٦ - بدء الوحي
لغةَ: الوحى هو الإعلام فى خفاء وسرعة، فكل إعلام بشيء في خفاء وسرعة يسمى وحيا، ولذلك جاز أن يكون هناك وحى لغير البشر، قال سبحانه ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا﴾ (النحل ٦٨).
كما جاز أن يكون هناك وحى لغير الأنبياء من البشر، كما قال سبحانه ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ (القصص ٧). وهذا الوحى لغير الأنبياء لا يكون بدين شرعى.
واصطلاحاً: إعلام خفى من الله تعالى لأنبيائه ورسله، بما يريد سبحانه أن يبلغوه إلى خلقه من كتب، وتعاليم شرعية بطريق من طرق الوحى الشرعية.
ولقد مربدء الوحى برسول الله ﷺ بمراحل حتى جاءه الملك وهو يتعبد فى غار حراء كما جاء فى الحديث الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغارحراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك، فقال اقرأ: قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطنى (أى ضمنى) حتى بلغ منى الجهد (التعب) ثم أرسلنى (أى أطلقنى) فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى ثانية، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده .. من خلال الحديث السابق نرى أن بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ مربعدة مراحل منها:
أ- مرحلة الرؤيا الصادقة الصالحة فكان لا يرى رؤيا فى نومه إلا جاءت واضحة مثل فلق الصبح تماما كما رآها، وكانت هذه المرحلة ليتهيأ ﷺ جميع لتلقى الوحى ويستعد لاستقباله.
قال القاضى عياض- رحمه الله تعالى- عن حكمة البدء بالرؤيا الصالحة به: "لئلا يفجأه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قواه البشرية فبدأ أمره بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا (٢)
ب- مرحلة الخلوة والتعبد، وقد حبب الله إليه الخلاء فى غار حراء، وهذا الغار له مزية على غيره حيث يمكن أن يرى منه الكعبة المشرفة، وينظر إلى بيت أهله من هذا الغار، ولم يكن حبه للخلوة ﷺ صادرا عن هوى فى نفسه، أو استجابة لطبع جبل عليه، وإنما الله تعالى هو الذى حبب إليه الخلاء ليأتنس بالخالق ، وليعرض عما كان عليه مجتمع الجاهلية من اللهو والعبث. ومرحلة الخلوة هذه لا تدل على أن النبوة مكتسبة بالجهد والعبادة، وإنما هى هبة من الله تعالى لمن يشاء من خلقه، قال سبحانه: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام ١٢٤) كما أن تردده ﷺ على بيت أهله فيه جملة من الفوائد:
منها: أن الإنسان لا ينقطع تماما للعبادة ويترك واجباته الأخرى بل عليه أن يؤدى كل الحقوق التى استرعاه الله عليها ويوازن بينها فلا يبالغ فى أداء بعضها، ويتهاون فى بعضها الآخر، والمؤمن الحق هو الذى يؤدى كل ما عليه بدون مبالغة أو تفريط. ومنها: أن تزوده ﷺ بالزاد يدل على ضرورة الأخذ بالأسباب، فإن التوكل الحقيقى على الله تعالى هو الأخذ بكل الأسباب الممكنة ثم تفويض الأمر بعد ذلك إلى الله تعالى.
جـ- مرحلة نزول الملك: وبعد أن تهيأ النبى ﷺ جاءه جبريل ﵇ وهو فى غار حراء بأول الآيات التى نزلت من القرآن الكريم وهى قوله تعالى] اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم [، (العلق ١ - ٣).
ثم فتر الوحى مدة عن رسول الله ﷺ حتى يذهب عنه الخوف الذى أصابه عند لقائه
بالملك أول مرة، وليشتد شوقه إليه، ثم تتابع الوحى بعد ذلك على رسول الله ﷺ حتى أتم الله نعمته، وأكمل دينه الذى لن يقبل من الخلق بعد بعثة رسول الله ﷺ ود دينا سواه
،] اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا [، (المائدة ٣).
أ. د/ مروان محمد مصطفى
------
(١) البخارى: كتاب: بدء الوحى ومسلم: كتاب الايمان: باب بدء الوحى رسول الله - ( ﷺ
(٢) إكمال إعلام المعلم جـ١ ص٤٧٨.
стр. 72
٧ - بَدر
قرية بدر، إحدى قرى الصحراء، على طريق القوافل بين المدينة ومكة، وتبعد عن ساحل البحر الأحمر نحو ٤٥ كم، وهى إلى الجنوب الغربى من المدينة بنحو ١٥٥كم، وبينها وبين مكة ٣١٠ كم. وفى بدر جرت وقائع أشهر المعارك بين المسلمين والمشركين فى السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة (فبراير ٦٢٤ م)، وقد أنعم الله على المسلمين يومئذ- بقيادة النبى ﷺ - بانتصار عظيم على كفار قريش، الذين خرجوا من مكة يريدون القضاء على محمد وأصحابه، وبذلك تنتهى المشكلات الدينية والاقتصادية والاجتماعية التى فجرتها الدعوة الإسلامية، ومقاومةُ قريش لها، مقاومة أدت إلى قيام صراع مسلح بين الفريقين، وكانت غزوة بدر الكبرى إحدى المعالم البارزة فى هذا الصراع.
إن سبب نشوب هذه المعركة المباشر، هو خروج المسلمين لاعتراض قافلة تجارية ضخمة لقريش، مقبلة من الشام فى طريقها إلى مكة، وفى ذلك قال النبى ﷺ لأصحابه] هذه عير لقريش فاخرجوا إليها، لعل الله ينفلكموها [أى يجعلها غنيمة لكم، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، واتجهوا صوب الطريق المتوقع أن تسلكه القافلة.
وعلى الجانب الآخر كان أبو سفيان بن حرب الأموى قائد القافلة رجلاً شديد الحذر والتنبه إلى ما يتوقعه من خطر اعتراض المسلمين له، فلما علم بخروجهم، غيَّر طريقه فورا، وأرسل إلى أهل مكة يستغيثهم ويطلب نجدتهم.
وكان فى مكة أناس يتوقون إلى قتال محمد- ﷺ - وأصحابه والقضاء عليهم، فانتهزوا هذه الفرصة وحرضوا قريشًا على الخروج لقتال المسلمين، أولئك الخارجين على دين الآباء، والذين يهددون تجارة مكة، وهى عصب حياة أهلها، ويتزعم هؤلاء المحرضين أبو جهل عمرو بن هشام المخزومى. وعلى الرغم من تباطؤ كثيرين فى إجابة داعى الحرب، وعدم تحمسهم لقتال المسلمين- وهم فى الواقع ذوو قرابتهم ومن عشيرتهم- فإن جيشًا كبيرا قوامه نحو ألف رجل قد انطلق من مكة نحو قرية بدر، حيث يتوقع أن يلتقوا بالمسلمين هناك.
بعد أن تمكن أبو سفيان من الابتعاد بالقافلة عن متناول أيدى المسلمين، أرسل إلى قريش يخبرهم أن تجارتهم قد نجت من خطر محمد وأصحابه، وينصحهم بعدم الخروج من مكة، فلم تفلح محاولات عقلاء قريش فى تهدئة أبى جهل ورفاقه، وإثنائهم عن الخروج للحرب بعد أن زال سببها، فتغلبوا على دعاة السلم، وزحف الجيش نحو بدر. ومن جهة أخرى علم النبى ﷺ ، بإفلات عير قريش تماما، وبلغه نبأ"خروج المشركين للقتال، فعرض الأمر على أصحابه وطلب رأيهم. فأجمعوا- مهاجرين وأنصارا- على قتال القوم، وكلهم ثقة فى نصر الله إياهم وإعزاز دينه.
ومروراً بتفاصيل كثيرة لا يتسع المقام لعرضها، فقد اصطف الفريقان للقتال صبيحة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكانت الضربة الأولى لصالح المسلمين، حيث قَتَلَ ثلاثةُ مسلمين ثلاثة من المشركين، ومن ثم التحم الفريقان فى قتال مرير لعدة ساعات من نهار ذلك اليوم المشهود، أسفر عن هزيمة ساحقة ألحقها المسلمون بمشركى قريش، ولم يتوقف القتال إلا بعد أن ولَّى المشركون الأدبار، حيث تعقبهم المسلمون يأسرون من لم تسعفه سرعته على الفرار. وانجلت الموقعة عن خسائر جسيمة فى صفوف قريش، فقُتِل سبعون من رجالاتهم، ووقع سبعون آخرون فى الأسر، وحصل المسلمون على غنائم كبيرة مما خلفه عدوهم.
ثم أمر رسول الله بدفن قتلى المشركين، فوضعوهم فى بئر قديمة جافة وأهالوا عليهم التراب، ثم دفنوا الشهداء من المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلاً فقط ومما لا ريب فيه أن غزوة بدر كانت ذات أثر بالغ فى مسيرة الدعوة الإسلامية، حيث أعطت المسلمين دفعة معنوية عالية، وأكدت لهم أن الله معهم بنصره وتأييده، ماداموا ثابتين على عقيدتهم وإخلاصهم لله ولرسوله ﷺ ومستعدين دوما للتضحية فى سبيل إعلاء كلمة الله ورفع راية دينه ..
أد/ محمد جبر أبو سعدة
стр. 73
٨ - البدعة
اصطلاحَا: اختلف العلماء فى تحديد معنى البدعة، فمنهم من جعلها عامة تشمل كل ما حدث بعد الرسول ﷺ سواء كان محمودًا أو مذمومًا، ومنهم من جعلها مقابلة للسنة.
والبدعة هى عمل على غير مثال سابق، وسميت بدعة لأن قائلها ابتدعها على غير مثال.
والبدع إما أن تكون حسنة كما فى حديث عمر ﵁ فى قيام رمضان: نعمت البدعة هذه. أو بدعة سيئة، والتى قيل عنها: إنها أصغر من الكفر وأكبر من الفسق. وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العلم والعمل به فهى كفر، وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العمل ظاهرًا فهى ضلالة وليست بكفر.
وهذا التقسيم للبدعة أخذ به الإمام الشافعى عندما رأى أن البدعة بدعتان، محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. ويشير الشاطبى فى حديثه عن البدعة إلى أنها طريقة مخترعة فى الدين تضاهى الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة فى التعبّد لله سبحانه. وقد قسم العلماء البدعة إلى أقسام كثيرة، وباعتبارات مختلفة، فمنهم من قسمها إلى حقيقية وإضافية، ومنهم من قسمها إلى واجبة ومحرمة، ومندوبة ومكروهة ومباحة، ومنهم من قسمها إلى عملية واعتقاديه وقولية، ومنهم من قسمها إلى تركية وفعلية، ومنهم من قسمها إلى عادية وعادية، كما أنها تقسم بحسب الزمان والمكان، مثل البدع الرمضانية، وبدع المسجد الحرام، وغير ذلك.
ولا ينبغى أن يسمى الشيء بدعة إلا إذا كان شيئا عمليا أحدث جديداً لم يكن أيام
النبى- ﷺ - وصحابته، أما ترك شيء مما كان عليه النبى وخلفاؤه فلا يسمى بدعة، بل يسمى مخالفة. والبدعة الدينية تكون فى الأصول المتفق عليها، أما الفروع التى هى محل الاجتهاد وفيها خلافات العلماء فلا ينبغى أن توصف بالبدعة.
أ. د/ منى أحمد أبو زيد
стр. 74
٩ - بدهي
لغة: هو الأمر المعلوم فى أوليات العقول.
واصطلاحا: هو الذى لا يتوقف العلم به على دليل خارج عن مجرد تصوره فى الذهن. وهو يرادف العلم الضرورى، ويقال: بديهى، بدهى، البديهيات، أو هو الذى لا يتوقف حصوله فى الذهن على نظر واستدلال.
وقيل عنه: ما لا يحتاج العلم به- بعد توجه العقل إليه- إلى شىء أصلاً فيكون أخص من العلم الضرورى: مثل تصور العقل لمعنى عدم التناقض (اجتماع الحرارة والبرودة) والتصديق بأن النفى والإثبات، أو الحركة والسكون لا يجتمعان على شيء واحد فى آن واحد، ولا يرتفعان عن الشيء الواحد فى آن واحد.
ومنه أخذت كلمة بداهة، فقيل: بدهه الأمر، بدهنى بكذا، وهو ذو بديهة، وأجاب الأمر على بديهته، وله بدائع وبدائه، وهو أمر معلوم فى بدائه العقول، أى أولياتها. ولا يقال ذلك إلا على اليقين الجازم الذى لا يقبل الشك فى تصوره. والأمر البدهى هو الذى يفرض نفسه على العقول لشدة وضوحه ولا يجد العقل مفرا من قبوله.
ومن البديهيات الأمور الأولية، والمبادئ العقلية الأولى، والضروريات، مثل: الكل أكبر من الجزء، الأب أكبر من الابن، عدم الجمع بين النقيضين. ولقد شاع فى النسبة إلى بديهة بديهى والصحيح بدهى.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 75
١٠ - البدو
لغة: البادية، وسكان البادية، وفى التنزيل العزيز ﴿وجاء بكم من البدو﴾ (يوسف ١٠٠) والبادية فضاء واسع فيه المرعى والماء، والنسبة إلى بدو: بدوى على غير قياس، والأنثى بدوية، وجمع بادية بواد، وهى الصحراء، بخلاف الحاضرة كما فى المنجد (١).
واصطلاحاً: كانت تطلق على منطقة جنوب غرب آسيا من الجزيرة العربية، وهى منطقة تخص القبائل العربية الرُّحَّل، فكان منهم قبائل قيس فى شمال بلاد العرب، واليمن فى جنوبها.
ويقصد بهم حاليا أهل الجزيرة العربية ووسط آسيا وشمال أفريقيا من الرعاة الرحل وأشباه الرُّحَّل ممن لم يستقروا بعد، حيث يعيشون فى مناطق جافة وشبه جافة حيث لا تسمح الأحوال الأيكولوجية إلا بحياة الظعن والحركة (٢).وكان الاعتماد على حيوان الحمل والتحمل (الجمل) وحيوان الكرَّ وا لفرَّ (الحصان)، فكانت ثقافة وحضارة خاصة تميزت بمميزات قائمة على مكونات هذين الحيوانين فى الغذاء والكساء والمأوى وما إلى ذلك.
كل هذا كان قبل أن يظهر زيت البترول، ويستخرج بكميات كبيرة منحت لسكان هذه البيئات دخلاً كبيراً فدخلت الأدوات التكنولوجية المتقدمة مما بدل الحال والمعيشة كثيراً.
والملاحظ أن هذه المناطق التى ظهر بها البترول يشغلها الوطن العربى ومعظم العالم الإسلامى، فكان أن أصبحت نعمة ومنحة الله للعرب والمسلمين اختبارا وابتلاء ومحنة لهم، حتى يكونوا أهل تكافل وتعاون.
أ. د / فاروق عبد الجواد شويقة
١ - المنجد فى اللغة والأعلام، دار المشرق، ط ٢٨، سنة ١٩٨٦م، بيروت.
٢ - أنماط من البيئات، جمال حمدان، عالم الكتب، القاهرة.
стр. 76
١١ - البديع (عِلْم)
لغة: الحديث والجديد والمخترع على غير مثال سابق (١).
واصطلاحا: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة (٢).
وقد قسمه علماء البلاغة قسمين:
البديع اللفظى، وفيه يكون التحسين راجعًا إلى اللفظ أكثر من رجوعه إلى المعنى، وله صور كثيرة، منها الجناس كقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى ٤٠).
فقد اتحد اللفظان واختلف المعنى، فالسيئة الأولى هى الجريمة والسيئة الثانية هى العقاب عليها. والقسم الثانى: البديع المعنوى: وهو ما كان التحسين فيه راجعًا إلى المعنى أكثر من رجوعه إلى اللفظ، وله صور متعددة، منها: الطباق، كما فى قوله تعالى: ﴿إن فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب﴾ (آل عمران ١٩٠) البديع فى الآية بين: السموات والأرض، والليل والنهار، لأنهما من الأضداد، فالسموات تضاد الأرض، والليل يضاد النهار، والبديع عامة هو أحد علوم البلاغة الثلاثة، وهى على الترتيب: المعانى- البيان ثم البديع.
أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 77
١٢ - البرُّ
لغة: يقال: بَّرحجُّه برا: قُبل، بر اليمين: صدقت، وَبرَّ والديه: وسَّع فى الإحسان إليهما ووصلهما، فهو بارُّ، والبِرُّ: الخير، والبِرُّ: اسم من أسماء الله تعالى. كما فى الوسيط (١).
واصطلاحا: اسم جامع للخيرات كلها، يراد به التخلق بالأخلاق الحسنة مع الناس، بالإحسان إليهم وصلتهم والصدق معهم، ومع الخالق بالتزام أمره واجتناب نهيه.
والبر يطلق ويراد به العمل الدائم الخالص من المآثم، ويقابله الفجور والإثم، وهو اسم جامع للشر.
وقد حثت الشريعة الإسلامية على الأمر بالبروالحضَّ عليه، فهو خلق جامع للخير، حاض على التزام الطاعة، واجتناب المعصية، قال تعالى: ﴿ليس البرأن تولوا وجوهكم َقبِل المشرق والمغرب ولكن البرمن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة ١٧٧).
وذكر القرطبى فى تفسيره: أن البر اسم جامع للخير، وتقدير الكلام، ولكن البِرُّ برُّ من آمن، وذلك أن النبى ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحُدَّت الحدود نزلت هذه الآية فأفادت أن البر ليس كله بالصلاة، ولكن البر بالإيمان بالله إلى آخرها من صفات الخير الجامعة (٢). وقوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة ٢). قال الماوردى: ندب الله تعالى إلى التعاون على البر، وقرنه بالتقوى لأن فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته، وأنشد أبو الحسن الهاشمى:
الناس كلهم عيال الله تحت ظلاله فأحبهم طُرَّا إليه أبرهم لعياله (٣)
وفى الحديث الذى رواه النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البِر والإثم. فقال رسول الله ﷺ : (البرحسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك وكَرِهْتِ أن يطلع عليه الناس) (رواه مسلم).
فالبر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف، والمبرة، وحسن الصحبة، والعشرة، والطاعة. وهذه الأمور هى مجامع حسن الخلق (٤).
والبر نوعان: صلة، ومعروف.
فأما الصلة فهي التبرع ببذل المال فى الجهات المحمودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النفس وصفاؤها. ويمنع منه شحها وإباؤها قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (الحشر ٩).
وأما المعروف فيشمل نوعين: القول والعمل، فأما القول فهو طيب الكلام، وحسن البشْر، والتودد بجميل القول. وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقَّة الطبع، وأما العمل فهو بذل الجاه، والمساعدة بالنفس، والمعونة فى النائبة. وهذا يبعث- عليه حب الخير للناس، وإيثار الصلاح لهم (٥).
ومن البر:
١ - بر الوالدين وطاعتهما وصلتهما وعدم عقوقهما والإحسان إليهما مع إرضائهما بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثما لقوله تعالى: ﴿وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه وبالوا لدين إحسانا﴾ (لإسراء٢٣). فقد أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، والقضاء بمعنى الأمر والإلزام والوجوب، ولقوله: ﴿أن اشكر لى ولوالديك إلَى المصير﴾ (لقمان ١٤) فقد قرن شكرهما بشكره: شكر الله على نعمة الإيمان، وشكر الوالدين على نعمة التربية. وعن ابن مسعود قال سألت النبى ﷺ : (أى الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أى؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أى؟ قال: الجهاد فى سبيل الله) (رواه البخارى) فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التى هى أعظم دعائم الإسلام.
٢ - بر الأيتام والمساكين والضعفاء، وذلك بالإحسان إليهم والقيام على حقوقهم وعدم
تضييعها لقوله ﷺ (الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله .. )
(رواه مسلم ﷺ ولقوله: (أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا وأشاربالسبابة والوسطى وفَرَّج بينهما) (رواه البخارى).
٣ - بِرْ الأرحام وذلك بصلتهم، والإحسان إليهم، وتفقد أحوالهم، والقيام على حاجاتهم، ومواساتهم. فقد جعل الله تعالى قطع الأرحام من الفساد فى الأرض، ولعن من يقطع رحمه، فى قوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ (محمد ٢٢ - ٢٣).
٤ - الحج المبرور، وهو الحج المقبول الذى لايخالطه إثم ولارياء لقوله ﷺ (الحج المبرورليس له جزاء إلا الجنة) (رواه البخارى)
٥ - بر اليمين، وهو أن يصدق فى يمينه، فيأتى بما حلف عليه قال تعالى:] ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا (النحل ٩١).
٦ - البيع المبروروهو الذى لا غش فيه ولا خيانة.
(هيئة التحرير)
стр. 78
١٣ - براعة الاستهلال
البراعة لغة: كمال الفضل.
والاستهلال لغة: الابتداء، كما فى اللسان. (١)
براعة الاستهلال اصطلاحا: ضرب من ضروب الصنعة التى يقدمها أمراء البيان، ونقاد الشعر، وجهابذة الألفاظ، بأن يبدأ المتكلم بمعنى ما يريد تكميله، وإن وقع فى أثناء الكلام (٢) وقد ذكر ابن المعتز فنا فى محاسن الكلام سماه (حُسن الابتداءات) (٣)، وأراد بهذه التسمية ابتداءات القصائدة إذ ينبغى للشاعر إذا ابتدأ قصيدة ابتدأها بما يدل على غرضه فيها.
وكذلك ينبغى للخطيب إذا ارتجل خطبة، والبليغ إذا افتتح رسالة، أن يكون ابتداء كلامه دالأ على انتهائه، فالابتدأء أول ما يقرع السمع، فإن كان عذبا، حسن التركيب، صحيح المعنى، أقبل السامع على الكلام فوعاه، وإلا أعرض عنه، وإن كان الباقى فى غاية الحسن (٤).
وتعد (براعة الاستهلال) فرعا فرعه المتأخرون مما يسمى (حسن الابتداءات) فيرى السيوطى أن براعة الاستهلال أخص من حسن الابتداء، لأن البراعة لابد فيها من الإشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، بخلاف حسن الابتداء فلا يشترط فيه ذلك (٥).
غير أن الخطيب القزوينى لا يرى فرقا بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال، فكلاهما شىء واحد، وبأيهما سميت كنت مصيبا، فأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، ويسمى براعة الاستهلال (٦).
وإذا تأملت السور القرآنية، جملها ومفرداتها، رأيت من البلاغة والتفنن فى الفصاحة ما لا تقدر العبارة على حصر معناه. (٧)
فمن الأمثلة القرآنية، قوله تعالى:
﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ الإسراء:٧.
﴿ليس لها من دون الله كاشفة﴾ النجم:٥٨.
﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة﴾ البقرة:١٣٨.
ومن أمثال السنة النبوية، قوله ﷺ :
(الحلال بين والحرام بين)
(خير الأمور أوساطها)
(لا ضرر ولا ضرار) (٨)
ومن الأمثال الشهيرة التى سارت على وجه الدهر، قولهم:
(تسمع بالمعيدى خير من أن تراه) يضرب مثلا للذى رؤيته دون السماع به.
وقولهم (أسمع جعجعة ولا أرى طحنا) أى أسمع جلبة ولا أرى عملا ينفع التمثيل إذا.
وقولهم (مواعيد عرقوب) وهو رجل يهودى من خيبر كان يعد ولا يفى، فضربت به العرب المثل.
وقد اتفق أصحاب الذوق السليم على أن التمثيل إذا جاء فى أعقاب المعانى، سواء كان المعنى مدحا أو ذما حجاجا أو افتخارا، اعتزارا أو وعظا، كساه أبهة ورفع من شأنه، فتتحرك النفس إليه ويهفو القلب له، وهكذا الحكم إذا استقرأت فنون القول وشعوبه. (٩)
أ. د/عبد القادر حسين
стр. 79
١٤ - البربر
يقصد بالبربر الجماعة التى أقامت منذ أحقاب بعيدة فى الشمال الإفريقى فى الأرض الممتدة من برقة شرقا حتى المحيط الأطلسى غربا، وهذه المنطقة أطلق عليها لفظة المغرب بمدلولها العام.
وأما لفظة بربر التى عرفوا بها فقد اختلف المؤرخون فى تفسيرها:
١ - فالسلاوى ينسب كلمة بربر إلى بر بن قيس (١).
٢ - وابن خلدون يرجع الكلمة إلى ما قاله إفريقى بن صيفى من ملوك التبابعة حين سمع كلامهم قال: ما أكثر بربرتكم، فسموا بالبربر، والبربرة بلسان العرب هى اختلاط الأصوات غير المفهومة (٢).
٣ - كلمة بربر مأخوذة من لفظ برباردس، وتعنى الرافضة للحضارة الرومانية.
وعاش البربر على شكل جماعات وبعضهم عاش داخل المدن، واختلطوا بمن احتل البلاد كالرومان والوندال وغيرهم، والغالبية عاشت على شكل قبائل وجماعات، واتخذت من سهول وجبال المنطقة موطنا وسكنا.
والباحث فى الجذور الأولى لشعب البربر وموطنهم الأصلى يجد اختلاف وتباينا فى أقوال المؤرخين، فابن حزم قال: إنهم من بقايا ولد حام بن نوح ﵇ وادعت طوائف منهم إلى اليمن (٣) وابن خلدون يذكر أن فلسطين، كانت موطنهم الأول (٤)، وابن خرداذبة يشير إلى أن مواطنهم الأولى فلسطين، وبمناقشة الآراء فى ذلك يمكننا أن نستخلص أن جيل البربركغيره من الأجيال التى عمرت الأرض وساحت فى أرجائها:
طلبا للرزق وسعيا وراء العيش ثم اتخذت لها موطنا فى أرض المغرب حيث تناسلت وتكاثرت.
وقد قسم النسابون العرب البربر إلى شعبين كبيرين، يقول ابن خلدون:"وأما شعوب هذا الجبل وبطونهم فإن علماء النسب متفقون على أنهم صنفان عظيمان وهما: برنس ومادغيس ويلقب مادغيس بالأتبر فلذلك يقال لشعوبه التبر، ويقال لشعوب برنس البرانس، وهما معا ابنا بر وقد اختلف المؤرخون فى تعليل انقسام البربر إلى هذين القسمين؛ وربما كان مرجع ذلك أن قبائل التبر تغلب عليها صفة البداوة فمواطنهم الوديان العالية والوطيئة وكذلك المناطق الرعوية وشبه الرعوية التى تمتد امتدادا متصلا من طرابلس إلى تازا، وكذلك ينتشرون فى أقاليم النخيل الممتدة من غدامس إلى السوس الأقصى، وهم بذلك يكونون غالبية سكان القرى والصحراء.
أما قبائل البرانس فتغلب عليها صفة الحضارة، إذ تنتشر الغالبية منها فى مناطق السهول التى تحيط بالساحل وكذلك المناطق الجبلية التى تمتد عبر المغرب.
وأما أشهر قبائل التبر فهم: زواغة وزوادة ولواتة ومزاتة وتفوشة. ومفيلة وزناتة ومطغرة وغيرها وأشهر قبائل البرانس: المصامدة وغمارة وأورية وكتامة وصنهاجة وغيرها.
وقد أشار ابن خلدون إلى حياتهم فهم يسكنون فى بيوت من الحجارة أو الطين أو الشعر، ويشتغل بعضهم بالرعى وآخرون بالزراعة (٦) وقد جبلوا على كثير من الفضائل الإنسانية منها حماية الجار ورعى الأذمة والوفاء بالقول والصبر على المكاره والثبات فى الشدائد ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وقرى الضيف وعلو الهمة وإباء الضيم.
أ. د/حسن على حسن
стр. 80
١٥ - البردة
لغة: كساء يُلتحف به وجمعه: بُرُد، والبُرد، بضم فسكون: ثوب مخطط جمعه أبراد، وأ برد، وبُرُود. وقيل: إذا جعل الصوف شقة وله هدب فهى بردة (١) وفى حديث سهل بن سعد أنه قال للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هى شملة، فقال سهل: هى شملة منسوجة فيها حاشيتها. (رواه البخارى) (٢) والشملة: شقة من الثياب ذات خمل -أى أهداب- يتوشح بها ويتلفع.
واصطلاحا: حين يذكر لفظ (البردة) يتبادر منه بردة رسول الله ﷺ وما يتعلق بها.
وقد خلَّف رسول الله ﷺ بردتين هما:
البردة الكعبية والبردة الأيلية.
١ - أما البردة الكعبية: فقد روى أن كعب ابن زهيركانت له ملاحاة مع أخيه بجير حين أسلم، تعرض فيها لأبى بكر رضى الله عنه، فكتب بجير إليه يحذره قائلا: إن كانت لك فى نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقتل أحدا أتاه تائبا، فقدم على رسول الله ﷺ وأنشده قصيدة يظهر بها إسلامه، ويمدحه فيها، وهى قصيدة مشهورة مطلعها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول
فعفا عنه الرسول ﷺ وأعطاه بردته، ولذلك سميت هذه القصيدة بالبردة، وحددت بعض الروايات أنه ألقاها إليه عند قوله:
إن الرسول لسيف يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول
يقول ابن كثير: وهذا من الأمور المشهورة جدا ولكن لم أر ذلك فى شئ من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه، فالله أعلم (٣).
فلما كانت خلافة معاوية بن أبى سفيان بعث إلى كعب بن زهير: بعنا بردة رسول الله ﷺ بعشرة آلاف، فوجه إليه: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب بعثا معاوية إلى أولاده بعشرين ألفا وأخذ البردة (٤)، وهى التى يلبسها الخلفاء فى العيدين (٥).
٢ - وأما البردة الأيلية: فقد روى أن أبا العباس عبدالله بن محمد اشتراها بثلاثمائة دينار، وأنها هى البردة التى توارثها خلفاء بنى العباس.
فالبردة التى كانت عند العباسيين قد تكون هى الكعبية، ورثوها من الأمويين، أو الأيلية، اشتراها أول الخلفاء العباسيين؛ إذ كانت عندهم بردة واحدة أحرقها هولاكو (٦) ويروى حسن إبراهيم حسن أن الكعبية بيعت للمنصور العباسى بأربعين ألفا ولاتزال فى القسطنطينية إلى اليوم (٧)، فلعلها إحدى هاتين البردتين.
ولما كانت قصيدة كعب قد أجيزت من رسول الله ﷺ ببردته، وكانت مخصصة لمدحه، فقد اتخذها الشعراء من المحبين لرسول الله ﷺ دليلا ينسجون على منواله القصائد فى مدحه، تقربا إلى الله وتنفيسا عن عواطفهم، وما يزال ذلك دأبهم.
ومن أشهر القصائد فى ذلك قصيدة (بردة المديح) للإمام شرف الدين أبى عبدالله محمد بن سعيد بن حماد البوصيرى الصنهاجى، ومطلعها:
أمن تذكرجيران بذى سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
وقد كان أحد أبويه من بوصير، وثانيهما من دلاص، وكلاهما بمصر الوسطى، ولد سنة ثمان وستمائة هجرية ١٢١٢م، وتوفى سنة ست أو أربع وتسعين وستمائة للهجرة ١٢٩٦م، وقد لقيت قصيدته هذه قبولا عاما من المسلمين، حتى عقدوا لقراءتها المجالس، ورتبوا لها طرق الانشاد، معتقدين فى بركاتها، حيث إن ناظمها كان قد أصيب بالفالج حتى أبطل نصفه، وأعيا الأطباء، فصح عزمه على أن ينظم قصيدة فى مدح المصطفى ﷺ يتشفع بها إلى الله، ويرجو منه البرء والشفاء، يقول: إنه لما ختمها رأى المصطفى ﷺ فى منامه يمسح عليه بيده المباركة. ويلفه فى بردته الشريفة فعوفى لوقته.
وكما كانت قصيدة كعب بن زهيرمن عيون الشعر، كانته بردة البوصيرى؛ حتى رأى فيها الشعراء المجيدون مستوى رفيعا يتبارون فى ساحته، سواء بالمعارضة أو التشطير، أو التخميس، أو التسبيع، ورأى فيها العلماء ميدانا لفنونهم العلمية، لغوية وأدبية وحديثية، وغيرها حتى جاوزوا السبعين عددا، ومن أشهر من عارضها فى العصر الحديث أمير الشعراء أحمد شوقى بقصيدة عصماء مطلعها:
ريم على القاع بين البان والعلم * أحل سفك دمى فى الأشهرالحرم
أ. د/عبد الفتاح عبد الله بركه
стр. 81
١٦ - البرزخ
لغة: يقصد به كل ما يحجز بين شيئين أو مكانين، وقد ورد البررخ بهذا المعنى فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان﴾ الرحمن:١٩، ٢٠، وقوله تعالى: ﴿وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما بررخا﴾ الفرقان:٥٣.
واصطلاحا: يطلق على الفترة الممتدة من موت الإنسان إلى بعثه، وذلك عند النفخة الثانية. وقد ورد البررخ بهذا المعنى فى القرآن الكريم مرة واحدة فى قوله تعالى: ﴿ومن ورائهم بررخ إلى يوم يبعثون﴾ المؤمنون:١٠٠، ولا يعد البرزخ منزلا من منازل الدنيا أو الاخرة عند علماء الكلام. وهو نوعان: زمانى وهو الفترة الممتدة بين الموت والبعث، ومكانى وهو: القبر.
وللبرزخ عند الصوفية أيضا مراتبه حسية ومعنوية تفصل بين عالمين، فيطلق عندهم ويراد به المعنى الدينى وهو: العالم الذى ندخله بعد الموت، ويعدونه أيضا من أول منازل الآخرة. كما يطلق على العالم الذى ترحل إليه الأنفس والأرواح فى حالة النوم؛ ويستعمله ابن العربى فى عوالم عديدة أبرزها ما يسميه بالخيال المطلق أو عالم الجبروت الذى يفصل بين عالم الملك والملكوت، وهذا البرزخ فاصل وجامع فى آن واحد، وهو قابل للمتضادات، فهو: لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفى ولا ثابت.
ومن برازخ ابن العربى أيضا:
١ - بررخ عالم المثال.
٢ - برزخ الثبوت "وهو الفاصل بين مرتبة العدم ومرتبة الوجود".
٣ - برزخ العالم المشهور بين عالم المعانى والصور.
أ. د/أحمد الطيب
стр. 82
١٧ - البرهان
اصطلاحا: هو استدلال ينتقل خلاله الذهن من قضايا معلومة يقيئا إلى قضايا أخرى مجهولة.
وقيل: هو استدلال ينتقل فيه الذهن من قضايا مسلّمة إلى أخرى تنتج عنها ولازمة لها لزومًا ضرويًا.
وهو الحجة القاطعة التى تقطع حجج الخصوم، ويقال: برهن عليه إذا أقام عليه الحجة، ومنه: الصدقة برهان، بمعنى أنها حجة صاحبها على صحة إيمانه.
والبرهان بيان الحجة وإيضاحها. وهوانواع:
١ - برهان إنَّى، وهو ما يفيد وجود الشيء دون بيان لعلة وجوده، فيكون الحد الأوسط فيه يفيد تصديق الحكم فقط دون أن يبين علة وجوده، فهو يبين السبب فى العقل دون الوجود، والإنية هبى ثبوت الحكم، ولا تفيد نسبة أجزاء القياس بعضها إلى بعض ولذلك فإن الإنية تفيد تصديق البرهان ولا تبين السبب فى ذلك.
٢ - برهان "لما"، أو البرهان اللَّمَّى، وهو ما يفيد علة الحكم بسبب بيان ارتباط النتيجة بالمقدمات بواسطة الحد الأوسط الذى هو علة الحكم وسببه، وسمى برهانًا لِّمًا لأن اللمية هى العليَّة الكامنة فى السؤال "لما" وهو أحق البراهين، لأنه يعطى سبب الوجود والعقل معًا، والعلم اليقينى لا يحصل إلا به.
٣ - برهان الخُلْف (بضم الخاء وفتحها) وهو ما يفيد ثبوت الحكم المطلوب بإبطال نقيضه، لأن إبطال أحد النقيضين يثبت الحكم للآخر، ويكون تصديق الحكم خلفا لإبطال النقيض، وتاليًا له. وكثيرا ما يستعمل هذا البرهان فى الرياضيات الهندسية.
٤ - برهان " راجع "، وهو نوع جديد من البرهان يرجع فيه الفعل من فروض أولية بدهية، لا يمكن للعقل إنكارها، بحيث يتم بها إثبات المطلوب بواسطة انتقال العقل من قضية إلى أخرى أعم منها. ويسميه المناطقة بالاستقراء الرياضى.
٥ - برهان المماثلة، وفيه ينتقل العقل من إثبات حكم لشيء آخر، بناء على التماثل القائم بينهما، والتشابه فى الموضوعات الداخلة فى البرهان. أو هو قياس الشبيه على شبيهه. والمناطقة يقسمون البرهان من ناحية أخرى بحسب نوع المقدمات التى يتركب منها البرهان.
١ - برهان منتج لليقين، إذا كانت مقدماته يقينية.
٢ - برهان خطابى، ما كانت مقدماته مظنونة أو مقبولة لدى الجمهور.
٣ - برهان شعرى، ما كانت مقدماته مركبة من قضايا متخيلة.
٤ - برهان جدلى، ما كانت مقدماته من المشهودات أو المسلمات.
٥ - برهان مغالطى، ما كانت مقدماته من المشبهات أو المتوهمات غير المحسوسة.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 83
١٨ - البريد
لغة: المراد منه مسافة معلومة مُقَذَّرة باثنى عشر ميلا، وقال الجوهرى: ويقال أيضًا على البريد: الُمَرتَّب، يقال: حُمِل فلان على البَرِيد. ويُطلَق أيضا على الرّسول بَريد. واصطلاحاً: اختلف فى أصل الكلمة فذهب الخليل بن أحمد إلى أنه مُشتَقٌّ من بَردَت الحدِيِد إذا أرسلت ما يخرجُ منه. وقيل من بَرَد إذا ثَبِت، لأنه يأتى بما تَستِقُّر عليه الأخبار.
وذهب آخرون إلى أن أصل الكلمة فارسى مُعْرب. قال ابن الأثير فى كتابه "النهاية فى غريب الحديث " (١) بريده دم معناه: مقصوص الذنب. لأنهم إذا أقاموا بغلا فى البريد قصُّوا ذنبه كعلامة.
البريد كان موجودًا فى عهد الأكاسرة من مُلُوك الفُرس والقَيَاصرة ملوك الرُّوم. وكان أول من وضعه فى الإسلام، مُعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما وذلك حين استقرت له الخلافة، فوضع البَرِيد لتسِرِع إليه أخبارُ بلاده (٢).
وقيل: إنما فُعل ذلك زمن عبد الملك بن مروان حين خلا وَجهه من الخوارج. ولكن الواضح أن عبد الملك إنما أحكمه. فأنشأ أماكن تقف فيها خَيلُ البَريديَّة وهى أماكن متفاوتة الأبعاد تارة لبُعْد ماء، وتارة للأنس بقرية.
ويراد بالبريد فى الدول الإسلامية غير ما يراد به الآن. فقد كان صاحب البريد أو صاحب الخبر أشبه برئيس البوليس السرى، أو رقيب أصحاب الأعمال، فكانوا وسطاء بين الولاة والخلفاء، فكانوا ينقلون أوامر الخلفاء إلى ولاتهم وأخبار الولاة إلى خلفائهم.
كما كان صاحب البريد رقيبا أو مفتشا من قبل الدولة، يرفعون التقارير عن أحوال الجند أو المال أو غير ذلك من أمور المملكة. فإذا تكدرت العلاقة بين الوالى والخليفة، وأراد أن يستقل بالولاية أو يتمرد، قطع البريدعن الخليفة.
وقد جعل الملوك والأمراء علامة يتفقون عليها سرا بينهم وبين صاحب البريد، فلا يعتمد أحدهم كتاب صاحب بريده إلا إذا كانت فيه تلك العلامة.
وقد بلغ عدد طرق البريد إبان الدولة العباسية ٩٣٠ سكة، وقدرت نفقات الدواب وأثمانها وأرزاق رجالها ١٠٠و ١٥٩ دينار فى السنة.
الحمام الزاجل
وكان من وسائل البريد أيضا الحمام الزاجل، فقد كان له شأن عظيم عندهم، ويقال إن أول استخدامه كان فى الموصل، ثم فى مصرعلى عهد الفاطميين فالعباسيين.
(هيئة التحرير)
١ - النهاية فى غريب الحديث. لابن الأثير.
٢ - الأوائل: أبى هلال العسكرى تحقيق محمد المصرى ووليد قصّاب، وزرارة الثقافة والإرشاد القومى- دمشق
بدون تاريخ
стр. 84
١٩ - البسط
يرد "البسط " فى التراث الصوفى مقروناً دائمًا بمصطلح آخر هو "القبض " وهما- فيما يقول الصوفية- مظهران من مظاهر اسمين من أسماء الله تعالى الحسنى: القابض والباسط، وحالان من الأحوال يردان على قلب السالك، ويتولدان من بواعث معينة، مثل: الخوف الذى يبعث القبض، والرجاء الذى يورث "البسط ".
وقد عرفَّهما الإمام الغزالى بأن "البسط"، عبارة عن حال الرجاء، والقبض عبارة عن حال الخوف. على أن الخوف والرجاء من أحوال المبتدئين، أو لمن هو فى مقام "المحبة العامة"، بخلاف القبض والبسط، فهما حالان لمن ترقى عن مقام "المحبة العامة" ونزل بدايات مقام "المحبة الخاصة". وعند السهروردى (٥٣٩ هـ- ٦٣٢ هـ) أن أوائل هذا المقام موسم قبض السالك وبسطه، ووقتهما المحتوم، لا يكونان قبله ولا بعده. ويفرق الصوفية بين "الخوف والرجاء" والقبض والبسط "بأن الأوّلين يتعلقان بمحذورأومأمول فى المستقبل، بينمايتعلق الأخيران بمعنى حاصل فى الوقت واللحظة. وقد يتولد القبض والبسط بسبب من الجفاء والوفاء، أو من الفرق والجمع، أو من الوارد القلبى، وقد يتولدان لسبب أدنى من ذلك. من إشارة عتاب أو إشارة تقريب، وقد يهجمان بدون سبب، فينقبض قلب السالك أو ينبسط لغير علة أو سبب معلوم، ويجب على السالك فى هذا النوع الهجومى من القبض التوبة والاستغفار، إذ هو نتيجة تقصير أو جفوة غير معلومة، وعليه أن يصبر ويحتمل ولا يحاول دفعه أو إزالته، كما يجب عليه فى البسط السكون ومراعاة الأدب، وهذا ينبه شيوخ التصوف إلى خطر الاسترسال مع حال البسط، ويحذرون من الخفة والطرب، ويفرضون على السالك أن يحبس بسطه بالسكون والانكماش، ولهم فى ذلك عبارة مشهورة هى: "قف على البساط، وإياك والانبساط ". وأهل التحقيق من أئمة التصوف يستعيذون بالله من حالى: القبض والبسط، ويصفونهما بأنهما: "فقر وضر"
أ. د/ أحمد الطيب
стр. 85
٢٠ - البصريات
هو فرع الفيزياء والهندسة المتعلق بخصائص الضوء. وهو يصف كيف ينشأ الضوء، وكيف ينتقل، وكيف يمكن رصده، وقياسه، واستخدامه، ويتضمن علم البصريات دراسة الضوء المرئى وغير المرئى مثل الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية.
وهناك عدد كبير من الأجهزة التى تعمل وفقا لنظريات علم البصريات. ومن هذه الأجهزة النظارات وآلات التصوير وآلات التكبير والميكروسكوبات وأجهزة الإسقاط والتلسكوبات، وتحتوى كل هذه الأجهزة على أدوات بصرية مثل العدسات والمرايا التى تتقل الضوء وتتحكم فيه، وقد كان للعلماء المسلمين الفضل الأكبر فى تطور علم البصريات، ولا تزال الآثار العلمية لابن الهيثم تحتل مكانة متقدمة فى التراث العلمى لهذا العلم، وأبرز فروعه الطبيعة الضوئية: وتبحث فى منشأ وخواص الأشعة الضوئية، والبصريات: وتبحث فى تأثير الأشعة الضوئية على الأبصار، أما هندسة الضوء فتبحث فى بعض الخواص مثل الانعكاس والانكسار على المرايا والعدسات، والقوانين المتحكمة فى هذه الخواص. والبصرى هو صاحب مهنة يقيس وينحت عدسات النظارات تبعاً لمواصفات الطبيب، ويحتاج البصرى (الآن)، إلى شهادة رسمية ودراسة ليمارس مهنته، مع دقة البصريات وتعقّدها، وهو غير مؤهل لفحص العيون أووصف النظارات أو قياس الإبصار، فذلك من اختصاص إخصائى أمراض العيون.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 86
٢١ - البطالة
لغة: يقال بَطَلَ العامل: تعطل فهو بطَّال، وبَطَّلَ العامل: عطله، وبطل العمل: قطعه (محدثة) (١)
واصطلاحا: هى التوقف عن العمل أو عدم توافر العمل لشخص قادر عليه وراغب فيه.
والبطالة قد تكون حقيقية أو بطالة مقنعة، كما قد تكون بطالة دائمة أو بطالة جزئية وموسمية، وتتضاعف تأثيراتها الضارة إذا استمرت لفترة طويلة وخاصة فى أوقات الكساد الاقتصادى، وكان الشخص عائلا أو ربا لأسرة، حيث تؤدى إلى تصدع الكيان الأسرى وتفكك العلاقات الأسرية وإلى إشاعة مشاعر البلادة والاكتئاب.
وأيا ما كانت الأسباب المؤدية إلى البطالة كأن تكون أثرا لما يوجد فى المجتمع من تناقضات فى بناء الفرصة، أو نتيجة للتخصص المتزايد والتنافس الشديد فى الإنتاج الرأسمالى، فلا سبيل إلى مكافحتها إلا بإتاحة فرص العمل التى تصونها الضوابط العادلة من شرع الله والتى تهتم بالحاجات العامة للإنسان، فالدين والعمل هما إذن طوق النجاة من شرور البطالة والأزمات الاقتصادية.
وإذا كانت الدولة تشعر بنوع من الالتزام الأخلاقى حيال المتعطلين فإن العمل يمثل خطا أساسيا فى الإسلام لدرجة أن الكثير من الآيات الكريمة تربط جذريا بين الإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ الجمعة:١٠، كما يقول الرسول الكريم: (إن طلب كسب الحلال فريضة) (٢).
وفى هذا ضمان خير ضمان لإشباع الحاجات من ناحية، وتحقيق المواءمة بين المصلحة العامة والخاصة من ناحية ثانية.
أ. د/محمود أبوزيد
стр. 87
٢٢ - البطلان
لغةَ: فساد الشىء وسقوط حكمه كما فى الوسيط (١).
واصطلاحًا: عدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه (٢).
والفساد والبطلان عند غير الحنفية لفظان مترادفان معناهما واحد، يقابلان الصحة، سواء أكان ذلك فى العبادات أم فى المعاملات.
فهما فى العبادات عبارة عن: عدم ترتب الأثر عليها، أو عدم سقوط القضاء، أو عدم موافقة الأمر، وفى المعاملات عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها.
أما عند الحنفية، فالفساد والبطلان متغايران، لأنهم يعرفون الباطل بأنه: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد بأنه: ما شرع بأصله دون وصفه.
وقد مثل الحنفية للباطل فى المعاملات: ببيع الملاقيح، أى: الأجنّة فى بطون أمهاتها، فإنه بيع غيرمشروع أصلا، لأنه فقد أحد أركانه وهو المبيع المعقود عليه إذ الحمل معدوم حكما، ولا يقدر على تسليمه فكان بيعا غيرمشروع ولا يعتد به ولا يترتب عليه أثره.
ومثلوا للباطل فى العبادات: بصوم الحائض وصلاتها فهما غير مشروعين ويوجبان الإثم. ومثال الفاسد عندهم فى المعاملات: الريا فمن حيث كونه بيعًا مشروع، ولكنه غيرمشروع باعتبار ما اشتمل عليه من وصف كالزيادة في أحد العوضين مثلا، وفيه يعتد بالبيع ويترتب عليه الملك ولا يعتد بالوصف فترد الزيادة على صاحبها.
ومثاله فى العبادات: صوم يوم النحر، فمن حيث كونه صومًا مشروع، ولكنه غيرمشروع لوقوعه يوم النحر.
والباطل عندهم لا يعتد به أصلا، أما الفاسد فإنه يترتب عليه آثاره مع إزالة الوصف غير المشروع، ولا عبرة بهذا الفرق عند الجمهور، وإن كانوا قد خالفوا هذه
القاعدة فى عدة مواضع.
أ. د/ على جمعة محمد
١ - المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية ١/ ١ ٦، مادة (بطل) الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢م.
٢ - أصول الفقه للصنعانى. تحقيق حسين السياغى ود/ حسن الأهول ص ٠ ٤ مؤسسة الرسالة ط أولى ٦ ٠ ٤ ١ هـ- ٩٨٦ ١ م.
стр. 88
٢٣ - البعث
لغةً: بَعثَه وابْتعثَه، بمعنى: أرسله، فانبعث .. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث واصطلاحاً: هو إحياء الله الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وقد اتفق المحققون من الفلاسفة وجميع الملليين (اليهود والنصارى والمسلمين) على أن البعث حق واقع لامحالة.
ولكنهم اختلفوا فى كيفية المعاد.
فقال الفلاسفة: إن المعاد روحانى فقط. وعرفوه بأنه عود النفوس إلى ما كانت عليه من التجرد. وأنكروا المعاد الجسمانى. وقد رد عليهم الإمام الغزالى، وفند مزاعمهم وحكم عليهم بالكفر فى كتابه "تهافت الفلاسفة" لإنكارهم المعاد الجسمانى.
وأما القائلون بالبعث الجسمانى فقد اختلفوا فى كيفيته إلى ثلاثة أقوال:
منهم من قال: تعدم الأجزاء ثم تعاد. أى أن البعث يكون بإعادة المعدوم بعينه.
ومنهم من قال: تفرق الأجزاء ثم تعاد. أى أن البعث يكون بإعادة جمع الأجزاء المتفرقة. ومنهم من قال: البعث يكون بإنشاء جديد مراعًى فيه النشأة الأولى، والمعاد هو الأول بعينه.
أما القول الأول: (إعادة المعدوم بعينه) فقد أنكره الفلاسفة والتناسخية المنكرين للمعاد الجسمانى. وقوم من المؤمنين بالمعاد الجسمانى، وهم بعض الكرامية، وبعض المعتزلة: فإن هؤلاء وإن كانوا مسلمين ومعترفين بالمعاد الجسمانى، ينكرون إعادة المعدوم، ويقولون: إعادة الأجسام هى جمع أجزائها المتفرقة.
وأما القول الثانى: (إعادة جمع الأجزاء المتفرقة) فقد أورد عليه الفلاسفة الكثيرمن الاعتراضات منها: الإنسان الذى يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعُد من هذا.
لذا فقد نقل عن إمام الحرمين: أنه اختار التوقف، وعدم الجزم بكون الجسم بعد الموت ينعدم بالكلية وتتفرق أجزاؤه لأنه لم يرد من السمع دليل قاطع على تعيين أحدهما.
أما القول الثالث: فهو ما عليه السلف وجمهور العقلاء:" أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال فتستحيل ترابا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال فى النشأة الأولى. فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار عظاما ولحما، ثم أنشأه خلقا سويا.
كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عَجْبَ الذنب كما ثبت فى الصحيح عن النبى ﷺ أنه قال: (كل ابن آدم يبلى إلا عَجْبَ الذّنَبِ منه خلق ابن آدم وفيه يُركّب) (رواه مسلم) وفى حديث آخر: (إنَّ السَّماء تمطرمطرا كمنىِّ الرجال ينبتون فى القبوركما ينبت النبات) (رواه الهيثمى) فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه والمعاد هو الأول بعينه. وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق. فالنشأة الأولى: معرضة للموت والفساد،
أما النشأة الثانية (الإعادة) فهى للخلود والبقاء.
أ. د/ أحمد المهدى
стр. 89
٢٤ - البقاء
لغةً: بقى الشيء بقاءً: دام وثبت. واصطلاحاً: من الصفات الإلهية التى اختلف فيها: هل البقاء من الصفات الوجودية، أو السلبية. وهو عدم آخرية الوجود لله تعالى: أى ليس لوجوده آخرفلا يكون فانيًا، فهى تنفى عن الله تعالى الفناء، وهو. أمر لا يليق بذاته تعالى. فالله تعالى مع كونه أزليا فهو أبدى لا آخر لوجوده. قال تعالى ﴿هو الأول والآخر﴾ (الحديد ٣). وقد اتفق المتكلمون على جواز إطلاق الباقى على الخالق والمخلوق المستمر الوجود حقيقة خلافا لأبى هاشم الجبائى، فإنه قال: الباقى على الحقيقة إنما هو الله تعالى وتسمية المخلوق باقيا مجاز (١).
ومن أسماء الله الحسنى الباقى: ومعناه لا آخر له. والوارث: ومعناه الباقى بعد فناء الخلق.
وقد اتفق المتكلمون على أنه- تعالى- باق لم يسبق بعدم ولا يلحقه عدم، ولكنهم اختلفوا فى أن البقاء من الصفات الثبوتية، أو غيرها فقال الأشعرى ومن تبعه من أصحابه، وجمهور معتزلة بغداد: البقاء: صفة وجودية زائدة على الوجود، إذ الوجود متحقق دونه كما فى أول الحدوث، بل يتجدد بعده صفة هى البقاء. وبناء عليه فالبقاء صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى.
وقال القاضى أبو بكر الباقلانى، ومن تبعه، وجمهور معتزلة البصرة: البقاء: هو نفس الوجود فى الزمان الثانى لا أمر زائد عليه-هو الوجود المستمر فى المستقبل- وهو صفة نفسية.
وقال جمهور المتكلمين: البقاء: صفة سلبية، وهو عدم آخرية الوجود لله تعالى (٢) قال
تعالى: ﴿هو الأول والآخر﴾ (الحديد ٣) وقال تعالى: ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (الرحمن ٢٦ - ٢٧) وقال ﷺ (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) (٣).
أ. د/ أحمد المهدى
стр. 90
٢٥ - البقيع
لغةً: بقع الجلد، بقعا: خالط لونه لوتا آخر فهو أبقع، والبقعاء: الأرض ذات الحصى الصغير، والبقيع المكان المتسع فيه أشجار مختلفة. كما فى الوسيط (١).
واصطلاحاً: مقبرة أهل المدينة، وهى داخل المدينة (٢) وهو بقيع الغرقد، قال الأصمعى: قطعت غرقدات فى هذا المكان، حين دفن عثمان بن مظعون، فسمّى بقيع الغرقد لهذا، والغرقد شجر كان ينبت هناك (٣).
وفى فضل أموات المؤمنين المدفونين فى البقيع ورد:
١ - عن عائشة ﵂ قالت:
كلما كانت ليلتى من رسول الله ﷺ يخرج فى آخر الليل إلى البقيع، فيقول "السلام عليكم دارقوم مؤمنين، وإنا وإياكم متواعدون غدا أو مواكلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" (رواه النسائى) (٤).
٢ - وفى حديث طويل قال فيه جبريل للنبى ﷺ " وإن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع فتستغفر لهم " (رواه مسلم) (٥).
٣ - عن ابن عمرقال: قال رسول الله ﷺ قيل "أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكرثم عمرثم يأتى أهل البقيع فيحشرون معى ثم أنتطرأهل مكة حتى أحشر بين الحرمين " (رواه الترمذى) (٦).والبقيع تشتمل على:
١ - بقيع الغرقد
.ب- بقيع الزيير: فيه دور ومنازل بالمدينة.
جـ- بقيع الخيل: عند دار زيد بن ثابت (٧)
.د- بقيع بطحان (٨)
هـ- بقيع الخبجبة: ناحية بئر أبى أيوب، والخبجبة شجرة كانت تنبت هناك وقيل: الخبخبة (٩).
(هيئة التحرير)
стр. 91
٢٦ - البلاغة
لغة: الوصول والانتهاء ومشارفة الغاية. كما فى اللسان. يوصف بها الكلام والمتكلم، ولا توصف بها الكلمة إلا على سبيل المجاز. قال الزمخشرى فى أساس البلاغة، ومن المجاز: حفظت كلمة الحويدرة (الشاعر) لقصيدته، وهذه كلمة شاعرة.
واصطلاحا: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، والحال ويسمى المقام: هو الأمر الذى يدعو المتكلم إلى أن يعتبر فى كلامه خصوصية ما، فيأتى بكلامه على نحو خاص من الصياغة والتعبير من تقديم وتأخير أو ذكر أو حذف أو تعريف أو تنكير أو قصرأو إنشاء وغيرذلك من المعانى التى تترجم عن فكر المتكلم وقلبه، ولذا قالوا: لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ومجىء الكلام معبرا عن حال صاحبه ملائما لحال المخاطب يسمى مقتضى الحال، أو الاعتبار المناسب، فذكاء المخاطب يقتضى الإيجاز، والانكار يقتضى التوكيد، والإنكار يقتضى التعريف والتكذيب والتوبيخ اقتضى همزة الاستفهام الإنكارى فى قول الله تعالى ردا على عقائد المشركين: ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ الصافات:١١٤، وهكذا تتغير الأساليب وتتنوع خصائص التعابير لتشمل كل كلام بليغ، والاعتبار المناسب يقابل مصطلح "النظم" أو نظرية النظم التى طورها وأوفى بها الغاية الإمام عبد القاهر الجرجانى ٤٧٤هـ.
بلاغة المتكلم: هى حالة راسخة، أو ملكة عند البليغ يعبرويبدع فى ذوق ورهافة حس، ودقة فكر ومطابقة لمقتضى الحال.
مراتب البلاغة: يتفاوت البلغاء فى تعابيرهم وإلمامهم بالمقامات ومواهبهم وثقافتهم وقوة خيالهم ونفاذ فكرهم، تفاوتا كبيرا، شعرا ونثرا ثم يأتى النظم القرآنى ممثلا للإعجاز الذى فاق القوى، والقدرة والفصاحة داخلة فى مفهوم البلاغة التى تتوج علوم العربية وفنونها من اللغة والنحو والصرف والتعمق فى الأدب شعرا ونثرا ليكون الشكل والمضمون كلا لا يتجزأ.
وقد تفرع من البلاغة علم المعانى أو التراكيب، وعلم البيان من تشبيه ومجاز، وكناية، وعلم البديع بمحسناته المعنويه واللفظية، إن برئت من التكلف واقتضاها المقام.
أ. د/صبّاح عبيد دراز
стр. 92
٢٧ - البلاغ والتبليغ
لغةً: البلاغ: ما يُتبلَّغ به ويُتوصل إلى الشيء المطلوب .. والبلاغ: ما بلغك الكفاية … وتقول: له فى هذا بلاغ كفاية.
والبلاغ: الإبلاغ.
وفى التنزيل ﴿إلا بلاغا من الله ورسالاته﴾ (الجن ٢٣) أى لا أجد منجى إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به. والإبلاغ: الإيصال، وكذلك التبليغ، والاسم منه البلاغ، وبلغت الرسالة أى أوصلتها (١) والبلاغ: ما يتوصل به إلى الغاية، والبلاغ: بيان يذاع فى رسالة ونحوها (٢) ويقول الراغب فى مفردات القرآن: البلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانًا كان أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة، وربما يعبربه عن المشارفة عليه، وإن لم ينته إليه، فمن الانتهاء قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾ (الأحقاف ١٥)، وقوله ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ (البقرة ٢٣٢) ﴿ما هم ببالغيه﴾ (غافر ٥٦) .. والبلاغ التبليغ نحو قوله ﴿هذا بلاغ للناس﴾ (إبراهيم ٥٢) والبلاغ الكفاية نحو قوله ﴿إن فى هذا لبلاغًا لقوم عابدين﴾ (الأنبياء١٠٦) وأما قوله تعالى (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف (الطلاق ٢) فللمشارفة .. ويقال بلغته الخبر وأبلغته مثله وبلغته أكثرقال تعالى ﴿أبلغكم رسالات ربى﴾ (الأعراف ٦٢) وقال تعالى: ﴿ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (المائدة ٦٧) (٣).
أ. د/ حسن عبد الرؤوف محمد البدوى
стр. 93
٢٨ - بنو الأحمر
يقصد بهم الأسرة التى حكمت مملكة غرناطة Granada آخر معاقل الإسلام فى الأندلس، ومؤسس الدولة هو محمد بن يوسف بن نصر، الذى ينتهى نسبه إلى الصحابى سعد بن عبادة الخزرجى رضى الله عنه، ولد سنة٥٩٥هـ-١١٩٨م، وكان قائدا شجاعا عاش فترة سقوط الحواضر الأندلسية الكبرى بعد هزيمة المسلمين فى معركة العقاب ٦٠٩هـ-١٢١٢م ونشوب الفتن بين زعمائهم، فاضطر لمصانعة ملك قشتالة فرناندو الثالث والاعتراف بتبعيته له ٦٤٣هـ-١٢٤٥م، ولكنه كان يعتزم لم شتات ما بقى من الأندلس، فلجأ لغرناطة وحاضرتيها مالقة وألمرية، واستقر ملكه بهذه الرقعة الجبلية التى تبلغ مساحتها عشرشبه الجزيرة.
واستطاع توطيد سلطته والتقوِّى بالمسلمين الهاربين من المدن التى استولى عليها النصارى. وتوفى فى ٦٧١هـ-١٢٧٢م، وخلفه ابنه محمد الفقيه الذى نظم دواوين الدولة وجباياتها وخلع عليها صفة الملوكية، واستمر حكمه حتى ٧٠١هـ-١٣٠٢م.
وتعاقب بعد ذلك الملوك من بنى الأحمر على مدى القرنين التاليين، وتراوحت علاقاتهم بجيرانهم من سلاطين بنى مرين بالمغرب وملوك قشتالة وأرغون النصرانيتين بين المواجهة والمحالفة، وبلغت دولتهم فى بعض العهود درجة عالية من القوة والازدهار كما قدر لها أيام محمد الغنى بالله بن يوسف ٧٥٥ - ٧٩٣هـ/١٣٥٤ - ١٣٩١م، على أن القرن التالى يشهد تدهور الأحوال بسبب نشوب الثورات وتزايد الحملات النصرانية والتنازع بين أفراد الأسرة الحاكمة. وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة نشبت الحرب الأهلية بين السلطان أبى الحسن على بن سعد وأخيه محمد "الزَّغُلّ" ثم مع ابنه أبى عبد الله، ويأسر جيش قشتالة هذا الأخير ويرغمونه على تسليم غرناطة بعد سقوط معاقلها الكبرى فى سنة ٨٩٧هـ-١٤٩٢م.
وعلى الرغم من سوء الأحوال المتزايد فى غرناطة الإسلامية فقد كان شعبها من أنشط الشعوب فى استغلال مواردها المحدودة وأكثرها حرصا على الثقافة والفنون، يشهد بذلك قصر الحمراء الذى يعد درة فنية نادرة، ثم من نبغ فى غرناطة من كبار العلماء والأدباء، مثل الوزير الشاعر المؤرخ لسان الدين بن الخطيب ٧٧٦هـ-١٣٧٤م والشاعر ابن زمرك ٧٩٧هـ-١٣٩٥م وابن خاتمة ٧٧٠هـ-١٣٦٩م، والفقيهين القاضيين أبى الحسن النباهى ومحمد بن عاصم القيسى ٨٢٩هـ-١٤٢٦م، والنحوى المفسر أبى حيان نزيل مصر ٧٤٥هـ-١٣٤٤م.
أ. د/محمود على مكى
стр. 94
٢٩ - البهائية
البهائية نسبة إلى بهاء الله، وهو حسين على المازندرانى، الذى سمى نفسه بهاء الله، وكان له دور كبير فى مساندة الحركة البابية، وتخطيطه لها من ورأء ستار، مستغلا لكل الظروف والشخصيات فى دعمها لتحقيق مآربه، وهو مختف حتى لا ينكشف أمره.
وقد تعاون مع الروس وعملائهم عندما كان فى إيران، ولما انتقل إلى تركيا ثم فلسطين أخذ فى التعاون مع المؤسسات اليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزى.
ولما وجد أن أخاه يزاحمه على زعامة الحركة بعد هلاك الباب همّ بقتله، ودبر مذبحة من أشنع ما عرف فى التاريخ، قضى فيها على أعوان أخيه قتلا بالسواطير والجنازير المسمومة فى وحشية يندى لها جبين الإنسان خزيا وعارا.
بعد أن هلك الباب ادعى البهاء أنه خليفة القائم (الباب) ثم ادعى أنه القائم نفسه، ثم تقدم خطوة أخرى فادعى أن القائم (الباب) كان ممهدا له، فلهذا فهو .. القيُّوم ثم انتحل مقام النبوة، وأخيرا ادعى الألوهية والربوبية، وأنه مظهر الحقيقة الإلهية، التى لم تصل إلى كمالها الأعظم إلا حينما تجسدت فيه، وأن كل الظهورات الإلهية التى سبقت منذ آدم مرورا بالأنبياء جميعا كانت درجات أدنى حتى وصلت إلى كمالها فى تجسدها فى شخصه وذلك لأنهم يؤمنون بالحلول.
وكان البهاء يغطى وجهه بقناع موهما من يلقاه أن بهاء الله يعلوه وقد ترك البهاء بعض الكتب والرسائل منها:
١ - الإيقان، وقد كتبه لما كان فى بغداد تأييدا لدعوى "الباب".
٢ - وله عدة رسائل بعضها كتبه بالعربية وبعضها بالفارسية، ومن أسماء هذه الرسائل "الألواح"، "الاشراقات"، "الهيكل"، "الكلمات الفردوسية"، "العهد".
٣ - وأشهر كتبه "الأقدس" وقد كتبه فى السنوات الأخيرة من حياته ادعى أن الأحكام التى وردت فيه نزلت من سماء المشيئة الإلهية، وأن جميع ما نزل فى الكتب المقدسة قد نسخ لعدم انسجامها مع احتياجات الإنسان المعاصر، وكتاب "الأقدس" مجموعة من الخواطر تتحدث عن الإلهام والحلال والحرام والمواعظ، ومخاطبة الأمم والملوك، وبعض الألغاز التى تشير إلى الحروف مثل قوله:
يا أرض الطاء لا تحزنى من شىء قد * جعلك الله مطلع فرح العالمين.
يا أرض الخاء نسمع فيك صوت الرجال * فى ذكر ربك الغنى المتعال.
وبعد موته آل أمر الحركة إلى ابنه عباس عبد البهاء، ومن بعده حفيده شوقى ربانى، ثم آل الأمر إلى أحد اليهود الأمريكان، وكان اسمه ميسون.
ومن عقائدهم أنهم يعبدون البهاء، ويتوجهون إلى قبره بالعبادة، ويحجون إليه، ومن كلامه فى ذلك:" من توجّه إلىّ فقد توجه إلى المعبود أما الذين يتوجهون بعبادتهم إلى الله، فإنما يتوجهون بها إلى وهم أفكته الظنون".
والصلاة عندهم تسع ركعات فى الصباح والزوال والآصال أوقات طلوع الشمس وتوسطها ومغيبها، ويقدسون العدد (٩) لأنه مجموع حروف (بهاء) والقبلة كانت فى حياة البهاء إلى قصره، وبعد موته إلى قبره، والصوم ١٩ يوما، والزكاة لمن يملك مائة مثقال من الذهب يؤخذ منه ١٩ مثقالا.
والحج إلى قصر البهاء فى حياته وإلى قبره بعد موته.
والزواج للرجل أن يتروج بامرأتين، ولم يحرم من النساء إلا الأم فقط، وإذا اقترن الزوجان عاما ولم يتفقا انفصلا بالطلاق والربا مباح والجهاد محرم، والميراث حسب ما اتبع البابية.
وهم يكفرون بالآخرة متابعة لأسلافهم البابية والباطنية من قبل ولهم تأويلات يحرِّفون بها الكلام عن معانيه، ومن أمثال هذه التأويلات:
القيامة: حلول روح الله فى جسد بشرى.
البعث: اليقظة الروحية.
رؤية الله: هى رؤية الجسد البشرى الذى حلّت فيه روح الله.
الجنة: رياض المعرفة التى فتحت أبوابها فى عهد البهاء.
النار: الحرمان من معرفة الحقيقة الإلهية التى ظهرت فى جسد الباب أو الكفر بأن البهاء هو رب العالمين.
ولهم تأويلات كثيرة ترجع جميعها إلى الكفر باليوم الآخر كما جاء فى القرآن الكريم والكتب المقدسة السابقة.
أ. د/محمد إبراهيم الجيوشى
стр. 95
٣٠ - البهرة
اصطلاحاً: هى إحدى فرق الإسماعيلية المنتسبة إلى الإمام إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق.
وقد انقسمت الإسماعيلية بعد وفاة الخليفة الفاطمى المستنصر بالله سنة ٤٨٧ هـ إلى فرقتين:
الإسماعيلية النزارية: نسبة إلى ابنه نزار. وهى المعروفة- الآن- بالأغاخانية. والإسماعيلية المستعلية: نسبة إلى ابنه الخليفة المستعلى بن المستنصر الذى تولى الخلافة بعد أبيه وهى المعروفة- الآن- بالبهرة فى الهند، والطيبية فى اليمن (١). والإسماعيلية المستعلية: هم إسماعيلية مصر، واليمن، وبعض بلاد الشام- فى ذلك الوقت- وقد عاش أتباع الإسماعيلية المستعلية فى اليمن فى محيط خاص بهم ركنوا إلى التجارة، وكان كثير منهم يتخذ التقية، فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور فى تصريف أمورهم، الدينية.
وقد هيأت لهم التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية فى الهند ولا سيما فى ولاية (جوجرات) جنوب بومباى. واعتنق جماعة من الهندوس هذه الدعوة حتى كثر عددهم، وعرفوا باسم البهرة.
وكلمة (البهرة) كلمة هندية قديمة معناها التاجر (٢).
وقد انقسمت الدعوة الطيبية فى القرن العاشر الهجرى إلى فرقتين:
فرقة البهرة الداودية، وفرقة البهرة السليمانية.
فالفرقة الداودية: تنسب إلى الداعى قطب شاه داود برهان الدين المتوفى سنة ١٠٢١هـ والفرقة السليمانية: تنسب إلى الداعى سليمان بن حسن اعترف به داعية سنة ١٠٠٥هـ وقد انتقل مركزدعوة الفرقة الداودية إلى الهند فى القرن العاشر الهجرى، وداعيتهم الآن هو طاهر سيف الدين وهو الداعى الحادى والخمسون، ويقيم فى مدينة بومباى بالهند.
وطائفة البهرة بفرعيها يحترفون التجارة، ولا يزيد عددهم عن ربع مليون نسمة متفرقين بين الهند وباكستان وعدن وهم جميعاً يقدّسون داعيهم المطلق تقديساً تاما، ويطيعون أوامره، وله عليهم سلطة مطلقة فله أن يستولى على تركة الموتى، وأن يأخذ من الأحياء ما يريد من أموالهم.
والبهرة: يتخذون لأنفسهم أماكن خاصة للصلاة اسمها "جامع خانة" ولا يسمحون بإقامة الصلوات فى المساجد العامة. وهم فرقة باطنية يظهرون غيرما يبطنون، يتظاهرون بالإسلام ويصلون كما يصلى المسلمون، ولكنهم فى الباطن يصلُّون للإمام المستور. كما أنهم يذهبون إلى مكة للحج،
ولكنهم يعتقدون أن الكعبة رمز على الإمام المستور. أما عن عقائدهم: فى الألوهية والتوحيد، وفى الوحى، والنبوة، والرسالة، وعقيدتهم فى الولاية وأئمة الستر، وأئمة القيامة وعصمتهم، وعقيدتهم فى اليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار، وطريقتهم فى الدعوة، والتأويلات الباطنية لأركان الإسلام وغيرها، فهى فى مجموعها مأخوذة من عقائد
الإسماعيلية الخارجة عن عقائد المسلمين.
أ. د/ أحمد المهدى
١ - طائفة الإسماعيلية، محمد كامل حسين- ص ٤١ - ٤٢ مكتبة النهضة المصرية ١٩٥٨م.
٢ - المصدر السابق ص ٥١
стр. 96
٣١ - البوذية
أحد الأديان العالمية من حيث عدد من يعتنقونها، إذ هى الدين السائد فى كثيرمن دول آسيا (الصين، اليابان، نيبال، جاوة، سومطرة، بورما، سيلان، سيام) نسبتا إلى اللقب الذى اشتهربه مؤسسها بوذا (٥٦٠ - ٤٨٠ ق. م)، ومعناه فى اللغة السنسكريتية: المستنير، أو العالم، أو العارف.
ولد بوذا فى بلدة هندية على حدود نيبال لأسرة نبيلة، إذ كان أبوه أميرا، وتزوج فى التاسعة عشرة من عمره. وعندما بلغ العام التاسع والعشرين انصرف إلى الزهد والتأمل، فهجر زوجته، وخرج هائما فى الأحراش راغبا عن الدنيا، غير معنى إلا بالتأملات، رائضا نفسه على خشونة الحياة. وبعد ست سنين ادعى أن نوعا من المعرفة قد وقع فى نفسه، وقذف بنور فى قلبه، ويقول فى وصف هذا الإحساس:"سمعت صوتا من داخلى يقول بكل جلاء وقوة: نعم فى الكون حق، أيها الناسك، هنالك حق لا ريب فيه، جاهد نفسك اليوم حتى تناله. فجلست تحته تلك الشجرة فى تلك الليلة من شهر الأزهار، وقلت لعقلى وجسدى: اسمعا لا تبرحا هذا المكان حتى أجد ذلك الحق، لينشف الجلد، ولتنقطع العروق، ولتنفصل العظام، وليقف الدم عن الجريان، لن أقوم من مكانى حتى أعرف الحق الذى أنشده، فينجينى.
ويذكر أيضا أنه تم له فى هذه الجلسة الإشراقة التى كان يترقبها. ويراها بعض الباحثين الغربيين وحيا، ويصورها بوذا بأنها صوت حادثه، مما دفعه إلى الدعوى إلى تعاليمه بالقول والعمل، فآمن بدعوته كثير، وانطلقوا فى شبه الجزيرة الهندية دعاة ومرشدين فنما عددهم بمرور الأيام، وانتشر مذهبهم، وبوذا من ورائهم يدفعهم بحمسهم إلى أن مات فى الثمانين من عمره.
كانت حياته ساذجة، لا تعقيد فيها ولا تزيد عن زهد فى الحياة، وميل إلى تعذيب الجسد ليتخلص كليا من الألم بعد الموت، كما كان يدعو إلى سلوك "الممر الأوسط" بين التلذذ والزهد الخالص فى الدنيا، ويقول: إن لهذا الممر ثمانى شعبه، هى: الآراء السليمة، والشعور الصائب، والقول الحق، والسلوك الحسن، والحياة الفضلى، والسعى المشكور، والذكرى الصالحة والتأمل الصحيح.
كما يرى أن المرء يمر بأربعة أطوار، تنكسرخلالها جميع القيود التى تكبل الإنسان، وتمنعه من الوصول إلى الكمال الإنسانى فإذا بلغ الطور الرابع يكون قد أدرك الهدف الذى يسعى إليه وهو النرفار وما هى النرفار؟ هى الطور الرابع الذى يبلغه الزاهد، ولكنه لم يذكر شيئا عن "العلة الأولى" الذى يدير دفة الكون. ومن هنا جاء الخلاف بين العلماء حول وضع الإله فى تعاليم بوذا، فهناك من يرى أنه أنكر وجود إله خالق للكون، ويقول أنصار هذا الرأى: إنه كان يعتقد أن فى العالم فقط روحا عاما متغلغلا فى كل شئ. ومنهم من يرى أن مذهبه إصلاحى خلقى أكثر منه دينى.
وقد أحدث بوذا بإهماله الاتجاه الإلهى ارتباكا فى الفكر بين أتباعه، فلعبت بهم الأهواء، فاتجه بعضهم إلى الاعتقاد بأن بوذا ليس إنسانا محضا، بل إن روح الله قد حلت فيه، بل تطورالأمرإلى اعتباره كائنا إلهيا، وضعوا له تمثالا بين آلهة الهندوسية ولم يعارض الهندوس ذلك، لأن العقل الهندى لا يضيره أن ينضم إله جديد إلى ما يعترف به من آلهة.
أما كتب البوذيين فلا يدعون أنها منزلة، ولا ينسبون ما فيها إلى جانب إلهى، بل هى عبارات منسوبة إلى بوذا، أو حكاية لأفعاله، أو نقل لما أقروه من أعمال أتباعه.
ولا تعتبر البوذية فى تعاليمها إضافة فى عرض الآراء على يد غير المستأثرين بها قديما من سدنة الكهنة والمحراب.
أ. د/محمد شامة
стр. 97
٣٢ - البويهيون
أسرة فارسية أسسها أبو شجاُع بُويه، وقد حاول البعض أن يرجع نسبه إلى الساسانيين لإضفاء النسب الرفيع له، أو إرجاع نسبه إلى وزراء الملوك الساسانيين، ولكن ابن طباطبا يذكر أن أبا شجاع بويه وأباه وجدّه كانوا كآحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم، وقيل كان بويه صياد سمك ويروى ابن خلكان أنه كان فى أول أمره يحمل الحطب على رأسه.
والحق أن مؤسسى هذه الأسرة التى سرعان ما عظم شأنها هم أبناء أبى شجاع بُويه الثلاثة: على وحسن وأحمد، وكان الأخوة الثلاثة يفضلون أن يعرفوا بالتشيع وفقا لتقاليد الأسرة، غير أنهم كانوا محاربين غلاظا لم يحفلوا كثيرا بالأمور الدينية، وقد رأى هؤلاء الثلاثة أن يتخذوا الجندية مرتقى لهم فالتحقوا فى جيش "ما كان بن كاهى" أحد القادة المشهورين من أبناء الديلم وأظهروا فى عملهم براعة وتفوقا، فدفعهم هذا إلى الصفوف الأولى بين الأجناد (١).
وقد خرج على "ماكان " أحد قواده وهو "أسفار بن شيرويه " ولمع نجمه وكان يساعده قائد ديلمى آخر اسمه مرداويج بن زيار، وقد استطاع أسفار ومرداويج أن يحققا نصرا مؤزراً ضد "ماكان " ولكن سرعان ماقُتِل "أسفار" وآلت سلطاته إلى مرداويج، فانضَمَّ إليه بنو بويه بعد هزيمة "ماكان " وقبلهم وأكرمهم، وقلد كل واحد من قواد "ماكان " ناحية من النواحى الخاضعة له، وكان نصيب على بُن بويه ولاية الكرج، كما استعان مرداويج بالحسن بن بويه وأخيه أحمد فى أعمال أخرى هامة (٤) وحينما وصل على بن بويه إلى الكرج عمل على استمالة الزعماء والقادة إليه بإحسانه وسماحته، وضاق مرداويج به وخافه على ملكه فاندفع على بن بويه يقوى نفسه، ويعد عدّته للوقوف فى وجه سيده، ووسع ملكه فاستولى على أصفهان، ثم استولى بمعونة أخويه على شيراز سنة ٣٢٢ هـ (٩٤٣ م) وجعلها مقر سلطانه، ومع هذا فقد حاول ترضية مرداويج فاعترف له بالسيادة، ووضع عنده أخاه الحسن رهينة.
ولم تطل المنافسة بين بنى يُويه ومرداويج، فقد هجم على مرداويج بعض جنده من الأتراك وقتلوه سنة ٣٢٣ هـ وهو فى الحمام، وانتهز الحسن بن بويه فرصة الهرج الذى تلا مقتل مرداويج فهرب من بلاطه بعد ليلة من مقتله وعاد إلى أخيه على.
وفتح الباب عقب ذلك لانتصارات بنى بويه، إذ استطاع الحسن أن يستولى على الرى وهمدان وبقية بلاد الفرس فى نفس العام، كما استطاع أحمد أن يستولى على كرمان، وزحف علىٌّ إلى بلاد الأهواز فاحتلها، واحتل بعدها واسط، واكتمل لبنى بويه بذلك السلطان علىّ مساحة كبيرة من أملاك الدولة العباسية، فكتب على إلى الخليفة العباسى بطلب الاعتراف به، فاستجاب له الخليفة وكتب له بذلك.
وكان عماد الدولة سبب سعادة بنى بُويه التامة وانتشار صيتهم واستولوا على البلاد وملكوا الأهواز وفارس وساسوا أمور الرعية أحسن سياسة.
ولسوء الأحوال فى بغداد، وضعف المماليك وأمراء الأمراء عن تسييردفة الأمور فقد كتب قادة بغداد إلى أحمد بن بويه ليدخل بغداد ويتولى السلطان بها، ففعل، وقد رحب به الخليفة العباسى وعيّنه "أمير الأمراء" وخلع عليه ولقّبه "معز الدولة" ولقب أخاه عليا"عماد الدولة" ولقب الحسن "ركن الدولة"، وخضع خلفاء بنى العباس حينا من الزمن لبنى بويه، وأصبح مصير العالم الإسلامى مرتبطا بهؤلاء السلاطين الجدد ولم يبق للخلفاء معهم نفوذ ولاسلطان، وذهبت هيبة الخلافة طيلة هذا العهد.
أهم أحداث عصر بنى بويه:
١ - فى عصر بنى بويه فقدت بغداد أهميتها السياسية فانتقلت السيادة إلى شيراز حيث يقيم علىّ بُن بويه "عماد الدولة"الذى كان له السلطان العام على دولة بنى بُويه كما سلف الذكر.
٢ - ازدهار جماعة"إخوان الصفا " التى كانت لها آراء فى الحكمة والفلسفة ونسبت
لهم رسائل سميت برسائل "إخوان الصفا وخلان الوفا ".
٣ - استقلال ممالك كثيرة عن الخلافة العباسية نتيجة لاستشراء الضعف فى سلطان بنى بويه حيث استقلت دولة عمران بن شاهين بالبطيحة والدولة النجاحية باليمن، والدولة العقيلة بالموصل، ودولة الأكراد بديار بكر والدولة المرداسية بحلب، والدولة السامانية فيما وراء النهروفى خراسان، والدولة السبكتكية بغزنة.
(هيئة التحرير)
١ - االكامل فى التاريخ لابن الأثير (حوادث ٣٣٤) ح ٨/ ١٠٠٩
٢ - كتاب العبر لابن خلد ون (٤/ ٤٢٦) ومابعدها.
стр. 98
٣٣ - البوسنة
بلد بلقانى ذات نظام جمهورى، مساحتها ٥١.١٢٣ كم٢ وعاصمتها سراييفو Sarajevo ، وهى مدينة إسلامية صرفة ذات طابع إسلامى. ومجموع سكانها طبقا لتعداد ١٩٣٩م هو ٤.٦١٨.٨٠٤ نسمة، ويقطن العاصمة، وحدها ٢٥٢.٩٨٠ نسمة. وتبلغ الكثافة السكانية ٩٠.٣ نسمة فى الكيلو متر المربع. ويقطنها الأجناس البشرية التالية:
مسلمون سلاف ٤٣.٧ %، وصرب ٣١.٣ %،وكروات ١٧.٢ % ولغتها الرسمية البوسنية (الصرب كرواتية).
والديانات السائدة فيها: الإسلام، الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الرومانية.
ورئيس جمهوريتها على عزت بيجوفيتش ١٩٦٤م.
وبها مجلس تشريعى يسمى "الجمعية الوطنية"، وتنقسم إداريا إلى مائة وحدة. أما المواصلات ففيها ١.٠٣٩ كم سكك حديدية، و٢١.١٦٨ كم طرق، ولا يوجد بها ميناء رئيسى، وبها مطار رئيسى واحد. واعترف بها دوليا فى ربيع عام ١٩٩٢م.
وكانت البوسنة والهرسك (وغالبا ما يشار إليهما بالبوسنة) إحدى الجمهوريات اليوغوسلافية. وتحدها من الشرق الصرب والجنوب الجبل الأسود، والشمال والغرب كرواتيا، واشتقت البوسنة إسمها من نهر البوسنة الذى يمرفى قسم كبيرمن أراضيها. أما الهرسك فهى أقل بكثير من مساحة البوسنة وتقع فى الجنوب، وأهم مدنها موستار.
الحكم العثمانى: توالت غارات الأتراك على البوسنة منذ عام ٧٨٨هـ/١٣٨٦م وفى عهد السلطان مراد وقع ثانى غزو على البوسنة عام ٠ ٧٩هـ ١٣٨٨م حتى إن السلطان جرح جرحا مميتا أثناء سير المعركة ومات بسببها. وفى سنة ٨٦٧هـ/١٤٦٣م. رفض ملك البوسنة أداء الجزية فغزتها الجيوش العثمانية وفتحها سريعا. وفى سنة ٩٨٨هـ/١٥٨٠م أنشئت إيالة البوسنة. مما أحدث تغييرات كبيرة اجتماعية ودينية وعرقية شملت السكان جميعا ودخل الناس فى الإسلام أفواجا مما سبب فى خلق قاعدة عريضة من المسلمين العسكريين والموظفين المدنيين لا من أهل المدن فحسب، بل من الفلاحين أيضا.
وعندما نشبت الحرب بين الدولة العثمانية وكل من الصرب والجبل الأسود،، تدخلت الدول العظمى، وقضت معاهدة "سان استيفانو" بأن تمنح تركيا البوسنة والهرسك استقلالا ذاتيا. ثم وضعت البوسنة تحت انتداب إمبراطورية النمسا والمجر طبقا لشروط معاهدة برلين ١٨٧٨م. ولقيت الجيوش النمساوية مقاومة من مسلمى البوسنة، انتهى بالاحتلال فى أكتوبر ١٨٧٨م، واستمر هذا الوضع قائما حتى عام ١٩١٤.
ورغم اشتراك مسلمى البوسنة مع الصرب المسيحيين فى مقاومة النفوذ النمساوى إلا أن الصرب الأرثوذكس غدروا بهم بعد الاستقلال ومارسوا ألوانا بشعة من المعاداة للمسلمين.
وبعد الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥م حاول مسلمو البوسنة استرداد مكانتهم فقابلهم تيتو بحرب شرسه. وارتكب الحكم الشيوعى من المذابح الشىء الكثيرما بين القتل رميا بالرصاص أو خلال مسيرات الموت القسرية أو فى معسكرات الاعتقال ٤٥ - ١٩٤٦م ما يزيد على ربع مليون نسمة.
ونظر تيتو إلى الإسلام على أنه عقيدة رجعية آسيوية يجب القضاء عليه فى بلده ة فألغى المحاكم الشرعية (١٩٤٦ م)، وأصدرقانون منع النساء من ارتداء الحجاب ١٩٥٠م وإغلاق الكتاتيب وجميع التكايا وحظرنشاط جميع الطرق الصوفية ١٩٥٢م.
وباختصار حاول النظام الشيوعى طمس الهوية الإسلامية فى البوسنة على أمل إذابة هوية المسلمين في هوية الصرب والكروات. وعندما أصر المسلمون على هويتهم الدينية قامت الحكومة اليوغوسلافية بإلغاء بند "مسلم" من التعداد، وسمح له بسجيل أنفسهم "يوغوسلاف غير معينى القومية ".
وبعد وفاة تيتو وانحلال الاتحاد اليوغوسلافى، اشتعل الصراع بين الصرب والكروات، ووقفت البوسنة على الحياد، وفى محاولة للصرب استعادة ما كان للدولة اليوغوسلافية من مكانة اصطدمت بالبوسنة وحاولت تقسيمها إلى ثلاث مناطق لإضعاف المسلمين. فوقفت تدافع عن كيانها فأمطروها وابلا من قذائفهم حتى دمرت تماما، كما حاولوا تجويع المسلمين وتمزيقهم، لكن الشعب البوسنوى وقف صامدا أمام إجرام الصرب مما دفع بالدول الأوروبية والولايات المتحدة التدخل لأنقاذ البوسنة؛ وانتهى الأمر بأن اعترفت الدول الأوروبية فى شهر أبريل ١٩٩٢ باستقلال البوسنة وتبع ذلك انضمامها لعضوية الأمم المتحدة كدولة مستقلة ذات سيادة.
أ. د/عبد السلام عبد العزيز فهمى
стр. 99
٣٤ - البيت الحرام
هو بيت الله الذى فرض الله الحج إليه لمن استطاع إليه سبيلا وهو البيت المحرم، والبيت العتيق، والمسجد الحرام، وكانت العرب تسمى كل بيت مربع كعبة، وأمر الله المسلمين أن يتخذوه قبلتهم فى صلاتهم، وهو أول المساجد الثلاثة التى لا تشد الرحال إلا إليها: وهى المسجد الحرام، والمسجد النبوى فى المدينة، والمسجد الأقصى.
والبيت الحرام هو أول بيت مبارك وضع للناس ليعبدوا فيه الله ، ويهتدوا بفضله إلى الصراط المستقيم: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ آل عمران:٩٦.
وحين تأذن الله بأن ترفع قواعده بوأ لإبراهيم الخليل مكانه، وأمره أن يشيده ويرفع قواعده، ومعه ابنه إسماعيل ﵉.
ووصف أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقى الكعبة التى بناها إبراهيم ﵇ بأنها كانت بناء ذا جوانب أربعة، بارتفاع ٩ أذرع وطول جداره الشرقى ٣٢ ذراعا، والغربى ٣١، والشمالى ٣٢، والجنوبى ٢٠،وكان بابها إلى الأرض (١)
وجعل إبراهيم ﵇ فى جدارها الحجر الأسود علامة على بدء الطواف حولها، ثم أعيد بناء الكعبة قبل البعثة بنحوعشر سنوات، واشترك النبى ﷺ فى أعمال البناء مع أشراف قريش ورجالها، وكان ذلك بعد حملة أبرهة الفاشلة على البيت الحرام فى سنة ٥٧٠ميلادية، التى أشار إليها القرآن الكريم فى سورة الفيل.
وبعد فتح مكة مباشرة أمرالنبى ﷺ بتطهير الكعبة مما فيها من تماثيل وصور وأصنام، ولم يكن للبيت الحرام جدران تحده إلى أن قرر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد أن ولى الخلافة أن يبنى حوله جدرانا ارتفاعها أقل من القامة، وذلك فى السنة السابعة عشر بعد الهجرة.
وأجرى عثمان بن عفان رضى الله عنه توسعة ثانية فى السنة السادسة والعشرين بعد الهجرة، ويقال إنه جعل للمسجد أروقة.
وأجريت على البيت الحرام عمائر أهمها: بناء الكعبة على يد عبد الله بن الزبيرفى العقد السابع بعد الهجرة، وإعادة بنائها على يد الحجاج بن يوسف الثقفى فى عهد عبد الملك بن مروان بعد ذلك ببضع سنواف، وعمرت الأروقة فى عهد الوليد بن عبد الملك، وفى عهد الخليفة العباسى المهدى بن المنصور، وفى عهد السلطان المملوكى الناصر فرج بن برقوق، والسلطان الأشرف برسباى، وأعيد بناء الكعبة من جديد فى سنة ١٠٤٠هـ فى عهد السلطان العثمانى مراد الرابع.
ونتيجة لهذه العمائر صار الحرم مستطيلا أقرب إلى التربيع، ويحيط به من جهاته الأربع أروقة تشتمل على صفوف من الأعمدة تحمل عقودا، وتسقف كل بلاطة تحف بها أربعة أعمدة قبة، قاعدتها مستديرة، وقمتها مدببة، وتقوم الكعبة المكرمة فى وسط الحرم، ولكن بميل إلى الجنوب وبجانبها حجر إسماعيل وحولها المطاف، وفى شرقها بئر زمزم، وبجوار المطاف مقام إبراهيم، وباب الكعبة مرتفع عن الأرض، وللمسجد خمسة وعشرون بابا، وسبع مآذن.
وكانت الحكومة المصرية تتشرف بكسوة الكعبة المكرمة حتى قيام المملكة العربية السعودية التى أولت البيت الحرام عناية فائقة من حيث التوسعة والعمارة والتجهيز، كما قامت بعمل كسوة الكعبة الشريفة.
أ. د/حسن الباشا
стр. 100
٣٥ - بيت الحكمة
يقصد ببيت الحكمة دار العلم الخاصة التى أسسها الخلفاء والولاة، وكانت فى الأساس دار كتب، وربما وجد فيها أيضا مدرسون وعلماء، بالإضافة إلى مترجمين ونساخين ومجلدين. ويرجح أن أبا جعفر المنصور العباسى هو أول من أنشأ بيت الحكمة، وقد ازدهر بيت الحكمة بصفة خاصة فى عهد الخليفة المأمون الذى عهد به إلى حنين بن إسحاق، وكلفه بأن يترجم كل مايمكنه من الكتب اليونانية ويقال. إن المأمون كان يمنح ابن إسحاق زنة ما يترجم من الكتب ذهبًا.
ومن بيوت الحكمة المشهورة بيت الحكمة بالقيروان، ويرجع الفضل فى إنشائه إلى زيادة الله الثالث الأغلبى (٠ ٢٩ - ٢٩٦ هـ/ ١ ٠ ٩ - ٩٠٧ م) وكان به مكتبة ودار للترجمة والتأليف ومعهد لتدريس الطب والصيدلة والرياضيات والفلك والهندسة والنبات والموسيقى وغيرها.
أ. د/ حسن الباشا
стр. 101
٣٦ - بيت المال
يعد بيت المال خزينة الدولة الإسلامية التى يحفظ بها مختلف الموارد المالية للدولة، وقد عرف فى الدولة الإسلامية ديوان أطلق عليه اسم ديوان بيت المال. كانت مهمته النظر فى موارد الدولة ومصارفها. وقد ذكر أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم فى كتابه "الخراج"
موارد الدولة حسبما جاءت به الشريعة بأنها خمس الغنائم والخراج والصدقات ومن ضمنها الزكاة.
وكان مكان بيت المال فى أول الأمر بالمسجد الجامع فى العاصمة ثم نقل إلى دار الإمارة أو دار الوزير أو القصر أو إلى دار كانت تسمى بدار الملك فى العهد الفاطمى.
هذا وبفناء الجامع الأموى بدمشق قبة من الرخام محمولة على أعمدة يطلق عليها اسم بيت المال، وفى الشرق من قبة الصخرة قبة من المرمر تسمى قبة السلسلة كانت في الأصل
خزينة.
أ. د/ حسن الباشا
стр. 102
٣٧ - البيطرة
لغة: بطر الشئ يبطره بطرا، فهو مبطور وبطير: شقه، والبطر: الشق، وبه سُمِّى البيطار: معالج الدواب، وهو يبيطر الدواب أى يعالجها، ومعالجته: البيطرة. كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: العلم الذى يبحث فى أحوال الخيل فى حالات الصحة والمرض، ولقد استخدم مصطلح البيطرة بعد ذلك وحتى الآن للعلم الذى يبحث فى أحوال الحيوان بوجه عام من حيث وقايته من الأمراض وعلاجها.
ويعتقد أن مصطلح Veterinary الذى يستخدم فى اللغات الأوروبية بمعنى بيطرى، هو كلمة عربية الأصل، جاءت من كلمة بيطار التى تحولت إلى كلمة فيتار، ومنها اشتق مصطلح Veterinary.
ولقد عرف العرب فى الجاهلية طباع الحيوان وأمراضه وعلاجها، حيث تشير بعض أبيات الشعر الجاهلى إلى علاج الجمل المصاب بالجرب بدهانه بالقطران وعزله عن الجمال غير المصابة بالمرض.
وتزخر المكتبة العربية بمخطوطات عديدة عن الطب البيطرة كتبها علماء العرب والمسلمين، من أهمها:
- كتاب الفروسية والخيل لمحمد بن أبى حزام.
- كتاب البيطرة لابن البيطار.
- كتاب الحيوان لابن سينا الذى تحدث فيه عن فنون التشريح ووصف الكثيرمن أنسجة الحيوان وأعضائه.
وتحدث علماء العرب عن صحة الألبان واللحوم وخواصها وطرائق حفظها، كما عرفوا الكثير من الأمراض الباطنة والمعدية التى تصيب الحيوان، مثل الكزاز (التيتانوس) فى الخيل، والسعار فى الكلاب.
أ. د/عز الدين الدنشارى
стр. 103
٣٨ - البيع
لغة: البيع هو مطلق المبادلة مالية كانت أو غيرمالية ومن ثم جاء قول الحق ﵎: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به﴾ التوبة:١١١. فقد أطلق الله البيع على بذلهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل الله ليظفروا بجنات النعيم. وهو مصدر الفعل (باع) ويطلق على الشىء وضده كالقرء: للطهروالحيض، فيقال باع كذا إذا أخرجه عن ملكه أو أدخله فيه. والبيع اسم المبيع، والبيعة المبايعة التى هى عبارة عن المعاقدة والمعاهدة. فقد جاء فى الحديث النبوى الكريم قول المعصوم صلى الله ﵇: (ألا تبايعونى على الإسلام) (١)
واصطلاحا: البيع فى اصطلاح الفقهاء عبارة عن مبادلة المال المتقوم بمثله على وجه مخصوص، وبذا يكون اصطلاح الفقهاء جاريا على استعمال البيع بمعنى الإدخال فى الملك، ومن ثم قالوا:"البيع سالب والشراء جالب". وحكمة مشروعية البيع أن الله خلق الإنسان وجعله بطبعه محتاجا للتعامل مع بنى جنسه، رغبة منه فى الحصول على ما يسد رمقه، وتبقى به حياته إذ هو وحده لا يستطيع القيام بمهام شئونه المختلفة التى يتطلبها أمرمعاشه. من هنا شرع الحكيم الخبير البيع، نظرا لما يترتب عليه من تبادل المنافع بين الناس وتحقق التعاون بين أفرادهم وجماعاتهم، وبذا تنتظم حياتهم وينطلق كل واحد منهم إلى ما يمكنه الحصول عليه من وسائل العيش فالزارع يغرس الأرض ليبيع ثمارها وحاصلاتها لمن لا يستطيع الزراعة إلا أنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق آخر هيأه الله له. وكذا التاجر يحضر السلعة من جهات بعيدة نائية كى يبيعها لمن هم فى حاجة إليها.
فالبيع والشراء من أهم الوسائل التى تبعث على النهوض وترقى بأسباب الحضارة والعمران، فلو لم يشرع الله البيع؛ لاحتاج الإنسان إلى أخذ ما بيد غيره، إما بالغلبة والقهر، وإما بالسؤال والاستجداء وإلا تذرع بالصبر حتى الهلاك. ولا شك أن هذا حال لا يقوم معه نظام الأمم لما فيه من الفساد والذل والصغار والهلاك.
ودليل مشروعية البيع: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والاجماع أما القرآن الكريم، فهناك آيات كثيرة منها قول الحق ﵎: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ البقرة:٢٧٥. وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ البقرة:٢٨٢.
ومنها قوله جل وعلا: ﴿يها أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ النساء:٢٩.
فهذه الآيات الكريمة صريحة فى حل البيع ومشروعيته وإن سيقت لأغراض أخرى كأفادة الآية الثانية للأمر بالاستشهاد عند التبايع، دفعا للخصوصية، وحسما للنزاع حتى لا يقع الجحود أو الإنكار بينما سيقت الآية الثالثة للنهى عن أكل أموال الناس بالباطل إلا بطرق البيع ونحوه من كل تجارة مشروعة.
أما الآية الأولى فقد سيقت للتفرقة بين البيع والربا ردا على من سوى بينهما، بل جعل الربا أدخل فى الحل من البيع.
واًما السنة النبوية المطهرة فقد روى أن المعصوم ﷺ سئل عن أطيب الكسب فقال: (عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) (رواه الإمام أحمد والطبرانى) (٢).
والمبرور من البيع ما لا غش فيه.
وجاء فى الحديث قوله ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطى فيه سواء) (٣)
وقال المعصوم ﷺ : (التاجر الصدوق يحشريوم القيامة مع الصديقين والشهداء) (رواه الترمذى) (٤).
والأحاديث فى هذا المجال مستفيضة تبلغ حد التواتر المعنوى، وقد بعث ﷺ والناس يتبايعون فأقرهم على ما لم يخالف الشريعة الغراء.
وأما الإجماع فإن الأمة الإسلامية بجميع طبقاتها، وخلال كل عصورها توافقت على جواز البيع، وأجمعت على أنه أحد أسباب الملك وقد تعامل به المسلمون من لدن الصدر الأول حتى يومنا هذا دون نكير، فكان ذلك إجماعا قطعيا على مشروعية البيع.
من الأدلة السابقة (قرآنا وسهنة وإجماعا) نقف على أن الأصل فى البيع الإباحة إلا أنه قد يطرأ من الأحوال والملابسات ما يخرجه عن هذا الأصل إلى أحد طرفى الطلب وهو الحظر أى الكراهة، أو التحريم، أو الفعل وهو الندب أو الإيجاب، أو الافتراض إذ البيع قد يكون مفروضا، وذلك للمضطر اضطرارا شديدا بحيث إذا لم يحصل على الشئ المبيع فورا فإنه يهلك أو يتلف عضو من أعضائه، والبائع إذا امتنع عن البيع والحالة هذه فإنه يكون آثما ومن ثم قال فقهاؤنا:"إن القاضى له أن يجبره على البيع إنقاذا للمضطر" وقد يكون واجبا وذلك كالبيع للمضطر الذى لم يبلغ به الاضطرار حدا يودى به إلى الهلاك، بل يوجد عنده حرجا ومشقة لا يزولان إلا بالحصول على المبيع بحيث، إذا لم يحصل عليه من صاحبه لا يصل إليه من غيره.
وقد يكون مندوبا وذلك كبيع الشى ممن يحلف أن يشتريه منه وليس للبائع حاجة إليه.
وقد يكون حراما وذلك كبيع المسلم الخمر والخنزيرأو غيرهما من كل ما نهى عن بيعه لذاته أو لصفة فيه كالبيع مع الشروط الفاسدة غير أنه قد يكون باطلا كالخمر وما ماثله.
وقد يكون فاسدا كالبيع المقترن بالشرط الفاسد.
وأخيرا قد يكون البيع مكروها، ومثال ذلك كل ما نهى عنه لأمر مجاور لا لخلل فى الأركان أو الشروط، وذلك كالبيع عند الآذان الأول لصلاة الجمعة الوارد فى قول الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكرالله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ الجمعة ٩.
وإذا ما تم عقد البيع مستكملا أركانه مستوفيا شروطه، يكون قد حاز درجة الاعتبار شرعا، وعندئذ يترتب عليه انتقال ملك كل من الطرفين عما بذله، وثبوت ملكه فيما أخذه ليثبت ملك البائع فى الثمن، وملك المشترى فى المبيع، وعندها يحل لكل منهما التصرف فيما انتقل ملكة إليه هو أهل له من التصرفات الشرعية ويصبح البيع -كما شرعه الله- واسطة السعادة بين الناس أفرادا وجماعات فتنتظم حياتهم ويتفرغ كل منهم لما يسره الله له من سبل العيش فى أمن وأمان وهدوء واستقرار وسعادة واطمئنان.
أ. د/محمد عبد اللطيف جمال الدين
стр. 104
٣٩ - البيعة
لغة: التَّوْلَية، وعَقدها (كما فى اللسان).
واصطلاحاً: البيعة عقد بين ولى الأمر وجمهور المسلمين يتضمن اختياره للقيام بمهام الخلافة، أى رياسة الدولة الإسلامية فى الشئون الدينية والشئون الدنيوية.
وقد تمت فى المجتمع الإسلامى قبل أن يتحول إلى دولة بين الرسول ﷺ ، ونفر من الأنصار على ما رأينا فى بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولى هو إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام ودخولهم فيه، وكان موضوع البيعة الثانية هو مناصرة الأنصار للنبى- ﷺ - وتأييدهم لدعوته، ومنع أى اعتداء يقع عليه. لذا فإن مفهوم العقد الاجتماعى كان واضحا فى هاتين البيعتين، إذ كانتا تعتمدان لبناء الدولة فى المدينة، ومناصرة نبى الإسلام فيها.
ومع ذلك فإن عقد البيعة صار بعد ذلك الأساس الضرورى لشرعية الحكم الإسلامى. حيث يختار أهل الحل والعقد من يرونه صالحا من المسلمين لتولى أمورهم، ثم يبايعونه على الإمارة، وبعد ذلك يقوم المسلمون جميعًا بالمبايعة، ولا يمكن أن تكون التولية صحيحة إلا بالبيعة لذلك كان كل الحكام فى تاريخ الدولة الإسلامية، يحرصون على الحصول على البيعة، حتى لو كانت إمارتهم قد تمت بالاستيلاء والمغالبة، فقد اعتبرت البيعة السند الشرعى لأى حاكم يختار من المسلمين لحكم الدولة الإسلامية. ونلاحظ أن عقد البيعة يتضمن دائما الشروط التى قبل المسلمون بمقتضاها تولية الحاكم، فقد كان الخليفة أو الإمام يعلن عن هذه الشروط، وإن اعتبرت معلنة ضمنًا بعد عصر الخلافة الراشدة. يقول أبو بكر الصديق ﵁ بعد أن بايعه المسلمون على الخلافة: "أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم ".
ويمكن أن نستخرج من هذا الخطاب شروط البيعة، فهذه لا تعطى الحاكم سلطة مطلقة كما يعتقد البعض، وإنما سلطات مقيدة. فالخليفة أولاً ملتزم بتنفيذ أحكام الشريعة "أطيعونى ما أطعت الله ورسوله"، والمسلمون لهم حق المراقبة لأعمال الحاكم "فإن أسأت فقومونى" بل لهم أن يعزلوه إن أساء وخالف أحكام الإسلام. فهناك إعلان آخر هام بالمساواة بين عناصر الأمة، وتطبيق العدل بين كل الناس بصرف النظر عن قوة أو ضعف المحكوم.
والبيعة هى الأسلوب الذى يمارس به الأفراد حقهم فى اختيار من يحكمهم،
وبالتالى فهى نظام بديل عن أنظمة الانتخاب التى تعرفها الديمقراطيات الحديثة، أسلوب كان يتناسب مع ظروف الدولة الإسلامية فى عصر نشأتها، وبالتالى فالعلماء والفقهاء لا يمانعون بين تطبيق البيعة- وتعنى حرية
الاختيار التعاقدى- بأى أسلوب آخر.
أ. د/ جعفر عبد السلام
стр. 105
٤٠ - بيعتا العقبة
كان النبى- ﵊ يعرض نفسه على القبائل فى المواسم والأسواق باحثاً عن قبيلة تقف إلى جانبه حتى يبلغ- آمنًا- رسالة ربه، وكان من الذين لقيهم أثناء هذا العرض ستة أو ثمانية من أهل يثرب لم يدخلوا فى دينه، ولم يظهروا كراهتهم له، وإنما انتظروا حتى يقصوا على قومهم خبرهذا النبى وما يدعو إليه، ولما سمع أهل يثرب من الأوس والخزرج من هؤلاء الرجال ما سمعوا راح بعضهم يقول لبعض لماذا لا يكون هذا النبى هو ما يخوفنا به اليهود؟ ويزعمون أنهم سيتبعونه ويقتلوننا تحت لوائه قتل عاد وإرم، لئن كان هو فلا ينبغى أن يسبقونا إليه، وفى الموسم التالى استقبل النبى- ﵊ منهم إثنى عشر رجلاً، وبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه فى معروف وقبل أن يودعوه ويأخذوا طريقهم إلى بلادهم، قالوا له: يا رسول الله إنا لمن قوم أولى قوة وأولى بأس شديد، وإن يجمعهم الله عليك فلا أحد من العرب أعز منك، ولما أزمعوا الرحيل أرسل معهم النبى- ﵊ مصعب بن عميروعبد الله بن أم مكتوم يتلوان عليهم القرآن ويشرحان لهم تعاليم الإسلام، ونزل الرجلان دار أسعد بن زرارة، وحالفهما النجاح حتى لم تعد تتسع هذه الدار للوفود المتوالية عليها، فاتخذا دارا أخرى أطلق عليها دار القراء، ولم يمض العام الذى أرسل فيه النبى ﷺ مبعوثيه حتى كان الإسلام قد انتشر فى أهل يثرب، ولم يبق فيها منزل إلا دخله واعتنقه الكثير من رجاله ونسائه، وعاد مصعب وابن أم مكتوم إلى مكة ومعهما سبعون رجلاً وامرأتان ضمن عدد كبير من المشركين، واستقبل النبى- ﵊ من المسلمين من أبلغه شوق إخوانهم إليه وحرصهم على لقائه، وتم الاتفاق على أن يكون اللقاء فى شعب الكعبة عند العقبة: وهى المكان الذى يُلقى الحجيج فيه الجمار على أن يكون هذا الموعد سرا حتى لا يعلم المشركون به فيسعون إلى إخفاقه، ونفذ المسلمون هذا الاتفاق فى دقة وما أن اكتمل جمعهم حتى كان النبى- ﵊ بين أظهرهم، وافتتح هذا الإجتماع العباس بن عبد المطلب، وكان على دين قومه، فقال: يا معشر الخزرج تعلمون أن محمدا فى منعة من قومه، فإن كنتم إذا حملتموه إليكم منعتموه من الأبيض والأحمر فهو دونكم فخذوه، وإن كنتم إذا مسكم الضر وعضتكم الحرب أسلمتموه وخليتم بينه وبين عدوه، فمن الآن فدعوه. فصاحوا جميعا: بل نحميه مما نحمى منه أزرنا وأبناءنا ونساءنا. فقال قائل: يا رسول الله أرأيت لو حملناك إلى بلادنا ومنعناك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ثم نصرك الله على أعدائك أتعود إلى قومك وتتركنا؟ قال: لا بل الدم الدم والهدم الهدم، أنتم منى وأنا منكم، ومد ﵊ يده لمبايعة القوم على ما تم الاتفاق عليه من الهجرة إليهم، والمنعة له، وأمر الجلساء أن يختاروا من أنفسهم على أنفسهم نقباء يكونون على قومهم كفلاء،
ويكون النبى- ﵊ كفيلا على قومه، فاختار القوم أثنى شرنقيبًا: تسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع بن عمرو، وعبد الله ابن روحة بن امرئ القيس، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور بن صخر، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة بن دليم، والمنذر بن عمرو بن خنيس، وثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن
حضيربن سماك، وسعد بن خيثمة بن الحارس، ورفاعة بن المنذر بن زنير. ويلاحظ أن النبى- ﵊ لم يتدخل فى هذا الانتخاب لا بعبارة ولا بإشارة، وإنما ترك القوم أحرارًا لا تأثير على أحد منهم من قريب ولا من بعيد
أ. د/ عبد العزيز غنيم
стр. 106
٤١ - بيمارستان
هى لفظة فارسية مأخوذة من الكلمة "بيمار" بمعنى مريض، واستان " بمعنى مكان، وتدل على المستشفى.
وفى الاصطلاح الحديث يطلق اللفظ بصفة خاصة على مكان يأوى المصابين بالأمراض العقلية.
يعود الفضل فى بناء أول بيمارستان فى الإسلام إلى الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ) وقد عين له أطباء مخصوصين وخصص لهم رواتب وكان للوليد أيضا اهتمام بعزل المجذوبين ورعاية المعوقين.
أما الازدهار الكبير فى البيمارستانات الإسلامية، فقد حدث فى عهد هارون الرشيد نتيجة لاتصال الحضارة الإسلاميَّة بمدرسة جنديسابور الطبية، وقد وكل الرشيد إلى الطبيب النصرانى جبرائيل بن بختيشوع إنشاء بيمارستان فى بغداد واستقدم له صيدليا بارعًا من جنديسابور أيضا، وأصبح ابن هذا الصيدلى (وهو يوحنا بن ماسويه) رئيسًا لهذا البيمارستان بعد فترة، ولم تقتصروظيفة هذا البيمارستان على العلاج وإنما امتدت إلى التعليم والترجمة والتأليف الطبى.
وقد انتشرت البيمارستانات فى بغداد وفى الولايات الإسلامية، وعرفت هذه البيمارستانات على أساليب العناية. بالكساء والغطاء والأدوية والأشربة وبتكييف الهواء بالطرق المتاحة عندئذ، وعهد بأمرها إلى الأطباء، وقد ترأس الرازى قبل قدومه إلى بغداد بيمارستان الرى.
كما أخذت البيمارستانات الإسلامية بتقاليد رفيعة من قبيل زيارة الأطباء للسجون يوميا، وخروج الأطباء فى قوافل للمرور بالقرى ومعهم مستوصفات متنقلة من العقاقير.
كما عرفت البيمارستانات التخصص فى الطب فكان هناك: الطبائعيون، والكحاليون، والجرائحيون، والمجبرون، وعرف نظام النوبتجيات، ونظام التسجيل الطبى لأسماء المرضى وكميات الأدوية والأغذية اللازمة، ومن الطريف أن بعض البيمارستانات تم تمويل بنائها من الفدية التى دفعها ملوك أجانب.
وكانت مسئولية الأطباء مزدوجة على نحو ما هى الآن فى مؤسسات التعليم الطبى حيث يتولون العلاج، ويقومون بجولات لعيادة المرضى فى الصباح ويتولون كتابة الوصفات، ثم المحاضرة ثلاث ساعات يوميا.
ويرى بعض المؤرخين أن أول بيمارستان عرفته مصر كان على عهد أحمد بن طولون، ثم أقام صلاح الدين البيمارستان الناصرى، أما أفخم بيمارستان فى مصر والعالم الإسلامى فكان الذى أنشأه المنصور قلاوون (٦٨٣ هـ- ١٢٨٤م). وقيل فى وصفه إنه كان يسمح فيه بالعلاج للرجال والنساء، ولم يكن يطرد منه أحد ولا تحدد مدة العلاج، كما عرف فى مصر البيمارستان المنصورى (وكان من قبل قصراً فاطميا)، وكان مهيأ لثمانية آلاف شخص (وهو رقم لا يوجد الآن) ومن مآثر العرب اهتمامهم المبكر بعلم إدارة المستشفيات. وللرازى على سبيل المثال كتاب "فى صفحات البيمارستان ".
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 107
١ - تابعي
لغة: مأخوذ من تبعه واتبعه إذا اقتفى أثره (١)، قال تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ (يوسف ٣٨).
والتابعى يطلق عليه أيضا: التباع، والتبع، ويجمع على تبع وأتباع (٢).
واصطلاحاً: كل مسلم لقى الصحابة ومات على الإسلام، وكان مميّزا وقت إدراكه فهو تابعى، سواء سمع منهم أم لم يسمع، وهذا ما عليه أكثر أهل الحديث.
ولقد أثنى الله تعالى على التابعين فقال: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة ١٠٠).
وهل الإحسان فى الآية قيد لابد منه فى التابعين؟
يرى ابن الصلاح أن مطلق التابعى مخصوص بالتابع بإحسان.
فإذا كان المراد بالإحسان الإسلام فأمر واضح لابد منه فى تعريف التابعى. وإن كان المراد بالإحسان أمر زائد عن الإسلام يعنى الكمال فيه وفى العدالة، فلم يشترط العلماء ذلك فى حد التابعى.
وقد أثنى رسول الله ﷺ على التابعين فقال فيما رواه عنه عبد الله بن مسعود ﵁: (خيرالناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٣).
ويرى جمهور العلماء أنه لابد من دراسة أحوال التابعين وبيان الحكم على كل واحد منهم من حيث العدالة، شأنهم فى ذلك شأن بقية الناس لأنه قد ظهر فيهم من اتصف بصفات ذميمة، وإن كانوا قلة .. والحديث السابق محمول فى القرنين بعد الأول على الغالبية والأكثرية …
وتتفاوت مراتبهم بحسب تمكنهم من مجالسة الصحابة قلة أو كثرة .. وبحسب الرواية عنهم قلة أو كثرة، وقد اعتبرهم الإمام مسلم وابن سعد ثلاث طبقات وأوصلهم الحاكم إلى خمس عشرة طبقة ..
فأفضلهم من سمع من العشرة المبشرين بالجنة وروى عنهم مثل قيس بن أبى حازم ت ٩٨هـ، وليس فى التابعين أحد روى عن العشرة غيره.
ومن أفضل التابعين أويس القرنى ت ٨٥هـ، وكذا فقهاء المدينة السبعة (٤)
ومن النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى
وأول التابعين موتا: هو أبو زيد معمر بن زيد قتل بخراسان سنة ٣٠هـ
أما آخر التابعين موتا: فهو خلف بن خليفة ت سنة ١٨١هـ وقد جاوز المائة
أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة
стр. 108
٢ - التأريخ
لغة: غاية الشىء ووقته الذى ينتهى إليه، ولهذا يقال: فلان تاريخ قومه فى الجود، أى الذى انتهى إليه ذلك. وقيل: إن معناه التأخير، وقيل أيضاً: إنه إثبات الشىء (١).
وتأريخ مصدر من "أرخ " بلغة قيس، وهو اللفظ الشائع عند العرب أو "ورخ" بلغة تميم، وهو لفظ لم يستخدمه كاتب قط.
واصطلاحاً: كلمة تأريخ تمنى الزمن والحقبة، ولم يظهر هذا الاصطلاح بهذا المعنى إلا منذ أن دخل عمر بن الخطاب ﵁ التقويم الهجرى ولذلك ترد لفظة التأريخ ويراد بها أمران:
الأول: التأريخ العام، أى تسجيل أهم حوادث الأمم. وبمعنى كتب الحوليات، وهذا هو الشائع، أى تدوين الحوادث عاماً بعد عام، أو بمعنى أن الأخبار تكون مرتبة بحسب العصور.
ولذلك يقول العبادى: التأريخ بالهمزة، أو التاريخ بتسهيل الهمزة، والتوريخ تعريف الوقت.
وقد وردت كلمة التأريخ (٢) كعنوان لمصنفات تاريخية مثل: (تكملة تأريخ الطبرى)، (تأريخ بغداد)، (تأريخ الأندلس) كما أطلقت أيضا على بعض المصنفات التى تتناول التأريخ، كما فى كتاب تأريخ الحكماء المعروف بـ (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) لابن القفطى.
الثانى: بمعنى تحديد بداية الأخبار الخاصة بعصر من العصور، وبمعنى حساب الأزمات وحصرها، وبمعنى تحديد زمن وقوع الحوادث تحديدا دقيقا.
وكان العرب قبل الإسلام يوقتون بالنجوم والأهلة، وينسأون الشهور ويكبسونها إلحاقا للسنة القمرية بالنسبة للسنة الشمسية؛ وكانوا يبنون التأريخ على الليالى دون الأيام، بخلاف العجم، فإنهم كانوا يبنونه على الأيام دون الليالى. كما حدث فى تأريخ الطوفان الذى مازال موضع خلاف فى الرأى بين اليهود والنصارى.
وظل العرب يؤرخون بالحوادث العظام والوقائع المشهورة كعام الفيل، وبناء الكعبة، نحوهما حتى ظهور الإسلام.
وفى خلافة عمر بن الخطاب ﵁ أمر الناس أن يؤرخوا من عام الهجرة النبوية، ومضى الأمر على ذلك حتى يومنا هذا.
(هيئة التحرير)
١ - أدب الكتاب للصولى، تحقيق محمد بهجة الأثرى (ص ١٧٨) القاهرة ١٣٤١ هـ.
٢ - علم التاريخ، لهرنشو، ترجمة د عبد الحميد العبادى- طبعة دار الحداثة القاهرة ١٩٨٨م.
стр. 109
٣ - التاريخ (نظرية نهاية التاريخ)
التاريخ لغة: فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث توقيتها؛ وموضوعه الإنسان والزمان (١). أى: دراسة ماضى البشرية، وهو على هذا المعنى قديم عندهم، نما معرفة ساذجة من معارف العرب قبل الإسلام، ثم تكامل على مر الزمن حتى أصبح علما من أجل علومهم وأعظمها شأنا.
كان عرب الجاهلية لغلبة الأمية عليهم يتذاكرون أيامهم وأحداثهم عن طريق الرواية الشفوية على هيئة أشعار وقصائد أو أخبار متفرقة، ويستثنى من ذلك أهل اليمن والحيرة، فقد نقشوا ألوانا من الخط المسند على مبانيهم دونوا عليها أخبار ملوكهم وشئونهم العامة. ودوّن آخرون أخبار ممالكهم وأودعوها أديار الحيرة وكنائسها (٢).
فلما جاء الإسلام، وقامت الدولة الإسلامية، مست الحاجة إلى معرفة سيرة الرسول ﷺ وأحواله واستقصاء السنة فتوفر رجال على جمع أخبار السيرة وتدوينها، فكان ذلك بدء اشتغال العرب فى الإسلام بالتاريخ. وذلك لأن التاريخ بوجه عام يقتصر على الأحداث البشرية التى جرت منذ نشأة الكتابة أى ما يقرب من خمسة آلاف وخمسمائة عام.
ويقوم المؤرخون بدراسة جميع جوانب الحياة فى الماضى (اجتماعية، وثقافية، وسياسية، واقتصادية) لاستخلاص الدروس والعبر منها، وتُعَدّ سجلات جديدة لهذه الأحداث تعرف بكتب التاريخ كما أن موقف المؤرخ أقرب إلى موقف الفنان حيث يتمثل كلاهما الواقع بنظرة فردية، إذا أردت أن تعرف تاريخ شخصية معينة تخيل رد فعله من خلال الأحداث التى مرَّ بها.
وتعددت التفسيرات حول المحرك الأساسى للصراعات التاريخية فهناك من يرى الدين سببا لهذه الصراعات وهناك من يرى المادة سببا لهذه الصراعات وهناك من يرى أن السبب الأساسى هو شخصية بعض الأفراد وميولهم.
نظرية نهاية التاريخ:
ولذلك ظهر توجه جديد فى نهاية القرن العشرين يضع نهاية لهذه الصراعات كما لدى فوكوياما فى كتاب: "نهاية التاريخ وخاتم البشر" ويستند فى ذلك إلى أن العالم سيتخذ من الديمقراطية الليبرالية نظاما للحكم. وذلك بالطبع سوف يشكل نقطة النهاية فى التطور الأيديولوجى للإنسانية. وبالتالى فإن ذلك سوف يمثل نهاية التاريخ بانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية.
كما أن ثمة إشارات إلى أن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ فى دولة تكون معها النزعة الوطنية أو العرقية مبالغا فيها لدى أفراد الجماعات المكونة لهذه الدولة.
كما يرى فوكوياما أن الدين فى حد ذاته لم يخلق المجتمعات الحرة فالمسيحية فى رأيه كمعنى كان لزاما عليها أن تلغى نفسها عن طريق صبغ أهدافها بالصبغة العلمانية قبل ظهور الليبرالية (٣).
وهذه النظرية مضادة لنظرية صراع الحضارات التى تقسم العالم إلى تكتلات حضارية وثقافية ودينية باعتبار أن ثمة فروقا جوهرية بين الحضارات (٤).
(هيئة التحرير)
١ - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوى ص ٧ نشر فى كتاب (فرانز روز نثال) طبعة مؤسسة الرسالة.
٢ - تاريخ الأمم والملوك للطبرى ٢/ ٣٧.
٣ - نهاية التاريخ وخاتم البشر، فرنسيس فوكوياما ص ٩٢ ١. ١٩٣ مركز الأهرام للترجمة والنشر القاهرة ١٩٩٣ م.
٤ - نحن والعصر مفاهيم ومصطلحات إسلامية د. ناصر الدين الأسد.
стр. 110
٤ - التأليف
لغة: هو جمع الشىء إلى نظيره تقول: ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وأتلفا (١).
وتقول: تألف القوم وائتلفوا أى اجتمعوا (٢).
واصطلاحا: جمع مسائل علم فى كتاب (٣)، وهو مأخوذ من الألفة ومن الاجتماع أيضا وقد يطلق اللفظ على المؤلف وقد يسمى التأليف تصنيفا، ويسمى الكتاب المؤلف مصنفا.
والمؤلف صاحب رسالة يريد أن ينقلها إلى القارىء ة ولذا فإن الاقتصار على سرد الآراء وجمع النصوص المتعلقة بموضوع معين لا يعد تأليفا، لأنه لا يضيف فكرا جديدا.
كذلك فإن تحقيق النصوص القديمة وترجمة النصوص الأجنبية لا يسمى تأليفا (٤) لأن الفكرة الأصلية والإضافة الحقيقية هى لمؤلف النص الأصلى وليست للمحقق أو المترجم، ويقاس على هذا القوائم الببليوجرافية التى تحصى المؤلفات فى موضوع معين، فإن القائم بها لا يعد مؤلفا وإنما جامعا. ولهذا نقول: إعداد فلان، ولا نقول: تأليف فلان.
ولعل هذا هوما يفسرلنا ظهور مصطلح "السرقات الأدبية" فى تراثنا الأدبى وظهور مصطلح "حق التأليف" وقوانين حماية حق المؤلف أو حق الملكية الفكرية فى العصر الحديث، صيانة لثمرات العقول من أن تستباح فسرقة الأفكار، لا تقل شناعة عن سرقة المتاع.
والمؤلف - عادة - يجمع مادته العلمية من مصادرها المختلفة ويحللها ويناقشها (٥) ويكتبها فى صورة مبدئية تسمى "المسودة" وهذه المسودة تخضع للتغيير والتبديل والتقديم والتأخير والحذف والإضافة حتى إذا استقر صاحبها على الصيغة التى يرتضيها، بيضها فى صورة نهائية ينشرها على الناس. وقد يعيد المؤلف النظر فيما كتب، وقد يعدل عن بعض آرائه فيصدر من كتابه إصدارة جديدة أو طبعة جديدة يصفها بأنها "مزيدة ومنقحة" وتلك ظاهرة صحية لا تعيب المؤلف وإنما تحسب له وتغلى من قدره وتدل على ما يتصف به فكره من تطور ونضج ونماء، وأمانة أيضا.
وفى العصور القديمة كان الإملاء إحدى طرق التأليف، وكان العالم يجلس فى المسجد أو أى مكان عام ومن حوله تلاميذه ومريدوه، يكتبون عنه ما يمليه فالسيوطى يذكر أن الإملاء كان أعظم وظائف الحفاظ من أهل الحديث (٦) وابن النديم يذكر أن ابن الأعرابى "أملى على الناس ما يحمل على أجمال " (٧) وتراثنا العربى يحفل بكتب كثيرة تحمل فى عناوينها كلمة "الأمالى" أو "المجالس" وقد أحصاها حاجى خليفة فى كتابه "كشف الظنون" ومن بعده إسماعيل البغدادى فى "إيضاح المكنون فى الذيل على كشف الظنون" وأشهرها أمالى أبى علاء القالى ومجلس ثعلب.
وقد انتشرت مجالس الإملاء فى الحواضر الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحدث الخطيب البغدادى فى مواضع متفرقة من "تاريخ بغداد" عن تلك المجالس (٨) ووصف ضخامتها وكيف أن بعضها كان يحضره عشرات الألوف وربما تجاوز عدد الحاضرين مائة ألف كمجلس عاصم الواسطى (ت ٢٢١هـ) (٩) وكان طبيعيا ألا يسمع صوت الشيخ تلك الأعداد الكبيرة من السامعين ولهذا ظهرت فئة "المستملين" الذين يرددون كلام الشيخ وراءه كل منهم يبلغ صاحبه حتى تسمع جموع الحاضرين (١٠) ومهما تكن فى هذه الأرقام من مبالغة، فإنها تدل على تضخم تلك المجالس لدرجة تلفت الانتباه.
أ. د/عبد الستار عبد الحق الحلوجى