← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤١ - بيمارستان هى لفظة فارسية مأخوذة من الكلمة "بيمار" بمعنى مريض، واستان " بمعنى مكان، وتدل على المستشفى. وفى الاصطلاح الحديث يطلق اللفظ بصفة خاصة على مكان يأوى المصابين بالأمراض العقلية. يعود الفضل فى بناء أول بيمارستان فى الإسلام إلى الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ) وقد عين له أطباء مخصوصين وخصص لهم رواتب وكان للوليد أيضا اهتمام بعزل المجذوبين ورعاية المعوقين. أما الازدهار الكبير فى البيمارستانات الإسلامية، فقد حدث فى عهد هارون الرشيد نتيجة لاتصال الحضارة الإسلاميَّة بمدرسة جنديسابور الطبية، وقد وكل الرشيد إلى الطبيب النصرانى جبرائيل بن بختيشوع إنشاء بيمارستان فى بغداد واستقدم له صيدليا بارعًا من جنديسابور أيضا، وأصبح ابن هذا الصيدلى (وهو يوحنا بن ماسويه) رئيسًا لهذا البيمارستان بعد فترة، ولم تقتصروظيفة هذا البيمارستان على العلاج وإنما امتدت إلى التعليم والترجمة والتأليف الطبى. وقد انتشرت البيمارستانات فى بغداد وفى الولايات الإسلامية، وعرفت هذه البيمارستانات على أساليب العناية. بالكساء والغطاء والأدوية والأشربة وبتكييف الهواء بالطرق المتاحة عندئذ، وعهد بأمرها إلى الأطباء، وقد ترأس الرازى قبل قدومه إلى بغداد بيمارستان الرى. كما أخذت البيمارستانات الإسلامية بتقاليد رفيعة من قبيل زيارة الأطباء للسجون يوميا، وخروج الأطباء فى قوافل للمرور بالقرى ومعهم مستوصفات متنقلة من العقاقير. كما عرفت البيمارستانات التخصص فى الطب فكان هناك: الطبائعيون، والكحاليون، والجرائحيون، والمجبرون، وعرف نظام النوبتجيات، ونظام التسجيل الطبى لأسماء المرضى وكميات الأدوية والأغذية اللازمة، ومن الطريف أن بعض البيمارستانات تم تمويل بنائها من الفدية التى دفعها ملوك أجانب. وكانت مسئولية الأطباء مزدوجة على نحو ما هى الآن فى مؤسسات التعليم الطبى حيث يتولون العلاج، ويقومون بجولات لعيادة المرضى فى الصباح ويتولون كتابة الوصفات، ثم المحاضرة ثلاث ساعات يوميا. ويرى بعض المؤرخين أن أول بيمارستان عرفته مصر كان على عهد أحمد بن طولون، ثم أقام صلاح الدين البيمارستان الناصرى، أما أفخم بيمارستان فى مصر والعالم الإسلامى فكان الذى أنشأه المنصور قلاوون (٦٨٣ هـ- ١٢٨٤م). وقيل فى وصفه إنه كان يسمح فيه بالعلاج للرجال والنساء، ولم يكن يطرد منه أحد ولا تحدد مدة العلاج، كما عرف فى مصر البيمارستان المنصورى (وكان من قبل قصراً فاطميا)، وكان مهيأ لثمانية آلاف شخص (وهو رقم لا يوجد الآن) ومن مآثر العرب اهتمامهم المبكر بعلم إدارة المستشفيات. وللرازى على سبيل المثال كتاب "فى صفحات البيمارستان ". أ. د/ محمد الجوادى

стр. 107

١ - تابعي لغة: مأخوذ من تبعه واتبعه إذا اقتفى أثره (١)، قال تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ (يوسف ٣٨). والتابعى يطلق عليه أيضا: التباع، والتبع، ويجمع على تبع وأتباع (٢). واصطلاحاً: كل مسلم لقى الصحابة ومات على الإسلام، وكان مميّزا وقت إدراكه فهو تابعى، سواء سمع منهم أم لم يسمع، وهذا ما عليه أكثر أهل الحديث. ولقد أثنى الله تعالى على التابعين فقال: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة ١٠٠). وهل الإحسان فى الآية قيد لابد منه فى التابعين؟ يرى ابن الصلاح أن مطلق التابعى مخصوص بالتابع بإحسان. فإذا كان المراد بالإحسان الإسلام فأمر واضح لابد منه فى تعريف التابعى. وإن كان المراد بالإحسان أمر زائد عن الإسلام يعنى الكمال فيه وفى العدالة، فلم يشترط العلماء ذلك فى حد التابعى. وقد أثنى رسول الله ﷺ على التابعين فقال فيما رواه عنه عبد الله بن مسعود ﵁: (خيرالناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٣). ويرى جمهور العلماء أنه لابد من دراسة أحوال التابعين وبيان الحكم على كل واحد منهم من حيث العدالة، شأنهم فى ذلك شأن بقية الناس لأنه قد ظهر فيهم من اتصف بصفات ذميمة، وإن كانوا قلة .. والحديث السابق محمول فى القرنين بعد الأول على الغالبية والأكثرية … وتتفاوت مراتبهم بحسب تمكنهم من مجالسة الصحابة قلة أو كثرة .. وبحسب الرواية عنهم قلة أو كثرة، وقد اعتبرهم الإمام مسلم وابن سعد ثلاث طبقات وأوصلهم الحاكم إلى خمس عشرة طبقة .. فأفضلهم من سمع من العشرة المبشرين بالجنة وروى عنهم مثل قيس بن أبى حازم ت ٩٨هـ، وليس فى التابعين أحد روى عن العشرة غيره. ومن أفضل التابعين أويس القرنى ت ٨٥هـ، وكذا فقهاء المدينة السبعة (٤) ومن النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى وأول التابعين موتا: هو أبو زيد معمر بن زيد قتل بخراسان سنة ٣٠هـ أما آخر التابعين موتا: فهو خلف بن خليفة ت سنة ١٨١هـ وقد جاوز المائة أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 108

٢ - التأريخ لغة: غاية الشىء ووقته الذى ينتهى إليه، ولهذا يقال: فلان تاريخ قومه فى الجود، أى الذى انتهى إليه ذلك. وقيل: إن معناه التأخير، وقيل أيضاً: إنه إثبات الشىء (١). وتأريخ مصدر من "أرخ " بلغة قيس، وهو اللفظ الشائع عند العرب أو "ورخ" بلغة تميم، وهو لفظ لم يستخدمه كاتب قط. واصطلاحاً: كلمة تأريخ تمنى الزمن والحقبة، ولم يظهر هذا الاصطلاح بهذا المعنى إلا منذ أن دخل عمر بن الخطاب ﵁ التقويم الهجرى ولذلك ترد لفظة التأريخ ويراد بها أمران: الأول: التأريخ العام، أى تسجيل أهم حوادث الأمم. وبمعنى كتب الحوليات، وهذا هو الشائع، أى تدوين الحوادث عاماً بعد عام، أو بمعنى أن الأخبار تكون مرتبة بحسب العصور. ولذلك يقول العبادى: التأريخ بالهمزة، أو التاريخ بتسهيل الهمزة، والتوريخ تعريف الوقت. وقد وردت كلمة التأريخ (٢) كعنوان لمصنفات تاريخية مثل: (تكملة تأريخ الطبرى)، (تأريخ بغداد)، (تأريخ الأندلس) كما أطلقت أيضا على بعض المصنفات التى تتناول التأريخ، كما فى كتاب تأريخ الحكماء المعروف بـ (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) لابن القفطى. الثانى: بمعنى تحديد بداية الأخبار الخاصة بعصر من العصور، وبمعنى حساب الأزمات وحصرها، وبمعنى تحديد زمن وقوع الحوادث تحديدا دقيقا. وكان العرب قبل الإسلام يوقتون بالنجوم والأهلة، وينسأون الشهور ويكبسونها إلحاقا للسنة القمرية بالنسبة للسنة الشمسية؛ وكانوا يبنون التأريخ على الليالى دون الأيام، بخلاف العجم، فإنهم كانوا يبنونه على الأيام دون الليالى. كما حدث فى تأريخ الطوفان الذى مازال موضع خلاف فى الرأى بين اليهود والنصارى. وظل العرب يؤرخون بالحوادث العظام والوقائع المشهورة كعام الفيل، وبناء الكعبة، نحوهما حتى ظهور الإسلام. وفى خلافة عمر بن الخطاب ﵁ أمر الناس أن يؤرخوا من عام الهجرة النبوية، ومضى الأمر على ذلك حتى يومنا هذا. (هيئة التحرير) ١ - أدب الكتاب للصولى، تحقيق محمد بهجة الأثرى (ص ١٧٨) القاهرة ١٣٤١ هـ. ٢ - علم التاريخ، لهرنشو، ترجمة د عبد الحميد العبادى- طبعة دار الحداثة القاهرة ١٩٨٨م.

стр. 109

٣ - التاريخ (نظرية نهاية التاريخ) التاريخ لغة: فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث توقيتها؛ وموضوعه الإنسان والزمان (١). أى: دراسة ماضى البشرية، وهو على هذا المعنى قديم عندهم، نما معرفة ساذجة من معارف العرب قبل الإسلام، ثم تكامل على مر الزمن حتى أصبح علما من أجل علومهم وأعظمها شأنا. كان عرب الجاهلية لغلبة الأمية عليهم يتذاكرون أيامهم وأحداثهم عن طريق الرواية الشفوية على هيئة أشعار وقصائد أو أخبار متفرقة، ويستثنى من ذلك أهل اليمن والحيرة، فقد نقشوا ألوانا من الخط المسند على مبانيهم دونوا عليها أخبار ملوكهم وشئونهم العامة. ودوّن آخرون أخبار ممالكهم وأودعوها أديار الحيرة وكنائسها (٢). فلما جاء الإسلام، وقامت الدولة الإسلامية، مست الحاجة إلى معرفة سيرة الرسول ﷺ وأحواله واستقصاء السنة فتوفر رجال على جمع أخبار السيرة وتدوينها، فكان ذلك بدء اشتغال العرب فى الإسلام بالتاريخ. وذلك لأن التاريخ بوجه عام يقتصر على الأحداث البشرية التى جرت منذ نشأة الكتابة أى ما يقرب من خمسة آلاف وخمسمائة عام. ويقوم المؤرخون بدراسة جميع جوانب الحياة فى الماضى (اجتماعية، وثقافية، وسياسية، واقتصادية) لاستخلاص الدروس والعبر منها، وتُعَدّ سجلات جديدة لهذه الأحداث تعرف بكتب التاريخ كما أن موقف المؤرخ أقرب إلى موقف الفنان حيث يتمثل كلاهما الواقع بنظرة فردية، إذا أردت أن تعرف تاريخ شخصية معينة تخيل رد فعله من خلال الأحداث التى مرَّ بها. وتعددت التفسيرات حول المحرك الأساسى للصراعات التاريخية فهناك من يرى الدين سببا لهذه الصراعات وهناك من يرى المادة سببا لهذه الصراعات وهناك من يرى أن السبب الأساسى هو شخصية بعض الأفراد وميولهم. نظرية نهاية التاريخ: ولذلك ظهر توجه جديد فى نهاية القرن العشرين يضع نهاية لهذه الصراعات كما لدى فوكوياما فى كتاب: "نهاية التاريخ وخاتم البشر" ويستند فى ذلك إلى أن العالم سيتخذ من الديمقراطية الليبرالية نظاما للحكم. وذلك بالطبع سوف يشكل نقطة النهاية فى التطور الأيديولوجى للإنسانية. وبالتالى فإن ذلك سوف يمثل نهاية التاريخ بانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية. كما أن ثمة إشارات إلى أن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ فى دولة تكون معها النزعة الوطنية أو العرقية مبالغا فيها لدى أفراد الجماعات المكونة لهذه الدولة. كما يرى فوكوياما أن الدين فى حد ذاته لم يخلق المجتمعات الحرة فالمسيحية فى رأيه كمعنى كان لزاما عليها أن تلغى نفسها عن طريق صبغ أهدافها بالصبغة العلمانية قبل ظهور الليبرالية (٣). وهذه النظرية مضادة لنظرية صراع الحضارات التى تقسم العالم إلى تكتلات حضارية وثقافية ودينية باعتبار أن ثمة فروقا جوهرية بين الحضارات (٤). (هيئة التحرير) ١ - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوى ص ٧ نشر فى كتاب (فرانز روز نثال) طبعة مؤسسة الرسالة. ٢ - تاريخ الأمم والملوك للطبرى ٢/ ٣٧. ٣ - نهاية التاريخ وخاتم البشر، فرنسيس فوكوياما ص ٩٢ ١. ١٩٣ مركز الأهرام للترجمة والنشر القاهرة ١٩٩٣ م. ٤ - نحن والعصر مفاهيم ومصطلحات إسلامية د. ناصر الدين الأسد.

стр. 110

٤ - التأليف لغة: هو جمع الشىء إلى نظيره تقول: ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وأتلفا (١). وتقول: تألف القوم وائتلفوا أى اجتمعوا (٢). واصطلاحا: جمع مسائل علم فى كتاب (٣)، وهو مأخوذ من الألفة ومن الاجتماع أيضا وقد يطلق اللفظ على المؤلف وقد يسمى التأليف تصنيفا، ويسمى الكتاب المؤلف مصنفا. والمؤلف صاحب رسالة يريد أن ينقلها إلى القارىء ة ولذا فإن الاقتصار على سرد الآراء وجمع النصوص المتعلقة بموضوع معين لا يعد تأليفا، لأنه لا يضيف فكرا جديدا. كذلك فإن تحقيق النصوص القديمة وترجمة النصوص الأجنبية لا يسمى تأليفا (٤) لأن الفكرة الأصلية والإضافة الحقيقية هى لمؤلف النص الأصلى وليست للمحقق أو المترجم، ويقاس على هذا القوائم الببليوجرافية التى تحصى المؤلفات فى موضوع معين، فإن القائم بها لا يعد مؤلفا وإنما جامعا. ولهذا نقول: إعداد فلان، ولا نقول: تأليف فلان. ولعل هذا هوما يفسرلنا ظهور مصطلح "السرقات الأدبية" فى تراثنا الأدبى وظهور مصطلح "حق التأليف" وقوانين حماية حق المؤلف أو حق الملكية الفكرية فى العصر الحديث، صيانة لثمرات العقول من أن تستباح فسرقة الأفكار، لا تقل شناعة عن سرقة المتاع. والمؤلف - عادة - يجمع مادته العلمية من مصادرها المختلفة ويحللها ويناقشها (٥) ويكتبها فى صورة مبدئية تسمى "المسودة" وهذه المسودة تخضع للتغيير والتبديل والتقديم والتأخير والحذف والإضافة حتى إذا استقر صاحبها على الصيغة التى يرتضيها، بيضها فى صورة نهائية ينشرها على الناس. وقد يعيد المؤلف النظر فيما كتب، وقد يعدل عن بعض آرائه فيصدر من كتابه إصدارة جديدة أو طبعة جديدة يصفها بأنها "مزيدة ومنقحة" وتلك ظاهرة صحية لا تعيب المؤلف وإنما تحسب له وتغلى من قدره وتدل على ما يتصف به فكره من تطور ونضج ونماء، وأمانة أيضا. وفى العصور القديمة كان الإملاء إحدى طرق التأليف، وكان العالم يجلس فى المسجد أو أى مكان عام ومن حوله تلاميذه ومريدوه، يكتبون عنه ما يمليه فالسيوطى يذكر أن الإملاء كان أعظم وظائف الحفاظ من أهل الحديث (٦) وابن النديم يذكر أن ابن الأعرابى "أملى على الناس ما يحمل على أجمال " (٧) وتراثنا العربى يحفل بكتب كثيرة تحمل فى عناوينها كلمة "الأمالى" أو "المجالس" وقد أحصاها حاجى خليفة فى كتابه "كشف الظنون" ومن بعده إسماعيل البغدادى فى "إيضاح المكنون فى الذيل على كشف الظنون" وأشهرها أمالى أبى علاء القالى ومجلس ثعلب. وقد انتشرت مجالس الإملاء فى الحواضر الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحدث الخطيب البغدادى فى مواضع متفرقة من "تاريخ بغداد" عن تلك المجالس (٨) ووصف ضخامتها وكيف أن بعضها كان يحضره عشرات الألوف وربما تجاوز عدد الحاضرين مائة ألف كمجلس عاصم الواسطى (ت ٢٢١هـ) (٩) وكان طبيعيا ألا يسمع صوت الشيخ تلك الأعداد الكبيرة من السامعين ولهذا ظهرت فئة "المستملين" الذين يرددون كلام الشيخ وراءه كل منهم يبلغ صاحبه حتى تسمع جموع الحاضرين (١٠) ومهما تكن فى هذه الأرقام من مبالغة، فإنها تدل على تضخم تلك المجالس لدرجة تلفت الانتباه. أ. د/عبد الستار عبد الحق الحلوجى

стр. 111

٥ - التأويل لغة: اللفظ فى أصل وضعه يعود إلى "الأول " بمعنى الرجوع والعود، فيقال: آل الأمر إلى كذا يؤول أولاً إذا رجع وعاد، آل ما له إلى النصف إذا رجع، ومنه آل مآله يؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه بنجاح. وآل لحم الناقة إلى كذا. ومنه الأيِّل وجمعه آيايل وسمى أيلاً لكثرة عوده ورجوعه إلى مكان الظل، أو لأنه سيؤول إلى الجبال يتحصن فيها. فاللفظ فى جميع موارده يفيد معنى العود والرجوع. قال الأزهرى فى تهذيب++ اللغة: ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه ويرجع، وذلك قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله﴾ (الأعراف ٥٣) بمعنى ما يؤول إليه أمرهم فى وقت بعثهم ونشورهم وهو مصيرهم وعاقبتهم، فالمعنى هو مصائر الأمور وعواقبها. والتأويل ورد فى القرآن الكريم على أحد أمرين مقصورين لا ثالث لهما، الأول: هو عواقب الأمور ومصائرها كما فى الآية السابقة، وكما فى آية آل عمران ٧: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ (آل عمران ٧)، أى عواقب ما أخبر به القرآن. والمعنى الثانى هو تفسير القرآن وبيان معناه، ومنه قول الرسول ﷺ لابن عباس] اللهم علمه التفسير وفقهه فى التأويل [". ومن هذا المعنى الأخير قول العرب أوَّلَ الكلام أى: دبره وفسره وأوضح معناه، وعن الليث التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وأبو عبيدة قال: التأويل: المرجع والمصير. ومن هذا الباب قول الرسول ﷺ : (إنها كائنة ولما يأتى تأويلها بعد) أى: لم يحصل ما أخبرت به الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ (الأنعام: ٦٥). وعند علماء البيان: التأويل: هو نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلى. أو هو نقل ظاهر اللفظ عن أصل وضعه إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، ونقل المفسرون هذا المعنى إلى مجال التفسير فقالوا: التأويل صرف الآية عن ظاهرها إلى معنى تحتمله، إذا كان المعنى المحتمل الذى تصرف إليه الآية موافقا للكتاب والسنة. وهو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حُمِل لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا ففاسد، أولا لشيء فعبث لا تأويل. والمعنى الوارد فى القرآن الكريم لكلمة التأويل يدور بين التفسير والبيان، أو عواقب الأمور ومصائرها. أمّا المعنى الثالث: فلم نجد له أصلا فى المعاجم اللغوية المتقدمة ولا فى كتب التفسير بالمأثور. قال الطبرى: ﴿وأحسن تأويلا﴾ (الإسراء٣٥) أى جزاء وعاقبة لأن الجزاء هو الذى صار إليه أمر القوم، وقال مجاهد: أى أحسن ثوابا. ومن المعانى الحديثة للتأويل، قراءة النصوص بفهم جديد مخالف لما كان عليه فى المادة، فيقال: إعادة تأويل النص، والمقصود إعادة تفسيره بروح العصر. ولفظ التأويل أطلقه القدماء على التفسير، وسمى بعضهم تفسيره للقرآن تأويلا ومنه تأويل القرآن للماتريدى، وغيره، ومنه] تأويل رؤياى [أى تفسيرها، و ﴿إلاّ نبأتكما بتأويله﴾ (يوسف ٣٧) أى تفسيره، ﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾ (الكهف ٧٨) أى تفسيره وبيانه. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 112

٦ - التبتل لغة: القطع، والتبتل: الانقطاع، ومنه: مريم البتول، أى: المنقطعة عن الرجال، ومنه أيضا: فاطمة البتول، ابنة سيد الأنبياء ﷺ لانقطاعها عن نظرائها من نساء الدنيا حسنا وشرفا. وقد ورد التبتل فى القرآن الكريم بصيغة "تبتيل" فى قوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ المزمل:١٨. واصطلاحا: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة. وقد يطلق التبتل ويراد منه الانقطاع عن النساء، وترك النكاح والرهبنة، والتبتل بهذا المعنى منهى عنه فى الإسلام، وقد رده النبى ﷺ ولم يأذن فيه؛ لأنه من باب تحريم طيبات ما أحل الله. وقد ورد فى الحديت عن سعد بن أبى وقاص: (رد رسول الله ﷺ على عثمان ابن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) (صحيح البخارى كتاب النكاح باب ٨) ويعنى التبتل عند الصوفية الانقطاع إلى الله تعالى، والتجرد إليه تجردا خالصا، وهو على درجات ثلاث: - تبتل العامة وهو: الانقطاع عن الناس. - تبتل المريد وهو: الانقطاع عن النفس. - تبتل الواصل وهو: تصحيح الاستقامة والاستغراق فى التوجه. أ. د/أحمد الطيب

стр. 113

٧ - تَبوك تبوك، موضع بين وادى القرى والشام، وكانت من ديار قضاعة، تحت سلطان الروم، وهى الآن إحدى المدن المهمة فى شمال غرب المملكة العربية السعودية وتقع شمال المدينة المنورة بنحو ٧٧٨ كيلو مترا. وغزوة تبوك تسمى فى كتب السيرة بغزوة العسرة، قال أبو موسى الأشعرى: (أرسلنى أصحابى إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم، إذ هم معه فى جيش العسرة، وهى غزوة تبوك). ويرجع ذلك إلى ما كان عليه حال المسلمين يومئذ من العسر الشديد فى المال والزاد والركائب، وفى ذلك يقول القرآن الكريم:﴾ لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة ﴿(التوبة ١١٧). وكان خروج المسلمين من المدينة لهذه الغزوة فى شهر رجب سنة تسع هجرية (أكتوبر٦٣٠ م)، فى وقت شديد الحر، والناس يحبون البقاء فى الظلال والثمار، ومع ذلك سارع المسلمون إلى إجابة داعى الجهاد فى سبيل الله، فبلغت عدة هذا الجيش ثلاثين ألف رجل، وهو أكبر جيش قاده الرسول ﵊. وقد تسابق المؤمنون فى الإنفاق على تجهيز هذا الجيش تلبية لدعوة الله ورسوله، قال تعالى:﴾ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴿(التوبة ا ٤)، وقال النبى ﷺ : " من جهَّز جيش العسرة فله الجنة"، وكان أكثر الناس إنفاقاً يومئذ عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وآخرين. إن اتجاه المسلمين فى هذه الغزوة إلى الشمال ناحية الروم، إنما هو استجابة طبيعية لداعى الجهاد، كما نبه على ذلك ابن كثير فى البداية والنهاية بقوله: فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق. لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلطة واعلموا أن الله مع المتقين ﴿(التوبة ١٢٣) .. أما المنافقون .. وهم أولئك الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر- فقد تقاعسوا عن الخروج مع النبى ﷺ ، معللين تقاعسهم بشدة الحر، وقالوا- وهم يثبطون الناس عن الجهاد - لا تنفروا فى الحر، فرد عليهم القرآن بقوله تعالى:﴾ وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴿(التوبة ٨١) وهكذا تخلف جلُّ المنافقين عن الخروج إلى تبوك، ومضى قليل منهم مع الجيش بقصد الإرجاف والتخذيل والفتنة، وقد فضحهم القرآن الكريم وكشف خبيئتهم فى عبارة صريحة فقال تعالى:﴾ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴿(التوبة ٩٤). وانطلق الجيش نحو تبوك، ولم يلقوا جموع الروم والقبائل العربية المتنصرة، لأن حكام المدن قد آثروا الصلح مع رسول الله ﷺ ودفع الجزية للدولة الإسلامية، ومن " هؤلاء الحكام ملك أيلة الذى أهدى إلى النبى ﷺ وصالحه، كما أعطى أهل جَرباء وأذرُح الجزية، وكتب لهم النبى ﷺ الأمان، ومنهم كذلك أكيدر بن عبد الملك الكندى ملك دومة الجندل، الذى أسرته قوة إسلامية بقيادة خالد بن الوليد فجاءوا به فصالح على الجزية. كما يروى أن النبى ﷺ - وهو بتبوك - أرسل دحية بن خليفة الكلبى إلى هرقل ملك الروم، وأن هرقل بعث التنوخى ليتعرف له على بعض علامات نبوة محمد ﷺ . ومما لا ريب فيه أن هذه الغزوة التى لم يقع فيها قتال، كانت ذات أثر بالغ فى استقرار الأوضاع ونشر الإسلام وتأكيد سيادة الدولة الإسلامية فى تلك البلاد والمناطق التى مر بها الجيش الإسلامى حتى مدينة أيلة على رأس خليج العقبة، فلما عاد رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة بعد عشرين يوماً قضوها فى تبوك، كانت عودتهم عودة الظافرين المنتصرين. ونظراً لأهمية هذه الغزوة وما صاحبها من مواقف متباينة، وما تخللها من حوادث مختلفة فقد أنزلت بشأنها آيات عديدة فى سورة التوبة (براءة) أُنزل بعضها قبل خروج الجيش، وبعضها فى أثناء الزحف إلى تبوك، والبعض الآخر بعد العودة إلى المدينة، وقد تناولت الآيات ظروف هذه الغزوة وفضحت المنافقين، ونوَّهت بفضل المجاهدين بالأنفس والأموال من المؤمنين، وأعلنت توبة الله على المؤمنين الصادقين الذين تخلفوا عن ركب الجهاد من أصحاب رسول الله ﷺ . ا. د/ محمد جبر أبو سعدة

стр. 114

٨ - التتار التتار أو التتر: هم أمة من الجنس الأصفر بلادها ممتدة من الجنوب الشرقى لروسيا إلى غربها وهى شعوب متميزة منهم: (الياقوتية، والجيرجيزية، والساموية)، والترك العثمانيون، (١) وكثير من المؤرخين لم يميزوا بين التتار والمغول حينما تناولوا الغزو على الدولة العباسية على اعتبار أنهما مشتركين فى الغزو تحت قيادة واحدة، وبينهما قرابة واضحة فى الجنس ومن المعلوم أنهم قبائل مختلفة لكل منهم حدوده الجغرافية. وأشهر طوائف هذا الشعب تتر كنشاه، وكان الروس تحت حكمهم قبل القرن العاشر الميلادى، وتتر استراخان، وتتر القرم، وتتر القازان، وتتر ارنبورغ، وتتر سيبيريا. وعَرَفَ التاريخ الإسلامى التتار بصورة شرسة فى القرن السابع الهجرى الثالث عشر الميلادى، فقد اجتاحت موجة من الغزو المغولى والتترى أواسط آسيا، واستمرت فى مسيرها غرباً حتى اقتربت من حدود الدولة العباسية التى كانت فى نزعها الأخير. وكانت الغارة التتارية الأولى على البلاد الإسلامية بقيادة "جنكيزخان " الذى كان نائب " الخان الأعظم "سنة ٦١٦ هـ، وأصيبت الدولة الخوارزمية الإسلامية من جراء غارته بخسارة فادحة وتدمير كبير، فى عهد ملكها خوارزم شاه. وزحفت جيوش التتار بقيادة "هولاكو" وقصدت قصر بغداد سنة ٦٥٦ هـ، فلم تقو الحاضرة العربية الكبرى على الثبات أمام ذلك السيل الجارف، وسقطت فى يد التتار، بعد ما كان من حوادث فظيعة، وأفعال شنيعة، لم ينج منها صغير ولا كبير، ولا سوقة ولا أمير، ومن نجا من القتل لم ينج من الحرق أو الغرق. حقى الكتب فقد ذكر أن مكتبة بغداد قد ألقيت فى نهر دجلة حتى قيل: إن الخيول قد عبرت عليها. ولم تمض على غزوة التتار المخربة وسقوط بغداد أكثر من سنة واحدة حتى كانت جيوش التتار منحدرة كالسيل الجارف متجهة بغزوها نحو مصر إلا أن قبائل العرب وبطونهم تجمعت بمصر وصاروا يدا واحدة مع الملك المظفر "قطز" للقاء التتار. وكان اللقاء فى "عين جالوت " ثم "بيسان " فانتصر عليهم. وفى أوائل القرن الثامن الهجرى حدث بين التتار حادث عظيم، وتطور جديد جعلهم يعتنقون الإسلام ويتركون الوثنية، وأول من جعل الإسلام دين التتر هو الملك غازان بن أرغون حفيد هولاكو. وفى العصر الحديث أجمع بعض المؤرخين على أن أهم الصفات التى تمييز هذا الشعب عامة: السماحة، وقد وصفهم "البارون ماكستوزن " بصفات تكاد تكون شعرية محضة حيث قال: التترى مسلم غيور متمسك بدينه، ولكنه على جانب كبير من التسامح بالنسبة لمن يتدين بغير دينه، فهو نزيه من آثار الحقد المذهبى. (هيئة التحرير) ١ - دائرة معارف القرن العشرين- محمد فريد وجدى ٢/ ٥٣٨، طبعة دار المعرفة، بيروت الطبعة الثالثة ١٩٧١م.

стр. 115

٩ - التجارة لغة: تَجَر يَتجُر تَجْراً وتجارة: باع وشرى، وكذلك اتِّجَر، ورجل تاجر، والجمع، تِجارُ، وتُجّازُ، وتَجُر. واصطلاحا: شراء شىء ليباع بربح. وقيل: هى تقليب المال بالبيع والشراء لغرض الربح. وقيل: مبادلة بضائع أو أدوات أو محاصيل أو مال من أى نوع كان، بين أمم أو أفراد، وذلك إما بطريق المقايضة، أو البيع والشراء. وقد حُكىِ عن بعض الشيوخ من التجار أنه قال- لما سئل عنها-: أنا أُعلمها لك فى كلمتين "اشتراء الرخيص وبيع الغالى". وتعد التجارة من أقدم الأنشطة الإنسانية، وقد كانت مصر مركزا لتجارة عظيمة منذ أربعين قرنا، ومن قصة يوسف ﵇ وإخوته، يعلم ما كان لمصر من الشهرة كبلاد صادرات، وأن التجارة كانت فى الأيام القديمة ذات نظام واتفاق. وفى الإسلام شرعت التجارة لما تقتضيه سنة الحياة الكونية من حاجة الناس بعضهم إلى ما فى أيدى بعض، وكوسيلة للكسب المشروع، يقول تعالى﴾ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴿(النساء٢٩) وقد سئل الرسول ﷺ أى الكسب أطيب؟ فقال ﵇: " عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" (أخرجه أحمد) (١). ومن الآداب التى راعى الإسلام توفرها فى التجارة: ١ - الصدق والأمانة، وعدم الغش والتدليس، يقول تعالى﴾ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ﴿(المطففين ١ - ٣) .. وروى عن النبى ﷺ قال: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء" (أخرجه الترمذى) (٢). ٢ - السماحة فى المعاملة بيعا وشراء، قال رسول الله جميع: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى" (رواه البخارى) (٣). ٣ - التصدق من مال التجارة لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: "شوبوا بيعكم بالصدقة" (أخرجه الترمذى) (٤). وقد حظر الإسلام فى التجارة عدة أشياء، منها: ١ - اليمين الكاذبة لترويج السلعة، فقد روى عن أبى ذر عن النبى ﷺ أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قلت: من هم يا رسول الله؟ فقد خسروا وخابوا، قال: "المنان، والمُسْبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " (رواه مسلم) (٥). ٢ - سوم المرء على سوم أخيه، وذلك بأن يتفاوض المتبايعان فى ثمن السلعة؛ ويتقاربان فيجىء آخر ليشترى تلك السلعة ويخرجها من يد الأول بزيادة على الثمن. ٣ - المتاجرة مع العدو، فيتقوى بذلك على حربنا. ٤ - المتاجرة فيما يختلط فيه الحرام بالحلال، أو مع تجار يغلب على أموالهم الحرام. (هيئة التحرير) ١ - مسند أحمد ٤/ ١٤١ - المطبعة الميمنية. ٢ - سنن الترمذى- طبعة الحلبى٣/ ٥٠٦. ٣ - فتح البارى شرح صحيح البخارى ٤/ ٣٠٦. ٤ - سنن الترمذى ٣/ ٥ ٥٠. ٥ - صحيح مسلم ١/ ١٠٣ طبعة الحلبى.

стр. 116

١٠ - التجديد لغة: مصدر"جددّ الشيء أى صيّره جديدا" كما فى لسان العرب (١). ومفهوم التجديد: الاحتفاظ بالقديم، وترميم ما بلى منه، وإدخال التحسين عليه، "لأن التجديد إنما يكون لشيء قديم " (٢). وفى الحديث الشريف "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ومعناه: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وتبيين السنة من البدعة، ونصرة أهل السنة وكسر أهل البدعة (٣). واصطلاحا: فى الفقه: هو تنميته من داخله وبأساليبه هو مع الاحتفاظ بخصائصه الأصيلة وبطابعه المميز، (٤) وإعطاء إجابات إسلامية على مشاكل العصر وما يستجد من قضايا ومعضلات (٥). ويكون بوصل الفقه بالحديث، والمقارنة بين المذاهب، وبين الفقه والقانون، ورعاية أقوال الصحابة والتابعين (٦) واستخدام القواعد باستنارة كقاعدة (أينما وجدت المصلحة فثَمّ شرع الله)، وقاعدة (المعاملات طلق) وإعادة النظر فى مسائل الأصول التى لم يرتفع الخلاف فيها بعد (٧). ومما تم فى هذا المجال. قانون الوصية الواجبة، وإصلاح الأحكام التقليدية للأسرة، وتكوين نظرية التعسف فى استعمال الحق. ولعل قاعدة المصلحة هى التى سوغت تحريم زواج الصغار، ووجوب توثيق الزواج فى القانون الإيرانى). ثانياً: فى التفسير (المحتفظ بالأصول القديمة): عبارة عن الإفادة من مستحدثات المدنية الجديدة، وحسن تطبيق المفاهيم القرآنية على ما يشغل الناس فى العصور الحديثة، بالتوسع فى المعنى، وبحمل الشبيه على الشبيه، والاهتمام بالتمدن الإسلامى، والسياسة، وقضية المرأة، ومسألة الإصلاح الاقتصادى، والجانب التهذيبى (٨). ومن التجديد: التفسير الموضوعى، وهو الذى تجمع فيه الآيات ذات الموضوع المقصود لفهمه وتفسيره بشكل صحيح كامل. ومنه: التفسير الأدبى النفسى، وهو الذى يتم فيه إحراز معان متجددة، عن طريق الحس اللغوى والدلالة الأولى للكلمة فى عصر نزول القرآن. ومنه ما استفيد فيه بعلم طبقات الأرض وغزو الفضاء وعالم البكتريا وغيرها، أسوة بما تضمنه التفسير منذ عصوره الأولى من آراء مستقاة من علوم الطب والهندسة والهيئة والجدل (٩). وثالثاً: فى الأدب: وهو ماثل فى المسرحية والرواية والقصة القصيرة، وما يحكم هذه الفنون الجديدة من قواعد للآداب العالمية الحديثة بجانب جذور تراثية عربية. واستجدت فى القصيدة العربية موضوعات وصور وأخيلة. واخترعت "قصيدة النثر" وهى لا صلة لها بتاتا بالشعر العربى بمفهومه الأصيل، وتعتمد على بعض الصور الخيالية الغربية، وظهر "الشعر الحر" وهو- وإن لم يقطع صلته تماماً بعروض الخليل لا يلتزم طولا واحدا ولا قافية واحدة ولا شكلا منتظما للتقفية. واستتبع التجديد دراسات أدبية ونقدية تحدد القواعد الفنية للمسرحية والرواية والقصة القصيرة، وتتحدث عن التطورات التى طرأت على القصيدة العربية الحديثة. وأصبحت الدراسات الأدبية غاية، ووُصِلَتْ بعلم النفس، وعادت على نفسها بالنقد لبعض المسَلَّمات فى الفهم والنقد والتاريخ الأدبى، وتحولت دراسة البلاغة والنحو إلى الطريقة الذوقية الفنية (١٠). رابعاً: فى الحركات الإسلامية الحديثة: ١ - فى الحركة الوهابية، فهى دعوة إلى تنقية مفهوم الإسلام والفكر الإسلامى من مفاهيم الجبرية والحلول والاتحاد فى (العقيدة)، ومفاهيم التقليد فى مجال (الفقه والشريعة). ٢ - وفى الحركة السنوسية، فهى دعوة إلى تنقية (العقيدة) من الشوائب، وتطهير (السنن المحمدية) من الأساطير، والمزج بين (المذاهب الفقهية) الأربعة والإضافة إليها من المذاهب التى لم يعد لها أتباع، ومن المستنبطات الجديدة من السنة، والاعتماد على الإطار (الصوفى) المؤسس على الكتاب والسنة. ٣ - وفى الحركة السلفية، حركة الإصلاح الفكرى والدينى، فهى دعوة إلى التضامن الإسلامى، والتأليف بين السنة والشيعة، ومقاومة، الإمبريالية الأوروبية عن طريق العودة إلى الإسلام، فى وضع حديث علمى الطابع، والتوفيق بين الدين والعلم، وفتح باب الاجتهاد، وتنوير المهمة التربوية (١١). هذا وما يسمى تجديدا فى الشرق الإسلامى ما هو إلا تقليد لفكر الغرب، وقد يكون تقليدا محرفا وهو تطرف تلتمس فيه حضارة الغرب دون التقيد بالقيم الإسلامية والتراث. أ. د/ عبد الغفور محمود مصطفى

стр. 117

١١ - التجربة لغة: التجربة هى الاختبار. واصطلاحا: هى القضايا التى يحتاج العقل فى جزم الحكم بها إلى تكرار مشاهدتها، ولهذا اللفظ معنيان أحدهما عام، والآخر خاص. (أ) المعنى العام: هى التجربة بمعنى الاختبار الذى يوسع الفكر ويغنيه، وهى المتغيرات النافعة التى تحصل لملكاتنا، والمكاسب التى تحصل لنفوسنا بتأثير التمرين: أو هى التقدم العقلى الذى تكسبنا إياه الحياة، وفى نظرية المعرفة يطلق لفظ التجربة على المعارف الصحيحة التى يكتسبها العقل بتمرين ملكاته المختلفة، والفلاسفة يفرقون بين التجربة الخارجية (بطريق الإدراك الحسى)، والتجربة الداخلية (بطريق الشعور). (ب) المعنى الخاص: هى أن يلاحظ العالم ظواهر الطبيعة فى شروط معينة، ففى كل تجربة ملاحظة، والتجربة فى العلم اختبار منظم لظاهرة أو ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة ومنهجية للكشف عن نتيجة ما، أو تحقيق غرض معين. وليس كل ملاحظة تجربة، بل التجربة ملاحظة ظاهرة ما، ملاحظة مقصورة تتضمن تغيير الظروف الطبيعية التى تحدث فيها تلك الظاهرة. وأوضح مثل على الملاحظة فقط ما يقوم به علماء الفلك حين يلاحظون النجوم والكواكب وحركاتها؛ بغية الوصول إلى قوانين تلك الحركات. والتجربة التى تضم فى داخلها الملاحظة أى ما يقوم به علماء النبات والحيوان حين يعزلون نباتا أو حيوانا عن ظروفه الطبيعية للتوصل إلى خصائصه وتركيبه. والتجربة أكثر أهمية من الملاحظة، حيث تفيدنا الأولى فى كشف القوانين التى لا تسمح به مجرد الملاحظة البحتة للظواهر. وللتجربة شروط عامة تجب مراعاتها حتى تكون موضع ثقتنا، أهمها: الدقة والموضوعية، والتجربة المبنية على الحس تسمى بالتجربة الحسية، أو الخبرة الحسية، ولكن هناك فرق بينهما. الخبرة هى: أى حالة يكابدها الإنسان كإحساس بلذة أو ألم، أما التجربة الحسية فيجب حصرها داخل المعمل، حيث يقوم العالم التجريبى بملاحظاته، وبهذا المعنى تعتبر كل تجربة نوعا من الخبرة، وإن لم تكن كل خبرة تجربة. ومعنى التجربة غير مقصور على التجربة الحسية فقط، بل هناك الخبرة الدينية والصوفية. والخبرة النفسية أو الذاتية، المقصود بالأولى ما يكابده المؤمن بالله من سلوك الزهد والتقشف والعبادة والعزلة وإماتة الشهوات، وهذه خبرات لا يعيها إلا من يكابدها، ولذا فهى تفتقد الموضوعية. أما الخبرة النفسية فقد تكون خبرات نفسية خاصة لا يعانيها إلا الفلاسفة، أو خبرات نفسية مألوفة، وهى التى يعانيها كل إنسان فى حالات اللذة والألم والتذكر والتصور، وغير ذلك. ا. د/ منى أحمد أبو زيد

стр. 118

١٢ - التجريب لغة: تفعيل من التجربة. واصطلاحاً: التجريب مستمد من التجربة، والتجربة هنا هى الملاحظة المحدثة لتحقيق فرضية ما والإيحاء بفكرة ما، وهى بهذا المعنى مرادفة للتجريب، والتجربة فى هذه الحالة تحدث وفق ظروف معينة يهيئها المجرب بنفسه، وغايته من ذلك الوصول إلى قانون يعلل به حوادث الطبيعة. والتجريب مذهب يقول إن الخبرة مصدر المعرفة وليس العقل، واستخدم هذا المنهج فى العلم والفلسفة، وكانت الفلسفة التجريبية نقيضا للفلسفة العقلية. والتجريبية اسم يطلق على جميع المذاهب الفلسفية التى تنكر وجود مبادئ عقلية فطرية قبل التجربة ومتميزة عنها. أما المذهب العقلى، وهو المناقض للمذهب التجريبى، فيرى أن العقل أو النفس تشتمل على مبادئ فطرية هى أساس المعرفة، وأن العقل يشتمل على مبادئ خاصة به مختلفة عن الأشياء. وقد رفض أصحاب المذهب التجريبى هذا التصور، واعتقدوا أن كل معرفة إنسانية إنما تبدأ بمعرفة حسية، أى باستخدام الحواس، وتحصل على أفكار وتصورات تجريبية، إذ إن العقل عندهم صفحة بيضاء تخط فيها التجربة ما يأتى من الحواس، فتتم المعرفة وتكون المعرفة حينئذ معرفة مكتسبة بعد التجربة والتجريب. ويرجع هذا الموقف التجريبى إلى بعض مدارس الفكر اليونانى القديم، كما ظهر أيضا عند الفلاسفة والعلماء العرب، أمثال: جابر بن حيان فى الكيمياء، الحسن بن الهيثم فى علم البصريات، أبو بكر الرازى وابن سينا فى الطب، ابن النفيس فى علم وظائف الأعضاء، أما الانتشار الحقيقى لهذا المذهب فكان من القرون الحديثة ابتداء من فرنسيس بيكون. والتجريب يوجد كذلك فى مجال العلوم، فيقال: علوم تجريبية، أى العلوم التى تعتمد على التجريب، فالطب التجريبى مقابل الطب السريرى؛ لأن الأول يعتمد على التجريب والثانى يعتمد على الملاحظة، وعلم النفس التجريبى مقابل لعلم النفس النظرى. وقد أطلق ابن سينا على المشاهدات الحاصلة من التجريب اسم المجربات وهى أمور توقع التصديق بها الحس من تكرار حدوثها، فالمجربات قضايا وأحكام تتبع مشاهدات متكررة. والتجريب الذهنى مقابل للتجريب المادى، وهو أن يتصور الإنسان بعض المواقف ويركز انتباهه فيها، ويتنبأ بما ينشأ عنها من نتائج، وهذا التجريب لا يبلغ نهايته إلا إذا أمكن تمثل المواقف تمثلا دقيقا، وهو أيسر من التجريب المادى، لأن تصوراتنا فى متناول أيدينا، مثال ذلك واضعو المشروعات، وبناة القصور فى الخيال، والروائيون، ومخترعوا لنظريات السياسية والاجتماعية، والباحثون عن الحقيقة ينصرون جميعا مشروعاتهم قبل الإقدام على تحقيقها، ويجرون تصويبات ذهنية قبل خروجها إلى الواقع، وتسمى لذلك بالتجريبية الذهنية. ا. د/ منى أحمد أبو زيد

стр. 119

١٣ - التجسيم لغة: جَسُمَ الرجل يَجْسُمُ جَسَامةً، فهو جَسِيمُ وتَجَسَّمْتُ فلاناً من بين القوم، أى اخترته، كأنك قصدت جسمه وتَجَسَّمْتُ الأمر إذا ركبت أجْسَمَه ومعظمه (كما فى اللسان) (١). والتجسيم: تصور الشيء فى صورة جسم. واصطلاحا: يقصد به قول المجسمة: أن الله تعالى له جسم، ومحدود، وذو نهاية وقد اختلفت المجسمة فيما بينها فى التجسيم على ست عشرة مقالة منها: قول هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقدارا فى طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه فى مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية تتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومَجَسِّة، لونه هو طعمه، وهو رائحته، وهو مجسته، وهو نفسه، لون- ولم يثبت لون غيره- وانه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد. وقد اختلف المجسمة بعد ذلك فى مقدار البارئ تعالى: فقال قائلون: هو جسم، وهو فى كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك منتاه، غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم، لأنه أكبر من كل شيء. وقال بعضهم: مِساَحَتُه على قدر العالم. وقال بعضهم: إن للبارئ جسما له مقدار فى المساحة ولا ندرى كم ذلك القدر. وقال بعضهم: هو فى أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافى، ولا القليل القَمِىء. وقد اختلفوا فى هل هو فى مكان دون مكان أم لا فى مكان؟ فجماعة منهم أنكروا وجوده فى مكان وأخرى أثبتت أنه فى مكان حيث قالوا: هو جسم خارج من جميع صفات الجسم، ليس بطويل ولا عريض ولا عميق، ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة وأنه ليس فى الأشياء، ولا على العرش، إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له. رأى السلف فى أمر التجسيم: قال أهل السنة: إن الله تعالى ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وإنه على العرش، كما قال : ﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿(طه ٥). فلا نقدم بين يدى الله فى القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وإنه نور كما قال تعالى:﴾ الله نور السموات والأرض ﴿(النور ٣٥) وإنه تعالى له وجه كما قال تعالى:﴾ ويبقى وجه ربك ﴿(الرحمن ٢٧) وإنه تعالى له يد كما قال تعالى:﴾ خلقت بيدى ﴿(ص ٧٥). وإنه تعالى له عينان كما قال:﴾ تجرى بأعيننا ﴿(القمر ١٤) وإنه تعالى يجىء يوم القيامة هو والملائكة كما قال سبحانه:﴾ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴿(الفجر٢٢) وإنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء فى الحديث:" ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعنى فأستجب له؟ .. " (رواه البخارى ومسلم). فلم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه فى الكتاب أو ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ أونقول كما قال الإمام مالك: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب ". أو قول الصحابة: العجز عن الإدراك إدراك والتفكر فى ذات الله إشراك. (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب لابن منظور مادة (جسم).

стр. 120

١٤ - التجلي لغة: جلا الأمر جلاء وضح، جلا السيف والفضة والمرآة ونحوها كشف صدأها وصقلها، وأجلى عنه الهم: أزاله وكشفه. كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب كما يعرفه الغزالى (٢)، وهذا التعريف لا يختلف- كثيرا- عن تعريفات قدماء الصوفية، كالسّرّاج الطوسى (ت ٣٧٨ هـ/ ٩٨٨ م)، والكلاّباذى (ت ٣٨٠ هـ/ ٠ ٩٩ م)، والقشيرى (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ/ ٩٨٦ - ١٠٧٣ م)، والهجويرى (ت هـ ٤٦ هـ/١٠٧٣م) وغيرهم؛ وإن كنا نجد- عندهم- بعض استطرادات تتعلق بأحوال "التجلى" ومظاهره المختلفة لكنها لا تمس- فى جملتها- هذا المفهوم البسيط الذى لخصه الإمام الغزالى فى تعريفه السابق. فالكلاّباذى- مثلا- يهتم ببيان أحوال ثلاثة للتجلى، هى: "تجلى الذات "، وتجلى الصفات "، و "تجلى حكم الذات "" ويعنى بالتجلى الأول: رؤية الله تعالى، وهى فى الدنيا: رؤية كشفية- لا عيانية-، ويدركها السالك بقلبه ووجدانه، وفى الآخرة: رؤية عيانية، أو: كشف عيانى. ويعنى بالتجلى الثانى: تجلى "الحق " بإحدى صفاته أو بصفاته كلها، كأن يتجلى على عبده بصفة القدرة، فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه. أما التجلى الثالث فهو من تجليات الآخرة، ويتمثل فى انقسام الناس إلى فريقين: فريق فى الجنة وفريق فى السعير .. ويفرق الهجويرى بين التجلى بمعنى "الكشف القلبى" فى الدنيا، والتجلى بمعنى "الكشف العيانى" فى الآخرة بأن التجلى فى الدنيا يحصل فى وقت ولا يحصل فى وقت آخر، والستر يعقب هذا التجلى، ويحجبه، بخلاف أهل العيان فى الجنة، فإنهم فى تجل دائم لا ينقطع، ولأن تجلى العيان "رؤية" حقيقية فإنه لا يجوز عليه الستر ولا الحجاب. ويستروح الصوفية فى أحاديثهم عن تجلى الدنيا بإشارات ولطائف من قوله ﷺ فى الحديث الشريف: " اعبد الله كأنك تراه " (٣)، وقول عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما:- "كنا نتراءى الله فى ذلك المكان (الطواف) " (٤). غير أن هذا المفهوم البسيط للتجلى تعقَّد فى طور لاحق، وبخاصة فى مؤلفات الشيخ الأكبر: محيى الدين بن عربى (٥٦٠ - ٦٣٨ هـ/ ١٠٩٧ - ١١٦٨م)، واكتسب أبعادا جديدة، لم تُعرف له من قبل: فتجلى الذات الذى لم يكن يعنى- عند الأوائل- أكثر من رؤية قلبية فى الدنيا وعيانية فى الآخرة أصبح يعنى تجلى الذات فى الذات، أى: تجلى الحق بذاته فى ذاته، بحيث يكون التجلى عين المتجلى، وهذا لا يكون إلا لله تعالى: أما تجلى الأسماء فإن التجلى- فيه مغاير للمتجلى، وهو ظهور وتجل من وجه، وحجاب وسترمن وجه آخر، لأنه، من وجه: أسماؤه- تعالى:. ومن وجه: حُجبه وأستاره النورانية، ويستأنس شَّراح ابن عربى من كلامهم هذا بالحديث الشريف: "دون الله تعالى ألف حجاب من نور وظلمة" (٥). وللتجلى فى كلام المتأخرين مظاهر وأحوال ومراتب عدة، ولمراتبه أسماء واصطلاحات خاصة، لم تخطر للصوفية الأوائل على بال، مثل تعينات الذات، وتجليات الهوية، والتجلى السارى فى جميع الذرارى، والتجلى السارى فى حقائق الممكنات وغيرها. أ. د/ أحمد الطيب ١ - المعجم الوسيط ١/ ١٣٧ مجمع اللغة العربية. دار المعارف- القاهرة. ٢ - الإملاء عن إشكالات الإحياء، الغزالى بهامش: إحياء علوم الدين ١:٧٢ ط- الحلبى ١٩٥٧م. ٣ - أخرجه البخارى فى كتاب الإيمان من صحيحه. ٤ - أخرجه أبو نعيم فى الحلية (١: ٣٠٩) بلفظ "كنا فى الطواف فتخايل الله بين أعيننا". ٥ - أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير، وعزاه إليه العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء١٠٧:١، ط. الحلبى، مصر ١٩٥٢م.

стр. 121

١٥ - التجويد لغة: مصدر جوّده: أى صيرّه جيدا، والجيد ضد الردىء (١) واصطلاحا: إخراج كل حرف من مخرجه، مع إعطائه حقه من الصفات اللازمة، ومستحقه من الصفات العارضة (٢)، فى تلاوة القرآن الكريم. وعلم التجويد: هو العلم الذى يعرف منه مخرج كل حرف، وحقه من الصفات اللازمة كالجهر والاستعلاء، ومستحقه من الصفات العارضة كالتفخيم والاخفاء، ثم أقسام الوقف والابتداء، إلى غير ذلك. وطريق تحصيله رياضة اللسان وكثرة التكرار بعد العرض والسماع بالنطق الصحيح على يد شيخ متقن لقراءة القرآن الكريم. وحكم العمل به الوجوب العيش على كل مكلف يقرأ شيئا من القرآن، وحكم تعليم هذا العلم الوجوبا الكفائى مادام هناك أكثرمن عارف به، وأشهر مباحثه: مخارج الحروف وصفاتها وأحكامها. وأشهر كتبه قديما وحديثا: الخاقانية لموسى بن عبيد الله (ت ٣٢٥هـ)، والرعاية لمكى بن أبى طالب (ت ٤٣٧هـ)، والتمهيد وكذا الجزرية لمحمد بن محمد بن الجزرى (ت ٨٣٣هـ)، ونهاية القول المفيد لمحمد مكى نصر، من أبناء القرن الرابع عشر الهجرى. وهداية القارئ لعبد الفتاح عجمى المرصفى (ت ١٤٠٩هـ) (٣) وقد كثرت الأدلة والفتاوى ونصوص العلماء على وجوبه، ومنها: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ المزمل:٤. فهذا أمر، والأمر للوجوب. وفسره سيدنا على فقال:"الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف ". ﴿قرآنا عربيا غيرذى عوج﴾ الزمر:٢٨، فمن عوجه بترك تطبيق التجويد فقد ارتكب المحظور. قرأ رجل: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ التوبة:٦٠، مرسلة، أى بدون المد الواجب، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرانيها رسول الله ﷺ أقرانيها: (للفقراء) فمدها. فالإجماع على أن رسول الله ﷺ لم يقرأ إلا بالتجويد، وتلقاه الصحابة عنه هكذا ومن وراءهم على ذلك جيلا فجيلا (٤) قال يعقوب (٥):إن من التحريف تغيير الأوصاف من جهروهمس وتفخيم … فعلمنا أن هذا حرام، وأن ضده وهو التجويد واجب. وقال الشيخ حسنين مخلوف:"وقد أجمعوا على أن النقص فى كيفية القرآن وهيئته كالنقص فى ذاته ومادته، فترك المد والغنة والتفخيم والترقيق كترك حروفه وكلماته، ومن هنا وجب تجويد القرآن". أ. د/عبد الغفور محمود مصطفى

стр. 122

١٦ - التحقيق لغة: حَقّقَ الأمرَ: أثبته وصدَّقه، وكلام مُحَفَّق: محكم الصنعة رصين، (١) يقول ابن منظور: "وحققت الأمر وأحققته: كنت على يقين منه " (٢). واصطلاحا: قراءة النص على الوجه الذى أراده عليه مؤلفه، أو على وجه يقرب من أصله الذى كتبه به هذا المؤلف وليس معنى قولنا: يقرب من أصله أننا نخمن أية قراءة معينة، بل علينا أن نبذل جهداً كبيراً فى محاولة العثور على دليل يؤيد القراءة التى اخترناها. وليس التحقيق مرادفا للنشر، وليس المراد بتحقيق النص إعداده للنشر فحسب، لأن أى باحث فى العلوم الإنسانية، مطالب بتحقيق النص، الذى يستنبط منه نتائج معينة، قبل أن يقدم على استنباط هذه النتائج. وليس من اللازم أن يكون ذلك النص مخطوطا، فكثير من الكتب المطبوعة التى بين أيدينا، لا تفترق كثيرا عن المخطوطات؛ إذ إن الذين تولوا طبعها ونشرها طائفة من الوراقين والأدعياء. وإنه لتحقيق أية مخطوطة، لابد من اتباع الخطوات التالية: ١ - جمع النسخ الأصلية للكتاب؛ وترتيُبها فى الأصالة: أن تكون بخط المؤلف، أو مقروءة عليه، أو منقولة عن نسخته، أو منسوخة فى حياته، أو عليها تعليقات أحد العلماء. ٢ - الرجوع إلى مصادر الكتاب، ومراجعة الكتاب على المؤلفات المماثلة والحواشى والشروح. ٣ - تحقيق النص بمقابلة نسخه وإثبات الصواب فى المتن، وفروق النسخ فى الهامش. ويشار إلى النصوص الساقطة، اللازمة لفهم الكتاب فى متنه. وإن لم تكن لازمة، توضع فى الهامش مع الإشارة. وإذا وُجد خَرْم فى أصول الكتاب، توضع ثلاث نقط فقط مكانه مع الإشارة فى الهامش. وتصحح الأخطاء والتحريفات والتصحيفات، ويضبط ما يشكل من الكلمات. ٤ - تخريج النصوص أمر ضرورى، فالآيات القرآنية، يشار فى الهوامش إلى أرقام السور والآيات فيها. كما يشار إلى مصادر الأحاديث مع أرقامها هناك. وتخريج الشواهد الأدبية من الشعر والنثر، والمصطلحات العلمية بإيجاز. ويعلق على الأعلام والأماكن باختصار مع ذكر المراجع. ويشار إلى تعليقات الحواشى فى الهوامش، إذا كانت مما يفيد. ٥ - مراعاة قواعد الإملاء الحديث، مع الإشارة إلى ما فى المخطوطات من خلافات، عند وصف هذه المخطوطات. ٦ - تراعى قواعد الترقيم الحديث، فى الضبط، والفواصل، والأقواس العادية والمزخرفة، وعلامات التنصيص، والتعجب، والاستفهام، حسب المتبع فى هذا الموضوع. ٧ - يضع المحقق مقدمة للكتاب، تشتمل على: التعريف بالمؤلف والكتاب، ومنزلته بين الكتب المماثلة، والتعريف بموضوع الكتاب، وما ألف فى فنه من الكتب المهمة. ٨ - يضع المحقق للكتاب الفهارس الفنية النافعة، التى تعين على الوصول للمراد بسهولة ويسر وأقصر سبيل. أ. د/ رمضان عبد التواب ١ - المعجم الوسيط (ص ١٩٤). ٢ - لسان العرب (حقق) ١١/ ٣٣٣.

стр. 123

١٧ - التحكيم لغة: حَكَمْت وأحْكَمت وحكّمت بمعنى منعت ورددت، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم، وحكّموه بينهم: أمروه أن يحْكُم. واصطلاحا: تولية الخصمين حاكما يحكم بينهما .. يقول تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (النساء ٦٥). وقد وضع فقهاء الإسلام للتحكيم عدة شروط منها: ١ - قيام نزاع وخصومة حول حق من الحقوق. ٢ - تراضى طرفى الخصومة على قبول حكم المحكّم، أما المعيّن من قبل القاضى، فلا يشترط رضاهما به، لأنه نائب عن القاضى وفى منزلته. ٣ - اتفاق المتخاصمين والحكم على قبول التحكيم كمهمة. وللمحكِّم أيضا عدة شروط منها: ١ - أن يكون معلوما. ٢ - أن يكون أهلاً لولاية القضاء. ٣ - أن لا يكون بينه وأحد الخصمين قرابة تمنع من الشهادة. وتعد أشهر حادثة تحكيم فى التاريخ الإسلامى، والتى ألقت بظلالها على التاريخ الإسلامى عبر العصور، هى تلك الحادثة التى وقعت بين على بن أبى طالب ﵁ رابع الخلفاء الراشدين، ومعاوية بن أبى سفيان، الذى رفض إعطاء البيعة لعلى بن أبى طالب ﵁ واستئثاره بالشام دونه، ومطالبا إياه بدم عثمان بن عفان ﵁. فكان أن حدثت الفتنة بين المسلمين بعضهم وبعض، وانقسموا فريقين فريق يناصر على بن أبى طالب ﵁ ومن معه بالكوفة وفريق يناصر معاوية ومن معه بالشام، وما عدا هؤلاء فقد اعتصم ببيته من شر الفتنة، وجرت الحروب بين الفريقين، ومات خلق كثير فيما عرف بوقعة صفين، ولما اشتد القتال بين الفريقين، وصارت العقبة لفريق على بن أبى طالب ﵁، وأوشك فريق معاوية وأصحابه أن يفروا منهزمين فيما عرف بيوم الهرير، نادى معاوية وأصحابه بتحكيم كتاب الله فيما بين الفريقين، فانكسرت شوكة فريق على بن أبى طالب ﵁ لانقسامهم عليه بين مؤيد ومعارض، فوافق على بن أبى طالب ﵁ على التحكيم رغم علمه بأنها مكيدة وذريعة للنجاة من الهزيمة، وذلك ليوحد صفوف قومه ويحقن دماء المسلمين. وكان من كل فريق حكم، فمن فريق معاوية عمرو بن العاص ومن فريق على ﵁ أبو موسى الأشعرى، وكانت محنة للأمة الإسلامية، امتد أثرها فيما بعد ذلك وعلى مر التاريخ الإسلامى. (هيئة التحرير)

стр. 124

١٨ - التحلِّي اصطلاحا: عند قدماء المشايخ هو نوع من " التشبه بالصادقين " محصور فى دائرة الأقوال والأعمال لا يتعداها إلى غيرها، كالإيمان- مثلا، فإنه لا يقَبْل التشبه ولا المحاكاة. ولعل هذا ما دفع السرَّاج الطوسى"، وهو يتحدث عن التحلى إلى الاستشهاد بالحديث الشريف " ليس الإيمان بالتخلى ولا بالتحلى، ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل " (١)، فى إشارة منه إلى استحالة "التحلى" بالإيمان وبالأحوال القلبية عموما. ويبدو أنه ليس للتحلى كبير شأن فى كتابات الأوائل من الصوفية، ولعل ذلك راجع إلى أن القوم- فى أحوالهم ومقاماتهم ومنازلهم- إنما يعوِّلون على الصدق والتحقق، لا على التشبّة والتظاهر، وربما كان "التحلى" محمودا عندهم، من جهة أنه تدريب على اكتساب الأقوال والأفعال المرضية، وصيرورتها عادة وجبلة فى السالك. وكثيرا ما يرد "التحلى"، فى كلامهم كمرحلة وسطى، تسبقها مرحلة "التخلى" وتعقبها مرحلة "التجلى". ويؤخذ من كلامهم أيضا ضرورة صدق السالك فيما يتحلى به، ومن هنا شدّدوا النكير على المتظاهرين من غير الصادقين، وهؤلاء- فيما يقول الهجويرى- "يفتضحون لا محالة، بل هم فى أنفسهم فضيحة، لأن سرّهم مكشوف ". وللتحلى فى كتابات المتأخرين معنى مخالف، يرجع إلى التشبه، لا بأخلاق العبودية كما هو الشأن فى التفسير السابق، ولكن بالأخلاق الإلهية، وذلك من خلال "الأسماء الإلهية" تعبدا وتمثلا، وقد يكون للمعنى الفلسفى، الذى يفسر "السعادة" بأنها التشبه بالله قدر الطاقة البشرية صلة بهذا المعنى المتأخر للتحلى. ويلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه يتصورون علاقة ثلاثية- عرفانية أكثر منها سلوكية- بين "التجلى" الذى هو: "ظهور الذات فى حُجب الأسماء والصفات تنزلاً"، والتحلى"، وهو "القيام بمعانى الأسماء تعبّداً وتمثلاً"، والتخلى" الذى هو "سقوط الإرادة والاختيار اعتماداً وتوكلا ". أ. د/ أحمد الطيب ١ - الحديث من رواية أنس بن مالك، وقد أورده السيوطى فى: الجامع الصغير مع فيض القدير. رقم ٧٥٧٠، ورمز له بالضعف.

стр. 125

١٩ - التحليل لغة: حلَّل العقدة، فكَّها، وحلَّل الشىء: أرجعه إلى عناصره، وحلَّل نفسية فلان: درسها لكشف خباياها، وتحليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها. كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: على وجهين، وجه العموم ووجه الخصوص. فعلى وجه العموم هو إرجاع ظاهرة مركبة إلى أبسط عناصرها أو أجزائها. وأما على وجه الخصوص فيستخدم فى علوم إنسانية وطبيعية كثيرة بمعان متعددة، لكنها جميعا ترتبط بهذا المعنى العام. ١ - ففى علم المنطق يعتبرالتحليل -بمثابة طريقة لدراسة الظواهر تجزئ الشىء المدروس إلى وحدات متشابهة، إما بالتقسيم المادى وإما بالتفكير فى أجزاء أو صفات الشىء المتمايز كل على حدة. ٢ - وفى علم النفس فإن التحليل هو تحديد مكونات أية خبرة كلية أو مركبة أو عملية عقلية، ويستخدم لفظ التحليل (اختصارا للتحليل النفسى) للدلالة على منهج ومزاولة التحليل النفسى (وهو ما يطلق عليه تجاوزا: نظرية التحليل النفسى)، حيث تدرس الأحلام والتداعيات غير المقهورة وأحلام اليقظة بتوجيه عدد كبير- من القوانين وقواعد التفسير، وتتمايز أنواع مختلفة من التحليل تبعا لهذا، فالتحليل الفعال هو الطريقة التى لا تقصرفيها المحلل نفسه على تسجيل وتفسير التداعيات الحرة، بل يتدخل بجده وفاعلية، إثارة ارتباطات ذات دلالة، ومقدما النصح على أساس المحتوى الصريح. وتحليل الذكريات هو بحث التاريخ العقلى للفرد المستمد فى جزء منه من الشخص نفسه، وفى بقيته من أقرانه ومعارفه. ٣ - وفى علوم التربية يطلق تحليل المناشط على أسلوب يعمد إلى تجزئة السلوك المركب والمعقد إلى وحدات أصغر، هى أكثر نوعية وتحديدا، ويستخدم هذا بصفة خاصة فى المفردات الدراسية. ٤ - وفى علوم الاجتماع يستخدم تعبير تحليل الصفة أو الجانب فى الدراسات التى تستهدف إيجاد ذلك الجانب المتميز-من سمة معينة فى مجموعة مدروسة من الناس، على نحو ما يحدث فى دراسة الثقافات المختلفة، وذلك لتحليل المعانى والصفات المشتركة المرتبطة بالقيم المختلفة. وتحليل المضمون يقودنا إلى دراسات موسعة وشائعة الانتشار الآن فى الدراسات الإعلامية والأدبية، تعنى بتحليل الخطاب الذى يدلى به الشخص على أساس ما يقال لا على أساس كيف قيل، وبمعناه العام فإن تحليل المضمون قد يكون بمثابة الجدولة الموضوعية للتكرار، التى تظهر عناصر معينة فى النص ألمحلل، وهو إذن بمثابة اكتشاف وتبويب الأفكار والمشاعر والحقائق والأطر المرجعية وفق خطة منظمة. ٥ - وفى الطب بصفة عامة يعنى الأطباء بتحليل مضمون شكوى المريض، للحصول على المعلومات التى تتعلق بعناصر المرض، ويدربون فى دراستهم الإكلينيكية على القدرة على تحليل ما يتاح لهم من معلومات، حتى لو كانت ظاهرة البطلان، فالذى يشكو مما ليس فيه يريد بمثل هذه الشكوى الكاذبة شيئا آخر يستطيع الأطباء استنتاجه، والوصول إليه بحكم خبرتهم الطويلة بمثل هذه الحالات. ٦ - وفى الطب النفسى يطلق التحليل المباشر على إحدى الطرق المتبعة فى علاج المصابين بانفصام. ٧ - وفى حطوم الإحصاء يستخدم لفظ التحليل فى كثير من المصطلحات الإحصائية، ومنها التحليل التوزيعى. أما تحليل متعدد المتغيرات فأسلوب إحصائى يستخدم بكثرة وافرة الآن فى البحوث العلمية والطبية، ويهدف إلى بيان أثر عدة متغيرات وهى تتفاعل معا، وذلك من خلال عدة طرق مختلفة (كتحليل العوامل المتعددة وتحليل التباين الاقترانى) .. أما تحليل التباين فهى طريقة لتحديد ما إذا ثانت الفروق (ويعبر عنها بالتباين) الموجودة فى المتغير التابع تتجاوز ما يمكن أن نتوقعه عن طرق المصادفة .. وقد يعامل كل متغير بدوره على أنه المتغير التابع. ٨ - وفى علوم الصوتيات يطلق تحليل الصوتيات على تجزئة تتابع صوتى إلى وحدات أصغر. ٩ - وفى علوم الكيمياء يطلق على العملية التى تثبت العناصر المختلفة المكونة لمركب ما، وقد تطرق هذا المعنى إلى تحليل لبول والدم والبراز وسوائل الجسم الأخرى بل وأنسجته فى المختبرات الطبية للكشف عن عناصرمعينة تنبىء عن حالة المرض، أو نسبة معينة من مكون معين تنبىء زيادتها عن المرض وتطوره. أ. د/محمد محمد الجوادى

стр. 126

٢٠ - التَّحَمُّل والأداء لغة: التحمل صيغة تَفَعُّل مأخوذ من حملت الشيء أحمله جملا- بكسر الحاء- إذا كان فى الأثقال المحمولة فى الظاهر، ومنه قوله تعالى﴾ وساء لهم يوم القيامة حِمْلا ﴿(طه ١٠١). وحملت المرأة الجنين فى بطنها حَملا- بفتح الحاء، ومنه قوله تعالى﴾ فلما تغشاها حملت حَمْلا خفيفاً ﴿(الأعراف ١٨٩) وحملته الرسالة: كلفته حملها، ومنه قوله تعالى:﴾ مثل الذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها ﴿(الجمعة ٥). والأداء: مأخوذ من أدَّى الشيء أى دفعه، وأدَّى دينه: أى قضاه قال تعالى﴾ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴿(النساء ٥٨). واصطلاحا: هذا التعبير استخدمه علماء الحديث ويقصدون به بيان الكيفية التى يستقبل بها الطالب المادة العلمية للحديث الشريف وما يتعلق به- وهو المراد بكلمة التحمل، ثم بيان الأسلوب الذى ينبغى اتباعه فى إبلاغ ما استوعبه الطالب، وهو المعبر عنه بالأداء … فكلمة التحمل إنما هى خاصة بمرحلة طلب العلم، وكلمة الأداء خاصة بمرحلة إبلاغ العلم، ويمكن تسمية هذا العلم بلغة العصر (الاستقبال والإرسال) أو (التلقى والبلاغ). ولم يرد هذا التعبير فى كتب المصطلح الأولى، وإنما عبر عنه الأئمة بتعبيرات قريبة من هذا سماه القاضى عياض (ت ٥٤٤ هـ): أنواع الأخذ وأصول الرواية (١). وابن الأثير (ت ٦٠٦هـ) بقوله "مسند الراوى وكيفية أخذه" (٢). وابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) بقوله: كيفية. سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (٣). أما الأصوليون فعبروا عن ذلك أحيانا بقولهم "صفة الرواية" (٤) وأحيانا "مراتب الرواية (٥). ولا يشترط للتحمل عقيدة- أعنى إسلاماً فيصح لغير المسلم أن يتحمل العلم، وإن كان لا يصح له الأداء إلا بعد إسلامه، حتى نطمئن على صدق الخبر. أما بالنسبة للسن، فالقول باشتراط سن محددة لحضور مجالس الحديث غير سديد، بل العبرة بالتمييز وفهم ما يسمع .. وقد حضر الصحابة وهم صغار السن مجالس الحديث. وللتحمل طرق .. وللأداء صيغ .. فطرق التحمل ثمانية، مرتبة كالتالى: السماع، القراءة، وتسمى العرض عند بعض العلماء، ثم المكاتبة فالمناولة، فالإجازة، فالوصية، فالإعلام، فالوجادة، وهذه الطرق الثمانية بعضها متفق على العمل بها، وهى السماع، والقراءة، والمكاتبة، والمناولة، وبعضها مختلف فيها. ولكل طريق من طرق التحمل السابقة صيغته التى يؤدى بها، والقاعدة فى هذا الشأن أن أعلى صيغ الأداء لأى طريق ما اشتق من الطريق نفسه، فمن تحمل العلم سماعا يؤديه بقوله: سمعت أو سمعنا؟ وفى القراءة: قرأت أو قرأنا وفى المكاتبة: كتب إلى ٠٠٠٠ إلخ. وفى طريق السماع رأى الإمام أحمد أن صيغة: حدثنى أو حدثنا أقوى من سمعت أو سمعنا، وحين سئل فى ذلك قال: حدثنى شديد٠٠٠ يقصد أن الراوى لا يقول حدثنى إلا إذا كان موجودا فى مجلس الحديث٠٠٠٠ بخلاف سمعت فإنها قد تقال على لسان من لم يحضر الحلقة، ولو أردنا تعريفات لطرق التحمل الثمانية نقول: السماع: أن يسمع الطالب شيخه وهو يحدث بحديثٍ أو بأحاديث من حفظه، أو من كتابه. القراءة: أن يقرأ الطالب على شيخه حديثا، أو أحاديث من حفظه، أو من كتابه .. أو يستمع إلى من يقرأ على الشيخ، وبعض العلماء يسمى ذلك (عرضا) وبعضهم يغاير بين القراءة والعرض، ويجعل بينهما عموما وخصوصاً. المكاتبة: أن يرسل الأستاذ إلى الطالب رسالة مكتوبة أو كتابا يحتوى على مروياته. المناولة: أن يناول الشيخ الطالب كتابه المشتمل على مروياته. الإجازة: أن يأذن الشيخ للطالب- مشافهة أو كتابة- أن يروى عنه مؤلفاته أو مروياته .. المناولة: أن يناول الشيخ الطالب بعض مؤلفاته أو مروياته، ويجيزه روايتها صراحة أو كتابة. الوصية: أن يوصى الشيخ بكتبه أو مروياته بأن تروى عنه عند سفره أو مرضه أو موته. الوجادة: أن يجد الطالب كتابا أو كتبا لشيخ لم يتمكن الطالب من سماعها من هذا الشيخ. وفى مسند أحمد كثير مرا الروايات من رواية ابنه عبد الله عنه بالوجادة .. يقول: وجدت فى كتاب أبى كذا وكذا .. أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة ١ - الإلماع للقاضى عياض تحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر ص ٦٨، ط الأولى١٩٧٠م الناشر: دار التراث. ٢ - جامع الأصول، لابن الأثير، تحقيق محمد حامد الفقى، ١/ ٣٨ ط الأولى ١٣٧٠ هـ. ٣ - مقدمة ابن الصلاح ص ١٦٣ ط الأولى الناشر محمد عبد المحسن الكتبى. ٤ - الإحكام فى أصول الأحكام لابن حزم ٢/ ٢٦٢ ط الأولى ٤ ٠ ٤ ١ هـ الناشر: دار الحديث. ٥ - شرح مختصر الروضة للطوفى المتوفى (٧١٦) ٢/ ٨٨ ط الأولى ١٤١٠ هـ مؤسسة الرسالة- بيروت.

стр. 127

٢١ - التدافع الدَّفْع لغة: الإزالة بقوّة، دَفَعَه يَدْفَعُه دَفْعاً وتَدَفَّع وتَدافَع، وتدافَعُوا الشيءَ: دفعه كل واحد منهم عن صاحبه، وتدافَع القومُ أى دفَع بعضُهم بعضاً والدفع مصدر دفع. ومن معانى مادته: التنحية والمماطلة. واصطلاحا: يطلق هذا المصطلح ويراد به دفع الناس بعضهم بعضا فى الرزق أو فى جلب المنفعة، أو رفع الضرر أو فى درء مفسدة عن الناس. ومنها استدفع الله السُّوء: أى طلب منه أن يدفعه عنه. وذكر ابن جرير فى تفسير قوله تعالى:﴾ ولولا دفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴿(البقرة ٢٥١). أى لولا إن الله يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بنى إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود، لهلكوا كما قال تعالى:﴾ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴿(الحج٤٠). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء" وقال أيضا "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون فى حفظ الله مادام فيهم " كما قال ﷺ " الابدال فى أمتى ثلاثون: بهم ترزقون وبهذا تمطرون وبهم تنصرون "فالله رحمة بهم يدفع عنهم ببعضهم بعضا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه فى جميع أفعاله وأقواله. ولذلك يقول ابن عباس: دفع الله بالنبيين عن المؤمنين شر أعدائهم، وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد شر أعدائهم، ولولا ذلك لفسدت الأرض بأهلها. (هيئة التحرير)

стр. 128

٢٢ - التدوين لغة: الجمع. يقال: دوَّن الكتب: جمعها كما فى الوسيط (١) لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وحقيقة التدوين أنه يكون للمسائل المتشاركة فى موضوع واحد (٢). والعلوم المدونة على نوعين، أحدهما: ما دونه المتشرعة لبيان ألفاظ القرآن الكريم أو السنة النبوية لفظاً أو إسناداً، أو لإظهار ما يقصد منهما وبيان ما يستفاد من أحكام أصلية اعتقادية أو أحكام فروعية عملية ومن هذا النوع علم الحديث وأصوله والفقه وأصوله. والنوع الثانى: ما دونه الفلاسفة لتحقيق مقاصدهم من فنهم (٣). والتدوين بالمعنى الأول عرف من عهد قديم فقد تم تدوين القرآن الكريم فى عصر النبوة الأولى فى عهده ﷺ على الرقاع والألواح والعظم وغيرها على ما هو معلوم وقد اتخذ ﷺ كَتَبةً يدونون له أمر الوحى. وقد ورد لنا خبر صحف دوَّن بها حديث النبى ﷺ ، ومن هذه الصحف: صحيفة وهب ابن منبه، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة عمرو بن حزم فى إبل الصدقة، وهى صحف مشهورة صحّت نسبتها إلى أصحابها بالسند المتصل كما وردت صحف أخرى قريبة من عهد النبوة تصف أخباراً للنبى ﷺ وتنبئ عن سنته منها: نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومنها نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وشهرتهما كبيرة وصحة نسبتهما إلى صاحبيهما ثابتة بالسند المتصل الموثوق به. وأول من أمر بالتدوين هو الخليفة الراشد الخامس عمر بن العزيز ﵁ حيث أمر بتدوين السنة المشرفة وجمعها فى دواوينها كما هو معلوم. وفى القرن الثانى: وجدنا الفقه الأكبر للإمام أبى حنيفة وقد دوَّن فيه علم التوحيد، ووجدنا المدونة للإمام مالك بن أنس برواية سحنون، والموطأ الوارد إلينا بأكثر من أربعين رواية، والخراج لأبى يوسف صاحب أبى حنيفة وقد دوَّنه لترتيب وتنظيم الموارد العامة للدولة الإسلامية بناء على طلب من هارون الرشيد، وهناك مؤلفات محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبى حنيفة وله التصانيف الفائقة الرائقة منها: السير الكبير الذى تحدث فيه عن العلاقات الدولية، والجامع الكبير والصغير وغيرهما من كتب الفقه الحنفى، وهناك أيضا الرسالة للإمام الشافعى والتى دوَّن فيها أصول الفقه كأول كتاب فى هذا الفن وكتب الشافعى المدونة فى الفقه وغيره كثير، ثم توالت بعد ذلك المدونات وانتشر التدوين مما أشعر بأهميته القصوى إذ حفظ على الأمة مصادرها، وجعلها أكثر اتصالا بواقعها المعاش، وأوجد تفاعلا بينها وبين دينها، وقد مكن التدوين من نقل العلم شفاهة وكتابة، وقيَّد الشوارد فهو من أولى الواجبات. ا. د/ على جمعة محمد ١ - المعجم الوسيط ١/ ٣١٦ مادة (دون) دار المعارف، ط ٣. ٢ - الكليات، لأبى البقاء الكفوى ٢/ ٣٤٣ وزارة الثقافة والإرشاد القومى دمشق ١٩٧٥ م.- دائرة معارف الأعلمى المسماة، مقتبس الأثر ومجدد ما دثر، ١٤/ ٣٦ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت ١٣٨٥ هـ/١٩٦٥ م ط أولى. ٣ - أبجد العلوم لصديق حسن خان ١/ ٤٤ وما بعدها منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومى، دمشق ١٩٨٧ م

стр. 129

٢٣ - التُّراثُ لغة: الإرث وهو ما وُرِثَ وورثه بعضهم من بعض (١). واصطلاحا: هو كُلُّ ما خَلَّفته الأُمَّة من إرث دينى وثقافى وأدبى وفلكلورى وعلمى … إلخ، وأصل الكلمة مأخوذ من الفعل "وَرِث " بإبدال الواو تاء، وهي من الكلمات المبنية على ما يُعْرَف فى اللغة بالقياس الخاطئ. والتُّراث الذى أعنيه هنا هو كل ما وَصَل إلينا مكتوبا فى أى علم من العلوم أو فن من الفنون مما أنتجه الفكر العربى الإسلامى على امتداد أربعة عشر قرنا، وبالتالى فالتراث ليس محدَّدًا بتاريخ مُعَيّن، فكل ما خَلفه المؤلَّف بعد حياته من نتاج يعد تراثا فكريا، وعلى ذلك فإن ما كتبه شوقى وحافظ وطه حسين والعقاد يعد تراثا لا يقل فى أهميته عما خلفه لنا أبو تمام والطَّبَرى وسيبويه وابن الهَيْثم. وقد غطَّى النتاج الفكرى الذى خلَّفه لنا العلماء العرب والمسلمون جميع فروع المعرفة، ونستطيع التعرف على هذا التراث من خلال المؤلفات الببلوجرافية التى جمعت أسماء الكتب العربية ومن أقدمها وأشهرها كتاب "الفهرست " لمحمد بن إسحاق النديم الوَراق الذى بدأ فى تأليف كتابه فى بغداد سنة ٣٧٧ هـ/٩٧٨ م، وكتاب "كَشْف الظنون عن أسامى الكتب والفنون" للعالم التركى مصطفى بن عبد الله كاتب جلبى المعروف بحاجى خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧هـ/ ١٦٥٦م، إضافة إلى كتب التراجم والطبقات وكتب مشيخات العلماء وبرامج الشيوخ. وتعرّض هذا التراث المكتوب للعديد من الكوارث والنكبات، فقد ذهبت خزانة كتب الفاطميين التى كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب فى أعقاب استيلاء الأيوبيين على السلطة فى مصر وتفرَّقت فى أيدى الوراقين، كما ذهبت مكتبات بغداد فى أعقاب الغزو المغولى وسقوط الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨م. وأحرقت مكتبات الأندلس فى أعقاب سقوط غرناطة وما تبقى من هذا التراث المكتوب موزع اليوم بين المكتبات العربية والإسلامية ومكتبات أوروبا وأمريكا ويبلغ حجم هذا التراث نحو ثلاثة ملايين مجلد بينها بالطبع النُّسخ المكررة أو غير ذات القيمة ولكن لا شك أن حجم المخطوطات المعتبرة بين هذا العدد تجاوز النصف مليون مخطوط. وقد أخرجت المكتبات العالمية فهارس وصفية تُعَرّف بهذا التراث، كما ظهرت مؤلفات جامعة تشير إلى أماكن وجود هذا التراث فى مكتبات ومتاحف العالم أهمها كتاب "تاريخ الأدب العربى" للمستشرق الألمانى كارل بروكلمان Carl Brockelman وكتاب "تاريخ التراث العربى" للعالم المسلم التركى فؤاد سزجين Fauad Sezgin والكتابان كتبا فى الأصل باللغة الألمانية وظهرت لهما مؤخراً ترجمة عربية. واهتم العلماء فى القرنين الأخيرين بتحقيق ونشر التراث العربى المكتوب وظهرت طبعات هامة لأمهات الكتب العربية سواء على أيدى المستشرقين أو العلماء العرب والمسلمين، وقامت محاولات عدة لتعريف الباحثين بما نشر من هذا التراث حيث كتب صلاح الدين المُنَجِّد كتابه المطبوعة " فى خمسة أجزاء فى بيروت بين سنتى ١٩٧٠ - ١٩٨٢م، وأصدر معهد المخطوطات العربية كتاب "المعجم الشامل للتراث العربى المطبوع " الذى أعده فى خمسة مجلدات محمد عيسى صالحية بين سنتى ١٩٩٢ - ١٩٩٧م. أ. د/ أيمن فؤاد سيد انظر المعجم الوسيط مادة (ورث) ص ١٠٦٦.

стр. 130

٢٤ - التّربُح لغة: كل ما زاد أو نما فى التجارة، ويتجوّز به على كل ما يعود من ثمرة عمل. واصطلاحا: ما زاد من ثمن سلع التجارة على ثمنها الأول، ذهبا أو فضة (ا)، أو غيرهما من العملة المتداولة. ولما كان التربح هو طلب الكسب والربح فى التجارة، فإنه لم يرد فى الشرع الإسلامى ما يقيد إطلاق الربح طالما كان مبنيا على أساس من العدالة؛ فليس فيه غبن فاحش لصاحبه، ولا استغلال لطيش بَيّن فيه، ومحررا من الحرام (٢)، فما نتج من الربح عن عقد مشروع كان حلالأ مشروعا، وما نتج عن تصرف محرم كان محرما (٣). غير أن الاعتدال فى التربح مطلوب "ويراعى فيه التقريب، فإن بذل المشترى زيادة على الربح المعتادة إما لشدة رغبته فيه، أو لشدة حاجته فى الحال إليه، فينبغى أن يمتنع من قبوله؛ فذلك الإحسان … ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته، واستفاد من تكررها ربحا كثيرا، وبه تظهر البركة، وكان علىّ رضى الله عنه يدور فى سوق الكوفة بالدِّرّة ويقول: معاشر التجار خذوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتخرفوا كثيره " (٤). أ. د/على مرعى

стр. 131

٢٥ - التربية والتعليم التربية اصطلاحاً: استخدم المسلمون اصطلاحات عديدة فى مفهوم التربية لعل من أكثرها شيوعا مصطلحات من مثل: رياضة الصبيان، التأديب، التعليم، وذلك منذ أن كتب الإمام أبو حنيفة النعمان (٨٠ - ١٥٠هـ) = (٦٩٩ - ٧٦٧ م) أول مؤلف تربوى وصل إلينا وهو كتاب (العالم والمتعلم) وعبر ألف عام تقريبا من المؤلفات والأفكار التربوية التى ألفت من بعده، وبالعودة إلى المعاجم اللغوية العربية (لسان العرب، والمعجم الوسيط، والقاموس المحيط، الصحاح، والمورد) نخلص إلى أن مفهوم التربية محمَّل بالكثير من الدلالات وهى: الزيادة والنماء، والرعاية، والثقافة، والإصلاح، والسياسة والسيادة، والتدبير لأمور الخلق، والتنمية والاجتماع. والتأديب مصدر أدب. والأدب الذى يتأدب به الأديب من الناس، ويشمل الأدب: الخُلُق والعقل والحس. ومنها قوله: ﷺ " أدبنى ربى فأحسن تأديبى" (قال السيوطى فى الجامع الصغير: رواه ابن السمعانى عن ابن مسعود). والرياضة: مصدر روض لها معان متكاملة تفيد الإرواء والاستنبات الدائم والتعليم والتوطئة، وتشمل الرياضة رياضة الجسم والعقل والروح. التعليم لغة: من علم، وعلمه الشيء تعليما فتعلم ومنه قوله تعالى:﴾ وعلم آدم الأسماء كلها ﴿(البقرة ٣١)، وقوله تعالى﴾ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴿(النساء ١١٣). التعليم اصطلاحا: عند علماء المسلمين يقتصر على الجانب المعرفى بل يتعداه إلى سائر الجوانب الحركية والوجدانية. وبذلك تكون التربية الإسلامية من خلال مؤلفات علماء التربية المسلمين ومن خلال الاستخدام القرآنى وأحاديث الرسول ﷺ مصطلحا شاملا لمجموعة من المفاهيم تعمل مجتمعة لتكون مفهوما واسعا وشاملا يشمل رعاية وتنمية وتأديب وتعليم وتزكية الإنسان بصورة مستمرة فى جميع مراحل حياته حتى يصل إلى أقصى كمال ممكن. وإذا كان الله بأسمائه الحسنى هو الكمال الإلهى المطلق الذى ليس كمثله شىء، وإن حاول المسلم أن يقتبس شيئا من تلك الصفات الحسنى بقدر ما يستطيع فإن الرسول ﷺ هو القدوة والنموذج والأسوة الذى تكدح التربية الإسلامية للوصول بأصحابها إلى درجات أعلى على هذا السلم النبوى دنيا وديناً. ومصطلح التربية والتعليم فى الإسلام يستدعى لدى العقل المسلم استمرارية العملية التعليمية مدى الحياة، لما أعطى الله الإنسان من أدوات العلم والمعرفة﴾ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴿(النحل ٧٨) ولما يناله الإنسان العالم من مكانة وتقدير﴾ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ﴿ (المجادلة ١١). ولا يكشف مصطلح التعليم الإسلامى والتربية الإسلامية عن مدلولاتهما الحقيقية إلا بربط هذا التعليم وتلك التربية بأهدافهما الحقيقية وهى تحقيق العبودية لله المذكورة فى قوله تعالى:﴾ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴿(الذاريات ٥٦) وخلافة الإنسان المذكورة فى قوله تعالى: ﴾ وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ﴿(البقرة ٣٠) وعمارة الأرض المذكورة فى قوله تعالى:﴾ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ﴿(هود ٦١). كذلك لا يكشف مصطلح التعليم الإسلامى والتربية الإسلامية عن مدلولاتهما الحقيقية إلا بربط هذا التعليم وتلك التربية بالمربى الحقيقى للإنسان وهو﴾ رب العالمين ﴿، والمعلم المثالى للإنسان محمد ﷺ . فكل العلوم والمعارف الإسلامية توصّل إلى الله﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿(فاطر ٢٨) وكل العلوم والمعارف من عطاء الله وتوفيقه وفضله على عباده﴾ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴿(البقرة ٣٢)،﴾ يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴿(البقرة ٢٦٩) والرسول ﷺ " هو النموذج والأسوة" لكل عالم ومتعلم العلم الذى يربط الإنسان بريه، ويعمر الكون، ويصلح الإنسان﴾ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴿(الأحزاب٢١). بكل هذه المعانى كانت التربية وكان التعليم الإسلامى فى عصور ازدهاره، وكأن من ثمار تلك التربية الإسلامية بمدلولاتها الحقيقية ما قدمته من نماذج بشرية رائعة فى شتى المجالات العلمية والبشرية والدينية والأدبية والفنية. أ. د/ عبد الرحمن النقيب

стр. 132

٢٦ - الترجمة لغةً: ترجم الكلام يترجمه: إذا فسَّره بلسان آخر. والتَّرجمان هو الذى يترجم الكلام أى ينقله من لغة إلى لغة أخرى. والجمع: تراجم وتراجمة. وفى حديث البخارى أن أبا سفيان كان بالشام فأرسل إليه هرقل فجاء إليه أبو سفيان، ومعه ركْب من قريش "فدعاهم فى مجلسه، وحوله عظماء الروم. ثم دعاهم، ودعا ترجمانه. " (رواه البخارى) (١). والترجمة: التفسير، والنقل من لغة إلى لغة. وترجم لفلان: ذكر ترجمته أى ذكر سيرته وحياته. وهو مُوَلَّد (كلما جاء فى المعجم الوسيط). واصطلاحا: هى نقل العلوم والمعارف من لغة إلى لغة أخرى، سواء أكان هذا النقل بطريق مباشر، أو عن طريق لغة وسيطة. وقد استعملت كلمة النقل- فى كتب القدامى- على سبيل التبادل أو الترادف مع كلمة الترجمة، فابن النديم يتحدث عن أسماء النقلة أى المترجمين من اللغات إلى اللسان العربى (٢). ويقول القفطى عن حنين ابن إسحاق- أحد كبار المترجمين "وقعد فى جملة المترجمين لكتب الحكمة، واستخراجها إلى السريانى والعربى، واختير للترجمة وأؤتمن عليها .. وله من الكتب التى ألفها سوى ما نقله من كتب الحكماء" (٣). ويتفق الدارسون للترجمة على أنها قديمة قدم العمران البشرى. وكان ظهورها- على نحو ما- بين المجتمعات البشرية منذ تعددت لغاتها، وتنوعت ثقافاتها وحضاراتها. ولعلها بدأت- فى صورتها الأولى- على هيئة ترجمة إشارية، وذلك عندما أدرك مجتمع من المجتمعات أنه يوجد إلى جواره من يتكلم لغة أخرى غير لغته. ثم تطورت الترجمة- بعد ذلك- إلى ما يمكن تسميته، تسامحا، بالترجمة الوظيفية، التى ظهرت فى دائرة التجارة وفى صحبة الجيوش المحاربة، لاسيما عند إجراء المفاوضات وعقد المعاهدات وتبادل الأسرى. وكان المترجمون حجة يرجع إليها عند تفسير نصوص الاتفاقيات وفى هذه الحالات كان يُثْبَت- بصفة خاصة- اسم المترجم فى نص المعاهد ة (٤). وكان الحكَّام- كذلك- بحاجة إلى هؤلاء المترجمين لمعاونيهم فى ترجمة الرسائل الواردة إليهم من الدول الأخرى، والرد عليهما، باللغة نفسها أحيانا" منعاً للَّبس وسوء التفسير، وحسما للخلاف. ثم لم تقتصر الترجمة على هذين النمطين من الترجمة، بل امتد نطاقها إلى حقول العلم والفكر والثقافة والفن والأدب والفلسفة ونحوها وأصبحنا- عندئذ- أمام الترجمة فى ثوبها العلمى، التى تخضع- أو ينبغى أن تخضع- فى كل مرحلة من مراحلها إلى قواعد وأصول منهجيه يجتهد أهل الاختصاص فى تحديدها، والحكم على الترجمة بمقتضاها. وهذا النوع من الترجمة هو الأجدر بالمصطلح، وهو الأوْلى بالاستحضار الذهنى عند ذكره. وتعد الترجمة بين اللغات حاجة من الحاجات الأصيلة للبشرية، وهى واحدة من أهم السبل، إن لم تكن أهمها، لنقل الخبرة والمعرفة من أمة إلى أمة، ومن حضارة إلى حضارة، وهى وسيلة إلى تعويض التخلف واختصار الزمن، وتجنب العقبات والمعوقات التى وقعت فيها أمم أخرى. ولهذا قيل: إن كل خلية ترجمة تمثل "هوائيا" معرفيا يلتقط خبرات الأمم الأخرى، وبهذا تنظر الأمة إلى ما حولها بعيون كثيرة بدلا من عين واحدة، ومن نوافذ كثيرة متعددة، بدلا من نافذة واحدة، وبذلك تكون الرؤية أوضح، والآفاق أفسح (٥) ". غير أن الترجمة لا تؤدى إلى تحقيق هذه الغاية النبيلة إلا إذا اجتمعت لها عوامل النجاح الضرورية، وهى عوامل ترتبط بموضوع الترجمة، وبالشروط التى يجب أن يتصف بها المترجمون. فأما موضوع الترجمة فإنه ينبغى أن يخضع لاختيار دقيق، يتحقق به ما يمكن التعبير عنه بعنصر الملاءمة والمواءمة، ونعنى بذلك أن تكون الترجمة متوافقة مع ثقافة المجتمع والقيم السائدة فيه، بحيث لا تتصادم معها أو تعمل على هدمها، ثم أن تكون ملبِّية لحاجاته بحيث تكون عاملا من عوامل تطوره، ومعاونته على التخلص من جوانب التخلف فيه، وإنما كان ذلك ضروريا لأن الترجمة أشبه بنقل الدم أو نقل الأعضاء. ولابدَّ فى الحالتين من وجود نوع من التجانس الذى يؤدى إلى تسهيل قبول الجسم لما ينقل إليه، وإلا فإن الجسم سيرفضه. ومن ثم فإن الأعمال التى ستتم ترجمتها ستلقى مقاومة فى المجتمع الذى ستنقل إليه إذا لم يتحقق لها عنصر الملاءمة. وينطبق ذلك على ما يتم ترجمته فى نطاق الثقافة بمعناها العام، وستكون المقاومة أكثر حدة وقوة إذا جاءت متعارضة مع المقومات الأساسية للمجتمعات كالدين والقومية واللغة والهوية والانتماء الحضارى. وربما تتفاوت المجتمعات فى ملاحظة جانب المواءمة: ضيقا واتساعا، وتشددا وتسامحا ولكن ذلك أمر لا يصح إغفاله أو إهماله، إذا أريد للترجمة أن تحقق الغايات المرجوة منها. وأما شروط المترجمين فهى كثيرة، ومن أهمها: - أن يكون المترجم مُجيد لِلغُّة التى يترجم منها، ولِلغُّة التى يترجم إليها، بحيث يعرف دقائقهما وأسرارهما، وطرائقهما فى التعبير، عن الحقيقة والمجاز والصور الجمالية، والتراكيب النحوية واللغوية، ليكون ذلك عونا له فى دقة الترجمة وحسن أدائها لما تضمنه النص الأصلى المترجم من حقائق وأفكار. - أن يكون على علم بموضوع الترجمة، والتخصص الذى تقع فيه، لأن لكل تخصص مصطلحاته الدقيقة التى قد يصعب أو يتعذر علي غير أهل التخصص إدراكها، ودقة التعبير عنها. - أن يتصف المترجم بالأمانة العلمية التى تستوجب نقل النص المترجم كما هو، دون زيادة أو نقصان أو تحريف أو تصرف، وأن يؤدى معانى النص، دون تدخل منه، حتى ولو كان مخالفا لآرائه وأفكاره، ويمكن له التعليق علي النص بما يشاء، بعد أن يترجم النص ترجمة أمينة. وليس تحقيق هذه الشروط بالأمر السهل، وقد تحدث الجاحظ (٦) من قديم عن صعوبة الترجمة، وعدم قدرتها على نقل المعانى، ولاسيما فى الشعر والنصوص الدينية وذكر أن من بين أسباب ذلك: عدم قدرة المترجمين أنفسهم على معرفة دقائق المعانى التى تتضمنها النصوص المترجمة، ثم عجزهم عن ترجمة هذه المعانى، إذا تمكنوا من معرفتها، وهنالك- كذلك- صعوبات وآفات تصاحب النسخ والنقل، اللذين لا يخلوان- فى العادة- من الأخطاء وقد قيل حديثا: إن الترجمة خيانة للنص. ولا يخلو هذا القول من مبالغة، ولكنه- مع ذلك- يوجِّه الأنظار إلى الصعوبات التى تكتنف عملية الترجمة. وللترجمة فى النقل طريقان، كما يقول الصفدى: أحدهما: أن ينظر المترجم إلى كل كلمة مفردة، ثم يأتى بكلمة مرادفة لها فى اللغة التى يترجم إليها، ويجرى على هذا النحو فيما يقوم بترجمته. ويطلق على هذا النوع من الترجمة: الترجمة الحَرْفية. وقد وُصفت هذه الطريقة بأنها رديئة لوجهين: أحدهما أنه قد لا توجد فى اللغة المترجم إليها كلمات تقابل وتعادل جميع الكلمات فى اللغة المترجم منها. والثانى: أن خواص التركيب والنِّسَبِ الإسنادية لا تطابق نظيرها فى اللغة الأخرى، ثم إن اللغات تختلف كذلك من جهة استعمال المجازات، وهى كثيرة فى جميع اللغات. أما الطريق الثانى: فهو الترجمة المعنوية. والمترجِمُ بحسب هذه الطريقة "يأتى إلى الجملة فيحصل معناها فى ذهنه، ويَعبِّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها، سواء ساوت الألفاظ الألفاظ أم خالفتها وهذه الطريقة أجود" (٧). ولعل الطريقة الأولى أنسب فى ترجمة العلوم التجريبية الاستقرائية والعلوم الرياضية، ولعل الثانية أنسب فى ترجمة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مع بذل الجهد فى الارتباط بالنص، والعمل على تحقيق الأمانة فى نقله كما سبق القول. ا. د/ عبد الحميد عبد المنعم مدكور ١ - صحيح البخارى: باب كيف كان بدء الوحى. ٢ - الفهرست، لابن النديم ص ٣٤٠ - ٣٤٢. ٣ - إخبار العلماء بأخبار الحكماء، ص ١١٧ - ١٢١. ٤ - راجع: كرامرز: مادة ترجمان بدائرة المعارف الإسلامية ٩/ ٢٦٢ - ٢٦٥، طبعة الشعب. ٥ - انظر: أبو يعرب المرزوقى، مدخل عام- ضمن كتاب الترجمة ونظرياتها ص ٣٥، ومحمد عبد الغنى حسن: فن الترجمة ص ٨٣. ٦ - انظر: الحيوان، للجاحظ ١/ ٧٥ - ٧٩. ٧ - صون المنطق والكلام، للسيوطى ١/ ٤٣.

стр. 133

٢٧ - ترجمة معاني القرآن اصطلاحا: يقصد بها نقل القدر الممكن من معنى النص القرآنى إلى لغة أخرى. ونقول القدر الممكن لصعوبة الترجمة الوافية المقابلة تماما للنص العربى، وذلك لسبب أساسى هو: الفرق الشاسع بين وعاء اللغة العربية عامة ولغة القرآن بخاصة، ووعاء أى لغة أخرى، فإمكانيات اشتقاق وتصريف الجذر الواحد فى اللغة العربية يصل إلى أكثر من ثمانين تصريفا بتفاوتات دقيقة فى المعنى بين كل منها. وهى مرونة لا توجد فى أى لغة أخرى من اللغات وخاصة اللغات الغربية اللاتينية الأصل. بل كثيرا ما نجد أن هناك صيغا أساسية كالفعل أو الفاعل أو الصفة لا وجود لها فى تلك اللغات. إضافة إلى أن لغة القرآن تشتمل على كافة الأشكال التعبيرية والبلاغية. الأمر الذى يجعل الترجمة المقابلة تماما من الأمور المستحيلة ما لم تتم الاستعانة باشتقاق كلمات جديدة فى اللغة التى تتم الترجمة إليها. وترجع أول محاولة لترجمة معانى القرآن الكريم إلى سلمان الفارسى ﵁ المتوفى عام ٣٥ هـ/ ٦٥٥ م) وكان من صحابة الرسول ﷺ فى المدينة. وقد ترجم الفاتحة إلى الفارسية. لغته الأم وأقرب اللغات إلى العربية (كما روى بمسند الإمام أبى حنيفة). وأثيرت قضية جواز الترجمة بعامة، وجواز الصلاة بالنص المترجم تحديدا. وذلك لمدة أربعة قرون، إلا أن التاريخ لم يحفظ ما يدل على أن أحدا من المسلمين قد حاول ترجمة القرآن إلى غير اللغة العربية طوال اثنى عشر قرنا. وذلك حرصا منهم على النص المنزل وعدم اندثاره ولكى لا تعتبر الترجمة بديلا للقرآن. وقد أثير موضوع ترجمة معانى القرآن فى مصر، فى العصر الحديث، ثلاث مرات: ١ - عندما منعت مشيخة الأزهر إدخال نسخة من ترجمة القرآن باللغة الإنجليزية، وطالبت مصلحة الجمارك بإحراقها (١٩٢٥م). ٢ - وحينما قررت حكومة تركيا برئاسة مصطفى كمال أتاتورك ترجمة معانى القرآن إلى اللغة التركية. ٣ - وعندما قررت مشيخة الأزهر الشروع فى عمل تفسير منتخب لمعانى القرآن بالاشتراك مع وزارة المعارف، وذلك أيام تولى فضيلة الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغى رئاسة المشيخة للمرة الثانية (عام ١٩٣٦م)، على أن تقوم لجنة من المتخصصين فى اللغات الأجنبية بترجمة هذا التفسير. وسبب هذا القرار الذى يمثل تحولا فى موقف المشيخة هو المناخ الذى كان يسود البلدان الإسلامية غير المتحدثة بالعربية. وهو مناخ مسمم بكل ما يمس الإسلام والمسلمين. فلم يكن بين أيديهم سوى ترجمات مشوهة قام بها المستشرقون. وما من إنسان يجهل أن الغرب قد بدأ محاربة الإسلام منذ بداية انتشاره. وتعد الصفحات التى خصها يوحنا الدمشقى (حوالى ٦٥٠ م- ٧٥٠ م تقريبا) فى كتابه المعنون "ينبوع المعرفة" فى الفصل الخاص بالهرطقات: الركيزة الأولى المليئة بالفريات ضد القرآن وضد سيد المرسلين صلوات الله عليه. وبخلاف ترجمة بعض المقتطفات التى قام بها بيزنطيون فى القرن التاسع الميلادى، وكلها تهدف إلى تحريف النص القرآنى. قام البابا بطرس المبجل أثناء تجواله فى أسبانيا لمدة عامين (١١٤١ - ١١٤٣) فى زمن الحروب الصليبية، بتكليف القس روبير دى رتين، المقيم فى طليطلة، بأن يترجم له القرآن وذلك كما يقول عنه "رجيس بلاشير" للضرورة الماسة التى تعاوننا على محو أية آثار لعقيدتهم الأولى من عقلية الذين تم تنصيرهم حديثا (فى كتابه عن القرآن ص ٩). وتعد أقدم ترجمة كاملة للقرآن الكريم فى الغرب، فى مطلع العصر الحديث، تلك التى قام بها القس مراتشى فى أواخر القرن السابع عشر والتى ظهرت عام ١٦٩٨ م بعنوان "حول تفنيد القرآن" ويتضمن هذا العمل النص العربى والترجمة اللاتينية للقرآن الكريم ومقدمة. وقد قام مراتشى بالتعليق على النص العربى برمته وتفنيده كما يؤكد ذلك إدوار مونتيه (فى صفحة ٥٥ من مقدمته لترجمة القرآن). ثم يضيف قائلا عن ترجمة مراتشى هذه: "إن هذا العمل الذى يعد من أروع الأعمال، يجب أن يلم به كافة المستشرقين الذين يكرسون أنفسهم لدراسة القرآن ودين الإسلام "!! وبناء على ترجمة مراتشى هذه التى راح ينهل منها المستشرقون، صبوا فرياتهم فى صلب ترجماتهم وفى التعليقات والهوامش المرتبطة بها وفى المقدمات الخاصة بها، أصبح هناك فى كل دولة غربية ترجمة أُمّ تُعَدّ بمثابة القالب الذى لا يجب عليهم الحياد عنه. ومنها ترجمة نولدكة فى ألمانيا، وجورج سال فى إنجلترا، ودى رييه فى فرنسا وكثيرين غيرهم. ويمكن تلخيص النقاط الأساسية التى لن تحيد عنها ترجمة من ترجماته حتى يومنا هذا، وإن اختلفت الصور والأساليب إلى ما يلى: إنكار أن القرآن الكريم منزّل من عند الله، والادعاء بأنه لا يتضمن تشريعا، والإصرار على أنه من تأليف سيدنا محمد صلوات الله عليه وإنكار أُمِّيَّته، والادعاء بأنه يزخر بالتحريف الذى تم أثناء جمعه وتدوينه، وبأنه غير صالح لكل زمان ومكان، والتلاعب فى عرض الآيات المتعلقة باختلاق التثليث، وتأليه السيد المسيح (الذى تم فى مطلع القرن الرابع)، ومريم العذراء، وتلك التى تثبت التحريف والتلاعب بالكلم الذى تم فى الإنجيل بعهديه، تعمد اختيار الألفاظ المهينة خاصة عندما يسمح اختيار العبارات بذلك، ومطالبة المسلمين بتحديث القرآن المليء بالمتناقضات فى نظرهم والبحث عن مصادر أخرى للتراث الإسلامى، والإلحاح بضرورة إخضاع القرآن للنقد التاريخى والتحليل اللغوى الحديث حتى يمكن إدماجه فى العصر الحديث. وكأنهم يتناسون أنه لا يمكن استخدام آليات التحليل والدراسات الألسنية للغة اللاتينية على اللغة العربية المختلفة الأصل والجذور. وحيال كل تلك المحاولات الدؤوب للنيل من القرآن الكريم، بدأت بعض المؤسسات الإسلامية وبعض العلماء الغيورين على دينهم فى عمل ترجمات أمينة لمعانى القرآن منذ مطلع القرن العشرين ومنها ترجمات جزئية وأخرى كاملة. ومن أهم هذه المؤسسات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بجمهورية مصر العربية، ومجمع الملك فهد بالمملكة العربية السعودية. كما أشرف محمد حميد الله على الفهرس الجامع لمختلف ترجمات القرآن، الذى قام به إحسان أوغلو فى مركز الدراسات التاريخية باستنبول. ويصل عدد اللغات التى ترجم إليها القرآن الكريم إلى ١٣٢ لغة، منها ٦٤ لغة فيها عدة ترجمات. أ. د/ زينب عبد العزيز

стр. 134

٢٨ - الترف لغة: ترف فلان: تنعَّم فهو تَرِفٌ كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: التنعم باستهلاك وفير من الكماليات، على اختلاف أصنافها، أو اقتنائها، أو هو رفه فى إشباع رغبات النفس فوق ضروراتها وحاجياتها العادية، ومن ثم فالترف قرين الثراء، ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحا. وقد بين القرآن أن المترفين أثرياء بلا عقيدة، فقال تعالى ﴿وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ سبأ:٣٥، وأن كثرتهم أو تحكمهم فى مجتمع مدعاة لهلاكه فقال تعالى ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ الإسراء:١٦. ونهى محمد رسول الله ﷺ عن الأكل فى صحاف الذهب والفضة، والشبع من الطعام، ولباس الشهرة، والفخر والمباهاة، ولبس الرجال للحرير، والتحلى بالذهب، والبناء فوق الحاجة تفاخرا، وكلها مظاهر للترف (٣). وفى المسيحية دعا الآباء الأوائل إلى نبذ الترف، وارتبط ذلك بكراهة تكوين الثروة وحب الزهد، ولكن الكنيسة البروتستانتية اعتبارا من القرن السادس عشر أباحت تكوين الثروة، وتشددت فى إدانة الترف، فدعت رعاياها إلى نبذ الاستهلاك غير الضرورى، ويرى Max Weber أن هذة العقيدة أدت إلى نمو المدخرات من ثروة متزايدة، ومن ثم نمو الاستثمار، وبروغ الرأسمالية الحديثة. ويلاحظ أن الإسلام لم يحرم تكوين الثروة طالما كانت من كسب حلال، ولكنه نظم إنفاق المسلم بحيث لا يدخل الترف حياته، فحث على الاعتدال فى الانفاق، فقال تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ الإسراء:٢٩. ونهى عن التبذير فقال تعالى ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾ الإسراء:٢٦ - ٢٧، وفرض الزكاة، وحث على الصدقات والقرض الحسن. وقد قدم ابن خلدون تحليلا لأثر الترف على النشاط الانتاجى، فرأى أنه يؤدى إلى تنوع الكماليات المنتجة، وإتقان صنعتها وزيادة قيمتها، ومن ثم دخول صانعيها، وأن ذلك ينعكس على الأسواق، فيزداد الإنفاق فيها وتنتعش، ولكنه رأى أيضا أن أحوال الترف التى تصيب الحكام تزيد من إنفاقهم مما يتطلب موارد مالية إضافية لا يحصلون عليها إلا بزيادة الجباية من الرعية فيفسد ذلك نشاطهم الإنتاجى، ويؤدى إلى خراب الدولة (٣). واختلف الاقتصاديون المحدثون فى تحليل أثر الترف على النشاط الإنتاجى. ١ - فرأى التقليديون أن إنتاج السلع الترفية أقل تأثيرا فى النشاط الاقتصادى والنمو من إنتاج السلع الأخرى التى يزداد عليها طلب عامة الناس. ٢ - ورأى الكنزيون معارضة الرأى السابق، لأن موارد المجتمع المحدودة ليست موظفة بالكامل دائما فى الأجل القصير، كما أعتقد التقليديون، فإذا كان بعضها معطلا فإن استخدامه فى إنتاج سلع الترف أو غيرها ينعش الاقتصاد. والرأى التقليدى أكثر رجاحة فى الأجل الطويل إذا اعتبرنا التضحية التى يتحملها المجتمع بتخصيص بعض موارده المحدودة لانتاج سلع خاصة بالأقلية الموسرة. ولقد تبين لعدد ممن تناول موضوع الترف فى القرن العشرين أن مشكلة كثير ممن يعمل بكفاءة ويزداد دخله وتتعاظم ثروته أنه لا يستطيع أن ينفق ما حصل عليه بكفاءة أو برشد، بل ربما كان سلوكه مشينا (٤). أ. د/عبد الرحمن يسرى أحمد

стр. 135

٢٩ - التركيب اصطلاحا: يستخدم مصطلح التركيب فى كثير من العلوم والفنون بمعان تتقارب في العمومية، وإن اختلفت من علم لآخر. ١ - فى الكيمياء: التركيب ضد التحليل، وهو تأليف الكل من أجزائه، كتركيب الماء من الأكسجين والهيدروجين، ويدلنا هذا المثل بذاته على طبيعة التركيب، التى تستلزم قوة ما تجعل من العناصر مركبا فليس اجتماع الهيدروجين والأكسجين بكاف لتركيب الماء وإن كان الماء لا يتركب إلا منهما فحسب، ويمكن فهم التركيب العقلى على نفس النحو على أنه تأليف نتائج مركبة من مبادئ بسيطة، وقد أشار ديكارت فى مقالاته إلى أن التركيب قد يفرض ترتيبا بين الأمور التى لا يسبق بعضها بعضا بالطبع. ٢ - فى الفلسفة: نجد التركيب عند الفلاسفة المسلمين فى كثير من الأحيان مرادفا للتأليف حيث تُجعل الأشياء المعقدة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويتميز عنه الترتيب الذى يعنى بالإضافة إلى هذا بالتقديم والتأخير بين العناصر. وعلى هذا يمكن فهم القول بأن التركيب صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التى قبلت التركيب، على حين أن الوجود هو صفة هى الذات بعينها. وفى المنطق: يطلق المركب على المؤلف، وعلى حد تعريف ابن سينا فهو الذى يدل على معنى وله أجزاء منها يلتئم مسموعة، والطريقة التركيبية فى المنطق هى انتقال العقل من المعانى والقضايا البسيطة إلى المعانى والقضايا المركبة. وتعرف الطريقة التركيبية أيضا بأنها انتقال العقل من قضايا يقينية إلى قضايا أخرى لازمة عنها اضطرارا. وفى تطبيقات المنطق يطلق المصطلح على الطريقة التى يسير عليها الباحث فى الانتقال من الفصول إلى الأصول، أى من الأجزاء إلى الكل، وقيل فى تعظيم شأن هذا المعنى أن يوما واحدا من التركيب يحتاج إلى سنين طويلة من التحليل. ويطلق مصطلح التركيب أيضا على الرأى الفكرى الذى يجمع بين رأى وضده فى قول جديد يأخذ بأحسن ما فى الرأيين ويمزج أحدهما بالآخر مستعينا على هذا بوجهة نظر أعلى من وجهتى نظر الرأيين. ٣ - فى نظرية المعرفة: هو جمع تصور إلى آخر أو إلى عدة تصورات، وذلك من أجل تأليف صورة عقلية واحد ة. ٤ - فى علم الصرف: يطلق التركيب على جمع حرفين أو أكثر بحيث يطلق على اجتماع الحروف معا اسم "الكلمة". ٥ - فى علم النحو: مقابل للإفراد، فإن كان بين اللفظين إسناد كان التركيب إسناديا، وإن كان أحدهما مضافا والآخر مضافا إليه كان التركيب إضافيا، وان كان أحدهما موصوفا والآخر صفة كان التركيب وصفيا. ٦ - فى الشعر: يطلق مصطلح "تركيب بند" على منظومة من أقسام، يتراوح عدد أبيات كل قسم بين خمسة أبيات وأحد عشر بيتا، ولكل قسم قافية، والقافية فى المصراعين الأولين هى القافية فى المصراع الثانى من كل بيت، لكن قافية كل قسم تختلف عن قافية الأقسام الأخرى، وإن كان الرَّوِىّ واحدا فى المنظومة كلها، وبعد كل قسم بيت يكرر رويّة فى الأقسام الأخرى وله قافية وحده. ٧ - فى علم النفس: يطلق التركيب على الفعل الذى يؤلف به الذهن من التصورات والعواطف والنزعات المختلفة كلا عضويا واحدا. وفى علم النفس التجريبى هو جمع العناصر النفسية الواقعية بحيث تؤلف كلا واحدا. وينبغى التفريق (فى التحليل النفسى) بين التركيب العقلى الذى يجمع الظواهر الجديدة وينسقها، وبين التداعى الذى يقتصر على استحضار المجموعات السابقة استحضارا غير إرادى. ويوصف الإنسان بأنه من ذوى العقل التركيبى حين يلتفت إلى الكل دون الأجزاء على حين أن العقل التحليلى لا يفطن إلا إلى الأجزاء. والحكم التركيبى هو الحكم الذى يكون فيه المحمول زائدا على تضمنُّ الموضوع. والبرهان التركيبى فى الرياضة هو الاستنتاج الرياضى الذى تلزم فيه النتائج عن المبادئ اضطرارا كما فى علم الهندسة الذى تبنى قضاياه على التعريفات والبدهيات والمسلمات والأوضاع. ٨ - فى علم الحيوان: التركيب يشير إلى التعقيل التكرارى، أى تكرار مجموعة من العناصر المنتمية إلى الأجهزة العضوية الرئيسية للجسم على طول المحور الأمامى الخلفى لجسم، وأكثر ما يحدث فى الحلقيات ومفصلية الأرجل، وينشأ عن التكرار سلسلة من الوحدات تسمى العُقل، تكون متشابهة فى تركيبها ونشأتها أساسيا، وفى دورة الأرض- على سبيل المثال- تكون كل حلقة ظاهرة عقلة، وتشتمل كل عُقلة على أوعية دموية، وتراكيب جلدية، وجهاز عصبى، وأعضاء إخراج … الخ. ويتكرر هذا "التركيب " فى كل عقلة مع اختلاف طفيف من عقلة إلى أخرى، ومع هذا فإن مبدأ التشابه بين العقلات يكاد يتلاشى فى طوائف أخرى من الحيوانات فتكون- عُقَل الرأس مختلفه عن العقل الأخرى … وهكذا. وفى الفقاريات يظهر التعقيل بشكل واضح فى التكوين الجنينى، لكنه يكاد يقتصر على أجزاء الأجهزة العضلية والهيكلية والعصبية فلا يظهر فى البشرة على سبيل المثال. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 136

٣٠ - الترويح لغة: إدخال الراحة والسرور على النفس. كما فى اللسان (١). والترويح عن النفس بإدخال السرور عليها والأخذ بأسبابه مما ندب إليه الشارع الحكيم، حتى يتجدد للنفس نشاطها وتقبل على العبادة بمزيد شغف وبكثير حب، وهذا هو صريح قوله ﷺ : (روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت) (٢). واصطلاحا: إدخال الراحة والسرور على النفس على أن يكون مشروع الوسيلة والمقصد، بأن لا يرتكب به الإنسان مخالفة شرعية فى حق نفسه أو حق غيره. أما فى حق نفسه: فبأن ينشغل عن عبادة ربه ويلهى عنه، لأنه لا خيرفى عمل يلهى عن ذكر الله، والمفروض أن الترويح تجديد لنشاط العبد حتى يقوى على تمام الطاعة، وكذلك بأن يرتكب مخالفة شرعية كأن يظهر عورة أمر الله أن تستر، أو أن يطلع على عورات الناس، أو أن يستخدم فى ذلك قبيح الألفاظ والعبارات، إلى غير ذلك مما يضر الإنسان. وأما فى حق غيره: فبأن يكون فى ترويحه مثلا سخرية واستهزاء بالآخرين، أو غيبة لهم، أو إضاعة لحقوقهم. والترويح لابد أن يكون موافقا لما أمر الله به، قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك يفرحوا هوخير مما يجمعون﴾ يونس:٥٨. وقال تعالى: ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين) الأنعام:١٦٢. فكل ما ليس عليه أمرالشارع فهو مردود على الإنسان يستوى فى ذلك جده ولعبه. أ. د/عبد الصبورمرزوق

стр. 137

٣١ - التسلط لغة: تَسَلَّطَ عليه: تحكم وتمكن وسيطر، وسلطه: أطلق السلطان والقدرة، وسلطة عليه: مكنه منه وحكمه فيه (كما فى المعجم الوسيط) (١). واصطلاحا: حالة تنطوى على معانى الإملاء والتحكم والرغبة فى فرض السيطرة على الآخرين. والتسلط بهذه المعانى قد توصف به الدول والحكومات أو حتى الأفراد الجماعات حيث يدين الكل بالاستبداد والقهر لإملاء ما يرونه دون مراعاة للحريات أو لحقوق الغير. ومع أن التسلط ينطوى على مضمون نفسى يرتبط بالدوافع والنزعات اللاشعورية التى يتم إسقاطها على الغير، إلا أن خطره يبدو إذا ما ارتبط بالسلطة السياسية فيما يعرف بالتسلطية التى تركز عناصر القوة فى يد فرد أو جماعة مما يجعلها قادرة على فرض إرادتها بما تملك من وسائل القمع المادى والمعنوى كما هو الحال فى كل النظم الجماعية الشمولية المستبدة (٣). ولقد كان للشريعة الإسلامية فضل السبق فى تقديم الحل الأمثل لكل مشكلات التسلط والتسلطية عندما أرست مبدأ الشورى وأوضحت مقاصدها السامية التى تتمثل فى قيام مصالح الناس فى الدين والدنيا. يقول : ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ آل عمران:١٥٩. كما جاء فى الحديث القدسى: (يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا﴾ رواه مسلم عن أبى ذر (٣). وها هو ذا أبو بكر الصديق يقول فى خطبة توليه: (أيها الناس إنى قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وان أسأت فقومونى) فيضع بذلك قاعدة هامة لتحديد سلطة رئيس الدولة؛ لكى تكون دستورا لمن يجيء من بعده منعا للاستبداد بالرأى والتسلط فى مصائر الناس دون رقابة وتقويم من الأمة التى هى مصدر السلطات (٤). أ. د/محمود أبو زيد

стр. 138

٣٢ - التشاؤم الشّؤم لغة: خلاف اليُمْن، ويقال: رجل مشئوم على قومه، وقد تشاءموا به. واصطلاحا: هو التطيُّر بالشيء ومن الشيء وذلك بتوقع الشر، وقد كان العرب فى الجاهلية إذا خرج أحدهم لأمر، قصد إلى عش طائر، فهيجه، فإذا طار الطائر يُسْرة تشاءم به، ورجع عما عزم الخروج لأجله. وقد كان مذهب العرب فى التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك ونهى عنه، فقد روى عن النبى ﷺ أنه قال "من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك " (أخرجه أحمد) (١). وذهب بعض العلماء إلى أن التشاؤم والطيرة من الكبائر، وأنه يحرم اعتقادها والعمل بها، لقوله ﷺ " الطيرة شرك، وما منا إلا تطيرّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (رواه الترمذى) (٢). كما ذهب بعضهم إلى كراهية تسمية المولود بما يتطير بنفيه أو إثباته، إذ ربما كان ذلك طريقا إلى التشاؤم والتطير. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: "إنما الشؤم فى ثلاثة فى الفرس، والمرأة، والدار" (رواه البخارى) (٣) وقد اختلف العلماء فى تفسير ذلك، قال القرطبى: إن هذه الأشياء هى أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع فى نفسه شىء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره. وقيل: شؤم الدار ضيقها وسوء جارها، وشؤم المرأة ألا تلد، وشؤم الفرس ألا يُنْزى عليها .. وقيل غير ذلك. ويعد ابن الرومى من أشهر شعراء العربية الذين ارتبط بهم التشاؤم والتطيرّ وذاعا عنه. (هيئة التحرير)

стр. 139

٣٣ - التشبيه لغة: التمثيل. وعند البيانيين: إلحاق أمر بأمر لصفة مشتركة بينهما " كتشبيه الرجل بالأسد فى الشجاعة". المتشابه فى النص القرآنى يحتمل عدة معان. وفى التنزيل العزيز﴾ منه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب وأُخر متشابهات ﴿(آل عمران ٧). كما فى الوسيط (١). وقد اتفق أهل السنة والجماعة: على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا فى ذاته، ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.﴾ ليس كمثله شيء ﴿وهو ُرد على الممثلة المشبهة﴾ وهو السميع البصير ﴿(الشورى ١١) رد على النفاة والمعطلة. فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم. ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النصارى فى كفرهم (٢). وقد أصاب أهل السنة بتوسطهم بين التشبيه والتعطيل، أما غيرهم من المعطلة والمشبهة فقد جمع بين الخطأ وإرادة الصواب. فَنُفَاة الصفات (المعطلة) أحسنوا فى تنزيه الله سبحانه عن التشبيه بشىء من خلقه ولكنهم أساءوا فى نفى المعانى الثابتة لله تعالى فى نفس الأمر. والمشبهة: أحسنوا فى إثبات الصفات، ولكنهم أساءوا بزيادة التشبيه. أما أهل السنة والجماعة: فقد هداهم الله للحق، ووفقهم إليه. فرفضوا التشبيه كما فعل الغلاة، كما رفضوا التأويل: كما فعل المعطلة. وسلكوا طريق السلامة (٣): وقالوا: نؤمن بما ورد بالكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل موقنين بأن الله لا يشبه شيئا من مخلوقاته. وكانوا يتحرزون عن التشبيه لدرجة منعهم قارئ القرآن من تحريك يده عند قراءة قوله تعالى:﴾ خَلقتُ بيدىَّ ﴿أو الإشارة بأصبعيه عند روايته "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن " (٤). وتوَعَّدوا من يفعل ذلك. وقالوا: إنما توقفنا فى تفسير الآيات وتأويلها لأمرين. أحدهما: المنع الوارد فى التنزيل فى قوله تعالى:﴾ فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ومَّا يذكرَّ إلا أولوا الألباب ﴿(آل عمران ٧). فنحن نتحرَّز عن الزيغ. والثانى: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول فى صفات البارى بالظن غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد البارى تعالى - فوقعنا فى الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون فى العلم﴾ كُل مِنْ عندَ ربّنَا ﴿آمنا بظاهره، وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. وقد ذكر المؤولة من المتأخرين ذلك وحكموا على موقفهم، وموقف السلف وقالوا: علم السلف أسلم (فيه السلامة) وعلم الخلف: أعلم وأحكم. وأقول: ما فيه السلامة (فيه العلم والحكمة) وما خلا عن السلامة (فليس فيه علم ولا حكمة) لكل ما سبق (فعلم السلف: أسلم، وأعلم، وأحكم). ا. د/ أحمد المهدى

стр. 140

٣٤ - التشريح لغة: الفتح والشرح والبيان والعرض. واصطلاحا: بيان علم، أو تفسير كتاب، واللفظ فى هذه الدلالة مثل "شَرْح ". ويطلق اللفظ- الآن- مطلقا على العلم (الفن) الذى يعنى بدراسة بناء الجسم وتموضع أعضائه وأجهزته وأنسجته، وذلك عن طريق تقطيع الجسم إلى أجزاء. ومع انتشار استخدام الميكروسكوب فى دراسة الأنسجة نشأ علم الأنسجة (الهستولوجيا) ويطلق عليه مسمى "علم التشريح الميكروسكوبى". وترتبط بهذا العلم مجموعة من العلوم الأخرى المهمة تُدرس فى إطاره وترتبط به على مستوى البحث العلمى والتعليم الطبى، ومن هذه العلوم علم الأجنة الذى يُعنى بدراسة عمليات تخليق أنسجة الجسم البشرى المختلفة وأعضائه فى أثناء الحياة الجنينية. أما علم التشريح المقارن فيقارن بين بنيان الأجسام المختلفة فى أنواع حيوانية مختلفة أو بينها وبين الإنسان. ولا تقتصر دراسة التشريح على ما بعد الوفاة، ذلك أن الأجهزة الحديثة (كالأشعة والموجات فوق الصوتية وتقنيات التصوير المختلفة) مكنت من دراسة أجزاء الجسم الحى بصورة دقيقة، وعلى سبيل المثال فإن دراسة القلب بالموجات فوق الصوتية غيّرت من فكرتنا عن تشريحه من حيث تموضع أجزائه وصلتها ببعض. ويعزى إلى العالم "فيزاليوس" فى القرن السادس عشر وضعه التشريح فى صورته الحديثة التى تطورت باستمرار واطراد حتى أيامنا هذه. أما أقدم العلماء الذين سجلوا جهودا بارزة فى علم التشريح فهو "هيروفيلس" من علماء الإسكندرية فى عهد البطالمة فى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، ثم "جالينوس " فى القرن الثانى قبل الميلاد وقد تعلم فى الإسكندرية ثم مارس الطب فى روما، وهو الذى أخذ عنه العرب معلوماتهم عن التشريح فى الحضارة العربية الإسلامية وكانوا يسمونه "الفاضل " ومن الطريف أن "ابن القفطى" لما وصف "جالينوس " جمع المعنيين الاصطلاحيين للتشريح فى الثناء عليه فقال: "جالينوس هو مفتاح الطب وباسطه وشارحه .. ولم يسبقه أحد إلى علم التشريح ". ولم يمارس أحد قبل علماء الإسكندرية التشريح، وكان "جالينوس" يمارس التشريح على القردة. ومع أن المسلمين لم يُقبلوا فى بداية عهدهم على التشريح، إلا أنهم بعد أن عرفوا قيمته لم يتركوا فرصة له إلا وأفادوا منها علوم الطب، ويستشهد مؤلفو دائرة المعارف الإسلامية على هذا المعنى بما ورد فى رحلة "عبد اللطيف البغدادى" من أنه لما علم أن بالمقس (وهى إحدى البلاد المصرية) تلاًّ من البقايا الإنسانية، أخذ فى تفحص هذه الهياكل وكتابة مشاهداته. ومما يذكر للعرب أنهم حافظوا على تراث "جالينوس " فى التشريح حتى إن المقالات الخمس الأخيرة من كتاب "جالينوس " فى التشريح (وهو من ١٥ مقالة) لا توجد لها أصول ولا نصوص إلا فى اللغة العربية فقط. ومن أبرز آثار علماء العرب في التشريح ثلاثة مصنفات: الأول لابن سينا فى كتابه "القانون " والثانى لعلى بن عباس (ت ٣٨٤ هـ) فى كتابه "الكامل فى الصناعات الطبية" المعروف بالملوكى، والثالث للرازى (ت ٣٢٠ هـ) فى كتابه "المنصورى فى الطب ". وقد عرف العرب ما نسميه الآن التشريح الجهازى وتأليف كتب متخصصة فى تشريح كل عضو من الأعضاء، فلهم كتب فى الأوردة، وحركة العضل، والعظام، والنبض.... الخ. ومما يميز مؤلفات الأطباء المسلمين فى التشريح ذلك النسق العام فى التأليف الذى يبدأ بعلم العظام بوجه عام، ثم بدراسة مفصلة لعظام الرأس والأسنان والعمود الفقرى والصدر وعظام الأطراف العليا واليدين وعظام الأطراف السفلى والقدمين، ثم دراسة العضلات بنفس النظام، ثم دراسة المجموع العصبى والشريانى، ثم شرح الأعضاء الظاهرة والباطنة (كأعضاء البصر والشم والسمع واللسان والحنجرة والرئتين والأمعاء، والطحال، والكليتين، والمثانة وأعضاء التناسل). ومن إنجاز العلماء المسلمين فى التشريح أنهم درسوا الوظيفة والتركيب معا، وأنهم استطاعوا تعريب كل ألفاظ التشريح ومصطلحاته حتى إن الموسوعة الإسلامية تذكر أنه لم توجد فى التشريح العربى ألفاظ فارسية أو يونانية ماعدا كلمة واحدة، ومع هذا فإن التشريح العربى فى رأى الموسوعة لم يزود الحضارة الأوروبية بمصطلحات ما، وإن كانت بعض ألفاظه قد استعملت لفترات متباينة المدى. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 141

٣٥ - التشريق لغة: الجمال وإشراق الوجه. واصطلاحا: تطلق أيام التشريق على الأيام الثلاثة التالية ليوم النحر وهو العاشر من ذى الحجة الذى يعقب الإفاضة من عرفات. وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحى يشرق فيها للشمس أى يشرر. وقال ابن الأعرابى: سميت بذلك لأن الهُدْى أو الأضحيات لا تنحر حتى تشرق الشمس أى تطلع. وقيل سميت بذلك لأنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر فصارت هذه الأيام كلها تبعا ليوم النحر. والتشريق صلاة العيد. وإنما أخذ من شروق الشمس لأن ذلك وقتها. وفى هذه الأيام يقيم حجاج بيت الله الحرام فى منى أو يبيتون فيها ويقومون برمى الجمرات الثلاث بسبع حصيات صغيرات لكل جمرة. ويجوز التقديم فى يومين لقوله تعالى:﴾ واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ﴿(البقرة ٢٠٣). ويكون رمى الجمار بعد الزوال، وإن قدم الرمى قبل الزوال جاز ذلك. ولا يجوز للحاج أن يطوف طواف الإفاضة إلا بعد رمى جمرة العقبة فى يوم النحر. ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت فقد فات الرمى ولزمه الدم لفواته. أ. د/ سعاد صالح

стр. 142

٣٦ - التصوف يمثل التصوف نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت فى كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهو يعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها فى الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحى والكمال الأخلاقى. ولم يكن المسلمون استثناء من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم. وقد قدم الصوفية تفسيرات متعددة لهذه النسبة التى تميروا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التى ظهرت فى المجتمع الإسلامى، ومن هذه التفسيرات ما يلى: - إن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار. - إنه نسبة إلى الصف الأول فى الصلاة. - إنه نسبة إلى عمل أهل الصفة من صحابة الرسول ﷺ وقد لاحظ القشيرى أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية. - إن التصوف نسبة إلى صوفة القفا. - إنه منسوب إلى رجل كان يجاور بمكة قبل الإسلام يسمى صوفة بن بشر، وعلق ابن تيمية بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة " … لأن غالب من تكلم باسم الصوفى لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى الجاهلية، ولا وجود لها فى الإسلام ". - إن هذه التسمية نسبة إلى الصوف، الذى هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة فى الدنيا. ولا يرفض القشيرى هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولا تاما، وفى ذلك يقول:"فأما من قال: إنه من الصوف؟ ولهذا يقال: تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص؟ فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ". ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهرقبل المظهر ويعنى بالحقائق والأعمال أكثرمن عنايته بالرسوم والأشكال. وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدا، وقد ذكر السهروردى أن له أكثر من ألف تعريف بل ذكرالشيخ زروق أنها تبلغ نحو الألفين وترجع هذه الكثرة إلى أن كل واحد ممن عرفوا التصوف كان يعبر عن ذوقه ووجده وحاله، ولهذا اختلفت العبارات، لأن الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم أو بعدد أنفس السالكين. ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها: (أ) فبعضها يركز على الجانب العملى، الذى يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها، وذلك كالذكر والمراقبة، ومحاسبة النفس والزهد فى الدنيا، ومن نماذج هذه التعريفات: - التصوف: قلة الطعام، والسكون إلى الله تعالى والفرار من الناس. - التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وهكذا. (ب) وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقى، الذى هو من أهم أركان التصوف، ومن هذه التعريفات: - التصوف: هو الدخول فى كل خلق سَنِىّ، والخروج من كل خلق دنىّ. - التصوف: خلق فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الصفاء. - وقال الهروى الأنصاوى: واجتمعت كلمة الناطقين فى هذا العلم ان التصوف هو الخلق. (ج) وكان بعضها يهتم بجانب المعرفة، وهى المعرفة إلالهامية الذوقية التى هى موضع اعتزاز الصوفية وفخرهم. ومن هذه التعريفات ما قال العطار عن علم التصوف الذى هو "ثمرة للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وإنه من العيان لا من البيان، ومن الأسرارلا من التكرارومن العلم اللدنى لا من العلم الاكسبى … ". (د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التهم عن طريق الصوفية، ومن هذه التعريفات تعريف ابن خفيف للتصوف. وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة الإسلامية، وبعضها من خارجها. وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك، لم تكن مألوفة فى حياة الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التفنن فى مطاعمهم ومشاربهم، أخذا بالورع وخشية من الحساب، ولكن الحياة تحولت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السرف الفاحش الذى يستثير أهل الفقر والمسكنة، المستمسكين بما كان عليه السلف من زهد وبساطة، وكان ذلك من دواعى نشأة التصوف عند المسلمين كما يقول ابن خلدون:"واصل هذه الطريقة العكوف على العبادة … والإعراض عن زخرف الدنيا، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه … وكان ذلك عاما فى الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا، فى القرن الثانى وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة ". على أن التصوف لم يخل من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين -بعد الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة فى التصوف كالهند وفارس، وقد كان بعض الصوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضا، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر فى النظم الصوفية الأخرى. وأدى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون فى التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق العادات، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم. وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة، وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجا للأفكار والمذاهب الدخيلة التى تتحدث عن الفناء والحلول، ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف، ووقوعا فى أسر البطالة والتواكل والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدنى. وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفا وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، ومن أبرز ممثلى هذا الاتجاه ابن تيمية (٧٢٨هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (٧٥١هـ) وقد أشار كل منهما إلى مواقف الفريقين، وذكر ابن تيمية أن "الصواب هو الإقرار بما فيها، وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة". وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصوفية: السابقون المقربون والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين، وفيهم من هو ظالم لنفسه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن المحققين من الصوفية يتبرأون منهم وينكرونهم. ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول، لأنه أقرب إلى الموضوعية والإنصاف، وأبعد من التعميم والتعصب المذموم. وينبغى ونحن نتحدث عن التصوف ألا نغفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين فى الشرق والغرب، وقد كان للصوفية المسلمين دورهم فى نشر الإسلام، فى كثير من بقاع الأرض فى آسيا وإفريقيا قديما، وفى أوروبا حديثا، وهو دور معروف لدى المؤرخين. أ. د/عبد الحميد مدكور

стр. 143

٣٧ - التطرف لغة: الوقوف فى الطرف، والطرف بالتحريك: جانب الشىء، ويستعمل فى الأجسام والأوقات وغيرها. واصطلاحا: مجاوزة حد الاعتدال. والعلاقة بين المعنيين اللغوى والعرفى واضحة، فكل شىء له وسط وطرفان، فإذا جاوز الإنسان وسط شىء إلى أحد طرفيه قيل له: تطرف فى هذا الشىء، أو: تطرف فى كذا، أى جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط. وعلى ذلك فالتطرف يصدق على التسيب، كما يصدق على الغلو، وينتظم فى سلكه الإفراط، ومجاوزة الحد، والتفريط والتقصير علي حد سواء؛ لأن فى كل منهما جنوحا إلى الطرف وبعدا عن الجادة والوسط. فالتقصير فى التكاليف الشرعية والتفريط فيها تطرف، كما أن الغلو والتشدد فيها تطرف؛ لأن الإسلام دين الوسط والوسطية وإلى هذا ينبه القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ الإسراء:٢٩. ويقول: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف:٣١. ويقول الرسول ﷺ : (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى﴾ (أخرجه البزار فى مسنده عن جابر وأخرج أحمد أوله فى مسنده عن أنس﴾. أ. د/عبد الصبور مرزوق

стр. 144

٣٨ - التعارض لغة: تفاعل من العرض، وهو المنع، والمقابلة، والمساواة كما فى المصباح (١). واصطلاحاً: تقابل الأمرين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه (٢). وذلك كأن يكون هناك دليلان أحدهما يدل على الجواز، والآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر ومعارض له ومانع (٣). ويشترط لتحقيقه شروط منها: اتحاد محل الحُكْمين، واتحاد الوقت، وتضاد الحُكْمين، وتساوى الدليلين المتعارضين فى القوة، وعدم إمكان الجمع بينهما، وعدم كونهما قَطْعّيين. وقد اختلف فى وقوع التعارض" بين الأدلة الشرعية على مذاهب، أحدها: لا يجوز وقوعه بينها فى الواقع ونفس الأمر، ويجوز فى ظاهر النظر وعليه الجمهور. ثانيها: يجوز مطلقاً، وعليه ابن السبكى وجماعة، ثالثها: يجوز بين الأمارات ولا يجوز بين الأدلة القاطعة، وعليه البيضاوى والآمدى وغيرهما، والراجح منها مذهب الجمهور. والتعارض المظنون يدفع بطرق منها: الجمع بين الأدلة، والترجيح بينها عند عدم إمكان الجمع، ودعوى النسخ (٤). مثال للتعارض المتوهم بين الأدلة: ما ورد من نهى النبى ﷺ عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وظن تعارضه مع قوله ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٥) وقد جمع بينهما الإمام أحمد بأن جعل المجيز مخصصاً للمانع، والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد ١ - المصباح المنير، للفيومى ١/ ٤٧٨طبعة مصطفى الحلبى القاهرة ٢ - نهاية السول للإسنوى مع البدخشى٢/ ٢٠٧ مكتبة ومطبعة محمد على صبيح بمصر. ٣ - شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلى ٤/ ٦٠٥. ٤ - السابق ٤/ ٦٠٥وما بعدها ٥ - روى البخارى، ومسلم وأحمد عن أبى سعيد ﵁ أن النبى ﷺ قال:"لا صلاة بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وروى البخارى ومسلم عن عمر ﵁ أن النبى ﷺ " نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب " وروى مثل ذلك أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة (انظر: صحيح البخارى مع حاشية السندى ١/ ٧٦ صحيح مسلم بشرح النووى ٦/ ١١٠ مسند أحمد ١/ ١٨، ٣/ ٧ سنن أبى داود ٢/ ٢٩٤ - جامع الترمذى مع تحفة الأحوذى ١/ ٥٤٠ - سنن النسائى ١/ ٢٢٢/- سنن ابن ماجة ١/ ٣٩٥.

стр. 145

٣٩ - التعاون لغة: العون الظهير على الأمر، والجمع أعوان، وتعاونَّا: أعان بعضنا بعضا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان: كثير المعاونة للناس. واصطلاحا: فى علم الاجتماع هو التضامن والتعاضد. قال ابن خلدون: فلابد للإنسان فى تحصيل الغذاء والدفاع عن النفس من التعاون عليهم بأبناء جنسه، وما لم يكن هذا التعاون، فلا يحصل لهم قوت ولا غذاء ولا تتم حياته. وإذا كان له التعاون حصل له القوت للغذاء، والسلاح للمدافعة. وقد وردت مشتقات (عون) فى القرآن منها أعانه بمعنى ساعده وقواه، كقوله تعالى:﴾ وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ﴿(الفرقان ٤) والمستعان المطلوب منه العون﴾ والله المستعان على ما تصفون ﴿(يوسف ١٨). والإسلام يربى المسلمين عموما والناشئين خصوصاً على التعاون فى القيام بكل عمل يحقق مصلحة للمؤمنين، أو يدفع عنهم مضرة، وذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده فى غنى عن الناس بحال من الأحوال ومادام الإنسان محتاجا إلى غيره من الناس بالضرورة فهم كذلك محتاجون إليه، ولا يتم تبادل الاستجابة لتغطية هذه الحاجات إلا بالتعاون. والإسلام الحنيف قد قيد التعاون بقيد إنسانى رفيع القدر عالى القيمة، إذ شرط فيه أن يكون تعاونا على البر والتقوى، وحرمه إن كان تعاونا على الإثم والعدوان لقوله تعالى:﴾ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿(المائدة ٢) قال القرطبى: هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى أى ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ما أمر الله واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه. وقال الماوردى: ندب الله تعالى إلى التعاون على البر، وقرنه بالتقوى لأن فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ابن خويز منداد فى أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه: فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه، ويعينهم الغنى بماله، والشجاع بشجاعته فى سبيل الله، وأن يكون المسلمون كاليد الواحدة لقوله ﷺ " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". قال تعالى:﴾ والعصر إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴿(العصر ١ - ٣). قال الإمام الشافعى إن الناس أو أكثرهم فى غفلة عن تدبر هذه السورة، والتواصى بالحق تعاون عليه، والتواصى بالصبر تعاون عليه كذلك وكلاهما يقوى الروابط بين الناس. وإن هذا التعاون والتناصر هو الذى يغرس المحبة بين المسلمين، روى الإمام مسلم بسنده عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تتدابروا وكونوا عباد الله إخوانا". وقال الماوردى: واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة، لأن إعراضها عن جميعهم عطب، وإسعادها لكافتهم فساد، لائتلافهم بالاختلاف والتباين، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون، فإذا تساوى حينئذ جميعهم، لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وأما إذ تباينوا واختلفوا، صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة، لأن ذا الحاجة وصول والمحتاج إليه موصول قال تعالى:﴾ ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴿(هود ١١٨ - ١١٩) قال الحسن: مختلفين فى الرزق، هذا غنى وهذا فقير ولذلك خلقهم يعنى لاختلافهم بالغنى والفقر. والتعاون فى علم الاقتصاد مذهب اقتصادى شعاره الفرد للجماعة، والجماعة للفرد. ومظهره تكوين تعاونيات تقوم بعمل مشترك لمصلحة الأعضاء كتعاونيات الإنتاج، وتعاونيات المال وتعاونيات الاستهلاك. فتعاونيات الاستهلاك هى التى يتعاون أفرادها على شراء ما يحتاجون إليه بأسعار معتدلة تحذف منها أرباح الوسطاء، فهى تهدف إلى حماية المستهلكين، وتوفير حاجة المعيشة لهم، وضمان أسباب الرغد والرخاء، ووسيلته هو محو حلقة الوسطاء من سلسلة الاقتصاد القومى فيصبح المستهلكون موردين لأنفسهم بل مشترين وبائعين فى آن واحد، ويحصلون على حاجاتهم بسعر نفقة الإنتاج. (هيئة التحرير)
следующие страницы →