← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٥٩ - المناسك لغة: جمع مَنْسَك، ومَنْسِك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والنُّسْك، والنُّسُك: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى، وفى التنزيل﴾ وأرنا مناسكنا ﴿(البقرة ١٢٨). أى متعبداتنا والنسيكة وهى: الذبيحة، ومناسك الحج عباداته، وقيل مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعليه نُسُك أى دم يريقه، ونَسَك تزهد وتعبد فهو ناسك، والجمع نساك (١). قال القرطبى (٢): يقال: إن أصل النسك فى اللغة الغسل، يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله. شرعا: اسم للعبادة، يقال رجل ناسك إذا كان عابدا. واختلف العلماء فى المراد بالمناسك هنا، فقيل: مناسك الحج ومعالمه قاله قتادة والسدى. وقال مجاهد وعطاء وابن جريج: المناسك المذابح أى مواضع الذبح. وقيل: جميع المتعبدات. وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له مَنْسَك، ومَنْسِك. والناسك العابد. وقال محمد بن إسحاق: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت الحرام، جاءه جبريل ﵇ فقال له: طف به سبعا، فطاف به سبعا هو وإسماعيل ﵉ يستلمان الأركان كلها فى كل طواف، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين. وقال: فقام جبريل فأراه المناسك كلها: الصفا والمروة ومنى والمزدلفة (٣). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 632

٦٠ - المنهج لغةً: الطريق الواضح. واستخدم هذا اللفظ فى تسمية كثير من الكتب العربية فى علوم مختلفة وذلك للدلالة على ثقة مؤلفيها بأنها تمثل الطريق الواضح البين. واصطلاحاً: يستعمل لفظ المنهج Curriculum فى علوم التربية للدلالة على المنهج الدراسى الذى هو مجموعة من المواد الدراسية والخبرات العملية الموضوعة لتحقيق أهداف التربية وهو يشتمل على مجموعتين: المعلومات المستمدة من التراث الثقافى من حيث هى ذات قيمة موضوعية ثم مجموعة الخبرات التى يمارسها الدارس بنفسه. والمعيار الأمثل لتقنين إحدى المواد فى المنهج الدراسى أن تكون للمادة قيمة ثقافية وأن تكون نافعة فى الحياة وملائمة لحاجات الدارس ونموه وميوله وقدراته. ولابد عند وضع المنهج من تحديد الأهداف المراد بلوغها، ومن دراسة الأسس العلمية والطرق العملية المؤدية إلى تحقيق هذه الأهداف. ولابد من التواؤم مع الظروف الطبيعية والبيولوجية وحاجات المتعلم وثقافة المجتمع وأن تربط موضوعاته بشئون الحياة الحاضرة وأن تكون مواده وخبراته وطرقه ووسائله متماسكة. والمنهجيون Methodists هم أتباع الحركة الدينية الإصلاحية التى قادها فى أوكسفورد عام ١٧٢٩ م جون ويزلى وأخوه تشارلز، مؤكدين على الأخلاقية الفردية والاجتماعية، وعلى المسئولية الشخصية أيضا، وقد انفصلوا عن كنيسة إنجلترا (١٧٩٥م). ا. د/ محمد الجوادى

стр. 633

٦١ - المَهْر لغة: هو ما يلتزم الزوج بأدائه إلى زوجته حين يتم زواجه بها. كما فى المعجم الوجيز (١). واصطلاحا: اسم للمال الذى يجب فى عقد النكاح على الزوج فى مقابل البضع، إما بالتسمية أو بالعقد (٢). وقد أوجبه الشارع الحكيم للزوجة، كحق مقرر لها بعقد النكاح لقول الله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ النساء:٤، وما رواه سهل الساعدى أن رسول الله ﷺ قال لمريد الزواج من امرأة: (التمس ولو خاتما من حديد) متفق عليه (٣). والمهر المسمى هو الذى يتفق المتعاقدان على مقداره، ويذكر أنه عند التعاقد أو بعده، وهو يجب للمرأة إذا صح عقد نكاحها، وكان المسمى مالا متقوما معلوما. ومهر المثل: هو الذى يفرض بحسب العادة فى مثل المرأة التى يراد تزوجها إذا حدث أن فسد تسمية المهر، أو لا يسمى للمرأة مهر، أو يتفق المتعاقدان على نفى المهر، أو يحدث الدخول بالمرأة فى نكاح فاسد، أو الاشتباه فى حل المدخول بها، فيجب للمرأة فى هذه الحالات مهر مثلها من النساء. وإيجاب الصداق للمرأة على من يريد الزواج بها فيه إعزاز لها، ورفعة لشأنها عنده، حيث يبذل لها ما يجهد المرء نفسه فى سبيل اكتسابه وما تضن به النفس عادة، وهذا أدعى إلى دوام العشرة بين الزوجين. وقد تميز التشريع الإسلامى بذلك عن كثير من الشرائع والأعراف التى لا توجب للمرأة هذا الحق على زوجها، بل قد تفرض عليها بذل المال لمن يتزوجها فى مقابل زواجه بها. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 634

٦٢ - المؤاخاة لغة: أخا فلانا - أخوة، وإخاوة: اتخذه أخا (آخى فلانا مؤخاة وإخاء: اتخذه أخا) المعجم الوسيط مادة (أخو) (١). واصطلاحا: الأخوة فى الدين الإسلامى أعلى رباط اجتماعى، ذلك أن الأخوة فى الدين ناتجة عن الإيمان العميق به، بحيث يخضع لأوامر ربه دون سواه، ومن ثم تكون هناك عاطفة قوية موحدة تجمع المسلمين جميعا. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة فى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ الحجرات:١٠، كما أثر عن الرسول ﷺ قوله: (المسلم أخو المسلم) وقوله: (وكونوا عباد الله إخوانا) بمعنى كونوا حريصين على أخوة الدين التى تجمع بينكم. والحب الذى يجمع بين الأخوة فى الدين ليس حبا ينصب على الذات، وإنما هو منصب على الإيمان الذى يربط بين المؤمنين، بحيث يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، فالإيمان هو الرباط الدائم بين إخوة الدين، وهو الذى يضبط سلوك المؤمنين وعاداتهم. إذ يقول الله تعالى: ﴿لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ المجادلة:٢٢. كذلك يوضح الله نعمته إذ جعل المؤمنين إخوانا يجمعهم الإيمان، وعظم فضل الأخوة التى ارتبطت بفضل الإيمان ارتباطا وثيقا، إذ يقول تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ آل عمران:١٠٣. هكذا حرص الإسلام على المؤاخاة بين المسلمين، حتى فى أكثر الأمور خصوصية مثل الميراث، إذ كان الميراث فى بداية الإسلام بالأخوة فى الدين لا فى النسب، ولم يكن المسلمون الأوائل يبخلون بمالهم على إخوانهم المسلمين الفقراء الذين عانوا وطأة الاضطهاد بسبب دينهم. ولذلك فإن النبى ﷺ حين رأى مجتمع المدينة ممزقا حينما هاجر إليه بسبب الخلافات بين الأوس والخررج من ناحية، وبسبب فقر معظم المهاجرين وعوزهم من ناحية أخرى، طبق مبدأ أخوة الإسلام بحيث يشعر كل مسلم أنه مكفول كفالة تامة فى المجتمع الإسلامى. ويقوم مبدأ المؤاخاة الذى طبقه الرسول ﷺ على أساس أن المسلمين جميعا أخوة، يعطى الغنى منهم فقيرهم بالمعروف ويعين القادر منهم غير القادر، إذ أمرهم الرسول ﷺ بأن يتأخوا فى الله اثنين اثنين، أو أخوين أخوين، فقد أخذ بيد على بن أبى طالب وقال: هذا أخى، وكان حمزة بن عبدالمطلب أسد الله، وزيد بن حارثة مولى النبى أخوين، وأبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجى أخوين. وهكذا تآخى كل واحد من المهاجرين مع رجل من الأنصار. كانت المؤاخاة بهذا المفهوم الاقتصادى الاجتماعى درسا فى التنظيم الاجتماعى ولم يكن معناها أبدا أن يركن المهاجرون إلى الدعة، ويتوقفوا عن السعى وراء الرزق بل كان الهدف ترسيخ قيمة التكافل الاجتماعى بين من يشتركون فى أخوة الدين الإسلامى، بحيث يعين المسلم أخاه المسلم في وقت الحاجة الملحة دون تواكل على الغير بدون لببه أو ضرورة، ولذلك اشتغل بعض المهاجرين بالتجارة، على حين عمل البعض الآخر، فى حقول الأنصار ومزارعهم. ونخلص من هذا كله بأن الأخوة فى الإسلام منَّ بها الله على المؤمنين، كما أن رسول الله ﷺ طبقها عمليا فى المؤاخاة التى قام بها بين المهاجرين والأنصار تثبيتا لدعائم المجتمع المسلم، وترسيخا للأسس التى قامت عليها أمة المسلمين. أ. د/قاسم عبده قاسم

стр. 635

٦٣ - الموازين لغة: جمع ميزان، وهو الآلة التى توزن بها الأشياء كما فى اللسان (١)، كما تطلق على المقادير القياسية التى توزن تبعا لها الأشياء. وقد تعامل العرب فى الإسلام وما قبله بالأوزان، وكانت هذه الأوزان كثيرة، لكن الأساس منها يتمثل فى الدرهم والدينار. وقد تنوعت الأوزان واختلفت مقاديرها، ويلاحظ فيها أن الأوزان الصغيرة تستعمل للأشياء الثمينة، والمتوسطة لمتوسطة القيمة، والكبيرة لدنيئة القيمة. واصطلاحا: الوزن أصل الكيل، نلاحظ ذلك فى كلام الفقهاء، فإذا عرف الوزن عرف الكيل. ولذا فإنهم يقدرونه بالمد والصاع - وهما من الكيل - بالرطل والدرهم - وهما من الوزن - وقد خلط الفقهاء بين الكيل والوزن، فجعلوا - مثلا - الرطل والدرهم وهما من الوزن من أجزاء المد والصاع وهما من الأكيال، فيجب معرفة الدرهم والرطل أولا حتى يسهل معرفة المد والصاع. وهناك فرق بين الكيل والوزن، فالكيل للحجم والوزن للثقل، قال تعالى: ﴿أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ الشعراء:١٨١ - ١٨٢. ويظهر من الآية أنهما متغايران، إذالعطف يقتضى المغايرة. وقد ورد فى القرآن الكريم والسنة الغراء كثير من الأوزان مثل: المثقال، القسطاس المستقيم، والذرة، وحبة الخردل، والقنطار، والنقير، والأوقية، والدرهم، وغيرها. وهناك أوزان أخرى عرفت فى صدر الإسلام مثل: الطسوج، والقيراط، والدانق، والدرهم، وهو أنواع مختلفة منها: الدراهم الطبرية، والدرهم البغلى، والدرهم الحوراقى، والدرهم الجواز، والدينار وله أنواع عدة منها: الدينار الحرقلى الرومى، والدينار الكروى، دينار عبد الملك بن مروان، وغيرها، والنواة، والنش، والرطل، والمن. والأوزان لها مكانة عليا فى معاملات الناس، إذ تعتبر مقياسا مهما لها، وتتعلق بها بعض الأحكام الفقهية التى تسير بها الحياة، ومن المسائل الفقهية المهمة التى يلاحظ أن الموازين لها دخل وحظ عظيم فيها: زكاة النقدين، ومقدار نصاب السرقة، وأقل المهر فى النكاح، وكفارة الجماع فى الحيض، ودية القتل العمد والقتل الخطأ وغيرها كثير (٢). أ. د/على جمعه محمد

стр. 636

٦٤ - المواقيت لغة: جمع ميقات، وهو الحد، تقول: وقت الشىء يوقته، ووقته يقته إذا بين حده، ثم اتسع فيه، فأطلق على المكان فقيل للموضع: ميقات، والميقات بصدد الوقت كما فى اللسان (١). واصطلاحا: يطلق على الوقت المضروب للشىء، كما يقال للمكان الذى يجعل منه وقت الشىء كميقات الحج (٢). والمواقيت كما يظهر من التعريف زمانية ومكانية، وهى تعتبر حدودا لأداء العبادات سواء كان ذلك فى بدايتها أونهايتها. والميقات الزمانى له علم خاص به يسمى "بعلم الميقات" (٣) وهو علم يعرف به أزمنة الأيام والليالى وأحوالها، وفائدته تتلخص فى معرفة أوقات العبادات. ويهتم علم الميقات الزمانى بتحديد أوائل الشهور القمرية ونهايتها حتى تقام العبادات بناء على ذلك، كما يهتم بالنظر فى الكواكب والبروج من حيث سيرها، وهوعلم له خطر عظيم، إذ هو وسيلة إلى المقاصد المطلوبة شرعا لمصالح الدين والدنيا، فالجهل بالأوقات سبب للجهل بأمر الصلاة والزكاة .. فقد يضعها الإنسان فى غير محلها، فيصلى فى غيرالوقت ويصوم وقت الإفطار ويفطر وقت الصوم .. وهكذا مما لا يخفى. وبدرجة أهمية المواقيت الزمانية تكون درجة المواقيت المكانية وأهميتها، إذ إن الاهتمام بزمن العبادة يتبعه بالتالى الاهتمام بمكانها. وتظهر الأهمية بالنسبة للمواقيت المكانية مثلا فى الحج، فالمسلمون يقصدون الأراضى المقدسة لتأدية فريضة الحج من كل فج عميق، فوقت لهم الشارع الحكيم مواقيت مكانية لا يتعدونها، وهناك مواقيت خمسة للحاج أن يراعيها: - ذو الحليفة: وهو ميقات أهل المدينة. - الجُحفة: وهو ميقاف أهل الشام، ومصر، والمغرب. - يلملم: وهو ميقات أهل اليمن. - قرن: وهو ميقات أهل نجد. - ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق، وخراسان، والمشرق. وهى مواقيت لأهلها، ولمن مر بها من غير أهلها، فمن مر عليها يريد النسك لزمه أن لا يجاوزها حتى يحرم، فإذا جاوز الميقات يريد النسك ثم أحرم دونه فعليه دم سواء عاد إلى الميقات أو لم يعد (٤). أ. د/على جمعه محمد

стр. 637

٦٥ - الموَّال اصطلاحاً: مأخوذ أو منحوت على غير قياس فى العصور المتأخرة مما عرفه تاريخ الأدب العربى منذ القرن الثانى الهجرى- الثامن الميلادى- باسم (المواليا) وهو فن جديد من الفنون الشعرية المستحدثة التى ظهرت بين الطبقات الشعبية فى بلاد المشرق الإسلامى فى العصور العباسية المتتابعة فى إطار محاولات الخروج على نظام القصيدة العربية الموروثة من حيث وحدة قافيتها، طلبا للسهولة والسيرورة بين عامة الناس تأليفاً وغناءً وسماعاً. وكان (المواليا) فى بداية أمره معربا فصيحا يتألف من بيتين فقط من بحر البسيط القابل للغناء والترنيم، وفى نهاية كل شطر من البيتين قافية على روىٍّ واحد، وبعبارة أكثر وضوحا: هو فى أصله مقطوعة معرَّبة من بيتين من بحر البسيط ذات قواف أربع موحدة الروىّ، يبدعها الشعراء ويلحنها المغنون البسطاء فى أعمالهم الحياتية، وفى مناسباتهم الاجتماعية المختلفة وفى تجاربهم الذاتية الحزينة أو السعيدة، وكانوا يطلقون على كل مقطوعة منه "صوتا". ويذكر مؤرخو الأدب ونقاده فى نشأة هذا الفن وموطنه وأغراضه وسبب تسميته بهذا الاسم: إنَّ أول من نطق به (أهل واسط) فى القرن الثانى الهجرى، وذكر صفى الدين الحلى أنه سُمى بهذا الاسم لأن الواسطيين لما اخترعوه، وكان سهل التناول لقصره، وتعلَّمه عبيدُهم المتسلِّمُون عمارة بساتينهم، والفُعول، والمغامرة، والأبَّارون فكانوا يُغنُّون به فى رؤوس النخيل، وعلى سقى المياه، ويقولون فى آخر كلِّ صوت مع الترنيم: (يا مواليا) إشارة إلى ساداتهم فغلب عليه هذا الاسم. وصاروا ينظمونه فى الغزل والمديح وسائر الأغراض على قاعدة القريض. ثم انتقل هذا الفن إلى (بغداد) فاستعمله عامتهم فلطَّفوه ونقحوه، ورققوه، وحذفوا منه الإعراب وحوّلوا لغته إلى عامِّية ملحونة، واعتمدوا على سهولة اللفظ ورشاقة المعنى، ونظموا فيه الجِدَّ والهزل، والرقيق والجزل، واشتهروا فى ذلك حتى كاد المؤرخون ينسبونه إليهم ويتناسون أهل واسط. وجاءت حادثة البرامكة فساعدت على سرعة انتشاره بين الناس بعد أنْ تخلّى عن إعرابه وفصاحته، إذ ذكروا أن جارية لجعفر البرمكى رثته بهذا الفن الجديد، وكانت تنشده وتقول بعد كل مقطوعة منه: (وامواليا) أو (يا مواليا) كما كان يقول أهل واسط، ولَّما حُملت الجارية إلى الرشيد- وكان قد منع من يرثيهم بشعر- قالت: ليس هذا شعرا لأنه عامِّىٌّ ملحون. ومن بغداد انتقل هذا الفن وشاع واشتهر فى سائر الأمصار، فعرفته مصر والشام وغيرهما من البلاد العربية، وذاع بين الفئات الشعبية فى سائر الأغراض الشعرية من غزل ورثاء وهجاء ومديح وزهد، بعد أنْ حُلَّتْ قيود إعرابه وفصاحته، وبعد أن أفتى الإمام السيوطى ﵀ بوجوب اللحن فيه، وجواز استخدام الألفاظ الجارية فى خطاب العوام من الناس فى تأليفه. ويمكن تعريفه أخيرا بعد هذه المراحل التى قطعها فى مسيرته التاريخية التى أطاحت أخيرا بتاج فصاحته وإعرابه بأنه: "بيتان ملْحونان من بحر البسيط تُقفَّى شطورهما الأربعة بقافيه واحدة" ومن نماذجه الغزلية قول الحكيم بن السويدى الشامى. البدر والسّعد: ذا شبهك وذا نجمك .. والقدّ والحُسْن: ذا رُمْحَك وذا سهمك .. والبغض والحب: ذا قسمى وذا قسمكْ .. والمسك والحُسن: ذا خالك وذا عمَّك. هذا وقد تطوّر اسم (المواليا) فيما بعد إلى (الموّال) مما يدل على أن الأخير مأخوذ من الأول ومنحوت منه، وإن كان على غير قياس كما ذكرنا سلفا، وذهب أستاذنا المرحوم الدكتور (عبد الحميد يونس) إلى أنَّ الموَّال مأخوذ من (الولَولَة) دون أن يوضح كيفية هذا الأخذ وإلى الآن لا أعرف تخريجا لهذا الاشتقاق. أ. د/ جلال صابر حجازى

стр. 638

٦٦ - الموحِّدُون الموحدون: هم أصحاب ومؤسسو الدولة الإسلامية التى قامت فى المغرب والأندلس فى القرنين السادس والسابع الهجريين (القرنين ١٢، ١٣ للميلاد). وينتمى الموحدون إلى قبائل مصمودة البربرية، ومن أبرزهم هنتانة (إينتى)، وهيلانة (إيت إيلان)، وهسكورة وهزرجة وهرغة، وكانت مواطنهم فى المغرب الأقصى من ساحل البحر عند أسفى، وتمتد شرقا مسافات بعيدة فى بلاد المغرب الأوسط. وترجع نشأة الموحدين- الذين قاموا يدعون إلى تنقية العقيدة الإسلامية مما أصابها من تحريف- إلى رجل من قبيلة هرغة، واسمه محمد بن توُمَرْت، ويعرف بالمهدى بن تومرت، وفى نسبه أقوال مختلفة وبعضها ينسبه إلى الحسن بن على بن أبى طالب. وكان مولده عام ٤٨٥ هـ/١٠٩٢م، أو قبل ذلك على الأرجح، وفى مطلع المائة السادسة الهجرية شد رحله إلى المشرق لطلب العلم، فسمع من أبى حامد الغزالى وغيره من أعلام ذلك العصر، ثم عاد إلى المغرب، وأخذ يدعو الناس إلى العقيدة الصحيحة، ونبذ كل ما يخالف تعاليم الإسلام، وتجرد للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مما كان سببا فى كراهية الحكام له، وطرده من بلاد المغرب التى مر بها، ومن بينها تلمسان التى التقى فيها بتلميذه الشهير: عبد المؤمن بن على الكومى سنة ٥١٠ هـ/١١١٦م، لكنه حاز إعجاب كثير من العامة، وأصبح له مريدون يسيرون معه حيث سار، وفى طليعتهم عبد المؤمن الذى خصه ابن تومرت بمزيد اهتمام وعناية. أخذ ابن تومرت يجوب بلاد المغرب الأقصى، يحيط به أتباعه، وهو لا يكف عن الدعوة إلى التمسك بتعاليم الإسلام الصحيحة، وينحى باللائمة على المرابطين، الذين كان يرى منهم تراخيا فى هذه الصدد، على الرغم مما عرف عن علىِّ بن يوسف بن تشفين- أمير المرابطين يومئذ- من الصلاح والتقوى والتمسك بعرى الإسلام. ويرى بعض المؤرخين أن مهاجمة ابن تومرت للمرابطين، ودعوته إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما تخفى وراءها أهدافا سياسية، وسعيا حثيثا إلى إقامة دولة مصمودية على أنقاض دولة المرابطين الصنهاجية. ولذلك اتخذ من قرية (تينملل) - وهى فى منازل قبيلة هرغة فى أغمات (إيجيليز) عند منابع وادى نفيس المنحدر من جبال السوس- مركزاً لإقامته ودعوته، حيث تسارعت إليه جموع المصامدة، فأخذ فى إعدادهم عسكريا وفكريا، ورتبهم طبقات، فأولهم: أهل الدار- وهم أهل بيته- ثم إيت عشرة (أهل عشيرة) ثم ايت خمسين. وهكذا صارت تينملل معقلا لدعوة المهدى بن تومرت وأتباعه من قبائل مصمودة. ولما اطمأن إلى إخلاصهم له وقدراتهم العسكرية، بدأ الاصطدام بالمرابطين- الذين كانوا قد دخلوا مرحلة الضعف والتفكك فى الأندلس. وحقق الموحدون عدة انتصارات عليهم. غير أن على بن يوسف أمير المرابطين، حشد لهم جيشا ضخما تمكن به من هزيمة الموحدين، الذين استحر فيهم القتل، وأُسِر منهم عدد ضخم، وعقب ذلك مات ابن تومرت زعيم الموحدين فى عام ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠م. بايع الموحدون عبد المؤمن بن على بناء على وصية ابن تومرت إليه من بعده، وكان اختياره لقيادتهم موفقا لما يتصف به عبد المؤمن من النجابة والعقل ومؤهلات القيادة الأخرى، فتصدى للمرابطين، وبدأ يغزو بلادهم ويضمها إليه، فأخذ وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا، وسبتة. وفرض الحصار بعد ذلك على مراكش عاصمة المرابطين، وألح على فتحها أحد عشر شهرا حتى سقطت سنة ٥٤٢ هـ/١١٤٧ م، ومن ثم دانت لهم بقية بلاد المغرب جميعا من ساحل المحيط إلى شرق طرابلس. وبذلك يكون الموحدون أول من جمع بلاد المغرب تحت لواء واحد، كما طردوا النورمان من سواحل المغرب الأدنى. بعدئذ بدأ الموحدون جهادهم فى الأندلس، وسجلوا صفحات ناصعة فى ميدان الدفاع عن الإسلام وأهله ضد نصارى أسبانيا والبرتغال، الذين انتهزوا فرصة ضعف المرابطين، فأخذوا يغيرون على المدن والقرى الإسلامية، ويضمون إلى أملاكهم ما استطاعوا منها. فلم يجد مسلمو الأندلس ملاذاً يلجأون إليه إلا الموحدين، فبدأت وفودهم تقبل على عبد المؤمن بن على، تستصرخه لإنقاذ بلاد الإسلام من خطر النصارى، ونجدة إخوانه فى الدين من عدوانهم، فاستجاب لهم قائد الموحدين ووعدهم النصرة والمعونة العاجلة. كان أول عبور للموحدين إلى الأندلس فى سنة ٥٤٦ هـ/١١٥١م، وذلك رداً على استيلاء ألفونسو السابع ملك قشتالة وليون على المرية، فاستردتها جيوش عبد المؤمن، وفرض الموحدون سيادتهم على ما بقى بأيدى المسلمين فى الأندلس، وهو القسم الجنوبى منها، الذى يحده شمالا مجرى الوادى آنه ثم مجرى نهر بلنسية. رجع قائد الموحدين إلى المغرب، وشُغل بالقضاء على المناوئين لدولته فى بعض أقاليم المغرب، لكنه لم يغفل عن متابعة أحوال الأندلس، حتى ألمَّ به المرض الذى توفى فيه سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م، بعد حكم امتد ثلاثة وثلاثين عاماً، حيث بويع لابنه أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على. فى عام ٥٦٠ هـ/١١٦٥م جرد الموحدون حملة عسكرية إلى الأندلس، لتعزيز الدفاعات الإسلامية فى مواجهة العدوان الأسبانى. كذلك اصطدم جيش الموحدين بقوات محمد بن سعد بن مردنيس المتعاون مع الأسبان، حيث بلغ عدد النصارى المرتزقة فى جيشه الذى قاتل الموحدين- فى موقعة فحص الجلاب قرب مرسية- ثلاثة عشر ألف محارب! لكن النصر الكبير كان حليف الموحدين فيها، حيث توفى ابن مردنيس فيما بعد. لم يتوقف جهاد الموحدين فى الأندلس، ففى سنة ٥٦٦ هـ/١١٧١م، عبر الخليفة يوسف بن عبد المؤمن بقوات كبيرة من المغرب، وانضم إليهم جيش الأندلس للقيام بأعمال الجهاد فى عدة مناطق، وامتدت هذه الحملة خمسة أعوام، عاد بعدها الخليفة إلى مراكش. لكنه فى الجولة الأخيرة له ضد ملك البرتغال: ألفونسو هنريكى- الذى يسميه مؤرخو المسلمين: ابن الريق- فى موقعة استرداد مدينة شنترين سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤م، أصيب يوسف بن عبد المؤمن إصابة خطيرة توفى على إثرها، حيث بويع بالخلافة بعده أكبر أبنائه يعقوب، الذى تلقب بالمنصور. وبعد أحداث وقعت فى الشمال الإفريقى، اتجه الموحدون نحو الأندلس، لاستئناف الجهاد ضد النصارى سنة ٥٨٦ هـ/١١٩٠م، حيث عقدت هدنة بين الطرفين. بعد إنتهاء مدتها عاد الصدام بينهما فى موقعة الأَرَك الطاحنة، التى انتصر فيها الموحدون بقيادة الخليفة المنصور على ألفونسو الثامن وجيوشه عام ٥٩١ هـ/١١٩٥م، حيث هدأ الضغط النصرانى على الجزء الإسلامى من الأندلس إلى حين. بعد بضع سنوات توفى يعقوب المنصور ثالث الموحدين عام ٥٩٥ هـ/١١٩٩م، حيث خلفه ولده محمد الناصر لدين الله، الذى وجه همَّه نحو إفريقيا والمغرب، فأنزل الموحدون ضرباتهم القاسية بالثائرين عليهم والخارجين عن طاعتهم من بنى غانية المسُّوفيين- وهم بقايا المرابطين- وعرب الهلالية، فعادت إفريقيا والمغرب الأوسط وجزائر البليار إلى طاعة الموحدين سنة ٦٠٢هـ، ١٢٠٥م. عاد ألفونسو الثامن إلى عدوانه على المسلمين، فعبر الناصر بقواته إلى الأندلس، حيث التقى الفريقان فى معركة قاسية تسمى (حصن العقاب) سنه ٦٠٩ هـ/١٢١٣م، وكان الضغط فيها شديدا على المسلمين، فانتهى اللقاء بهزيمة الموحدين وتشتت قواتهم، ومن ثم عاد الناصر إلى مراكش حزينا كسيرا، وما لبث أن توفى فى العام التالى- حسرة وألما على ما أصاب المسلمين وأصابه فى موقعة حصن العقاب التى كانت نذيرا بزوال دولة الموحدين، وانقسامها إلى ثلاث دول، هى: دولة بنى مرين، ودوله بنى حفص، ودولة بنى عبد الواد. أ. د. محمد جبر أبو سعدة

стр. 639

٦٧ - الموشحات لغةً: الموشحات جمع موشحة أو موشح مأخوذ من الوشاح، يقال "توشَّحت المرأة واتَّشحتْ " أى لبستْ (وشَاحها) وهو "أديم عريض من الجلد يرصَّع بالجوهر فتشده المرأة بين عاتقها وكشحها" لإتمام زينتها وإبراز جمالها كما فى لسان العرب. واصطلاحاً: فنٌّ مستحدث من فنون النظم الشعرى يربطه بأصله اللغوى طلب الزينة والزخرف الجمالى والتأثير الشعورى كالوشاح ومن هنا ذكر المحبىِّ: "أن الموشح سُمِّى بذلك لأن خرجاته وأغصانه كالوشاح. نشأ هذا الفن فى الأندلس الإسلامية فى أواخر القرن الثالث الهجرى- التاسع الميلادى - استجابة وتفاعلا مع مجموعة من الأسباب والبواعث الفنية واللغوية والاجتماعية والمحلية، بعد أن ملَّ بعض الشعراء الأندلسيين النظم على وتيرة واحدة، وتاقوا إلى التنويع والتجديد فاخترعوه، ولست مع بعض الدارسين المعاصرين الذين يُطلقون على الموشحة أنها (ثورة) على القصيدة العربية، لأنَّ ذلك يوُهم أنها نجحت فى هدم النظام الإيقاعى للقصيدة من جذوره والانفصام المطلق عنه، وهذا لم يقع! وإنما هى فيما أرى مجرد حركة تجديدية لا تتجاوز محاولة التنويع فى دائرة الوزن والقافية فى حدود نظام مُعَّين ومصطلحات جديدة حاول أصحابها الالتزام بها دون أن يتجاوزوا هذه الدائرة الإيقاعية إلى المضمون والمحتوى الفكرى من جهة، ودون أن يستطيعوا الانفلات المطلق من معطيات التقفية والإيقاع الموسيقى فى الشعر العربى من جهة أخرى كما سنرى، وظل هذا الفن يتطور على أيديهم حتى بلغ غاية نضجه وازدهاره عندهم، ثم انتقل إلى بلاد المشرق الإسلامى فعرفه شعراء مصر والشام، وشاركوا فى ممارسة إبداعه منذ القرن السادس الهجرى- الثانى عشر الميلادى- وإن غلب على المتأخرين منهم التكلف فى أدائه. ونتيجة لقبوله للغناء واتصاله الوثيق به تمثَّلتْ أبرز خصائصه الفنية فيما يأتى: ١ - يختلف عن فنون النظم الأخرى بالتزامه نظاما خاصا فى التقفية، وبخروجه على وحدة الوزن الموروثة فى القصيدة العربية. ٢ - وبخروجه على بحور الخليل أحيانا. ٣ - وبخلوه من الوزن تماما فى بعض الأحيان اكتفاءً بالتلحين الموسيقى الذى قد يقوم عندهم مقام الوزن الشعرى. ٤ - كما يختلف عن غيره باستعماله اللغة الدارجة أو الأعجمية فى بعض أجزائه. ٥ - وبتقسيمه إلى أجزاء اصطلاحية لا توجد فى غيره، وهى التى تشكل بناءه الموسيقى الجديد بعد أن تمَّ نضجه واكتمل استواؤه كما سيأتى. ولم يتضح معالم هذا البناء الموسيقى إلاّ بعد أن تجاوز هذا الفن الجديد مرحلتى نشأته وتطوره فى العهدين: المروانى ثم الطائفى. ودخوله عصره الذهبى فى العهدين: المرابطىِّ ثم الموحدىِّ حين انصرفت إلى نظمه جهود مجموعة من أعلام الشعراء فى القرنين السادس والسابع الهجريين- الثانى عشر والثالث عشر الميلادى- فى الأندلس من أمثال الأعمى التطيلى المتوفَّى سنة ٥٢٠ هـ/١١٢٦م، وابن بقىّ المتوفَّى سنة ٥٤٠ هـ/١١٤٥م، وابن باجة المتوفى سنة ٥٣٣ هـ/١١٣٨م، وأبى بكر محمد ابن عبد الملك بن زهر الحفيد المتوفى سنة ٥٩٥ هـ/١١٩٨م والشيخ محيى الدين بن عربى المتوفى سنه ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠م وأبى إسحاق إبراهيم بن سهل المتوفى سنه ٦٤٩ هـ/١٢٥١م ثم جاء ابن سناء الملك الشاعر والوشَّاح والناقد المصرى المتوفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١م فرصد لأول مرة معالم هذا البناء فى كتابه (دار الطراز فى عمل الموشحات) بصورته المكتملة الناضجة بالشكل الآتى: ١ - المطلع: وهو الجزء الأول من الموشحة ويُقابل مطلع القصيدة، ووجوده ليس شرطا لازما، بل يُذكر المطلع فى الموشحة وتسمَّى حينئذ (بالموشحة التامَّة) وقد يحذف فيسمى الموشح حينئذ (الموشح الأقرع) وأقل أشطار أى أجزاء المطلع اثنان، ويمكن أن تصل إلى ثمانية أشطار تُكتبُ أفقية أو عمودية. ٢ - الغصن: وهو الجزء الذى يعقب المطلع فى الموشح التام، ويبدأ به الموشح الأقرع، ويتكون من أشطر ثلاثة فأكثر موحدة القافية فى الغصن الواحد، ويتكرر الغصن خمس مرات فى غالب الأمر (وتتنوع قافيته كلما تكرر) (ويلتزم وزنا واحدا فى الموشحة كلها). ٣ - القفل: وهو الجزء الذى يتكرر فى الموشحة كلها متفقا مع المطلع (وزنا وقافية) وعدد أجزاء ويتكرر ست مرات فى (الموشح التام) وخمس مرّات فى (الموشح الأقرع) والمطلع فى كل موشح هو (القفل الأول) و (القفل الثانى) ما يلى (الغصن الأول) وهكذا تجد عقب كل غصن قفلا، ويلاحظ ضرورة الالتزام (بوحدة الوزن والقافية معا) فى جميع الأقفال. ٤ - الدُّور أو البيت: وهو فى أرجح الآراء مجموع كل غصن مع القفل الذى يليه وقيل غير ذلك، وواضح الفرق بين (البيت) فى الموشحة بالمعنى المذكور والبيت فى القصيدة الذى يتكون من شطرين هما الصدر والعجز تتكرر صورته من أول القصيدة إلى آخرها كما هو بدهىّ وتتوالى أبيات الموشحة لتصل إلى خمسة أبيات غالبا بينما لاحدّ لأكثر الأبيات فى القصيدة. ٥ - السِّمط: هو كل جزء أو شطر من أشطار الغصن، ولا يقل عددها فى كل غصن عن ثلاثة، وقد تزيد حسب رغبة الوشَّاح، وعددها فى الغصن الأول من الموشحة هو الذى يحدد عددها فى الأغصان الباقية، واشترطوا أن تكون أسماط كل غصن (موحدة القافية) فيما بينها، أما أسماط الأغصان الأخرى فلا يشترط فيها وحدة القافية مع سابقتها أو لاحقتها، هذا وقد يكون السمط مفردا أى من فقرة واحدة أو شطر واحد، وقد يكون مركبا من فقرتين أو أكثر، وعدد فقرات السمط الأول هو الذى يحدد فقرات بقية الأسماط كما أن قافية فقرات السمط الأول (يشترط توحيدها وتماثلها فى الأجزاء الداخلية فى كل سمط على حدة وإلاّ عِيب الموشح وسقطت فنيّته)، وكما يطلق السمط على أجزاء الغصن يطلق كذلك على أجزاء القفل وأشطاره. ٦ - الخرجة: وهى القفل الأخير من الموشح وهى ركن أساسى فى بناء الموشحة ولا يمكن الاستغناء عنها بينما يمكن الاستغناء عن القفل الأول، وهو المطلع فى (الموشح الأقرع) والأفضل فى الخرجة أن تخالف لغتها لغة بقية الموشحة لتتسع دائرة المتلقين لها من الطبقات الشعبية المختلفة، وذلك بأن تأتى عامية، أو أعجمية، أو فصيحة غير معربة، كما يقدم لها بما يمهد لورودها مثل: قالت وقلْتُ، وغنّى وغنَّيتُ وأنشد وأنشدت وتأتى على ألسنة صبيان أو نسوة، إلى آخر ما ذكره ابن سناء الملك فى كتابه (دار الطراز فى عمل الموشحات) (٣). وبالتتبع الموضوعى المنصف لمعالم التجديد فى البناء الموسيقى السابق يمكننا أن نلاحظ أمورا ثلاثة لابد من لفت الأنظار إليها، لصلتها الوثقى بمسيرة الشعر العربى فى ماضيه وحاضره ومستقبله جميعا: أولها: أنَّ اختراع الموشحات لم يكن- كما يتوهم بعض الحداثيين المعاصرين الذين انسلخوا عن تراث الأمة وماضيها العريق وثوابتها الباقية- لم يكن هدما للإيقاع الموسيقى فى الشعر العربى، ولا انفلاتا مطلقا من ضوابطه وقواعده، لأنَّ بناء الموشحة وإن اشتمل على حرية التغيير والتنويع فى الوزن والقافية من جانب إلاَّ أنَّ فيه- فى الوقت نفسه- تقيدا والتزاما بالتوحّد والتماثل من جانب آخر، سواء أكان ذلك فى الوزن أم فى القافية أيضا: (أ) أما على مستوى القافية: فتتمثل الحرية والتنويع فى الأغصان، حيث تغاير قافية كل غصن قافية بقية الأغصان. كما يتمثل الالتزام بالتوحُّدِ والتماثل فى الأقفال، حيث اشترطوا ضرورة أن تتحد قوافيها فى الموشحة كلها. (ب) وأما على مستوى الوزن: فتتمثل الحرية والتنويع فى جواز استخدام البحر الذى تصاغ على وزنه الموشحة فى عدة حالات من حالاته أى من حيث التمام والجزء والشطر، وبعبارة أكثر وضوحاً: يجوز فى الموشحة أن يكون بعض أشطارها من بحر على تفاعيله التامة، وأن تكون بعض الأشطار الأخرى من البحر نفسه، ولكن على تفاعيله المشطورة أو المجزوءة: فتأتى بعض الأشطار طويلة عديدة التفاعيل، وتأتى أخرى فى الموشحة نفسها قصيرة قليلة التفاعيل، وقد تأتى بعض الأشطار من بحر والبعض الآخر من بحر آخر. كما يتمثل الالتزام بالتوحد والتماثل فى وجوب أن يأتى كل جزء من الأجزاء المتماثلة فى الموشحة على وزن موحد، والأجزاء المتماثلة هى: الأغصان مع الأغصان، والأقفال مع الأقفال، فإذا جاء الغصن فى الفقرة الأولى على وزن معين يجب أن تأتى كل الأغصان على الوزن نفسه، وإذا جاء القفل الأول على طريقة خاصة من حيث طول الأشطار، وقصرها من بحر ما فيجب أن تأتى كلُّ الأقفال على الطريقة نفسها، وقد عرفنا سلفاً أن تلك الأقفال يجب أن توافق المطلع فى الوزن والقافية معا. ثانيها: أن الموشحات على الرغم ممَّا استحدثه من وفرة النغم وعذوبته ورشاقة الحركة الموسيقية وحيويتها وتنوع أجوائها الجديدة إلاّ أنَّ إيقاع القصيدة الموروث- المجسّم فى وحدة الوزن والقافية- ظلّ نظامه باقيا وله السلطان الأعلى فى عالم الشعر عند الأصلاء من المبدعين الموهوبين فى أمه العرب والإسلام إلى يوم الناس هذا، وذلك لارتباطه الوثيق بالذوق العربى الأصيل، وبطبائع الأمة وأعرافها وقيمها الصوتية والجمالية المتوارثة منذ أن ضبط الخليل بن أحمد أوتار هذه القيثارة لفن العربية الأول (الشعر). ثالثها: من أهم نتائج الوقوف على عنصرى هذا التجديد الذى يجمع فى وقت واحد بين الحرية والالتزام فى بناء الموشحة أنه يُسقط دعاوى الحداثيين المتشاعرين الذين ظنوُّ ظنَّ السَّوْءِ بالموشحة الأندلسية، وفهموا خطا أنها هِدْم للإيقاع الموروث، وانفلات "مطلق" من قواعده وضوابطه، واتخذوا من ذلك ذريعة إلى، فرض عجزهم على حركة الشعر العربى، الحديث حين تصوروا القاعدة قيدا. والضابط عائقا يحول بينهم وبين التحليق فى سماء الإبداع الشعرى، فتنادَوْا بالانفلات التام من وحدة الوزن والقافية ليحققوا التجديد الحر المنشود والتحليق المزعوم، ولكنهم سقطوا سقوطا فاضحا، وأخفقوا، إخفاقاً ذريعاً. والحقيقة التى لا محيد عن الاعتراف بها لدى كل منصف أن عجز هؤلاء الحداثيين الجدد، وضعف أجنحتهم عن التحليق فى سماء القصيدة العربية، هو المسئول عن سقوطهم، واكتفائهم بما يسمونه (بشعر التفعيلة) تارة و (بقصيدة النثر) تارة أخرى مما ترفضه بل تلفظه- عاجلا وآجلا- حركة التاريخ الأدبى لهذه الأمة. أ. د/ جلال حجازى

стр. 640

٦٨ - المُوَلَّد لغة: اسم مفعول من التوليد، بمعنى إخراج شىء من شىء آخر أصلى، يقال: تولّد الشىء من الشىء أى خرج منه، وقيل: هو المحدث من كل شىء. واصطلاحاً: هو من كان عربيا غير محض، والموَلّد من العبيد والجوارى هو من ولد بين العرب ونشأ مع أولادهم، يغذونه غذاء الولد، ويعلمونه من الأدب مثل ما يعلمون أولادهم. وقيل: المولدون هم جماعة من العجم ولدوا ونشأوا ونموا فى بلاد العرب أو العكس. والمولد من الكلام: هو اللفظ العربى أصلاً أو تعريبا، والذى يستعمله الناس بعد عصر الرواية إلى ما قبل العصر الحديث. وبذلك تستغرق فترة المولد من الألفاظ حوالى تسعة قرون، ثم تبدأ بعدها فترة الألفاظ المحدثة عند بداية عصر محمد على باشا فى مصر سنة ١٨٠٥ م حيث انفتحت اللغة على علوم العصر فى أوروبا. وقد ظهر هذا المصطلح مع الخلافة العباسية، إذ لم يكن انتقال الخلافة إلى العباسيين مجرد تغيير سياسى فقط، بل كان ثورة اجتماعية غيرت من صورة المجتمع العربى التى كان عليها أيام الأمويين إلى مجتمع إسلامى جديد تعيش فيه أمة إسلامية تضم عناصر بشرية جديدة ليست بعربية محضة، وقد استطاعت هذه العناصر أن تفرض نفوذها مما حدا بالجاحظ أن يصف الدولة الأموية بأنها عربية أعرابية، ويصف الدولة العباسية بأنها فارسية أعجمية. فقد شاع الإقبال المتزايد على الزواج من الأعجميات، ولما كان الإسلام لا يسمح بالزواج من أكثر من أربع فقد انطلق المجتمع فى التسرّى وامتلأت القصور بالإماء والمولدين من أبنائهن، وقد صاحب ذلك الكثير من الظواهر الاجتماعية التى لم تكن مألوفة بين العرب، وانعكس كل ذلك فى الأدب كمرآة لتلك المرحلة، ونتاج لها. كما شهدت الدولة العباسية أكبر نهضة ثقافية شهدتها الحضارة الإسلامية، وقد كانت الثقافة الفارسية من أهم الروافد التى غذت تلك النهضة، وكان من مظاهر التأثير الفارسى فى الثقافة الإسلامية تلك الألفاظ الفارسية التى استعارها العرب، وفى ازدهار حركة الترجمة، إضافة إلى هؤلاء الفرس الذين تعربوا، وهؤلاء العرب الذين أخذوا بحظ من الثقافة الفارسية، وقد ملأوا الدنيا علما وحكمة وشعرا ونثرا. وقد رسم العلماء حدودا مكانية وزمانية للعرب الأصليين الذين عنهم تنقل اللغة، وقد توسعوا فى الحدود المكانية، كما توسعوا فى الحدود الزمانية حيث بدأوا بالأخذ فى حدود المائة الأولى، ثم ما لبثوا أن أخذوا عن مصادر المائة الثانية، ثم امتدت حدود الزمان إلى آخر المائة الثالثة، باعتبار أن كل ما جرت به ألسنة العرب فى هذه القرون الثلاثة هو ما يصح أن يعتبر عربية أصيلة، وكل ما جاء بعد ذلك اعتبر من لغة المولدين، سواء ما أبدعته قرائح الشعر أو ما أسفرت عنه محاولات المترجمين، فيعد إذا ما خالف نهج الفصحى مولّدا غير أصيل. (هيئة التحرير)

стр. 641

٦٩ - الميراث لغة: انتقال الشىء من شخص إلى آخر بعد الوفاة، سواء كان الانتقال إلى وارث موجود، أو فى حكم الموجود كالجنين، كما فى القاموس (١). واصطلاحا: استحقاق نصيب فى تركة المتوفى، بسبب قرابة أو زوجية أو ولاء (٢). وأسباب الميراث المتفق عليها هى: القرابة والزوجية، ومن أدلة مشروعية الاستحقاق بسببهما: قول الله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ النساء:٧، وقوله سبحانه: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد .. ﴾ النساء:١٢، وما رواه ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر) متفق عليه (٣). ونظام الميراث فى الإسلام نظام إلهى، لا دخل للبشر فى ترتيبه الحقوق فيه، فهى مترتبة من قبل الشارع لكل من قام به سبب الإرث عند وفاة المورث، حيثه يعطى كل وارث نصيبه المقدر له إن كان من أصحاب الفروض، أو يأخذ الباقى من أصحاب الفروض إن كان يرث بالتعصيب. ولا يحرم من الميراث أحد ممن قام به سبب الإرث، إلا أن يكون قاتلا لمورثه أو مختلفا معه فى الدين. ولم يمنع الإسلام المرأة من الإرث كما هو الحال فى الشريعة اليونانية أو اليهودية أو الأعراف القبلية القديمة، ولم يمنع الإسلام الطفل أو حتى الجنين فى الرحم من الإرث، كما هو الحال فى الأعراف القبلية القديمة، حيث كان لا يعطى من التركة إلا الرجال الأقوياء، ولم يميز الإسلام عند توزيع الأنصبة فى الإرث بين الكبير والصغير، كما فى شريعة اليهود، حيث يعطى فيها الابن الأكبر للمتوفى ضعف ما يعطى الأصغر. ومن خصائص نظام الميراث الإسلامى: ١ - أنه نظام إجبارى فى حق المورث والوارث، فليس للمورث حرمان أحد من الميراث، وليس للوارث رد إرثه من قريبه، خلافا لبعض النظم التى تجعل حق الإرث اختياريا لكليهما. ٢ - حرصت الشريعة الإسلامية على حفظ حق الورثة فى مال قريبهم قبل موته، إذا مرض مرضا يسلمه إلى الموت، حيث منعته من التصرف فى ماله بما يضر بورثته أو يضيع حقوقهم فى ماله، بعد أن تركت له الحرية المطلقة فى التصرف فى ثلث هذا المال. ٣ - وقد جعلت الشريعة الإسلامية تركة الميت لأحب الناس إليه، وأكثرهم صلة به، وتعاونا معه فى حال حياته. ٤ - وجعلت التوارث داخل نطاق الأسرة الواحدة، بما يحقق الترابط بين أفرادها. ٥ - وجعلت أساس تقديم بعض الورثة على بعض: قوة القرابة، وشدة الصلة بالميت، واتصال المنافع بين الوارث والمورث. ٦ - اعتبرت الشرعية الإسلامية الحاجة هى أساس التفاضل فى الميراث عند الاتفاق فى سبب الاستحقاق، ولهذا جعلت نصيب البنت نصف نصيب أخيها الذكر، لأن حاجته إلى المال أشد من حاجتها إليه، ومطالب الحياه وتبعتها بالنسبة له أكثرمنها. ٧ - ونظام الميراث فى الإسلام يحول درن جميع الثروة فى يد واحدة على حساب الآخرين، ويؤدى إلى تفتيت الثروة على أكبر عدد من المستحقين للتركة، فيستفيد من خيرها طائفة كبيرة من أقارب الميت. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 642

٧٠ - الميزان لغة: الآلة التى توزن بها الأشياء. والسنجة من الحجارة والحديد ونحوها. والمقدار. ويقال: اعرف لكل امرئ ميزانه. والعدل (١). واصطلاحاً: جاءت مادة الميزان فى القرآن الكريم فى خمسة عشر موضعا نذكر منها: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ (الرحمن ٧) أى بالعدل. ﴿فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ (الكهف ٦٠) أى قدرا، ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ (٢) (الأعراف ٨) وموازينه أى مقادير عمله الصالح. والميزان عند الفلاسفة ( CRITARION) ما تقدر به الأشياء، أو تقوم به الأعمال فهو شارة أو علامة ظاهرة، تسمح بمعرفة الأشياء والأفكار والحكم عليها وقد تكون هذه الشارة باطنة يكشف عنها بالملاحظة والتجربة أو بالنظر والتأمل. وهناك أيضا علم الموازين Criteriology وهو قسم من المنطق يبحث فى موازين الأحكام ويسمى الغزالى المنطق كله "علم الميزان " (٣) وقالوا: (الميزان) علامة ظاهرة أو باطنة بها تبين الأشياء والمعانى (٤) وكلمة الميزان يوظفها الغزالى فى كتابه الموسوم "ميزان العمل " ليوضح أن السعادة عند المحققين من الصوفية بالعلم والعمل معاً (٥). ا. د جمال رجب سيدبى

стр. 643

١ - النَّار لغة: عنصر طبيعى فعَّال، يمثله النور والحرارة المحرقة، وتطلق على اللهب الذى يبدو للحاسَّه، كما تطلق على الحرارة المحرقة. ويقال استضاء بناره: استشاره وأخذ برأيه. وأوقد نار الحرب: أثارها وهيَّجَها. (١) واصطلاحا: مما لا ريب فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان الآن، وأن الله خلقهما قبل خلق أهليهما، وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان أبدا. (٢) قال الله تعالى عن الجنة ﴿أعدت للمتقين﴾ (آل عمران ١٣٣)، وقال ﴿أعدت للذين آمنوا بالله ورُسله﴾ (الحديد ٢١). وقال عن النار ﴿أعدت للكافرين﴾ (آل عمران ١٣١)، وقال ﴿إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا﴾ (النبأ ٢١، ٢٢). ولقد عرض القرآن الكريم لموضوع النار، فى آيات كثيرة ومتنوعة (٣)، والحديث عن النار يدخل فى باب السمعيات بلغة علم الكلام، وهى وسيلة من وسائل الترهيب للتذكير بعذاب الآخرة، علّى طريقة القرآن فى عرض حقائق الغيب والآخرة، كمشاهد حية شاخصة تؤثر فى نفسية المسلم (٤). وأحيانا يعرض السياق القرآنى للنار فى مقابل الجنة فى الآية الواحدة، حتى يحدث التوازن النفسى بين الترهيب والترغيب لمتلقّى القرآن ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير﴾ (البروج ١٠،١١). وجاءت السنة الصحيحة، لتذكِّر بالترهيب من النار يوم القيامة فى أحاديث عديدة، نذكر منها: عن أسامة بن زيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتندلق أقتابه (يعنى أمعاء بطنه) فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: "كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه " قال: وإنى سمعته يعنى النبى ﷺ : يقول " مررت ليلة أسرى بى بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء أمتك يقولون مالا يفعلون " (رواه البخارى ومسلم). وقالت الماتريدية فى الجنة والنار بما دلت عليه النصوص من وجودهما وبقائهما، وكما ذهب الإمام البزدوى (من الماتريدية)، إلى أن الجنة والنار أعدتا، والإعداد هو الادخار، وهو تهيئة الشيء لأمر، .. قال عامة أهل القبلة: إن الجنه والنار لاتبيدان، فأهل الجنة يتنعمون أبدا وأهل النار يعاقبون أبداً (٥) وذهبت فرقة الكينوية، إلى أن الأصول ثلاثة: النار، والأرض، والماء، وإنما حدثت الموجودات من هذه الأصول دون الأصلين اللذين أثبتهما الثنوية. وقالوا: النار طبعها خيرة، نورانية. والماء ضدها فى الطبع، فما كان من خير فى هذا العالم فمن النار، وما كان من شر فمن الماء، والأرض متوسطة. وهم يتعصبون للنار تعصبا شديدًا من حيث إنها علوية، نورانية، لطيفة، لا وجود إلا بها، ولا بقاء إلا بإمدادها، والماء يخالفها فى الطبع فيخالفها فى الفعل، والأرض متوسط بينهما. فتركيب العالم من هذه الأصول. (٦) ولقد شغلت " النار" فلاسفة الإغريق وبشكل خاص عند هيراقليطس، لقد كانت النار أساس تفسيره واستنتاجاته لقضية الوجود، فنظر إلى التغير والتحول السارى فى أرجاء الكون، ولم يجد أمامه سوى عنصر النار لتفسير هذا التحول والتغير. فكل شيء فى الوجود- من وجهة نظره- فى تحول وسيلان كالحلم واليقظة، الحياة والموت، الحار والبارد، الرطب واليابس، والليل والنهار، الصيف والشتاء، فالنار أصل كل شيء، وإليها يرد كل شيء، وهى مبدأ طبيعى وميتافيزيقى عند هيراقليطس. (٧) وعرّف فلاسفة الإغريق العناصر الأربعة الماء، الهواء، النار، التراب حتى جاء العلم الحديث واكتشف خطأ هذا الآراء. أ. د/ جمال رجب سيدبى ١ - المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية٢/ ١٠٠ ٢ - الماتريدية دراسة وتقويما، د/ أحمد بن عوض الحربى ص ٤٢١: دار الصميعى ٣ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقى من٧٥٣ - ٧٢٥. ٤ - مشاهد القيامة فى القرآن سيد قطب: دار المعارف ٥ - أصول الدين للبزدوى ص ١٦٥، ١٦٦ نقلا عن د. أحمد بن عوض الحربى، السابق ص ٤٢٢. ٦ - الملل والنحل الشهرستانى ٢/ ٥٨ ٧ - انظر هيرا قليطس وأثره فى الفكر الفلسفى. د .. على سامى النشار: الناشر دار المعارف بمصر.

стр. 644

٢ - النبوة لغة: النبوة والنباوة الارتفاع، أو المكان المرتفع من الأرض. و"النبى": العلم من أعلام الأرض التى يهتدى بها، ومنه اشتقاق "النبى" لأنه أرفع خلق الله، وذلك لأنه يهتدى به. النبأ: الخبر، يقال: نَبِأ، ونَبأ وأنباء: أخبر، ومنه: النبى، لأنه أنبأ عن الله. "النبوءة" و"النبوة": الإخبار عن الغيب، أو المستقبل بالإلهام، أو الوحى. واصطلاحا: عرف الإنسان منذ القدم كلمة: "النبوة"، فقد وجدت فى جميع اللغات واللهجات، غير أن استعمالاتها تعددت وتنوعت، ففى اليونانية القديمة كانت تطلق على المتكلم بصوت جهورى، أوعلى من يتحدث في الأمور الشرعية، وعند الفراعنة كانت تطلق علي كهنة آمون، كما أطلقت على "إيزيس" في مصر القديمة، وعلى زرابيس فى روما، وكلاهما لايخرج عن هذا المعنى. لم يقتصر الأمر على إطلاقها على من يعمل فى الحقل الدينى، بل أطلقت أيضا على السحرة والمنجمين، وكذلك على من اختل عقلهم، وضعف تفكيرهم، فأتوا من الأعمال ما لايفهمه العقلاء، وقد ذكر علماء مقارنة الأديان عدة أنواع من النبوات، منها: نبوة السحر، ونبوة الرؤيا والأحلام، ونبوة الكهانة، ونبوة الجذب، أوالجنون المقدس، ونبوة التنجيم. وكانت كلمة النبوة عند بنى إسرائيل تفيد معنى الإخبار عن الله، ولذا كانت تطلق على من يتخرجون من المدارس الدينية، حيث كانوا يتعلمون فيها تفسيرشريعتهم، كما كانوا يدرسون أيضا الموسيقى والشعر، لذا كان منهم شعراء ومغنون وعازفون على آلات الطرب، وبارعون في كل مايؤثر فى النفس ويحرك الشعور والوجدان، ويثير رواكد الخيال. ومن المسلم به أن خريجى هذه المدارس لم يكونوا على درجة واحدة من الصفاء الذهنى، والإدراك العقلى، كما لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من التقوى والصلاح، ولذا لم تفرق الكتب المقدسة قبل الإسلام فى حديثها عن الأنبياء بين من يتلقون الوحى من الله، وبين من يدرسون شريعة الله ويشرحونها للناس، فجاء حديثها - أحيانا - عن أنبياء كذبة، إذ نجد فى سفر أشعياء حديثا عن النبى الكذاب، حيث يقول: "الشيخ المعتبر هو الرأس والنبى الذى يعلم بالكذب هو الذنب (٩ - ١٥)، ويقول متى: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون، ويضلون كثيرين" (٢٤ - ١١)، ويقول لوقا: "لأنه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكذبة" (٦ - ٢٦)، ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم النبى الكذاب. وحين نزل القرآن الكريم على محمد ﷺ حدد معنى كلمة "النبوة"، فوضح أن النبى هو مانزل عليه وحى الله وأمر بتبليغه للناس، فهو ليس ساحرا، لأن الفلاح لايكون حليفه، يقول تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ طه:٦٩، كما أن مايبلغه عن ربه ليس شعرا، يقول تعالى: ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ماتؤمنون﴾ الحاقة:٤١، فلا ينبغى أن يقرن النبى بالشاعر، أو بمن يلقى الكلام بصوت جهورى، كما كان ذلك معروفا عند اليونان، كما أنه ليس كاهنا كما كان معروفا عند قدماء المصريين، إذ نص القرآن الكريم عنه هذه الصفة، فقال تعالى: ﴿ولابقول كاهن قليلا ماتذكرون﴾ الحاقة:٤٢. فإذا بين القرآن الكريم أن النبى ليس شاعرا ولاكاهنا، فالأولى أن ينفى عنه وصفا كان يطلقه بعض الناس على المشعوذين باسم الدين، وهو الجنون المقدس، فقال تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ القلم:٢، أى ما أنت بهذا الذى نزل عليك من الله بواحد من هؤلاء الذين كانوا يعرفون بين الناس بأنهم "مجاذيب"، أو لديهم "جنون مقدس". وأخيرا لست ممن يتخذون العرافة والتنبؤ بالغيب حرفة لهم، فلا يلتبس ما تبلغه عن الله بكلام من يدعون أنهم يعرفون الغيب، يقول تعالى: ﴿فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين﴾ يونس:٢٠، ويقول: ﴿وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو﴾ الأنعام:٥٩، ويقول: ﴿قل لا أقول لكم عندى خزائن الله، ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك، إن أتبع إلاما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ الأنعام:٥٠. وبهذا فرق الإسلام بين النبوة الإلهية، وبين ملابساتها من الكهانة، والعرافة، والقيافة، والفراسهة، كما أنه حدد استعمالات الكلمة، فلا تطلق إلا على من نزل عليه الوحى من الله، فلم يعد من المستساغ عقلا، ولا من الجائز شرعا أن تطلق على الكهنة، أو على من يدرسون الشريعة ويعلمونها للناس، بالتالى لا تطلق على السحرة والمنجمين، ولاعلى المجانين والمشعوذين فى طريق الدين، فلم يبق من الاستعمالات القديمة لكلمة "النبوة" إلا إطلاقها على أصحاب الرؤيا الصالحة، التى تكون مقدمة وإرهاصا لنزول الوحى على من اختصه الله بهذه الرؤيا، كما حدث ليوسف ﵇، يقول الله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ يوسف:٤. أ. د/محمد شامة

стр. 645

٣ - النثر لغة: يقال: نثر الكلام: أكثره (١) وَتْثرُكَ الشيء بيدك تَرمى به متفرقا، ورَجُل نَثِر: بيّن النثر كثير الكلام (٢) والنّثُرة: المرة من نَثَر: القطعة من النثر، خلاف النظم من الكلام (٣) واصطلاحا: هو ذلك النوع من الكلام الخارج عن إطار الشعر المنظوم فى قوالب فنية مع مراعاة أوزانه وقوافيه، فكأن الشعر المقيد بهذه الأوزان والقوافى يكون أقل كلاما، وفى إطار يجعله منظوما كالعقد تنتظم حباته .. أما الكلام المنثور، فلعدم تقيده بهذا النظام، فإنه يمكن الإكثار منه من ناحية، كما يمكن أن تتناثر ألفاظه وتتفرق بطريقة يختلف بها عن طريقة الشعر المنظوم. وهذا لا يعنى ابتعاد الكلام المنثور عن فنّية التعبير، حيث يمكن أن تصاغ الكلمات والأساليب بطريقة فنية بارعة، لا تقل براعة عن الشعر المنظوم. وقد حفل الأدب العربى منذ القدم بروائع من الكلام المنثور، تتمثل فى الخطب، والوصايا والحكم، والأمثال، وكذلك الرسائل (الديوا نية والإخوانية)، والقصص والمقامات .. ومن أمثلة النثر الجاهلى ما قاله عامربن الطرب العدوانى حين سئل: (من أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطى شكر، وإذا مُنع عذر، وإذا مُطل صبر، وإذا قدم العهود ذكر، فقيل له: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرُب مَنَح، وإن بعد مَرَح، وإن ظلِم صفح، وإن ضويق سمح، قيل له: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فاذّكر، ونظر فاعتبر، ووُعظ فازدجر) ٠٠ (٤) ومع تنوع الفنون النثرية فى الأدب العربى منذ القديم، فإن النثر فى الأدب العربى الحديث قد تفتحت أمامه آفاق أخرى جديدة فتتمثل فى فن المسرحية وفن المقال بأنواعه السياسية، والاجتماعية، والأدبية. أ. د/ صلاح الدين محمد عبد التواب

стр. 646

٤ - النَّذْر لغة: ما أوجبه الإنسان على نفسه، كما في القاموس (١). واصطلاحا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع (٢). فالشىء المنذور لم يوجبه الشارع على المكلف ابتداء إلا أن المكلف ألزم نفسه به فصارلازما عليه، ووجب عليه الوفاء به شرعا، إن كان يمكنه الوفاء به، كالصيام والصدقة والعمرة والاعتكاف. وأكثر الفقهاء على أن الالتزام بالنذر مشروع، ولكن على خلاف بينهم فى صفة مشروعيته فى عدم استحبابه لحديث ابن عمر عن النبى ﷺ (إنه لا يأتى بخير؟ إنما يستخرج به من البخل) (رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر) (٣). ومن الأدلة على مشروعيته قول الله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ الحج:٢٩، وقوله تعالى سبحانه فى وصف الأبرار ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾ الإنسان:٧، وما روته عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) رواه البخارى عن عائشة (٤). وللنذر أنواع سبعة: ١ - نذر اللجاج: وهو الذى يمنع الناذر فيه نفسه من فعل شىء، أويحملها على فعله بالتزام قربة، كقوله: إن كلمت فلانا فعلى صوم. ٢ - نذر الطاعة وهو الذى يلتزم فيه الناذر بطاعة الله سبحانه، سواء كانت عبادة كالصدقة، أو قربة غير مقصودة كعيادة المرضى. ٣ - نذر المعصية وهو الذى يلتزم فيه الناذر معصية الله تعالى، كنذر شرب الخمر. ٤ - نذر المباح وهو التزام الناذر بما لم يرغب فيه الشارع كنذر النوم. ٥ - نذر الواجب وهو التزام المكلف بأداء ما أوجبه الشارع عليه عينا كصوم رمضان، أو أداء ما أوجبه عليه على الكفاية، كتعلم الطب. ٦ - نذر المستحيل وهو التزام ما يحيل الشرع أو العقل تحققه، كنذر صيام الليل وهو ما يحيل الشرع، أو يحيل العقل تحققه كنذر صيام أمس. ٧ - النذر المبهم وهو الذى لم يسم مخرجه العمل الذى يلتزم به بالنذر كقوله: لله على نذر. وليس كل نذر ألزم الإنسان نفسه به يجب عليه الوفاء به، فإن النذر إن كان فى طاعة الله تعالى وأمكنه الوفاء به لزمه ذلك، وأما إن كان فى معصية فلا يجب الوفاء به، لأنه لايصح، لحديث عائشة السابق، وكذلك إن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر لم يلزمه الوفاء به، بل يكفر عنه ككفارة اليمين، لما روى عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: (من نذر نذرا لم يطقه، فكفارته كفارة يمين) رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 647

٥ - النسب لغة: القرابة، ويختص بالقرابة من جهة الآباء كما فى مقاييس اللغة (١) واصطلاحا: اتصال شخص بغيره، لانتهاء أحدهما فى الولادة إلى الآخر، أو لانتهائهما إلى ثالث على الوجه الشرعى (٢). ولقد حرص الإسلام على حفظ الأنساب عن الاختلاط، وجعله من مقاصد الشارع الضرورية ولهذا حرم الزنا، لما يترتب عليه من اختلاط، فقال تعالى: ﴿ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل﴾ الإسلراء:٣٢، كما حرم انتساب المرء إلى غير أبيه سواء كان بالادعاء أو التبنى أو غيرهما، فقال سبحانه ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ الأحزاب:٤، وقال تعالى ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم﴾ الأحزاب:٥. وروى عن سعد بن أبي وقاص أن النبى ﷺ قال: (من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) (رواه البخارى ومسلم عن سعد بن أبى وقاص) (٣) ورورى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله فى شىء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجبا الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) (رواه ابن حبان عن أبى هريرة) ٠ (٤). ونظرا لاهتمام الإسلام بانتساب كل إنسان إلى من كان سببا فى وجوده، توسع فقهاء الإسلام فى أسباب ثبوت النسب، فذكروا أنه يثبت: ١ - بولادة الطفل على فراش الزوجية الصحيحة. ٢ - الإقرار بالبنوة. ٣ - الشهادة على ذلك. ٤ - نكول المدعى عليه عن اليمين. ٥ - اليمين المردودة على المدَّعِى عند نكول المدعى عليه. ٦ - القيافة، وذ لك بتتبع العلامات الموجودة فى شخصين للوصول إلى إثبات القرابة بينهما. ٧ - القرعة بين المتنازعين على نسبة مولود لهما عند تساوى بيناتهما بنسبته. ٨ - يثبت بحكم القاضى إذا ثبت عند نسبة الولد إلى رجل بعينه. ٩ - التحكيم عند اختلاف المدعين فى هذه النسبة. وقد جعل الشارع الإنسان إلى من كان سببا فى ولادته من العدل، لذا يقول الحق سبحانه ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ وهو يدل على أن انتساب الإنسان إلى غير أبيه من الجور. ولقد كان قدماء الرومان يجيزون للرجل الاعتراف بمن يشاء من أولاده، وإنكار من يشاء حسب رغبته، وكانوا هم والبيزنطيون والأقباط والروس ينكرون الولد وينفونه، إذا لم يعجبهم أو لا يشبه أفراد العائلة. وكان قدماء الرومان واليونان يهدرون نسب المرآة بعد زواجها حيث تلحق بنسب عائلة زوجها، ومازال هذا معمولا به فى كثير من دول الغرب حتى الآن. وقد ساد فى الجاهلية انتساب الإنسان إلى غير أبائه، وذلك بالتبنى أو الاستحاق أو الموالاة، فأبطل الإسلام ذلك كله وحرمه. وحفظ النسب الذى رسمه الإسلام، يحقق الانتماء إلى الأسرة، والترابط بين أفرادها. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 648

٦ - النسبي لغة: النسبة الصلة أو القرابة. والنسبة (فى الرياضة) نتيجة مقارنة إحدى كميتين من نوع واحد بالأخرى. والنسبة: المقدار المنسوب. ويقال: يضاف هذا إلى هذا بنسبة كذا: بمقدار كذا. ويقال بالنسبة إلى كذا: بالإضافة إليه. والنسبة المئوية: مقدار الشىء منسوبًا إلى مائة. (١) واصطلاحا: يرتبط مصطلح النسبى بالعديد من المصطلحات الأخرى، مثل المطلق فى مجال الميتافيزيقا، والنسبى يرتبط بأحد المذاهب الفلسفية، أى أن كل معرفة إنسانية فهى نسبية، سواء من ناحية الأخلاق أو المعرفة فى حد ذاتها، كما أن المصطلح يقيم علاقة بين نسبة الألفاظ إلى المعانى، كالألفاظ المشتركة، كما أن المصطلح ارتبط (بمعنى ما) بالعلم الحديث بظهور نظرية النسبية، وتغير مفاهيم الزمان والمكان، وسنشير إلى تحليلنا لهذا المصطلح من هذه الزوايا. فالنسبى ( Relative) مقابل المطلق: ١ - فإذا دلّ المطلق على الموجود فى ذاته وبذاته، دل النسبى على ما يتوقف وجوده على غيره (٢) ٢ - النسبية الأخلاقية: ( Relativism Moral) مذهب من يقرر أن فكرة الخير والشر تتغير بتغير الزمان والمكان، من غير أن يكون هذا التغير مصحوبًا بتقدم معين. ٣ - نسبية المعرفة: المقصود بنسبية المعرفة أن المعرفة الإنسانية نسبة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وأن العقل الإنسانى لا يحيط بكل شيء، وإذا أحاط ببعض جوانب الأشياء صبَّها فى قوالبه الخاصة. (٣) ٤ - ويرتبط النسبى من جانب آخر بالمطلق، فالمطلق، ( Absoluta) لغة: ما كان بلا قيد ولا وثاق. واصطلاحا: (أ) فى المنطق: ما لا يتوقف إدراكه على غيره ويقابل المضاف. (ب) فى الأخلاق والسياسة: ما لا يحده حد ولا يقيده قيد، ومنه الخير المطلق والسلطة المطلقة. (جـ) فى الميتافيزيقا: لا يفتقر فى تصوره ولا فى وجوده إلى شيء آخر، ومنه الوجود المطلق. (٤) ٥ - يرتبط النسبى بنسبة الألفاظ إلى المعانى- كما أوضح الإمام الغزالى .. اعلم أن الألفاظ إلى المعانى على أربعة منازل: المشتركة والمتواطئة والمترادفة والمتزايلة. أما المشتركة: فهى اللفظ الواحد الذى يطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة،. إطلاقًا متساويا. كالعين تطلق على (العين الباصرة) و (ينبوع الماء) و (قرص الشمس).- وأما المتواطئة: فهى التى تدل على أعيان متعددة، بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم (الإنسان) على (زيد) و (عمرو) ودلالة اسم (الحيوان) على (الإنسان) و (الفرس) و (الطير)، لأنها متشاركة فى معنى الحيوانية. - وأما المترادفة: فهى الأسماء المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت حد واحد كالخمر والرّاح والعقار، فإن المسمى بهذه يجمعه حد واحد. وهو (المائع المسكر المعتصر من العنب) والأسماء مترادفة. - وأما المتزايلة: فهى الأسماء المتباينة التى ليس بينها شيء من هذه النسب، (الفرس) و (الذهب) و (الثياب) فإن ألفاظها مختلفة، تدل على معان مختلفة بالحد والحقيقة. (٥) ٦ - كما انتهى أينشتاين فى نظريته النسبية إلى نسبية المكان والزمان والحركة ولاشيء منها مطلق (٦). ٧ - ومصطلّح إضافة ( Relation) إحدى مقولات أرسطو وهى النسبة العارضة لشيء بالقياس إلى شيء آخر كالأبوة بالنبوة،. وهى أيضا إحدى المقولات الأساسية عند كانطا (٧).فمصطلح النسبى (الإضافى) - كما قلنا- له مدلوله فى الفلسفة واللغة والعلم. أ. د / جمال رجب سيدبى

стр. 649

٧ - النسخ لغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أى أزالته (لسان العرب) (١). واصطلاحا: عرف النسخ فى اصطلاح الأصوليين بتعريفات كثيرة، فعرفه البيضاوى بأنه: بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه (٢). وعرفه ابن الحاجب بأنه: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر (٣). ومعنى تعريف البيضاوى: (٤) أن الحكم الشرعى مُغيا عندالله تعالى بغاية، أو محدد بوقت معين، فإذا جاءت هذه الغاية أو حل الوقت المعين انتهى الحكم لذاته. ومعنى تعريف ابن الحاجب: (٥) رفع تعلق الحكم الشرعى بأفعال المكلفين لارفعه هو، فإنه أمر واقع، والواقع لايرتفع. وللنسخ فى الشريعة الإسلامية حكمة عظيمة: ففيه حفظ لمصالح العباد فى وقت الرسالة، لانتقال المسلمين من فوضى الجاهلية إلى نظام الإسلام، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، لأنهم لايطيقون ذلك، بل سلك بهم طريق تشريع الحكم الملائم لحالهم أول الأمر، فإذا أذاقوا بشاشته وألفوا الخروج على ما تعودوه بترويض أنفسهم لذلك جاء حكم آخر. لذا نجد النسخ قد يكون من الأخف إلى الأشد، وقد يكون من الأشد إلى الأخف، وهذا تمشيا مع المصلحة، فإذا كانت المصلحة فى تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وعموما ففى النسخ رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم (٦). وأركان النسخ أربعة: (٧). ١ - النسخ: وهى الرواية والمعنى الحاصل بالمصدر "الارتفاع" أى ارتفاع الحكم. ٢ - الناسخ: وهو الله سبحانه حقيقة، وتسمية الدليل ناسخا مجاز. ٣ - المنسوخ: وهو الحكم الذى انقطع تعلقه بأفعال المكلفين فيما يستقبل من الزمن. ٤ - المنسوخ عنه: وهو المكلف الذى رفع عنه التكليف بالحكم المنسوخ، ووقع عليه بالحكم الناسخ. وأكثر أهل الفقه والأصول على جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، إلا ما نقل عن أبى مسلم الأصفهانى فقد منع وقوعه وإن قال بجوازه عقلا. وذهب كثير من المحدثين إلى عدم وقوعه فى القرآن الكريم وإن وقع فى السنة المشرفة (٨). أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا وذلك فى قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ البقرة:٢٤٠. ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما فى قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ البقرة:٢٣٤، قد نسخت هذه الآية الآية المتقدمة. وللنسخ شروط منها ما هومتفق عليه، ومنها ما هومختلف فيه (٩). أما الشروط المتفق عليها بين العلماء فهى: ١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيا، لأن الأمورالعقلية التى مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ، وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات. ٢ - أن يكون النسخ بخطاب شرعى لا بموت المكلف، لأن إرتفاع الحكم بالموت سقوط تكليف لانسخ. ٣ - أن يكون الحكم السابق مقيدا بوقت معين. ٤ - أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ، فإن المقترن بالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا. وأما الشروط المختلف فيها فكثيرة منها: ١ - أن لا ينسخ القرآن إلا بقرآن، ولا سنة إلا بالسنة. ٢ - أن يكون الناسخ مثل المنسوخ فى القوة، أو أقوى منه لا دونه، فلا ينسخ القرآن بالآحاد، لأن الأقوى لا يفسخه ضعيف. ٣ - أن يكون الفعل المراد نسخه قد دخل وقته وتمكن المكلفون من امتثاله، فلا يجوز نسخ العقل قبل التمكن من الامتثال. ٤ - أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ، مقابلة الأمر للنهى، والمضيق للموسع. ٥ - أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين. ٦ - أن يكون النسخ ببدل مساو، أو بما هو أخف منه. ٧ - أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لايدخله الاستثناء والتخصيص. والراجح أنه لا اعتبار لهذه الشروط، وإن كان قال بكل واحد منها فريق، فهناك فريق آخر قال بضده، ولايحتج بقول على قول، تعقيب: على أن مسألة النسخ كانت مثار خلاف شديد بين من يثبتونه على ما ورد بصدد هذه الدراسة. لكن من ينكرونه يستندون إلى ملاحظات جديرة بالاعتبار منها: ١ - أن من بعض أوصاف القرآن فى القرآن - آية ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ هود:١. والإحكام ينافى النسخ. ٢ - أن تفسير"النسخ" قد يوهم ما لا يتفق وإحكام الحق ﵎ لكتابه، كما ينافى مما قد يقع فى الوهم منافيا لجلال الله من تردد أو ارتياب فيما يحكم به، فيكون نسخه وتعديله. ٣ - بعض العلماء ومنهم الاستاذ الدكتور محمد البهى ﵀ على ما حدثنى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف من أن الدكتور البهى تتبع لفظ الآية فى القرآن، فوجد أن كل ما ورد عن الآية فى القرآن جاء بلفظ الجمع (آيات) إلا آية النسخ هذه، ومن ثم يرجح أن تكون بمعنى العلامة أو لآية كونية (٩). والله أعلم أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 650

٨ - النَّسِيب لغة: يقال: نَسَبَ بالنساء: شَبّبَ بهن فى الشعر وتغزل، ويقال: هذا الشعر أنسب من هذا، أى أرق نسيبا، وقيل: النسيب: رقيق الشعر فى النساء، كما فى اللسان (١). والحديث عن المرأة، والتعريض بهواها وحبها فى الأدب العربى لا يخلو منه شعر فى القديم أو فى الحديث، كما اشتهر كثير من الشعراء، ووضعت لهم دراسات أدبية خاصة بشعر وشعراء الغزل والنسيب (٢) تُبْرز مدى ما فى هذا النوع من الشعر من خصائص فنية، أبدع فيها الشعراء على مر العصور. ومن أمثلة النسيب فى شعر الجاهليين: حديث عنترة بن شداد العبْسى عن ابنة عمه عبلة، فى قوله (٣) إذا رشَقَتْ قلبى سهامُ من الصَّدّ وبدَّل قُربى حادثُ الدَّهر بالبُعْد لبستُ لها درْعًا من الدّهر مانعاً ولاقَيْتُ جيْشَ السوْق منفردا وحدى وَبِتُّ بطيف منك يا عَبْلُ قانِعا ً ولو بات يسْرى فى الظلام على خدّى فبالله ياريح الحجاز تنفسِى على كبد حَرَّى تذوب من الوَجْد ويَعُدّ الكثير من النقاد نسيب الشاعر الأموى (جرير) من أرق ما قيل فى هذا الباب، ومنه قوله: إن العيون التى فى طرفها حَوَر قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيين قَتْلانا يَصْرَعْنَ ذا اللُّبَّ حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا وفى رواية العقد الفريد: إن العيون التى فى طرفها مَرَضُ قَتَلْنَنَا ثم لم يٌحْيينَ قَتْلانا يصرَعْن ذا الحْلِم حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا (٤) أ. د/ صلاح الدين محمد عبد التواب

стр. 651

٩ - نشأة الرسول الحديث عن نشأة الرسول ﷺ يشمل المدة من مطلع حياته حتى زواجه من السيدة خديجة رضى الله عنها وعمره خمس وعشرون سنة، وهى مدة تمتد بالتاريخ والميلادى من سنة ٥٧١م إلى ٥٩٥م، وفى هذا النطاق نسجل الأحداث التالية التى تصور بإيجاز هذه النشأة: ولد الرسول ﷺ يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل من أبوين كريمين هما عبدالله بن عبدالمطلب، والسيدة آمنة بنت وهب، وقد توفى والده ومحمد ﷺ لايزال جنينا فى بطن أمه. ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبدالمطلب أن ولد لك غلام (حفيد) فأسرع إلى البيت، وأخذه ودخل به الكعبة وأخلت يدعو الله، ويشكرله ما أعطاه، ومما روى فى ذلك أن عبدالمطلب أنشد أرجوزة مطلعها: الحمد لله الذى أعطانى هذا الغلام الطيب الأردان وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة ذؤيب، وقد امتلأ ثدياها، باللبن بعد أخذه، ونالها خير كثير، وانتقلت حياتها من العسر إلى اليسرويذكرابن إسحاق أن الرسول ﷺ كان لايقبل إلا على ثدى واحد، وكأنه فطر على أن يدع الثدى الثانى لأخته من الرضاعة. لما تمت رضاعته عادت به حليمة إلى أمه، بعد سنتين، وبينما كانت تحرص على أن تعود به لمنازل بنى سعد، لمارأت فى وجوده عندها بى من الخير وتقول حليمة: كلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابنى عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه واء مكة .. ولم تزل بها حتى ردته معها، حدثت أحداث عند حليمة تتصل بمحمد ﷺ خافت حليمة عليه وأعادته، وقد رعى محمد ﷺ الغنم فى صحبة إخوته من الرضاعة. توفيت أمه السيدة آمنة وهو فى السادسة من العمر، وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة، فقد كانت قدمت به على أخوال أبيه من بنى النجار، فماتت وهى راجعة إلى مكة، فتولى جده عبدالمطلب الإشراف عليه ورعايته. يقول ابن إسحاق: إنه كان لعبد المطلب جد الرسول ﷺ فراش يوضع له فى ظل الكعبة وكان أبناء عبدالمطلب يتلسون حول هذا الفراش، ولكن محمدا ﷺ جلس على وهذا الفراش وهو دون الثامنة، فأراد أعمامه أن يؤخروه، فقال لهم عبدالمطلب: دعوا ابنى إن له شأنا وأجلسه معه على الفراش. توفى عبدالمطلب ومحمد ﷺ فى الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب الذى كان الشقيق الوحيد لعبدالله والد الرسول، ومع أبي طالب واصل محمد ﷺ الرعى لغنم عمه، ولما اشتد عوده عمل فى تجارة عمه. وكان محمد ﷺ وهو يرعى الغنم يعنى بأغنامه عناية كبيرة فى مرعاها وسقيها، وإذا ولدت شاة أو مرضت اهتم بها كل الاهتمام، فكثرت بذلك أغنامه، حتى كان بعض الناس يطلبون من أبى طالب أن يضموا أغنامهم لأغنامه لتنال عناية محمد ﷺ ولتنمو وتكثرة ولذلك سمى "الأمين". وحفظه الله من أى انحراف، وروى عنه أنه قال: (لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض مايلعب به الغلمان، وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره، فجعله على كتفه ورقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمنى لاكم - ما أراه لكمة موجعة، وقال: شد عليك إزارك، قال فأخذته ولبسته. فكنت كذلك بين أصحابى، وحملت الحجازة على كتفى بدون إزار). رلما اشتغل بتجارة عمه، كان صادقا فى عرض السلع وقانعا بربح مناسب ولذلك سمى "الصادق" وأصبح معروفا فى قومه بالصادق الأمين. ووقعت حرب الفجار وعمر الرسول ﷺ أربع عشرة سنة، وكانت بين قريش ومعها كنانة. وبين قيس عيلان، وسميت الفجار لحدوثها فى الشهر الحرام مما يعد فجورا، ويذكر ابن هشام أن حرب الفجار امتدت حتى أصبح الرسول ﷺ فى العشرين من عمرة\هـ وقد شهد الرسول ﷺ بعض أيامها ويروى عنه قوله (كنت أنبل على أعمامى فى الفجار). ووصل محمد ﷺ إلى عهد الشباب، وكان واضحا أنه لم يعبد صنما قط، وبغضت له الأوثان، ودين قومه، وتنزه عن مذمومات الجاهلية التى كان يغرق فيها شباب العرب فى ذلك العهد. طلبت السيدة خديجة محمدا ﷺ ليتاجر فى مالها، فقبل وقبل عمه أبو طالب، وتهيأ للسيدة خديجة بذلك أن تتعرف إخلاصه وأمانته، فخطبته لنفسها، وتم زواجه بها، وكان عمره آنذاك خمسا وعشرين سنة، وكانت هى أكبر منه، وكانت السيدة خديجة تسمى الطاهرة فى الجاهلية والإسلام، وأنجب منها الرسول ﷺ كل أولاده الذكور والإناث إلا إبراهيم، فقد كان ابنه من مارية المصرية. ولما بلغ ﷺ مبلغ الرجال كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأبرهم جوارا، وأعظم حلما، وأصدقهم حديثا، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش وعن الأخلاق التى تدنس الرجال. ومعرفتنا الدقيقة بمراحل نشأة الرسول ﷺ تشبه معرفتنا الدقيقة بجميع مراحل حياته، وهذا الوضوح هو الذى جعل جوستاف ليبون يقول: إذا استثنينا محمدا لانجدنا مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا. أ. د/أحمد شلبى

стр. 652

١٠ - النصرانية هى الديانة التى تنسب إلى أمة المسيح عيسى بن مريم ﵇، والنصارى هم أمة المسيح عيسى بن مريم ﵇ وقد تعددت الآراء حول السبب الذى من أجلّه أطلق على أتباعه أنهم نصارى، من ذلك: ١ - سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇ فى دعوته. ٢ - لتناصرهم فيما بينهم. ٣ - أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة وهى قرية المسيح من أرض الخليل بفلسطين. وكلمة النصارى: تطلق على أتباع المسيح ﵇ الذين اتبعوه فى دعوته وصدقوا بها ونصروه وأخذوها كما جاءت من الله تعالى ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾ (آل عمران ٥٢) وكذلك أطلقت على أتباعه الذين بدلوا وغيروا وأضافوا العقائد الباطلة إلى العقيدة الصحيحة الحقة ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (التوبة ٣٠). أما كلمة النصرانية فإنها أول الأمر كانت تعنى الدعوة الإيمانية ثم صارت تدل عند نصارى اليوم تلك الدعوة التى اشتملت عليها الأناجيل الأربعة (متى- مرقس- لوقا- يوحنا) وكتاب أعمال الرسل، والرسائل التبشيرية التى كتبها بولس وبطرس ويوحنا وغيرهم. وقد ولد المسيح عيسى ﵇ فى بيت لحم أيام الملّك هيرودوس ثم رحلت أمه إلى فلسطين واستقر بها المقام مع ولدها فى قرية الناصرة بالخليل ذلك فى أيام أوغسطين قيصر أول إمبراطورية للدولة الرومانية القديمة والذى تولاها عام ١٧ ق م. وفى هذه الأثناء كان اليهود مشردين فى الأرض ومضطهدين تحت الحكم الرومانى فتولدت فى نفوسهم فكرة الخلاص من الاضطهاد فلما ظهر عيسى ﵇ آمن به بعض اليهود على أنه المخلص الذى سيعيد لهم الملك والملكوت. وقد جاء عيسى ﵇ لكى يصحح مفاهيم العقيدة فى الإله والتى انحرفت عند اليهود من التوحيد إلى الشرك والتجسيد. فرسالته رسالة توحيد وتنزيه وهى فى حقيقة أمرها عقيدة لا شريعة وكانت رسالة خاصه باليهود فحينما دعا الحواريين الاثنى عشر إلى التبشير بالنصرانية قصر مهمتهم على بنى إسرائيل. ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم﴾ (الصف ٦) ومصادر الديانة النصرانية: ١ - التوراة ٢ - الكتاب المقدس ويشتمل على العهدين القديم والجديد، وقد تفرق أتباع عيسى ﵇ إلى فرق متعددة من خلال عصرين: ١ - عصر التوحيد وهو الذى نادى بعبودية عيسى لله وقد امتد هذا العصر إلى ما بعد مجمع نيقية بقليل أى ما بعد عام ٣٢٥ م ومن فرق التوحيد الأريوسيون. ٢ - عصر التثليث ومن فرقه مقدونيوس، النسطوريون اليعقوبيون والمارونية. ومن الطوائف المسيحية ١ - الكاثوليك وهو مذهب اعتنقته كنيسة روما ويرى أصحابه بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين. ٣ - الأرثوذكس وهو مذهب الكنائس الشرقية ومذهبه يقضى بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. ٤ - والبروتستانت وتسمى كنيستهم الكنيسة الإنجيليّة لأن أتباعها يتبعون الإنجيل دون غيره. ٥ - النساطرة وهو مذهب فيه محاولة إلى العودة إلى التوحيد أو أقرب منه. وأركان النصرانية خمسة: ١ - التعميد ٢ - التثليث ٣ - أن الابن أقنوم التحم بمريم ٤ - القربان المقدس ٥ - الاعتراف بالقس. وعندما ظهر الإسلام فى القرن السابع الميلادى انطلقت المبادرة إلى الحوار الدينى أساسا من القرآن الكريم ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ (آل عمران ٦٤) فقد اتفقت الرسالات فى الأصول العامة ولم تختلف ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى ١٢) وقد ورد فى المسيحية ما يفيد الإشارة بنبوة سيدنا محمد? ﷺ ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد﴾ (الصف ٦). وهكذا فالأديان السماوية حلقات متكاملة ختمت بالدين الإسلامى مصححا للعقائد التى انحرفت ومهيمنا على الكتب السماوية السابقة. (هيئة التحرير)

стр. 653

١١ - النصيرية تنتمى هذه الفرقة إلى الشيعة الغلاة، وصاحبها محمد بن نصير النميرى (ت٢٦٠ هـ ٨٧٣ م) (١) وكما ذهب النوبختى- وهو من مؤرخى الشيعة- فى كتابه (فرق الشيعة): وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة على بن محمد فى حياته، فقالت بنبوة رجل يقال له محمد بن نصير النميرى، وكان يدعى أنه نبى بعثه أبو الحسن العسكرى، وكان يقول بالتناسخ والغلو فى أبى الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويقول فيه بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضا فى أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه أحد الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئا من ذلك (٢). والواقع أن أفكار هذه الفرقة تدور حول "ظهور الروحانى بالجسمانى" كما لاحظنا فى كلام الشهرستانى. لقد ظهر الله بصورة الأشخاص، وهم الخمسة المشهورون، محمد، وعلى، وفاطمة، والحسن، والحسين "هم خير البرية ظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم " هذا هو معنى التأليه عند المجسمة نوع من التأييد الربانى، لا اعتبارهم آلهة خالقين وقادرين. وأما السبب فى اختصاص علىّ بإطلاق اسم الإلهية عليه، أنه كان مخصوصاً بتأييد من الله مما يتعلق بباطن الأسرار، وينشأ عن هذا فكرة "المخصص " عند الإسماعيلية والدروز، أى أنه المعلل، أى صاحب العلل. محمد ﷺ صاحب الظواهر، وعلى صاحب السرائر "أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقتال المشركين كان إلى النبى ﷺ ، وقتال المنافقين كان إلى عِلىّ. واستندوا فى صفة علّى الباطنية إلى قول الرسول ﷺ " لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا فى عيسى بن مريم، وإلا لقلت فيك مقالاً". وأخيرا إن محمداً ﷺ صاحب التنزيل، وعلياً صاحب التأويل، واستندوا فى هذا إلى الحديث " فيكم من يقاتل على تأويله، كما قاتلت على تنزيله، ألا وهو خاصف النعل (٣) فكل هذه العلوم، علّوم التأويل وغيرها من علوم، وقتال المنافقين، والخوارق من مكالمة الجن، وقلّع باب خيبر، وعلمه بما سيكون، كل هذا لا، "بقوة جَسدية" دليل على أن فيه جزءًا إلهيا وقوة ربانية، أو يكون هو الذى ظهر الإله بصورته وخلق بيده، وأمره بلسانه (٤) وتقدم النصيرية تفسيرات لثالوثهم المقدس شبيه إلى حد كبير بتلّك التى يقدمها مصادفة، ويشير إلى أخذ النصيرية عن المسيحية (٥) ونظرالأفكارهم المتطرفة دفع الإمام ابن تيمية إلى وضع فتواه ضدهم، فحرم فيها الزواج من النصيرية، وأحل فيها دماءهم، وممتلكاتهم ودعا فيها إلى الجهاد ضدهم، واتخاذ التدابير القاسية التى من شأنها القضاء عليهم (٦). أما عن مؤلفاتهم: فهى كتاب "المجموع " الذى يمثل أعظم مصدر للراغبين فى الوقوف على النصيرية، وهناك كتاب آخر وهو "القداس " الذى يشمل على قداس الطيب، وقداس البخور، وقداس الآذان، وقداس التمام، واسمه الإشارة وجميعها تستخدم فى الأعياد. وكذا كتاب "الباكورة السليمانية فى كشف أسرارالديانة النصيرية" وهو من تأليف سليمان أفندى، ويعد هذا الكتاب من أوثق المصادر فى العصر الحديث عن هذه الفرقة (٧) ونود أن نشير إلى أن هذه الفرقة انتشرت قديما فى الشام، ومازالت تعيش حتى الآن فى سوريا وبعض أجزاء من شمال فلسطين (٨) لقد خلع أولئك الغلاة ربقة الإسلام، وطرحوا معانيه، ولم يبق لأنفسهم منه إلا الاسم (٩)، ويذكر التاريخ لأولئك الغلاة أنهم اتخذوا لهم مقرا فى الشام، وهو جبل السمان الذى يسمى الآن (جبل النصيرية)، وكان بعض كبرائهم يستميلون مريديهم بالحشيش، ولذلك سموا فى التاريخ بالحشَّاشين أ. د/ جمال رجب سيدبى ١ - تاريخ الإسلام د/ حسن إبراهيم حسن: ٤/ ٢٥٣ ٢ - فرق الشيعة- النوبختى: ص ٧٨ نقلاً عن الملل والنحل للشهرستانى ص١٨٨. ٣ - جاء فى (مجمع الزوائد) ٦/ ٢٤٤ طبعة دار الريان للتراث (عن أبى سعيد الخدرى قال. كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أفيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).، أيضأ مسند أحمد ٣/ ٣١ الطبعة الميمانية، حديث رقم ١١٢٧٦ قلت وله طريق أطول من هذه فى مناقب على وكذلك فيمن قاتلهم "رواه أحمد وإسناده حسن. ٤ - نشأة الفكر الفلسفى فى الإسلام د/ على سامى النشار: ٢/ ٢٥٣، الملل والنحل للشهرستانى ص ١٨٩. ٥ - دراسة فلسفية لبعض الفرق الشيعية د. زينب محمود الخضيرى ص ٨٤: دار الثقافة للطباعة والنشر ٦ - نفس المرجع ص٧٩ ٧ - نفس المرجع ص٨٨ ٨ - تاريخ المذاهب الإسلامية، الشيخ أبو زهرة ص٥٤: دار الفكر العربى. ٩ - الشيخ أبو زهرة: المرحع السابق نفس الصفحة

стр. 654

١٢ - نظرية الشعر اصطلاحًا: هى الأسس التى يقوم عليها النقد التطبيقى للشعر من الناحية الفعلية وقد كتب جرونيبام/ سنة ١٩٤١ م بحثه الرائد عن النقد الأدبى العربى فى القرن الرابع الهجرى، وطالب فيه "بإيضاح المعايير التى يقوم عليها النقد التطبيقى من الناحية الفعلية، أو بمعنى آخر الأسس التى توجه الذوق العربى فى النقد العربى"، وقد نظر فى هذه القضايا نظرة أخرى فى بحث له بعد ذلك عن الأساس الجمالى فى الأدب العربى. إن الموضوعات التى طرحها جرونيبام قد بحثت من جديد، وكان مفهوم النقد هو أكثر المفاهيم شيوعا فى هذه الدراسات، حتى ظهر سنة ١٩٦٩م ذلك العرض الممتاز الذى ألفه هاينرشس عن الشعر العربى وفن الشعر عند اليونان، وبذلك أخذ مفهوم نظرية الأدب مكانه، وتحدد محتواه بدقة، إن مفهوم نظرية الأدب يشمل عند هاينرشس جانبين على الأقل، فى الشعر والبلاغة. أما التعبير عن نظرية الأدب فى التراث العربى على أنها لا تتجاوز فنى الشعر والبلاغة: فهو تبسيط للحقائق وتمزيق لها، وأكد هاينرشس فى هذا حقيقة أن المؤلفات التى تتناول هذه الموضوعات ألفت فى مجالات مختلفة، وأن الأمر يتجاوز كتبًا مثل قواعد الشعر ونقد الشعر. وعن طريق بحث عميق آخر للموضوع أعده هاينرشس، فى ضوء مواد جديدة، وأفكار جديدة، أصبحت معلوماتتا عن نظرية الأدب العربى أكثر ثراء .. ولا نستطيع هنا أن نبحث المفاهيم المختلّفة وقضاياها بحثا مفصلأ، وهى المفاهيم التى بحثت فى الدراسات التى تمت فى نظرية الأدب. إن مصادرنا العربية فى هذا الموضوع هى مؤلفات اللّغويين والأدباء وقد كانت الدراسات التى أعدت حتى اليوم تعتمد- فى المقام الأول على المؤلفات الأساسية، وكانت تترك الكتب التى سبقتها، والتى تمثل المرحلة السابقة فى التطور، وتهملها إهمالاً شبه كامل. بيد أن المقارنة بين كتابين وصلا إلينا من نصف القرن الثانى الهجرى- التاسع الميلادى وهما كتاب "قواعد الشعر" لثعلب "كتاب البديع "- ولابن المعتز، يعطينا انطباعا أنهما فى مستويين مختلفين من النقد. ويقول نقاد العرب إن الشعر هو الكلام الموزون المقفى. ولكن المازنى يعترض على هذا التعريف، ويرفض كذلك تعريف الشعر بأنه مجرد تصوير، معترضا فى ذلك على قول الجاحظ. فقد ذكر الجاحظ "أن الشعر صياغة ودرب من التصوير" ولكن الشعر يقوم على الخيال والتصوير، وهو يخاطب الوجدان، ولابد أن يكون الشعر مطبوعا، ليس فيه أثر من آثار الصنعة والتكلف، وأن يستلهم الخيال الواسع، ويعمد إلى الابتكار والتجديد، وأن يعبر تعبيرا صادقا عن نفس صاحبه، مصورًا لآمال النفس البشرية وآلامها، ومعبرًا خير تعبير عن معانى الطبيعة والعقل، التى ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة وبالنفس، فيكون بحق وحى الطبيعة ورسالة النفس. والشعر عند المازنى ذاتى شخصى، ويرى العقاد أن الشعر خاطر لا يزال يجيش بالصدر حتى يجد مخرجاً ويصيب مُتنفَّسا، وهو غنائى خالص، ليست له وظيفة سوى التنفيس الشخصى عن قائله. ويرى المازنى أن الشعر ابن الخيال، فإذا لم يكن فيه مجال للخيال فهوغث لا خير فيه، ويستشهد برأى "سانت بيف " الذى يقول: ليس الأصل فى الشعر الاستقصاء فى الشرح والإحاطة فى التبيين، ولكن الأصل فيه أن يترك كل شيء للخيال. ويقول العرب إن الشعر لغة العواطف، لا العقل، وإن كان لا يستغنى عن العقل، وليس بشعرما لم يعبر عن عاطفة أو يثيرها، والعاطفة تحتاج إلى لغة حارة. ويدافع النقاد دفاعا قويا عن ضرورة الوزن فى الشعر، فكما أنه لا تصوير بغير ألوان كذلك لا شعر بدون وزن وقافية. وقد حاول بعض الشعراء التخلص من القافية ويسمى هذا بالشعر المرسل. ولابد أن تكون القصيدة عملاً فنيا تاما قائما على فكرة معينه. ويرى النقاد أن الشطط فى الخيال، ومخالفته للواقع ليس دليلاً على النبوغ والبراعة. ولكن آية النبوغ والبراعة فى الصدق، وعدم تجافى الحقائق. ويرى الرافعى أن الشعر القديم غيرمترابط فلا نجد فى القصيدة وحدة مترابطة، حتى الطبيعة تظهر فى الشعركأنها قطع مبتورة، ويرى أن العلم والتجربة وكثرة الأسفار ضرورية للشاعر تغذى فكره وخياله وعقله، وتلّهمه الصور، وتساعده على الإبداع. أ. د/ محمد سلام

стр. 655

١٣ - نظرية النَّظْم لغة: يدور حول الضم والتأليف، النظم: التأليف، نظمه ينظمه نظما .. ونظمت اللؤلؤ، أى جمعته فى السلك. كما فى لسان العرب (١) ونظرية النظم مركب إضافى، المراد منه نوع مخصوص من العمل أو الفنون القولية، لأنه لولا هذا التركيب الإضافى لشمل النظم كل الفنون الأدبية، والقولية بوجه خاص، فكان يشمل الشعر= (النظم- المنظوم). ولكن بإضافة (نظرية) إلى (النظم) تحدد المعنى المراد بكل دقة، ودخل فيه الشعر، لا باعتبار تمييزه عن (النثر) بجميع أجناسه من قصة وأقصوصة وخاطرة، ولكن باعتبار خاص يشمل جميع الفنون القولية، إذا توفرت فيه شرائط النظم المضاف إليه كلمة (نظرية). واصطلاحًا: إحكام التأليف وجماله، لا مطلق ضم لفظ إلى آخر، أو إتباع جملة جملة أخرى، أو كلام يتلو كلاما، ما لم يكن وراء هذا الضم نظر فاحص، وفكر عميق، وتدبر دقيق. وقد نشأ مصطلح (النظم) أول ما نشأ فى حقل الدراسات القرآنية المتصلة بالكشف عن وجوه الإعجاز فى القرآن الكريم، وكان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هو أول من أشار إلى هذا المصطلح، قال "وفى كتابنا الُمنَزَّل ما يدلنا على أنه صدْقُ، نظمه البديع الذى لا يَقُدر على مثله الَعباد، مع ماسوى ذلك من الدلائل التى جاء بها" (٢) وقد نصن كثير من أهل العلم أن لأبى عثمان الجاحظ كتابا فى إعجاز القرآن، دعاه، (نظم القرآن) لكنه فُقِد (٣)، ولم يعثر عليه أحد حتى الآن. وللجاحظ تحليلات فى بعض كتبه، مثل (البيان والتبيين) تدل عن منهجه الذى سلكه فى كتابه المفقود (نظم القرآن). وبعد الجاحظ أوجز الخطابى (٤) فكرة النظم فى أسلوب القرآن، فذكر أن النظم البديع بعامة يبدأ من اللفظ المفرد، ويتدرج حتى يشمل مقدارًا صالحا من الكلام. وفى اللفظ المفرد قال "لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، هذا هو جمال الألفاظ مفردة". أما جمال النظم فى أسلوب القرآن، الذى أرجع إليه الخطابى وجه الإعجاز فقد صاغه فى العبارة الآتية: "اعلم أن القرآن إنما صار مُعْجِزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، فى أحسن نظوم التأليف، مُضَمَّنا أصح المعانى (٥) ويقاربه الرُّمَّانى، فالنظم عنده هو (التلاؤم) وهو غير مقصور على القرآن بل المقصور على القرآن من التلاؤم هو ما كان فى درجاته، قال: " التلاؤم نقيض التنافر، والتلاؤم: تعديل الحروف فى التأليف، والتأليف على ثلاثة أوجه: متنافر، ومتلائم فى الطبقة الوسطى، ومتلائم فى الطبقة العليا .. والمتلائم فى الطبقة العليا هو القرآن كله" (٦) وهذا ماقدَّره، القاضى أبو بكر الباقلانى، وهو من أبرز الأقدمين فى دراسة الإعجاز، ومن أقواله فى النظم: "فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله- يعنى فى غير القرآن- اتفاقًا) (٧) ويطلق القاضى عبد الجبار، أحد أئمة المعتزلة، على النظم مصطلح (الضم) ويرجع الفصاحة والبلاغة إلى حسن ضم الكلّمات، ولابد مع هذا الضم من معنى مخصوص) (٨) ثم جاء الإمام عبد القاهر الجرجانى خلال القرن الخامس الهجرى، وقد تجمعت لديه أقوال من سبقه فى فكرة النظم، فوسَّع مجال البحث فيها، وأبدأ وأعاد، ووقف كتابه "دلائل الإعجاز" كله على تأصيل ما سمى بعد "نظرية النظم " وكان طويل الباع فى هذا المجال، وساق مئات الأمثلة والشواهد، على أن إعجاز القرآن ليس فى اللفظ المفرد، ولا في المعنى المدلول عليه بذلك اللفظ، بل إعجازه يرجع إلى نظمه البديع، ولا يخرج عن النظم عنده- ترتيب المعانى فى النفس، ثم الإفصاح عنها فى كلام يراعى التآخى بين معانى النحو فى الكلم، على حسب الأغراض، التى تقصد (٩)، ولكثرة حديثه عن النظم، وتأصيله إياه، كادت هذه النظرية أن ترتبط باسمه، وكأنه أبو عذرتها. والأسس التى أقام عليها الإمام عبد القاهر فكرة النظم تبدأ- كما تقدم- من اللفظ المفرد، بسلامته من الخلل والعيوب القادحة فى فصاحته، كالوحشية، والغرابة، والثقل على اللسان، ثم اختيار اللفظ فى نفسه، وباعتبار معناه، وموضعه فى الجملة، ومناسبته لما تقدم عليه أو تأخر، عنه، والأحوال التى تتوارد عليه، من تقديم وتأخير وذكر وحذف، وإظهار وإضمار، وموصولية وإشارة، وتعريف وتنكير، وقصر واطلاق، وفصل ووصل، ووضوح وغموض .. إلخ. وبعد أن درس الإمام عبد القاهر هذه الخصائص البيانيه الدقيقة، وبين ما يعترى الكلام بسببها من مزايا أو عيوب، جاء علماء المعانى من بعده وجعلوها أساسا لما اصطلحوا على تسميته بعلم المعانى" بمباحثة الثمانية المعروفة (١٠) وكان ما تقدم لعلماء العربية من نظرات وأبحاث حول (النظم) ممهدا لفن عظيم من فنون "النقد " العالمى الحديث، وهو: دراسة العلاقات الجمالية بين الألفاظ والتركيب فى العمل الأدبى بكل أجناسه وفنونه. (١١) أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 656

١٤ - نعيم القبر لغة: النعيم هو ما استمتع به، والنعيم نضارة العيش وحُسن الحال. (١) والقبر: المكان يدفن فيه الميت. (٢) واصطلاحا: نعيم القبر وعذابه من المباحث السمعية التى شغلت علماء الكلام. فقد آمن الأشاعرة بعذاب القبر ونعيمه، وأنكره بعض المعتزلة (٣). يشير الإمام الرازى الى أدلة المثبتين السمعية ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (غافر ٤٦). وقوله تعالى ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً﴾ (نوح ٢٥) يذكر الرازى أن الفاء للتعقيب، وقوله تعالى ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا﴾ (غافر١١) فذكر الحياة مرتين، وهما لا يتحققان إلا بالحياة فى القبر (٤) ويطرح ابن القيم هذه المسألة بقوله: هل عذاب القبر على النفس والبدن؟ أو على النفس دون البدن؟ أو على البدن دون النفس؟ وهل يشارك البدنُ النفسَ فى النعيم والعذاب أم لا؟ ويجيب ابن القيم بأن الإمام ابن تيمية قد سئل وأجاب: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة (٥). والرأى الراجح أن سلف الأمة يرون أن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. (٦) وهم يعتمدون على الأحاديث النبوية كما فى الصحيحين، عن ابن عباس أن النبى ﷺ مر بقبرين، فقال "إنهما ليعذ بان وما يعذبان فى كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة، ثم دعا بجريدة رطبة شقها نصفين فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبس (٧) أ. د/ جمال رجب سيدبى ١المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٧٣ ٢ - السابق٢/ ٧٣٧ ٣ - فى علم الكلام (الأشاعرة) د/ أحمد محمود صبحى ص.٢٦. ٤ - السابق نفس الصفحة. ٥ - الروح لابن القيم صـ٧٢. ٦ - السابق: ص ٧٤. ٧ - السابق: نفس الصفحة.

стр. 657

١٥ - النَّفْس لغة: النَّفْس هى الذات والحقيقة، وهى عين الشيء أيضا. واصطلاحا: لها عدة معان، فقد تطلق على الروح فيقال: خرجت نفسه، أى: روحه، كما تطلق على"العند"، ومنه قوله تعالى ﴿تعلم ما فى نفَسى ولا أعلم ما فى نفسك﴾ (المائد ة ١١٦)، ومعناه: تعلم ماعندى ولا أعلم ما عندك، كما تقال على العظمة وعلى الغيب أيضا، وقد يُمثل له بقوله تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (آل عمران ٢٨)، وبعضهم يجوز إطلاقها- بمعنى الذات والحقيقة على الله تعالى، مستشهدا على هذا الإطلاق بالآية الكريمة السابقة .. وقد شاع استعمال النفس فى الإنسان خاصة، حيث تطلق ويراد منها: هذا المركب، أو الجملة المشتملة على الجسم والروح، والفقهاء قد يستعملونها في معنى "الدم "، وهو المقصود من قولهم "ماله نفْس سائلة"، أى: دم سائل-وقد وردت كلمة "النفس " فى القرآن الكريم ٧٢ مرة، مفردة ومضافة ومعرفة ومنكرة، إضافة إلى مواضع ثلاثة وردت فيها النفس موصوفة بأوصاف معينة، يفهم منها مراتب أو درجات للنفس، هى النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة. ولأن النفس من عجائب صنع الله تعالى: أقسم بها فقال: ﴿ونفس وما سواها﴾ (الشمس ٧). وتخصص موسوعات الفلسفة الإسلامية- كالشفاء لابن سينا وغيره- مقالات مطولة لدراسة " النفس " دراسة مفصلة، من حيث تعريفها وتقسيمها إلى نفس: نباتية وحيوانية وناطقة، ومن حيث قواها الظاهرة والباطنة، ووحدتها وكثرتها وقدمها وحدوثها إلى آخر هذه الأبحاث التى تأثروا فيها بفلسفة أرسطو أو أفلاطون تأثرا واضحا. وربما انفرد الفلاسفة المسلمون باستعمال خاص فى قولهم بوجود "نفس " للنبات، فلم يعهد فى الاستعمال العربى إطلاق "النفس "، بمعنى القوى المحركة على النبات أو الجماد. وقد ذهب هؤلاء- ومعهم الإمام: الغزالى وبعض الأشاعرة- إلى أن النفس ليست جسما ولا عرضا حالا فى جسم، وإنما هى جوهر مجرد قائم بذاته غير متحيز، وتعلقه بالبدن تعلق تحريك وتدبير فقط. وكذلك أفرد المتكلمون فى مطوّلاتهم- كالمواقف وشرحه- مراصد ومقاصد لموضع النفس، وتميزت أبحاثهم فيها بنظرة نقدية لمذاهب الفلاسفة المسلمين، فأنكروا دعواهم فى إثبات نفوس للأفلاك تؤثر فى عالمنا هذا كونا وفسادا وسعودا ونحوسا، كما أنكروا مذهبهم فى القول بتجرد النفوس من الجسم والجسمانية، وقد ذهب بعض من المتكلمين إلى أن النفس "جسم لطيف " يسرى فى البدن سريان الماء فى العود الأخضر، ويرى الإمام النووى أن هذا المذهب هو الأصح عند علماء الحديث. وذهب البعض الآخر إلى أن النفس تحل فى البدن كما يحل العرض فى الجوهر. ويذهب أبو البقاء فى كلياته (ص ٨٩٨)، إلى أن القول بتجرد النفوس لا يتنافى مع شيء من قواعد الإسلام. ويرى ابن القيم (فى كتابه: الروح: ٢٦٦) أن المذهب الصحيح هو أن النفس جسم علوى نورانى، مخالف بالذات للأجسام المحسوسة، ينفذ فى الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء فى الورد، وقد استشهد على صحة هذا المذهب بآيات وأحاديث كثيرة. وعنده أن النفس تطلق فى القرآن على جملة الذات، وتسمى روحا أيضا، والفرق بينهما فرق بالصفات لا بالذات. وبعض العلماء يثبت للحيوانات نفسا مدركة، مستدلين بما جاء فى القرآن عن الطير والهدهد والنمل، والمتأخر ون من النّظّار يفسرون ذلك بنوع من الإدراك مناسب لهذه الحيوانات، وينكرون تفسيره بالنفس أو العلم. وللنفس عند الصوفية إطلاق خاص بهم، فهى تقال على "ما كان معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أفعاله وأخلاقه "، ويعدونها مبدأ الصفات الرديئة والأحوال السيئة فى الإنسان، فهى عدوه الأول، بل أعدى أعدائه، ومن ثم كان جهادها هو "الجهاد الأكبر" ويُقسّم الصوفية أوصاف النفس المذمومة إلى قسمين: قسم كسبى، يمثلون له بالمعاصى والمخالفات، وعلاج هذا النوع بالالتزام الدقيق بأحكام الشرع أمرا ونهيًا، وقسم طبيعى جِبِلى يتمثل فى أمراض القلوب وعللها، وعلاج هذا النوع بالمجاهدات والرياضات، فالكبر يجاهد بالتواضع، والحرص بالقناعة، والحسد بالرحمة والشفقة، والشهوة بالعفة والجوع، والغضب بالحلم، والبخل بالسخاء .. الخ وينبه شيوخ التربية الصوفية إلى أن أشد أمراض النفس استعصاء على المجاهدة: رؤية النفس والإعجاب بها، ويعدون هذا النوع شركا خفيا، ولذلك يقدمون مجاهدته على المجاهدات الأخرى، ومن ثم كان كسر النفس عندهم أتم وأنفع من مكابدة الجوع والعطش والسهر. ويتردد كثيرا فى أدبيات التصوف التقسيم القرآنى للنفس إلى: نفس أمَّارة ولوامة ومطمئنة فالأمّارة هى التى، تأمر بفعل السيئات، واللوامة تلوم نفسها كلما اقترفت ذنبا أو اكتسبت خطيئة، ولومها راجع إلى أنها تعرف الصواب، وتعلم أن ما فعلته لم يكن صوابا، بخلاف الأمارة فإنها ترى أن الصواب فيما تفعله لا فيما تتركه. أما النفس المطمئنة فهى التى اطمأنت بالتزام الطاعات والمثابرة عليها "بحيث لا تجد ميلا إلى تركها ولا طلبا لشىء من المعاصى"وبعضهم يضيف مرتبة مستقلة قبل النفس المطمئنة، يسمونها: النفس الملهمة، وهى مرتبة "خواص الأولياء" ويجعلون النفس المطمئنة مرتبة رابعة"لأخص "الاولياء والأنبياء". والنفس روح للبدن، والقلب روح للنفس تحيا به، وروح الإنسان روح للقلب يحيا بها. وهل الأمّارة واللوامة والمطمئنة نفوس ثلاثة، أو نفس واحدة فى درجات ثلاث؟ والتحقيق فيما يقول ابن القيم- إنها نفس واحدة وأن هذه الأسماء اعتبارات وتحققات تحصل للنفس بالمجاهدة. هذا وقد درس شيوخ التصوف فى تراثهم موضوع النفس دراسة معمقة، وبأنظار تحليلية بالغة الدقة: واستطاعوا أن يغوصوا فى أعمق أعماق البحوث النفسية بكل أبعادها: السيكولوجية، والحسية، والميتافيزيقية، والعرفانية، واستخرجوا فروقا - لا توجد عند غيرهم- بين النفس وبين قوى باطنية أخرى، مثل: الصدر والقلب والفؤاد واللُّب والعقل. ورصدوا خفايا غريبة عن آفات النفس وحظوظها ورعوناتها، ورياضاتها، وحبسها وتزكيتها وصفائها وفنائها، إلى أبحاث أخرى عديدة لازالت مطمورة فى خبايا هذا التراث. أ. د/ أحمد الطيب

стр. 658

١٦ - النفقة لغة: هي ما ينفقه الإنسان من الأموال كما فى القاموس (١). واصطلاحا: كفاية من يمونه خبزا وأداما وكسوة ومكسنا وتوابعها (٢). وأسباب النفقة هى: ١ - العلاقة الزوجية، فقد أوجب الشارع على الزوج فى جميع الأحوال الإنفاق على زوجته، غنيا كان أو فقيرا، ولم يوجب الإسلام على الزوجة أن تنفق على نفسها وإن كانت موسرة، أو أن تنفق على زوجها بالأولى من هذا المال وإن كان معسرا، ولم يوجب عليها أن تتكسب هذه النفقة بالعمل أو نحوه، فالنفقة حق لها على زوجها بمقتضى عقد النكاح. ومن أدلة وجوبها قول الله تعالى ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ البقرة:٢٣٣، وقول رسول الله ﷺ فى خطبة الوداع: (اتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله .. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (رواه مسلم) (٣). ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسكنى، ووسائل النظافة، وتشمل أجر الخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم فى بيت أهلها، وكان الزوج موسرا، فيجب لها النفقة فى الوجوه السابقة مقدار كفايتها بالمعروف، وهذا الحق الذى قرره الإسلام لها، يتحقق به صيانتها وحمايتها من التبذل والامتهان. بسبب اكتساب أسباب الحياة، حيث كفل الإسلام لها هذه الأسباب فى منزل الزوجية بدون تدخل منها، لتتفرغ لأداء رسالتها المنوط بها فى الحياة. ٢ - علاقة القرابة، فقد أوجب الشارع بها على المرء الإنفاف على والديه، كما أوجب بها على الوالدين الإنفاق على أولادهما ذكورا أو إناثا، إذا كان للمنفق مال يمكنه الإنفاق منه، فاضلا عن نفقته، ولم يكن للمنفق عليه مال ولاكسب يكتفى به عن نفقة قريبه عليه. ومن الأدلة علي وجوب نفقة الأصول على فروعهم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) (رواه الترمذى عن عائشة وقال: حسن صحيح). ومن الأدلة على وجوب نفقة الفروع على أصولهم حديث هند زوج أبى سفيان أن رسول الله ﷺ قال لها حين اشتكت إليه بخل أبى سفيان: (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك) متفق عليه (٥). كما أوجب الشارع بمقتضى القرابة نفقة القريب - غير الأصل والفرع - على قريبه بالشروط السابقة فى نفقة الأصول والفروع، حيث يرى الحنفية وجوب النفقة لكل ذى رحم محرم للمنفق، ويرى الحنابلة وجوبها لقريبه إن كان يجرى التوارث بينهما، أو كان من ذوى رحمه، ومن الأدلة على ذلك ماروى عن طارق المحاربى أن رسول الله ﷺ قال: (يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأخاك، ثم أدناك أدنك) رواه ابن حبان فى صحيحه (٦) حيث بين فى الحديث أن من المعالين الأخوة والأقرب من الأقارب، فيجب لهم على أقاربهم المأكل والمشرب والملبس والساكنى ونحوها، بقدر الكفاية، مراعاة فى ذلك العرف وحال المنفق والمنفق عليه، وظروف الزمان والمكان. وإيجاب نفقة الأقارب الذين لامال لهم إذا عجزوا عن الكسب - على قريبهم الموسر، يحقق صلة الرحم، ويقيم العلائق بين أفراد الأسرة على أساس من الترابط والتكافل، فينصلح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال المجتمع بأسره. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 659

١٧ - نقل الأعضاء لغة: جزء من مجموع الجسد. كاليد والعين والمعدة كما فى المعجم الوجيز (١) واصطلاحا: اقتطاع جزء من بدن آدمى حى أوميت، لغرسه فى بدن آدمى حى مريض يحتاج إليه (٢). وهذه الأعضاء المنقولة عن موضعها من بدن الآدمى تسمى بالطعوم، والطعم جزء من نسيج أو عضو يستعمل كبديل لجزء مماثل، والنسيج أو العنصرالأصلى إما أن يكون مريضا أومشوها، أوغير قادرعلى أداء وظيفته الطبيعية فى بدن صاحبه، وأكثر الأنسجة استعمالا لهذا الغرض هى الجلد والعظام والغضاريف والأوردة والشرايين والقرنية. والطعوم الآدمية نوعان: ١ - الطعوم الذاتية: هى ما أخذت من الإنسان لمداواة جزء آخر من بدنه، ومن أمثلتها أخذ جزء من جلده فى موضع مستتر كالفخذة لترقيع جزء آخر فى موضع ظاهر من بدنه كالوجه، أوأخذ العظام أو الغضاريف منه، وغرسها فى موضع آخر. ٢ - الطعوم الجنسية: وهى ما أخذت من جنس المريض، أى من آدمى آخر حى أو ميت، وذلك كنقل الكلى من آدمى أو ميت لغرسها فى بدن آدمى حى آخر، تلفت كليته أو لم تعد صالحة للقيام بوظيفتها، ونقل القرنية أو القلب من بدن آدمى ميت وغرسها فى بدن آدمى مريض مفتقر إليها. ونقل الأعضاء على هذا النحو لا تمنع منه الشريعة الإسلامية، لأنه من قبيل التداوى الذى حض عليه الشارع، وهذا النقل وإن كان من مستجدات العصر، إلا أن الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان لا تمنعه، مما يدل على اتساعها لكل قضايا الناس فى دنياهم إلى أن تقوم الساعة. وقد وضعت الشريعة الإسلامية الضوابط لهذا النقل، قصد بها مراعاة مصلحة المنقول إليه العضو، وعدم الإضرار بالمنقول منه أو تعريضه للهلاك إذا كان آدميا حيا، وعدم التمثيل بجثته إن كان ميتا ولمجمع البحوث الإسلامية فى هذا الموضوع بيان شاف حدد - بالتفصيل ضوابط هذا النقل وشروطه بحيث المصلحة للمنقول إليه والمنقول منه عن طريق التبرع الذى تختض معه التجارة انتفاء تاما فليرجع إليه. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 660

١٨ - النقود لغة: النَّقْدُ والتَّنْقادُ: تمييز الدراهم وإخراج الزَّيْفِ منها فأنشد سيبويه: تَئْفى يداها الحَصَى، فى كلِّ هاجرةٍ نَفىَ الدَّنانير َتنْقَادُ الصَّياريف وقد نَقَدَها يَنْقُدُها نَقْداً وانتقدها وتَنَقَّدَها، ونَقْده إياهَا نَقْداً: أعطاها، فانتقدها أى قبضها. ونقدتُ له الدراهم أى أعطيته. واصطلاحاً: عُرِفَ استعمال المقطعات المعدنية كوسيلة من وسائل التبادل منذ أمد بعيد، إلى جانب وسيلة المقايضة. والنقد من حيث اشتماله على وزن معين وقيمة معروفة للتبادل فقد تأخر إلى القرن السابع قبل الميلاد، وأول إشارة إلى أمة عرفت النقد الأمة اللوذية (١) فى الأناضول حوالى سنة ٦٤٠ ق. م صنعوه من سبيكة طبيعية، وجد فيها كمٌّ من الذهب مخلوط بكم من الفضة. ومن اللوذيين تعلمت أمم كثيرة فى الشرق والغرب النظام النقدى وضرب النقود، فضرب الأثينيون نقوداً من معادن مختلفة من الفضة وسموها (دارخمة) (٢) وضرب الفرس (الدارك). أما عن النظام النقدى قبل الإسلام: فهناك إشارات فى القرآن الكريم عن ذلك فيقول تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ (يوسف ٢٠) ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما﴾ (آل عمران ٧٥) فالدراهم هى العملة المتداولة قبل الإسلام وهى فارسية وذلك لأن قاعدتها الفضة، فى حين أن النقد البيزنطى قاعدته الذهب. والدراهم الفارسية التى عرفتها المنطقة تتمثل فى: ١ - نوع أطلق عليه الدراهم البغلية، وكان وزنه عندهم عشرين قيراطاً. ٢ - درهم ثان كان وزنه أقل، حيث لم يتعد اثنى عشر قيراطاً. ٣ - درهم ثالث كان وزنه عشرة قراريط فقط (وهو الطبرى) - وقد أشار مؤرخو العرب المتعرضون لقضية النقد إلى هذه الدراهم، فيقول المقريزى: عن الدرهم البغلى إنه كان يقال له الوافى ووزنه وزن الدينار (٣) وقد انفرد ابن خلدون بالإشارة إلى نوعين آخرين من الدراهم عرفهما العرب هما الدرهم المغربى والدرهم اليمنى. أما النظام المالى فى صدر الإسلام: فقد أقرَّ رسول الله ﷺ النظام المالى الذى كان يتبعه العرب قبل الإسلام، وسار أبو بكر الصديق على نفس السُّنَّة وحتى فترة من خلافة عمر بن الخطاب ﵁. ولكن عندما اصطدمت الخلافة الإسلامية بأنظمة نقدية ثابتة فى كل من فارس والشام ومصر، مما استتبع ضرورة التعامل مع هذه الأنظمة النقدية بنظام نقدى، فأظهرت الحاجة ضرورة وجود عملات تضربها الدولة الإسلامية، فظهرت عملات عمر بن الخطاب. ﵁ وقد انقسم نقد الخلفاء الراشدين قسمين: الأول: قسم ذو نمط أجنبى خالص فى الشكل والنقش واللغة. والثانى: قسم عليه نقوش عربية بالإضافة إلى النقوش الكسروية بإضافة (لا إله إلا الله) وعلى آخر (رسول الله) وعلى آخر (عمر) أما عثمان بن عفان ﵁ فقد اكتفى بنقش (الله أكبر) (٤). أما النظام النقدى زمن الدولة الأموية: فيمتاز فى عهد معاوية ومن بعده بسمة خاصة، هو اتخاذه نقشًا جديدا على الوجه لشخص واقف يمسك سيفاً، ويرتدى رداء طويلاً، وغطاء رأس يدوى يغطى الكتفين. أما معدن النقد الذى ضربه معاوية، فإنه النحاس والفضة والذهب، أما المعدنان الأولان فهما امتداد لما ضرب فى عهد الراشدين قبله. ويعتبر عبد الله بن الزبير أول من دور الدرهم أى: ضربها بصورة مدورة جيدة. أما النقد زمن عبد الملك بن مروان فقد جرى بعدة مراحل: ١ - نقد بدون اسم، وبدون لقب الخلافة. ٢ - نقد يحوى لقب الخلافة فقط. ٣ - نقد يحوى اسم الخليفة ولقبه الخلافى. ٤ - نقد مؤرخ. ثم فى سنة ٧٣ هـ بدأت الجهود المركزة لإنشاء عملة إسلامية بحتة، تغطى احتياجات المتداولين. وفى العصر العباسى أذن الخلفاء لعمالهم، فى وضع أسمائهم مع أسمائهم على النقود (٥). وهكذا ضربت النقود الإسلامية فى كل عواصم الإسلام، وفى أشهر مدنها فى العراق والشام والأندلس وخراسان وصقلية والهند وغيرها، وهى تختلّف رسماً وسعة باختلاف الدول الإسلامية، وكانت الكتابة على النقود تنقش بالحرف الكوفى، ثم تحولت الى الحرف النسخى الاعتيادي سنة ٦٢١هـ فى أيام: العزيز محمد بن صلاح الدين الأيوبى بمصر. ويظهر من العملات التي عثروا عليها أنهم لم يكونوا يذكرون اسم البلد الذى ضربت النقود فيه إلى أوائل القرن الثانى الهجرة. وكانوا إذا ذكروا تاريخ الضرب سبقوه بلفظ "السنة" ثم أبدلوها بلفظ"عام" فكانوا يقولون شهور سنة كذا أو فى أيام دولة فلان وكان يكتب التاريخ أولاً بالحروف، ثم كتب بالأرقام. أما مقدار ما كان يضرب من النقود فيتعذَّر تقديره إلا أن المقرىّ ذكر أن دار السكة فى الأندلس بلغ دخلها من ضرب الدراهم والدنانير على عهد بنى أمية فى القرن الرابع للهجرة ٠٠و٢٠٠ دينار فى السنة وصرف الدينار١٧ درهمًا. فإذا اعتبرنا هذا الدخل باعتبار واحد فى المائة عن المال المضروب، بلغ مقدار ما كان يضرب فى الأندلس وحدها من ممالك الإسلام ٠٠٠، ٠٠٠، ٢٠ دينار أو نحو عشرة ملايين جنيه. (هيئة التحرير) ١ - عرف البابليون التعامل بالمعادن النفيسة وزناً، ومثالهم الأيونيون لكن نظام اللوذيين المشار إليه شبه كامل اعتمد على ضرب عملاث بأعيانها. انظر النقود الإسلامية الأولى ١/ ١٣ د. طاهر راغب حسين- مطبعة المدينة، القاهرة بدون تاريخ. ٢ - معنى كلمة دراخمة قبضة وذلك لأنها كانت تساوى قبضة من النقود النحاسية او الحديدية التى كانت شائعة الاستعمال بين عامة الشعب. ١ - إغاثة الأمة للمقريزى ص٥٠. ٤ - تاريخ التمدن الإسلامى ١/ ١٤٢ طبعة دار الهلال القاهرة. ٥ - النقود العربية والإسلامية وعلم النميات، أنستاس الكرملى ص ١٣٧ ط. مكتبة الثقافية الدينية القاهرة- الطبعة الثانية ١٩٨٧ م.

стр. 661

١٩ - النهى لغة: المنع كما فى لسان العرب. واصطلاحا: هو طلب ترك الفعل قولا. وبعبارة أخرى: هو ما دل على طلب الكف عن الفعل، فخرج به الأمر لأنه طلب فعل غير كف، وخرج الالتماس والدعاء، لأنه لا استعلاء فيهما. وأساليب النهى مختلفة: فمنها: صيغة النهى المعتادة مثل: قوله تعالى: ﴿ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن﴾ الإسراء:٣٤، وقوله: ﴿ولاتقربوا الزنى﴾ الإسراء:٣٢، وقوله: ﴿ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ الأنعام:١٥١. ومنها: صيغة التحريم، مثل قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ النساء:٢٣. وقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ المائدة:٣. ومنها: صيغة النفى، مثل قوله تعالى: ﴿لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ النساء:١٩. ومنها: صيغة الأمر الدال على الترك، مثل: قوله تعالى: ﴿وذروا ظاهرالإثم وباطنه﴾ الانعام:١٢٠،، وقوله تعالى ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ الحج:٣٠. والنهى عند الجمهور للتحريم، ولزوم الانتهاء عن مباشرة المنهى عنه، كما أن موجب الأمر هو الوجوب، فكون النهى للكراهة، أو الدعاء، أو الإرشاد، أو التحقير، أوغيرها، إنما يعرف بالقرائن الدالة على تلك المعانى، مثل قوله تعالى: ﴿ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ آل عمران:٨. وقوله تعالى: ﴿لاتعتذروا اليوم إنما تجزون ماكنتم تعملون﴾ التحريم:٧. فإن الأول للدعاء والثانى لليأس. والدليل على كون النهى المطلق للتحريم قوله تعالى: ﴿ومانهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر:٧، أمر الله بالانتهاء عن المنهى عنه، فيكون الانتهاء واجبا، وترك الواجب حراما. وعند الحنفية: النهى إذا كان قطعى الثبوت وقطعى الدلالة فيكون للتحريم، وإذا لم يكن كذلك فللكراهة التحريمية، لأن الأمثلة التى تدل على أن النهى للتحريم كلها قطعى الثبوت وقطعى الدلالة من غيرقرينة صارفة عن التحريم إلى غيره من المعانى. والصحيح الراجح مذهب الجمهورة لأن النهى فى اللغة موضوع للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم والإلزام، فلا يدل عند إطلاقه إلا على التحريم، ولا يدل على غيره إلا بقرينة، وهذا ما يفهمه العقل من الصيغة المجردة عن القرينة، وهو دليل الحقيقة، وهى أن النهى حقيقة فى التحريم. أ. د/على جمعة محمد

стр. 662

٢٠ - النية لغة: قصد النفس إلى العمل كما فى المعجم الوجيز (١). واصطلاحا: اعتقاد القلب فعل الشىء وعزمه عليه من غير تردد (٢). ومحل النية القلب، والتلفظ بها مباح، وزمنها أول العبادات، والمقصود بها تمييز العبادات عن بعضها، وتمييز العبادة عن العادة، كالجلوس فى المسجد الذى يكون اعتكافا تارة، وللاستراحة تارة أخرى. ومن أدلة اشتراط النيه لصحة العبادات، ما رواه عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخارى (٣). وكيفية النية فى العبادات تختلف بحسب كل عبادة، فالنيه في الطهارة مثلا يقصد بها رفع الحدث، أو استباحة ما يفتقر إلى طهر كالصلاة والطواف ونحوهما، أو الاغتسال أو التيمم، فيقول المتطهر: نويت رفع الحدث، أواستباحة الصلاة … ، ونية الصلاة: يبين فيها الفعل والصلاة التى تؤدى، ونية الزكاة: يظهر فيها المزكى اعتقاده أن ما يخرجه هو زكاة ماله، أوبدنه، أو زكاة من يخرج عنه. واشتراط النية فى العبادات يقتضى استحضار الذهن عند العزم على العبادة، والتجرد من شواغل الدنيا والإخلاص لله تعالى فيها. أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس

стр. 663

١ - الهبة لغة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، وهى التبرع (١) والهبة تشمل الهدية والصدقة، لأن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج فهى صدقة وإن حملت إلى مكان المهدى إليه إعظاما له وتوددا فهى هدية، وإلا فهى هبة، والعطية: الهبة فى مرض الموت. واصطلاحا: عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعا (٢). والهبة مشروعة مندوب إليها لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ (النساء٤) وقوله ﴿وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (البقرة ١٧٧) ولقوله ﷺ : "تهادوا تحابوا" (٣) وقد أجمع فقهاء المسلمين فى جميع العصور على استحباب الهبة بكل أنواعها لأنها من باب التعاون، وهى للأقارب أشد استحبابا وأكثر ندبا وأفضل ثوابا وأجرا، لما يكون فيها إلى جانب البر والتعاون من صله الرحم الذى أمر الله به رسوله ﷺ ويستحب لمن وهب له شيء أن يكافئ الواهب على هبته إن تيسر له ذلك، اقتداء برسول الله ﷺ ، فقد كان رسول الله سر يقبل الهدية ويثيب عليها (٤) ويهدف الإسلام إلى إقامة المجتمع المثالى المتكامل الذى يقوم على أساس من المحبة والود والصلة والقرب، والهبة من الوسائل الناجحة التى تحقق هذا المعنى، لما فيها من تعبير عن الإكرام والود والاحترام، والإنسان مفطور على حب من أكرمه وأحسن إليه وأظهر له وده واحترامه بقول رسول الله ﷺ ) تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر) (٥) أى غله والحقد الذى قد يكون فيه وينبغى على من وهب له شيء أن يقبله ولا يرده لما فى الرد على الواهب من إيذاء له إذ قد يشعر باستصغاره وعدم الاكتراث به. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 664

٢ - الهجاء لغة: يقال: هجاه يهجوه هجوا وهجاءً وتَهْجاءً: شتمه بالشعر والهجاء بهذا المعنى خلاف المدح (١) والهجاء أيضا: تقطيع اللفظة بحروفها، ومنه: هجّيتُ الحروف وتهجّيْتُها (٢) ومنه قول أحدهم عندما سئل: أتقرأ من القرآن شيئا؟ قال: والله ما أهجو منه حرفا، أى ما أقرأ منه حرفا (٣). واصطلاحا: وهو غرض من أغراض الشعر العربى منذ العصر الجاهلى حتى العصر الحديث. وقد أطلق علّى بعض الشعراء فى العصور المتوالية اصطلاح (الشعراء الهجائين) لكثرة ما تناولوه من شعرالهجاء لظروف خاصة أحاطت بهم فى مجتمعاتهم دعتهم إلى هذا اللون من التعبيرعما فى نفوسهم وقد يلجأ الشاعر (الهجّاء) إلى سلب المهجو ما يعتز به من الفضائل، أو رميه بما ينفر من الرذائل كقول (الحطيئة) فى عصره الجاهلى يهجو (الزبرقان بن بدر): دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى وكقول (الأعشى) يهجو (علقمة بن علاثة): تبيتون فى المشتى ملاًء بطونكم وجاراتكم غَرَثَى يبتُن خصائص (٣) وأحيانا يكون الهجاء سياسيا بغرض سلب الحاكم أو الأمير هيبته كهجاء (المتنبى) لحاكم مصر وقتها (كافور الأخشيدى) الذى لم يحقق للّشاعر مبتغاه فهجاه بقوله: أكلما اغتال عبد السوء سيده أو خانه فله فى مصر تمهيد صار الخصى إمام الآبقين بها فالحر مستعبد والعبد معبود من علم الأسود المخصى مكرمة أقوامه البيض أم أباؤء الصيد؟ أم أذنه فى يد النخّاس دامية أم قدره وهو بالفلسين مردود؟ أ. د/ صلاح الدين عبد التواب

стр. 665

٣ - الهجرة يقصد بها: الخروج من أرض إلى أرض، وانتقال الأفراد من مكان إلى آخر سعيا لتحقيق أغراض للمهاجر. ولما كان الانتقال جهدا لأصحابه نفسيا ومادياة حيث يترك أرضه الأولى وماله فيها من ذكريات ومنافع، إلى أرض أخرى جديدة لا يدري ماذا يحدث له فيها: كان التوجيه القرآنى والترغيب النبوى مصاحبا للمهاجرين الذين اضطهدوا فى أرضهم لإيمانهم بربهم وما اقتضاه إيمانهم من إنتقالهم إلى العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق، فأخرج المؤمنون من ديارهم، وأوذوا فى سبيل الله، فكان التوجيه النبوى أن تكون الهجرة لله وحده "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، يؤجرعليها بما جاء من الوعد الصادق، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، من أغراض محدودة. قال تعالى فى بيان مكانة المهاجربن فى سبيله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم﴾ البقرة:٢١٨. وقال سبحانه: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ آل عمران:١٩٥. وكما أثنى الله على المهاجرين أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم قال جل شأنه: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصاروالذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ التوبة:١٠٠، وقال سبحانه: ﴿والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجرإليهم، ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ الحشر:٦. وقال رسول الله ﷺ : "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" (١). وقد هاجر المؤمنون عندما اشتد بهم تعذيب المشركين بمكة المكرمة إلى الحبشة مرتين قال الرسول ﷺ للمعذبين: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه". تقول السيدة أم سلمة رضى الله عنها: "فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نحس منه ظلما) (٣). ثم بلغ المهاجرين إلى الحبشة أن أهل مكة أسلموا فرجع بعضهم فلم يجدواالخبر الصحيح فرجعوا إلى الحبشة، وهاجر معهم فى الهجرة الثانية جماعة آخرون. وكان المهاجرون يعبرون عن دينهم وما دعاهم إليه خير تعبير مما يدعو الآخرين إلى احترامهم وتقديرهم إذ أحسنوا فى عرض عقيدتهم وأخلاقهم، دون تضليل أو كذب ولو كان فيما يقولون بعض المخالفة لما كان عليه أهل الحبشة من تحريف فى المعتقدات. وكانت الهجرة الكبرى والتى أذن الله فيها لنبيه ﷺ بتحقيقها وأراه موضعها - إلى المدينة المنورة، فاتخد الرسول ﷺ لها أسبابها، واختار فيها الرفيق، والدليل الخبير، وأمن مصدر الزاد، والأخبار والمتابعة، ورد الأمانات إلى أصحابها، وواجه طغيان المشركين بتدبير محكم، ومضى فى طريق هجرته ومعه الصديق أبو بكر، وفشلت محاولات المشركين فى تتبعه وإعادته وتجلت عناية الله فى الطريق وشهدت بذلك "أم معبد" كما شهد سراقة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاستقبل بفرح المؤمنين، وأقام مسجدا وحمل فيه الحجارة مع أصحابه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا عظيما لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود فى المدينة المنورة وظهرت آثار الهجرة فى مغالات التأسيس للدولة والأمة، وسميت المدينة بدار الهجرة والسنة كما فى صحيح البخارى، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التى بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبى ﷺ بعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجأ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا" (متفق عليه) وبقى معنى الهجرة فى هجر مانهى الله عنه، وبقت تاريخا للأمة. أ. د/محمد رفعت سعيد

стр. 666

٤ - الهندسة الوراثية يطلق هذا المصطلح على استخدام أساليب علمية تمكن من تغيير الجينات (المورثات) أو توليفات منها، ومع أن المصطلح والعلم جديدان إلا أن تجارب الإنسانية فى هذا المحيط تعود إلى زمن بعيد، فعلى مدى آلاف السنين استخدم مستولدو النباتات والحيوانات طرائق متعددة لتوليد أفضل أنواع النباتات والحيوانات على نحو ما نعرف من سلالات الأبقار وسلالات الحبوب التى تم تهجينها. وفى ربع القرن الأخيرتمكن العلماء من تطوير وسائل معقدة لعزل بعض الجينات وإدخالها مرة أخرى فى خلايا ونباتات أو حيوانات كائنات أخرى، وتؤدى هذه الأساليب إلى تغيير خصائص الخلايا والكائنات الوراثية. وقد مضت اتجاهات الهندسة الوراثية بخطوات حثيثة خاصة مع تسارع التقدم العلمى فى جميع المجالات، ومع الحاجة الملحة إلى زيادة الإنتاج الرأسى من المحصولات الزراعية، أو من الإنتاج الحيوانى كاللحوم والألبان، وفضلا عن هذا فإن الهندسة الوراثية مكنت من تخليق عدد لا يستهان به من العقاقير الطبية الفعالة، والمواد اللازمة لإجراء البحوث المتقدمة. وتوجد الجينات فى داخل الخلية على خيوط رفيعة تسمى "الكروموزومات "،ويحتوى كل كروموزوم على جزيء واحد طويل من مادة كيميائية تسمى " الدنا "، واختصاره دنا ( DNA)، ويحتوى الجزيء الواحد على آلاف الجينات، ويتضمن فى تركيبته الكيميائية المعلومات التى فى حجم الجين من كائن معين، ثم يتم وصلها بجزئ من حمض مأخوذ من كائن آخر أو من نفس الكائن، ويسمى الجزىء المهجن حمض "دنا" المؤلف. وقد أثارت الهندسة الوراثية، بالرغم من مزاياها الكثيرة، مخاوف الكثيرين، إذ يخشى عدد لا يستهان به من الناس أن تلحق الضرر بالبيئة، كما يتساءل آخرون على المبرر الخلقى الذى يبيح للعلماء التلاعب بمادة الكائنات الحية الوراثية. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 667

٥ - الهندوسية "الهندوسية" أو "الهندوكية": دين يعتنقه معظم سكان الهند، وقد أطلق عليها ابتداء من القرن الثامن ق. م. اسم: "البرهمية" نسبة إلى "براهما" وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التى تطلب كثيرا من العبادات، كقراءة الأدعية والأناشيد وتقديم القرابين، و"البرهميون" أو"البراهمة": هم أصحاب الطبقة الأولى من عبدة "براهما"الذين ولدوا منه، أو ممن انبثق عنه: "برهمان". قامت "الهندوسية" على أنقاض "الويدية"، وتشربت أفكارها، وتسلمت عن طريقها الملامح الهندية القديمة، والأساطير الروحانية المختلفة التى نمت فى الهند قبل دخول الآريين، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا لـ "الويدية" وتطورا لها. ليس لـ"الهندوسية" مؤسس يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها وأحكامها، فهى مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعد ما وردوا على الهند، وتغلبوا على سكانها. ويعتقد الهنود أنها دين أزلى لا بداية له وملهم به قديم قدم الملهم، ويرى الباحثون الغربيون والمحققون من الهندوس أنه قد نشأ فى قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنا بدأت قبل الميلاد بزمن طويل وقد أنشأه أجيال من الشعراء، والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبا بعد عقب، وفق تطورات الظروف، وتقلبات الشئون، ف" الهندوسية" أسلوب فى الحياة أكثر مما هى مجموعة من العقائد والمعتقدات، وتاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والسنن، وليست لها صيغ محددة المعالم، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط بها إلى عبادة الأحجار والأشجار والحيوان، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة. "الفيدا " هو كتاب "الهندوسية" المقدس، ويقال: إنه أقدم من التوراة بآلاف السنين، وإنه دون فى زمن موغل فى القدم، ربما يرجع إلى ثلاثين ألف سنة مضت، وتعكس نصوصه حياة الآريين فى الهند فى عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه حلهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، مساكنهم وملابسهم، مطاعمهم ومشاربهم. وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية من سذاجة البدوى إلى شعور فلسفى، فتوجد فيه أدعية بدائية، مثل: "أيتها البقرة المقدسة، لك التمجيد والدعاء، فى كل مظهر تظهرين به .. "ونصوص ترتقى إلى وحدة الوجود، مثل": إنى أنا الله، نور الشمس، وضوء القمر وبريق اللهب، ووميض البرق، وصوت الرياح، وأنا الرائحة الطيبة التى تنبعث فى أنحاء الكون، والأصل الأزلى لجميع الكائنات، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح لأنى الأول والآخر والحياة والموت لكل كائن". بلغ تعدد الآلهة عند الهنود مبلغا كبيرا؛ إذ يوجد لكل ظاهرة طبيعية تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه، يستنصرون به فى الشدائد، غير أنهم جمعوا الآلهة فى إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو "براهما" من حيث هو موجد، وهو "فيشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك. و"براهما"، هذا عند فلاسفتهم ليس خالقا، فهو فكرة ذهنية أكثر منه إرادة عاملة، فالعالم -حسب تصورهم- خلق على النحو التالى: أخذ "براهما" يتأمل ويفكر، وعن تفكيره هذا نشأت بذرة مخصبة، تطورت إلى بيضة ذهبية، ومن تلك البيضة نشأ العقل الخالق، يطلقون عليه أيضا "براهما". من المعتقدات الهندوسية: ١ - التناسخ؛ إذ يعتقد الهنود أن الأرواح جائلة متنقلة فى أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر، سواء أكان فى الإنسان، أو فى الحيوان، حتى تصل إلى هدفها الأخير، وهو استجلاء طلعة "براهما" التى لا تكتسب إلا بالاندماج فيه كما تندمج قطرة الماء فى المحيط. ٢ - "كارما" وهى متممة لفكرة تجوال الأرواح. وتقوم نظريتها على أساس أن كل عمل يأتيه الانسان له ثمرته حتما، وأن كل شىء يكتسبه الإنسان فى كل طور من أطوار الوجود المتكرر، تحدده الأعمال التى يقوم بها فى الوجود السابق؛ فأعماله الصالحة ترفع درجته فى الأطوار اللاحقة، حتى إلى النهاية، وهو الاتحاد مع "براهما". والأعمال الشريرة تهبط بدرجته إلى أسفل، فيظل دائرا فى أطوار الوجود المؤلمة لا يتخلص منها أبدا بل تزداد انحدارا به إلى أسفل طبقات الوجود. ٣ - نظام الطبقات: يعتبر "البراهمة" رجال الدين أنفسهم من عنصر إلهى، فهم كهنة الأمة التى لا تجوز الذبائح إلا فى حضرتهم وتحت أيديهم، لذلك قسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات: (أ) طبقة الكهنة. (ب) طبقة المحاربين والتجار. (ج) طبقة الخدم، فلا يجوز لفرد أن يأكل مع آخر من طبقة أخرى، أو يزاوجه، أو يختلط به. ولم يظهر هذا النظام إلا فى قوانين "مينو" حوالى القرن السادس قبل الميلاد وهناك طبقة رابعة لم تدخل التقسيم وهى طبقة المنبوذين؛ إذ هم سكان الهند الأصليون الذين لا يجرى فى عروقهم الدم التوارنى. أو الدم الآرى، ويسمون: "زنوج الهنود"، وقد سلبهم المجتمع الهندوسى حقوقهم الإنسانية، فنزل بهم إلى مستوى أقل -أحيانا- من مستوى الحيوان، فيعتقد الهندوسى فى أحيان كثيرة أن الدنس والرجس يلحقه، إذا مر به المنبوذ على بعد بضعة أمتار. ولم ترجع الفلسفة الهندية نشأة نظام الطبقات إلى نزعة الجنس والعنصر، بل ربطته بنص مقدس، يقول "مينو": " … ثم خلق البرهمى من فمه، و"الكشتريا" وهم المحاربون التجار من ذراعه، و"الويشا" وهم الخدم من فخذه، و"السودرا"، وهم المنبوذون من رجله، فكان لكل من هذه الطبقات منزلة على هذا النحو". ومن ثم اتجه المنبوذون فى تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأزوات التى اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة، فأعظم الآلهة عندهم يظهر فى شكل كومة من الآجر، أو فى هيئة أخرى ساذجة. وهذا الإله هو الذى يمنح الخصب للعواقر، ويحمى المحصول من الآفات، ويرعاهم برعايته وعنايته، ولكل مدينة إلهها. أ. د/محمد شامة

стр. 668

٦ - الهيمنة لغة: القيام على الشيء، وقيل الرقابة على الشىء، يقال هيمن يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء. واصطلاحا: القدرة المطلقة على الشىء من كافة جوانبه، وبشتى الوسائل، بما يكفل تحقيق الغاية المشروعة. وقد ورد فى القرآن الكريم لفظ (مهيمن) مرتين، الأولى كاسم الله وصفة من صفاته، يقول تعالى ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن﴾ (الحشر٢٣)، والثانية كصفة للقرآن الكريم معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ يقول تعالى] وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه [المائدة ٤٨). وبذلك يقرر الإسلام تفرد الحق ﵎ بالهيمنة المطلقة، وأنه اصطفى نبيه محمدا ﷺ فجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وأنزل عليه القرآن الكريم مصدقاً ومهيمناً، مما يجعل الهيمنة حقا لمن اتبع الإسلام والتزم بهديه، أما من فرط فيذيقه الله وبال هيمنة زائفة للمشركين. فالإسلام بطبيعته دين للحياة بجميع أبعاده وفى مختلف ظروفها وأحوالها، وهو دين ينطبق على كل قابلية واستعداد، ويلائم كل عاطفة وإحساس وهو دين متفتح لا يرفض ثقافة معينة لمجرد كونها أجنبية وإنما ينظرفيها ويفحصها بعناية ويأخذ ما يفيد فى مسيرته الحضارية، مما يجعله حقيقاً بالهيمنة، وحقيقاً بأن يهيمن من اتبعه والتزم به على العالم بأسره. فالإسلام كدين ليس تيارا فكريَّا أو ظاهرة وقتية حتى يخشى عليه من تيارات فكرية أخرى إنما هو دين له جذور وأصول راسخة، وقد ختم الله به الرسالات السماوية، وطالب المسلمين بعمارة الأرض والاستخلاف فيها، ونشر القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، والحفاظ على الكرامة الإنسانية لكل البشر وتأكيد حق كل إنسان فى الحرية والمساواة وحماية الأنفس والمعتقدات والعقول والأموال والأعراض، وإقامة موازين العدل بين الناس، وصيانة مؤسسة الأسرة، واحترام المرأة، ومنع الظلم والاستغلال فى كل أشكاله وصوره، وهى مهمة لا يقوم بها ويحمل تبعتها إلا من امتلك الهيمنة، وهى حظ كل مسلم التزم واتبع ولم يغير ويبدل. وإن ظهر فى العصر الحديث ما يسمى بالعولمة التى هى فى جوهرها وإحدى صورها نوع من الهيمنة، فإنه يمكننا القول بأن الإسلام يعد دين العولمة الحقيقية متضمنا الأهداف السابقة. ولعل مواجهة العولمة القادمة بما تحمله من شرور يثير مخاوف كثير من الغيورين على مبادئ دينهم، إلا أن مواجهة ذلك تكون بالعلم والعمل، ويكون موقفنا من الجديد الغريب القادم كموقف ابن رشد من كتب القدماء حين قال: ننظر فى الذى قالوه من ذلك وما أثبتوه فى كتبهم فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم. (هيئة التحرير)

стр. 669

١ - واجب الوجود مصطلح واجب الوجود يشير إلى وجودين: وجود أصلى ثابت لا يتغير، سبب لكل موجود سواه. واجب الوجود بذاته، الموجود الذى وجوب وجوده من ذاته ولذاته- أى لم يكتسبه من أى شىء آخر وهو الضرورى الوجود، الذى يترتب على عدم وجوده استحالة وجود أى شيء، هو الأزلى الأبدى. يقول ابن سينا: "أما الذى هو واجب الوجود بذاته فهو الذى لذاته لا لشىء آخر أى شيء كان، ويلزم محال من فرض عدمه"ووجود فرعى مسبب عن السبب الأول، وهو واجب الوجود بغيره، وقد اعتمد فى وجوده على علة أوجبت وجوده حينما تعلقت به إيجادًا حيث رجحت وجوده على عدمه، ولولا علة الترجيح لبقى فى دائرة الإمكان. هو الذى "إذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده .. وإذا وجب صار واجب الوجود بغيره، فيلزم من هذا أنه كان فيما لم يزل ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره". هو الذى لا يلزم من وجوده أو عدمه أى محال، ويوضحه ابن سينا بالمثال " إن الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها، ولكن عند فرض اثنين واثنين"،وواجب الوجود بذاته عند "الفارابى" "وابن سينا" وغيرهما، هو الله سبحانه مبدئ جميع الموجودات بأعيانها وأنواعها وصفاتها. ومع أن وجود واجب الوجود بذاته الله ، واضح لكل ذى لب يقول سبحانه ﴿أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون﴾ (الطور٣٥ - ٣٦). ويقول سبحانه: ﴿سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد﴾ (فصلت ٥٣). ومع هذا الموضوع فقد أقام المتكلمون والفلاسفة الكثير من الأدلة. منها: دليل الحدوث: وملخصه، العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، والمحدث هو الله سبحانه. دليل العناية: وملخصه، أن كل ما فى العالم موافق لوجود الإنسان، وهذه الموافقة ضرورية من قبل فاعل قاصد مريد هو الله سبحانه. ودليل الاختراع: وملخصه أن كل الموجودات مخترعة اختراعا حقيقيا، وكل مخترع فله مخترع، والمخترع هو الله سبحانه. وقد استدل "الفارابى، و"ابن سينا، على وجود واجب الوجود بذاته، لا من خلال الحدوث أو العناية أو الاختراع وإنما "من نفس الوجود، أى من حيث هو، بغض النظر عن المشاهد الواقع، ويدعى كل منهما أن تصور الذهن للوجود وحده يؤدى به حتما إلى الاعتراف بواجب الوجود بذاته)، ونذكر على سبيل الإيجاز دليلى "الفارابى" وابن سينا". يقول الفارابى: "لك أن تلحظ عالم الخلق، فترى فية أمارات الصنعة. ولك أن تعرض عنه، وتلحظ عالم الوجود المحض، وتعلم أنه لابد من موجود بذاته … فإن اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد، وإن اعتبرت عالم الوجود فأنت نازل، تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك" ويقول "ابن سينا": "لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود فإما واجب وإما ممكن. فإن كان واجبا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب. وإن كان ممكنا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود" لم يشك "ابن سينا" فى وجود موجود، هذا الوجود إذا نظرنا إليه فى العقل، بصرف النظر عن تحققه فى الخارج، أو فى أفراد معينة. إن كان وجوده عين ذاته، أى غير مستند إلى علة سابقة فهو واجب الوجود بذاته. وإن كان وجوده من غير ذاته، كان ممكن الوجود، وسبب وجوده علة سابقة، لأنه بدون العلة لا يخرج للوجود. وهذه العلة إن كانت واجبة الوجود، ثبت المطلوب وإلا نقلنا الأمر إلى علة أخرى وهكذا … ولابد أن ينتهى الأمر إلى واجب الوجود بذاته، لأن عدم الانتهاء يؤدى إلى محالين وهما: الدور والتسلسل. "وابن سينا" إذ يثبت استحالة الدور والتسلسل، فإنه يؤكد ضرورة الانتهاء إلى واجب الوجود بذاته وهو الله . وواجب الوجود بذاته برئ من كل نقص، وجوده أفضل وأقدم وأكمل الوجود، خير محض، وكمال محض، وحق محض، لا مثل ولا ند ولا ضد له، لا ينقسم لا بالكم ولا بالكيف، مرتبته فى الوجود لذاته، هى مرتبة لا يشاركه فيها غيره أ. د / محمد الأنور حامد عيسى

стр. 670

٢ - الوتر لغة: الفرد أو ما لم يتشفع من العدد، كما فى القاموس (١). واصطلاحا: عبادة زائدة شرعت لنا لا علينا (٢). والوتر صلاة مسنونة، لا أذان لها ولا إقامة، ولا جماعة فيها، ويجوزأن تؤدى على الراحلة، ووقتها بين العشاء وطلوع الفجر، يدل على مشروعيتها ماروى عن خارجة بن حذافة أن رسول الله ﷺ قال: (قد أمدكم الله بصلاة هى خير لكم من حصر النعم وهى الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء والآخر إلى طلوع الفجر) (رواه الحاكم وصححه عن حذاقة) (٣) ووأقل الوتر ركعة، لما روى عن ابن عمرأن رسول الله ﷺ قال: (الوترركعة من آخر الليل) (رواه مسلم عن أبن عمر) (٤) إلا أنه يجوز الزيادة عليها: فتصلى ثلاث ركعات بتسليمه وأحدة، لحديثه عائشة (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لايسلم إلا فى آخرهن) (رواه الحاكم وصححه عن عائشة) (٥). وأجاز بعض الفقهاء أن يصلى ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، أو تسع ركعات، أو سبعا، أو خمسا، ويسلم فيها بعد كل ركعتين، ويوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس من الثلاث عشرة أو الإحدج عشرة، وله أن يوتر بثلاث من التسع والسبع، فإن أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرهن، وقد ثبت ذلك بنصوص صحيحة عن عائشة، منها قولها (كأن رسول الله ﷺ يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة، يوترمنها واحدة) وقولها: (كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك خمس لا يجلس إلا فى آخرها)، وحديثها (ما كان رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا) (رواه مسلم عن عائشة). وروى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فاوتر بواحدة) متفق عليه (٧). أ. د/عبد الفتاح محمود إدريس
следующие страницы →