضى والمستقبل، فإن تدارك الماضى تضييع للوقت الحاضر. كذلك الفكر فيما يستقبل، فعساه ألا يبلغه، وقد فاته الوقت، ولهذا قال أهل التحقيق: "الصوفى ابن الوقت" أى إنه مشتغل بما هو أولى به في الحال. ويشير أبو على الدقاق إلى أن الوقت عند الصوفية ماكان هو الغالب: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن. وقد يريدون بالوقت: ما يصادف الصوفى من تصريف الحق له دون ما يختاره لنفسه ويقولون: "فلان بحكم الوقت" أى إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب، من غير اختيار له. وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع؛ لأن التضييع لما أمربه، وإحالة الأمر فيه على التقدير، وترك المبالاة بما يحصل منه من التقصير: خروج عن روح الدين. ويشير الصوفية كذلك إلى أن "الوقت سيف" أى كما أن السيف قاطع، فالوقت غالب بما يمضيه الحق. وقيل: "السيف ليّن مسّه، قاطع حدّه" فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم. كذلك الوقت بمفهوم الصوفية: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردّى، وأنشدوا: وكالسيف إن لاينته لان مسه * وحدّاه إن خاشنته خشنان فالصحبة مع السيف خطر: "إما ملك وإما هلك"، ولو حمله صاحبه ألف سنة فلن يفرق فى حال القطع بين رقبة صاحبه ورقبة غيره، لأن صفته القهر. وقيل أيضا: من ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت فعليه مقت. وسمع القشيرى أبا على الدقاق يقول: "الوقت مبرد يسحقك ولايمحقك": أى يأخذ من العبد، دون أن يمحوه بالكلية. وكان الدقاق ينشد: كل يوم يمر يأخذ بعضى * يورث القلب حسرة ثم يمضى وأنشد أيضا: كأهل النار إن نضجت جلود * أعيدت للشقاء لهم جلود وهو فى معنى: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء ويرى القشيرى أن الكيس هو: من كان بحكم وقته: (أ) إن كان وقته الصحو، فقيامه بالشريعة. (ب) وإن كان وقته المحو، فالغالب عليه أحكام الحقيقة (٨). ويرى علماء الصوفية، أن الخلق تتفاوت قدراتهم وأحوالهم فى مسألة "الوقت"، لكن الصوفية يصرحون بأنهم يعيشون فى الوقت سرورا مع الحق، فإذا انشغل الواحد منهم بالغد، أوقلب التفكير فى الأمس، حجب عن الوقت، والحجاب تشتت. ويقول أبو سعيد الخراز "لاتشغل وقتك العزيز إلا بأعز الأشياء، وأعز أشياء العبد شغله بين الماضى والمستقبل. ولهم فى ذلك أسوة برسول الله ﷺ حين عرض عليه فى ليلة المعراج زينة ملك الأرض والسماء، فلم ينظر إلى أى شىء؛ لقوله تعالى: ﴿ما زاغ البصروماطغى﴾ النجم:١٧، لأنه كان عزيزا، ولايشغل العزيز إلا بالعزيز، ولم يتجاوز ما أمر به. ويشير الهجويرى (ت ٤٦٥هـ) إلى أن أوقاف الموحد وقتان: أحدهما فى حال الفقد، والثانى في حال الوجد، وفى كلا الوقتين يكون الموحد مقهورا؛ لأنه فى حال الوصل يكون وصله بالحق، وفى الفصل يكون فصله بالحق. ويحكى الجنيد أنه رأى درويشا فى البادية يجلس تحت شجرة ذات شوك، وظل هكذا منذ اثنتى عشرة سنة، لأنه كان يتوجع على وقت ضاع له فى ذلك المكان. فمضى الجنيد إلى الحج ودعا له فاستجيبت دعوته، ومع هذا أصر الدرويش على البقاء في نفس المكان الصعب حتى يموت ويخلط ترابه بتراب ذلك الموضع، ويرفع رأسه يوم القيامة من هذا التراب الذى صار محل أنسه وسروره (٩). وقد اهتم الصوفية بالتفريق بين الوقت والحال: فالحال هو الذى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل؛ (١٠) فالحال وارد على الوقت، يزينه مثل الروح والجسد والوقت لامحالة يحتاج إلى الحال؛ لأن صفاء الوقت يكون بالحال، كذلك فإن الغفلة تجوزعلى صاحب الوقت، ولاتجوزعلى صاحب الحال (١١). وأخيرا فإن الصوفية لديهم مايسمى الوقت الدائم" أو "الآن الدائم"، (١٢) وهم بهذا يشيرون إلى حقيقة الزمن بالنسبة لله ، حيث لاينقسم الزمن هناك، ولايتميز إلى ماض وحاضر ومستقبل. أ. د/عبداللطيف محمد العبد

стр. 681

١٣ - الوقف لغة: هو الحبس والمنع والجمع أوقاف والموقوف يسمى حبسا. قال الأزهرى (١): يقال حبست الأرض ووقفتها، وحبست أكثر استعمالا، قال أهل اللغة: يقال وقفت الأرض وغيرها أقفها وقفا. قال الجوهرى، وغيره (٢): ويقال أوقفتها فى لغة ردية قال وليس فى الكلام (أوقفتها) إلا حرفا واحدا: أوقفت عن الأمر الذى كنت عليه. قال أبو عمرو: وكل شيء أمسكت عنه تقول فيه: أوقفت. قال الكسائى: يقال: ما أوقفك هنا؟ أى ما صيرك إلى الوقف؟. قال الشافعى ﵀: لم يحتبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضا تبررا وإنما حبس أهل الإسلام، قال أصحابنا: (الوقف: تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره فى رقبته، يصرف فى جهة خير تقربا إلى الله تعالى). واصطلاحا: يقصد بالوقف (تحبيس الأصل وتسييل المنفعة) (٣) وقد ذهب الفقهاء فى حكم العين الموقوفة ثلاثة مذاهب وعرف كل فريق منهم الوقف بناء على مذهبه وبيان ذلك أن الشافعية والصاحبين من الحنفية ذهبوا إلى أن العين الموقوفة تنتقل إلى ملك الله تعالى. بينما ذهب أبو حنيفة والمالكية إلى أن العين الموقوفة تبقى على ملك الواقف. وذهب الحنابلة إلى أن العين الموصوفة تنتقل إلى ملك الموقوف عليه. ويقسم الفقهاء (٤) الوقف إلى نوعين: وقف خيرى، ووقف ذرى أو أهلى ويقصد بالوقف الخيرى الوقف على جهة بر معروفة كالمساجد والمدارس والملاجئ والمستشفيات والمكتبات والحصون أو الفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك وإنما سمى ذلك النوع من الأوقاف خيريا لاقتصار نفعه على المجالات والأهداف الخيرية العامة. أما الوقف الذرى أو الأهلى فهو الذى يحدد استحقاق الريع للذرية أو النسل أو الأقارب أو الأولاد أو بعضهم. وينقسم الوقف باعتبار محله إلى وقف عقار أو منقول. وقد اختلف الفقهاء حول الأموال التى يجوز وقفها فذهب البعض منهم إلى صحته فى العقار والمنقول لقول الرسول ? "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فإنه احتبس درعه واعتده فى سبيل الله " (٥) ويقول ابن قدامة " الذى يجوز وقفه: ما جاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والسلاح والأثاث وأشباه ذلك " (٦). ولا يجوز عند الفقهاء إخراج العين الموقوفة على جهة وقفها ببيعها إلا فى حالة خرابها ونضوب ريعها وأن يكون الثمن عدلا لا غبن فيه وأن يتم الاستبدال على يد من يوثق فيه وأن يكون المشترى عدلا ذا دين والمهم أن يستبدل بعين مثله لا نقودا، لكى لا يأكلها النظار. (٧) وقد اعتبر الفقهاء الشرط المعقول للواقف كنص الشارع (٨) حديث التبرع بالوقف متجدد مع الأجيال ويحقق أمنية وقربى من أشخاص. وبذلك فإن التحول من الوقف الفردى إلى الوقف المؤسسى يتطلب نموذجا جديدا لا يؤدى إلى عزل الإنفاق عن رغبات الواقفين حتى لا يضعف حافز التبرع للوقف نتيجة فقدان الرابطة بين غرض الوقف والواقف. (٩) ويقترح بعض المحدثين تحويل العقارات إلى استثمارات فى شراء أسهم لشركات تزاول أنشطة حلالا وتخصيص دخل هذه الأسهم للمستفيدين من الوقف. ولا تحبس الأسهم إلا لشراء أسهم أخرى من نوع آخر وبذلك تكون إدارة الوقف مثل إدارة صندوق الاستثمار التبادلى (١٠). وقد اعترض البعض على هذا الاقتراح على أساس أنه يؤدى إلى تصفية الوقف بسد منافذ رغبات الواقفين ومصادرة أغراض الوقف المتنوعة. وحذر المجتهدون من تسييل رؤوس أموال المؤسسات الاجتماعية فى شكل نقدى أو أشباه النقود من أدوات كالدين وكالسندات نظرا لتعرضها لمخاطر الخسارة فى البورصات أو فى الاختلاسات وباعتبار أن أهداف الوقف اجتماعية وليست استثمارية. وللوقف آثار اقتصادية هامة تتمثل فى المساهمة فى محاربة الاكتناز وتوفير الموارد المالية اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية وحماية رؤوس أموال المجتمع الإسلامى حيث يتميز الوقف الإسلامى بوجوب البقاء والاستثمار ودوام النفع للجيل الحالى وللأجيال القادمة معا. ويسهم الوقف فى توفير حد الكفاية لأكبر عدد ممكن من المواطنين من الفقراء والمساكين والمحتاجين مما يؤدى إلى تحقيق التكافل الاجتماعى وحماية المجتمع من الاضطرابات الاجتماعية وثيقة الصلة بانتشار الفقر وتدنى مستوى المعيشة. ويقدم الوقف دعما تكافليا للفئات التى قد تصيبها بعض النكبات أو الكوارث أو المهددة بعدم توفير كفايتها من الضروريات فيسهم فى تقديم الإعانات اللازمة لاستكمال حاجاتهم من السلع والخدمات وزيادة قدراتهم الإنتاجية فى نفس الوقت. ولا يخفى أن الوقف يسهم فى حماية المجتمع الإسلامى من التقلبات الاقتصادية عن طريق زيادة كفاءة رأس المال فى ظل انتظام حصول المنتفعين بالأوقاف والعاملين بها على دخولهم ومن ثم انتظام الطلب الاستهلاكى والاستثمارى على السواء واكتمال دورة النقود فى الاقتصاد القومى على نحو يمنع حدوث مخاطر الركود الاقتصادى وضمان حدوث الرواج مع التوازن. أ. د/ حمدى عبد العظيم

стр. 682

١٤ - الولاية لغة: بكسر الواو هى المحبة والنصرة كما فى قوله تعالى ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (المائدة ٥٦) وتأتى بمعنى الخطة والإمارة والسلطان أو البلاد التى يتسلط عليها الوالى. وتطلق أيضا على القرابة فيقال " على ولاية واحدة " أى يد واحدة، أى مجتمعون على النصرة أو فى الخير والشر. وكان بين المهاجرين والأنصار فى مبدأ الهجرة إلى المدينة مؤاخاة وولاية وكانت هذه الولاية توجب التوارث فصارت الولاية فى معنى التوارث فى ذلك الحين وقد نسخ هذا. والولاية مصدر من ولى الشيء أو ولِّى عليه. وقيل بالفتح- أى فتح الواو- النصرة وبالكسرة أى تولى أمره. والولى- بسكون اللام- القرب والدنو. يقال: تباعد بعد ولي. والولِىّ: قيل بمعنى فاعل من وليه أى قام به ومنه قوله ﴿وكفى بالله وليا﴾ (النساء ٤٥). واصطلاحا: القدرة على مباشرة التصرف من غير توقف على إجازة أحد. وقيل إنها تنفيذ القول على الغير سواء شاء أم أبى. وهذا المعنى الاصطلاحى أقرب أن يكون مأخوذا من الولاية فى اللغة بمعنى الإمارة لأن الأمير يتصرف فى أحوال من تحت يده وينفذ أحكامه عليهم. والولاية: سلطة شرعية تجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها بحيث تترتب آثارها الشرعية عليها بمجرد صدورها. وسلطة الولاية لها قيود شرعية روعيت فيها صلاحية الولى ومصلحة المولى عليه فى نفسه وماله. وقد قسم فقهاء الحنفية الولاية ثلاثة أقسام: ولاية على النفس وولاية على المال وولاية على النفس والمال معا. والولاية على النفس هى: الإشراف على شئون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل وهى تثبت للأب والجد وسائر الأولياء. والولاية على المال هى: تدبير شئون القاصر المالية من استثمار وتصرف وحفظ وإنفاق وتثبت للأب والجد ووصيهما. ووصى القاضى. والولاية على النفس تنقسم إلى: ولاية إجبار، وولاية اختيار، وولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب واستحباب. وأسباب الولاية ستة هى: الأبوة- الإيصاء - العصوبة- الملك- الكفالة- السلطنة. وتثبت الولاية للأقارب العصبات الأقرب فالأقرب لقول على ﵁ (النكاح إلى العصبات) فتكون الولاية على الترتيب الآتى: البنوة ثم الأبوة ثم الأخوة ثم العمومة ثم المعتق ثم الإمام والحاكم، أى: الابن وابنه وإن نزل. الأب والجد العصبى الصحيح وإن علا. الأخ الشقيق والأخ لأب وأبناؤهما وإن نزلوا. . العم الشقيق والعم لأب وأبناؤهما وإن نزلوا. . ثم يأتى بعد هؤلاء المعتق ثم العصبة النَّسبية ثم السلطان ونائبه وهو القاضى. ويشترط فى الولى شروط، وهى: . كمال الأهلية: بالبلوغ والعقل والحرية فلا ولاية للصبى والمجنون والمعتوه (ضعيف العقل) والسكران، وكذا مختل النظر بهرم أو خبل (وهو فساد فى العقل) والرقيق لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه لقصور إدراكه وعجزه فى غير الرقيق. . اتفاق دين الولى والمولى عليه: فلا ولاية لغير المسلم على المسلم ولا للمسلم على غير المسلم. . الذكورة: وهى شرط عند الجمهور غير الحنفية. . العدالة: وهى استقامة الدين بأداء الواجبات الدينية، والامتناع عن الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر. . الرشد: وهو عند الحنابلة معرفة الكفء ومصالح النكاح وليس حفظ المال، لأن الرشد فى كل مقام بحسبه. وعند الشافعية عدم التبذير فى المال. وتكون الولاية على الصغير والصغيرة، والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة، سواء أكانت الصغيرة بكرا أم ثيبا. فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل، ولا على العاقلة البالغة؛ لأن علة ولاية الإجبار عندهم هى الصغر وما فى معناه وهذه العلة متحققة فى الصغار والمجانين دون غيرهم. وترتفع الولاية بزوال أسبابها. يقول المولى : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) (النساء٦) فبينت الآية الكريمة قواعد التصرف فى أموال المولى عليهم ووقت وشروط كيفية دفع أموالهم إليهم. أ. د/ سعاد صالح

стр. 683

١٥ - ولي الأمر لغة: الولى القريب والنصير والصاحب وهو خلاف العدو. يقول المولى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ (الممتحنة ١) وقال سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ (الممتحنة ١٣). وقال تعالى ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾ (التوبة ٧١). عرفا: الولى: العارف بالله تعالى. قال سبحانه ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (يونس ٦٢). الولى شرعا: فعيل بمعنى فاعل من وليه إذا قام به. ومن ذلك قوله تعالى ﴿وكفى بالله وليا﴾ (النساء ٤٥). وولى المرء من يلى أمره ويقوم مقامه كولى الصبى والمجنون وكالوكيل. وولى المرء أيضا من يقوم بأمره بعد وفاته من ذوى قرابته، وهذه الولاية من أسباب التوارث. الولاية اصطلاحا: سلطة شرعية تجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها بحيث تترتب آثارها الشرعية عليها بمجرد صدورها. ولى الأمر اصطلاحا: الحاكم. قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (النساء ٥٩) وسلطة الولاية لها قيود شرعية، روعيت فيها صلاحية الولى للولاية، ومصلحة المولى عليه فى نفسه وماله. وقد أوجب الله طاعة ولى الأمر بشروطها فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول … ﴾ (النساء٥٩) فأمر بطاعته وطاعة رسوله ?، وأعاد الأمر إعلاما بأن طاعة الرسول ? تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به فى الكتاب أو لم يكن فيه؛ لأن النبى? أوتى الكتاب ومثله معه. ولم يأمر بطاعة أولى الأمر استقلالا، بل جعل طاعتهم ضمن طاعة الرسول? إعلانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول ?، فمن أمر بخلاف ما جاء به الرسول ? فلا سمع له ولا طاعة، لما صح عن النبى ? من قوله "لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، رواه الترمذى وأبو داود. وقوله ?: "إنما الطاعة فى المعروف، رواه البخارى وقوله ? فى ولاة الأمور: " من أمركم منهم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة،. رواه ابن ماجه. وقد اتفق على ذلك إجماع المسلمين بعد وفاة النبى? حيث خطب الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ في المسلمين بعد مبايعته، وقال: " أطيعونى ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لى عليكم،. وعن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت فيها القلوب وذرفت منها العيون فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وأحمد والدارمى. وبناء على القاعدة الأصلية التى وضعها القرآن الكريم لطاعة أولى الأمر، وفصلها الرسول الكريم ﷺ فى سنته الشريفة، وعمل بها الخلفاء الراشدون المهديون يتوجه على ولى الأمر أن يقوم بكل ما فيه صلاح الأمة، ويتعين عليه أن يولى على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، وقد حذر النبى? من مخالفة ذلك فى قوله: "من ولى من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله " رواه الحاكم. وقد اتفق علماء المسلمين على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور أو منازعتهم إلا أن يظهر منهم كفر بواح فيه من الله برهان. وذلك لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادا كبيرا وشرا عظيما. فيختل الأمن وتضيع الحقوق وتضطرب معايش الناس. وفى حالة ظهور الكفر البواح يجيز العلماء الخروج على الحاكم لإزالته، ووضع حاكم عادل رشيد يعمل بشرع الله إذا توافرت القدرة على ذلك. أما فى حالة عدم القدرة أو فى حالة خشية وقوع ضرر أكبر فلا يجوز الخروج على الحاكم بأى حال. ويجب السمع والطاعة فى المعروف ومناصحة ولاة الأمور والدعاء لهم بالخير، والاجتهاد فى تخفيف الشر وتكثير الخير وحفظ مصالح الأمة. والنبى ? يقول- كما روى ابن عباس رضى الله عنهما-: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية " رواه البخارى ومسلم وصدق رسول الله ?. أ. د/ سعاد صالح

стр. 684

١٦ - الوهابية تنسب الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على الذى ولد فى العيينة بمنطقة نجد بالجزيرة العربية (١١١٥ هـ/٧٠٣ ١م). والمقصود بالوهابية مجموعة المبادئ التى جهر بها الشيخ، وتتلخص فى: ١ - التوحيد، والعودة إلى أصول الإسلام الصحيحة. ٢ - الجهاد فى سبيل ذلك، وجواز قتال مانعى الزكاة وتاركى الصلاة. ٣ - ترك زيارة القبور؛ لأن الميت بعد الدفن أحوج إلى الدعاء، لا أن يدعى به. ويضاف إلى هذا منع اتخاذ التمائم، والتبرك بالشجر وا لحجر، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والاستعاذة بغير الله، والعبادة عند القبور. وهى أمور موافقة لمبادئ الإسلام، مؤكدة له، وغير جديدة. أما تجديد الدعوة آنذاك إلى التمسك بها فيعنى أن المجتمع الذى نشأ فيه الشيخ كان قد خرج عليها، أو أنه لم يعد متمسكا بها. وفى هذا يقول معاصروه الذين ترجموا له إن "دعوته " جاءت بعد أن قرأ العلم ورأى " كثرة جهل الناس بدين نبيهم ? "، وأنه رأى الناس فى العراق " مفتونين فى حب الدنيا، ورآهم فى العيينة مفتونين فى عبادة الأوثان. وعندما وصلت أنباء دعوته إلى المدينة المنورة قال أستاذه الشيخ محمد بن سليمان الكردى " إنه شاذ عن السواد الأعظم ". وكان أسلوبه في الدعوة يقوم على أخذ العهود والمواثيق على الناس لإقامة الدين. ويذهب بعض الدارسين إلى القول بأن الوهابية، تتشابه مع ما سبق أن نادى به ابن تيمية فى بلاد الشام قبل ذلك بأربعة قرون (الشيخ تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى ١ ٦٦ - ٧٢٨ هـ/ ٢٦٣ ١ - ٣٢٨ ١ م الذى قال: إن الشهادتين وحدهما لا تكفيان ما لم يلتزم قائلهما بالشرائع والواجبات، واعترض على المقامات والأنصاب، وعلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وقد أثارت آراء ابن تيمية قلقا فى نفوس العلماء والحكام فى مصر والشام والعراق تحت حكم المماليك وانتهى أمره بالسجن حتى وفاته. أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلم يواجه حكومة مركزية شأن ابن تيمية، فالجزيرة العربية آنذاك كانت مجموعة من الإمارات المتناثرة ولا تخضع لسلطه مركزية. وكانت الإحساء والمناطق الشرقية من الجزيرة ميدانا مثاليا لنشر أفكاره، فأهل السنة فيها يشكلون أقلية، ويشكل الشيعة والخوارح أغلبية، فضلا عن الإباضية في عمان، والنجديون حنابلة، وبالتالى كان أولئك جميعا أقرب من غيرهم إلى آراء الشيخ. وأما أهل الحجاز فهم من الشوافع الذين يرون فى أنفسهم أكثر تفهما للدين وأقدر على تفسير أحكامه. ولقد واجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصاعب فى نشر أفكاره فى حريملاء التى كان بها عند وفاة والده، وفى العيينة التى اضطر أميرها عثمان بن معمر إلى إخراجه منها امتثالا لأمير الإحساء (سليمان بن محمد) الذى هدده بقطع الخراج عنه. وذهب لاجئا إلى الدرعية فى ضيافة الأمير محمد بن سعود، وسرعان ما تفاهما، إذ قال الأمير للشيخ " أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة ". وقال الشيخ للأمير "وأنا أبشرك بالعزة والتمكين ". وأصبحت الدرعية دار هجرة لأتباع الشيخ الذين هاجروا إليها. وقبل الشيخ بسلطة الأمير، واحتفظ لنفسه بمقام دينى، وأعطاه حق تقديم نصائح ملزمة للأمير الحاكم، حتى بدا أن سلطة الشيخ تعلو سلطة الأمير. وهكذا نشأ الإطار السياسى للوهابية. وقد أوفى آل سعود بالعهد لآل الشيخ ولم يتغير تقديرهم لهم على مر السنين إذ احتل آل الشيخ المراكز الرئيسية فى الإفتاء والتعليم فضلا عن رابطة النسب فيما بينهم. وقد كان الأمير عبد العزيز بن محمد آل سعود- الحاكم الثانى للدولة السعودية الأولى ١١٥٨ - ٢٣٣ ١ هـ- ٧٤٥ ١ - ٨ ٨١ ١م، أقرب آل سعود إلى قلب الشيخ، وأكثرهم تمسكا بمبادئه وتقيدا بنصائحه، وهو الذى جعل للشيخ المقام الأول فى الدولة. وعلى هذا نشأ تلازم بين "الوهابية، و" السعودية"، وأصبح المصطلحان وجهين لعملة واحدة، فبفضل الوهابية أقام آل سعود دولتهم الأولى التى شملت جبال شمر (١٧٩٠ م)، والإحساء (١٧٩١ م)، وساحل عمان وقطر والبحرين (٧٩٩ ١م)، والحجاز وعسير (٨٠٢ ١م)، وهددت المناطق الجنوبية فى بلاد الشام حتى حوران، والمناطق الجنوبية الشرقية من العراق. ومن هنا بدأ العالم خارج الجزيرة العربية يسمع عن "الوهابية"، وصار التدخل العثمانى أمرا محتوما فكان ما كان من حملة محمد على باشا والى مصر العثمانى التى حطمت الدرعية وأخرجت آل سعود من أغلب الحجاز (١٨١١ - ١٨١٨م). ثم أعيدت دولة آل سعود مرة ثانية ثم مرة ثالثة على يد الملك عبد العزيز فى ثلاثينات القرن العشرين. ولما كانت "الوهابية " تمثل مرجعية لشرعية وجود آل سعود فى الحكم، فقد حافظوا عليها، واندفعوا بها، وحددوا علاقاتهم بالآخرين على أساسها حتى ولو اضطروا لاستخدام العنف فى سبيل إقرارها. وهو أمر صدم ضمير عامة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم "حسنى الإسلام "، إذ حمل الوهابيون أكثر الأمور الدينية على ظاهرها، فبدا المذهب وكأنه حركة للاحتجاج والإثارة لا للهداية والتقويم. أ. د/ عاصم أحمد الدسوقى

стр. 685

١ - اليزيدية ذكر البغدادى أن اليزيدية هم أتباع يزيد ابن أبى أنيسة الخارجى (١)، وكان من البصرة ثم انتقل إلى جور من أرض فارس، وكان على رأس الإباضية من الخوارج، ثم إنه خرج عن قول جميع الأمة. (٢) واختلف المؤرخون والباحثون حول نسبة هذه الفرقة إلى الإباضية، فمنهم من يرى صحة نسبها إليها (٣). وأنه تفرَّق عن الإباضية أربع فرق: الحفصية، واليزيدية، والحارثية والعبادية (٤) ويجدر بنا أن نشير إلى أن الإباضية من الخوارج لنتبين موقف الاتفاق أو الاختلاف مع آراء اليزيدية. فالإباضية: هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك يقولون: لهم فقه جيد وفيهم علماء ممتازون. (٥) وجملة آراء الإباضية تدور حول: ١ - أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا، ويقولون عنهم كفار نعمة، لا كفارا فى الاعتقاد، وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا فى جنب الله. ٢ - دماء مخالفيهم حرام، ودارهم دار توحيد وإسلام إلا معسكر السلطان، ولكنهم لا يعلنون ذلك، فهم يسرون فى أنفسهم أن دار مخالفيهم ودماءهم حرام. ٣ - لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا الخيل والسلاح، وكل ما فيه من قوة من الحروب ويردون الذهب والفضة. ٤ - تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث بينهم وبين الخوارج ثابت، ومن هذا كله يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم. (٦) أما اليزيدية فقد كانوا مغالين فى آرائهم إلى حد الشطط، والخروج عن صحيح الدين، ولم يلزموا أنفسهم بعقل أو نقل، فهم يزعمون أن الله يبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا من السماء، وينسخ بشرعه شريعة محمد ?، وزعموا أن أتباع ذلك النبى المنتظر هم الصابئون فى القرآن. فأما المسمون بالصابئة من أهل واسط وحران فما هم الصابئون المذكورون فى القرآن. وكانوا مع هذه الضلالة يقولون بإسلام من شهد لمحمد ? بالنبوة من أهل الكتاب، وإن لم يدخل فى دينه وسماهم بذلك مؤمنين، وعلى هذا القول يجب أن يكون العيسوية والموشكانية من اليهود مؤمنين لأنهم أقروا بنبوة محمد ?، ولم يدخلوا فى دينه، وليس بجائز أن يعد فى فرق الإسلام من يعد اليهود من المسلمين، وكيف يعد من فرق الإسلام من يقول بنسخ شريعة الإسلام. (٧) وبذلك نجد أن هذه الفرقة، قد فارقت ما نص عليه الدين، وأجمعت عليه الأمة من أن النبى محمدا? هو خاتم الأنبياء ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء ١٠٧)، ولم يكن ذلك هو التجاوز الوحيد بل تجاوزوا أيضا عندما قالوا بنسخ شريعة محمد ? ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة ٣). بل اشتدوا فى الغلو والشطط عندما قالوا من شهد لمحمد ? بالنبوة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا فى دينه ولم يعملوا بشريعته، وزعموا أنهم مع ذلك مؤمنون. والواقع أن آراء هذه الفرقة، لا تتصل بنسب سواء من قريب أو بعيد إلى فرقة الإباضية المعتدلة- إلى حد كبير- فى آرائها. (٨) من أجل تلك التجاوزات والخروج عن صريح الدين تبرأ منهم الإباضية (٩). ويبدو أن يزيد بن أبى أنيسة قد تأثر ببيئة فارس وتراثها، وهو بعد انتقاله من البصرة عاش فى جوار بمنطقة فارس فخرج عن قبول الأمة (١٠) وجاء بأفكار وشعوبية بغيضة يرفضها الإسلام مثل قولهم إن الله يبعث رسولا من العجم وغيره من الآراء التى أشرنا إليها آنفا، ولعل هذا ما دفع البغدادى صاحب الفَرْق بين الفِرَق إلى القول (وكيف يعد من فرق الإسلام من يقول بنسخ شريعة الإسلام؟). أ. د/ جمال رجب سيدبى

стр. 686

٢ - اليهودية ينسب اليهود إلى يهوذا، أحد أولاد يعقوب الاثنى عشر (الأسباط فى القرآن الكريم) ويعقوب هو إسرائيل. ثم أصبحت كلمة يهودى تطلق على كل من يدين باليهودية. وكان يعقوب (إسرائيل) قد هاجر هو وعشيرته من أرض كنعان (فلسطين وما إليها) إلى مصر حوألى القرن ١٧ ق. م، وكان عددهم سبعين نفسا، تحت ضغط المجاعة والجفاف (سفر التكوين، إصحاح ٤٦ فقرة ٢٧) واستقبلهم يوسف أحد أبنائه وكان "وزيرا" لدى فرعون مصر، فأكرم وفادتهم، وأقاموا فى ناحية جاسان (وادى الطميلات بالشرقية) (التكوين، إصحاح ٤٧ فقرة ١١). وخلال ما يقرب من أربعة قرون من إقامتهم فى مصر انقسم بنو إسرائيل (يعقوب) إلى اثنتى عشرة قبيلة كل منها نسبة إلى واحد من الأسباط الاثنا عشر. وعندما بعث موسى برسالة التوحيد إلى بنى إسرائيل وفرعون مصر وقومه ق ١٤ - ١٣ قبل الميلاد تقريبا، آمن بها إسرائيل إلا قليلا منهم. وهنا نشأت الديانة اليهودية. وكان لابد من الصدام مع فرعون وقومه، فخرج بنو إسرائيل من مصر (البقرة ٤٩،٥٠)، (طه ٧٧ - ٨٨) (إصحاح ١٣ - ١٤ من سفرالخروج) حوالي ١٢٨٠ ق. م فى عهد فرعون مصر رمسيس الثانى على ما يرجح. وبعد خروج اليهود من مصر الفرعونية إلى الصحراء (سيناء)، أغاروا بقيادة يوشع (خليفة موسى) على أرض كنعان، واستقروا بها. وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكة داود (أسسها عام ٩٩٠ ق. م) إلى مملكتين: إسرائيل فى الشمال، ومملكة يهودا فى الجنوب (٩٢٢ ق. م)، ونشبت بينهما حروب طويلة إلى أن دهمهم بختنصر ملك بابل حين أغار على فلسطين مرتين فى ٥٩٦، ٥٨٧ ق. م، وأخذ عددا كبيرا منهم إلي بابل، وظلوا هناك حوالى خمسين عاما تعرف فى تاريخ اليهود بالأسر البابلى. فلما تغلب كورش ملك الفرس على البابليين (٥٣٨ق. م)، أطلق سراح الأسرى الذين عادوا إلى فلسطين ولكن دون دولة، إذ خضعوا للفرس، ومن بعدهم لخلفاء الإسكندر المقدونى (انطيوخوس)، ثم إلي الرومان. وفى تلك الأثناء ترك عدد منهم فلسطين إلى جهات مختلفة فى آسيا وأوربا. وفى عام ١٣٥م أخمد الرومان فى عهد الإمبراطور هدريان ثورة قام بها اليهود فى فلسطين هدم على أثرها هيكل سليمان، وأخرج اليهود من فلسطين وكان عددهم حوالى خمسين ألفا، وبدأت رحلة الشتات الكبير Diaspora. وقبل الشتات الكبير كان اليهود الذين غادروا فلسطين إلى أوروبا استوطنوا حوض نهر الراين الشمالى والأوسط، واجتهدوا فى نشر اليهودية بين الوثنيين هناك بين الجرمان والسلاف. وبعد الشتات انتشروا فى افاق كثيرة بين أجناس مختلفة فى فارس وتركستان والهند والصين عن طريق القوقاز، وفى العراق ومصر وبرقة وشمال إفريقية، وشبه جزيرة إيبريا (اسبانيا والبرتغال) والجزيرة العربية حتى اليمن، والحبشة، وفيما بعد فى أجزاء من إفريقيا السوداء. وقد أدى هذا إلى اعتناق عناصر وسلالات بشرية كثيرة لليهودية. وهذا التعدد العنصرى فى حد ذاته ينفى مقولة: إن اليهودية قومية، كما ينفى أيضا مقولة "معاداة السامية" التى يشهرها اليهود كلما وقعوا فى كارثة، لأن انتشار اليهودية على ذلك النحو أوجد أجيالا تدين باليهودية ولكن ليسوا من الساميين أصلا. وفى المجتمعات التى عاش فيها اليهود قبل الشتات الكبير وبعده، كانوا على هامش المجتمع بسبب اختلاف عقيدتهم عن الآخرين، ومن هنا كانوا دوما أقلية منعزلة ذاتيا تعيش فى مكان خاص (حارة-جيتو)، ولم يتبوأوا مراكز الحكم، فانصرفوا إلى النشاط الاقتصادى وسيطروا على أسواق المال والتجارة. ولما بدأ عصر الدولة القومية فى القرن التاسع عشر، بدأ يهود القارة الأوروبية التفكير فى وطن خاص يجمعهم وينقلهم من هامش المجتمعات التى يعيشون فيها ليصبحوا قوة مركزية، وهو الأمرالذى تم فى عام ١٩٤٨ بعد تكوين المنظمة الصهيونية العالمية بمقتضى مؤتمر بازل فى ١٨٩٧. ولليهود تسع وثلاثون سفرا من أسفارهم معتمدة يطلق عليه "العهد القديم" وهى أربعة أقسام: (١) التكوين ويختص بتاريخ العالم، (٢) والخروج ويختص ببنى إسرائيل فى مصروخروجهم منها، (٣) والتثنية ويختص بأحكام الشريعة اليهودية، وسفر اللاويين ويختص بشؤون العبادات، (٤) وسفر العدد ويختص بإحصاء اليهود لقبائلهم وجيوشهم وأموالهم. أما القسم الثانى من العهد القديم فيتكون من اثنى عشر سفرا خاصة بتاريخ بنى إسرائيل بعد استيلائهم على أرض كنعان، والقسم الثالث من خمسة أسفار تختص بالأناشيد والعظات، والرابع من سبعة عشرسفرا كل منها يختص بتاريخ نبى من أنبيائهم بعد موسى. أما التلمود فهو مجموعة شروح للشرائع المنقولة شفاهة عن موسى وتلمودان: واحد تم تدوينه فى فلسطين، والثانى كتب فى بابل. وأنقسم اليهود إلى أكثرمن فرقة اختلفت فيما بينها حول الأخذ بأسفار العهد القديم والأحاديث الشفوية لموسى أوإنكار بعضها. وأهم هذه الفرق خمس فرق: الفريسيون (الربانيون)، الصدوقيون، والسامريون، والحسديون (المشفقون)، والقراءون (الكتابيون المتمسكون بالأسفار ويعرفون أيضا بالعنانيين نسبة إلى مؤسسها عنان بن داود). ولم يبق من هذه الفرق إلا الربانيون والقراءون وبينهما اختلافات شديدة حول الطقوس والشرائع والمعاملات. أما اليهود المعاصرون فينقسمون بين سفارديم وهم اليهود الشرقيون بما فيهم ذوى الأصول العربية والأسبان والبلقان، وأشكنازيم وهم اليهود الغربيون. أ. د/عاصم أحمد الدسوقى