← Общие книги

Общие книги · id 434

شبهات المشككين

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (148 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٣٥- هل تناقض القرآن فى مادة خلق الإنسان ؟ يعطى القرآن معلومات مختلفة عن خلق الإنسان.. من ماء مهين (المرسلات: ٢٠) من ماء (الأنبياء: ٣٠) .. من نطفة (يس: ٧٧) .. من طين (السجدة: ٧) .. من علق (العلق: ٢) .. من حمأ مسنون (الحجر: ٢٦) .. ولم يك شيئًا (مريم: ٦٧) . فكيف يكون كل ذلك صحيحًا فى نفس الوقت؟ (انتهى) . الرد على الشبهة: ليس هناك أدنى تناقض بل ولا حتى شبهة تناقض بين ما جاء فى القرآن الكريم من معلومات عن خلق الإنسان.. وحتى يتضح ذلك، يلزم أن يكون هناك منهج علمى فى رؤية هذه المعلومات، التى جاءت فى عديد من آيات القرآن الكريم.. وهذا المنهج العلمى يستلزم جمع هذه الآيات.. والنظر إليها فى تكاملها.. مع التمييز بين مرحلة خلق الله للإنسان الأول آدم ﵇ ومرحلة الخلق لسلالة آدم، التى توالت وتكاثرت بعد خلق حواء، واقترانها بآدم، وحدوث التناسل عن طريق هذا الاقتران والزواج.. * لقد خلق الله الإنسان الأول ـ آدم ـ فأوجده بعد أن لم يكن موجودًا.. أى أنه قد أصبح " شيئًا " بعد أن لم يكن " شيئًا " موجودًا. وإنما كان وجوده فقط فى العلم الإلهى.. وهذا هو معنى الآية الكريمة (أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا) (١) . * أما مراحل خلق الله لآدم.. فلقد بدأت بـ[التراب] الذى أضيف إليه [الماء] فصار [طينًا] ثم تحول هذا الطين إلى [حمأ] أى أسود منتنًا، لأنه تغير والمتغير هو [المسنون] .. فلما يبس هذا الطين من غير أن تمسه النار سمى [صلصالاً] لأن الصلصال هو الطين اليابس من غير أن تمسه نار، وسمى صلصالاً لأنه يصلّ، أى يُصوِّت، من يبسه أى له صوت ورنين. وبعد مراحل الخلق هذه ـ التراب.. فالماء.. فالطين.. فالحمأ المسنون.. فالصلصال ـ نفخ الله فى " مادة " الخلق هذه من روحه، فغدا هذا المخلوق " إنسانًا " هو آدم ﵇. * وعن هذه المراحل تعبر الآيات القرآنية، فتصور تكامل المراحل ـ وليس التعارض المتوهم والموهوم ـ فتقول هذه الآية الكريمة: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) (٢) . فبالتراب كانت البداية (الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) (٣) . وذلك عندما أضيف الماء إلى التراب (فاستفتهم أهم أشد خلقًا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب) (٤) وذلك عندما زالت قوة الماء عن الطين، فأصبح " لازبًا " أى جامدًا. * وفى مرحلة تغير الطين، واسوداد لونه، ونتن رائحته، سمى [حمأً مسنونًا] ، لأن الحمأ هو الطين الأسود المنتن.. والمسنون هو المتغير.. بينما الذى (لم يَتَسَنَّه) هو الذى لم يتغير.. وعن هذه المرحلة عبرت الآيات: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) (٥) . تلك هى مراحل خلق الإنسان الأول، توالت فيها وتتابعت وتكاملت معانى المصطلحات: التراب.. والماء.. والطين.. والحمأ المسنون.. والصلصال.. دونما أية شبهة للتعارض أو التناقض. * وكذلك الحال والمنهاج مع المصطلحات التى وردت بالآيات القرآنية التى تحدثت عن خلق سلالة آدم ﵇. فكما تدرج خلق الإنسان الأول آدم من التراب إلى الطين.. إلى الحمأ المسنون.. إلى الصلصال.. حتى نفخ الله فيه من روحه.. كذلك تدرج خلق السلالة والذرية بدءاً من [النطفة]ـ التى هى الماء الصافى ـ ويُعَبَّرُ بها عن ماء الرجل [المنىّ] .. إلى [العَلَقَة] التى هى الدم الجامد، الذى يكون منه الولد، لأنه يعلق ويتعلق بجدار الرحم إلى [المضغة] وهى قطعة اللحم التى لم تنضج، والمماثلة لما يمضغ بالفم.. إلى [العظام] .. إلى [اللحم] الذى يكسو العظام.. إلى [الخلق الآخر] الذى أصبح بقدرة الله فى أحسن تقويم (٦) . ومن الآيات التى تحدثت عن توالى وتكامل هذه المراحل فى خلق وتكوين نسل الإنسان الأول وسلالته، قول الله : (يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدّكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا) (٧) . وقوله سبحانه: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر * فتبارك الله أحسن الخالقين) (٨) . * وإذا كانت [النطفة] هى ماء الرجل.. فإنها عندما تختلط بماء المرأة، توصف بأنها [أمشاج]ـ أى مختلطة ـ كما جاء فى قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا) (٩) . * كما توصف هذه [النطفة] بأنها [ماء مهين] لقلته وضعفه.. وإلى ذلك تشير الآيات الكريمة: (الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) (١٠) . (ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه فى قرار مكين * إلى قَدَرٍ معلوم * فقدرنا فنعم القادرون) (١١) . * وكذلك، وصفت [النطفة]ـ أى ماء الرجل ـ بأنه [دافق] لتدفقه واندفاعه.. كما جاء فى الآية الكريمة (فلينظر الإنسان مِمَّ خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب) (١٢) . هكذا عبر القرآن الكريم عن مراحل الخلق.. خلق الإنسان الأول.. وخلق سلالات وذريات هذا الإنسان.. وهكذا قامت مراحل الخلق، ومصطلحات هذه المراحل، شواهد على الإعجاز العلمى للقرآن الكريم. عندما جاء العلم الحديث ليصدق على هذه المراحل ومصطلحاتها، حتى لقد انبهر بذلك علماء عظام فاهتدوا إلى الإسلام. فكيف يجوز ـ بعد ذلك ومعه ـ أن يتحدث إنسان عن وجود تناقضات بين هذه المصطلحات.. لقد صدق الله العظيم إذ يقول: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) (١٣) .

стр. 37

٣٦- حول موقف القرآن من الشرك بالله يوضح القرآن أن الله لا يغفر أن يشرك به (سورة النساء آية: ٤٨) . ومع ذلك فقد غفر الله لإبراهيم ﵇ بل جعله نبيّا رغم أنه عبد النجوم والشمس والقمر (الأنعام: ٧٦ـ٧٨) . فما الإجابة؟ (انتهى) . الرد على الشبهة: الشرك محبط للعمل: (قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) (١) (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا) (٢) . والأنبياء والرسل هم صفوة الله من خلقه، يصطفيهم ويستخلصهم، ويصنعهم على عينه، وينزههم حتى قبل البعثة لهم والوحى إليهم عن الأمور التى تخل بجدارتهم للنبوة والرسالة.. ومن ذلك الشرك، الذى لو حدث منهم واقترفوه لكان مبررًا لغيرهم أن يقترفه ويقع فيه.. ولذلك، لم يرد فى القرآن الكريم ما يقطع بشرك أحد من الأنبياء والرسل قبل بعثته.. بمن فى ذلك أبو الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم ﵇. أما الآيات التى يشير إليها السؤال.. وهى قول الله : (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين * وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين * وحاجّه قومه قال أتحاجّونى فى الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئًا وسع ربى كل شىء علمًا أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) (٣) . أما هذه الآيات، فليس فيها دليل على أن إبراهيم ﵇ قد مر بمرحلة شرك، وحاشا لله أن يقع فى ذلك، وإنما هى تحكى كيف آتى الله إبراهيم الحجة على قومه.. حجة التوحيد، ودحض الشرك.. فهى حجاج وحوار يسلم فيه إبراهيم جدلاً ـ كشأن الحوار ـ بما يشركون، لينقض هذا الشرك، ويقيم الحجة على تهاوى ما به يحتجون، وعلى صدق التوحيد المركوز فى فطرته.. ليخلص من هذا الحوار والحجاج والاحتجاج إلى أن الخيار الوحيد المتبقى ـ بعد هذه الخيارات التى سقطت ـ هو التوحيد.. فهو حوار التدرج من توحيد الفطرة إلى التوحيد القائم على المنطق والبرهان والاستدلال، الذى فند دعاوى وحجج الخصوم.. والاستدلال اليقينى (وليكون من الموقنين (وليس فيه انتقال من الشرك إلى التوحيد. تلك هى الحقيقة التى رجحها المفسرون. * فالقرطبى، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى [٦٧١هـ ١٢٧٣م] يقول فى تفسيره [الجامع لأحكام القرآن]ـ مورد الآراء المختلفة حول هذا الموضوع: قوله تعالى: (هذا ربى (اختلف فى معناه على أقوال، فقيل: كان هذا منه فى مُهلة النظر وحال الطفوليّة وقبل قيام الحجة، وفى تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان. وقال قوم: هذا لا يصح، وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتى عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحِّد وبه عارف، ومن كل معبود سواه برئ. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وأتاه رشده من قبلُ، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو من المعرفة، بل عرف الرب أول النظر.. وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: (واجنبنى وبنىّ أن نعبد الأصنام) (٤) وقال : (إذ جاء ربه بقلب سليم) (٥) أى لم يشرك قط.. لقد قال: (هذا ربى (على قول قومه، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر. ونظير هذا قوله تعالى: (أين شركائى) (٦) . وهو جل وعلا واحد لا شريك له، والمعنى: أين شركائى على قولكم.. وقيل: إنما قال: (هذا ربى (لتقرير الحُجة على قومه، فأظهر موافقتهم، فلما أفل النجم قرّر الحُجة، وقال: ما تَغَيَّرَ لا يجوز أن يكون ربًّا، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها. ومن أحسن ما قيل فى هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال فى قوله : (نور على نور) (٧) قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله ويستدل عليه بقلبه، فإذا عرفه ازداد نورًا على نور، وكذلك إبراهيم ﵇، عرف الله بقلبه واستدل عليه بدلائله، فعلم أن له ربًّا وخالقًا. فلما عرَّفه الله بنفسه ازداد معرفة فقال: (أتحاجونى فى الله وقد هدان (. وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، منكرًا لفعلهم، والمعنى: أهذا ربى، أو مثل هذا يكون ربًّا؟! فحذف الهمزة. وفى التنزيل: " (أفإن مت فهم الخالدون) (٨) . أى أفهم الخالدون؟.. " (٩) . * ومع هذا الرأى أيضًا الزمخشرى، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمى [٤٦٧ ـ ٥٣٨هـ ١٠٧٥ ـ ١١٤٤م] ، صاحب تفسير [الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل] الذى يقول فى تفسير هذه الآيات: " وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ فى دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرِّفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إلى أن شيئًا منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها مُحْدِثًا أحدثها وصانعًا صنعها ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ". (هذا ربى (: قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشَّغَب، ثم يكرُّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحُجة. (لا أحب الآفلين (: لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المنتقلين من مكان إلى مكان، المحتجبين بستر، فإن ذلك من صفات الأجْرام. (لئن لم يهدنى ربى (: تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكواكب فى الأفول فهو ضال، وأن الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه.. (إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض (أى للذى دلت هذه المحدثات عليه وعلى أنه مبتدئها ومبدعها (١٠) . * وعلى هذا الرأى أيضًا من المحدثين ـ الشيخ عبد الوهاب النجار [١٢٧٨ـ١٣٦٠هـ،١٨٦٢ـ١٩٤١م]ـ صاحب [قصص الأنبياء]ـ الذى يقول: " لقد أتى إبراهيم فى الاحتجاج لدينه وتزييف دين قومه بطريقة التدرج فى الإلزام أو التدرج فى تكوين العقيدة.. " (١١) . وذلك هو موقف إبراهيم الخليل ﵇ من الشرك.. لقد عصمه الله منه.. وإنما هى طريقة فى الجدال يتدرج بها مع قومه، من منطلقاتهم ليصل إلى هدم هذه المنطلقات، وإلى إقامة الدليل العقلى على عقيدة التوحيد الفطرية المركوزة فى القلوب.

стр. 38

٣٧- حول عصيان إبليس وهو من الملائكة الذين لا يعصون الله يؤكد القرآن أنه لا يمكن للملائكة أن تعصى الله [التحريم: ٦] ومع ذلك فقد عصى إبليس الذى كان من الملائكة، كما فى الآية [البقرة: ٣٤] فأيهما صحيح؟. (انتهى) . الرد على الشبهة: الملائكة مخلوقات مجبولة على طاعة الله وعبادته والتسبيح له وبه.. فهم لا يعصون الله : (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (١) . ومع تقرير هذه الآية أن هؤلاء الملائكة القائمين على النار [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] يقرر القرآن الكريم أن إبليس ـ وهو من الملائكة ـ فى قمة العصيان والعصاة: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) (٢) . وهناك إمكانية للجمع بين معانى الآيتين، وذلك بأن نقول: إن عموم الملائكة لا يعصون الله فهم مفطورون ومجبولون على الطاعة.. لكن هذا لا ينفى وجود صنف هم الجن ـ ومنهم إبليس، شملهم القرآن تحت اسم الملائكة ـ كما وصف الملائكة أيضًا بأنهم جِنَّة ـ لخفائهم واستتارهم ـ وهذا الصنف من الجن، منهم الطائعون ومنهم العصاة.. وفى تفسير الإمام محمد عبده [١٢٦٥ ـ ١٣٢٣هـ،١٨٤٩ ـ ١٩٠٥م] لآية [لبقرة: ٣٤] يقول: " أى سجدوا إلا إبليس، وهو فرد من أفراد الملائكة، كما يفهم من الآية وأمثالها فى القصة، إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن.. وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلاً جوهريًا يميز أحدهما عن الآخر، وإنما هو اختلاف أصناف، عندما تختلف أوصاف. فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة. وقد أطلق القرآن لفظ الجنَّة على الملائكة، على رأى جمهور المفسرين فى قوله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) (٣) . وعلى الشياطين فى آخر سورة الناس " (٤) . ونحن نجد هذا الرأى أيضًا عند القرطبى ـ فى تفسيره [الجامع لأحكام القرآن] فيقول: " وقال سعيد بن جبير: إن الجن سِبْط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم، وخُلق سائر الملائكة من نور.. والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها. وفى التنزيل: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) (٥) وقال الشاعر أعشى قيس ـ فى ذكر سليمان ﵇: وسَخَّر من جنّ الملائكة تسعة قيامًا لديه يعملون بلا أجر (٦) . فلا تناقض إذًا بين كون الملائكة لا يعصون الله.. وبين عصيان إبليس.. وهو من الجن، الذين أطلق عليهم اسم الملائكة ـ فهو مثله كمثل الجن هؤلاء منهم الطائعون ومنهم العصاة.

стр. 39

٣٨- حول عصيان البشر: مع أنهم من المخلوقات الطائعة القانتة لله كل المخلوقات فى السموات والأرض طائعة وقانتة لله تعالى [الروم: ٢٦] ومع ذلك نجد حالات كثيرة من عدم الطاعة من جانب البشر مثلاً: [الحاقة: ١٠] . (انتهى) . الرد على الشبهة: كل المخلوقات فى السموات والأرض، طائعة وقانتة لله (وله من فى السموات والأرض كل له قانتون) (١) . فهم قانتون لله، أى خاضعون ومطيعون لإرادته ومع ذلك يشهد الواقع، وتحكى الآيات القرآنية الكثير من حالات العصيان وعدم الطاعة من جانب البشر وذلك من مثل قوله سبحانه: (وجاء فرعون ومن قَبْلَه والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) (٢) . ففى هذه الآية وحدها إشارات إلى عصيان فرعون.. وعصيان من سبقه من المؤتفكات ـ أى قُرى قوم لوط ـ الذين أخذهم الله أخذة رابية، أى زائدة فى الشدة على غيرها. بل إن تاريخ الإنسان هو صراع بين أهل العصيان.. حتى أن المأثور النبوى الشريف قد تحدث عن أن كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. فكيف يتسق شيوع العصيان فى البشر، مع الآية القرآنية التى تحدثت عن أن كل من فى السموات والأرض قانتون ـ أى خاضعون ومطيعون ـ لله ؟.. إن مفتاح الإجابة عن هذا التساؤل، هو فهم أنواع الإرادة الإلهية والقضاء الإلهى.. فالله سبحانه لا يريد العصيان، ولا يقضى بالشر.. لكن إرادته وقضاءه نوعان: ١ ـ إرادة وقضاء تكوينى وحتمى للمخلوقات غير المُخَيَّرة.. وذلك مثل القضاء الذى تتحدث عنه الآية: (فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها) (٣) . (وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون) (٤) . ففى هذا اللون من الأمر الإلهى والقضاء الربانى تكون المخلوقات غير المختارة مجبولة على القنوت والطاعة والخضوع لله .. ٢ ـ إرادة وقضاء معهما تخيير..وذلك خاص بالإنسان المُخَيَّر..المكلف.. المسئول والذى له ـ بسبب هذا التخيير والحرية ـ حساب وجزاء. وإلى مثل هذا تشير الآيتان: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) (٥) . فنحن هنا أمام قضاء إلهى، شاء الله أن يترك للإنسان المخير إزاءه حرية الطاعة والعصيان ليتميز الخبيث من الطيب، وليكون الجزاء وفق العمل والإرادة والاختيار.. فالإنسان المُخَيَّر، الذى هداه الله النجدين، له قدرات واستطاعات الطاعة والعصيان.. ولذلك كان من جنس الإنسان المؤمن والكافر، والمطيع والعاصى ومن يبتغى وجه الله ومن يبتغى غير دين الله.. بينما المخلوقات غير المختارة مجبولة على الطاعة والخضوع (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) (٦) ، وقوله تعالى: (ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعًا وكرهًا) (٧) ، وقوله : (ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين) (٨) . ففى مخلوقات الله مخلوقات مجبولة على الطاعة والخضوع.. وفى هذه المخلوقات مخيرون، منهم من يطيع ومنهم من يختار العصيان، فيبتغى غير دين الله!.

стр. 40

٣٩- حول مدة خلق السموات والأرض توضح كثير من سور القرآن أن السموات والأرض قد خلقت فى ستة أيام. وهنا مشكلتان: الأولى: أنه من الثابت علميًا أن خلق السموات والأرض قد استغرق بلايين السنين. الثانية: أنه فى التعبير القرآنى نفسه كانت مدة الخلق ثمانية أيام بدلاً من ستة [فصلت: ٩ـ١٢] . فكيف يمكن التوفيق بين هذه الآيات؟. (انتهى) . الرد على الشبهة: فى كثير من السور القرآنية تتحدث آيات كثيرة عن خلق الله السموات والأرض وتقدير ما فيهما فى ستة أيام.. ومن هذه الآيات: (إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام) (١) . (وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام) (٢) . (الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام) (٣) . (الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام) (٤) . (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام) (٥) . (هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام) (٦) . * وليس هناك تعارض بين تحديد زمن الخلق للسموات والأرض فى ستة أيام، وبين ما يراه العلم من استغراق ذلك الخلق بلايين السنين، ذلك أن المدى الزمنى " لليوم " عند الله، ليس هو المدى الزمنى " لليوم " فى العرف والتقويم الذى تعارف عليه الإنسان فى هذه الحياة الدنيا. وفى القرآن الكريم آيات شاهدة على ذلك منها: (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شىء قدير) (٧) . فبعض اليوم، فى حساب الإنسان ـ هنا ـ بلغ مائة عام.. أى قرابة ٣٧٠٠٠ يوم! وكذلك الحال فى قصة أهل الكهف.. فما حسبوه يومًا أو بعض يوم قد بلغ ثلاثمائة عام بالتقويم الشمسى وثلثمائة وتسعة أعوام بالتقويم القمرى.. (قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) (٨) ، (ولبثوا فى كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعًا * قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا) (٩) . * وكذلك الحال يوم ينفخ فى الصور ـ يوم البعث ـ يحسب بعض المجرمين أن مكثهم فى الدنيا لم يتجاوز عشر ليالٍ.. بينما يحسب آخرون منهم أن مكثهم لم يتعد اليوم الواحد: (يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يوميئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) (١٠) . * أما عند الله، فإن لمصطلح " اليوم " مدى لا يعلم حقيقة طوله وأمده إلا هو: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون) (١١) . والآية لا تحدده بألف سنة مما نعد نحن فى تقويمنا.. وإنما تستخدم أداة التشبيه ـ الكاف ـ (كأَلْف) ليظل المدى غير معلوم لنا فى هذه الحياة.. وغير ممكن التحديد بوحداتنا نحن فى القياس الزمنى. فيوم الدين ـ الجزاء ـ.. وأيام الله.. والأيام الستة التى خلق الله فيها السموات والأرض.. مداها ـ بمقاييس أيامنا نحن ـ لا يعلمها إلا الله، .. * ثم إن ما اكتشفه العلم من سرعات للصوت.. وسرعات للضوء.. وزمن للضوء ـ سنة ضوئية ـ يجعل تفاوت واختلاف المفاهيم والمقاييس لمصطلح " اليوم " أمرًا مقررًا ومألوفًا. هذا عن المشكلة الأولى من مشكلتى السؤال.. أما المشكلة الثانية ـ من مشكلتى السؤال ـ والخاصة بحديث بعض الآيات القرآنية عن أن الخلق للسموات والأرض قد يفهم على أنه قد استغرق ثمانية أيام، وليس ستة أيام.. وهى آيام سورة فصلت: (قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم) (١٢) . هذه " المشكلة " لا وجود لها!.. فليس هناك تناقض ولا تفاوت بين المدة الزمنية التى جاءت فى هذه الآيات وبين الآيات الأخرى التى ورد فيها تحديد الأيام الستة.. ففى هذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ نجد أن الله يخبرنا بأنه: (خلق الأرض فى يومين (. ثم (جعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها (فى تمام (أربعة أيام (.. أى فى يومين آخرين يضافان إلى اليومين اللذين خلق فيهما الأرض، فيكون المجموع أربعة أيام.. وليس واردًا أن يكون خلق الرواسى وتقدير الأقوات قد استغرق أربعة أيام.. ولعل الشبهة ـ التى جاءت فى السؤال ـ قد أتت من هنا.. أى من توهم إضافة أربعة إلى اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض، فيكون المجموع ستة.. وإذا أضيف إليها اليومان اللذان خلقت فيهما السماء (فقضاهن سبع سموات فى يومين (يكون المجموع ثمانية أيام، وليس ستة أيام.. لكن إزالة هذه الشبهة متحققة بإزالة هذا الوهم.. فالأرض خلقت فى يومين.. وخلق الرواسى وتقدير الأقوات قد استغرق ما تمم اليومين أربعة أيام.. أى استغرق هو الآخر يومين.. ثم استغرق خلق السموات السبع يومين.. فكان المجموع ستة أيام من أيام الله، .. ولقد نبه المفسرون على هذه الحقيقة ـ المزيلة لهذا الوهم ـ فقال القرطبى: " (فى أربعة أيام (. ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد فى عشرة أيام وإلى الكوفة فى خمسة عشر يومًا، أى فى تتمة خمسة عشر يومًا " (١٣) . وقال الزمخشرى: " (فى أربعة أيام (فذلكة (١٤) لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك فى أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.. وقال الزجاج: فى تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين " (١٥) . فهذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ تؤكد هى الأخرى ـ على أن خلق السموات والأرض إنما تم فى ستة أيام.. ومن ثم فلا تناقض بين آيات القرآن ولا تفاوت فى مدة الخلق الإلهى للسموات والأرض.. وحاشا أن يكون شىء من ذلك فى الذكر الحكيم.

стр. 41

٤٠- حول خلاف القرآن للكتاب المقدس فى أسماء بعض الشخصيات التاريخية يعطى القرآن أسماء لبعض الشخصيات التاريخية مخالفة لأسمائهم حسب الكتاب المقدس الذى سبق القرآن بعدة قرون. فمثلاً والد إبراهيم ﵇ كان اسمهم Teral أو " تارح "، ومع ذلك يسميه القرآن آزر. واسم الذى كان يوسف ﵇ فى بيته Potiphar أما الاسم المعطى له فى القرآن فهو " عزيز " [يوسف: ٣٠] . (انتهى) . الرد على الشبهة: أولاً: لا يصح أن نجعل من الكتاب المقدس حجة على القرآن ومرجعية له.. لأن الثابت ـ حتى فى الدراسات التى قام بها كثير من علماء اليهود والنصارى أن هذا الكتاب المقدس قد أعيدت كتابته، وأصابه التحريف.. كما أن ترجماته قد أدخلت عليه تغييرات وتصحيفات وخاصة فى أسماء الأماكن والأشخاص.. وثانيًا: لأن القرآن قد تمتع بمستوى من الحفظ والتوثيق والتواتر فى النقل جعله الوحى الوحيد الصحيح على ظهر هذا الكوكب الذى نعيش عليه.. فهو الحاكم والمرجع لكل ما عداه من النصوص الدينية الأخرى.. وفى هذا الإطار.. ومن هذا المنطلق نناقش الشبهات التى يثيرها هذا السؤال.. فنقول: * بالنسبة لاسم والد الخليل إبراهيم ﵇ لا تختلف معظم المصادر الإسلامية ـ سواء منها تفاسير القرآن، أو قصص الأنبياء على أن " آزر " ليس اسم والد إبراهيم.. وعلى أن اسمه " تارح " ومن العلماء من يرى أن " آزر " اسم صنم، وأن الآية خطاب استنكارى لعبادة والد إبراهيم لهذا الصنم، تقدم المفعول فى هذا الخطاب.. والمعنى أتتخذ آزر إلها ومعبودًا؟.. ومن العلماء من يرى أن " آزر " لقب أطلق على " تارح " بعد أن عمل فى حاشية الملك الذى كان حاكمًا فى ذلك التاريخ.. ونحن نقرأ ـ حول هذه القضية ـ فى تفسير القرطبى: " قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) تكلَّم العلماء فى هذا، فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجوينى الشافعى الأشعرى فى النكت من التفسير له: وليس بين الناس اختلاف فى أن اسم والد إبراهيم تارح. والذى فى القرآن يدل على أن اسمه آزر.. وقيل: آزر اسم صنم كأنه قال: وإذا قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها، أتتخذ أصنامًا آلهة.. قلتُ ـ[أى القرطبى] ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق. فقد قال محمد بن إسحاق والكلبى والضحاك: إن آزر أبو إبراهيم ﵇ وهو تارح، مثل إسرائيل ويعقوب. قلتُ: فيكون له اسمان. وقال مقاتل: آزر لقب، وتارح اسم. وحكاه الثعلبى عن ابن إسحاق القشيرى. ويجوز أن يكون العكس.. وقال الجوهرى: آزر اسم أعجمى، وهو مشتق من آزر فلان فلانًا إذا عاونه، فهو مؤازرٌ قومه على عبادة الأصنام.. وقال مجاهد ويمانٍ: آزر اسم صنم، أى أتتخذ آزر إلها. أتتخذ أصنامًا.. وقال الثعلبى فى كتاب العرائس: إن اسم أبى إبراهيم الذى سماه به أبوه تارح، فلما صار مع النمرود قيِّمًا على خزانة آلهته سماه آزر. وقال مجاهد إن آزر ليسباسم أبيه وإنما هو اسم صنم، وهو إبراهيم ابن تارح بن ناخور بن ساروع ابن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇ " (١) . ونفس التفسيرات الموضحة لهذه الشبهة نجدها فى [قصص الأنبياء] : " قال السيد المرتضى الزبيدى ـ فى " ص ١٢ ج٢ تاج العروس ": روى عن مجاهد فى قوله تعالى: (آزر أتتخذ أصنامًا) قال: لم يكن بأبيه، ولكن آزر اسم صنم، فموضعه نَصْبٌ على إضمار الفعل والتلاوة كأنه قال: " وإذ قال إبراهيم أتتخذ آزر إلها، أى أتتخذ أصنامًا آلهة ". وقال الصغانى: " التقدير أتتخذ آزر إلها ". وقد نقل شيخ العروبة المرحوم أحمد زكى باشا عبارة تاج العروس السابقة فى أول كتابه " تكملة كتاب الأصنام لابن الكلبى ". وهذا القول الذى قاله مجاهد أولى الأقوال عندى بالقبول. وعلى ذلك يكون والد إبراهيم لم يذكر باسم العَلَمى فى القرآن الكريم. ومما يستأنس له بأن " آزر " اسم إله أننا نجد فى الآلهة القديمة عند المصريين الإله " أوزوريس " ومعناه الإله القوى المعين، وقد كانت الأمم السالفة يقلد بعضهم بعضًا فى أسماء الآلهة.. " (٢) . فليست هناك مشكلة، إذن، حول هذا الموضوع. أما الشبهة الثانية فى هذا السؤال، والخاصة باسم الذى اشترى وآوى يوسف ﵇ فى بيته، والذى أطلق عليه القرآن الكريم اسم " عزيز " بينما سماه الكتاب المقدس Potiphar.. فإنها لا تمثل، هى الأخرى، مشكلة من المشكلات. ذلك أن منصب هذا الذى آوى يوسف كان " رئاسة الشرطة ".. واسمه " فوطيفار ".. ولقبه " العزيز " فلا تناقض بين أسماء التعريف به هذه.. ولقد تناولت ذلك المصادر الإسلامية.. ففى [قصص الأنبياء] : " وكان سيده رئيس شرطة المدينة، واسمه " فوطيفار "، ويعبر عن منصبه فى العبرية بـ " سرها طباحيم "، أى رئيس الشرطة.. " (٣) . وفى تفسير القرطبى: " قال الضحاك: هذا الذى اشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز.. واسمه قطفير. وقال ابن إسحاق: إطفير. اشتراه لامرأته.. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر.. وكان هذا العزيز الذى اشترى يوسف على خزائن الملك.. " (٤) . أما الخلافات والاختلافات الطفيفة فى نطق الاسم فهى واردة، بسبب النقل من لغة إلى لغة.. ومن لهجة إلى لهجة.. وبسبب النسخ للمخطوطات. والتصحيف والتحريف.. فلا مشكلة..، إذن، حول هذه الأسماء.

стр. 42

٤١- حول تسمية القرآن الكريم مريم " أخت هارون " واختلافه فى ذلك مع الكتاب المقدس يسمى القرآن والدة المسيح ﵇ باسم " أخت هارون " [مريم: ٢٨] ولعل محمدًا ﷺ ، خلط بين مريم أم المسيح، ومريم أخرى كانت أختًا لهارون الذى كان أخًا لموسى ﵇ ومعاصرًا له، ولا يوجد مثل هذا التناقض فى الكتاب المقدس. (انتهى) . الرد على الشبهة: يتحدث القرآن الكريم عن مريم ـ أم المسيح ﵉، باسم " أخت هارون ".. وذلك فى سورة مريم، فيقول مخاطبًا إياها فى الآية: ٢٨: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سَوْءٍ وما كانت أمك بغيًّا (.. وليس لهذه التسمية ذكر فى الإنجيل. بل الثابت ـ فى القرآن والأناجيل ـ أن مريم هى ابنة عمران (ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها) (١) . وعمران هذا هو من نسل داود ﵇ أى من سبط ونسل " يهوذا "، وليس من سبط ونسل " هارون " سبط " اللاويين " فكيف دعاها القرآن " أخت هارون "؟. هذا هو التساؤل والاعتراض الذى يورده البعض شبهة على القرآن الكريم.. والحقيقة التى تفهم من السياق القرآنى، أن تسمية مريم بـ " أخت هارون "، ليست تسمية قرآنية وإنما هى حكاية لما قاله قومها لها، وما خاطبوها ونادوها به عندما حملت بعيسى ﵇ عندما استنكروا ذلك الحمل، واتهموها فى عرضها وشرفها وعفافها.. فقالوا لها: (يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سَوْء وما كانت أمك بغيًا) (٢) . فلماذا نسبها قومها إلى هارون؟. يختلف المفسرون فى التعليل.. فمنهم من يقول إن هارون ـ المشار إليه ـ كان رجلاً فاسقًا، اشتهر بفسقه، فنسبها قومها إليه، إعلانًا عن إدانتهم لها. ومن المفسرين من يقول إن هارون هذا كان رجلاً صالحًا، مشهورًا بالصلاح والعفة.. فنسبها قومها إليه سخرية منها، وتهكمًا عليها، وتعريضًا بما فعلت، واستهزاء بدعواها الصلاح والتقوى والتبتل فى العبادة بينما هى ـ فى زعمهم ـ قد حملت سفاحًا.. وقيل: إنه كان لها أخ من أبيها اسمه هارون وكان من عُبّاد وصلحاء بنى إسرائيل ـ فنسبوها إليه ـ.. واسم هارون من الأسماء الشائعة فى بنى إسرائيل (٣) . والشاهد ـ من كل ذلك ـ أن هذه التسمية لمريم بـ " أخت هارون "، ليست خبرًا قرآنيًا، وإنما هى حكاية من القرآن الكريم لما قاله قومها.. وهذه الاحتمالات التى ذكرها المفسرون، تعليلاً لهذه التسمية هى اجتهادات مستندة إلى تراث من التاريخ والقصص والمأثورات.

стр. 43

٤٢- حول خلاف القرآن للكتاب المقدس فى عصر نمرود حسب قول القرآن والمفسرين ألقى نمرود بإبراهيم فى النار [الأنبياء: ٦٨ـ٦٩] وليس من المعقول أن يكون نمرود حيًّا فى زمن إبراهيم ﵇[الكتاب المقدس ـ سفر التكوين ٨: ١٠، ١١، ١٠: ٢٢ـ٢٥، ١١: ١٣ـ٢٦] . (انتهى) . الرد على الشبهة: فى قصص القرآن الكريم عن إبراهيم الخليل ﵇ مشاهد عديدة.. منها معجزة نجاته من التحريق بالنار، بعد أن حطم أصنام قومه التى يعبدونها: (قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كونى بردًا وسلامًا على إبراهيم * وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين) (١) . ويحكى القرآن محجّة إبراهيم للملك ـ فى سورة البقرة: (ألم تر إلى الذى حاجّ إبراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين) (٢) . والقرآن الكريم لم يسم الملك الذى حاج إبراهيم فى ربه؛ لأن قصد القرآن من القصص هو مضمون المحاجّة، والعبرة منها.. واسم الملك لا يقدم ولا يؤخر فى المضمون والعِبرة. أما تسمية هذا الملك ـ الذى حاجّه إبراهيم ـ بـ " النّمروذ " والاختلاف فى نطق اسمه. ومدة ملكه.. فجميعها قصص تاريخى، أورده المفسرون.. فهو غير ملزم للقرآن الكريم (٣) .. ومن ثم لا يصح أن يورد ذلك كشبهة تثار ضد القرآن.. فليس لدينا فى التاريخ الموثق والمحقق ما يثبت أو ينفى أن اسم الملك الذى حاجّ إبراهيم الخليل فى ربه هو " النّمروذ ". وإنما هو قصص تاريخى يحتاج إلى تحقيق.. ولقد راجعتُ العهد القديم، فى المواضع التى جاء ذكرها فى السؤال [سفر التكوين الإصحاح ٨: ١٠، ١١ والإصحاح ١٠: ٢٢ـ٢٥ والإصحاح ١١: ١٣ـ٢٦] وهى تحكى عن قبائل نوح، ومواليد ابنه سام، فلم أجد فيها ذكر الملك " النّمروذ ". وفى [دائرة المعارف الإسلامية] التى كتبها المستشرقون ـ وقد حرر مادة " إبراهيم " فيها " ج. إيزبرغ " ـ يأتى ذكر الملك نمروذ فى قصة إبراهيم دون اعتراض.. وفى أثنائها إشارات إلى مصادر عبرية أشارت إلى النمروذ ـ منها [دلالة الحائرين ـ لموسى بن ميمون ـ الفصل ٢٩] .. ومنها " سفر هياشار " فصل نوح.. وتأتى الإشارة إلى " نمرود " الملك فى سفر التكوين ـ بالعهد القديم ـ الإصحاح ١٠: ٨ـ١١ باعتباره " الذى ابتدأ يكون جبارًا فى الأرض ".. وبه كان يُضرب المثل فى التجبر.. " وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكدّ وكلنة من أرض شنغار. من تلك الأرض خرج أشور وبنى نينوى.. " إلخ.. إلخ.. وأخيرًا.. فليس هناك ما يمنع تكرار لاسم " نمروذ " لأكثر من ملك فى أكثر من عصر وتاريخ.. ويبقى أن الشبهة ـ إذًا كانت هناك شبهة ـ خاصة بالقصص التاريخى.. ولا علاقة لها بالقرآن الكريم..

стр. 44

٤٣- حول الإسكندر ذى القرنين .. وهل كان عبدًا صالحًا؟ أم من عبدة الأوثان؟ يمدح القرآن الإسكندر الأكبر (ذو القرنين) كعبد صالح يؤمن بالله [الكهف: ٨٧ـ٨٨] . ولكن جميع مؤرخى الإغريق يجمعون على أنه كان من عبدة الأوثان. فكيف يصح ذلك؟. (انتهى) . الرد على الشبهة: فى القرآن الكريم ـ بسورة الكهف: ٨٣ـ٩٨ حكاية ذى القرنين: (ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرًا * إنا مَكّنَّا له فى الأرض وآتيناه من كل شىء سببًا) (١) إلى آخر الآيات. وخلال هذه الآيات يتبدى عدل " ذو القرنين " فيقول: (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) (٢) . تلك هى تسمية القرآن الكريم لهذا الملك " ذو القرنين ". أما أن ذا القرنين هذا هو الإسكندر الأكبر المقدونى [٣٥٦ـ٣٢٤ق. م] فذلك قصص لم يخضع لتحقيق تاريخى.. بل إن المفسرين الذين أوردوا هذا القصص قد شككوا فى صدقه وصحته.. فابن إسحاق [١٥١هـ ٧٦٨م]ـ مثلاً ـ يروى عن " من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذى القرنين " أنه كان من أهل مصر، وأن اسمه " مرزبان بن مردية اليونانى ". أما الذى سماه " الإسكندر " فهو ابن هشام [٢١٣هـ ٨٢٨م]ـ الذى لخص وحفظ [السيرة]ـ لابن إسحاق ـ.. وهو يحدد أنه الإسكندر الذى بنى مدينة الإسكندرية، فنسبت إليه. وكذلك جاءت الروايات القائلة إن " ذو القرنين " هو الإسكندر المقدونى عن " وهب بن مُنبِّه " [٣٤ـ١١٤هـ ٦٥٤ـ٧٣٢م] (٣) وهو مصدر لرواية الكثير من الإسرائيليات والقصص الخرافى. ولقد شكك ابن إسحاق ـ وهو الذى تميز بوعى ملحوظ فى تدوين ونقد القصص التاريخى ـ شكك فيما روى من هذا القصص ـ الذى دار حول تسمية ذى القرنين بالإسكندر، أو غيره من الأسماء.. وشكك أيضًا فى صدق ما نسب للرسول ﷺ حول هذا الموضوع.. وذلك عندما قال ابن إسحاق: " فالله أعلم أى ذلك كان؟.. أقال رسول الله ﷺ ذلك أم لا؟ ". ويثنى القرطبى على شك وتشكيك ابن إسحاق هذا، عندما يورده، ثم يقول: " والحق ما قال ".. أى أن الحق هو شك وتشكيك ابن إسحاق فى هذا القصص، الذى لم يخضع للتحقيق والتمحيص وإن يكن موقف ابن إسحاق هذا، وكذلك القرطبى، هو لون من التحقيق والتمحيص. فليس هناك، إذًا ما يشهد على أن الإسكندر الأكبر المقدونى ـ الملك الوثنى ـ هو ذو القرنين، العادل، والموحد لله..

стр. 45

٤٤- حول غروب الشمس فى عين حمئة ومخالفة ذلك للحقائق العلمية تغرب الشمس فى عين حمئة، حسب القرآن [الكهف: ٨٦] وهذا مخالف للعلم الثابت. فكيف يقال إن القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة؟ (انتهى) . الرد على الشبهة: فى حكاية القرآن الكريم لنبأ " ذو القرنين " حديث عن أنه إبان رحلته: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قومًا..) (١) . والعين الحمئة، هى عين الماء ذات الحمأ، أى ذات الطين الأسود المنتن. ولما كان العلم الثابت قد قطعت حقائقه بأن الأرض كروية، وأنها تدور حول نفسها وحول الشمس، فإن غروب الشمس ليس اختفاء فى عين أو غير عين، حمئة أو غير حمئة.. والسؤال: هل هناك تعارض بين حقائق هذا العلم الثابت وبين النص القرآنى؟. ليس هناك أدنى تعارض ـ ولا حتى شبهة تعارض ـ بين النص القرآنى وبين الحقائق العلمية.. ذلك أن حديث القرآن هنا هو عن الرؤية البصرية للقوم الذين ذهب إليهم ذو القرنين، فمنتهى أفق بصرهم قد جعلهم يرون اختفاء الشمس ـ غروبها ـ فى هذه البحيرة ـ العين الحمئة ـ.. وذلك مثل من يجلس منا على شاطئ البحر عند غروب الشمس، فإن أفق بصره يجعله يرى قرص الشمس يغوص ـ رويدًا رويدًا ـ فى قلب ماء البحر. فالحكاية هنا عما يحسبه الرائى غروبًا فى العين الحمئة، أو فى البحر المحيط.. وليست الحكاية عن إخبار القرآن بالحقيقة العلمية الخاصة بدوران الأرض حول الشمس، وعن ماذا يعنيه العلم فى مسألة الغروب. وقد نقل القفال، أبو بكر الشاشى محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر [٤٢٩ـ٥٠٧هـ /١٠٣٧ـ١١١٤م] عن بعض العلماء تفسيرًا لهذه الرؤية، متسقًا مع الحقيقة العلمية، فقال: " ليس المراد أنه [أى ذو القرنين] انتهى إلى الشمس مشرقًا ومغربًا حتى وصل إلى جِرْمها ومسَّها.. فهى أعظم من أن تدخل فى عين من عيون الأرض، بل هى أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة. وإنما المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة [أى البقاع المعمورة والمأهولة] من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها فى رأى العين تغرب فى عين حمئة، كما أنا نشاهدها فى الأرض الملساء كأنها تدخل فى الأرض، ولهذا قال: (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سِترا) (٢) . ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسّهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم.. " (٣) . فالوصف هو لرؤية العين، وثقافة الرائى.. وليس للحقيقة العلمية الخاصة بالشمس فى علاقتها بالأرض ودورانها، وحقيقة المعنى العلمى للشروق والغروب. فلا تناقض بين النص القرآنى وبين الثابت من حقائق العلوم..

стр. 46

٤٥- حول حفظ الله للذكر وهل الذكر هو كل القرآن؟ أم بعض القرآن ؟ هناك من لا يؤمنون بأن القرآن قد حفظ، كما تقول الآية الكريمة: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ، ويقولون: قد يكون الذكر جزءً امن القرآن، وليس كله. ويستدلون بكلام لعمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ بأنه أقسم على أن هناك آية فى القرآن تتحدث عن الرجم ـ وهذه الآية غير موجودة ـ وأن غنمه أكلت ورقة من القرآن كانت بيد عائشة رضى الله عنها (انتهى) . الرد على الشبهة: وفى الجواب عن هذه الشبهة نسأل: لماذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب؟. لقد كان ذلك رعاية من الله لخلقه.. ولطفًا بهم.. وحتى يكون حسابه لهم ـ كى لا يتساوى المحسن والمسىء ـ وجزاؤه إياهم على أفعالهم عدلاً إلهيًا خالصًا.. (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (١) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (٢) . (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (٣) . وقبل ختم النبوة والرسالة، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم فى هذا التكليف: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (٤) .لكنهم فرطوا فى القيام بتكليف الحفظ للكتب بالنسيان حينًا وبالتحريف والإخفاء حينًا آخر: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (٥) . وعندما كانوا يحرفون هذه الكتب، أو ينسون بعضها ويخفون البعض الآخر، كان الله يبعث رسولاً جديدًا بكتاب جديد.. أما عندما أراد الله مع بلوغ الإنسانية سن الرشد ـ ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد ﷺ ، فكان لابد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف، ولا يليق به النسيان.. أى كان لابد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد. لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر، الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب، حيث لا وحى سيأتى ولا رسول سيبعث ولا كتاب سينزل.. الأمر الذى لو حدث ـ افتراضًا ـ سيضل الناس ولا رعاية لهم، ولا حُجة عليهم، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلاً إلهيًا مناسبًا. ولذلك، انتقلت مهمة حفظ الوحى الخاتم ـ القرآن الكريم ـ فى الرسالة الخاتمة إلى الله الذى لا يتخلف حفظه أبدًا، بعد أن كانت هذه المهمة فى الرسالات السابقة، استحفاظًا من الله للناس، أى طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب. فكان الوعد الإلهى المؤكد: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٦) . ولذلك هيأ الله لتدوين القرآن الكريم من كتبة الوحى ما لم يتهيأ لكتاب سابق.. وجعل جمعه وعدًا إلهيًا وإنجازًا ربانيًا: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) (٧) . فكان الحفظ للقرآن ـ كل القرآن ـ وعدًا إلهيًّا. وإنجازًا ربانيًا، وذلك حتى تستمر حجة الله على عباده، ويكون حسابه لهم عدلاً خالصًا. ولم يقل أحد، ولا جائز فى العقل ـ فضلاً عن النقل ـ أن يقال: إن الذكر، الذى تعهد الله بحفظه، هو بعض القرآن، وليس كل القرآن.. لأن ضياع أى جزء من القرآن إنما يعنى تخلف رعاية الله لخلقه، وسقوط حُجته على عباده.. ثم إن القرآن لا يقف بالحفظ عندما يطلق عليه الذكر، فضلاً عن أن مصطلح الذكر إنما يشمل كل القرآن.. تشهد على ذلك الآيات الكثيرة فى كتاب الله.. فالمراد بالذكر القرآن.. كل القرآن.. والكتاب.. كل الكتاب ـ وليس بعضه ـ بدليل قول الله : (فاسألوا أهل الذكر) (٨) ، أى أهل الكتب السابقة.. والله يشير إلى القرآن والتنزيل ـ أى كل ما نزل به الوحى ـ بلفظ الذكر (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) (٩) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزِل عليه الذكر إنك لمجنون) (١٠) ، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون) (١١) ، (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون) (١٢) ، (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (١٣) ، (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين) (١٤) . والذكر هو كل ما جاء به الوحى، فالوحى هو الذكر (فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون) (١٥) . بل إن سياق آية (إنا نحن نزلنا الذكر (شاهد على أن الذكر والقرآن والكتاب هو الوحى (آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزل عليه الذكر إنك لمجنون (، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (١٦) . ثم إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ، ونفى الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل، وليس لبعض القرآن: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (١٧) (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) (١٨) (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) (١٩) (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه) (٢٠) (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) (٢١) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) (٢٢) . (ما فرطنا فى الكتاب من شىء) (٢٣) .. ولو ضاع شىء من هذا الكتاب أى القرآن والتنزيل لحدث التفريط الذى تنفيه هذه الآية، ولانتفت حجة الله على البشر (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) (٢٤) .. فحجة الله على الناس ـ بعد ختم الوحى القرآن الكريم ـ تنتفى وتسقط إذا حدث جهل بشىء مما أنزل فى الكتاب ـ القرآن ـ: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) (٢٥) ولو أن القرآن ضاع منه شىء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شىء فيه، لتتم شهادة الرسول ﷺ على أمته: (ويوم نبعث فى كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (٢٦) . وختم النبوة والرسالة، يعنى انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد.. وحتى تقوم حُجة الله على عباده لابد من بقاء القرآن كله محفوظًا، ليكون قيّما على الناس، أى دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم: (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا) (٢٧) . وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه: (والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (٢٨) . ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب عزيز، أى منيع، محفوظ من العبث به وفيه.. وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه، بأى حال من الأحوال: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (٢٩) . والذكر فى هذه الآية هو كل الكتاب، العزيز على أى عبث به وفيه.. ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب علىّ حكيم، فوق تطاول المتطاولين، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا: (إن جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون * وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم) (٣٠) . ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه فى كتاب مكنون: أى مصون ومحفوظ عن اللعب والعبث والتحريف (إنه لقرآن كريم * فى كتاب مكنون) (٣١) . ولقد صدّق التاريخ على هذا الحفظ الإلهى لهذا القرآن المجيد.. ومن يقرأ تاريخ التوراة ـ حتى ذلك الذى كتبه علماء اليهودية ـ يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها.. وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذى صنعه " عزرا " وغيره من الأحبار، فى صورة مليئة بالتحريف.. ومن يتأمل تناقضات الأناجيل ـ حتى الشهيرة منها ـ والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة ـ من مثل أناجيل " مخطوطات نجع حمادى "، و " مخطوطات البحر الميت "، " إنجيل برنابا " يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح ﵇ لكن.. ها هو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غُنّة ولا مدّ وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التى أبادتها غزوات الطغاة، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات.. وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين.. فالتاريخ ـ هو الآخر ـ قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهى لكل القرآن الكريم.. فبرهان العقل ـ المتعلق بختم الرسالة.. وختم الوحى ـ يجعل حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ لإقامة الحجة على الناس ـ ضرورة عقلية. وكذلك النقل المتكرر فى القرآن ـ بلفظ القرآن.. والكتاب.. والتنزيل.. والذكر.. ـ شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهى لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم.. فهو وحى الله الخاتم.. تعهد بجمعه وحفظه، وحجة خالدة، كى لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شىء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم. أما بعض المرويات التى يفهم منها البعض شكًّا فى حفظ كل ما نزل على رسول الله ﷺ من القرآن.. فإن منطق العقل، ومنهاج البحث العلمى، وقواعد نقد النصوص والمرويات، التى اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية.. كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات.. والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات.. فإذا كان لدينا ـ على نحو ما قدمنا ـ شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ هو ضرورة عقلية، تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحى.. وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم، أى بالمصدر المعجز، قطعى الدلالة والثبوت.. فهل يكون عاقلاً من يترك شهادة العقل الصريح، والنقل المعجز الصحيح، ويلتفت إلى رواية من روايات يعلم الله من رواها؟ ولماذا رواها؟. إن منطق البحث العلمى، الذى أجمع عليه كل عقلاء الدنيا، فى التعامل مع النصوص، قد حسم هذه القضية التى نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها.. والله من وراء القصد، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد..

стр. 47

٤٦- حول تاريخية أو خلود أحكام القرآن الكريم هناك ـ بالنسبة للقرآن الكريم ـ من يعتبرون أنه غير صالح لكل زمان، وأنه وقتى، أى أنه جاء لوقت قد مضى، ولا يتلاءم مع العصر الحالى، وأنه يجب أن تتغير تفسيراته بما يناسب هذا الوقت. وعلى سبيل المثال: ـ إرث المرأة (للذكر مثل حظ الأنثيين) يقولون: إن هذه الآية قد جاءت لزمن معين ويجب أن تتغير، بحيث يتساوى الرجل والمرأة فى الإرث. ـ وكذلك الأمر بالنسبة لشهادة المرأة حيث يطالبون بمساواة الرجل بالمرأة من حيث الشهادة.. (انتهى) . الرد على الشبهة: أما القول بتاريخية ـ أو تاريخانية ـ ووقتية أحكام القرآن الكريم.. بمعنى " أنها غير صالحة لكل زمان ".. فإن لنا عليها ملاحظات نسوقها فى عدد من النقاط: أولها: أن هذه الدعوى ليست جديدة، فلقد سبق وتبناها فلاسفة التنوير الغربى الوضعى العلمانى، بالنسبة للتوراة والإنجيل.. فرأوا أن قصصها مجرد رموز، بل ورأوا أن الدين والتدين إنما يمثل " مرحلة تاريخية " فى عمر التطور الإنسانى، مثلت مرحلة طفولة العقل البشرى، ثم تلتها ـ على طريق النضج ـ مرحلة " الميتافيزيقا "، التى توارت هى الأخرى لحساب المرحلة الوضعية، التى لا ترى علمًا إلا إذا كان نابعًا من الواقع، ولا ترى سبلاً للعلم والمعرفة إلا العقل والتجارب الحسية.. وما عدا ذلك ـ من الدين وأحكام شرائعه ـ فهى " إيمان " مَثَّل مرحلة تاريخية على درب التطور العقلى، ولم يعد صالحًا لعصر العلم الوضعى ـ اللهم إلا لحكم العامة والسيطرة على نزعاتهم وغرائزهم!. هكذا بدأت وتبلورت نزعة " تاريخية وتاريخانية " النصوص الدينية فى فكر التنوير الغربى العلمانى والنهضة الأوروبية الحديثة.. وإذا كان هذا القول قد جاز، ووجد له بعض المبررات ـ فى الغرب ـ بالنسبة لكتب رسالات خاصة بقوم بعينهم ـ بنى إسرائيل ـ الذين جاءتهم اليهودية والمسيحية، ونزلت لهم التوراة والإنجيل ـ.. ولزمان معين.. وبتفاصيل تشريعات ـ وخاصة فى التوراة ـ تجاوزها تطور الواقع، فإن دعوى تاريخية النص الدينى لا مكان لها ولا ضرورة تستدعيها بالنسبة للقرآن الكريم.. ذلك أن القرآن هو كتاب الشريعة الخاتمة، والرسالة التى ختمت بها النبوات والرسالات، فلو طبقنا عليه قاعدة تاريخية النصوص الدينية لحدث " فراغ " فى المرجعية الدينية، إذ لا رسالة بعد رسالة محمد ﷺ ، ولا وحى بعد القرآن.. وإذا حدث هذا " الفراغ " فى المرجعية والحجة الإلهية على الناس، زالت حجة الله على العباد فى الحساب والجزاء، إذ سيقولون: يا ربنا، لقد أنزلت علينا كتابًا نسخه التطور، فماذا كان علينا أن نطبق، بعد أن تجاوز الواقع المتطور آيات وأحكام الكتاب الذى أنزلته لهدايتنا؟!. وثانى هذه النقاط: أن التاريخية والتاريخانية ـ أى وقتية الأحكام ـ لا يقول بها أحد فى أحكام العبادات.. وإنما يقول بها أصحابها فى آيات وأحكام المعاملات. وهم يخطئون إذا ظنوا أن هناك حاجة إليها فى أحكام المعاملات التى جاء بها القرآن الكريم ذلك أن القرآن الكريم ـ فى المعاملات ـ قد وقف عند " فلسفة " و " كليات " و " قواعد " و " نظريات " التشريع، أكثر مما فصّل فى تشريع المعاملات.. فهو قد فصل فى الأمور الثوابت، التى لا تتغير بتغير الزمان والمكان، مثل منظومة القيم والأخلاق، والقواعد الشرعية التى تستنبط منها الأحكام التفصيلية، والحدود المتعلقة بالحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة.. ونزل تفصيل أحكام المعاملات لعلم الفقه، الذى هو اجتهاد محكوم بثوابت الشريعة الإلهية، ذلك حتى يظل هذا الفقه ـ فقه المعاملات ـ متطورًا دائمًا وأبدًا، عبر الزمان والمكان، ليواكب تغير الواقع ومستجدات الأحداث، فى إطار كليات الشريعة وقواعدها ومبادئها، التى تحفظ على أحكامه المتطورة إسلاميتها، دائمًا وأبدًا.. وهذه " الصيغة الإسلامية " الفريدة التى جاءت بالنص الإلهى الثابت ـ أى الشريعة التى هى وضع إلهى ثابت ـ تحفظ إسلامية وإلهية المرجعية والمصدر دائمًا وأبدًا.. بينما وكلت أمر المتغيرات إلى الفقه المتجدد والمتطور ـ والفقه هو علم الفروع ـ.. هذه " الصيغة الإسلامية " هى التى وازنت بين ثبات النص وتطور التفسير البشرى للنص الإلهى الثابت.. وجمعت بين ثبات " الوضع الإلهى " وتطور " الاجتهاد الفقهى ".. أى جمعت بين ثبات المرجعية والنص، وبين تطور الاجتهاد الفقهى المواكب لمتغيرات الواقع عبر الزمان والمكان.. ثالث هذه النقاط: تتعلق بالأمثلة التى سيقت وتساق من قبل دعاة تاريخية وتاريخانية النصوص الدينية، للتدليل على ضرورة تطبيق هذه التاريخانية ـ فى زعمهم ـ على أحكام القرآن الكريم فى المعاملات.. ونحن عندما ننظر فى هذه الأمثلة ـ وهى هنا ـ: " ميراث المرأة وشهادتها " نزداد يقينًا بخطأ دعوى تطبيق هذه التاريخانية على القرآن الكريم، وعلى الأحكام التشريعية الواردة فيه.. فليس صحيحًا أن توريث المرأة فى الإسلام قد جانب الإنصاف لها، حتى يكون حكمه صالحًا للزمان الماضى دون الزمان المعاصر والمستقبل.. فالأنثى ـ فى الإسلام ـ لا ترث نصف الذكر دائمًا وأبدًا.. والقرآن لم يقل يوصيكم الله فى الوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين. وإنما جعل ذلك فى حالة بعينها هى حالة " الأولاد "، وليس فى مطلق وكل الوارثين: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (١) . أما عندما كان التقعيد عامًا للميراث فإن القرآن قد استخدم لفظًا عامًا هو لفظ " النصيب " لكل الذكور والإناث على حد سواء: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا) (٢) . ومعايير التفاوت فى أنصبة الميراث لا علاقة لها بالجنس ـ ذكورة أو أنوثة ـ على الإطلاق ـ على غير ما يحسب ويظن الكثيرون ـ إن لم يكن الأكثرون! وإنما معايير هذا التفاوت ثلاثة: ١ ـ درجة القرابة. فكلما كان الوارث أقرب إلى المورّث زاد نصيبه فى الميراث. ٢ ـ وموقع الجيل الوارث فى تسلسل الأجيال وتلك حكمة إلهية بالغة فى فلسفة الإسلام للميراث ـ وكلما كان الوارث صغيرًا من جيل يستقبل الحياة وأعباءها، وأمامه المسئوليات المتنامية، كان نصيبه من الميراث أكبر.. فابن المتوفى يرث أكثر من أب المتوفى ـ وكلاهما ذكر ـ وبنت المتوفى ترث أكثر من أمه ـ وكلتاهما أنثى.. بل إن بنت المتوفى ترث أكثر من أبيه. ٣ ـ والعامل الثالث فى تفاوت أنصبة الميراث هو العبء المالى الذى يتحمله ويكلف به الوارث طبقًا للشريعة الإسلامية.. فإذا اتفقت وتساوت درجة القرابة.. وموقع الجيل الوارث ـ مثل مركز الأولاد ـ أولاد المورث ـ مع تفاوت العبء المالى بين الولد الذكر ـ المكلف بإعالة زوجة وأسرة وأولاد ـ وبين البنت ـ التى سيعولها هى وأولادها زوج ذكر ـ هنا يكون للذكر مثل حظ الأنثيين.. وهو تقسيم ليس فيه أية شبهة لظلم الأنثى.. بل ربما كان فيه تمييز وامتياز لها، احتياطًا لاستضعافها.. وهذه الحقائق فى المواريث الإسلامية ـ التى يجهلها ويتجاهلها دعاة تاريخية آيات الميراث ـ هى التى جعلت المرأة ـ فى الجداول الإجمالية لحالات الميراث الإسلامى ـ ترث مثل الرجل، أو أكثر من الرجل، أو ترث ولا يرث الرجل فى أكثر من ثلاثين حالة من حالات الميراث الإسلامى، بينما هى ترث نصف ما يرث الذكر فى أربع حالات فقط (٣) !. وكذلك الحال مع " شهادة المرأة ".. ففى الأمور والميادين التى تقل فيها خبرة المرأة عن الرجل، تكون شهادتها أقل من شهادته.. وحتى لا تهدر شهادتها كلية فى هذه الميادين، سمح القرآن بشهادتها، على أن تُدعم بشهادة واحدة من بنات جنسها، تذكرها بما تنساه من وقائع الشهادة.. أما الميادين التى تختص بالمرأة، والتى تكون خبرتها فيها أكثر، فإن شهادتها فيها تكون أعلى، وأحيانًا ضعف شهادة الرجل.. بل إن شهادتها تعتمد حيث لا تعتمد شهادة الرجل فى بعض هذه الميادين. والذين يظنون أن آية سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا فإن كان الذى عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدِّ الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) (٤) . الذين يظنون أن هذه الآية ـ٢٨٢ـ تجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل بإطلاق، وفى كل الحالات مخطئون وواهمون.. فهذه الآية تتحدث عن دَين خاص.. فى وقت خاص، يحتاج إلى كاتب خاص، وإملاء خاص، وإشهاد خاص.. وهذه الآية ـ فى نصها ـ استثناء: (.. إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) . ثم إنها تستثنى من هذه الحالة الخاصة الإشهاد على البيوع، فلا تقيدها بما قيدت به حالة هذا الدين الخاص.. ثم إنها تتحدث، مخاطبة، لصاحب الدين، الذى يريد أن يستوثق لدينه الخاص هذا بأعلى درجات الاستيثاق.. ولا تخاطب الحاكم ـ القاضى ـ الذى له أن يحكم بالبينة واليمين، بصرف النظر عن جنس الشاهد وعدد الشهود الذين تقوم بهم البينة.. فللحاكم ـ القاضى ـ أن يحكم بشهادة رجلين.. أو امرأتين.. أو رجل وامرأة.. أو رجل واحد.. أو امرأة واحدة.. طالما قامت البينة بهذه الشهادة.. ومن يرد الاستزادة من الفقه الإسلامى فى هذه القضية ـ التى يجهلها الكثيرون ـ فعليه أن يرجع إلى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية [٦٦١ـ٧٢٨هـ/١٢٦٣ـ١٣٢٨م] وتلميذه العظيم ابن قيم الجوزية [٦٩١ـ٧٥١هـ/١٢٦٢ـ١٣٥٠م] فى كتابه [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] (٥) .. ففيه ـ وفق نص ابن تيمية ـ أن ماجاء عن شهادة المرأة فى آية سورة البقرة، ليس حصرًا لطرق الشهادة وطرق الحكم التى يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر لنوعين من البينات فى الطرق التى يحفظ بها الإنسان حقه.. فالآية نصيحة لهم وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شىء وما يحكم به الحاكم شىء، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين. ولقد قال الإمام أحمد بن حنبل [١٦٤ـ٢٤١هـ/٧٨٠ـ٨٥٥م] إن شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين فيما هو أكثر خبرة فيه، وأن شهادة المرأة تعدل شهادة رجلين فيما هى أكثر خبرة فيه من الرجل.. فالباب مفتوح أمام الخبرة التى هى معيار درجة الشهادة، فإذا تخلفت خبرة الرجل فى الميدان تراجع مستوى شهادته فيه.. وإذا تقدمت وزادت خبرة المرأة فى الميدان ارتفع مستوى شهادتها فيه.. وليس هناك فى الفقه الإسلامى تعميم وإطلاق فى هذا الموضوع، إذ الشهادة سبيل للبينة التى يحكم الحاكم ـ القاضى ـ بناء عليها، بصرف النظر عن جنس الشهود وعددهم. ولو فقه الداعون إلى تاريخية وتاريخانية آيات الأحكام فى القرآن حقيقة هذه الأحكام التى توهموا الحاجة إلى تجاوزها ـ فقالوا بتاريخية ووقتية معانى نصوصها القرآنية ـ لأدركوا أن وقوف النص القرآنى عند كليات وفلسفات وقواعد ونظريات التشريع، مع ترك تفصيلات التشريع لاجتهادات الفقهاء، هو الذى جعل أحكام القرآن الكريم فى المعاملات ـ فضلاً عن العبادات.. والقيم والأخلاق ـ صالحة لكل زمان ومكان، فكانت شريعته آخر وخاتم الشرائع السماوية، دونما حاجة إلى هذه " التاريخية " التى استعاروها من الفكر الغربى، دونما إدراك لخصوصية النص الإسلامى، وتميز مسيرة الفقه الإسلامى والحضارة الإسلامية.. ولو أنهم فقهوا حقيقة الأمثلة التى توهموها دواعى لهذه التاريخية ـ من مثل ميراث المرأة.. وشهادتها ـ لكفونا مئونة هذا الجهد فى كشف هذه الشبهات!..

стр. 48

٤٧- حول عصمة الرسول ﷺ وموقف القرآن من العصمة هناك من لا يعترفون بأن الرسول معصوم عن الخطأ، ويقدمون الأدلة على ذلك بسورة [عبس وتولى] وكذلك عندما جامل الرسول ﷺ ، زوجاته، ونزلت الآية الكريمة التى تنهاه عن ذلك (انتهى) . الرد على الشبهة: إن عصمة الرسول ﷺ ، وكذلك عصمة كل الرسل ﵈ يجب أن تفهم فى نطاق مكانة الرسول.. ومهمة الرسالة.. فالرسول: بشر يُوحَى إليه.. أى أنه - مع بشريته - له خصوصية الاتصال بالسماء، بواسطة الوحى.. ولذلك فإن هذه المهمة تقتضى صفات يصنعها الله على عينه فيمن يصطفيه، كى تكون هناك مناسبة بين هذه الصفات وبين هذه المكانة والمهام الخاصة الموكولة إلى صاحبها. والرسول مكلف بتبليغ الرسالة، والدعوة إليها، والجهاد فى سبيل إقامتها وتطبيقها.. وله على الناس طاعة هى جزء من طاعة الله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (١) (قل أطيعوا الله والرسول) (٢) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (٣) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) (٤) ولذلك كانت عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات صدقهم والثقة فى هذا البلاغ الإلهى الذى اختيروا ليقوموا به بين الناس.. وبداهة العقل - فضلاً عن النقل - تحكم بأن مُرْسِل الرسالة إذا لم يتخير الرسول الذى يضفى الصدق على رسالته، كان عابثًا.. وهو ما يستحيل على الله، الذى يصطفى من الناس رسلاً تؤهلهم العصمة لإضفاء الثقة والصدق على البلاغ الإلهى.. والحُجة على الناس بصدق هذا الذى يبلغون. وفى التعبير عن إجماع الأمة على ضرورة العصمة للرسول فيما يبلغ عن الله، يقول الإمام محمد عبده عن عصمة الرسل - كل الرسل -: ".. ومن لوازم ذلك بالضرورة: وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم، وصحة عقولهم، وصدقهم فى أقوالهم، وأمانتهم فى تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وأنهم منزهون عما يضاد شيئًا من هذه الصفات، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهى بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية.. إن من حكمة الصانع الحكيم - الذى أقام الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعدُّ لها، بمحض فضله، بعض مَنْ يصطفيه من خلقه، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، يميزهم بالفطرة السليمة، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه، ويكونون فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين، نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم فى الدنيا كأنهم ليسو من أهلها، هم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانها.. أما فيما عدا ذلك -[أى الاتصال بالسماء والتبليغ عنها]- فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده، يأكلون ويشربون وينامون ويسهون وينسون فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام، ويمرضون وتمتد إليهم أيدى الظلمة، وينالهم الاضطهاد، وقد يقتلون " (٥) . فالعصمة - كالمعجزة - ضرورة من ضرورات صدق الرسالة، ومن مقتضيات حكمة من أرسل الرسل ﵈.. وإذا كان الرسول - كبشر - يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر.. وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل فى مناطق وميادين الاجتهاد التى لم ينزل فيها وحى إلهى.. فإنه معصوم فى مناطق وميادين التبليغ عن الله لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى فى مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحى والبلاغ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس.. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل ﵈.. فالرسول فى هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله - (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (٦) . وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام. أما اجتهادات الرسول ﷺ فيما لا وحى فيه، والتى هى ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت تصادف الصواب والأولى، كما كان يجوز عليها غير ذلك.. ومن هنا رأينا كيف كان الصحابة، رضوان الله عليهم فى كثير من المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات الرسول ﷺ يسألونه - قبل الإدلاء بمساهماتهم فى الرأى - هذا السؤال الذى شاع فى السُّنة والسيرة: " يا رسول الله، أهو الوحى؟ أم الرأى والمشورة؟.. " فإن قال: إنه الوحى. كان منهم السمع والطاعة له، لأن طاعته هنا هى طاعة لله.. وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة من هذا الأمر عن عقولهم، لأن علم الله - مصدر الوحى - مطلق وكلى ومحيط، بينما علمهم نسبى، قد تخفى عليه الحكمة التى لا يعلمها إلا الله.. أما إن قال لهم الرسول - جوابًا عن سؤالهم -: إنه الرأى والمشورة.. فإنهم يجتهدون، ويشيرون، ويصوبون.. لأنه ﷺ هنا ليس معصومًا، وإنما هو واحد من المقدمين فى الشورى والاجتهاد.. ووقائع نزوله عن اجتهاده إلى اجتهادات الصحابة كثيرة ومتناثرة فى كتب السنة ومصادر السيرة النبوية - فى مكان القتال يوم غزوة بدر.. وفى الموقف من أسراها.. وفى مكان القتال يوم موقعة أُحد.. وفى مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق.. إلخ.. إلخ. ولأن الرسول ﷺ قد أراد الله له أن يكون القدوة والأسوة للأمة (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) (٧) . وحتى لا يقتدى الناس باجتهاد نبوى لم يصادف الأولى، كان نزول الوحى لتصويب اجتهاداته التى لم تصادف الأولى، بل وعتابه - أحيانًا - على بعض هذه الاجتهادات والاختيارات من مثل: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى) (٨) . ومن مثل: (يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير) (٩) . ومن مثل: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) (١٠) . وغيرها من مواطن التصويب الإلهى للاجتهادات النبوية فيما لم يسبق فيه وحى، وذلك حتى لا يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفة للأولى. فالعصمة للرسول ﷺ ، فيما يبلغ عن الله شرط لازم لتحقيق الصدق والثقة فى البلاغ الإلهى، وبدونها لا يكون هناك فارق بين الرسول وغيره من الحكماء والمصلحين، ومن ثم لا يكون هناك فارق بين الوحى المعصوم والمعجز وبين الفلسفات والإبداعات البشرية التى يجوز عليها الخطأ والصواب.. فبدون العصمة تصبح الرسالة والوحى والبلاغ قول بشر، بينما هى - بالعصمة - قول الله الذى بلغه وبينه المعصوم ﵊.. فعصمة المُبَلِّغ هى الشرط لعصمة البلاغ.. بل إنها - أيضًا - الشرط لنفى العبث وثبوت الحكمة لمن اصطفى الرسول وبعثه وأوحى إليه بهذا البلاغ.

стр. 49

٤٨- دعوى: خلو الكتب السابقة من البشارة برسول الإسلام زعموا أن محمداً ﷺ ليس برسول. وبنوا هذا الزعم على أربع شعب هى: ١- إن العهد والنبوة والكتاب محصورة فى نسل إسحق لا إسماعيل.؟! ٢- إن محمداً ﷺ لم يأت بمعجزات.؟! ٣- إن القرآن من نوادر الأعمال الإنسانية، فليس هو معجزاً (١) .؟! ٤- إن الكتب السابقة - التوراة وملحقاتها والأناجيل - خلت من البشارة برسول الإسلام.؟! الرد على الشبهة: ولكن قبل أن نواجهها مواجهة مباشرة أريد أن أقدم كلمة موجزة بين يدى هذه المواجهة، رأيت أن تقديمها من أوجب الواجبات فى هذا المجال. وجود " البشارات " وعدمها سواء..؟ أجل: إن وجود البشارات وعدمها فى الكتب المشار إليها آنفا سواء، وجودها مثل عدمها، وعدمها مثل وجودها. فرسالة رسول الإسلام ﷺ ليست فى حاجة إلى دليل يقام عليها من خارجها، بحيث إذا لم يوجد ذلك الدليل " الخارجى " بطلت - لا سمح الله - تلك الرسالة؛ فهى رسالة دليلها فيها، ووجود البشارات بها فى كتب متقدمة - زمنا - عليها لا يضيف إليها جديداً، وعدم وجود تلك البشارات لا ينال منها شيئاً قط. فهى حقيقة قائمة بذاتها لها سلطانها الغنىعما سواها. ودليلها قائم خالد صالح للفحص فى كل زمان ومكان، باق بقاء رسالته أبد الدهر أشرق ولم يغب، ظهر ولم يختف، قوى ولم يضعف. علا ولم يهبط، إنه دليل صدق الأنبياء كلهم. فكل الأنبياء مضوا ولم يبق من أدلة صدقهم إلا ما جاء فى هذا الدليل " القرآن العظيم " حيث شهد لهم بالصدق والوفاء وأنهم رسل الله المكرمون.. فلا يظنن أحدُ أننا حين نتحدث عن بشارات الكتب السابقة برسول الإسلام إنما نتلمس أدلة نحن فى حاجة إليها لإثبات صدق رسول الإسلام فى دعواه الرسالة. فرسول الإسلام ليس فى حاجة إلى " تلك البشارات " حتى ولو سلم لنا الخصوم بوجودها فله من أدلة الصدق ما لم يحظ به رسول غيره. وستعالج البشارة به ﷺ على قسمين: ١- بشاراته ﷺ فى التوراة. ٢- بشاراته ﷺ فى الإنجيل. أولاً: البشارات فى التوراة تعددت البشارات برسول الإسلام فى التوراة وملحقاتها، ولكن اليهود أزالوا عنها كل معنى صريح، وصيروها نصوصاً احتمالية تسمح لهم بصرفها عنه ﷺ ومع هذا فقد بقيت بعد تعديلها وتحريفها قوية الدلالة على معناها " الأصلى " من حملها على رسول الإسلام ﷺ لأن حملها على غيره متعذر أو متعسر أو محال. فهى أشبه ما تكون برسالة مغلقة مُحى " عنوانها " ولكن صاحب الرسالة قادر - بعد فضها - أن يثبت اختصاصها به، لأن الكلام " الداخلى " الذى فيها يقطع بأنها " له " دون سواه؛ لما فيها من " قرائن " وبينات واضحة ونعرض - فيما يلى - بعضاً منها: " وهذه هى البركة التى بارك بها موسى رجل الله بنى إسرائيل قبل موته ". فقال: " جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران " (٢) . فى هذا النص إشارة إلى ثلاث نبوات: الأولى: نبوة موسى ﵇ التى تلقاها على جبل سيناء. الثانية: نبوة عيسى ﵇ وساعير هى قرية مجاورة لبيت المقدس، حيث تلقى عيسى ﵇ أمر رسالته. الثالثة: نبوة محمد ﷺ وجبل فاران هو المكان الذى تلقى فيه ﵊ أول ما نزل عليه من الوحى وفاران هى مكة المكرمة مولد ومنشأ ومبعث محمد ﷺ . وهذه العبارة - مرة أخرى - تضمنت خبراً وبشارتين: فالخبر هو تذكير موسى بفضل الله عليه حيث أرسله إليهم رسولاً. والبشارتان: الأولى: خاصة بعيسى ﵇. والثانية خاصة بمحمد ﷺ . وموقف اليهود منهما النفى: فلا الأولى بشارة بعيسى ابن مريم ولا الثانية بشارة برسول الإسلام. أما موقف النصارى فإن النفى - عندهم - خاص ببشارة رسول الإسلام. ولهم فى ذلك مغالطات عجيبة، حيث قالوا إن " فاران " هى " إيلات " وليست مكة. وأجمع على هذا " الباطل " واضعو كتاب: قاموس الكتاب المقدس. وهدفهم منه واضح إذ لو سَلَّمُوا بأن " فاران " هى مكة المكرمة، للزمهم إما التصديق برسالة رسول الإسلام، وهذا عندهم قطع الرقاب أسهل عليهم من الإذعان له..؟! ، أو يلزمهم مخالفة كتابهم المقدس، ولم يقتصر ورود ذكر " فاران " على هذا الموضع من كتب العهد القديم، فقد ورد فى قصة إسماعيل ﵇ مع أمه هاجر حيث تقول التوراة: إن إبراهيم ﵇ استجاب لسارة بعد ولادة هاجر ابنها إسماعيل وطردها هى وابنها فنزلت وسكنت فى " برية فاران " (٣) . على أنه يلزم من دعوى واضعى قاموس الكتاب المقدس من تفسيرهم فاران بإيلات أن الكذب باعترافهم وارد فى التوراة. لأنه لم يبعث نبى من " إيلات " حتى تكون البشارة صادقة. ومستحيل أن يكون هو عيسى ﵇؛ لأن العبارة تتحدث عن بدء الرسالات وعيسى تلقى الإنجيل بساعير وليس بإيلات. فليست " فاران " إلا " مكة المكرمة " وباعتراف الكثير منهم، وجبل فاران هو جبل " النور " الذى به غار حراء، الذى تلقى فيه رسول الإسلام ﷺ بدء الوحى. وهجرة إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة المكرمة " فاران " أشهر من الشمس. وترتيب الأحداث الثلاثة فى العبارة المذكورة: جاء من سيناء وأشرق من ساعير وتلألأ من فاران. هذا الترتيب الزمنى دليل ثالث على أن " تلألأ من جبل فاران " تبشير قطعى برسول الإسلام ﷺ . وفى بعض " النسخ " كانت العبارة: " واستعلن من جبل فاران " بدل " تلألأ ". وأياً كان اللفظ فإن " تلألأ " و " استعلن " أقوى دلالة من " جاء " و " أشرق " وقوة الدلالة هنا ترجع إلى " المدلولات " الثلاثة. فالإشراق جزء من مفهوم " المجئ " وهكذا كانت رسالة عيسى بالنسبة لرسالة موسى ﵉ . أما تلألأ واستعلن فهذا هو واقع الإسلام، رسولا ورسالة وأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذه المغالطة (فاران هى إيلات) لها مثيل حيث تزعم التوراة أن هاجرأم إسماعيل عندما أجهدها العطش هى وابنها إسماعيل بعد أن طردا من وجه " سارة " طلبت الماء فلم تجده إلا بعد أن لقيا ملاك " الرب " فى المكان المعروف الآن " ببئر سبع "؟! وأنها سميت بذلك لذلك..؟! وكما كذبت فاران دعوى " إيلات " كذَّبت " زمزم الطهور " دعوى " بئر سبع "؟ وستظل فاران - مكة المكرمة - وزمزم الطهور " عملاقين " تتحطم على صخورهما كل مزاعم الحقد والهوى. ويجئ نص آخر فى التوراة لا محمل له إلا البشارة برسول الإسلام ﷺ مهما غالط المغالطون. وهو قول الله لموسى حسب ما تروى التوراة: " أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه " (٤) . حدث هذا حسب روايات التوراة وعداً من الله لموسى فى آخر عهده بالرسالة، وكان يهمه أمر بنى إسرائيل من بعده، فأعلمه الله - حسب هذه الرواية التوراتية - أنه سيبعث فيهم رسولا مثل موسى ﵇. ولقوة دلالة النص على نبوة محمد ﷺ فقد وقف أهل الكتابين - اليهود والنصارى - موقفين مختلفين هدفهما واحد، وهو أن النص ليس بشارة برسول الإسلام. أما اليهود فلهم فيه رأيان: الأول: أن العبارة نفسها ليست خبراً بل هى نفى، ويقدرون قبل الفعل " أقيم " همزة استفهام يكون الاستفهام معها " إنكارياً " وتقدير النص عندهم هكذا " أأقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك..؟! بطلان هذا الرأى وهذا الرأى باطل ولن نذهب فى بيان بطلانه إلى أكثر من كلام التوراة نفسها. وذلك؛ لأنه لو كان النص كما ذكروا بهمزة استفهام إنكارى محذوفة هى فى قوة المذكور لكان الكلام نفياً فعلاً.. ولو كان الكلام نفياً لما صح أن يعطف عليه قوله بعد ذلك: " ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه "؟! فهذا المقطع إثبات قطعاً فهو مرتب على إقامة النبى الذى وعد به المقطع الذى قبله. فدل هذا " العطف " على أن المقطع السابق وعد خبرى ثابت لا نفى. ويترتب على ذلك بطلان القول الذاهب إلى تقدير الاستفهام..؟! الثانى: وقد أحس اليهود ببطلان القول بالاستفهام فاحتاطوا للأمر وقالوا لا مانع أن يكون النص خبراً ووعداً مثبتاً، ولكنه ليس المقصود به عيسى ابن مريم ﵇ ولا محمد بن عبد الله رسول الإسلام ﷺ ، بل المراد به نبى من أنبياء إسرائيل يوشع بن نون فتى موسى، أو صموئيل..؟! موقف النصارى: أما النصارى فيحملون البشارة فى النص على عيسى ﵇ وينفون أن يكون المراد بها رسول الإسلام ﷺ ، وقد علمنا قبلا أن اليهود ينفون أن تكون لعيسى ﵇. وللنصارى مغالطات عجيبة فى ذلك إذ يقولون إن النبى الموعود به ليس من بنى إسماعيل بل من بنى إسرائيل. ومحمد إسماعيلى فكيف يرسل الله إلى بنى إسرائيل رجلاً ليس منهم.؟! كما قالوا إن موسى أتى بمعجزات ومحمد لم يأت بمعجزات فكيف يكون مثله. وقد رددنا على هذه الفرية فيما تقدم. الحق الذى لا جدال فيه: والواقع أن كل ما ذهب إليه اليهود والنصارى باطل. باطل. ولن نذهب فى بيان بطلانه إلى أبعد من دلالة النص المتنازع عليه نفسه. أما الحق الذى لا جدال فيه فإن هذا النص ليس له محمل مقبول إلا البشارة برسول الإسلام ﷺ وإليكم البيان: إن النص المتنازع عليه يقيد البشارة بالنبى الموعود به فيه بشرطين: أحدهما: أنه من وسط إخوة بنى إسرائيل. وثانيهما: أنه مثل موسى ﵇ صاحب شريعة وجهاد لأعداء الله وهذان الشرطان لا وجود لهما لا فى يوشع بن نون، ولا فى صموئيل كما يدعى اليهود فى أحد قوليهم. ولا فى عيسى ﵇ كما يدعى النصارى. أما انتفاء الشرط الأول فلأن يوشع وصموئيل وعيسى من بنى إسرائيل وليسو من وسط إخوة بنى إسرائيل. ولو كان المراد واحداً منهم لقال فى الوعد: أقيم لهم نبياً منهم..؟! هذا هو منهج الوحى فى مثل هذه الأمور كما قال فى شأن النبى ﷺ : (هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم ... ) (٥) . وكما جاء على لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉ (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ... ) (٦) . وأما انتفاء الشرط الثانى، فلأن: لا صموئيل ولا يوشع ولا عيسى ابن مريم كانوا مثل " موسى " ﵇. فموسى كان صاحب شريعة، ويوشع وصموئيل وعيسى وجميع الرسل الذين جاءوا بعد موسى ﵇ من بنى إسرائيل لم يكن واحداً منهم صاحب شريعة، وإنما كانوا على شريعة موسىعليه السلام. وحتى عيسى ما جاء بشريعة ولكن جاء متمماً ومعدلاً فشريعة موسى هى الأصل. إن عيسى كان مذكراً لبنى إسرائيل ومجدداً الدعوة إلى الله على هدى من شريعة موسى ﵇!! فالمثلية بين هؤلاء - وهى أحد شرطى البشارة - وبين موسى ﵇ لا وجود لها.؟! الشرطان متحققان فى رسول الإسلام ﷺ وبنفس القوة والوضوح اللذين انتفى الشرطان بهما عمن ذكروا من الأنبياء ثبت ذلك الشرطان لمحمد بن عبد الله ﷺ : فهو من نسل إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحق، الذى هو أبو يعقوب المسمى إسرائيل. فهو من وسط إخوة بنى إسرائيل - بنو عمومتهم - وليس من إسرائيل نفسها. وبهذا تحقق الشرط الأول من شرطى البشارة: ومحمد ﵊ صاحب شريعة جليلة الشأن لها سلطانها الخاص بها - جمعت فأوعت - مثلما كان موسى - أكبر رسل بنى إسرائيل - صاحب شريعة مستقلة كانت لها منزلتها التى لم تضارع فيما قبل من بدء عهد الرسالات إلى مبعث عيسى ﵇. وبهذا يتحقق الشرط الثانى من شرطى البشارة وهو " المثليه " بين موسى ومحمد (عليهما صلوات الله وسلامه) ، فعلى القارئ أن يتأمل ثم يحكم. فى المزامير المنسوبة إلى داود ﵇ وردت كثير من العبارات التى لا يصح حمل معناها إلا على رسول الإسلام. ومن ذلك قول داود كما تروى التوراة: " أنت أبرع جمالاً من بنى البشر. انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد. تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاؤك. وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة.. بتلك المسنونة فى قلب أعداء الملك - يعنى الله - شعوب تحتك يسقطون.. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك " (٧) . اسمعى يانيت وأميلى أذنك، وانسى شعبك وبيت أبيك، فيشتهى الملك الملك حسنك؛ لأنه هو سيدك فاسجدى له. وبنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية. كلها مجد ابنة الملك فى خدرها. منسوجة بذهب ملابسها مطرزة، تحضر إلى الملك فى إثرها عذارى صاحباتها مقدمات إليك يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك. عوضاً عن آبائك يكون بنوك نقيمهم رؤساء فى كل الأرض اذكر اسمك فى كل دور فدور من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والآبد " وقفة مع هذا الكلام فى المقطع الأول (أ) لا تنطبق الأوصاف التى ذكرها داود إلا على رسول الإسلام ﷺ . فهو الذى قاتل بسيفه فى سبيل الله وسقطت أمامه شعوب عظيمة كالفرس والروم. وهو الممسوح بالبركة أكثر من رفقائه الأنبياء؛ لأنه خاتم النبيين، ورسالته عامة خالدة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (٨) . ولم يترك رسول هدى وبيانا مثلما ترك رسول الإسلام فى القرآن الحكيم، وفى أحاديثه وتوجيهاته، التى بلغت مئات الآلاف، وتعددت المصادر التى سجلتها، وفيها من روائع البيان، وصفاء الألفاظ، وشرف المعانى ما ليس فى غيرها. أما المقطع الثانى (ب) فهو أوصاف للكعبة الشريفة. فهى التى تترضاها الأمم بالهدايا. وهى ذات الملابس المنسوجة بالذهب والمطرزة، وهى التى يذكر اسمها فى كل دور فدور وتأتيها قوافل" الحجيج " رجالاً ونساءً من كل مكان فيدخل الجميع فى " قصر الملك " ويحمدها الناس إلى الأبد؛ لأن الرسالة المرتبطة بها رسالة عامة: لكل شعوب الأرض الإنس والجن. بل والملائكة. وفى مواسم الحج يأتيها القاصدون من جميع بقاع الأرض مسلمين، ورعايا مسلمين من بلاد ليست مسلمة. خالدة: لم ينته العمل بها بوفاة رسولها، كما هو الحال فيما تقدم. وإنما هى دين الله إلى الأبد الأبيد. وأشعيا وسفره من أطول أسفار العهد القديم ملئ بالإشارات الواضحة التى تبشر برسول الإسلام ﷺ ، ولولا المنهج الذى أخذنا به هنا وهو عدم التطويل لذكرنا من ذلك الكثير؛ ولذا فإننا نكتفى بهذا المقطع لدلالته القوية على ما نقول: " قومى استنيرى؛ لأنه قد جاء نورك، ومجد الرب أشرق عليك.. لأنه ها هى الظلمة تغطى الأرض والظلام الدامس الأمم. أما عليك فيشرق الرب، ومجده عليك يرى. فتسير الأمم فى نورك، والملوك فى ضياء إشراقك. ارفعى عينيك حواليك وانظرى. قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك. يأتى بنوك من بعيد، وتحمل بناتك على الأيدى، حينئذ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع؛ لأنه تحول إليك ثروة البحر، ويأتى إليك غنى الأمم تغطيك كثرة الجمال بكران مديان، وعيفة كلها تأتى من شبا. تحمل ذهبا ولبانا، وتبشر بتسابيح الرب. كل غنم قيدار تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك تصعد مقبولة على مذبحى، وأزين بيت جمالى. من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها. إن الجزائر تنتظرنى وسفن ترشيش فى الأول لتأتى من بعيد، وفضتهم وذهبهم معهم لا سم الرب إلهك ... (٩) . وبنو الغريب يبنون أسوارك، وملوكهم يخدمونك.. وتفتح أبوابك دائما نهاراً وليلاً لا تغلق، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم ... (١٠) . دلالة هذه النصوص: بلا أدنى ريب فإن هذا الكلام المنسوب إلى أشعيا وصف لمكة المكرمة وكعبتها الشامخة. فالمقطع الأول إنما هو حديث عن موسم الحج المبارك فيه يجتمع بنوها حولها من كل مكان وفيه لمحة قوية جداًُ إلى نحر الهدى صبيحة العيد. ألم يشر النص إلى غنم قيدار، وقيدار هوولد إسماعيل ﵇ الذى تشعبت منه قبائل العرب. ثم ألم ينص على المذبح الذى تنحر عليه الذبائح؟ كما أشار النص ثلاث إشارات تعد من أوضح الأدلة على أن المراد بهذا النص مكة المكرمة. وتلك الإشارات هى طرق حضور الحجاج إليها. ففى القديم كانت وسائل النقل: ركوب الجمال. ثم السفن. أما فى العصر الحديث فقد جدت وسيلة النقل الجوى " الطائرات " وبشارة أشعيا تضمنت هذه الوسائل الثلاث على النحو الآتى: ١- الجمال، قال فيها: تغطيك كثرة الجمال.؟! ٢- السفن، قال فيها: وسفن ترشيش تأتى ببنيك من بعيد؟! ٣- النقل الجوى، وفيه يقول: من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها.؟!! أليس هذا أوضح من الشمس فى كبد السماء. على أن النص ملئ بعد ذلك بالدقائق والأسرار، ومنها أن مكة مفتوحة الأبواب ليلاً ونهاراً لكل قادم فى حج أو عمرة..؟! ومنها أن خيرات الأمم تجبى إليها من كل مكان، والقرآن يقرر هذا المعنى فى قول الله تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شىء) (١١) . ومنها أن بنى الغريب (يعنى غير العرب) يبنون أسوارها. وكم من الأيدى العاملة الآن، وذوى الخبرات يعملون فيها ويشيدون قلاعها فوق الأرض وتحت الأرض ومنها أنه ما من عاصمة من عواصم العالم إلا دخلت فى محنة من أهلها أو من غير أهلها إلا هذه " العاصمة المقدسة " فظلت بمأمن من غارات الغائرين وكيد الكائدين، ومثلها المدينة المنورة. ومنها كثرة الثروات التى مَنَّ الله بها عليها. أليس البترول من ثروات البحر العظمى التى تفجرت أرض الحجاز وشبه الجزيرة منه عيوناً دفاقة بمعدل لم تصل إليه أمة من الأمم. أضف إلى ذلك سبائك الذهب والفضة. والحديث عن مكة المكرمة حديث عن رسول الإسلام؛ لأن مجدها لم يأت إلا على يدى بعثته ﷺ . هذه الحقائق لا تقبل الجدل. ومع هذا فإن أهل الكتاب (وخاصة اليهود) يحملون هذه الأوصاف على مدينة " صهيون " ولهذا فإنهم عمدوا إلى النص وعدلوه ليصلح لهذا الزعم. ولكننا نضع الأمر بين يدى المنصفين من كل ملة. أهذه الأوصاف يمكن أن تطلق على مدينة " صهيون ". لقد خرب " بيت الرب " فى القدس مراراً وتعرض لأعمال شنيعة على كل العصور. أما الكعبة الشريفة والمسجد الحرام فلم يصل أحد إليهما بسوء، ثم أين ثروات البحر والبر التى تجبى إلى تلك المدينة وأهلها (إلى الآن) يعيشون عالة على صدقات الأمم. وأين هى المواكب التى تأتى إليها براً وبحراً وجَوّاً، وهل أبوابها مفتوحة ليلاً ونهاراً، وأين هم بنوها الذين اجتمعوا حولها. وما صلة غنم قيدار وكباش مدين بها. وأين هو التسبيح الذى يشق عنان السماء منها.. وأين.. وأين..؟ إن هذه المغالطات لا تثبت أمام قوة الحق، ونحن يكفينا أن نقيم هذه الأدلة من كتبهم على صدق الدعوى، ولا يهمنا أن يذعن القوم لما نقول فحسبك من خصمك أن تثبت باطل ما يدعيه أمام الحق الذى تدافع عنه. والفاصل بيننا ـ فى النهاية ـ هو الله الذى لا يُبدل القول لديه. وتنسب التوراة إلى نبى يدعى " حبقوق " من أنبياء العهد القديم، وله سفر صغير قوامه ثلاثة إصحاحات. تنسب إليه التوراة نصوصاً كان يصلى بها. تضمنها الإصحاح الثالث من سفره. وهذا الإصحاح يكاد يكون كله بشارة برسول الإسلام ﷺ . وإليكم مقاطع منه: " الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران ـ سلاه ـ جلاله غطى السماوات. والأرض امتلأت من تسبيحه وكان لمعان كالنور له من يديه شعاع، وهناك استتار قدرته. قدامه ذهب الوبأ. وعند رجليه خرجت الحمى. وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القوم. مسالك الأزل يسخط دست الأمم، خرجت لخلاص شعبك ٠٠٠ سحقت رأس بيت الشرير معرياً الأساس حتى العنق ٠٠٠ سلكت البحر بخيلك.. (١٢) . دلالات هذه الإشارات: لا يستطيع عاقل عالم بتاريخ الرسالات ومعانى التراكيب أن يصرف هذه النصوص على غير البشارة برسول الإسلام ﷺ . فالجهتان المذكورتان فى مطلع هذا المقطع وهما: تيمان: يعنى اليمن، وجبل فاران: يعنى جبل النور الذى بمكة المكرمة التى هى فاران. هاتان الجهتان عربيتان. وهما رمز لشبه الجزيرة العربية التى كانت مسرحاً أولياً لرسالة محمد ﷺ . فليس المراد إذن نبياً من بنى إسرائيل؛ لأنه معلوم أن رسل بنى إسرائيل كانت تأتى من جهة الشام شمالاً. لا من جهة بلاد العرب. وهذه البشارة أتت مؤكدة للبشارة المماثلة، التى تقدم ذكرها من سفر التثنية، وقد ذكرت أن الله: تلألأ أو استعلن من جبل فاران. بيد أن بشارة التثنية شملت الإخبار بمقدم موسىعليه السلام والتبشير بعيسى ﵇ وبمحمد ﷺ أما بشارة حبقوق فهى خاصة برسول الإسلام ﷺ . ولو لم يكن فى كلام حبقوق إلا هذا " التحديد " لكان ذلك كافياً فى اختصاص بشارته برسول الإسلام ﷺ ومع هذا فقد اشتمل كلام حبقوق على دلائل أخرى ذات مغزى: منها: الإشارة إلى كثرة التسبيح حتى امتلأت منه الأرض..؟! ومنها: دكه ﷺ لعروش الظلم والطغيان وقهر الممالك الجائرة. ومنها: أن خيل جيوشه ركبت البحر، وهذا لم يحدث إلا فى ظل رسالة الإسلام. على أن كلام حبقوق ملئ بالرمز والإشارات مما يفيدنا فى هذا المجال ولكننا نتجاوزه لأمرين: أحدهما: أن فى الإشارات الصريحة غناء عنها. وثانيهما: عدم التطويل ـ هنا ـ كما اتفقنا. بشاراته ﷺ فى العهد الجديد أسفار العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) حافلة بالنصوص التى يتعين أن تكون " بشارات " برسول الإسلام ﷺ . تلك البشارات تعلن أحياناً فى صورة الوعد بملكوت الله أو ملكوت السماوات. وأحيانا أخرى بالروح القدس. ومرات باسم المعزى أو الفارقليط، وهى كلمة يونانية سيأتى فيما بعد معناها، تلك هى صورة البشارات فى الأناجيل فى صيغها المعروفة الآن. ففى إنجيل متى وردت هذه العبارة مسندة إلى يحيى ﵇ المسمى فى الأناجيل: يوحنا المعمدان. وفيها يقول: " توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (١٣) . فمن هو ملكوت السماوات الذى بشر به يحيى؟! هل هو عيسى ﵇ كما يقول النصارى..؟! هذا احتمال.. ولكن متَّى نفسه يدفعه حيث روى عن عيسى ﵇ نفس العبارة: " توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (١٤) . فلو كان المراد بملكوت السماوات ـ هذه ـ عيسى ﵇ لما وردت هذه " البشارة " على لسان عيسى؛ إذ كيف يبشر بنفسه، وهو قائم موجود، والبشارة لا تكون إلا بشئ محبوب سيأتى، كما أن الإنذار ـ قسيمه ـ لا يكون إلا بشىء " مكروه " قد يقع. فكلاهما: التبشير والإنذار ـ أمران مستقبلان. إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم المستفاد من عبارة يحيى ﵉. فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير عيسى. ولم يأت بعد عيسى ـ باعتراف الجميع ـ رسول غير رسول الإسلام ﷺ . فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات فى عبارة عيسى ﵇ قولاً واحداً ـ وباحتمال أرجح فى عبارة يحيى،إذ لا مانع عندنا ـ أن يكون يحيى ﵇ قد بشر بها بعيسى ﵇. أما بشارة عيسى فلا موضع لها إلا الحمل ـ القطعى ـ على رسول الإسلام ﷺ . وفى صيغة الصلاة التى علمها المسيح لتلاميذه ـ كما يروى مَتَّى نفسه ـ بشارة أخرى بنبى الإسلام. وهذا هو نص مَتَّى فى هذا " فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذى فى السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك " (١٥) . ووردت هذه الصيغة فى إنجيل لوقا هكذا: " متى صليتم فقولوا: أبانا الذى فى السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك.. " (١٦) . ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلاميذه، وعلمهم كيف يقهرون الشياطين، ويشفون الأمراض ثم قال: " وأرسلهم ليكرزوا ـ أى يبشروا ـ بملكوت الله " (١٧) . أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول: " جاء يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله " (١٨) . فهؤلاء ثلاثة من التلامذة يتفقون على أن يحيى وعيسى ﵉ قد بشرا بملكوت الله الذى اقترب. فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول الإسلام ﷺ ؟ وأكاد أجزم بأن عبارة " المسيح، قد كمل الزمان " لا تعنى سوى انتهاء عصر الرسالات الموقوتة وإقبال الرسالة الخالدة..! ـ ٣ ـ أما يوحنا صاحب رابع الأناجيل. فإنه يذكر هذه البشارات فى مواضع متعددة من إنجيله. ومن ذلك ما يرويه عن المسيح ﵇ " الذى لا يحبنى لا يحفظ كلامى، والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للأب الذى أرسلنى. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزى (اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى) (١٩) الروح القدس، الذى سيرسله الأب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بما قلته لكم " (٢٠) . كما يروى يوحنا قول المسيح ـ الآتى ـ مع تلاميذه: " إنه خير لكم أن انطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر وعلى دينونة " (٢١) . ويروى كذلك قول المسيح لتلاميذه: " وأما إذا جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية "..؟! (٢٢) . فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذى بشر به المسيح ﵇ حسبما يروى يوحنا..؟! إن المسيح يقول: إن ذلك المُعَرِّى أو الروح القدس لا يأتى إلا بعد ذهاب المسيح، والمسيح ـ نفسه ـ يُقِرُّ بأن ذلك المُعَرِّى أو الروح أَجَلُّ منه شأنا، وأعم نفعاً وأبقى أثراً، ولذلك قال لتلاميذه: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَرِّى. وكلمة " خير " أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيراً لكم ذهابى ليأتيكم المعزى ولو كان " المُعَزَّى " مساويا للمسيح فى الدرجة لكانا مستويين فى الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن أنطلق. ومن باب أولى لو كان " المعزَّى " أقل فضلاً من المسيح. فعبارة المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه، لا مساوٍ له ولا أقل. ثم يصف المسيح ذلك المُعَرَّى أو الروح بأوصاف ليست موجودة فى المسيح نفسه ﵇. ومن تلك الأوصاف: أـ إنه يعلم الناس كل شىء. وهذا معناه شمول رسالته لكل مقومات الإصلاح فى الدنيا والدين. وذلك هو الإسلام. ب ـ إنه يبكت العالم على خطية. والشاهد هنا كلمة " العالم " وهذا معناه شمول الإسلام لكل أجناس البشر، عربا وعجماً، فى كل زمان ومكان. ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إلا الإسلام. جـ ـ إنه يخبر بأمور آتية، ويذكر بما مضى. وقد تحقق هذا فى رسالة محمد ﷺ . فأخبر بأمور آتية لم يخبر بها من سبقه أو أخبروا ولكن ليس على وجه التفصيل والتأكيد الذى كان على يديه ﷺ فكم فى القرآن من أمور أخبر بها قبل أن تقع فوقعت كما أخبر، وكم فيه من الإخبار بما سيكون فى الحياة الآخرة من أوصاف الجنة، والنار، والبعث، وعلامات الساعة، وتخاصم أهل النار، وحوار أصحاب الجنة مع " رجال الأعراف "، وندم من باعوا دينهم بدنياهم. إلخ.. إلخ. وذكر بما مضى من أحوال الأمم، وقيام الحضارات ثم سقوطها وأحوال المرسلين وما بلغوا به أقوامهم والشهادة لهم بالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء، ومسلك بعض الأقوام من رسلهم والصراع الذى دار بين المحقين وأهل الباطل، وعاقبة بعض المكذبين.. إلخ..إلخ. ثم استوعبت رسالته الحياة كلها فأرست قواعد الاعتقاد الصحيح وسنت طرق العبادة المثمرة، ووضعت أصول التشريع فى كل ما هو متعلق بالحياة عاجلها وآجلها، ووضحت العلاقة السليمة بين المخلوق والخالق، وبين الناس بعضهم بعضاً. وحررت العقول، وطهرت القلوب ورسمت طريق الهدى لكل نفس ولكل جماعة ولكل أمة. أى أنها أرشدت إلى كل شىء. وعلمت كل شىء مما يحتاج تعلمه إلى وحى وتوقيف..! ذلك هو الإسلام، ولا شىء غير الإسلام. وشهدت ـ فيما شهدت ـ للمسيح ﵇ بأنه رسول كريم أمين أدى رسالته وبشر وأنذر بنى إسرائيل. وأنه عبده ورسوله (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون) (٢٣) . وشهادة رسول الإسلام لعيسى ﵇ منصوص عليها فى بشارات عيسى نفسه به ﷺ . فاسمع إلى يوحنا وهو يروى عن المسيح ﵇ قوله الآتى. " ومتى جاء المعزَّى الذى سأرسله " أنا " إليكم من الأب روح الحق من عند الأب ينبثق فهو يشهد لى.. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من الابتداء " (٢٤) . روح القدس هذا، أو المعزَّى، أو روح الحق لا يمكن أن يكون عيسى؛ لأن عيسى لم يبشر بنفسه، وهو كان موجوداً ساعة قال هذا ولا يمكن أن يكون المراد به نبياً بعد عيسى غير محمد ﷺ لأننا متفقون على أن عيسى لم يأت بعده نبى قبل رسول الإسلام ﷺ . فتعين أن يكون روح القدس، أو المعزَّى، أو روح الحق تبشيرا بمحمد ﷺ إذ فيه تجتمع تلك الأوصاف، كما يتحقق فيه معنى " الأفضلية " إذ هو خاتم النبيين، الذى جاء بشريعة خالدة عامة، وعلى هذا حملنا قبلا قول عيسى: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّى " وهذا إقرار من عيسى بأن المبشر به أفضل من المُبَشِّر وكفى بذلك شواهد. أما البشارة باسم " الفارقليط " فقد خلت منها الترجمات العربية المعاصرة للكتاب المقدس. ومعلوم أن الكتاب المقدس خضع للترجمات وطبعات متعددة؛ لدرجة أن الترجمات العربية لتختلف من نسخة إلى أخرى اختلافا بيناً. وتحت يدى ـ الآن ـ نسختان من الطبعات العربية كلتاهما خاليتان من كلمة الفارقليط، وموضوع مكانها كلمة المعزى. بيد أننى وجدت أن ابن القيم، وابن تيمية، كل منهما قد نقل عن نسخ خطية كانت معاصرة لهما نصوصاً فيها التصريح باسم" الفارقليط " كما أن الشيخ رحمت الله الهندى ﵀ نقل فى كتابه " إظهار الحق " نصوصاً " عن ترجمات عربية ترجع إلى أعوام: ١٨٢١ ـ ١٨٣١ ـ ١٨٤٤م وتمت فى لندن معنى " الفارقليط ": كلمة يونانية معناها واحد مما يأتى: الحامد ـ الحماد ـ المحمود ـ الأحمد. أو معناها كل ما تقدم. فمعنى " فارقليط " يدور حول الحمد وجميع مشتقاته المشار إليها. وكل واحد منها يصح إطلاقه على رسول الإسلام ﷺ فهو الحامد والحمّاد والمحمود والأحمد، والمحمد. وفى الطبعات ـ اللندنية ـ المتقدم ذكرها ورد النص هكذا: " إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم فارقليط آخر، ليثبت معكم إلى الأبد ". " الفارقليط " روح القدس الذى يرسله الآب باسمى هو يعلمكم كل شىء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم " (٢٥) . ومقارنة هذين النصين بالنص المقابل لهما الذى نقلناه آنفا عن إنجيل يوحنا من الطبعات العربية الحديثة تريك أن الطبعات الحديثة حذفت كلمة " الفارقليط " ووضعت مكانها كلمة " المعزى " كما تريك أن الطبعات الحديثة حذفت جملة: " ليثبت معكم إلى الأبد " وهو نص على خلود الإسلام على أنهم عادوا واعترفوا بأن كلمة " المعزى " التى فى الطبعات الحديثة للكتاب المقدس أصلها مترجم عن كلمة يونانية لفظاً ومعنى وهى " باراكليتس " ومعناها المعزى، وليست " فارقليط " أو " بارقليط " التى معناها الحماد والحامد ٠٠٠ والتى يتمسك بها المسلمون..؟! وهذه المحاولات مردودة لسببين: أولهما: ليس نحن ـ المسلمين ـ الذين قاموا بعمل بالطبعات القديمة التى فيها " الفارقليط " وإنما طبعها النصارى قديماً. فعملهم حجة على الطبعات الحديثة وهم غير متهمين فى عملهم هذا. وثانيهما: ولو كانت الكلمة " هى: الباراكليتس " فلماذا خلت منها الطبعات القديمة والنسخ المخطوطة؟! بل ولماذا خلت منها الطبعات الحديثة..؟! وأيا كان المدار: فارقليط، أو باراكليتس، أو المعزى، أو الروح القدس فنحن لا نعول على الكلمة نفسها بقدر ما نعول على الأوصاف التى أجريت عليها. مثل يعلمكم كل شىء ـ يمكث معكم إلى الأبد. فهذه الأوصاف هى لرسول الإسلام ﷺ ومهما اجتهدتم فى صرفها عنه فلن تنصرف. ولهم " شبهة " أخرى يحلو لهم تردادها وهى: محمد ﷺ عربى الجنس واللسان، فكيف يرسله الله إلى أمم وأجناس غير عربية.. وكيف يكلف الله الناس برسالة لا يعرفون لغتها ولا عهد لهم بالتحدث معها. وكيف يستطيعون أن يفهموا القرآن، وتوجيهات رسول الإسلام، وهما باللغة العربية.؟! رد الشبهة نرد عليها من طريقين: الأول: وهو مستمد من واقع القوم أنفسهم. فهم يدعون تبعاً لما قال " بولس " أن عيسى ﵇ مرسل لخلاص العالم كله. وأنه أمر حوارييه أن يكرزوا كل العالم برسالة الخلاص، وفى أيامنا هذه كثرت المنشورات التى تقول: المسيح مخلص العالم. وهنا نسأل القوم سؤالاً: أية لغة كانت لغة المسيح ﵇ وحوارييه؟! هل هى العبرانية أم اليونانية؟! وأيا كان الجواب فإن المسيح كان يتكلم لغة واحدة. وأوحى إليه الإنجيل بلغة واحدة.. فعلى أى أساس إذن قلتم: إنه منقذ لكل العالم؟! هل كل العالم كان وما يزال يعرف لغة المسيح؟! أم أن العالم أيام المسيح كان يتكلم بعدة لغات.. والآن يتكلم بمئات اللغات..؟! فإن كنتم قد ادعيتم أن المسيح هو منقذ كل العالم مع تسليمكم بأنه كان يتكلم بلغة واحدة فلماذا تنكرون على رسول الإسلام أن يكون مرسلاً لكل العالم.؟! وما الفرق بين رسول الإسلام ﷺ والمسيح ﵇ حتى تحظروا عليه ما استبحتموه للمسيح؟! أهذا عدل.. أهذا إنصاف!! وإن تنازلتم عن عالمية المسيح فأنتم مدينون..؟! الثانى: وهو مستمد من طبيعة الإسلام. ومن تاريخه الطويل الحافل بكل عجيب. نعم: إن محمداً ﷺ عربى اللسان، والجنس، والقرآن العظيم الذى جاء به عربى اللسان، عالمى التوجيه والتشريع والسلطان. ووحدة اللغة فى الإسلام مثل وحدة العقيدة فيه. ولم يحل دون انتشار الإسلام بين الأمم والشعوب غير العربية أن لغة رسالته عربية ورسوله عربى ورواده الأوائل عرب. هذه الاعتبارات لم تحل دون نشر الإسلام لجميع شعوب الأرض باختلاف لغاتها وعقائدها وأجناسها. وكان سلوك الدعوة إلى الإسلام حكيما، وهذه أبرز ملامحه. أولاً: إن صاحب الدعوة ﷺ أرسل رسله يحملون رسائله وكتبه إلى كل رؤساء القبائل وملوك الأمم والشعوب، وقد بدأت هذه الطريقة بعد وقوع صلح الحديبية، وكل حامل رسالة أو كتاب إلى رئيس أو ملك كان على علم بلغة من هم المبعوث إليهم. فقد أرسل النبى ﷺ إلى هرقل دحية بن خليفة الكلبى. وأرسل إلى المقوقس عظيم القبط بمصر حاطب بن أبى بلتعة. وأرسل إلى كسرى عبد الله بن حذافة السهمى. وأرسل إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى شجاع بن ذهب الأسدى. وكان هؤلاء الرسل عالمين بلغات من أرسلوا إليهم. كما كان ﷺ يحتفظ بمترجمين يترجمون له ما يرد من رسائل لغتها غير العربية. ثانياً: إن الملوك والرؤساء كان لديهم مترجمون ـ كذلك ـ يترجمون لهم ما يرد من رسول الإسلام أو يقومون بالترجمة من العربية إلى غيرها، ومن غير العربية إلى العربية فى حالة ما إذا كان " المرسل " وفداً يحمل رسائل شفوية للتبليغ. ثالثاً: إن اليهود وكثيراً من النصارى كانوا يعرفون اللسان العربى، ومن النصارى من هم عرب خلص كنصارى نجران، كما أن العجم من الفرس والروم كان من بينهم عرب يعايشونهم ويقيمون بينهم. رابعاً: كان صاحب الدعوة ﷺ يحض أصحابه على تعلم لغات الأمم ومما يروى عنه ـ عليه الصلاة السلام ـ قوله: من تعلم لغة قوم أمن غوائلهم. خامساً: لما اجتازت الدعوة مرحلة الدعوة بالرسالة والكتاب والوفد، والبعث، ودخلت فى مرحلة الفتح كان الجنود المسلمون ينشرون اللغة العربية كما ينشرون الإسلام نفسه. وما من أرض حل بها الإسلام إلا وقد حلت بها اللغة العربية تعضده، وتؤازره فى انسجام عجيب، فقضت اللغة العربية على لغات الأمم والشعوب وحلت هى محلها. قضت على القبطية فى مصر وعلى الفارسية فى الشام وعلى البربرية فى شمال غرب أفريقيا كما قضت على السريانية وغيرها من اللغات، وأصبحت هى لغة الحياة والإدارة والكتابة والنشر والتأليف. سادساً: قام العرب المسلمون بترجمة ما دعت إليه المصلحة من تراث الأمم المفتوحة، ففتحوا نوافذ الفكر، والثقافة، والمعرفة لمن لا يعرف غير العربية من العرب المسلمين. كما ترجموا من الفكر الإسلامى ما يصلح ضرورة لغير العرب من المسلمين فنقلوه من العربية إلى غير العربية وفاءً بحق الدعوة والتبليغ. سابعاً: أقبل غير العرب من الذين دخلوا الإسلام على تعلم العربية وتركوا لغاتهم الأصلية وأصبحوا عربى اللسان واللغة. ومن هؤلاء أعلام لا يحصون كان لهم فضل عظيم فى إنماء الفكر الإسلامى منهم اللغويون، والنحويون، والبيانيون، والفقهاء، والأصوليون، والمفسرون، والمحدثون، والمتكلمون، والفلاسفة، والمناطقة، والرياضيون، والأطباء، والفلكيون، بل والشعراء والأدباء والرحالة والجغرافيون، وغيرهم، وغيرهم. إن كل مجال من مجالات النشاط العلمى فى الإسلام نبغ فيه كثير من غير العرب بعد تعلمهم اللغة العربية التى كانوا فيها مثل أنجب وأحذق وأمهر أبنائها. ولو رحنا نحصى هؤلاء لضاق بنا السهل والوعر، فلتكن الإشارة إليهم نائباً عن ذلك التفصيل غير المستطاع. إن وحدة اللغة فى الإسلام لم تحل دون نشر الإسلام، فلم يمض طويل من الزمن حتى بلغت الدعوة مشارق الأرض ومغاربها. وصلت إلى الهند والصين فى أقصى الشرق، وإلى شواطئ المحيط الأطلسى فى أقصى الغرب وإلى بلاد النوبة جنوباً وإلى جبال البرانس جنوبى فرنسا شمالاً. وتوطدت فى قلب الكون: الحجاز واليمن والشام وفارس وبلاد ما بين النهرين وما وراء النهرين ومصر وجنوب الوادى، وتركت اللغة العربية الواحدة آثارها فى كل قطر أشرقت فيه شمس الإسلام، وحتى ما فارقه الإسلام ـ كأسبانيا ـ ما تزال حضارة الإسلام وآثار العربية تغزو كل بيت فيها. وكما استوعب الإسلام مناهج الإصلاح فى كل مجالات الحياة الإنسانية استوعبت شقيقته الكبرى " اللغة العربية " كل أنماط التعبير ووسعت بسلطانها كل وسائل التسجيل والتدوين.. وامتلكت ناصية البيان الرائع الجميل، فهى لغة علم، ولغة فن ومشاعر، ووجدان. وقانون وسلام وحرب، ودين ودنيا. إن أكثر من ألف مليون مسلم ينتشرون فى ربوع الأرض الآن لم يعجز الكثير منهم من غير العرب عن حفظ كتاب الله " القرآن العظيم " ويتلونه كما أنزل بلسان عربى فصيح. فإذا عاد إلى حديثه اليومى لجأ إلى لغة أمه وأبيه وبيئته. ومسلم غير عربى استطاع أن يحفظ أو يقرأ القرآن بلغته العربية الفصحى لهو قادر ـ لو أدى المسلمون العرب واجبهم نحو لغة التنزيل ـ أن يقرأ بها كتب الحديث، والفقه، والتشريع، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأدب وسائر العلوم والفنون. ولكنه ذنب العرب المسلمين لا ذنب اللغة. فهى مطواعة لمن يريد أن يتقنها إن وجد معلماً مخلصاً. والأمل كبير ـ الآن ـ فى أن يلتقى كل المسلمين على لغة واحدة، كما التقوا على عقيدة واحدة. إن رسول الإسلام ﷺ عالمى الدعوة وإن كان عربى اللسان والجنس. وإن الإسلام الحنيف عالمى التوجيه والسلطان وإن كانت لغة تنزيله عربية ورسوله عربياً، ورواده الأوائل عرباً.

стр. 50

٤٩- قوم النبى محمد ﷺ زناة من أصحاب الجحيم ! الرد على الشبهة: ما ذنب النبى محمد ﷺ أن يقع قومه ومن أرسل إليهم فى خطيئة الزنا أو أن يكونوا من أصحاب الجحيم؟ مادام هو صلوات الله وسلامه عليه قد برئ من هذه الخطيئة ولاسيما فى مرحلة ما قبل النبوة، وكانت مرحلة الشباب التى يمكن أن تكون إغراء له ولأمثاله أن يقعوا فى هذه الخطيئة؛ لاسيما وأن المجتمع الجاهلى كان يشجع على ذلك وكان الزنا فيه من الأمور العادية التى يمارسها أهل الجاهلية شبانًا وشيبًا أيضًا. وكان للزنا فيه بيوت قائمة يعترف المجتمع بها، وتُعلق على أبوابها علامات يعرفها بها الباحثون عن الخطيئة، وتعرف بيوت البغايا باسم أصحاب الرايات. ومع هذا الاعتراف العلنى من المجتمع الجاهلى بهذه الخطيئة، ومع أن ممارستها للشباب وحتى للشيب لم تكن مما يكره المجتمع أو يعيب من يمارسونه؛ فإن محمدًا ﷺ لم يقع فيها أبدًا بل شهدت كل كتب السير والتواريخ له ﷺ بالطهارة والعفة وغيرهما من الفضائل الشخصية التى يزدان بها الرجال وتحسب فى موازين تقويمهم وتقديرهم، وأرسله الله سبحانه ليغير هذا المنكر. هذه واحدة والثانية: أن الرسالة التى دعا بها ودعا إليها محمد ﷺ حرّمت الزنا تحريماً قاطعاً وحملت آياتها فى القرآن الكريم عقاباً شديداً للزانى والزانية يبدأ بعقوبة بدنية هى أن يجلد كل منهما مائة جلدة قاسية يتم تنفيذها علناً بحيث يشهدها الناس لتكون عبرة وزجراً لهم عن التورط فيها كما تقول الآية الكريمة: (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (١) . فإذا كان الزانيان محصنين أى كل منهما متزوج ارتفعت العقوبة إلى حدّ الإعدام رمياً بالحجارة حتى الموت. ولا تقف العقوبة عند ذلك بل نرى أن رسالة محمد ﷺ تضع مَنْ يمارسون هذه الخطيئة فى مرتبة دونية من البشر حتى لكأنهم صنف منحط وشاذ عن بقية الأطهار الأسوياء فتقول الآية الكريمة عنهم: (الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (٢) . من الذى يحمل المسئولية عن الخطيئة؟ فإذا كان محمد ﷺ قد طهر من هذه الخطيئة فى المجتمع الذى كان يراها عادية ومألوفة، ثم كانت رسالته ﷺ تحرمها التحريم القاطع والصريح، وتضع مرتكبيها فى مرتبة الانحطاط والشذوذ عن الأسوياء من البشر.. فلِمَ يُعَيّر محمد ﷺ بأن بعض قومه زناة؟ وهل يصح فى منطق العقلاء أن يعيبوا إنساناً بما فى غيره من العيوب؟ وأن يحملوه أوزار الآخرين وخطاياهم؟. وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه وهو خاص بالمسئولية عن الخطيئة أهى فردية خاصة بمن يرتكبونها؟ أم أن آخرين يمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها؟ ! أن الإسلام يمتاز بأمرين مهمين: أولهما: أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها ولا يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه فى حملها غيره وصريح آيات القرآن يقول: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت) (٣) . ثم: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) (٤) . وورد هذا النص فى آيات كثيرة. أما الأمر الثانى: فيما أقره الإسلام فى مسألة الخطيئة فهو أنها لا تورث، ولا تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو بين الآباء وأبنائهم وفى هذا يقول القرآن الكريم: (واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً) (٥) . (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) (٦) . (ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب) (٧) . (يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها) (٨) . (ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) (٩) . (كل نفس بما كسبت رهينة) (١٠) . وغير هذا كثير مما يؤكد ما أقرَّه الإسلام من أن الخطايا فردية وأنها لا تورث ولا يجزى فيها والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً. وما دام الأمر فلا أن فلم يلام محمد ﷺ ولا يعاب شخصه أو تعاب رسالته بأن بعض أهله أو حتى كلهم زناة مارسوا الخطيئة التى كان يعترف بها مجتمعه ولا يجزى فيها شيئاً أو ينقص الشرف والمروءة أو يعاب بها عندهم من يمارسها. وحسب محمد ﷺ أنه لم يقع أبداً فى هذه الخطيئة لا قبل زواجه ولا بعده، ثم كانت رسالته دعوة كبرى إلى التعفف والتطهر وإلى تصريف الشهوة البشرية فى المصرف الحلال الذى حض الإسلام عليه وهو النكاح الشرعى الحلال، ودعا المسلمين إلى عدم المغالاة فى المهور تيسيراً على الراغبين فى الحلال، حتى كان الرسول ﷺ يزوج الرجل بأقل وأيسر ما يملك من المال، وأثر عنه ﷺ أن شاباً جاءه يرغب إليه فى الزواج وما كان معه ما يفى بالمراد فقال له ﷺ : [التمس ولو خاتماً من حديد] (١١) . أكثر من هذا أنه ﷺ كان يزوج بعض الصحابة بما يحفظ من القرآن الكريم. لهذا لم تقع خطايا الزنا فى المجتمع فى العهد النبوى كله إلا فى ندرة نادرة، ربما لأن الحق سبحانه شاء أن تقع وأن يقام فيها الحد الشرعى ليسترشد بها المجتمع فى مستقبل الأيام؛ كتشريع تم تطبيقه فى حالات محددة يكون هادياً ودليلاً فى القضاء والحكم. هذا عن اتهام محمد ﷺ بأن أهله زناة، وهو كما أوضحنا اتهام متهافت لا ينال من مقام النبوة ولا يرتقى إلى أقدام صاحبها ﷺ . وقد أتينا عليه بما تستريح إليه ضمائر العقلاء وبصائر ذوى القلوب النقية. أما عن اتهامه ﷺ بأن أهله من أصحاب الجحيم، فهى شهادة لجلال التشريع الذى أنزله الحق - على محمد فأكمل به الدين وأتم به النعمة. بل إن ما يعيبون به محمداً ﷺ من أن أهله من أصحاب الجحيم ليس أبداً عيبًا فى منطق العقلاء ذوى النصفة والرشد؛ بل إنه وسام تكريم لمحمد ﷺ ولرسالته الكاملة والخاتمة فى أن التشريع الذى نزلت به سوَّى بين من هم أقرباء محمد ﷺ وبين من هم غرباء عنه فى جميع الأحكام ثواباً وعقوبة. بل إن التشريع الذى نزل على محمد ﷺ نص صراحة على التزام العدل خاصة حين يكون أحد أطرافه ذا قربى فقال القرآن: (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (١٢) . وقوله: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) (١٣) . أما فى السنة النبوية فحديث المرأة المخزومية ـ من بنى مخزوم ذوى الشرف والمكانة ـ التى ارتكبت جريمة السرقة وهى جريمة عقوبتها حدّ السرقة وهو قطع يد السارق كما تنص عليه آيات القرآن، وشغل بأمرها مجتمع المدينة لئلا يطبق عليها الحدّ فتقطع يدها وهى ذات الشرف والمكانة فسعوا لدى أسامة بن زيد - حبِّ رسول الله ﷺ أن يشفع لها لدى رسول الله ﷺ فكلم رسول الله ﷺ فقال: [أتشفع فى حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها] (١٤) . وعليه فكون بعض آل محمد وذوى قرباه من أصحاب الجحيم كأبى لهب عمه الذى نزلت فيه سورة المسد: (تبت يدا أبى لهب وتب) (١٥) وغيره ممن كان نصيرًا لهم مع بقائه على شركه.. كون هؤلاء من أصحاب الجحيم لأنهم بقوا على شركهم ولم تنفعهم قرابتهم لمحمد ﷺ هو فى الواقع شهادة تقدير تعطى لمحمد ورسالته التى سوَّت فى العدل بين القريب وبين الغريب، ولم تجعل لعامل القرابة أدنى تأثير فى الانحياز ضد الحق لصالح القريب على الغريب. وما قاله المبطلون هو فى الحق وسام وليس باتهام. وصلى الله وسلم على النبى العظيم.

стр. 51

٥٠- مات النبى ﷺ بالسم الرد على الشبهة: حين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد والكراهية يدفعها حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب، وبما لا يعيب، واتهامه بما لا يصلح أن يكون تهمة، حتى إنك لترى من يعيب إنساناً مثلاً بأن عينيه واسعتان أو أنه أبيض اللون طويل القامة، أو مثلاً قد أصيب بالحمى ومات بها، أو أن فلاناً من الناس قد ضربه وأسال دمه؛ فهذا كأن أو أن تعيب الورد بأن لونه أحمر مثلاً؛ وغير ذلك مما يستهجنه العقلاء ويرفضونه ويرونه إفلاسًا وعجزًا. أن محمداً ﷺ قدمت له امرأة من نساء اليهود شاة مسمومة فأكل منها فمات ﷺ . وينقلون عن تفسير البيضاوى: أنه لما فتحت خيبر واطمأن الناس سألت زينب بنت الحارس - وهى امرأة سلام بن مشكم (اليهودى) - عن أى الشاة أحب إلى محمد ﷺ ؟ فقيل لها: إنه يحب الذراع لأنه أبعدها عن الأذى فعمدت إلى عنزة لها فذبحتها ثم عمدت إلى سمّ لا يلبث أن يقتل لساعته فسمَّت به الشاة، وذهبت بها جارية لها إلى الرسول ﷺ وقالت له: يا محمد هذه هدية أهديها إليك. وتناول محمد الذراع فنهش منها.. فقال ﷺ : ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع والكتف تخبرنى بأنها مسمومة؛ ثم سار إلى اليهودية فسألها لم فعلت ذلك؟ قالت: نلت من قومى ما نلت ... وكان ذلك بعد فتح " خيبر " أحد أكبر حصون اليهود فى المدينة وأنه ﷺ قد عفا عنها. ثم يفصحون عن تفسير البيضاوى: أنه ﷺ لما اقترب موته قال لعائشة ـ رضى الله عنها ـ يا عائشة هذا أوان انقطاع أبهرى (١) . فليس فى موته ﷺ بعد سنوات متأثرًا بذلك السُّم إلا أن جمع الله له بين الحسنيين، أنه لم يسلط عليه من يقتله مباشرة وعصمه من الناس وأيضًا كتب له النجاة من كيد الكائدين وكذلك كتب له الشهادة ليكتب مع الشهداء عند ربهم وما أعظم أجر الشهيد. وأيضًا.. لا شك أن عدم موته بالسم فور أكله للشاة المسمومة وحياته بعد ذلك سنوات يُعد معجزة من معجزاته، وعَلَمًا من أعلام نبوته يبرهن على صدقه، وعلى أنه رسول من عند الله حقًا ويقينًا. وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يموت فى الأجل الذى أجله له رغم تأثره بالسم من لحظة أكله للشاة المسمومة حتى موته بعد ذلك بسنوات.

стр. 52

٥١- تعدد زوجات النبى محمد ﷺ قالوا إنه ﷺ : * تزوج زوجة ابنه بالتبنى (زيد بن حارثة) . * أباح لنفسه الزواج من أى امرأة تهبه نفسها (الخلاصة أنه شهوانى) . الرد على الشبهة: الثابت المشهور من سيرته ﷺ أنه لم يتزوج إلا بعد أن بلغ الخامسة والعشرين من العمر. والثابت كذلك أن الزواج المبكر كان من أعراف المجتمع الجاهلى رغبة فى الاستكثار من البنين خاصة ليكونوا للقبيلة عِزًّا ومنعة بين القبائل. ومن الثابت كذلك فى سيرته الشخصية ﷺ اشتهاره بالاستقامة والتعفف عن الفاحشة والتصريف الشائن الحرام للشهوة، رغم امتلاء المجتمع الجاهلى بشرائح من الزانيات اللاتى كانت لهن بيوت يستقبلن فيها الزناة ويضعن عليها " رايات " ليعرفها طلاب المتع المحرمة. ومع هذا كله ـ مع توفر أسباب الانحراف والسقوط فى الفاحشة فى مجتمع مكة ـ لم يُعرَف عن الرسول محمد ﷺ إلا التعفف والطهارة بين جميع قرنائه؛ ذلك لأن عين السماء كانت تحرسه وتصرف عنه كيد الشيطان. ويُرْوَى فى ذلك أن بعض أترابه الشباب أخذوه ذات يوم إلى أحد مواقع المعازف واللهو فغشَّاه الله بالنوم فما أفاق منه إلا حين أيقظه أترابه للعودة إلى دورهم. هذه واحدة.. أما الثانية فهى أنه حين بلغ الخامسة والعشرين ورغب فى الزواج لم يبحث عن " البكر " التى تكون أحظى للقبول وأولى للباحثين عن مجرد المتعة. وإنما تزوج امرأة تكبره بحوالى خمسة عشر عامًا، ثم إنها ليست بكرًا بل هى ثيب، ولها أولاد كبار أعمار أحدهم يقترب من العشرين؛ وهى السيدة خديجة وفوق هذا كله فمشهور أنها هى التى اختارته بعد ما لمست بنفسها ـ من خلال مباشرته لتجارتها ـ من أمانته وعفته وطيب شمائله ﷺ . والثالثة أنه ﷺ بعد زواجه منها دامت عشرته بها طيلة حياتها ولم يتزوج عليها حتى مضت عن دنياه إلى رحاب الله. وقضى معها - رضى الله عنها - زهرة شبابه وكان له منها أولاده جميعًا إلا إبراهيم الذى كانت أمه السيدة " مارية " القبطية. والرابعة أنه ﷺ عاش عمره بعد وفاتها - رضى الله عنها - محبًّا لها يحفظ لها أطيب الذكريات ويعدد مآثرها وهى مآثر لها خصوص فى حياته وفى نجاح دعوته فيقول فى بعض ما قال عنها: [صدقتنى إذ كذبنى الناس وأعانتنى بمالها] . بل كان ﷺ لا يكف عن الثناء عليها والوفاء لذكراها والترحيب بمن كن من صديقاتها، حتى أثار ذلك غيرة السيدة عائشة - رضى الله عنها. أما تعدد زوجاته ﷺ فكان كشأن غيره من الأنبياء له أسبابه منها: أولاً: كان عُمْرُ محمد ﷺ فى أول زواج له ﷺ بعد وفاة خديجة تجاوز الخمسين وهى السنّ التى تنطفىء فيها جذوة الشهوة وتنام الغرائز الحسية بدنيًّا، وتقل فيها الحاجة الجنسية إلى الأنثى وتعلو فيها الحاجة إلى من يؤنس الوحشة ويقوم بأمر الأولاد والبنات اللاتى تركتهم خديجة - رضى الله عنها -. وفيما يلى بيان هذا الزواج وظروفه. الزوجة الأولى: سودة بنت زمعة: كان رحيل السيدة خديجة - رضى الله عنها - مثير أحزان كبرى فى بيت النبى ﷺ وفى محيط الصحابة - رضوان الله عليهم - إشفاقًا عليه من الوحدة وافتقاد من يرعى شئونه وشئون أولاده. ثم تصادف فقدانه ﷺ عمه أبا طالب نصيره وظهيره وسُمِّىَ العام الذى رحل فيه نصيراه خديجة وأبو طالب عام الحزن. فى هذا المناخ.. مناخ الحزن والوحدة وافتقاد من يرعى شئون الرسول وشئون أولاده سعت إلى بيت الرسول واحدة من المسلمات تُسمى خولة بنت حكيم السلمية وقالت: له يا رسول الله كأنى أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة فأجاب ﷺ : [أجل كانت أم العيال وربة البيت] ، فقالت يا رسول الله: ألا أخطب عليك؟. فقال الرسول ﷺ : ولكن - من بعد خديخة؟! فذكرت له عائشة بنت أبى بكر فقال الرسول: لكنها ما تزال صغيره فقالت: تخطبها اليوم ثم تنتظر حتى تنضج.. قال الرسول ولكن من للبيت ومن لبنات الرسول يخدمهن؟ فقالت خولة: إنها سودة بنت زمعة، وعرض الأمر على سودة ووالدها: فتم الزواج ودخل بها ﷺ بمكة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سودة هذه كانت زوجة للسكران بن عمرو وتوفى عنها زوجها بمكة فلما حلّت تزوجها الرسول ﷺ وكانت أول امرأة تزوجها ﷺ بعد خديجة، وكان ذلك فى رمضان سنة عشر من النبوة. وعجب المجتمع المكى لهذا الزواج لأن " سودة " هذه ليست بذات جمال ولا حسب ولا تصلح أن تكون خلفًا لأم المؤمنين خديجة التى كانت عند زواج الرسول ﷺ بها جميلة وضيئة وحسيبة تطمح إليها الأنظار. وهنا أقول للمرجفين الحاقدين: هذه هى الزوجة الأولى للرسول بعد خديجة، فهى مؤمنة هاجرت الهجرة الأولى مع من فرّوا بدينهم إلى الحبشة وقد قَبِلَ الرسول زواجها حماية لها وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة. وليس الزواج بها سعارَ شهوة للرسول ولكنه كان جبرًا لخاطر امرأة مؤمنة خرجت مع زوجها من أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة ولما عادا توفى زوجها وتركها امرأة تحتاج هى وبنوها إلى من يرعاهم. الزوجة الثانية بعد خديجة: عائشة بنت أبى بكر الذى يقول عنه الرسول ﷺ : " إن من آمن الناس علىّ فى ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام..". ومعروف من هو أبو بكر الذى قال عنه الرسول ﷺ متحدثاً عن عطائه للدعوة " ما نفعنى مالٌ قط ما نفعنى مال أبى بكر "، وأم عائشة هى أم رومان بنت عامر الكنانى من الصحابيات الجليلات، ولما توفيت نزل رسول الله ﷺ إلى قبرها واستغفرلها وقال: " اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفى رسولك ﷺ "، وقال عنها يوم وفاتها: " من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان " ولم يدهش مكة نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين؛ بل استقبلته كما تستقبل أمرًا متوقعاً؛ ولذا لم يجد أى رجل من المشركين فى هذا الزواج أى مطعن - وهم الذين لم يتركوا مجالاً للطعن إلا سلكوه ولو كان زورًا وافتراء. وتجدر الإشارة هنا إلى أن زواج الرسول ﷺ بفتاة بينه وبينها قرابة خمسين عامًا ليس بدعا ولا غريبًا لأن هذا الأمر كان مألوفًا فى ذلك المجتمع. لكن المستشرقين ومن تحمل قلوبهم الحقد من بعض أهل الكتاب - على محمد ﷺ جعلوا من هذا الزواج اتهامًا للرسول وتشهيرًا به بأنه رجل شهوانى غافلين بل عامدين إلى تجاهل ما كان واقعًا فى ذلك المجتمع من زواج الكبار بالصغيرات كما فى هذه النماذج: - فقد تزوج عبد المطلب جد الرسول ﷺ من هالة بنت عم آمنة التى تزوجها أصغر أبنائه عبد الله ـ والد الرسول ﷺ . - وتزوج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب وهو أكبر سنًّا من أبيها. ـ وعرض عمر على أبى بكر أن يتزوج ابنته الشابة " حفصة " وبينهما من فارق السن مثل الذى بين المصطفى ﷺ وبين " عائشة " (١) . كان هذا واقع المجتمع الذى تزوج فيه الرسول ﷺ بعائشة. لكن المستشرقين والممتلئة قلوبهم حقدًا من بعض أهل الكتاب لم ترَ أعينهم إلا زواج محمد بعائشة والتى جعلوها حدث الأحداث - على حد مقولاتهم - أن يتزوج الرجل الكهل بالطفلة الغريرة العذراء (٢) . قاتل الله الهوى حين يعمى الأبصار والبصائر! الزوجة الثالثة: حفصة بنت عمر الأرملة الشابة: توفى عنها زوجها حنيس بن حذافة السهمى وهو صحابى جليل من أصحاب الهجرتين - إلى الحبشة ثم إلى المدينة - ذلك بعد جراحة أصابته فى غزوة أُحد حيث فارق الحياة وأصبحت حفصة بنت عمر بن الخطاب أرملة وهى شابة. وكان ترمّلها مثار ألم دائم لأبيها عمر بن الخطاب الذى كان يحزنه أن يرى جمال ابنته وحيويتها تخبو يومًا بعد يوم.. وبمشاعر الأبوة الحانية وطبيعة المجتمع الذى لا يتردد فيه الرجل من أن يخطب لابنته من يراه أهلاً لها.. بهذه المشاعر تحدث عمر إلى الصديق " أبى بكر " يعرض عليه الزواج من حفصة لكن أبا بكر يلتزم الصمت ولا يرد بالإيجاب أو بالسلب. فيتركه عمر ويمضى إلى ذى النورين عثمان بن عفان فيعرض عليه الزواج من حفصة فيفاجئه عثمان بالرفض.. فتضيق به الدنيا ويمضى إلى الرسول ﷺ يخبره بما حدث فيكون رد الرسول ﷺ عليه هو قوله: [يتزوج حفصةَ خيرٌ من عثمان ويتزوج عثمان خيرًا من حفصة] (٣) . وأدركها عمر - رضى الله عنه - بفطرته إذ معنى قول الرسول ﷺ فيما استشعره عمر هو أن من سيتزوج ابنته حفصة هو الرسول نفسه وسيتزوج عثمان إحدى بنات الرسول ﷺ . وانطلق عمر إلى حفصة والدنيا لا تكاد تسعه من الفرحة وارتياح القلب إلى أن الله قد فرّج كرب ابنته. الزوجة الرابعة: أم سلمة بنت زاد الراكب: من المهاجرين الأولين إلى الحبشة وكان زوجها (أبو سلمة) عبد الله ابن عبد الأسد المخزومى أول من هاجر إلى يثرب (المدينة) من أصحاب محمد ﷺ . جاءت إلى بيت النبى ﷺ كزوجة بعد وفاة " أم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية " بزمن غير قصير. سليلة بيت كريم، فأبوها أحد أجواد قريش المعروفين بلقب زاد الراكب؛ إذ كان لا يرافقه أحد فى سفر إلا كفاه زاده. وزوجها الذى مات عنها صحابى من بنى مخزوم ابن عمة المصطفى ﷺ وأخوه من الرضاعة ذو الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة. وكانت هى وزوجها من السابقين إلى الإسلام. وكانت هجرتهما إلى المدينة معًا وقد حدث لها ولطفلها أحداث أليمة ومثيرة ذكرتها كتب السير. رضى الله عن أم سلمة.. ولا نامت أعين المرجفين. الزوجة الخامسة: زينب بنت جحش: لم أرَ امرأة قط خيرًا فى الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبديلا إلا لنفسها فى العمل الذى تتصدق وتتقرب به إلى الله ؟ (٤) . هكذا تحدثت أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها- عن " ضرّتها " زينب بنت جحش. أما المبطلون الحاقدون من بعض أهل الكتاب فقالوا: أُعْجِب محمد ﷺ وحاشا له - بزوجة متبناه " زيد بن حارثة " فطلقها منه وتزوجها. ويرد الدكتور هيكل فى كتابه " حياة محمد " (٥) ﷺ على هذا فيقول: إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم تارة أخرى، والخصومة القديمة للإسلام تأصلت فى النفوس منذ الحروب الصليبية هى التى تملى على هؤلاء جميعًا ما يكتبون. والحق الذى كنا نود أن يلتفت إليه المبطلون الحاقدون على الإسلام ورسوله ﷺ .. هو أن زواج محمد ﷺ من زوجة ابنه بالتبنى زيد بن حارثة إنما كان لحكمة تشريعية أرادها الإسلام لإبطال هذه العادة ـ عادة التبنى ـ التى هى فى الحقيقة تزييف لحقائق الأمور كان لها فى واقع الناس والحياة آثار غير حميدة. ولأن هذه العادة كانت قد تأصلت فى مجتمع الجاهلية اختارت السماء بيت النبوة بل نبى الرسالة الخاتمة نفسه ﷺ ليتم على يديه وفى بيته الإعلان العلمى عن إبطال هذه العادة. وتجدر الإشارة هنا إلى مجموعة الآيات القرآنية التى جاءت إعلاناً عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية وتفسيرًا للتشريع الجديد فى هذه ـ المسألة وفى موضوع الزواج بزينب حيث تقول: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (٦) . (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم) (٧) . (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً) (٨) . مرة أخرى نذكر بأن زواج الرسول ﷺ من زينب لم تكن وراءه أبدًا شهوة أو رغبة جنسية وإنما كان أمرًا من قدر الله وإرادته لإبطال عادة التبنى من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة فى المجتمع الجاهلى الذى كانت عادة التبنى أصلاً من أصوله وتقليدًا مستقرًا فيه، فكان السبيل لأبطالها أن يتم التغيير فى بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه ﷺ . وقد فطنت السيدة " زينب بنت جحش " نفسها إلى هذا الأمر فكانت تباهى به ضراتها وتقول لهن: " زوجكن أهاليكن وزوجنى ربى من فوق سبع سمَوات " (٩) . أما لماذا كان زيد بن حارثة نفسه يتردد على الرسول معربًا عن رغبته فى تطليق زينب؛ فلم يكن - كما زعم المرجفون - أنه شعر أن الرسول يرغب فيها فأراد أن يتنازل عنها له.. ولكن لأن حياته معها لم تكن على الوفاق أو التواد المرغوب فيه؛ ذلك أن زينب بنت جحش لم تنس أبدًا ـ وهى الحسيبة الشريفة والجميلة أيضًا أنها أصبحت زوجًا لرجل كان رقيقًا عند بعض أهلها وأنه ـ عند الزواج بها ـ كان مولىً للرسول ﷺ أعتقه بعد ما اشتراه ممن أسره من قريش وباعه بمكة. فهو ـ وإن تبناه محمد وبات يسمى زيد بن محمد فى عرف المجتمع المكى كله، لكنه عند العروس الحسيبة الشريفة والجميلة أيضا ما يزال ـ كما كان بالأمس - الأسير الرقيق الذى لا يمثل حُلم من تكون فى مثل حالها من الحسب والجمال وليس هذا بغريب بل إنه من طبائع الأشياء. ومن ثم لم تتوهج سعادتها بهذا الزواج، وانعكس الحال على زيد بن حارثة فانطفأ فى نفسه توهج السعادة هو الآخر، وبات مهيأ النفس لفراقها بل لقد ذهب زيد إلى الرسول ﷺ يشكو زينب إليه كما جاء فى البخارى من حديث أنس قال: جاء زيد يشكو إلى الرسول فجعل ﷺ يقول له: [أمسك عليك زوجك واتق الله] (١٠) قال أنس: لو كان النبى كاتمًا شيئًا لكتم هذا الحديث. لكن الرسول ﷺ كان يقول له كما حكته الآية: أمسك عليك زوجك ولا تسارع بتطليقها. وزينب بنت جحش هى بنت عمة الرسول ﷺ كما سبقت الإشارة - وهو الذى زوجها لمولاه " زيد " ولو كانت به رغبة فيها لاختارها لنفسه؛ وخاصة أنه رآها كثيراً قبل فرض الحجاب، وكان النساء فى المجتمع الجاهلى غير محجبات فما كان يمنعه - إذًا - من أن يتزوجها من البداية؟! ؛ ولكنه لم يفعل. فالأمر كله ليس من عمل الإرادة البشرية لهم جميعًا: لا لزينب ولا لزيد ولا لمحمد ﷺ ، ولكنه أمر قدرى شاءته إرادة الله لإعلان حكم وتشريع جديدين فى قضية إبطال عادة " التبنى " التى كانت سائدة فى المجتمع آنذاك. يؤكد هذا ويدل عليه مجموع الآيات الكريمة التى تعلقت بالموضوع فى سورة الأحزاب. أما الجملة التى وردت فى قوله تعالى: (وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (١١) . فإن ما أخفاه النبى ﷺ هو كتم ما كان الله قد أخبره به من أن زينب ـ يومًا ما ـ ستكون زوجًا له؛ لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس: إنه تزوج زوجة ابنه بالتبنى (١٢) . الزوجة السادسة: جويرية بنت الحارث الخزاعية: الأميرة الحسناء التى لم تكن امرأة أعظم بركة على قومها منها فقد أعتق الرسول ﷺ بعد زواجه بها أهل مائة بيت من بنى المصطلق (التى هى منهم) . كانت ممن وقع فى الأسر بعد هزيمة بنى المصطلق من اليهود فى الغزوة المسماة باسمهم. وكاتبها من وقعت فى أسره على مال فذهبت إلى الرسول ﷺ فقال لها: " أو خير من ذلك؟. قالت: وما هو؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: وقد أفاقت من مشاعر الهوان والحزن: نعم يا رسول الله. قال: قد فعلت " (١٣) . وذاع الخبر بين المسلمين: أن رسول ﷺ قد تزوج بنت الحارث بن ضرار زعيم بنى المصطلق وقائدهم فى هذه الغزوة.. معنى هذا أن جميع من بأيديهم من أسرى بنى المصطلق قد أصبحوا بعد هذا الزواج كأنهم أصهار رسول الله ﷺ . وإذا تيار من الوفاء والمجاملة من المسلمين للرسول ﷺ تجسد فى إطلاق المسلمين لكل من بأيديهم من أسرى بنى المصطلق وهم يقولون: أصهار رسول الله، فلا نبقيهم أسرى. ومع أن زواج الرسول ﷺ بهذه الأسيرة بنت سيد قومها والذى جاءته ضارعة مذعورة مما يمكن أن تتعرض له من الذل من بعد عزة.. فإذا هو يرحمها بالزواج، ثم يتيح لها الفرصة لأن تعلن إسلامها وبذا تصبح واحدة من أمهات المؤمنين. ويقولون: إنه نظر إليها. وأقول: أما أنه نظر إليها فهذا لا يعيبه ـ وربما كان نظره إليها ضارعة مذعورة - هو الذى حرك فى نفسه ﷺ عاطفة الرحمة التى كان يأمر بها بمن فى مثل حالتها ويقول: [ارحموا عزيز قوم ذل] ، فرحمها وخيرها فاختارت ما يحميها من هوان الأسر ومذلة الأعزة من الناس. على أن النظر شرعًا مأذون به عند الإقدام على الزواج - كما فى هذه الحالة - وكما أمر به ﷺ أحد أصحابه عند رغبته فى الزواج - قائلاً له: [انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما] (١٤) . وقد توفيت فى دولة بنى أمية وصلى عليها عبد الملك بن مروان وهى فى السبعين من العمر - رضى الله عنها. الزوجة السابعة: صفية بنت حُيىّ ـ عقيلة بنى النضير: إحدى السبايا اللاتى وقعن فى الأسر بعد هزيمة يهود بنى النضير أمام المسلمين فى الوقعة المسماة بهذا الاسم، كانت من نصيب النبى ﷺ فأعتقها وتزوجها: فماذا فى ذلك؟ ولم يكن عتقه إياها وتزوجها بدعًا فى ذلك؛ وإنما كان موقفًا جانب الإنسانية فيه هو الأغلب والأسبق. فلم يكن هذا الموقف إعجابًا بصفية وجمالها؛ ولكنه موقف الإنسانية النبيلة التى يعبر عنها السلوك النبيل بالعفو عند المقدرة والرحمة والرفق بمن أوقعتهن ظروف الهزيمة فى الحرب فى حالة الاستضعاف والمذلة لا سيما وقد أسلمن وحسن إسلامهن. فقد فعل ذلك مع " صفية بنت حُيىّ " بنت الحارس عقيلة بنى النضير (اليهود) أمام المسلمين فى الموقعة المعروفة باسم (غزوة بنى قريظة) بعد انهزام الأحزاب وردّهم مدحورين من وقعة الخندق. الزوجة الثامنة: أم حبيبة بنت أبى سفيان نجدة نبوية لمسلمة فى محنة: إنها أم حبيبة " رملة " بنت أبى سفيان كبير مشركى مكة وأشد أهلها خصومة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه. كانت زوجًا لعبيد الله بن جحش وخرجا معًا مهاجرين بإسلامهما فى الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكما هو معروف أن الحبشة فى عهد النجاشى كانت هى المهجر الآمن للفارين بدينهم من المسلمين حتى يخلصوا من بطش المشركين بهم وعدوانهم عليهم؛ فإذا هم يجدون فى - ظل النجاشى - رعاية وعناية لما كان يتمتع به من حس إيمانى جعله يرحب بأتباع النبى الجديد الذى تم التبشير بمقدمه فى كتبهم على لسان عيسى بن مريم- ﵇ كما تحدث القرآن عن ذلك فى صورة الصف فى قوله: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدى من التوراة ومبشرًا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد) (١٥) . لكن أم حبيبة بنت أبى سفيان كانت وحدها التى تعرضت لمحنة قاسية لم يتعرض لمثلها أحد من هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى الحبشة؛ ذلك أن زوجها عبيد الله بن جحش قد أعلن ارتداده عن الإسلام ودخوله فى النصرانية وما أصعب وأدق حال امرأة باتت فى محنة مضاعفة: محنتها فى زوجها الذى ارتد وخان.. ومحنتها السابقة مع أبيها الذى فارقته مغاضبة إياه فى مكة منذ دخلت فى دين الله (الإسلام) .. وفوق هاتين المحنتين كانت محنة الاغتراب حيث لا أهل ولا وطن ثم كانت محنة حملها بالوليدة التى كانت تنتظرها والتى رزقت بها من بعد وأسمتها " حبيبة ".. كان هذا كله أكبر من عزم هذه المسلمة الممتحنة من كل ناحية والمبتلاة بالأب الغاضب والزوج الخائن!! لكن عين الله ثم عين محمد ﷺ سخرت لها من لطف الرعاية وسخائها ما يسّر العين ويهون الخطب، وعادت بنت أبى سفيان تحمل كنية جديدة، وبدل أن كانت " أم حبيبة " أصبحت " أم المؤمنين " وزوج سيد المسلمين - صلوات الله وسلامه عليه. والحق أقول: لقد كان نجاشى الحبشة من خلّص النصارى فأكرم وفادة المهاجرين عامة وأم المؤمنين بنت أبى سفيان بصفة خاصة. فأنفذ فى أمرها مما بعث به إليه رسول الله ﷺ أن يخطبها له. وكانت خطبة الرسول ﷺ لأم حبيبة بنت أبى سفيان نعم الإنقاذ والنجدة لهذه المسلمة المبتلاة فى الغربة؛ عوضتها عن الزوج الخائن برعاية سيد البشر ﷺ ؛ وعوضتها عن غضب الأب " أبى سفيان " برعاية الزوج الحانى الكريم صلوات الله عليه. كما كانت هذه الخطبة فى مردودها السياسى ـ لطمة كبيرة لرأس الكفر فى مكة أبى سفيان بن حرب الذى كان تعقيبه على زواج محمد لابنته هو قوله: " إن هذا الفحل لا يجدع أنفه "؛ كناية عن الاعتراف بأن محمدًا لن تنال منه الأيام ولن يقوى أهل مكة - وهو على رأسهم - على هزيمته والخلاص منه لأنه ينتقل كل يوم من نصر إلى نصر. كان هذا الاعتراف من أبى سفيان بخطر محمد وقوته كأنه استشفاف لستر الغيب أو كما يقول المعاصرون: تنبؤ بالمستقبل القريب وتمام الفتح. فما لبث أن قبل أبو سفيان دعوة الرسول ﷺ إياه إلى الإسلام وشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتقدم أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ يسأله قائلاً: " إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فهلا جعلت له ما يحل عقدته ويسكن حقده وغيظه، فقال صلوات الله وسلامه عليه فى ضمن إعلانه التاريخى الحضارى العظيم لأهل مكة عند استسلامهم وخضوعهم بين يديه: * من دخل داره فهو آمن. * ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن. * ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن " (١٦) . وانتصر الإسلام وارتفع لواء التوحيد ودخل الناس فى دين الله أفواجًا. وفى مناخ النصر العظيم.. كانت هى سيدة غمرتها السعادة الكبرى بانتصار الزوج ونجاة الأب والأهل من شر كان يوشك أن يحيط بهم. تلكم هى أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبى سفيان التى أحاطتها النجدة النبوية من خيانة الزوج وبلاء الغربة ووضعتها فى أعز مكان من بيت النبوة. الزوجة التاسعة: ميمونة بنت الحارث الهلالية أرملة يسعدها أن يكون لها رجل: آخر أمهات المؤمنين.. توفى عنها زوجها أبو رهم بن عبد العزّى العامرى؛ فانتهت ولاية أمرها إلى زوج أختها العباس الذى زوجها رسول الله ﷺ ؛ حيث بنى بها الرسول ـ فى " سرف " قرب " التنعيم" على مقربة من مكة حيث يكون بدء الإحرام للمعتمرين من أهل مكة والمقيمين بها. وقيل: إنه لما جاءها الخاطب بالبشرى قفزت من فوق بعيرها وقالت: البعير وما عليه لرسول الله ﷺ ، وقيل: إنها هى التى وهبت نفسها للنبى والتى نزل فيها قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين..) (١٧) . كانت آخر آمهات المؤمنين وآخر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 53

٥٢- محاولة النبى محمد ﷺ الانتحار الرد على الشبهة: الحق الذى يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التى استندتم إليها ـ يا خصوم الإسلام ـ ليست صحيحة رغم ورودها فى صحيح البخارى ـ رضى الله عنه ـ؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة، ولكن أوردها تحت عنوان " البلاغات " يعنى أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ، ومعروف أن البلاغات فى مصطلح علماء الحديث: إنما هى مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (١) . وقد علق الإمام ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى (٢) بقوله: " إن القائل بلغنا كذا هو الزهرى، وعنه حكى البخارى هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله ﷺ ، وقال الكرمانى: وهذا هو الظاهر ". هذا هو الصواب، وحاش أن يقدم رسول الله ـ وهو إمام المؤمنين ـ على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه. وعلى كلٍ فإن محمداً ﷺ كان بشراً من البشر ولم يكن ملكاً ولا مدعيًا للألوهية. والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان ﷺ يعتنى بها، وقد قال القرآن الكريم فى ذلك: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولاً) (٣) . ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - فى علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته ﷺ . وحين فتر (تأخر) الوحى بعد أن تعلق به الرسول ﷺ كان يذهب إلى المكان الذى كان ينزل عليه الوحى فيه يستشرف لقاء جبريل، فهو محبّ للمكان الذى جمع بينه وبين حبيبه بشىء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا فى ذلك أيها الظالمون دائماً لمحمد ﷺ فى كل ما يأتى وما يدع؟ وإذا كان أعداء محمد ﷺ يستندون إلى الآية الكريمة: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) (٤) . فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبى محمد ﷺ بسبب صدود قومه عن الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم ﷺ بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور. وهذا خاطر طبيعى للنبى الإنسان البشر الذى يعلن القرآن على لسانه ﷺ اعترافه واعتزازه بأنه بشر فى قوله - رداً على ما طلبه منه بعض المشركين-: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أوتأتى بالله والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) . فكان رده: (سبحان ربى) متعجباً مما طلبوه ومؤكداً أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم: (هل كنت إلا بشراً رسولاً) (٥) . أما قولهم على محمد ﷺ أنه ليست له معجزة فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعاً. حيث ثبت فى صحيح الأخبار معجزات حسية تمثل معجزة الرسول ﷺ ، كما جاءت الرسل بالمعجزات من عند ربها؛ منها نبع الماء من بين أصابعه، ومنها سماع حنين الجذع أمام الناس يوم الجمعة، ومنها تكثير الطعام حتى يكفى الجم الغفير، وله معجزة دائمة هى معجزة الرسالة وهى القرآن الكريم الذى وعد الله بحفظه فَحُفِظَ، ووعد ببيانه؛ لذا يظهر بيانه فى كل جيل بما يكتشفه الإنسان ويعرفه.

стр. 54

٥٣- ولادة النبى محمد ﷺ عادية الرد على الشبهة: لأن ولادة السيد المسيح ﵇ تمت على هبة من الله ﵎ للسيدة العذراء مريم ﵍ وليس من خلال الزواج بينها وبين رجل. فبعض أهل الكتاب (النصارى منهم خاصة) يتصورون أن كل نبى لا بد أن يولد بمثل هذه الطريقة. وإذا كانت ولادة محمد ﷺ مثل غيره من ملايين خلق الله فإن هذا عندهم مما يعيبونه به ﷺ ويطعنون فى صحة نبوته. ١- فلم يدركوا أن بشرية محمد ﷺ هى واحدة من القسمات التى شاركه فيها كل رسل الله تعالى منذ نوح وإبراهيم وغيرهما من بقية رسل الله إلى موسى ﵇ الذين ولدوا جميعاً من الزواج بين رجل وامرأة. ولم يولد من غير الزواج بين امرأة ورجل إلا عيسى ﵇ وكان هذا خصوصية له لم تحدث مع أى نبى قبله، ولم تحدث كذلك مع محمد ﷺ . ٢- كانت ولادة محمد ﷺ إعلاناً لكونه بشراً من البشر يولد كما يولد البشر ويجرى عليه من الأحوال فى أكله وشربه، وفى نومه وصحوه، وفى رضاه وغضبه وغير ذلك مما يجرى على البشر كالزواج والصحة والمرض والموت أيضاً. ٣- كان محمد ﷺ يعتز بهذه البشرية ويراها سبيله إلى فهم الطبيعة البشرية وإدراك خصائصها وصفاتها فيتعامل معها بما يناسبها، وقد اعتبر القرآن ذلك ميزة له فى قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) (١) . كما أعلن محمد ﷺ اعتزازه بهذه البشرية وعجزها حين أعلن قومه أنهم لن يؤمنوا به إلا إذا فجر لهم ينابيع الماء من الأرض، أو أن يكون له بيت من زخرف، أو أن يروه يرقى فى السماء وينزل عليهم كتاباً يقرأونه، فكان رده ﷺ كما حكاه القرآن: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولاً) (٢) . ٤- لقد قرر القرآن قاعدة كون الرسل من جنس من يرسلون إليهم؛ بمعنى أن يكون المرسلون إلى الناس بشراً من جنسهم، ولو كان أهل الأرض من جنس غير البشر لكانت رسل الله إليهم من نفس جنسهم وذلك فى قوله تعالى: (قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) (٣) . وعلى المعنى نفسه جاءت دعوة إبراهيم ﵇: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك) (٤) . وقوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا) (٥) . وقوله تعالى (لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) (٦) . وقوله تعالى (فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله..) (٧) . وقوله تعالى (هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم) (٨) . وغير هذا كثير مما أكده القرآن وهو المنطق والحكمة التى اقتضتها مشيئته ـ تعالى ـ لما هو من خصائص الرسالات التى توجب أن يكون المرسل إلى الناس من جنسهم حتى يحسن إبلاغهم بما كلفه الله بإبلاغه إليهم وحتى يستأنسوا به ويفهموا عنه. ومن هنا تكون " بشرية الرسول " بمعنى أن يجرى عليه ما يجرى على الناس من البلاء والموت ومن الصحة والمرض وغيرها من الصفات البشرية فيكون ذلك أدعى لنجاح البلاغ عن الله.

стр. 55

٥٤- يحتاج محمد ﷺ إلى الصلاة عليه الرد على الشبهة: الحق أن الصلاة على محمد ﷺ من ربه ومن المؤمنين ليست دليل حاجة بل هى مظهر تكريم واعتزاز وتقدير له من الحق سبحانه وتقدير له من أتباعه، وليست كما يزعم الظالمون لسد حاجته عند ربه لأن ربه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. لأن أى مقارنة منصفة بين ما كان عليه ﷺ وبين غيره من أنبياء الله ورسله ترتفع به ليس فقط إلى مقام العصمة؛ بل إلى مقام الكمال الذى أتم به الله الرسالات، وأتم به التنزيل، وأتم به النعمة، فلم تعد البشرية بعد رسالته ﷺ بحاجة إلى رسل ورسالات. لذلك فإن رسالته ﷺ وهى الخاتمة والكاملة حملت كل احتياجات البشرية وما يلزمها من تشريعات ونظم ومعاملات وما ينبغى أن تكون عليه من أخلاق وحضارة مما افتقدت مثل كماله كل الرسالات السابقة. وحسب رسالة محمد ﷺ أنها جاءت رحمة عامة للبشرية كلها كما قال القرآن: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (١) . فلم تكن كما جاء ما قبلها رسالة خاصة بقوم رسولهم كما قال تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله) (٢) . (وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله) (٣) . (وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله) (٤) . وهكذا كل رسول كان مرسلاً إلى قومه.. لت كانت رسالة محمد ﷺ إلى العالمين وإلى الناس كافة كما جاء فى قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (٥) ، (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) (٦) . ورسالة محمد ﷺ كانت فوق كونها عالمية فقد كانت هى الخاتمة والكاملة التى ـ كما أشرنا ـ تفى باحتياجات البشر جميعاً وتقوم بتقنين وتنظيم شئونهم المادية والمعنوية عبر الزمان والمكان بكل ما فيه خيرهم فى الدنيا والآخرة. وفى هذا قال الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (٧) . وقال فى وصفه لإكمال الدين برسالة محمد ﷺ (الإسلام) : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) (٨) . إن عموم رسالة محمد إلى العالمين، وبإعتبارها الرسالة الكاملة والخاتمة؛ يعنى امتداد دورها واستمرار وجودها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مصداقاً لقوله تعالى: (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) (٩) .

стр. 56

٥٥- محمد ﷺ أُمّى فكيف علّم القرآن ؟ الرد على الشبهة: والأمى إما أن يكون المراد به من لا يعرف القراءة والكتابة أخذًا من " الأمية "، وإما أن يكون المراد به من ليس من اليهود أخذًا من " الأممية " حسب المصطلح اليهودى الذى يطلقونه على من ليس من جنسهم. فإذا تعاملنا مع هذه المقولة علمنا أن المراد بها من لا يعرف القراءة والكتابة فليس هذا مما يعاب به الرسول، بل لعله أن يكون تأكيدًا ودليلاً قويًا على أن ما نزل عليه من القرآن إنما هو وحى أُوحى إليه من الله لم يقرأه فى كتاب ولم ينقله عن أحد ولا تعلمه من غيره. بهذا يكون الاتهام شهادة له لا عليه (. وقد رد القرآن على هذه المقولة ردًا صريحًا فى قوله: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا * قل أنزله الذى يعلم السّر فى السموات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا) (١) . وحسب النبى الأمى الذى لا يعرف القراءة ولا الكتابة أن يكون الكتاب الذى أنزل عليه معجزًا لمشركى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة؛ بل ومتحديًا أن يأتوا بمثله أو حتى بسورة من مثله. كفاه بهذا دليلاً على صدق رسالته وأن ما جاء به ـ كما قال بعض كبارهم ـ " ليس من سجع الكهان ولا من الشعر ولا من قول البشر ". أما إذا تعاملنا مع مقولتهم عن محمد (أنه " أُمّى " على معنى أنه من الأمميين ـ أى من غير اليهود ـ فما هذا مما يعيبه. بل إنه لشرف له أنه من الأمميين أى أنه من غير اليهود. ذلك لأن اعتداد اليهود بالتعالى على من عداهم من " الأمميين " واعتبار أنفسهم وحدهم هم الأرقى والأعظم وأنهم هم شعب الله المختار ـ كما يزعمون. كل هذا مما يتنافى تمامًا مع ما جاء به محمد (من المساواة الكاملة بين بنى البشر رغم اختلاف شعوبهم وألوانهم وألسنتهم على نحو ما ذكره القرآن؛ الذى اعتبر اختلاف الأجناس والألوان والألسنة هو لمجرد التعارف والتمايز؛ لكنه ـ أبدًا ـ لا يعطى تميزًا لجنس على جنس، فليس فى الإسلام ـ كما يزعم اليهود ـ أنهم شعب الله المختار. ولكن التمايز والتكريم فى منظور الإسلام؛ إنما هو بالتقوى والصلاح كما فى الآية الكريمة: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) (٢) .

стр. 57

٥٦- محمد ﷺ يحرّم ما أحل الله الرد على الشبهة: استند الظالمون لمحمد ﷺ فى توجيه هذا الاتهام إلى ما جاء فى مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى: (يا أيها النبى لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) (١) . وهذه الآية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث فى بيت النبى ﷺ عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة المعروفة عن النساء عامة إذ كان ﷺ قد دخل عند إحداهن وأكل عندها طعامًا لا يوجد فى بيوتهن، فأسر إلى إحداهن بالأمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحرّم ﷺ تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن. والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحرّم ما أحل الله هو تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له.. فمطلع الآية (لم تحرم ما أحل الله لك (هو فقط من باب " المشاكلة " لما قاله النبى لنسائه ترضية لهن؛ والنداء القرآنى ليس اتهامًا له ﷺ بتحريم ما أحل الله؛ ولكنه من باب العتاب له من ربه سبحانه الذى يعلم ﵎ أنه ﷺ يستحيل عليه أن يحرّم شيئًا أو أمرًا أو عملاً أحلّه الله؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته من خلقه العالى الكريم. ولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (٢) . وعليه فالقول بأن محمدًا ﷺ يحرّم ما أحل الله من المستحيلات على مقام نبوته التى زكاها الله ﵎ وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (٣) . فمقولة بعضهم أنه يحرّم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه، وما هو إلا وعد أو عهد منه ﷺ لبعض نسائه فهو بمثابة يمين له كفارته ولا صلة له بتحريم ما أحل الله.

стр. 58

٥٧- تعلّم محمد ﷺ من غيره الرد على الشبهة: وهى من أسوأ المفتريات على محمد ﷺ الذى قال ربه عنه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (١) . لكن الحقد حين يتمكن من قلوب الحاقدين يدفعهم إلى المنكر من القول ومن الزور، حتى إنهم ليتجرأون على قولٍ لا يقبله عقل عاقل، ولا يجرؤ على مثله إلا المفترون. فى هذه المقولة زعموا أنه حين كان ينزل عليه الوحى بالآيات التى أثبت العلم الحديث المعاصر أنها من أبرز آيات الإعجاز العلمى فى القرآن فيما تتصل بمراحل خلق الإنسان من سلالة من طين ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة ثم يكون إنشاؤه خلقًا آخر.. زعموا أن كاتب وحيه قال مادحًا مَنْ هذا خلقه: (تبارك الله أحسن الخالقين) (٢) . ثم أفرطوا فى زعمهم فقالوا إن محمدًا ﷺ قال له: اكتبها فهكذا نزلت علىّ..؟! وهنا لابد من وقفة: فأولاً: مما هو ثابت أن الرسول ﷺ كان إذا نزل عليه الوحى يأخذ العرق يتصبب من جسده ويكون فى غيبة عمن حوله.. فإذا انقضى الوحى أخذ فى ذكر وتلاوة ما نزل عليه من القرآن، وهذا ما تقرره كل كتب السيرة. ثانياً: معنى ما سبق أنه ﷺ لا يأخذ فى الإملاء على كاتب وحيه إلا بعد اكتمال نزول الوحى واكتمال نزول الآيات المتعلقة بمراحل خلق الإنسان فى سورة " المؤمنون ". ثالثًا: وبهذا يتضح كذب المقولة أن كاتب وحيه ﷺ هو الذى أملاها عليه وأنه أمر بإثباتها. رابعًا: أن لفظة " تبارك الله " تكررت فى القرآن الكريم تسع مرات، تلتقى جميعها فى مواضع يكون الحديث فيها عن قدرة الخالق فيما خلق من مثل قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) (٣) . (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (٤) . (تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا) (٥) . (تبارك الذى له ملك السموات والأرض وما بينهما) (٦) . (تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير) (٧) . فلماذا تعلم محمد ﷺ من كاتب وحيه آية " المؤمنون " دون غيرها مما جاء فى بقية السور؟!!

стр. 59

٥٨- محمد ﷺ يعظم الحجر الأسود الرد على الشبهة: إنهم فى هذه المقولة ـ يريدون أن يتهموه بأنه كان يعظم الحجر الأسود ـ بل ويعظم الكعبة كلها بالطواف حولها وهى حجر لا يختلف فى زعمهم عن الأحجار التى كانت تصنع منها الأوثان فى الجاهلية وكأن الأمر سواء!! وحقيقة الأمر أن من بعض ما استبقاه الإسلام من أحوال السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهى عن منكر، من ذلك ثناء الرسول ﷺ على حلف كان فى الجاهلية يسمى " حلف الفضول " وهو عمل إنسانى كريم كان يتم من خلاله التعاون على نصرة المظلوم، وفداء الأسير، وإعانة الغارمين، وحماية الغريب من ظلم أهل مكة وهكذا.. وقد أثنى الرسول ﷺ على هذا الحلف وقال: لو دعيت إلى مثله لأجبت. وأيضًا كان مما استبقاه الإسلام من فضائل السابقين مما ورثوه عن إبراهيم ﵇ تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به؛ بل وتقبيلهم للحجر الأسود. وهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة. وهنا فقط لا يكون أمامنا إلا ما ثبت من أن الرسول ﷺ كان يقبل الحجر الأسود عند طوافه بالبيت، وهو ما تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ أنه قال عن تقبيله لهذا الحجر: (والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) . وهنا نقول: من المستحيل أن يكون تقبيل الرسول ﷺ للحجر الأسود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الأصنام فيما كانوا يفعلون. ومستحيل أيضًا أن يكون ﷺ قد فعل ذلك - أى تقبيل الحجر الأسود - دون وحى أو إلهام وجهه ﷺ إلى تقبيل الحجر بعيدًا بعيدًا عن أى شبهة وثنية أو مجاراة لعبدة الأصنام. ولأنه ﷺ قال: [خذوا عنى مناسككم] فقد أصبح تقبيل الحجر الأسود من بعض مناسك الحجاج والعمار للبيت الحرام. كما أن تعظيم الحجر الأسود هو امتثال لأوامر الله الذى أمر بتعظيم هذا الحجر بالذات، وهو سبحانه الذى أمر برجم حجر آخر كمنسك من مناسك الحج فالأمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم لا يعدو كونه إقرارًا بالعبودية لله تعالى وامتثالاً لأوامره واستسلامًا لأحكامه.

стр. 60

٥٩- كاد محمد ﷺ أن يفتن الرد على الشبهة: أخذوا ذلك من فهم مغلوط لآيات سورة الإسراء: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلاً * إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا) (١) . بعض ما قيل فى سبب نزول هذه الآية أن وفد ثقيف قالوا للرسول ﷺ أجّلنا سنة حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا من (الأصنام) فإذا قبضنا ذلك كسرناها وأسلمنا، فهَمّ ﷺ بقبول ذلك فنزلت الآية. قوله تعالى: " كدت تركن إليهم " أى هممت أو قاربت أن تميل لقبول ما عرضوه عليك لولا تثبيت الله لك بالرشد والعصمة، ولو فعلت لعذبناك ضعف عذاب الحياة وعذاب الممات؛ يعنى: قاربت أن تستجيب لما عرضوه لكنك بتثبيت الله لم تفعل لعصمة الله لك. وكل مَنْ هُمْ على مقربة من الثقافة الإسلامية يعرفون أن " الهمّ " أى المقاربة لشىء دون القيام به أو الوقوع فيه لا يعتبر معصية ولا جزاء عليه وهو مما وضع عن الأمة وجاء به ما صح عن النبى ﷺ قوله: (وضع عن أمتى ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به) ، وعليه.. فإنه لا إثم ولا شىء يؤخذ على محمد ﷺ فى ذلك.

стр. 61

٦٠- قاتل محمد ﷺ فى الشهر الحرام الرد على الشبهة: وذلك لما ورد فى آيات سورة البقرة: (يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (١) . والمسلمون جميعاً وعلى رأسهم إمامهم ورسولهم محمد ﷺ هم أحفظ الناس لحرمة الأشهر الحرم وعدم القتال فيها واعتبار القتال فيها حدثًا كبيرًا أو كأنه كبيرة من الكبائر.. لكن ما الذى يفعله المسلمون إذا ما ووجهوا من أعدائهم من المشركين بالقتال والعدوان على الأنفس والأموال والأعراض، ليس هذا فحسب بل ماذا يفعل المسلمون إذا فوجئوا بمن يخرجهم من المسجد الحرام وهم أهله وهم أولى به من غيرهم؟! إن قانون " الدفع الحضارى " الذى يقره القرآن الكريم لحماية الكون من إفساد المتجبرين والظلمة، ثم لحماية بيوت العبادة للمسلمين والنصارى واليهود أيضًا، والذى عبرت عنه الآيتان الكريمتان: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (٢) . وقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) (٣) . هذا القانون القرآنى ـ وليس قانون من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ـ هو وحده الذى يحمى الكون والناس من إفساد المتجبرين وظلم الظالمين. وذلك على أساس أن من يمكن الله لهم فى الأرض بما يمنحهم من القوة والثروة والعلم يجب - وبحسب القانون القرآنى - أن يكونوا صالحين وأخيارًا؛ بمعنى: أن يستخدموا قوتهم وثروتهم وعلمهم لا فى الطغيان والتجبر ولكن فى حماية القيم النبيلة التى تحمى بها العدل والحق وتمكن لكل ما هو خير، وتنفى كل ما هو شر حتى تنعم البشرية بالأمن والاستقرار، وتعتدل أمور الحياة والناس. وهذا ما جاءت الآية التالية للآيتين السابقتين لتقره حيث يقول: (الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) (٤) . ولأن إقرار حقوق عباد الله فى أرض الله وحماية المستضعفين من بطش المتجبرين لا يقل حرمة عند الله من حرمة الأشهر الحرم فقد أبيح القتال فيها لمن ظُلموا من المسلمين ومن فُتنوا فى دينهم وأُخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا. وهذا ما تقرره الآية: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (٥) .

стр. 62

٦١- محمد ﷺ مذنب كما فى القرآن الرد على الشبهة: أخذوها من فهمهم الخاطئ فى مفتتح سورة " الفتح ": (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا) (١) . فقالوا: كتاب محمد يعترف عليه ويصفه بأنه مذنب!! وسيرة محمد سيد الخلق وخاتم الأنبياء ﷺ كتاب كبير مفتوح استوفى فيه كُتَّاب سيرته كل شىء فى حياته. فى صحوه ونومه وفى حربه وسلمه، وفى عبادته وصلواته، فى حياته مع الناس بل وفى حياته بين أهله فى بيته. ليس هذا فحسب بل إن صحابته حين كانوا يروون عنه حديثًا أو يذكرون له عملاً يصفونه ﷺ وصفًا بالغ الدقة وبالغ التحديد لكافة التفاصيل حتى ليقول أحدهم: قال ﷺ كذا وكان متكئاً فجلس، أو قال كذا وقد امتلأ وجهه بالسرور وهذا ما يمكن وصفه بلغة عصرنا: إنه تسجيل دقيق لحياته ﷺ بالصوت والصورة.. ثم جاء القرآن الكريم فسجل له شمائله الكريمة فقال عنه: إنه الرحمة المهداة إلى عباد الله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (٢) . ووصفه بأنه الرؤوف الرحيم بمن أرسل إليهم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (٣) . ثم لخص القرآن مجمل شمائله ﷺ فى قوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) (٤) . أكثر من هذا أن تكفل القرآن بإذاعة حتى ما هو من خلجات الرسول وحديث نفسه الذى بينه وبين الله مما لا يطلع الناس عليه على نحو ما جاء فى سورة الأحزاب فى أمر الزواج بزينب بنت جحش والذى كان القصد التشريعى فيه إبطال عادة التبنى من قوله تعالى: (وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذ قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً) (٥) . أقول: مع أن سيرة محمد ﷺ هى كتاب مفتوح لم يخف التاريخ منه شيئاً بل وتدخل القرآن ليكشف حتى ما يحدث به نفسه ﷺ مما لا يطلع عليه الناس، ولم يذكر له ﷺ ذلةً ولا ذنبًا فى قول أو عمل. أفبعد هذا لا يتورع ظالموه من أن يقولوا أنه " مذنب "؟ !!! ولو كان هؤلاء الظالمون لمحمد ﷺ على شىء من سلامة النظر وصفاء القلوب لانتبهوا إلى بقية سورة الفتح، والتى كانت كلها تثبيتاً للمؤمنين وللرسول وتبشيرًا لهم بالتأييد والنصر.. لو كان محمد ﷺ كما ادعيتم - من المذنبين والعاصين لكان من المستحيل أن يجعله الله تعالى ممن يؤيدهم بنوره ويتم عليهم نعمته ويهديهم صراطًا مستقيماً؛ لأن النصر يكون للصالحين لا للمذنبين. ونقف أمام الذنب فى منطوق الآية: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (فالذنب هنا ليس مما تعارف عليه الناس من الخطأ والآثام؛ لأن سنة الله ﵎ هى عصمة جميع أنبيائه وفى قمتهم خاتمهم ﷺ . وهذا مما يعرفه ويقره ويقرره أتباع كل الرسالات إلا قتلة الأنبياء ومحرّفى الكلم عن مواضعه من اليهود الذين خاضوا فى رسل الله وأنبيائه بما هو معروف. فالذنب هو ما يمكن اعتباره ذنباً على مستوى مقام نبوته ﷺ ذنبًا مما تقدره الحكمة الإلهية ـ لا ما تحدده أعراف الناس. ومع هذا كله فإن سيرة محمد ﷺ قبل البعثة كانت محل تقدير قومه وإكبارهم له لما اشتهر به ﷺ من العفة والطهر والتميز عن جميع أترابه من الشباب حتى كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين. أفبعد هذا لا يستحى الظالمون لمحمد ﷺ والحاقدون عليه من أهل الكتاب أن يقولوا: إنه مذنب؟!! (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) (٦) .

стр. 63

٦٢- الشيطان يوحى إلى محمد ﷺ الرد على الشبهة: الظالمون لمحمد ﷺ يستندون فى هذه المقولة إلى أكذوبة كانت قد تناقلتها بعض كتب التفسير من أنه ﷺ كان يقرأ فى الصلاة بالناس سورة " النجم: فلما وصل ﷺ إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى) (١) ؛ تقول الأكذوبة: إنه ﷺ قال: ـ حسب زعمهم ـ تلك الغرانيق (٢) العلى وإن شفاعتهن لترتجى. ثم استمر ﷺ فى القراءة ثم سجد وسجد كل من كانوا خلفه من المسلمين وأضافت الروايات أنه سجد معهم من كان وراءهم من المشركين!! وذاعت الأكذوبة التى عرفت بقصة " الغرانيق " وقال ـ من تكون أذاعتها فى صالحهم ـ: إن محمداً أثنى على آلهتنا وتراجع عما كان يوجهه إليها من السباب. وإن مشركى مكة سيصالحونه وسيدفعون عن المؤمنين به ما كانوا يوقعونه بهم من العذاب. وانتشرت هذه المقولة حتى ذكرها عدد من المفسرين حيث ذكروا أن المشركين سجدوا كما سجد محمد ﷺ وقالوا له: ما ذكرت آلهتنا بخير قبل اليوم ولكن هذا الكلام باطل لا أصل له. وننقل هنا عن الإمام ابن كثير فى تفسيره الآيات التى اعتبرها المرتكز الذى استند إليه الظالمون للإسلام ورسوله وهى فى سورة الحج حيث تقول: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (٣) وبعد ذكره للآيتين السابقتين يقول: " ذكر كثير من المفسرين هنا قصة " الغرانيق وما كان من رجوع كثير ممن هاجروا إلى الحبشة " ظنًّا منهم أن مشركى مكة قد أسلموا. ثم أضاف ابن كثير يقول: ولكنها - أى قصة " الغرانيق " - من طرق كثيرة مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، ثم قال ابن كثير: (٤) عن ابن أبى حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير قال: " قرأ رسول الله ﷺ بمكة " سورة النجم " فلما بلغ هذا الموضع. (أفرأيتم اللات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى (. قال بن جبير: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم.. فأنزل الله هذه الآية: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عزيز حكيم (ليقرر العصمة والصون لكلامه سبحانه من وسوسة الشيطان. وربما قيل هنا: إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم آياته فلماذا لم يمنع الشيطان أصلاً من إلقاء ما يلقيه من الوساوس فى أمنيات الأنبياء والجواب عنه قد جاء فى الآيتين اللتين بعد هذه الآية مباشرة: أولاً: ليجعل ما يلقيه الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض من المنافقين والقاسية قلوبهم من الكفار وهو ما جاء فى الآية الأولى منهما: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) (٥) . ثانياً: لميز المؤمنين من الكفار والمنافقين فيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم؛ وهو ما جاء فى الآية الثانية: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادى الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (٦) . هذا: وقد أبطل العلماء قديمًا وحديثًا قصة الغرانيق. ومن القدماء الإمام الفخر الرازى الذى قال ما ملخصه (٧) : " قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق وقد استدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول؛ أما القرآن فمن وجوه: منها قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (٨) . وقوله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى (. (٩) وقوله سبحانه حكاية عن رسوله ﷺ : (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ) (١٠) . وأما بطلانها بالسنة فيقول الإمام البيهقى: روى الإمام البخارى فى صحيحه أن النبى ﷺ قرأ سورة " النجم " فسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها حديث " الغرانيق " وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة ليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. فأما بطلان قصة " الغرانيق " بالمعقول فمن وجوه منها: أـ أن من جوّز تعظيم الرسول للأصنام فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه ﷺ كان لنفى الأصنام وتحريم عبادتها؛ فكيف يجوز عقلاً أن يثنى عليها؟ ب ـ ومنها: أننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه ﷺ فإنه لا فرق - فى منطق العقل - بين النقصان فى نقل وحى الله وبين الزيادة فيه.

стр. 64

٦٣- حول الاستغناء بالقرآن عن السنة وعلاقة السنة بالقرآن هناك مَنْ يكتفون بالقرآن الكريم.. ويشككون فى صحة الأحاديث، ويظهرون التناقضات بينها، ويذكرون الحديث الذى ينص على عدم زيارة المرأة للقبول، والحديث الذى يقول (فى معناه) أن الرسول ﷺ قال إننى قد أمرتكم بعدم زيارة القبور من قبل، والآن أسمح لكم بزيارة القبور.. فيشيرون إلى ذلك بأنه تناقض.. ويدللون على ذلك بأن الأمة قد فقدت الكثير من الأحاديث النبوية عبر الزمان، أو أن هذه الأحاديث قد حرفت عن معانيها الصحيحة.. (انتهى) . الرد على الشبهة: فى بداية الجواب عن شبهة هؤلاء الذين يشككون فى الأحاديث النبوية. ننبه على مستوى جهل كل الذين يثيرون مثل هذه الشبهات حول الحديث النبوى الشريف.. ذلك أن التدرج والتطور فى التشريع الذى يمثله حديث النهى عن زيارة القبور ثم إباحتها.. هذا التدرج والتطور فى التشريع لا علاقة له بالتناقض بأى وجه من الوجوه، أو أى حال من الأحوال. ثم إن التشكيك فى بعض الأحاديث النبوية، والقول بوجود تناقضات بين بعض هذه الأحاديث، أو بينها وبين آيات قرآنية.. بل والتشكيك فى مجمل الأحاديث النبوية، والدعوة إلى إهدار السنة النبوية والاكتفاء بالقرآن الكريم.. إن هذه الدعوة قديمة وجديدة، بل ومتجددة.. وكما حذّر رسول الله ﷺ من الكذب عليه.. فلقد حذّر من إنكار سنته، ومن الخروج عليها. ونحن بإزاء هذه الشبهة نواجه بلونين من الغلو: أحدهما: يهدر كل السنة النبوية، اكتفاء بالقرآن الكريم.. ويرى أن الإسلام هو القرآن وحده. وثانيهما: يرى فى كل المرويات المنسوبة للرسول ﷺ سنة نبوية، يكفر المتوقف فيها، دونما فحص وبحث وتمحيص لمستويات " الرواية " و " الدراية " فى هذه المرويات. ودونما تمييز بين التوقف إزاء الراوى وبين إنكار ما ثبت عن رسول الله ﷺ .. وبين هذين الغلوين يقف علماء السنة النبوية، الذين وضعوا علوم الضبط للرواية، وحددوا مستويات المرويات، بناء على مستويات الثقة فى الرواة.. ثم لم يكتفوا ـ فى فرز المرويات ـ بعلم " الرواية " والجرح والتعديل للرجال ـ الرواة ـ وإنما اشترطوا سلامة " الدراية " أيضًا لهذه المرويات التى رواها العدول الضابطون عن أمثالهم حتى رسول الله ﷺ . أى أن هؤلاء العلماء بالسنة قد اشترطوا " نقد المتن والنص والمضمون " بعد أن اشترطوا " نقد الرواية والرواة " وذلك حتى يسلم المتن والمضمون من " الشذوذ والعلة القادحة "، فلا يكون فيه تعارض حقيقى مع حديث هو أقوى منه سندًا، وألصق منه بمقاصد الشريعة وعقائد الإسلام، ومن باب أولى ألا يكون الأثر المروى متناقضًا تناقضًا حقيقيًّا مع محكم القرآن الكريم.. ولو أننا طبقنا هذا المنهاج العلمى المحكم، الذى هو خلاصة علوم السنة النبوية ومصطلح الحديث، لما كانت هناك هذه المشكلة ـ القديمة.. المتجددة ـ.. ولكن المشكلة ـ مشكلة الغلو، بأنواعه ودرجاته ـ إنما تأتى من الغفلة أو التغافل عن تطبيق قواعد هذا المنهج الذى أبدعته الأمة الإسلامية، والذى سبقت به حضارتنا كل الحضارات فى ميدان " النقد الخارجى والداخلى للنصوص والمرويات ".. وهذه الغفلة إنما تتجلى فى تركيز البعض على " الرواية " مع إهمال " الدراية " أو العكس.. وفى عدم تمييز البعض بين مستويات المرويات، كأن يطلب من الأحاديث ظنية الثبوت ما هو من اختصاص النصوص قطعية الثبوت.. أو من مثل تحكيم " الهوى " أو " العقل غير الصريح " فى المرويات الصحيحة، الخالية متونها ومضامينها من الشذوذ والعلة القادحة.. وهناك أيضًا آفة الذين لا يميزون بين التوقف إزاء " الرواية والرواة " ـ وهم بشر غير معصومين، وفيهم وفى تعديلهم وقبول مروياتهم اختلف الفقهاء وعلماء الحديث والمحدثون ـ وبين التوقف إزاء " السنة "، التى ثبتت صحة روايتها ودرايتها عن المعصوم ﷺ .. فتوقف العلماء المتخصصين ـ وليس الهواة أو المتطفلين ـ إزاء " الرواية والرواة " شىء، والتوقف إزاء " السنة " التى صحت وسلمت من الشذوذ والعلل القادحة شىء آخر.. والأول حق من حقوق علماء هذا الفن، أما الثانى فهو تكذيب للمعصوم ﷺ ، والعياذ بالله.. أما الذين يقولون إننا لا حاجة لنا إلى السنة النبوية، اكتفاء بالبلاغ القرآنى، الذى لم يفرط فى شىء.. فإننا نقول لهم ما قاله الأقدمون ـ من أسلافنا ـ للأقدمين ـ من أسلافهم ـ: إن السنة النبوية هى البيان النبوى للبلاغ القرآنى، وهى التطبيق العملى للآيات القرآنية، التى أشارت إلى فرائض وعبادات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات الإسلام.. وهذا التطبيق العملى، الذى حوّل القرآن إلى حياة معيشة، ودولة وأمة ومجتمع ونظام وحضارة، أى الذى " أقام الدين "، قد بدأ بتطبيقات الرسول ﷺ للبلاغ القرآنى، ليس تطوعًا ولا تزيّدًا من الرسول، وإنما كان قيامًا بفريضة إلهية نص عليها القرآن الكريم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (١) . فالتطبيقات النبوية للقرآن ـ التى هى السنة العملية والبيان القولى الشارح والمفسر والمفصّل ـ هى ضرورة قرآنية، وليست تزيّدًا على القرآن الكريم.. هى مقتضيات قرآنية، اقتضاها القرآن.. ويستحيل أن نستغنى عنها بالقرآن.. وتأسيًا بالرسول ﷺ ، وقيامًا بفريضة طاعته ـ التى نص عليها القرآن الكريم: (قل أطيعوا الله والرسول) (٢) (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (٣) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (٤) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) (٥) (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) (٦) . تأسيًا بالرسول ﷺ ، وطاعة له، كان تطبيق الأمة ـ فى جيل الصحابة ومن بعده ـ لهذه العبادات والمعاملات.. فالسنة النبوية، التى بدأ تدوينها فى العهد النبوى، والتى اكتمل تدوينها وتمحيصها فى عصر التابعين وتابعيهم، ليست إلا التدوين للتطبيقات التى جسدت البلاغ القرآنى دينًا ودنيا فى العبادات والمعاملات. فالقرآن الكريم هو الذى تَطَلَّبَ السنة النبوية، وليست هى بالأمر الزائد الذى يغنى عنه ويستغنى دونه القرآن الكريم. أما العلاقة الطبيعية بين البلاغ الإلهى ـ القرآن ـ وبين التطبيق النبوى لهذا البلاغ الإلهى ـ السنة النبوية ـ فهى أشبه ما تكون بالعلاقة بين " الدستور " وبين " القانون ". فالدستور هو مصدر ومرجع القانون.. والقانون هو تفصيل وتطبيق الدستور، ولا حُجة ولا دستورية لقانون يخالف أو يناقض الدستور.. ولا غناء ولا اكتفاء بالدستور عن القانون. إن رسول الله ﷺ ، ليس مجرد مبلّغ فقط، وإنما هو مبلّغ، ومبين للبلاغ، ومطبق له، ومقيم للدين، تحوّل القرآن على يديه إلى حياة عملية ـ أى إلى سنة وطريقة يحياها المسلمون. وإذا كان بيان القرآن وتفسيره وتفصيله هو فريضة إسلامية دائمة وقائمة على الأمة إلى يوم الدين.. فإن هذه الفريضة قد أقامها ـ أول من أقامها ـ حامل البلاغ، ومنجز البيان، ومقيم الإسلام ﵊. والذين يتصورون أن الرسول ﷺ مجرد مبلِّغ إنما يضعونه فى صورة أدنى من صورتهم هم، عندما ينكرون عليه البيان النبوى للبلاغ القرآنى، بينما يمارسون هم القيام بهذا البيان والتفسير والتطبيق للقرآن الكريم!.. وهذا " مذهب " يستعيذ المؤمن بالله منه ومن أهله ومن الشيطان الرجيم!.

стр. 65

٦٤- حول تناقض النقل - القرآن - مع العقل هناك مَنْ يقيمون التناقض بين " العقل " و " النقل "، ويدعون أن الثقافة الإسلامية نقلية لا عقلية، ويعتقدون أن جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين، لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير.. وأنه يجب التفكير فى كل أمور الدين، الأصل قبل الفرع.. وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التى تعتبرها الأمة من المسلمات، والبحث من جديد عن الحقيقة، معتمدين على العقل فقط.. (انتهى) . الرد على الشبهة: إن القول بالاعتماد على العقل فقط - أى دون النقل، الذى هو الوحى الإلهى، فى بلاغه القرآنى وبيانه النبوى -.. واستخدام العقل وحده أداة لإعادة النظر فى كل ما تعتبره الأمة من المسلمات.. هو قول يحتاج إلى ضبط.. وإلى تصويب.. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق: أولاها: أن مقام العقل فى الإسلام هو مكان عال وفريد، ولا نظير له فى الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة.. فالعقل فى الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام.. أى شرط التدين بدين الإسلام. وثانيتها: أن النقل الإسلامى - وخاصة معجزته القرآنية - هو معجزة عقلية، قد ارتضت العقل حكمًا فى فهمها وفى التصديق بها، وفى التمييز بين المحكم والمتشابه فى آياتها، وأيضًا فى تفسير هذه الآيات.. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين.. وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية، تدهش العقول، فتشلها عن التفكير والتعقل، جاءت معجزة الإسلام - القرآن الكريم - معجزة عقلية، تستنفر العقل كى يتعقل ويتفكر ويتدبر، وتحتكم إليه باعتباره القاضى فى تفسير آياتها.. فكان النقل الإسلامى سبيلاً لتنمية العقلانية الإسلامية.. وكان هذا التطور فى طبيعة المعجزة متناسبًا ومتسقًا مع مرحلة النضج التى بلغتها الإنسانية، ومع ختم السماء سلسلة الرسالات والوحى إلى الأنبياء والرسل وأمم الرسالات.. وثالثتها: أن العقل - فى الإسلام - هو سبيل الإيمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته.. لأن الإيمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذى جاء به الرسول، لأنه شرط لهما، ومقدم عليهما، فالتصديق بالكتاب - النقل - متوقف على صدق الرسول الذى أتى به، والتصديق بالرسول متوقف على وجود الإله الذى أرسل هذا الرسول وأوحى إليه.. والعقل هو سبيل الإيمان بوجود الله وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات.. فالعقل - فى الإسلام - هو أداة الإيمان بجوهر الدين - الألوهية - وبعبارة الإمام محمد عبده: ".. فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلى، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحُجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته.. " (١) . وذلك على حين كان العقل غريبًا ومستبعدًا من سبل الإيمان فى حقب الرسالات السابقة على الإسلام.. حقب المعجزات المدهشة للعقول، عندما كانت الإنسانية فى مراحل الطفولة " خرافًا ضالة "، تؤمن بما يُلقى إلى قلبها، دون إعمال عقل، لأن الإيمان لا يحتاج إلى إعمال عقل.. وفق عبارة القديس والفيلسوف النصرانى " أنسيلم " [١٠٣٣-١١٠٩م] . ورابعتها: أن المقابلة بين " العقل " و " النقل " هى أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التى تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية، تلك التى عرفت لاهُوتًا كنسيًا - نقلاً - لا عقلانيًا، فجاءت عقلانيتها، فى عصر النهضة والتنوير الوضعى العلمانى، ثورة على النقل اللاعقلانى ونقضًا له.. أما فى الإسلام، والمسيرة الفكرية لحضارته وأمته - وخاصة فى عصر الازدهار والإبداع - فإن النقل لم يكن أبدًا مقابلاً للعقل، لأن المقابل للعقل هو الجنون، وليس النقل.. ولأن النقل الإسلامى - القرآن الكريم - هو مصدر العقلانية المؤمنة، والباعث عليها، والداعى لاستخدام العقل والتفكر والتدبر فى آيات الله المنظورة والمسطورة جميعًا.. وآيات القرآن التى تحض على العقل والتعقل تبلغ تسعًا وأربعين آية.. والآيات التى تتحدث عن " اللُّب " - بمعنى عقل وجوهر الإنسان - هى ست عشرة آية. كما يتحدث القرآن عن " النُّهى " - بمعنى العقل - فى آيتين.. وعن الفكر والتفكر فى ثمانية عشر موضعًا.. وعن الفقه والتفقه - بمعنى العقل والتعقل - فى عشرين موضعًا.. وعن " التدبر " فى أربع آيات.. وعن " الاعتبار " فى سبع آيات.. وعن " الحكمة " فى تسع عشرة آية.. وعن " القلب " كأداة للفقه والعقل - فى مائة واثنين وثلاثين موضعًا.. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التى تبلغ فى القرآن أكثر من ثمانمائة آية.. فالنقل الإسلامى - أى الشرع الإلهى - هو الداعى للتعقل والتدبر والتفقه والتعلّم.. والعقل الإنسانى هو أداة فقه الشرع، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الإلهى.. ولذلك لا أثر للشرع بدون العقل، كما أنه لا غنى للعقل عن الشرع، وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين. ذلك أن العقل، مهما بلغ من العظمة والتألق فى الحكمة والإبداع، هو ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان - بالخبرة التاريخية والمعاصرة - هى نسبة الإدراك والقدرات، تجهل اليوم ما تعلمه غدًا، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر.. وإذا كانت ميادين عالم الشهادة - النفس والكون.. أى الدنيا.. مفتوحة على مصاريعها أمام العقل وأمام التجربة - بالنسبة للإنسان - فإن هناك ميادين - وخاصة فى معارف عالم الغيب - سبيل معرفتها النقل - أى الوحى - والوجدان - القلب والإلهام - فالهدايات التى يهتدى بها الإنسان هى " العقل " و " النقل " و " التجربة " و " الوجدان ".. وليست العقل وحده دون سواه.. وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الإنسانية، مع تنوع مصادر المعرفة الإنسانية - الوحى وآيات الله المسطورة، مع الكون وآيات الله المنظورة - تتكامل وتتوازن المعرفة الإنسانية - وهذه هى نظرية المعرفة الإسلامية - بينما يختل توازن هذه المعرفة إذا هى وقفت - فى المصادر - عند الكون وعالم الشهادة وحده - وفى الوسائل وإدراك المعرفة عند العقل وحده، أو العقل والتجربة وحدهما، دون النقل والوجدان.. ولقد عبر عن هذا التكامل والتوازن فى - نظرية المعرفة الإسلامية الإمام محمد عبده عندما تحدث - فى تفسيره لآية (اهدنا الصراط المستقيم) - من سورة الفاتحة - عن " الهدايات الأربع " - العقل، والنقل، والتجربة، والوجدان كما عبر عن التلازم الضرورى بين العقل والنقل، لتكامل المعرفة الإسلامية عندما قال: ".. فالعقل هو ينبوع اليقين فى الإيمان بالله، وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة.. أما النقل، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة والعبادات.. والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الإسلامُ الناس إلى النظر فيه بعقولهم.. فهو معجزة عُرضت على العقل، وعرفته القاضى فيها، وأطلقت له حق النظر فى أنحائها، ونشر ما انطوى فى أثنائها.. وإذا قدّرنا عقل البشر قدره، وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التى تقع تحت الإدراك الإنسانى.. أما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته.. ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده.. لهذا كان العقل محتاجًا إلى مُعين يستعين به فى وسائل السعادة فى الدنيا والآخرة.. " (٢) . فالإسلام لا يعرف - على الإطلاق - هذه الثنائية المتناقضة بين العقل والنقل.. وصريح المعقول لا يمكن أن يتعارض مع صحيح المنقول.. ولقد عبر الإمام محمد عبده عن ما قد يتوهمه البعض تعارضًا عندما صاغ حقيقة هذه القضية فقال: " لقد تقرر بين المسلمين أن الدين إن جاء بشىء قد يعلو على الفهم، فلا يمكن أن يأتى بما يستحيل عند العقل.. " (٣) .. ففارق بين ما يعلو على إدراك العقل، من بعض أمور الدين، وبين ما يستحيل فى العقل الذى برئ ويبرأ منه الدين. ومن بين علماء الإسلام الذين عبروا - بصدق وعبقرية - عن تكامل العقل والنقل - الحكمة والشريعة - حُجة الإسلام - أبو حامد الغزالى عندما قال: " إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد واتباع الظواهر، ما أُتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل فى تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أُتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط.. فمثال العقل: البصر السليم عن الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء، فأخْلِق أن يكون طالب الاهتداء المستغنى إذا استغنى بأحدهما عن الآخر فى غمار الأغبياء، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور.. " (٤) . وهذه العلاقة بين العقل والنقل - علاقة التكامل والتآخى - هى التى أكد عليها أبو الوليد ابن رشد [٥٢٠-٦٥٤هجرية/١١٢٦-١١٩٨م] عندما قال: ".. فإنا - معشر المسلمين - نعلم على القطع، أنه لا يؤدى النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.. فالحكمة هى صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة.. وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة.. " (٥) . فالباب مفتوح على مصراعيه أمام العقل فى سائر ميادين عالم الشهادة. وهو سبيل الفقه والفهم والتكليف فى الشرع والدين.. لكن لابد من مؤازرة الشرع والنقل للعقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أخبار عالم الغيب والحكم والعلل من وراء بعض أحكام العبادات فى الدين.. وما قد يبدو من تعارض - عند البعض - أحيانًا بين العقل والنقل، فهو تعارض بين العقل وبين " ظاهر " النقل وليس حقيقة معنى النقل أو مرجعه إلى تخلف " صحة " النقل.. أو تخلف " صراحة " العقل.. أو وجود ما يعلو على الفهم، لا ما يتعارض مع العقل.. فالعقل مع الشرع - كما قال حُجة الإسلام الغزالى - " نور على نور ".. وما الحديث عن التعارض بينهما إلا أثر من آثار الغلو فى أحدهما، تفريطًا أو إفراطًا. وإذا كانت البداهة والخبرة البشرية - وحتى الحكمة الفلسفية - تقول: إن من مبادئ الدين والشرائع ما لا يستقل العقل بإدراك كنهه وحقيقة جوهره، فكيف يجوز لعاقل أن يدعو إلى تحكيم العقل وحده فى كل أساسيات الدين؟! لقد قال الفيلسوف الفقيه أبو الوليد ابن رشد وهو الذى احترم عقلانيته المتألقة الأوروبيون والمسلمون جميعًا. قال عن رأى الفلاسفة القدماء فى مبادئ الشرائع التى لا يستقل العقل بإدراكها: " إن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل فى مبادئ الشرائع مثل: هل الله تعالى موجود؟ وهل السعادة موجودة؟ وهل الفضائل موجودة؟. وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد، ولذلك وجب قتل الزنادقة.. فيجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشرائع، لأن مبادئها أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية، وكيفية وجودها هو أمر معجز عن إدراك العقول الإنسانية، فلابد أن يعترف بها مع جهل أسبابها.. " (٦) . فليس هناك عاقل يحكِّم العقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من مبادئ الشرائع والمعجزات، وكنه وجوهر وحقائق المغيبات. وليس هناك عاقل يغفل أو يتغافل عن مكانة ودور العقل فى دين الإسلام. وإدراك وظيفة العقل.. وميدان عمله.. وحدود قدراته، هو لب الاحترام للعقل، وليس فيه انتقاص من سلطانه، الذى تألق فى دين الإسلام وفكر المسلمين.

стр. 66

٦٥- الإسلام انتشر بالسيف، ويحبذ العنف الرد على الشبهة: وهى من أكثر الشبه انتشارًا، ونرد عليها بالتفصيل حتى نوضح الأمر حولها: يقول الله تعالى مخاطباً نبيه محمداً ﷺ : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (١) . إن هذا البيان القرآنى بإطاره الواسع الكبير، الذى يشمل المكان كله فلا يختص بمكان دون مكان، والزمان بأطواره المختلفة وأجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص بحالة دون حالة، والناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة؛ ليجعل الإنسان مشدوها متأملاً فى عظمة التوصيف القرآنى لحقيقة نبوة سيد الأولين والآخرين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) رحمة عامة شاملة، تجلت مظاهرها فى كل موقف لرسول الله ﷺ تجاه الكون والناس من حوله. والجهاد فى الإسلام حرب مشروعة عند كل العقلاء من بنى البشر، وهى من أنقى أنواع الحروب من جميع الجهات: ١- من ناحية الهدف. ٢- من ناحية الأسلوب. ٣- من ناحية الشروط والضوابط. ٤- من ناحية الإنهاء والإيقاف. ٥- من ناحية الآثار أو ما يترتب على هذه الحرب من نتائج. وهذا الأمر واضح تمام الوضوح فى جانبى التنظير والتطبيق فى دين الإسلام وعند المسلمين. وبالرغم من الوضوح الشديد لهذه الحقيقة، إلا أن التعصب والتجاهل بحقيقة الدين الإسلامى الحنيف، والإصرار على جعله طرفاً فى الصراع وموضوعاً للمحاربة، أحدث لبساً شديداً فى هذا المفهوم ـ مفهوم الجهاد ـ عند المسلمين، حتى شاع أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأنه يدعو إلى الحرب وإلى العنف، ويكفى فى الرد على هذه الحالة من الافتراء، ما أمر الله به من العدل والإنصاف، وعدم خلط الأوراق، والبحث عن الحقيقة كما هى، وعدم الافتراء على الآخرين، حيث قال سبحانه فى كتابه العزيز: (لِمَ تَلبِسُونَ الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) (٢) . ولقد فطن لبطلان هذا الادعاء كاتب غربى كبير هو توماس كارليل، حيث قال فى كتابه " الأبطال وعبادة البطولة " ما ترجمته: " إن اتهامه ـ أى سيدنا محمد ﷺ بالتعويل على السيف فى حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز فى الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها " (٣) . ويقول المؤرخ الفرنسى غوستاف لوبون فى كتابه " حضارة العرب " وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام فى عهده ﷺ وفى عصور الفتوحات من بعده ـ: " قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التى قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار فى الهند ـ التى لم يكن العرب فيها غير عابرى سبيل ـ ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها.. ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً فى الصين التى لم يفتح العرب أى جزء منها قط، وسترى فى فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا فى الوقت الحاضر " (٤) . هذا وقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاماً، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد كان نتاج هذه المرحلة أن دخل فى الإسلام خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن لدى رسول الله ﷺ ثروة عظيمة يغرى بها هؤلاء الداخلين، ولم يكن إلا الدعوة، والدعوة وحدها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمَّل المسلمون ـ لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم ـ من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسى عن تحمله، فما صرفهم ذلك عن دينهم وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة فى الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم، وما سمعنا أن أحداً منهم ارتدّ سخطاً عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين فى النكوص عنه، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء، وسنتكلم هنا على الجانبين التنظيرى والتطبيقى، ونقصد بالتنظيرى ما ورد فى مصادر الإسلام (الكتاب والسنة) ، ونعنى بالتطبيقى ما حدث عبر القرون ابتداء من الحروب التى شارك فيها النبى ﷺ ، وانتهاء بعصرنا الحاضر، ثم نختم ببيان هذه النقاط الخمسة التى ذكرناها سابقاً. أولاً: الجانب التنظيرى ورد فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية آيات وأحاديث تبين شأن الجهاد فى الإسلام، ويرى المطالع لهذه الآيات والأحاديث، أن المجاهد فى سبيل الله، هو ذلك الفارس النبيل الأخلاقى المدرب على أخلاق الفروسية العالية الراقية؛ حتى يستطيع أن يمتثل إلى الأوامر والنواهى الربانية التى تأمره بضبط النفس قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة، فقبل المعركة يجب عليه أن يحرر نفسه من كل الأطماع، وألا يخرج مقاتلا من أجل أى مصلحة شخصية، سواء كانت تلك المصلحة من أجل نفسه أو من أجل الطائفة التى ينتمى إليها، أو من أجل أى عرض دنيوى آخر، وينبغى أن يتقيد بالشروط التى أحل الله فيها الجهاد، وأن يجعل ذلك لوجه الله تعالى، ومعنى هذا أنه سوف يلتزم بأوامر الله، ويستعد لإنهاء الحرب فوراً، إذا ما فقدت الحرب شرطاً من شروط حلها أو سبباً من أسباب استمرارها، وسواء أكان ذلك الفارس منتصراً، أو أصابه الأذى من عدوه، فإن الله يأمره بضبط النفس، وعدم تركها للانتقام، والتأكيد على الالتزام بالمعانى العليا، وكذلك الحال بعد القتال، فإنه يجب عليه أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر؛ حتى لا يتحول الفارس المجاهد إلى شخصٍ مؤذٍ لمجتمعه أو لجماعته أو للآخرين، وبالرغم من أن لفظة الجهاد إذا أطلقت انصرف الذهن إلى معنى القتال فى سبيل الله. إلا أن الرسول ﷺ قد أسماه بالجهاد الأصغر، وسمى الجهاد المستمر بعد القتال بالجهاد الأكبر؛ لأن القتال يستمر ساعات أو أيام، وما بعد القتال يستغرق عمر الإنسان كله. وفيما يلى نورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحدثت عن هذه القضية، ثم بعد ذلك نستخرج منها الأهداف والشروط والضوابط والأساليب، ونعرف منها متى تنتهى الحرب، والآثار المترتبة على ذلك: أولاً: القرآن الكريم: ١- (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) (٥) . ٢- (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) (٦) . ٣- (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (٧) . ٤- (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) (٨) . ٥- (وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (٩) . ٦- (ولا تحسبن الذين قُتِلُوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يُرْزَقُون) (١٠) . ٧- (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم) (١١) . ٨- (فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيُقتل أو يَغِلب فسوف نؤتيه أجرا عظيماً) (١٢) . ٩- (وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيراً) (١٣) . ١٠- (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) (١٤) . ١١- (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون) (١٥) . ١٢- (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (١٦) . ١٣- (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير) (١٧) . ١٤ (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط) (١٨) . ١٥- (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (١٩) . ١٦- (يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) (٢٠) . ١٧- (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) (٢١) . ١٨- (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فَيَقتُلُون وَيُقتَلُون) (٢٢) . ١٩- (أُذِنَ للذين يُقَاتَلُون بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا رَبُّنَا الله) (٢٣) . ثانياً: الأحاديث النبوية الشريفة: ١- عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبى ﷺ قال: " تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة " (٢٤) . ٢- عن وهب بن منبه، قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبى ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبى ﷺ بعد ذلك يقول: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " (٢٥) . ٣- عن سعد بن زيد بن سعد الأشهلى أنه أهدى إلى رسول ﷺ سيفاً من نجران فلما قدم عليه أعطاه محمد بن مسلمة، وقال: " جاهد بهذا فى سبيل الله فإذا اختلفت أعناق الناس فاضرب به الحجر، ثم ادخل بيتك وكن حلساً ملقى حتى تقتلك يد خاطئة أو تأتيك منية قاضية. قال الحاكم: فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع على ـ رضى الله عنه ـ وقتال من قاتله " (٢٦) . ٤- عن سعيد بن جبير قال: " خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجل كيف ترى فى قتال الفتنة فقال وهل تدرى ما الفتنة كان محمد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (٢٧) . ٥- عن عبد الله بن عمرو ـ رضى الله عنهما ـ قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: إنى أريد الجهاد فقال: " أحى والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد " (٢٨) . ويتضح من هذه الآيات والأحاديث أن هدف الحرب فى الإسلام يتمثل فى الآتى: ١- رد العدوان والدفاع عن النفس. ٢- تأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها. ٣- المطالبة بالحقوق السليبة. ٤- نصرة الحق والعدل. ويتضح لنا أيضا أن من شروط وضوابط الحرب: (١) النبل والوضوح فى الوسيلة والهدف. (٢) لا قتال إلا مع المقاتلين ولا عدوان على المدنيين. (٣) إذا جنحوا للسلم وانتهوا عن القتال فلا عدوان إلا على الظالمين. (٤) المحافظة على الأسرى ومعاملتهم المعاملة الحسنة التى تليق بالإنسان. (٥) المحافظة على البيئة ويدخل فى ذلك النهى عن قتل الحيوان لغير مصلحة وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت. (٦) المحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم. الآثار المترتبة على الجهاد يتضح لنا مما سبق أن الجهاد فى الإسلام قد اتسم بنبل الغاية والوسيلة معا، فلا غرو أن تكون الآثار والثمار المتولدة عن هذا الجهاد متناسقة تماما فى هذا السياق من النبل والوضوح؛ لأن النتائج فرع عن المقدمات، ونلخص هذه الآثار فى النقاط التالية: (١) تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية. (٢) إزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وهو الشر الذى يؤدى إلى الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها. (٣) إقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم. (٤) تقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية. (٥) تحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس فى أوطانهم. يقول الله فى سورة الحج: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) (٢٩) . قال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) أى لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم فى الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات؛ فكأنه قال: أذن فى القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر فى القتال بقوله: (ولولا دفع الله الناس) الآية؛ أى لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق فى كل أمة. فمن استشبع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذى يذب عنه. وأيضاً هذه المواضع التى اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى؛ أى لولا هذا الدفع لهُدمت فى زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد ﷺ المساجد. " لهدمت " من هدمت البناء أى نقضته فانهدم. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل فى تأويل الآية " (٣٠) . ثانياً: الناحية التطبيقية (١) حروب النبى ﷺ : (أ) الحرب ظاهرة اجتماعية: الحرب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان على ظهر هذه البسيطة، فمنذ وُجد الإنسان وهو يصارع ويحارب، وكعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية نشأت الحرب، فالاحتكاك بين البشر لابد وأن يُوَلِّد صداماً من نوع ما، لقد جبل الإنسان على غريزة التملك التى تدعوه إلى التشبث بما يملكه، حيث إن هذه الغريزة هى التى تحفظ عليه البقاء فى الحياة، وهى بالتالى التى تتولد عنها غريزة المقاتلة، فى أبسط صورها دفاعاً عن حقه فى الاستمرار والحياة، وقد تتعقد نفسية الإنسان وتصبح حاجاته ومتطلباته مركبة، فلا يقاتل طالباً للقوت أو دفاعاً عنه فقط، وإنما يقاتل طلباً للحرية ورفعاً للظلم واستردادا للكرامة. ويُفَصِّل العلامة ابن خلدون هذه الحقيقة فى مقدمته فيقول: " اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة فى الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان؛ إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعى فى البشر، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه، وإما غضب للملك وسعى فى تمهيده " (٣١) . (ب) الحرب فى الكتب المقدسة قبل الإسلام: إذا ما تجاوزنا الأمم والحضارات البشرية، وتأملنا فى الكتب السماوية المقدسة (التوراة ـ الإنجيل) ، نرى أن هذه الكتب المقدسة قد تجاوزت الأسباب المادية الغريزية التى يقاتل الإنسان من أجلها إلى أسباب أكثر رُقِيًّا وحضارة، فبعد أن كان الإنسان يقاتل رغبة فى امتلاك الطعام أو الأرض، أو رغبة فى الثأر الشخصى من الآخرين، أو حتى ردا للعدوان، نرى أن الكتب المقدسة قد أضافت أسباباً أخرى، أسباباً إلهية تسمو بالبشرية عن الدنايا وظلم الآخرين، إلى بذل النفس إقامة للعدل، ونصرة للمظلوم، ومحاربة للكفر والخروج عن منهج الله، لقد حددت الكتب السماوية المناهج والأطر التى يُسْمَح فيها بإقامة القتال وعبرت بالإنسان مرحلة بناء المجد الشخصى المؤسس على الأنا، إلى مرحلة التضحية من أجل المبادئ والمثل الإلهية العليا، التى تعمل فى إطار الجماعة البشرية لا فى محيط الفرد الواحد. الحرب فى العهد القديم: وردت أسباب الحرب فى ست وثلاثين آية تقع فى ثمانية أسفار من أسفار العهد القديم هى: (التكوين ـ العدد ـ التثنية ـ يوشع ـ القضاة ـ صموئيل الأول ـ الملوك الثانى ـ حزقيال) . (١) ففى سفر العدد ـ الإصحاح الثالث عشر، ورد ما يفيد أن موسى ﵇ بعد خروجه بقومه من مصر بعث رسلا يتحسسون أمر أرض كنعان ـ فلسطين ـ ليستقروا فيها: " فساروا حتى أتوا موسى وهارون وكل جماعة بنى إسرائيل إلى برية فاران إلى قادش، وردوا إليهما خبرًا وإلى كل الجماعة، وأروهم ثمر الأرض وأخبروه، وقالوا: قد ذهبنا إلى الأرض التى أرسلتنا إليها وحقا إنها تفيض لبناً وعسلاً وهذا ثمرها غير أن الشعب الساكن فى الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جداً وأيضا قد رأينا بنى عناق هناك " (٣٢) . (٢) وجاء فى سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الخامس والعشرون: " فأجاب نابال عبيد داود وقال: من هو داود ومن هو ابن يسى قد كثر اليوم العبيد الذين يقحصون كل واحد من أمام سيده، أآخذ خبزى ومائى وذبيحى الذى ذبحت لجارى وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم؟ فتحول غلمان داود إلى طريقهم ورجعوا وجاءوا وأخبروه حسب كل هذا الكلام، فقال داود لرجاله: ليتقلد كل واحد منكم سيفه وتقلد داود سيفه وصعد وراء داود نحو أربعمائة رجل ومكث مائتان مع الأمتعة " (٣٣) . (٣) وفى سفر الملوك الثانى ـ الإصحاح الثالث: " وكان ميشع ملك موآب الثانى صاحب مواش، فأدى لملك إسرائيل مائة ألف خروف ومائة ألف كبش بصوفها، وعند موت آخاب عصى ملك موآب على ملك إسرائيل وخرج الملك يهورام فى ذلك اليوم من السامرة وعد كل إسرائيل وذهب وأرسل إلى يهو شافاط ملك يهوذا يقول: قد عصى على ملك موآب، فهل تذهب معى إلى موآب للحرب؟ " (٣٤) . (٤) جاء فى حزقيال الإصحاح الواحد والعشرون: " وكان إلى كلام الرب قائلا: يا ابن آدم اجعل وجهك نحو أورشليم وتكلم على المقادس وتنبأ على أرض إسرائيل وقل لأرض إسرائيل هكذا قال الرب هأنذا عليك وأستل سيفى من غمده فأقطع منه الصديق والشرير من حيث إنى أقطع منك الصديق والشرير فلذلك يخرج سيفى من غمده على كل بشر من الجنوب إلى الشمال فيعلم كل بشر أنى أنا الرب سللت سيفى من غمده لا يرجع أيضاً " (٣٥) . (٥) وجاء فى سفر يوشع الإصحاح الثالث والعشرون: " وأنتم قد رأيتم كل ما عمل الرب إلهكم هو المحارب عنكم انظروا: قد قسمت لكم بالقرعة هؤلاء الشعوب الباقين ملكاً حسب أسباطكم من الأردن وجميع الشعوب التى قرضتها والبحر العظيم نحو غروب الشمس والرب إلهكم هو ينفيهم من أمامكم ويطردهم من قدامكم فتملكون أرضهم كما كلمكم الرب إلهكم " (٣٦) . (٦) وجاء فى سفر القضاة الإصحاح الأول: " وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوا بحد السيف وأشعلوا المدينة بالنار وبعد ذلك نزل بنو يهوذا لمحاربة الكنعانيين سكان الجبل وسكان الجنوب والسهل ". (٧) وفى سفر القضاة الإصحاح الثامن عشر: " فأما هم فقد أخذوا ما صنع ميخاً والكاهن الذى له وجاءوا إلى لايش إلى شعب مستريح مطمئن فضربوهم بحد السيف وأحرقوا المدينة بالنار ولم يكن مَنْ ينقذ لأنها بعيدة عن صيدون ولم يكن لهم أمر مع إنسان وهى فى الوادى الذى لبيت رحوب فبنوا المدينة وسكنوا بها ودعوا اسم المدينة دان باسم دان أبيهم الذى ولد لإسرائيل ولكن اسم المدينة أولا: لايش " (٣٧) . (٨) وفى صموئيل الأول الإصحاح الرابع: " وخرج إسرائيل للقاء الفلسطينيين للحرب ونزلوا عند حجر المعونة، وأما الفلسطينيون فنزلوا فى أفيق واصطف الفلسطينيون للقاء إسرائيل واشتبكت الحرب فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين وضربوا من الصف فى الحقل نحو أربعة آلاف رجل " (٣٨) . (٩) وفى التكوين الإصحاح الرابع والثلاثون: " فحدث فى اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابنى يعقوب شمعون ولاوى أخوى دينة أخذ كل واحد منهما سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف لأنهم بخسوا أختهم، غنمهم وبقرهم وكل ما فى المدينة وما فى الحقل أخذوه وسبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما فى البيوت " (٣٩) . (١٠) وفى سفر التكوين الإصحاح الرابع عشر: " فلما سمع إبرام أن أخاه سبى جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاثمائة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان وانقسم عليهم ليلاً هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التى من شمال دمشق واسترجع كل الأملاك واسترجع لوطاً أخاه أيضاً وأملاكه والنساء أيضاً والشعب " (٤٠) . (١١) وفى سفر العدد الإصحاح الواحد والعشرون: " فقال الرب لموسى لا تخف منه لأنى قد دفعته إلى يدك مع جميع قومه وأرضه فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين الساكن فى حبشون فضربوه وبنيه وجميع قومه حتى لم يبق لهم شارد وملكوا أرضه " (٤١) (١٢) وفى سفر العدد الإصحاح الخامس والعشرون: " ثم كلم الرب موسى قائلا ضايقوا المديانيين واضربوهم لأنهم ضايقوكم بمكايدهم التى كادوكم بها " (٤٢) . (١٣) وفى سفر العدد الإصحاح الثالث والثلاثون: تطالعنا التوراة، أن الله قد أمر موسى ﵇ أن يشن حرباً على أقوام قد عبدوا غير الله : " وكلم الرب موسى فى عربات مو آب على أردن أريحا قائلا: " كلم بنى إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم " (٤٣) . (١٤) وشبيه به ما ورد فى سفر صموئيل الإصحاح السابع عشر آية ٤٥: ٤٧ " فقال داود للفلسطينى: أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتى إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم ٠٠٠ فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل " (٤٤) . (١٥) وفى سفر صموئيل الأول الإصحاح الثالث والعشرون: " فذهب داود ورجاله إلى قعيلة وحارب الفلسطينيين وساق مواشيهم وضربهم ضربة عظيمة وخلص داود سكان قعيلة " (٤٥) . (١٦) فى سفر المزامير المزمور الثامن عشر: يسبح داود الرب ويمجده لأنه يعطيه القوة على محاربة أعدائه: " الذى يعلم يدى القتال فتحنى بذراعى قوس من نحاس.. أتبع أعدائى فأدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجلى تمنطقنى بقوة للقتال تصرع تحتى القائمين على وتعطينى أقفية أعدائى ومبغضى أفنيهم " (٤٦) . هذه بعض من حروب بنى إسرائيل التى سجلتها نصوص كتبهم وأسفارهم، فمفهوم الحرب والقتال، ليس مفهوماً كريهاً من وجهة النظر التوراتية، وكأنها حروب مستمدة من الشريعة الدينية التوراتية، وهى كانت دائما تتم بمباركة الرب ومعونته وكأن الرب ـ حسب تعبير التوراة ـ قد استل سيفه من غمده فلا يرجع (٤٧) . الحرب فى العهد الجديد: كذلك نرى الإنجيل لم يهمل الكلام عن الحروب بالكلية، بل جاء نص واضح صريح، لا يحتمل التأويل ولا التحريف يقرر أن المسيحية على الرغم من وداعتها وسماحتها التى تمثلت فى النص الشهير " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر " ـ إلا أنها تشير إلى أن السيد المسيح ﵇ قد يحمل السيف ويخوض غمار القتال إذا دعته الظروف لذلك؛ فجاء فى الإنجيل على لسان السيد المسيح: " لا تظنوا أنى جئت لأرسى سلاماً على الأرض، ما جئت لأرسى سلاماً، بل سيفاً، فإنى جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته " (٤٨) . ولعلنا نلاحظ التشابه الكبير بين هذه المقولة وحديث الرسول ﷺ : [بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده] (٤٩) . مما سبق يتبين لنا واضحاً وجليا أن الحرب والقتال سنة كونية سرت فى الأمم جميعاً، ولم نر فى تاريخ الأمم أمة خلت من حروب وقتال، ورأينا من استعراض الكتب المقدسة ـ التوراة والإنجيل ـ أنه سنة شرعية لم تخل شريعة من الشرائع السماوية السابقة على الإسلام من تقريره والقيام به كما مر. لقد كان هذا القدر كافيا فى إثبات أن محمداً ﷺ سائر على سنن من سبقه من الأنبياء، وأن الجهاد لتقرير الحق والعدل مما يمدح به الإسلام؛ لا مما به يشان، وأن ما هو جواب لهم فى تبرير هذه الحروب وسفك الدماء كان جواباً لنا فى مشروعية ما قام به النبى ﷺ من القتال والجهاد. ولنشرع الآن فى تتميم بقية جوانب البحث مما يزيل الشبهة ويقيم الحجة ويقطع الطريق على المشككين، فنتكلم عن غزوات النبى ﷺ ، ممهدين لذلك بالحالة التى كانت عليها الجزيرة العربية من حروب وقتال وسفك للدماء لأتفه الأسباب وأقلها شأناً، حتى يبدو للناظر أن القتال كان غريزة متأصلة فى نفوس هؤلاء لا تحتاج إلى قوة إقناع أو استنفار. الحرب عند العرب قبل الإسلام سجلت كتب التاريخ والأدب العربى ما اشتهر وعرف بأيام العرب، وهى عبارة عن مجموعة من الملاحم القتالية التى نشبت بين العرب قبل مبعث النبى ﷺ ، وليس يعنينا سرد هذه الملاحم وتفاصيلها ولكن الذى يعنينا هنا أن نقف على بعض الجوانب التى تصلح للمقارنة (الأسباب ـ الزمن المستغرق ـ الآثار التى خلفتها هذه الحروب) . قال العلامة محمد أمين البغدادى: " اعلم أن الحروب الواقعة بين العرب فى الجاهلية أكثر من أن تحصر، ومنها عدة وقائع مشهورة لا يتسع هذا الموضع لذكرها ولنذكر بعضاً منها على سبيل الإجمال " (٥٠) . وقد ذكرت كتب التواريخ أياماً كثيرة للعرب (البسوس ـ وداحس والغبراء ـ يوم النسار ـ يوم الجفار ـ يوم الفجار ـ يوم ذى قار ـ يوم شعب جبلة ـ يوم رحرحان ٠٠٠ إلخ) والمتأمل فى هذه الملاحم والأيام يرى أن الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور والشجاعة المتهورة التى لا تتسم بالعقل، كانت هى الوقود المحرك لهذه الحروب، هذا فضلاً عن تفاهة الأسباب التى قامت من أجلها هذه المجازر، والمدة الزمنية الطويلة التى استمرت فى بعضها عشرات السنين، والآثار الرهيبة التى خلفتها هذه الحروب، وعلى الرغم من أننا لم نقف على إحصاء دقيق لما خلفته هذه الحروب إلا أن الكلمات التى قيلت فى وصف آثارها من الفناء والخراب وتيتم الأطفال وترمل النساء ٠٠٠ إلخ لتوقفنا على مدى ما أحدثته الحرب فى نفوس الناس من اليأس والشؤم، ويصف لنا الشاعر زهير بن أبى سلمى طرفاً من ذلك فى معلقته المشهورة وهو يخاطب الساعين للسلام بين عبس وذبيان: تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم فهو يقول للساعين للسلام: إنكما بتحملكما ديات الحرب من مالكما، أنقذتما عبسا وذبيان بعدما يأسوا، ودقوا بينهما عطر منشم، ومنشم هو اسم لامرأة كانت تبيع العطر يضرب بها المثل فى التشاؤم، دليل على عظم اليأس الذى أصاب نفوس الناس من انتهاء هذه الحرب (٥١) . هذه إطلالة سريعة ومختصرة على الحروب وأسبابها لدى العرب قبل الإسلام والآن نشرع فى الكلام على تشريع الجهاد فى الإسلام ثم نتبع ذلك بتحليل موثق لغزوات النبى ﷺ . الجهاد فى شرعة الإسلام: لما استقر النبى ﷺ بالمدينة وأسس حكومته النبوية بها، بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة إلى الله وتحمل الأذى والعذاب فى سبيل ذلك تخللتها ثلاث هجرات جماعية كبيرة ـ هاجت ثائرة قريش وحقدوا على رسول الله ﷺ لما أحرزه من استقرار ونجاح لهذه الدولة الوليدة ـ دون ظلم أو استبداد أو سفك للدماء ـ ولذلك فقد كان ﷺ مقصوداً بالقتل، إذ ليس معقولاً أن تنام أعينهم على هذا التقدم والنمو، ومصالحهم قائمة على الزعامة الدينية فى جزيرة العرب، وهذه الدولة الجديدة قائمة على أساس دينى ربما يكون سبباً فى زوال هذه الزعامة الدينية الوثنية الموروثة. وإذا كان الإسلام ديناً بلغت الميول السلمية فيه مداها فى قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) (٥٣) إلا أن الميول السلمية لا تتسع لمنع القائمين بهذا الدين الجديد من الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم الذى أنزله الله للإنسانية كافة، فى عالم يضيع فيه الحق والعدل إن لم يكن لهما قوة تحميهما، فكان لا مناص من السماح للمسلمين بحماية أنفسهم ودينهم بالسلاح الذى يشهره خصومهم فى وجوههم، ولذلك كان التعبير بقوله تعالى: (أُذِنَ للذين يُقَاتَلُونَ بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) (٥٣) . أقول: كان التعبير بالإذن الذى يدل على المنع قبل نزول الآية يدل على طروء القتال فى الإسلام وأنه ظل ممنوعاً طيلة العهد المكى وبعضاً من العهد المدنى. " هذا ولم يغفل الإسلام حتى فى هذا الموطن ـ موطن الدفاع عن النفس والدين ـ أن ينصح لأتباعه بعدم العدوان؛ لأن الموضوع حماية حق لا موضوع انتقام ولا شفاء حزازات الصدور، وهذا من مميزات الحكومة النبوية، فإن القائم عليها من نبى يكون كالجراح يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله، مع عدم المساس بالأعضاء السليمة، ومقصده استبقاء حياة المريض لا قتله، والعالم كله فى نظر الحكومة النبوية شخص مريض تعمل لاستدامة وجوده سليماً قوياً.. إن طبيعة هذا العالم مبنية على التدافع والتغالب ليس فيما بين الناس فحسب، ولكن فيما بينهم وبين الوجود المحيط بهم، وبين كل فرد والعوامل المتسلطة عليه من نفسه، ولا أظن أن قارئاً من قرائنا يجهل الناموس الذى اكتشفه دارون وروسل ولاس ودعوه ناموس تنازع البقاء وبنوا عليه كل تطور أصاب الأنواع النباتية والحيوانية والإنسان أيضاً " (٥٤) . " ألم تر كيف تصدى خصوم الدين النصرانى للمسيح، وما كان يدعو إلا للصلاح والسلام حتى إنهم استصدروا أمراً بصلبه فنجاه الله منهم، وما زالوا بالذين اتبعوه يضطهدونهم ويقتلونهم حتى مضت ثلاثة قرون وهم مشردون فى الأرض لا تجمعهم جامعة، إلى أن حماهم من أعدائهم السيف على يد الإمبراطور قسطنطين الذى أعمل السيف فى الوثنيين من أعدائهم.. أفيريد مثيرو هذه الشبهة أن يقوم دين على غير السنن الطبيعية فى عالم مبنى على سنن التدافع والتنازع واستخدام القوة الحيوانية لطمس معالم الحق ودك صروح العدل "؟ " يقول المعترضون: وماذا أعددتم من حجة حين تجمع الأمم على إبطال الحروب وحسم منازعاتها عن طريق التحكيم، وهذا قرآنكم يدعوكم إلى الجهاد وحثكم على الاستبسال فيه؟ نقول: أعددنا لهذا العهد قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (٥٥) . " هذه حكمة بالغة من القرآن، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة، وهى أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها، ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التى لابد منها ما دام الإنسان فى عقليته ونفسيته المأثورتين عنه، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمى يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حُجة لأهله من ناحية، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم " (٥٦) . ثانياً: نظرة تحليلية لغزوات النبى ﷺ : إذا تتبعنا هذه الغزوات وقسمناها حسب الطوائف التى ضمتها، أمكننا التعرف على القبائل التى حدثت معها هذه المعارك وهى كالآتى: (١) قريش مكة: وهى القبيلة التى ينتمى إليها النبى ﷺ ، حيث أن قريش هو فهر بن مالك، وقيل النضر بن كنانة، وعلى كلا القولين فقريش جد للنبى ﷺ ، وكانت معهم الغزوات: سيف البحر ـ الرابغ ـ ضرار ـ بواط ـ سفوان ـ ذو العشيرة ـ السويق ـ ذو قردة ـ أحد ـ حمراء الأسد ـ بدر الآخرة ـ الأحزاب ـ سرية العيص ـ سرية عمرو بن أمية ـ الحديبية ـ سيف البحر الثانية ٨هـ ـ فتح مكة. (٢) قبيلة بنو غطفان وأنمار: غطفان من مضر، قال السويدى: " بنو غطفان بطن من قيس ابن عيلان بن مضر، قال فى العبر: وهم بطن متسع كثير الشعوب والبطون " (٥٧) ، قال ابن حجر فى فتح البارى: " تميم وأسد وغطفان وهوازن جميعهم من مضر بالاتفاق " (٥٨) ، أما أنمار فهم يشتركون فى نفس النسب مع غطفان، قال ابن حجر: " وسيأتى بعد باب أن أنمار فى قبائل منهم بطن من غطفان " (٥٩) ، أى أن أنمار ينتسبون إلى مضر أيضاً ونسبهم كالتالى: أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر (٦٠) . والغزوات التى ضمتها هى: قرقرة الكدر ـ ذى أمر ـ دومة الجندل ـ بنى المصطلق ـ الغابة ـ وادى القرى ـ سرية كرز بن جابر ـ ذات الرقاع ـ تربة ـ الميفعة ـ الخربة ـ سرية أبى قتادة ـ عبد الله بن حذافة (٦١) . (٣) بنو سليم: قال السويدى: " بضم السين المهملة قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وسليم من أولاد خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر (٦٢) ، والغزوات التى خاضها ﷺ مع بنى سليم هى: بئر معونة ـ جموم ـ سرية أبى العوجاء ـ غزوة بنى ملوح وبنى سليم (٦٣) . (٤) بنو ثعلبة: ثعلبة هو ابن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٦٤) ، نسبه الدكتور على الجندى إلى مر بن أد هكذا: ثعلبة بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٦٥) ، والغزوات التى غزاها ﷺ معهم هى: غزوة ذى القصة ـ غزوة بنى ثعلبة ـ غزوة طرف ـ سرية الحسمى (٦٦) . (٥) بنو فزارة وعذرة: قال فى سبائك الذهب: " بنو فزارة بطن من ذبيان من غطفان، قال فى العبر: وكانت منازل فزارة بنجد ووادى القرى، ونسب فزارة: فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. أما بنو عذرة: بنوه بطن من قضاعة، ونسبهم هكذا: عذرة بن سعد بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة (٦٧) . ونسبهم إلى قضاعة أيضاً الدكتور على الجندى معتمداً على أنساب ابن حزم هكذا: عذرة بن سعد بن أسلم بن عمران بن الحافى بن قضاعة (٦٨) ، وعلى هذا فبنو عذرة ليسو من مضر وإنما كانوا موالين لبنى فزارة وهم من مضر. وكان معهما الغزوات والسرايا الآتية: سرية أبى بكر الصديق ـ سرية فدك ـ سرية بشير بن سعد ـ غزوة ذات أطلح (٦٩) . (٦) بنو كلاب وبنو مرة: أما بنو كلاب فهم: بنو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبنو مرة هم أبناء كعب بن لؤى فيكون كلاب بطن من مرة، وهذه نفس سلسلة النسب التى ذكرها الدكتور على الجندى معتمداً على أنساب ابن حزم (٧٠) ، والغزوات التى كانت معهم: غزوة قريظة ـ غزوة بنى كلاب ـ غزوة بنى مرة ـ سرية ضحاك (٧١) . (٧) عضل والقارة: قال فى سبائك الذهب: "عضل بطن من بنى الهون من مضر"، ونسبهم هكذا: عضل بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأما القارة فلم يذكرها السويدى فى السبائك ولا الدكتور الجندى، إلا أن الأستاذ الشيخ محمد الخضرى نسبها إلى خزيمة بن مدركة، وذكر الفارة بالفاء الموحدة لا بالقاف المثناة (٧٢) وقد غزاهم النبى ﷺ غزوة واحدة هى غزوة الرجيع (٧٣) . (٨) بنو أسد: قال السويدى: " بنو أسد حى من بنى خزيمة، ونسبهم هكذا: أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر (٧٤) ، والغزوات التى غزاهم رسول الله ﷺ هى: سرية قطن ـ سرية عمر مرزوق ـ غزوة ذات السلاسل (٧٥) . (٩) بنو ذكوان: قال السويدى: " بنو ذكوان بطن من بهتة من سليم، وهم من الذين مكث النبى ﷺ شهراً يقنت فى الصلاة يدعو عليهم وعلى رعل (٧٦) ونسبهم هكذا: ذكوان بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٧٧) ، ولم يغزهم رسول الله ﷺ إلا غزوة واحدة هى غزوة بئر معونة. (١٠) بنو لحيان: من المعروف أن بنى لحيان من هذيل، وهذيل هو: ابن مدركة بن مضر (٧٨) ، وغزاهم النبى ﷺ غزوة واحدة هى: غزوة بنى لحيان (٧٩) . (١١) بنو سعد بن بكر: نسبهم: سعد بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨٠) ، وقد أرسل لهم النبى ﷺ سرية واحدة هى سرية فدك. (١٢) بنو هوازن: بنو هوازن بطن من قيس عيلان، ونسبهم هكذا: هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨١) ، وقد غزاهم ﷺ غزوة ذات عرق. (١٣) بنو تميم: بنو بطن من طابخة، قال فى العبر: " وكانت منازلهم بأرض نجد دائرة من هنالك على البصرة واليمن، ونسبهم هكذا: تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر " (٨٢) . (١٤) بنو ثقيف: بنو ثقيف بطن من هوازن اشتهروا باسم أبيهم ثقيف، ونسبهم: ثقيف بن منبه بن بكر بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨٣) ، وقد غزاهم النبى ﷺ غزوتين هما: غزوة حنين ـ غزوة الطائف. ونستطيع من خلال هذا التتبع أن نقول: إن هذه القبائل كانت جميعها تنتسب إلى مضر وهو جد النبى ﷺ أو من والاهم، وبالمعنى الأدق كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، أما اليهود فقد كانوا مع قريش حسب معاهدتهم معهم، وبذلك ظهر جلياً أن الغزوات والسرايا التى خاضها أو أرسلها النبى ﷺ ، كانت موجهة فى نطاق ضيق هو نسل مضر، فلا يمكن أن يقال حينئذ: أن النبى ﷺ قد أشعل نار الحرب ضد العرب جميعاً، أو أنه خاض الحروب لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، ولو كان الأمر كما يقولون لوقعت حرب عدوانية أو دفاعية ضد أى قبيلة من مئات القبائل العربية، وهذه الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل فى بعض خصائص القبائل العربية؛ إذ قد يقول قائل أو يعترض معترض: إن هذا الذى توصلنا إليه بالبحث ـ ألا وهو انحصار القتال مع المضريين ـ لم يحدث إلا اتفاقاً، والأمور الاتفاقية لا تدل على شىء ولا يستخرج منها قانون كلى نحكم به على جهاد النبى ﷺ ، إذ كان من الممكن أن يقاتل النبى ﷺ ربيعة بدلاً من مضر، أو يقاتل ربيعة ومضر معاً، أو يقاتل القحطانية بدلاً من العدنانية أو يقاتلهما معاً، وهكذا. ذلك المتوقع أن تزيد الألفة والمودة بين أفراد وقبائل الجد الواحد لا أن تشتعل نار الحرب والقتال بينهم، فما الذى عكس هذا التوقع وقلب الأمر رأساً على عقب؟! وللإجابة على هذه الشبهة نقول: كان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقاً حرفياً ـ دون هذا التعديل الذى أضافه الإسلام عليه ـ فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصراً حقيقياً على كل حال فى صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم، وإذا دخلت قبيلتان منهم فى حلف كان لكل فرد من أفراد القبيلتين النصرة على أفراد القبيلة الأخرى، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد فى الحالين. بينما هم كذلك فى بنى أبيهم وفى حلفائهم، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضاً فى الشرف والثروة، فنجد القبائل التى يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التى لا تطاق، كما كان بين بطنى الأوس والخزرج، وبين عبس وذبيان، وبين بكر وتغلب ابنى وائل، وبين عبد شمس وهاشم، ٠٠٠ إلخ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة، تزيدها العصبية حياة ونمواً، وكانت مفقودة تماماً بين القبائل المختلفة؛ فكانت قواهم متفانية فى قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم. وقد علل الشيخ محمد الخضرى بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين: الأمر الأول: التنافس فى مادة الحياة بين بنى الأب الواحد، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التى يسيمون فيها أنعامهم، والمناهل التى منها يشربون. الأمر الثانى: تنازع الشرف والرياسة، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمراً فى نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء، وقد يبقيا متجاورين، وفى هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة، وبين هاشم وأمية من مكة، وبين عبس وذبيان من قيس، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات (٨٤) . هذه الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد ـ تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، وإذا كان الخلاف محصوراً فى السببين السابقين، فأى سبب هو الذى أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله ﷺ ؟ هل السبب هو التنافس فى مادة الحياة الدنيا، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التى تؤول إلى النبى ﷺ إذ هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة؟ أما عن السبب الأول فليس وارداً على الإطلاق، فلقد ضرب كفار مكة حصاراً تجويعياً على رسول الله ﷺ وعلى بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فانحازوا إلى شعب أبى طالب ثلاث سنوات كاملة، عاشوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال، حتى إنهم من شدة الجوع قد أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم وأنين شيوخهم، ومع ذلك فقد التزم النبى ﷺ الصبر والثبات، ولم يأمر أصحابه أن يشنوا حرباً أو قتالاً لفك هذا الحصار، والخبير يعلم ما الذى يمكن أن يفعله الجوع بالنفس البشرية، إن لم يصحبها نور من وحى أو ثبات من إيمان. كان السبب الثانى إذن كفيلاً بإشعال هذه النار فى قلوب هؤلاء وعلى حد تعبير الأستاذ العلامة محمد فريد وجدى: " كان مقصوداً بالقتل من قريش، وليس يعقل أن تغمض قريش عينها، ومصلحتها الحيوية قائمة على زعامة الدين فى البلاد العربية، وعن قيام زعامة أخرى فى البلاد كيثرب يصبح منافساً لأم القرى، وربما بزها سلطاناً على العقول، وكر على قريش فأباد خضراءها وسلبها حقها الموروث " (٨٥) ، والذى يؤيد هذا ويقويه ذلك الحوار الذى دار بين الأخنس بن شريق وبين أبى جهل؛ إذ قال له الأخنس: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ ـ يعنى القرآن ـ فقال ما سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذا؟! والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. ليست الصدفة إذن ولا محض الاتفاق هما اللذان دفعا النبى ﷺ لقتال أبناء أجداده من مضر دون ربيعة أو غيرها من العرب، بل الطبيعة العربية المتوثبة دائماً، لمن ينازعها الشرف والسيادة من أبناء الأب الواحد ـ على ما بيناه آنفاً ـ كانت هى السبب الرئيسى لاشتعال هذه الحروب ولولاها لما اضطر ﷺ للقتال بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة والصبر تخللها من المشاق والعنت ما الله به عليم، ومع ذلك فقد كان هجيراه ـ بأبى هو وأمى ـ " اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون ". وثمة أمر آخر ينبغى الإشارة إليه، يتعلق بالآثار الناجمة عن هذا القتال، من حيث أعداد القتلى التى نجمت عن هذه الغزوات والجدول الآتى يعطينا صورة بيانية عن هذه الآثار كالآتى: الغزوة / شهداء المسلمين / قتلى المشركين / الملاحظة بدر / ١٤ / ٧٠ / أُحد / ٧٠ / ٢٢ / الخندق / ٦ / ٣ / بنو المصطلق / ـ / ٣ / خيبر / ١٩ / لم يدخل اليهود فى هذه الإحصائية لأن لهم حكم آخر بسبب خيانتهم، فهم قُتلوا بناء على حكم قضائى، بسبب الحرب. بئر مونة ٦٩ / ـ / مؤتة / ١٤ / ١٤ / حنين / ٤ / ٧١ / الطائف / ١٣ / ـ / معارك أخرى / ١١٨ / ٢٥٦ / المجموع / ٣١٧ / ٤٣٩ / ٧٥٦ من الجانبين. وبعد فقد بدا للناظرين واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلاً فى شخص رسول الله ﷺ أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف، وهو الذى قال ﷺ لأعدائه بعدما قدر عليهم: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " هكذا دون شرط أو قيد، أقول حتى دون اشتراط الإسلام. والنتائج الحقيقية: (١) تحويل العرب الوحوش إلى عرب متحضرين، والعرب الملحدين الوثنيين إلى عرب مسلمين موحدين. (٢) القضاء على أحداث السلب والنهب وتعزيز الأمن العام فى بلاد تفوق مساحتها مساحة فرنسا بضعفين. (٣) إحلال الأخوة والروحانية محل العداوة والبغضاء. (٤) إثبات الشورى مكان الاستبداد (٨٦) . هذا وقد وضع رسول الله ﷺ ضوابط وقيود كان من شأنها أن تحدد وظيفة الجهاد فى نشر الإسلام فى ربوع المعمورة، دون سفك للدماء ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. ومن هذه الضوابط قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) (٨٧) . فإن كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضى الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوى علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك. ودل مفهوم الآية أيضاً على أنه إذا لم يخف منهم خيانة بأن يوجد منهم ما يدل على عدم الخيانة، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (٨٨) . انتشار الإسلام أـ معدلات انتشار الإسلام: الذى يؤكد على الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن انتشار الإسلام كان بالدعوة لا بالسيف ـ أن انتشار الإسلام فى الجزيرة العربية وخارجها، كان وفق معدلات متناسبة تماماً من الناحيتين الكمية والكيفية، مع التطور الطبيعى لحركة الدعوة الإسلامية، ولا يوجد فى هذه المعدلات نسب غير طبيعية أو طفرات تدل على عكس هذه الحقيقة، والجدول الآتى يوضح هذه النسب: السنوات بالهجرى / فارس / العراق / سورية / مصر / الأندلس نسبة المسلمين مع نهاية أول مائة عام / ٥%/ ٣%/ ٢%/ ٢%/أقل من ١% السنوات التى صارت النسبة فيها ٢٥% من السكان/ ١٨٥/ ٢٢٥/ ٢٧٥/ ٢٧٥/ ٢٩٥ السنوات التى صارت النسبة فيها ٥٠% من السكان/ ٢٣٥/ ٢٨٠/ ٣٣٠/ ٣٣٠/ ٣٥٥ السنوات التى صارت النسبة فيها ٧٥% من السكان/ ٢٨٠/ ٣٢٠/ ٣٨٥/ ٣٨٥/ ٤٠٠ * حسبت السنوات منذ عام ١٣ قبل الهجرة عندما بدأ تنزيل القرآن الكريم. وتوضح معلومات أخرى أن شعب شبه الجزيرة العربية كان الشعب الأول فى الدخول فى الإسلام، وقد أصبح معظمهم مسلمين فى العقود الأولى بعد تنزيل القرآن الكريم. وهكذا كان عدد العرب المسلمين يفوق عدد المسلمين من غير العرب فى البداية، ومهدوا الطريق للتثاقف الإسلامى والتعريب من أجل المسلمين غير العرب، ولم يمض وقت على هؤلاء فى أصولهم من أديان ومذاهب متعددة من كل الأمم والحضارات السابقة. كان على هؤلاء جميعاً أن يوظفوا بشكل موحد عمليات توأمية للتقليد والابتكار فى وقت واحد وذلك حسب خلفياتهم الأصلية تحت التأثير الثورى والمتحول الأكثر عمقاً للفكر الإسلامى ومؤسساته، وقاموا عن طريق عملية التنسيق المزدوجة بتنقية تراثهم من علوم وتكنولوجيا وفلسفات عصر ما قبل القرآن الكريم وذلك إما بالقبول الجزئى أو الرفض الجزئى، وقاموا كذلك بالابتكار من خلال انطلاقهم من أنظمتهم الفكرية الحسية وتراثهم فى ضوء القرآن الكريم والسنة. ومن هنا ولدت العلوم الإسلامية والتكنولوجيا الإسلامية والحضارة الإسلامية الحديثة متناسبة مع الأيدولوجية والرؤية الإسلامية الشاملة (٨٩) . خصائص ذلك الانتشار: ـ عدم إبادة الشعوب. ـ جعلوا العبيد حكاماً. ـ لم يفتحوا محاكم تفتيش. ـ ظل اليهود والنصارى والهندوك فى بلادهم. ـ تزاوجوا من أهل تلك البلاد وبنوا أُسراً وعائلات على مر التاريخ. ـ ظل إقليم الحجاز ـ مصدر الدعوة الإسلامية ـ فقيراً إلى عصر البترول فى الوقت الذى كانت الدول الاستعمارية تجلب خيرات البلاد المستعمرة إلى مراكزها. ـ تعرضت بلاد المسلمين لشتى أنواع الاعتداءات (الحروب الصليبية ـ الاستعباد فى غرب إفريقيا ـ إخراج المسلمين من ديارهم فى الأندلس وتعذيب من بقى منهم فى محاكم التفتيش) ونخلص من هذا كله أن تاريخ المسلمين نظيف وأنهم يطالبون خصومهم بالإنصاف والاعتذار، وأنهم لم يفعلوا شيئاً يستوجب ذلك الاعتذار حتى التاريخ المعاصر. ١ ـ سرية سيف البحر ـ رمضان ١ هجرية ـ ٣٠ راكب ـ حمزة بن عبد المطلب ـ ٣٠٠أبو جهل ـ انصرف المسلمون بدون قتال ـ بعثت هذه السرية لدراسة أحوال مكة ووجد الأعداء أن المسلمين منتبهون فانصرفوا عنهم. ٢ ـ سرية الرابغ ـ شوال سنة ١ هجرية ـ ٦٠ ـ عبيدة بن الحارث ـ ٢٠٠ عكرمة بن أبى جهل أو أبو صيان ـ انصرف المسلمون بدون قتال ـ بعثت هذه السرية لتفقد أحوال أهل مكة فرأت جمعاً عظيماً من قريش بأسفل ثنية المرة. ٣ ـ سرية ضرار ـ فى ذى القعدة سنة ١ هجرية ـ ٨٠ سعد بن أبى وقاص ـ خرج حتى بلغ الجحفة ثم رجع ولم يلق كيداً. ٤ ـ غزوة ودان وهى غزوة الأبواب ـ صفر ٢ هجرية ـ ٧٠ ـ سيدنا محمد ﷺ عاهد عمرو بن مخثى الضمرى على ألا يعين قريش ولا المسلمين. ٥ ـ غزوة بواط ـ ربيع الأول ٢ هجرية ـ ٢٠٠ ـ سيدنا محمد ﷺ ١٠٠ ـ أمية بن خلف ـ بلغ إلى بواط ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة لقى فى الطريق قريشاً وأمية ـ رضوى اسم جبل بالقرب من ينبع. ٦ ـ غزوة صفوان أو بدر الأولى ـ ربيع الأول ٢ هجرية ـ ٧٠ ـ سيدنا محمد ﷺ كرز بن جابر الفهرى ـ خرج فى طلب العدو حتى بلغ صفوان فلم يدركه ـ كان كرز بن جابر قد أغار على مواشى لأهل المدينة. ٧ ـ غزوة ذى العشيرة ـ جمادى الآخرة ٢ هجرية ـ ١٥٠ ـ سيدنا محمد ﷺ وادع بنى مذلج وحلفائهم من بنى ضمرة ـ ذو العشيرة موضع بين مكة والمدينة من بطن ينبع. ٨ ـ سرية النخلة ـ فى رجب ٢ هجرية ـ ١٢ ـ عبد الله بن جحش ـ قافلة تحت قيادة بنى أمية ـ أطلق الأسيران وودى القتيل ـ أرسلوا لاستطلاعن قريش فوقع الصدام. ٩ ـ غزوة بدر الكبرى ـ رمضان ٢ هجرية ـ ٣١٣ ـ سيدنا محمد ﷺ ١٠٠٠ ـ أبو جهل ـ ٢٢ ـ ٧٠ ـ ٧٠ ـ انتصر المسلمون على العدو ـ بين بدر ومكة سبعة منازل وبين بدر والمدينة ثلاثة منازل لما علم بخروج قريش إلى المدينة ارتحل دفاعاً عن المسلمين. ١٠ ـ سرية عمير بن العدى الخطمى ـ فى رمضان ٢ هجرية ـ ١ ـ عمير ـ ١ ـ عصماء بن مروان ـ ١ ـ قتل عمير اخته التى كانت تحض قومها على الحرب ضد المسلمين. ١١ ـ سرية سالم بن عمير الأنصارى ـ فى شوال ٢ هجرية ـ ١ ـ سالم ـ ١ ـ الخطمية أبو عكفة ـ كان أبو عكفة اليهودى يستفز اليهود على المسلمين فقتله سالم. ١٢ ـ غزوة بنى قينقاع ـ فى شوال ٢ هجرية ـ النبى ﷺ قبيلة بنى قينقاع ـ تم إجلائهم ـ أتوا بالشر فى المدينة حين كان المسلمون فى بدر فأجلوا لذلك. ١٣ ـ غزوة السويق ـ فى ذى الحجة ٢ هجرية ـ ٢٠٠ ـ النبى ﷺ ٢٠٠ ـ أبو سفيان ـ خرج النبى ﷺ فى طلبه فلم يدركه ـ بعث أبو سفيان من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها فحرقوا فى أسوال من نخل ووجدوا بها رجلين فقتلوهما. ١٤ ـ غزوة قرقرة الكدر أو غزوة بنى سليم ـ محرم ٢ هجرية ـ ٧٠ ـ سيدنا محمد ﷺ كرز بن جابر الفهرى ـ ١ ـ خرج العدو يغزو المدينة فانصرف حين رأى جمعاً من المسلمين ـ أسر عبد اسمه يسار فأطلق سراحه. ١٥ ـ سرية قررة الكدر ـ ٢ هجرية ـ ١ ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ قبيلة بنى غطفان وبنى سليم ـ ٣ ـ قتل من الأعداء وفر الباقون ـ بعثت هذه السرية إكمالاً إذ اجتمع الأعداء مرة أخرى. ١٦ ـ سرية محمد بن مسلمة ـ ربيع الأول ـ ٣ هجرية ـ محمد بن مسلمة الأنصارى الخزرجى ـ ١ ـ كعب بن الأشرف اليهودى ـ ١ ـ ١ ـ كان كعب بن الأشرف يحرض القبائل من اليهود ضد المسلمين ودعا قريشاً للحرب فوقعت غزوة أحد. ١٧ ـ غزوة ذى أمر أو غزوة غطفان أو أنمار ـ فى ربيع سنة ٣ هجرية ـ ٤٥٠ ـ النبى ﷺ بنو ثعلبة وبنو محارب ـ اجتمعت بنو ثعلبة وبنو محارب للإغارة على المدينة فانصرفوا حين رأوا جمعاً من المسلمين ـ خرج النبى ﷺ فى أصحابه حتى بلغ نجد وهنا أسلم وعثود الذى هم بقتل رسول الله ﷺ . ١٨ ـ سرية قردة ـ فى جمادى الآخرة سنة ٣ هجرية ـ ١٠٠ ـ زيد بن حارثة ـ أبو سفيان ـ ١ ـ خرج زيد بن حارثة فى بعث فتلقى قريشاً فى طريقهم إلى العراق ـ أسر فراء بن سفيان دليل القافلة التجارية فأسلم. ١٩ ـ غزوة أُحد ـ شوال ٣ هجرية ـ ٦٥٠ راجل ـ النبى ﷺ ٢٨٠٠ راجل ـ ٢٠٠ راكب أبو سفيان الأموى ـ ٤٠ ـ ٧٠ ـ ٣٠ ـ لحقت خسارة فادحة بالمسلمين ولكن فشل الكفار نتيجة لرعب أصابهم ـ بين أحد والمدينة ثلاثة أيمال كانوا الأعداء زحفوا من مكة إلى أُحد. ـ غزوة حمراء الأسد ـ فى ٧ من شوال المكرم سنة ٣ هجرية ـ ٥٤٠ ـ النبى ﷺ ٢٧٩٠ ـ أبو سفيان ـ ٢ أبو عزة ومعاوية بن المغيرة ـ خرج النبى ﷺ مرعباً للعدو ـ لما آن الغد من يوم أُحد خرج المسلمون إلى معسكر العدو لئلا يغير عليهم ثانية ظاناً بهم ضعفاً، أسر رجلان، وقتل أبو عزة الشاعر لأن كان وعد فى بدر بأنه لا يظاهر أبداً على المسلمين ثم نقض عهده وحث المشركين على المسلمين. ٢١ ـ سرية قطن أو سرية أبى سلمة المخزومى ـ فى غرة محرم الحرام سنة ٤ هجرية ـ ١٥٠ أبو سلمة المخزومى ـ طلحة وسلمة ـ لم يتمكنوا من الإغارة على المدينة بمظاهرة قام بها المسلمون ـ هو رئشيس قطاع الطريق أراد الإغارة على المدينة ولكن المسلمين تظاهروا فوصلوا إلى قطن وهو مسكنه فتفرق جمعه. ٢٢ ـ سرية عبد الله بن أنيس ـ فى ٥ من محرم الحرام سنة ٤ هجرية ـ ١ ـ عبد الله بن أنيس الجهنى الأنصارى ـ ١ ـ سفيان الهذيلى ـ ١ ـ سمع عبد الله بأن سفيان استنفر قوماً ضد المسلمين بعرفى فوصل عليها وقتل بها أبا سفينان. ٢٣ ـ سرية الرجيع ـ فى صفر ٤ هجرية ـ ١٠ عاصم بن ثابت ـ ١٠٠ ـ من عضل والقارة ـ ١٠ ـ استشهاد عشرة قراء. ٢٤ ـ سرية بئر معونة ـ ٧٠ ـ منذر بن عمر ـ جماعة كبيرة ـ عامر بن مالك ـ ١ ـ ٦٩. ٢٥ ـ سرية عمر بن أمية الضميرى ـ ربيع الأول ٤ هجرية ـ ١ ـ عمر بن أمية الضمرى ـ ٢ قبيلة بنى كلاب. ٢٦ ـ غزوة بنى النضير ـ ربيع أول ٤ هجرية ـ النبى ﷺ قبيلة النضير ـ تم إجلائهم بأنهم هموا بقتل الرسول ﷺ . ٢٧ ـ غزوة بدر الأخرى ـ ذى القعدة ٤ هجرية ـ ١٥١٠ النبى ﷺ ٢٠٥٠ أبو سفيان ـ لم تحدث مواجهة ـ خرج أبو سفيان فى أهل مكة حتى نزل بناحية الظهران أو عسفان ولما علم النبى ﷺ خرج إليه فرجع أبو سفينان رجع النبى أيضاً. ٢٨ ـ غزوة دومة الجندل ـ سنة ٥ هجرية ـ ١٠٠٠ النبى ﷺ أهل الدومة ـ رجع الرسول ﷺ قبل أن يصل إليها ولم يلق كيداً. ٢٩ ـ غزوة بنى المصطلق ـ ٢ شعبان ٥ هجرية ـ النبى ﷺ الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق ـ ١٩ ـ ١٠ ـ انهزم العدو وأطلق الأسرى كلهم. ٣٠ ـ غزوة الأحزاب أو الخندق ـ شوال ٥ هجرية ـ ٣٠٠٠ ـ النبى ﷺ ١٠٠٠٠ أبو سفيان ـ ٦ ـ ١٠ ـ انقلب العدو خاسراً. ٣١ ـ سرية عبد الله بن عتيك ـ ذى القعدة ٥ هجرية ـ ٥ ـ عبد الله بن عتيك الأنصارى ـ ١ ـ سلام بن أبى الحقيق ـ ١. ٣٢ ـ غزوة بنى قريظة ـ النبى ﷺ بنو قريظة ـ ٤ ـ ٢٠٠ ـ ٤٠٠ ـ من الأعداء من قتل ومنهم من أسر ـ قتلهم كان حكماً قضائياً بسبب الخيانة وكان هذا الحكم موافقاً لنصوص التوراة التى كانوا يؤمنون بها. ٣٣ ـ سرية الرقطاء ـ ٣٠ ـ محمد بن مسلمة ـ ٣٠ ـ ثمامة بن آثال ـ ١ ـ أثر ثمالة فأطلقه رسول الله ﷺ كان ثمامة سيد نجد، وأسلم بعد أن أطلق سراحه من الأسر. ٣٤ ـ غزوة بنى لحيان ـ ٦ هجرية ـ ٢٠٠ ـ النبى ﷺ بنو لحيا من بطون هذيل ـ تفرق العدو حين علم بمقدم المسلمون إليه ـ كانت الغزوة لتأديب أهل الرجيع الذين قتلوا عشرة من القراء. ٣٥ ـ غزوة ذى قردة ـ ٦ هجرية ـ ٥٠٠ ـ النبى ﷺ خيل من غطفن تحت قيادة عيينة الفزارى ـ امرأة واحدة ـ ٣ ـ ١ ـ أغاروا على لقاح لرسول الله فخرج المسلمون ولحقوا بهم. ٣٦ ـ سرية عكاشة محصن ـ ٤٠ ـ عكاشة بن محصن الأسدى ـ بنو أسد ـ تفرق الأعداء ولم تحدث مواجهة ـ كان بنو أسد قد أجمعوا الإغارة على المدينة فبعثت إليهم هذه السرية. ٣٧ ـ سرية ذى القصة ـ ٦ هجرية ـ ١٠ ـ محمد بن مسلمة ـ ١٠٠ بنو ثعلبة ـ ١ جريح ـ ٩ ـ استشهد تسعة من الدعاة وأصيب محمد بن مسلمة بجرح ـ كان عشرة من القراء ذهبوا للدعوة وبينما هم نائمون قتلهم بنو ثعلبة وذو القصة اسم موضع. ٣٨ ـ سرية بنى ثعلبة ـ ٦ هجرية ـ ٤٠ ـ أبو عبيدة بن الجراح ـ بنو ثعلبة ـ ١ ـ انصرف العدو وغنم المسلمون ما كان لهم من متاع. ٣٩ ـ سرية الجموم ـ ٦ هجرية ـ زيد بن حارثة ـ بنو سليم ـ ١٠ ـ أسر مجموعة رجال وأطلقهم النبى ﷺ . ٤٠ ـ سرية الطرف أو الطرق ـ ٦ هجرية ـ ١٥ ـ زيد بن حارثة ـ بنو ثعلبة ـ هرب الأعداء وأصاب المسلمون عشرين بعيراً ـ بعثت هذه السرية لمعاقبة المجرمين بذى القصة. ٤١ ـ سرية وادى القرى ـ ١٢ ـ زيد بن حارثة ـ سكان وادى القرى ـ ١ جريح ـ ٩ ـ قتل من المسلمين تسعة رجال وجرح واحد ـ كان زيداً ذاهباً للجولة فحملوا عليه وعلى أصحابه. ٤٢ ـ دومة الجندل ـ ٦ هجرية ـ عبد الرحمن بن عوف ـ قبيلة بنى كلب ـ الأصبغ بن عمرو ـ تحقق نجاح ملموس فى مجال الدعوة ـ أسلم الأصبغ بن عمرو وكان نصرانياً وأسلم معه كثير من قومه. ٤٣ ـ سرية فداك ـ ٦ هجرية ـ ٢٠٠ ـ على بن أبى طالب ـ بنو سعد بن بكر ـ هربت بنو سعد وأصاب المسلمون مائة بعير وألفى شاة ـ بلغ النبى ﷺ أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر فقام علىّ رضى الله الله عنه بالمظاهرة عليهم. ٤٤ ـ سرية أم فرقة ـ ٧ هجرية ـ أبو بكر الصديق رضى الله عنه ـ بنو فزارة تحت قيادة أم قرفة ـ ٢ ـ انهزم العدو ـ كانت بنو فزارة قد أغاروا على قافلة زيد بن حارثة. ٤٥ ـ سرية عبد الله بن رواحة ـ ٦ هجرية ـ ٣٠ ـ عبد الله بن رواحة ـ ٣٠ ـ أسير بن رزام اليهودى ـ ١ ـ ٣٠ ـ وقع اشتباك لسوء فهم الفريقين فقتل اليهود جميعاً. ٤٦ ـ سرية العرنيين ـ ٦ هجرية ـ ٢٠ ـ كرز بن جابر الفهرى ـ رجال من عكل وعريننة ـ ١ ـ ٨ ـ قتلوا الراعى واستاقوا الإبل فأسروا ومثل بهم ـ استوخموا المدينة فشربوا من ألبان الإبل وأبوالها فصحوا ثم قتلوا يسارا راعى النبى ﷺ واستاقوا الإبل. ٤٧ ـ سرية عمرو بن أمية الضمرى ـ ٦ هجرية ـ ١ ـ عمرو بن أمية الضمرى ـ كان عمرو قد جاء إلى مكة ليقتل النبى ﷺ ثم أسلم من حسن خلقه الشريف ثم ذهب إلى مكة يدعو أهلها. ٤٨ ـ غزوة الحديبية ـ ٦ هجرية ـ ١٤٠٠ ـ النبى ﷺ أهل مكة ـ سهيل بن عمرو القرشى ـ تم الصلح بين النبى ﷺ وبين ريش عشر سنوات ـ كان النبى قد خرج معتمراً فصدته قريش عن البيت فى الحديبية. ٤٩ ـ غزوة خيبر ٧ هجرية ـ ١٠٠ ـ النبى ﷺ ١٠٠٠٠ ـ يهود خيبر كنانة بن أبى الحقيق ـ ٥٠ جريحاً ـ ١٨ ـ ٩٣ ـ فتح الله للمسلمين فتحاً مبيناً ـ كان اليهود قد قاتلوا المسلمين فى أُحد والأحزاب ونقضوا عهدهم مع النبى ﷺ فأفسد خططهم العدوانية. ٥٠ ـ غزوة وادى القرى ـ المحرم ٦ هجرية ـ ١٣٨٢ ـ النبى ﷺ اليهود من وادى القرى. ٥١ ـ غزوة ذات الرقاع ـ ٧ هجرية ـ ٤٠٠ ـ النبى ﷺ بنو غطفان وبنو محارب وبنو ثعلبة وبنو أنمار ـ تفرق العدو ـ كانت بنو عطفان قد جمعوا جموعاً من القبائل للإغارة على المسلمين فلما قام المسلمون بحشودهم تفرقوا جميعاً. ٥٢ ـ سرية عيص ـ فى صفر ٧ هجرية ـ ٧٢ ـ أبو جندل وأبو بصير ـ قافلة قريش ـ ٩ ـ أخذ أموال العدو ثم ردها إليهم بأمر النبى ﷺ . ٥٣ ـ سرية الكديد ـ صفر ٧ هجرية ـ ٦٠ ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ بنو الملوح ـ ١ ـ وقع اشتباك ـ كانت بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد فبعثت إليهم هذه السرية للتوبيخ. ٥٤ ـ سرية فدك ـ فى صفر سنة ٧ هجرية ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ أهل فدك ـ قتل ناس من العدو. ٥٥ ـ سرية حسمى ـ فى جمادى الآخرة ٧ هجرية ـ ٥٠٠ ـ زيد بن حارثة ـ ١٠٢ ـ الهنيد بن عوض الجزرى ـ ١٠٠ ـ ٢ ـ انتصر المسلمون وقتل الهنيد مع ابنه وأطلق الباقون بعد توبتهم ـ كان دحية الكلبى محملاً ببعض الهدايا من قيصر فقابله الهنيد فى ناس وقطع عليه الطريق. ٥٦ ـ سرية تربة ـ فى شعبان سنة ٧ هجرية ـ عمر بن الخطاب ـ أهل تربة ـ تفرق العدو ـ بين تربة ومكة منزلان كان أهل تربة قد اصطلحوا مع بنى غطفان فقام المسلمون بالمظاهرة فى محالهم. ٥٧ ـ سرية بنى كلاب ـ فى شعبان ٧ هجرية ـ أبو بكر الصديق رضى الله عنه ـ بنو كلاب ـ انتصر المسلمون سبى من الأعداء جماعة وقتل آخرون ـ كانوا أجمعوا الهجوم على المسلمين مع بنى محارب وبنى أنمار. ٥٨ ـ سرية الميفعة ـ رمضان ٧ هجرية ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ أهل الميفعة ـ وقع اشتباك ـ كانوا حلفاء أهل خيبر. ٥٩ ـ سرية خربة ـ فى رمضان ٧ هجرية ـ أسامة بن زيد ـ أهل خربة ـ بينما أسامة وأصحابه يمشون فى الطريق إذ هبط إليهم رجل من الجبل فقتله أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله. ٦٠ ـ سرية بنى مرة ـ شوال ٧ هجرية ـ ٣٠ بشير بن سعد ـ بنو مرة بالقرب من فدك ـ وقع اشتباك كانوا حلفاء أهل خيبر. ٦١ ـ سرية بشير بن سعد الأنصارى ـ فى شوال ٧ هجرية ـ ٣٠ بشير بن سعد ـ بنو فزارة وعذرة ـ جرح جميع المسلمين وأسر منهم رجلان ـ كانت بنو فزارة وعذرة قد ساعدوا اليهود فى خيبر فبعثت إليهم هذه السرية للترويع. ٦٢ ـ سرية ابن أبى العوجاء ـ ٧ هجرية ـ ٥٠ ـ ابن أبى العوجاء ـ بنو سليم ـ ١ ـ ٤٩ ـ أصيب ابن أبى العوجاء بجرح واستشهد الباقون ـ قام المسلمون بحشد قواهم فى محالهم لأنهم كانوا يجمعون للإغارة على المدينة. ٦٣ ـ سرية ذات أطلح ـ ٨ هجرية ـ ١٥ ـ كعب بن عمير الأنصارى ـ أهالى ذات أطلح بنو قضاعة ـ ١٤ ـ استشهد المسلمون جميعاً وبرأ واحد منهم ـ كانوا يجمعون فى عدد كبير للإغارة على المسلمين فبعث إليهم كتيبة لتخوفيهم فاستشهد المسلمون جميعاً. ٦٤ ـ سرية ذات عرق ـ فى ربيع الأول ٨ هجرية ـ ٢٥ ـ شجاع بن وهب الأسدى ـ بنو هوازن أهالى ذا عرق ـ كانت هوازن قد مدّوا يد المعونة لأعداء المسلمين مراراً ثم اجتمعوا على مشارف المدينة فاحتشد المسلمون لتخويفهم. ٦٥ ـ سرية مؤنة ـ فى جمادى الأولى سنة ٨ هجرية ـ ٣٠٠٠ ـ زيد بن حارثة ـ مائة ألف ـ شرحبيل الغسانى ـ ١٢ ـ لم نعرف عدد المفقودين ـ انتصر المسلمون ـ كان شرحبيل قد قتل رسول الله ﷺ فوقعت لذلك الحرب وهزم ثلاثة آلاف مائة ألف. ٦٦ ـ سرية ذات السلاسل ـ جمادى الآخرة ٨ هجرية ـ ٥٠٠ ـ عمرو بن العاص القرشى ـ بنو قضاعة ساكنوا السلاسل ـ هرب الأعداء بمظاهرة المسلمين ـ كانت قضاعة قد تجمعت للإغارة على المدينة. ٦٧ ـ سرية سيف البحر ـ فى رجب ٨ هجرية ـ ٣٠٠ ـ أبو عبيدة ـ قريش ـ أقام المسلمون على الساحل أياماً ثم انصرفوا ـ كان الغرض من هذه السرية تشتيت همم قريش. ٦٨ ـ سرية محارب ـ فى شعبان ٨ هجرية ـ ١٥ ـ أبو قتادة الأنصارى ـ بنو غطفان ـ هرب العدو خائفاً وأصاب المسلمون أنعاماً ـ تجمع بنو غطفان بخضرة فأرسلت إليهم سرية مكونة من خمسة عشر رجلاً للاستطلاع. ٦٩ ـ غزوة فتح مكة ـ رمضان ٨ هجرية ـ ١٠٠٠٠ ـ النبى ﷺ قريش مكة ـ ٢ ـ ١٢ ـ انتصر المسلمون ـ لم يتعرض للمسلمين أحد إلا كتيبة واحدة ثم دخل النبى ﷺ مكة وجعل الناس كلهم طلقاء ولا تثريب عليهم. ٧٠ ـ سرية خالد ـ فى رمضان ٨ هجرية ـ خالد بن الوليد ـ الصنم العزى ـ كانت العزى صنم بنى كنانة فحطمها خالد رضى الله عنه. ٧١ ـ سرية عمرو بن العاص ـ ٨ هجرية ـ عمرو بن العاس ـ الصنم سواع ـ كانت سواع صنم بنى هذيل فحطمها عمرو بن العاص رضى الله عنه. ٧٢ ـ سرية سعد الأشهلى ـ رمضان ٨ هجرية ـ سعد بن زيد الأشهلى الأنصارى ـ الصنم مناة ـ كانت مناة صنماً للأوس والخزرج فهدمها سعد الأشهلى رضى الله عنه. ٧٣ ـ سرية خالد بن الوليد ـ شوال ٨ هجرية ـ ٣٥٠ ـ خالد بن الوليد ـ بنو جذيمة ـ ٩٥ ـ قتل خمسة وتسعون رجلاً من بنى جذيمة ممن كانوا أسلموا فكره الرسول ﷺ قتلهم وودى بهم الدية ـ كان خالد بن الوليد بعث داعياً وكانت بنو جذيمة قد أسلموا من قبل فشك خالد فى إسلامهم وقتل منهم رجالاً. ٧٤ ـ غزوة حنين أو أوطاس أو هوازن ـ شوال ٨ هجرية ـ ١٢٠٠٠ ـ النبى ﷺ بنو ثقيف وبنو هوازن وبنو معز وبنو أحسم ـ ٦ ـ ٦٠٠٠ ـ ٧١ ـ انتصر المسلمون ـ أطلق النبى ﷺ سراح جميع الأسرى وأعطاهم الكسوة كذلك. ٧٥ ـ غزوة الطائف ـ شوال ٨ هجرية ـ ١٢٠٠٠ ـ النبى ﷺ بنو ثقيف ـ جمع كثير ـ ١٣ ـ جمع كثير ـ رجع النبى ﷺ بعد محاصرة دامت شهراً ـ لما رفع النبى ﷺ عنهم الحصار قدموا عليه وأسلموا. ٧٦ ـ سرية عيينة بن حصن ـ فى محرم ٩ هجرية ـ ١٥٠ ـ عيينى بن حصن الفزارى ـ قبيلة بنى تميم ـ ٦٢ ـ تم القضاء على الثورة ـ قامت هذه القبيلة بإغراء القبائل التابعة لها ومنعتها عن أداء الجزية ولما خرج إليهم عيينى أسر منهم ١١ رجلاً و٢١ امرأة و ٢٠ ولداً فأطلقهم النبى ﷺ حين قدم عليه سيدهم. ٧٧ ـ سرية قطبة بن عامر ـ فى صفر ٩ هجرية ـ ٢٠ ـ قطبة بن عامر ـ قبيلة خثم ـ أكثر من النصف ـ أكرهم ـ تفرقوا وانتشروا ـ كانوا يدبرون مؤامرة ضد المسلمين فجاء قطبة ببعضهم أسيراً فأطلقهم رسول الله ﷺ . ٧٨ ـ سرية الضحاك ابن سفيان الكلابى ـ ربيع أول ٩ هجرية ـ الضحاك رضى الله عنه ـ قبيلة بنى كلاب ـ بعث المسلمون إلى بنى كلاب داعين فاعترض لهم الكفار فوقع اشتباك. ٧٩ ـ سرية عبد الله بن حذافة ـ ربيع أول ٩ هجرية ـ ٣٠٠ ـ عبد الله بن حذافة القرشى السهمى ـ القراصنة من الخثعميين ـ هربوا ـ كانوا قد اجتمعوا فى ساحل جدة يريدون الإغارة على مكة فتفرقوا حين رأوا هذه السرية. ٨٠ ـ سرية بن طىء ـ ٩ هجرية ـ ١٥٠ ـ على رضى الله عنه ـ بنى طىء ـ أسرت سفانة بنت حاتم وغيرها من الناس. ٨١ ـ غزوة تبوك ـ ٩ هجرية ـ ٣٠٠٠ ـ الرسول ﷺ هرقل قيصر الروم ـ قام النبى ﷺ بالتجمع مع أصحابه وأرهب الأعداء ثم رجع إلى المدينة. ٨٢ ـ سرية دومة الجندل ـ ٤٢٠ ـ خالد بن الوليد ـ أكيدر أمير دومة الجندل ـ أسر أكيدر وقتل أخوه ـ أطلق رسول الله ﷺ سراح أكيدر وعقد الحلف مع حكومات نصرانية أخرى.

стр. 67

٦٦- هل الجبال تحفظ توازن الأرض؟ والأرض تدور حول نفسها ؟ الرد على الشبهة: فى المزمور ٧٥: ٢ [أنا وزنت أعمدتها] وفى مز ١٠٤: ٥ [المؤسس الأرض على قواعد فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد] وفى علم الجيولوجيا أن الله جعل الجبال لحفظ الأرض؛ وذلك مثل الفقاعات تشاهد كالقبة على سطح المياه وتدور مع المياه وهى مثبتة فى جميع أطرافها، وأن الجبال آخر مراحل تكوين الأرض فى بدء الخليقة. وللدكتور زغلول النجار كتاب مستقل عن الجبال. وصدق الله: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (١) . وصدق الله: (وما يعقلها إلا العالمون) (٢) .

стр. 68

٦٧- هل النجوم رجوم الشياطين ؟ الرد على الشبهة: إن الإسلام دين، وهو موحى به من رب العالمين يخبرنا عن صدق ويقين، وهو القائل سبحانه: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) (١) . والإسلام ليس بدعاً من الأديان ولذلك نرى أن الكتب المقدسة تذكر ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرساً شديداً وشهباً * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا) (٢) . قال ذلك حكاية عن الجن. وليس المعنى كما فهم المؤلف، وإنما المعنى هو أن الله جعل على السماء حراساً من الملائكة، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين. وهى الشهب. فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف فى يد الجندى المحارب. وفى الإصحاح الثالث من سفر التكوين؛ أن الله لما طرد آدم من الجنة وهى جنة عدن، ليعمل الأرض التى أُخذ منها، أقام شرقى جنة عدن ملائكة تسمى الكروبيم، ووضع لهيب سيف متقلب فى أياديهم لحراسة طريق شجرة الحياة: " فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التى أُخذ منها؛ فطرد الإنسان، وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة " (٣) . ويقول المفسرون: " إن الكروبيم من الملائكة المقربين. وهو فى الفارسية بمعنى الحارس ". وكان عملهم وقت طرد آدم هو " حراسة الفردوس؛ لئلا يرجع الإنسان إليه ". وفى القرآن تفسير الشهب بشواظ من نار. فى قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأى آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) (٤) . فقد جعل للجن غير ما جعل للإنس من أدوات العقاب. ولم يجعل للجن كواكب تُرمى بها كالقمر والشمس، وإنما جعل للجن " شواظ " أى " شهب ".

стр. 69

٦٨- القرآن يتناقض مع العلم إنه جاء فى القرآن أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن. فكيف يقول عن أرضنا وهى واحدة من ملايين الكواكب ـ إنه يوجد سبعة مثلها؟ وفى القرآن: (أن السماء سقفاً محفوظاً) ، وأن الله يمسكها لئلا تقع. فكيف يقول عن الفضاء غير المتناهى: إنه سقف قابل للسقوط؟ وفى القرآن أن الله زين السماء الدنيا بمصابيح. فكيف يقول عن ملايين الكواكب التى تسبح فى هذا الفضاء غير المتناهى إنها مصابيح؟ الرد على الشبهة: هذا السؤال مكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: هو أنه ليس فى العالم سبعة أرضين. فكيف يقول عن الأرض: إنها سبعة كما أن السموات سبعة؟ وقول المؤلف إن الأرض سبعة؛ أخذه من بعض مفسرى القرآن الكريم. وهو يعلم أن المفسرين مجتهدون، ويصيبون ويخطئون. والرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو: أن نص الآية هو: (الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علماً) (١) . إنه أتى بـ (مِنْ) التى تفيد التبعيض؛ لينفى العدد فى الأرض. وليثبت المثلية فى قدرته. فيكون المعنى: أنا خلقت سبع سموات بقدرتى، وخلقت من الأرض مثل ما خلقت أنا السماء بالقدرة. ولهذا المعنى علّل بقوله: (لتعلموا أن الله على كل شىء قدير (. وبيان التبعيض فى الأرض: هو أن السماء محكمة، وأن الأرض غير محكمة. وهى غير محكمة لحدوث الزلازل فيها، وللنقص من أطرافها. وقد عبّر عن التبعيض فى موضع آخر فقال: (أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها) (٢) . والنقص من الأطراف يدل على أن الباقى من الأرض ممسوك بقدرة الله، كما يمسك السماء كلها. والجزء الثانى: هو أن السماء سقف قابل للسقوط. والرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو: أن كل لغة فيها الحقيقة وفيها المجاز. والتعبير على المجاز. فإن السماء شبه سقف البيت، والمانع للسقف من السقوط على الحقيقة هو الأعمدة، وعلى المجاز هو الله؛ لأن كل شىء بقدرته. ولذلك نظير فى التوراة وفى الإنجيل: " بالكسل يهبط السقف ". وفى ترجمة أخرى: " من جراء الكسل ينهار السقف. وبتراخى اليدين يسقط البيت " [جامعة ١٠: ١٨] يريد أن يقول: إن الكسل يؤدى إلى الفقر، والفقر يؤدى إلى خراب البيوت. وعبر عن الخراب بانهيار السقف. والسقف لا ينهار بالكسل، وإنما بهدّ الأعمدة التى تحمله. وفى سفر الرؤية: " فسقط من السماء كوكب " [رؤ ٨: ١٠] كيف يسقط كوكب من السماء بغير إرادة الله؟ وفى سفر الرؤية: " ونجوم السماء سقطت " (رؤ ٦: ١٣] ، ويقول عيسى ﵇: إن العصفور لا يقع إلى الأرض إلا بإرادة الله: " أما يباع عصفوران بفَلْس واحد. ومع ذلك لا يقع واحد منهما إلى الأرض خفية عن أبيكم " [متى ١٠: ٢٩] . وفى الرسالة إلى العبرانيين: " حقاً ما أرهب الوقوع فى يدى الله الحى؟ " [عب ١٠: ٣١] . والجزء الثالث: وهو أنه كيف يقول عن الكواكب إنها مصابيح؟ والمؤلف دل بقوله هذا على إنكار الواقع والمشاهد فى الحياة الدنيا، ودل أيضاً بقوله هذا على جهله بالتوراة وبالإنجيل. ففى سفر الرؤية: " كوكب عظيم متقد كمصباح " [رؤ ٨: ١٠] ، "وأمام العرش سبعة مصابيح " [رؤ ٤: ٥] ، وجاء المصباح على المجاز فى قول صاحب الأمثال: " الوصية مصباح والشريعة نور " [أم ٦: ٢٣] .

стр. 70

٦٩- كيف يكون العلم كفرًا ؟ يعترض على قوله: (إنما النسئ زيادة فى الكفر) (١) أن النسئ الذى فى السنة القبطية من الحساب الفلكى.. فكيف يكون العلم كفراً؟ الرد على الشبهة: أن النسئ فى الآية هو ما كان يفعله المشركون من تبديل الأشهر الحرم مكان الأشهر الحلال ليستحلوا بذلك القتال فيها، ولا علاقة له بالأيام التى تضبط السنة القبطية للزراعة، ومن هنا يتبين مدى محاولة التلبيس والتدليس الذى يضحك منها العارفون مع حزنهم أن يصل الترصد ضد كلام الله سبحانه والعمل على أن لا يصل إلى الخلق باعتباره ـ الكلمة الأخيرة للعالمين ـ إلى هذا الحد الرخيص من التلاعب بالألفاظ والمصطلحات.

стр. 71

٧٠- رىّ مصر بالغيث ! إن أرض مصر تُروى بالنيل، ولا تروى بالمطر. وفى القرآن: (ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون) (١) . وهذا يدل على غوثهم بالمطر. فكيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر؟ الرد على الشبهة: هنا كلمتان: ١- (يغاث ( ٢- (يعصرون (. وكلمة الغوث على الحقيقة تدل على نزول ماء من السماء. وكلمة العصر على الحقيقة تدل على عصير العنب. لأن الشائع بين الناس فى العصر هو العنب. والمؤلف يوجه النقد على المعنى الحقيقى فى نزول المطر، ولم يوجه النقد لعصير العنب. وكلمة الغيث جاءت على الحقيقة مثل: " فامتنع الغيث ولم يكن مطر " [إرمياء ٣: ٣] ، وجاءت على المجاز مثل: " لأعرف أن أغيث المعيى " [إشعياء ٥٠: ٤] . أما على المجاز فالشبهة منتفية. وأما على الحقيقة فهذا هو غرض المعترض وهو مغرض فى ذلك. وذلك لأن الأمر كله خارج على المألوف. وبيان خروجه على المألوف: أن المدة خمس عشرة سنة. سبع شداد يأكلن سبعًا سمانًا أو: سبع سمان يأكلهن سبع عجاف. والسنة الأخيرة يأتى فيها الخير قليلاً. والمناسب لقلة الخير؛ نزول المطر. وقلة المياه تكفى لرى العنب والفواكه فى أماكن زراعته، وتكفى لإنبات قمح يكون بذره بذرا للسنوات الآتية التى سيكثر فيها ماء النيل. وهذا أمر غير مستبعد فى العقل. فكيف يكون شبهة؟ أما عن العصر. فإنه يكون على الحقيقة مثل: " فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون، وأعطيت الكأس فى يد فروع " [تكوين ٤٠: ١١] ، ويكون على المجاز مثل: " فألقاه إلى معصرة غضب " [رؤية١٤: ١٩] . وإذا ثبت وجود العصر، وليس لماء النيل وجود. فكيف حيى النبات وعاش؟ وفى السنوات السبع العجاف كانت سنابل القمح تخرج من الأرض خروجاً هزيلاً. فكيف خرجت وهى هزيلة والنيل لا يروى الأراضى؟ لابد من القول بوجود مصدر للمياه غير النيل. إما آبار عيون، وإما مطر. ففى حلم فرعون: " وهو ذا سبع سنابل طالعة فى ساق واحد سمينة وحسنة. ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها " [تكوين ٤١: ٥-٦] ، وكرر الكلام وقال فيه: " نابتة وراءها " [تك ٤١: ٢٣] كيف تكون نابتة وليس لماء النيل من سواقى؟

стр. 72

٧١- الرعد ملك من الملائكة إن فى القرآن أن الرعد يسبح الله. وإن فى الأحاديث النبوية أن الرعد ملك من ملائكة الله. ونحن نعلم أن الرعد هو الكهرباء الناشئة عن تصادم السحاب فكيف يكون الرعد ملكاً؟ الرد على الشبهة: إن المؤلف لا ينكر تسبيح الرعد لله؛ وذلك لأن فى التوراة أن الرعد يسبح لله. وكلُّ شىء خلقه؛ فإنه يسبحه. وإنما هو ينكر كون الرعد مَلَكاً. فمن أكّد له أن الرعد ملك؟ ليس فى القرآن أنه ملك. والأحاديث النبوية تذكر أن للرعد ملكًا؛ وليس أن الرعد ملك، والفرق واضح. ففى التوراة عن التسابيح لله: " شعب سوف يُخلق؛ يسبح الرب "؛ يقصد شعب محمد ﷺ [مزمور ١٠٢: ١٨] ،وفى سفر الزبور: " تسبحه السموات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها " [مز ٦٩: ٣٤] . وفى سفر الزبور: " سبحوا الرب من السموات، سبحوه فى الأعالى، سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده، سبحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبحيه يا جميع كواكب النور، سبحيه يا سماء السموات، ويا أيتها المياه التى فوق السموات. لتسبح اسم الرب. لأنه أمر فخُلقت، وثبتها إلى الدهر والأبد. وضع لها حداً فلن تتعداه. سبحى الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج. النار والبرد. الثلج والضباب. الريح العاصفة كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمر وكل الأَرز. الوحوش وكل البهائم، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة. ملوك الأرض وكل الشعوب، الرؤساء وكل قضاة الأرض. الأحداث والعذارى، أيضًا الشيوخ مع الفتيان. ليسبحوا اسم الرب؛ لأنه قد تعالى اسمه وحده. مجده فوق الأرض والسموات " [مزمور ١٤٨] . وفى الأناجيل الأربعة: " يسبحون الله بصوت عظيم " [لوقا ١٩: ٣٧] ، " وهم يمجدون الله ويسبحونه " [لو ٢: ٢٠] ، " وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين: المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " [لو ٢: ١٣] ، وكان عيسى ﵇ يسبح الله تعالى مع الحواريين. ففى مرقس: " ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون " [مر ١٤: ٢٦] ، وفى متى: " ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون " [متى ٢٦: ٣٠] . ومن يسبح الله كيف يكون هو الله أو إله مع الله؟. وفى القرآن الكريم: (سبح اسم ربك الأعلى) (١) ، وفى الزبور: " سبحوا اسم الرب. سبحوا يا عبيد الرب " إلى أن قال: " كل ما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض. فى البحار وفى كل اللجج. المصعد السحاب من أقاصى الأرض. الصانع بروقا للمطر. المخرج الريح من خزائنه (٢) .. " [مز ١٣٥] .

стр. 73

٧٢- الوادى طوى إنه لا يوجد وادى اسمه " طوى " فى سيناء. فمن أين جاء به القرآن؟. الرد على الشبهة: إنه فهم من قوله تعالى: (إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (١) أن (طوى) اسم للوادى المقدس. وفهمه خاطئ. وذلك لأن الله لما عبر عن السموات بأنها (مطويات بيمينه) (٢) يعنى بذلك: أن لا إله غيره يملك من أمر السموات من شىء. عبر عن الأرض بأنها فى ملكه وليس لإله آخر فيها من شىء. فالطى فى السماء كناية عن القدرة والطى فى الأرض كناية عن القدرة. والكناية مناسبة للواد المقدس؛ والمقصود الأرض كلها لئلا يُظن أن التقديس لغيره. وكرر الله المعنى فى السموات فقال: (يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب) (٣) . وشبهه أن تكون الأرض (طوى) أى فى قبضته. وفى الرسالة إلى العبرانيين: " وأنت يا رب فى البدء أسست الأرض، والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها؛ فتتغير، ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى " [عب ١: ٢٠ـ٢٢] فقد عبر عن طيها بطى الرداء. فيكون المعنى (إنك بالوادى المقدس (الذى سيصير (طوى) بمعنى مطوى كما أن السماء ستكون مطوية بقدرته. وهنا هو لا يعترض على القرآن بل على التفاسير، وهو جانب آخر من إعجاز القرآن يزيد فى إثباته وذلك أن كلام البشر من العلماء والمفسرين قد يختلف ويؤخذ منه ويُرد؛ ولكن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، شىء عجيب حقاً ذلك القرآن الذى يقف أمام هؤلاء جميعاً بكل ذلك الفهم الخاطئ والتصيد المستمر وإذ به يتعالى عليهم ويبقى فى عليائه معجزاً للبشر إلى يوم الدين.

стр. 74

٧٣- هل الزيتون يخرج من طور سيناء ، وهو يخرج من فلسطين، فكيف ذلك؟ الرد على الشبهة: أن سيناء من فلسطين وفلسطين والشام هى شمال مصر، وهذا المعنى يوجد فى التوراة ففى سفر الزبور: [سينا فى القدس] مز ٦٨: ١٧. ولا تعتمد التقسيمات السياسية الحديثة التى فصلت الديار بعضها عن بعض بل إن مصر فى الأصل كانت تمتد إلى هذا الحد، أما تقسيمات سايكس بيكون فلا يمكن تفسير النصوص المقدسة عليها.

стр. 75

٧٤- جبل قاف المحيط بالأرض كلها إنه جاء فى القرآن الكريم: (ق. والقرآن المجيد) (١) ونقل من كتاب عرائس المجالس: أن معنى (ق) جبل يقال له جبل قاف. ونقل من كتاب قصص الأنبياء أن رسول الله ﷺ قال: إن أعلى قمة فى الأرض هى جبل قاف. وقال المؤلف: إن الكلمة العبرانية " تاو " ومعناه " الخط " لما سمعها الصحابة لم يعرفوا أن معناها " الخط " بل توهموا أنها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف. فكيف يعتبر بعض القرآن ما نسميه الأفق ـ وهو خط وهمى ـ جبلاً حقيقياً؟ الرد على الشبهة: إن كلام مؤلف عرائس المجالس ليس حُجة على صحة القرآن، وإن الأحاديث الموضوعة ليست حُجة على صحة القرآن. ولم يجمع المسلمون على معنى (ق) فإن لهم فى المعنى آراء كثيرة. منها أن (ق) حرف من حروف الهجاء مثل الألف والياء والتاء.. إلخ. فاعتراض المؤلف على القرآن ليس فى موضعه.
следующие страницы →