٧٠- رىّ مصر بالغيث !
إن أرض مصر تُروى بالنيل، ولا تروى بالمطر. وفى القرآن: (ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون) (١) .
وهذا يدل على غوثهم بالمطر. فكيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر؟
الرد على الشبهة:
هنا كلمتان:
١- (يغاث (
٢- (يعصرون (.
وكلمة الغوث على الحقيقة تدل على نزول ماء من السماء. وكلمة العصر على الحقيقة تدل على عصير العنب. لأن الشائع بين الناس فى العصر هو العنب. والمؤلف يوجه النقد على المعنى الحقيقى فى نزول المطر، ولم يوجه النقد لعصير العنب. وكلمة الغيث جاءت على الحقيقة مثل: " فامتنع الغيث ولم يكن مطر " [إرمياء ٣: ٣] ، وجاءت على المجاز مثل: " لأعرف أن أغيث المعيى " [إشعياء ٥٠: ٤] . أما على المجاز فالشبهة منتفية. وأما على الحقيقة فهذا هو غرض المعترض وهو مغرض فى ذلك.
وذلك لأن الأمر كله خارج على المألوف. وبيان خروجه على المألوف: أن المدة خمس عشرة سنة. سبع شداد يأكلن سبعًا سمانًا أو: سبع سمان يأكلهن سبع عجاف. والسنة الأخيرة يأتى فيها الخير قليلاً. والمناسب لقلة الخير؛ نزول المطر. وقلة المياه تكفى لرى العنب والفواكه فى أماكن زراعته، وتكفى لإنبات قمح يكون بذره بذرا للسنوات الآتية التى سيكثر فيها ماء النيل. وهذا أمر غير مستبعد فى العقل. فكيف يكون شبهة؟
أما عن العصر. فإنه يكون على الحقيقة مثل: " فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون، وأعطيت الكأس فى يد فروع " [تكوين ٤٠: ١١] ، ويكون على المجاز مثل: " فألقاه إلى معصرة غضب " [رؤية١٤: ١٩] .
وإذا ثبت وجود العصر، وليس لماء النيل وجود. فكيف حيى النبات وعاش؟ وفى السنوات السبع العجاف كانت سنابل القمح تخرج من الأرض خروجاً هزيلاً. فكيف خرجت وهى هزيلة والنيل لا يروى الأراضى؟
لابد من القول بوجود مصدر للمياه غير النيل. إما آبار عيون، وإما مطر. ففى حلم فرعون: " وهو ذا سبع سنابل طالعة فى ساق واحد سمينة وحسنة. ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها " [تكوين ٤١: ٥-٦] ، وكرر الكلام وقال فيه: " نابتة وراءها " [تك ٤١: ٢٣] كيف تكون نابتة وليس لماء النيل من سواقى؟
стр. 72
٧١- الرعد ملك من الملائكة
إن فى القرآن أن الرعد يسبح الله. وإن فى الأحاديث النبوية أن الرعد ملك من ملائكة الله. ونحن نعلم أن الرعد هو الكهرباء الناشئة عن تصادم السحاب فكيف يكون الرعد ملكاً؟
الرد على الشبهة:
إن المؤلف لا ينكر تسبيح الرعد لله؛ وذلك لأن فى التوراة أن الرعد يسبح لله. وكلُّ شىء خلقه؛ فإنه يسبحه. وإنما هو ينكر كون الرعد مَلَكاً. فمن أكّد له أن الرعد ملك؟ ليس فى القرآن أنه ملك. والأحاديث النبوية تذكر أن للرعد ملكًا؛ وليس أن الرعد ملك، والفرق واضح. ففى التوراة عن التسابيح لله: " شعب سوف يُخلق؛ يسبح الرب "؛ يقصد شعب محمد ﷺ [مزمور ١٠٢: ١٨] ،وفى سفر الزبور: " تسبحه السموات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها " [مز ٦٩: ٣٤] . وفى سفر الزبور: " سبحوا الرب من السموات، سبحوه فى الأعالى، سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده، سبحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبحيه يا جميع كواكب النور، سبحيه يا سماء السموات، ويا أيتها المياه التى فوق السموات. لتسبح اسم الرب. لأنه أمر فخُلقت، وثبتها إلى الدهر والأبد. وضع لها حداً فلن تتعداه.
سبحى الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج. النار والبرد. الثلج والضباب. الريح العاصفة كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمر وكل الأَرز. الوحوش وكل البهائم، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة. ملوك الأرض وكل الشعوب، الرؤساء وكل قضاة الأرض. الأحداث والعذارى، أيضًا الشيوخ مع الفتيان. ليسبحوا اسم الرب؛ لأنه قد تعالى اسمه وحده. مجده فوق الأرض والسموات " [مزمور ١٤٨] .
وفى الأناجيل الأربعة: " يسبحون الله بصوت عظيم " [لوقا ١٩: ٣٧] ، " وهم يمجدون الله ويسبحونه " [لو ٢: ٢٠] ، " وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين: المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " [لو ٢: ١٣] ، وكان عيسى ﵇ يسبح الله تعالى مع الحواريين. ففى مرقس: " ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون " [مر ١٤: ٢٦] ، وفى متى: " ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون " [متى ٢٦: ٣٠] . ومن يسبح الله كيف يكون هو الله أو إله مع الله؟.
وفى القرآن الكريم: (سبح اسم ربك الأعلى) (١) ، وفى الزبور: " سبحوا اسم الرب. سبحوا يا عبيد الرب " إلى أن قال: " كل ما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض. فى البحار وفى كل اللجج. المصعد السحاب من أقاصى الأرض. الصانع بروقا للمطر. المخرج الريح من خزائنه (٢) .. " [مز ١٣٥] .
стр. 73
٧٢- الوادى طوى
إنه لا يوجد وادى اسمه " طوى " فى سيناء. فمن أين جاء به القرآن؟.
الرد على الشبهة:
إنه فهم من قوله تعالى: (إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (١) أن (طوى) اسم للوادى المقدس. وفهمه خاطئ. وذلك لأن الله لما عبر عن السموات بأنها (مطويات بيمينه) (٢) يعنى بذلك: أن لا إله غيره يملك من أمر السموات من شىء. عبر عن الأرض بأنها فى ملكه وليس لإله آخر فيها من شىء. فالطى فى السماء كناية عن القدرة والطى فى الأرض كناية عن القدرة. والكناية مناسبة للواد المقدس؛ والمقصود الأرض كلها لئلا يُظن أن التقديس لغيره. وكرر الله المعنى فى السموات فقال: (يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب) (٣) . وشبهه أن تكون الأرض (طوى) أى فى قبضته.
وفى الرسالة إلى العبرانيين: " وأنت يا رب فى البدء أسست الأرض، والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها؛ فتتغير، ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى " [عب ١: ٢٠ـ٢٢] فقد عبر عن طيها بطى الرداء.
فيكون المعنى (إنك بالوادى المقدس (الذى سيصير (طوى) بمعنى مطوى كما أن السماء ستكون مطوية بقدرته.
وهنا هو لا يعترض على القرآن بل على التفاسير، وهو جانب آخر من إعجاز القرآن يزيد فى إثباته وذلك أن كلام البشر من العلماء والمفسرين قد يختلف ويؤخذ منه ويُرد؛ ولكن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، شىء عجيب حقاً ذلك القرآن الذى يقف أمام هؤلاء جميعاً بكل ذلك الفهم الخاطئ والتصيد المستمر وإذ به يتعالى عليهم ويبقى فى عليائه معجزاً للبشر إلى يوم الدين.
стр. 74
٧٣- هل الزيتون يخرج من طور سيناء ، وهو يخرج من فلسطين، فكيف ذلك؟
الرد على الشبهة:
أن سيناء من فلسطين وفلسطين والشام هى شمال مصر، وهذا المعنى يوجد فى التوراة ففى سفر الزبور: [سينا فى القدس] مز ٦٨: ١٧.
ولا تعتمد التقسيمات السياسية الحديثة التى فصلت الديار بعضها عن بعض بل إن مصر فى الأصل كانت تمتد إلى هذا الحد، أما تقسيمات سايكس بيكون فلا يمكن تفسير النصوص المقدسة عليها.
стр. 75
٧٤- جبل قاف المحيط بالأرض كلها
إنه جاء فى القرآن الكريم: (ق. والقرآن المجيد) (١) ونقل من كتاب عرائس المجالس: أن معنى (ق) جبل يقال له جبل قاف. ونقل من كتاب قصص الأنبياء أن رسول الله ﷺ قال: إن أعلى قمة فى الأرض هى جبل قاف.
وقال المؤلف: إن الكلمة العبرانية " تاو " ومعناه " الخط " لما سمعها الصحابة لم يعرفوا أن معناها " الخط " بل توهموا أنها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف. فكيف يعتبر بعض القرآن ما نسميه الأفق ـ وهو خط وهمى ـ جبلاً حقيقياً؟
الرد على الشبهة:
إن كلام مؤلف عرائس المجالس ليس حُجة على صحة القرآن، وإن الأحاديث الموضوعة ليست حُجة على صحة القرآن. ولم يجمع المسلمون على معنى (ق) فإن لهم فى المعنى آراء كثيرة. منها أن (ق) حرف من حروف الهجاء مثل الألف والياء والتاء.. إلخ. فاعتراض المؤلف على القرآن ليس فى موضعه.
стр. 76
٧٥- هامان وزير فرعون
جاء فى القرآن أن هامان كان وزيراً لفرعون. وهذا خطأ تاريخى؛ لأن هامان كان وزيراً لأحشويرش ملك الفرس فى مدينة بابل. وبين فرعون وأحشويرش زهاء ألف سنة.
الرد على الشبهة:
من أعلم المؤلف بأن هامان كان وزيراً لفرعون؟ وهذا السؤال على معنى أن هامان اسم شخص. ولا أحد أعلمه بأن هامان اسم شخص إلا الرواة الذين لا يوثق بمروياتهم. وإذا أصرّ على أن هامان اسم شخص. فليسلّم بأن فرعون اسم شخص. ومعلوم أنه لقب " الملك " كان لرئيس المصريين فى زمن يوسف ﵇ وأن لقب " فرعون " كان لرئيس المصريين فى زمن موسى ﵇ مما يدل على تغير نظام الحكم.
وإذا صح أن " هامان " لقب لكل نائب عن الملك، لا اسم شخص. فإنه يصح أن يُطلق على النائب عن فرعون أو عن أى ملك من الملوك. وعلى ذلك يكون معنى: (إن فرعون وهامان وجنودهما) (١) هو إن رئيس مصر الملقب بفرعون، ونائبه الملقب بهامان (وجنودهما كانوا خاطئين) ومثل ذلك: مثل لقب الملك الذى يُطلق على رؤساء البلاد؛ فإنه يطلق على رؤساء فارس واليونان ومصر واليمن وسائر البلاد، ولا يتوجه على إطلاقه خطأ من أخطاء التاريخ.
وفى الإنجيل أن اليهود كانوا يطلقون لقب " المضلّ " على من يخالفهم فى الرأى. وإذا أطلقه العبرانيون على رجل منهم يقولون له: يا سامرى، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون السامريين كفاراً. وإذا أطلقه السامريون على رجل منهم يقولون له: يا عبرانى، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون العبرانيين كفاراً. وإذا سمع العبرانى عنهم كلمة " سامرى " لا يفهم منها أنها اسم شخص، وإنما يفهم منها أنها لقب للذم. وعن هذا المعنى جاء فى إنجيل يوحنا أن علماء اليهود قالوا لعيسى ﵇: " إنك سامرى، وبك شيطان " ورد عليهم بقوله: " أنا ليس بى شيطان، لكنى أكرم أبى وأنتم تهينوننى. أنا لست أطلب مجدى. يُوجد من يطلب ويدين " [يو ٨: ٤٨ـ٥٠] .
стр. 77
٧٦- قارون وهامان مصريان
إن قارون يهودى، وفرعون مصرى، وهامان فارسى فكيف قاوم هامان نبى الله موسى وهو لم يكن فى زمانه؟
الرد على الشبهة:
إن هامان ليس اسم شخص، وإنما هو لقب يدل على نائب الرئيس. وبهذا المعنى يكون هامان ـ أى النائب عن فرعون ـ قد قاوم نبى الله موسى ﵇.
стр. 78
٧٧- العجل الذهبى من صنع السامرى
إن مدينة السامرة فى فلسطين لم يكن لها وجود لما خرج بنو إسرائيل من مصر، مع موسى، وسكنوا أرض سيناء. وفيها عمل لهم هارون العجل الذهبى كطلبهم. فكيف نتخيل سامرياً يضع لهم العجل قبل أن يكون للسامريين وجود؟
الرد على الشبهة:
١ ـ إنه ليس فى فلسطين مدينة تسمى بمدينة السامرة. وإنما كان للسامريين مملكة فى فلسطين، عاصمتها " نابلس " المسماة قديماً " شكيم " وكانت هذه المملكة مكونة من عشرة أسباط. وكان للسبطين مملكة فى فلسطين عاصمتها " القدس " المسماة قديماً " أورشليم ".
٢ ـ ولما صعد موسى ﵇ إلى جبل الطور وتلقى التوراة، نزل فوجد اليهود يعبدون عجلاً جسداً له خوار. فسأل عن ذلك فدلوه على من أغراهم بعبادتهم. فأمسك به وسأله (ما خطبك يا سامرى) أى ما هذا الذى فعلته أيها المضل؟ لأن كلمة (سامرى) تطلق على المضل. ولا تطلق على شخص كاسم من الأسماء.
وبهذا المعنى لا يكون الذى أضلهم رجل مسمى بالسامرى، حتى يتوجه الإشكال. وإلا يلزم أن يكون السامرى من أسماء المسيح عيسى ﵇ فإن اليهود قالوا له: " إنك سامرى، وبك شيطان " [يو ٨: ٤٨] .
стр. 79
٧٨- أبو إبراهيم آزر
إن فى التوراة أن أبا إبراهيم اسمه تارح. وقد أخطأ القرآن فى قوله إن أباه اسمه آزر.
الرد على الشبهة:
إن الأنساب مختلفة بين التوراة السامرية والعبرانية واليونانية. وإن عدد السنين لكل أب من آدم إلى إبراهيم مختلف فيه بين نسخ التوراة الثلاثة، ولوقا كاتب الإنجيل أزاد على الأسماء قينان. نقلا عن اليونانية. ومعنى هذا أنه كان يجب على المؤلف تصحيح كتبه قبل أن يوجه نقده. ولذلك جاء فى القرآن الكريم: (إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون) (١) .
стр. 80
٧٩- مريم العذراء بنت عمران
إن القرآن نسب مريم العذراء إلى عمران أبى موسى النبى. وقال: إنها أخت هارون النبى ﵇ وهذا يخالف ما جاء فى إنجيل لوقا أنها بنت هالى [لوقا ٣: ٢٣] ويخالف التاريخ لأن بين مريم وهارون ألف وستمائة سنة.
الرد على الشبهة:
إن المؤلف نقل عن الإنجيل أن مريم بنت هالى. ونقله خطأ. والنص هو: " ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة. وهو على ما كان يُظن ابن يوسف بن هالى بن متثات بن لاوى بن ملكى بن ينّا بن يوسف " إلى أن أوصل نسبه إلى " ناثان بن داود " ﵇. وهذا النص لا يدل على أنه نسب مريم كما قال المؤلف، وإنما يدل على أنه نسب المسيح. فكيف يكذب القرآن بنسب ليس لها؟ وكيف ينسبون المسيح إلى يوسف بن هالى. وفى الإنجيل أنه لا أب له ولا سبط له؟ ذلك قوله عن يوسف: " ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر " [متى ١: ٢٤] ، وكيف يكذبون القرآن بنسب على سبيل الظن؟ ذلك قوله: " وهو على ما كان يُظن " وفى إنجيل متى أن المسيح ابن يوسف بن يعقوب بن متّان بن اليعازر بن آليود. إلى أن أوصل نسبه إلى سليمان ﵇[متى ١] .
والحق: أن مريم ابنة عمران الأب المباشر لموسى ﵇ وهو أب مباشر لموسى، وهو أب لمريم لأنه رئيس العائلة التى تناسلت هى منها. وهارون ابن عمران. وهى من نسل هارون ﵇ فيكون هو أخوها على معنى أنها من نسله. أما أبوها المباشر فاسمه " يهويا قيم " وأمها اسمها " حنة " كما جاء فى إنجيل يعقوب الذى لا يعترف به النصارى.
والنسب هكذا:
إبراهيم ـ إسحاق ـ يعقوب ـ لاوى وهو الابن الثالث ليعقوب. وأنجب لاوى ثلاثة هم جرشون وقهات ومرارى. وبنوقهات عمرام ويصهار وحبرون وعزئييل. وبنو عمرام هارون وموسى ومريم.
وقد وصى موسى عن أمر الله تعالى أن تتميز الأسباط التى تريد الإرث فى بنى إسرائيل. وذلك بأن تتزوج كل بنت فى سبطها. ففى سفر العدد: " وكل بنت ورثت نصيباً من أسباط بنى إسرائيل؛ تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها؛ لكى يرث بنو إسرائيل كلُّ واحد نصيب آبائه " [عدد٣٦: ٨] . ووصى بأن يتفرغ سبط لاوى للعلم والدين، ولا يكون له نصيب فى الأرض، وإنما يسكن بين الأسباط فى مدنهم، ووصى بأن تكون الإمامة فى نسل هارون وحده. وعلى هذه الشريعة نجد فى بدء إنجيل لوقا: أن " أليصابات " زوجة زكريا ﵇ كانت من نسل هارون من سبط لاوى، وكان زكريا من نسل هارون من سبط لاوى. وتزوجت أليصابات زكريا. وأن مريم العذراء كانت قريبة لأليصابات. وإذا ثبت أنها قريبة لها؛ يثبت أن مريم هارونية من سبط لاوى. يقول لوقا: " كان فى أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبِيّا، وامرأته من بنات هارون، واسمها أليصابات.. إلخ " ويقول لوقا: " وهو ذا أليصابات نسيبتك.. إلخ "؛ قال لها الملاك ذلك وهو يبشرها بالحمل بعيسى ﵇ فإذا صح أنها قريبة لها ونسيبة لها. فكيف يخطئ المؤلف القرآن فى نسبتها إلى هارون ﵇؟
وفرقة أبِيّا هى فرقة من بنى هارون، وهى الفرقة الثامنة من الفرق التى عدها داود ﵇ للعمل فى المناظرة على بيت الرب. وخبرهم فى الإصحاح الرابع والعشرين من سفر أخبار الأيام الأول.
стр. 81
٨٠- يوسف همّ بالفساد
إن يوسف ﵇ هم بالامرأة وهمت به حسبما جاء فى القرآن. وأنه لم يهم بها ولم تهم به حسبما جاء فى التوراة. وما جاء فى التوراة هو المناسب لأحوال الأنبياء.
الرد على الشبهة:
١ ـ يوجد فرق بين رجل عرف الله ورجل لم يعرفه. فالعارف بالله لا يقدم على معصية لله ولا يقدم على ضرر للبشر. والذى لا يعرفه لا يستحيى أن يفعل ما يشاء من المعاصى والضرر. وعلى هذا المعنى يوجد فرق بين امرأة العزيز التى تعبد مع قومها غير الله وبين يوسف ﵇ الذى عرف ربه بواسطة البراهين التى قادت إلى معرفته فى كونه، وبما سمعه عن الله من آبائه. فامرأة العزيز همت به أن يفعل الفاحشة بها، وهو قد قال لها: (معاذ الله (وعلّل عدم الفعل بأنه يكون مسيئاً لمن أحسن إليه. وهو سيده. والإساءة إلى المحسن نوع من أنواع الظلم.
٢ ـ انظر إلى قوله: (وراودته (وإلى قوله (معاذ الله (تجد أنها لما راودته (همت به (فيكون الهم منها بمعنى طلب فعل الفاحشة. وتجد أنها لما (همت به (صار منه هم بها. يفسره قوله (معاذ الله (كما فسر همها (وراودته (فيكون همه بها؛ دفعاً لها وامتناعاً عنها.
٣ ـ ولو فرضنا أن يوسف غير عارف بالله وغير مقر به مثلها؛ فإننا نفرض أنه لو همت به للفعل بها؛ لهم بها للفعل بها. ولولا أنه رأى برهان وجود الله فى كونه، لكان قد فعل بها. إذ هذا شأن الوثنيين. وكهذا البرهان؛ أريناه براهين فى الآفاق وفى الأنفس (لنصرف عنه السوء والفحشاء) (١) .
٤ ـ ولا يمكن تفسير (برهان ربه (بعلامة مجىء سيده إلى بيته؛ لأنه لو ظهرت علامة مجئ سيده؛ ما استبقا الباب: هى للطلب، وهو للدفع. فاستباقهما معناه: أنها تغلق الأبواب وتمنع من الإفلات وهو يحاول الدفع، حتى أنها جذبته من خلف ظهره من ثوبه، وعندئذ (ألفيا سيدها لدى الباب) (٢) وصرح بأنه غير مذنب، وشهد شاهد بالقرائن من أهل الشهادة أنه غير مذنب.
٥ ـ على هذا يكون القرآن مقراً ببراءة يوسف ﵇ ويكون لفظ الهم فى جانبه على سبيل المشاكلة لأنه صرح قبله بقوله (معاذ الله) (٣) .
стр. 82
٨١- نوح يدعو للضلال
إن نوحاً ﵇ قال لله تعالى: (ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً) (١) ؛ فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالاً؟
الرد على الشبهة:
إن نوحاً لم يدع ربه أن يزيد الناس ضلالاً، وإنما دعا على الظالمين من الناس. ومثل ذلك: ما فى التوراة عن الأنبياء فإنهم دعوا على الظالمين، ولم يدعوا على كل الناس. ففى المزمور الثامن عشر: " من الرجل الظالم تنقذنى " ـ " مثل طين الأسواق؛ اطرحهم "، وفى الإنجيل يقول المسيح لله عن الذين آمنوا به: " احفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى " [يو ١٧: ١١] ولم يدع للكل.
стр. 83
٨٢- فرعون ينجو من الغرق
إن فى القرآن تناقض فى نهاية فرعون. ففى سورة يونس: (فاليوم ننجيك ببدنك) (١) وهذا يدل على نجاته من الغرق، وفى سورة القصص: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم) (٢) وهذا يدل على غرقه.
الرد على الشبهة:
إن المؤلف لم يفسر (فاليوم ننجيك ببدنك) على المعنى الظاهرى. وهو إبعاد الجثة عن الهبوط فى اليم، وتركها على الشاطئ حتى يضعها المحنطون فى المقبرة فيراها كل المصريين فيعتبروا ويتعظوا. وفسر على المعنى المجازى كناية عن إفلاته من الغرق. ووجّه الشبهة على المعنى المجازى وليس على المعنى الحقيقى.
والمعنى المجازى الذى به وجّه الشبهة؛ موجود فى التوراة عن فرعون. ففيها أنه لم يغرق، وموجود فيها ما يدل على غرقه. وهذا هو التناقض الذى نسبه إلى القرآن. وسوف نبين ما فى التوراة من التناقض عن غرق فرعون. ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين. وما يجيب به فى التوفيق؛ يكون إجابة لنا.
ففى الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج: " فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذى دخل وراءهم فى البحر. لم يبق منهم ولا واحد " وفى الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر: " تغطيهم اللجج. قد هبطوا فى الأعماق كحجر " وفى تفسير التوراة ما نصه: " ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون، إذ لا دلالة عليه فى هذا النبأ، ولا من قول المرنِّم [مز ٧٨: ٥٣ و ١٠٦: ١١] وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه. ومعنى قولهم: إن قول المرنِّم لا يدل على غرقه هو: أن داود ﵇ فى المزمور ٧٨ والمزمور ١٠٦ قال كلاماً عن فرعون لا يدل صراحة على غرقه.
ونص ٧٨: ٣ هو " أما أعداؤهم فغمرهم البحر " ونص ١٠٦: ١١ هو " وغطّت المياه مضايقيهم. واحد منهم لم يبق ".
هذا عن عدم غرق فرعون. وأما عن غرقه ففى المزمور ١٣٦: ١٥ " ودفع فرعون وقوته فى بحر يوسف؛ لأنه إلى الأبد رحمته " وفى ترجمة أخرى: " أغرق فرعون وجيشه فى البحر الأحمر إلى الأبد رحمته (٣) " ومفسرو الزبور ـ وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون ـ كتبوا عن فرعون: " فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم؛ فما تم له ما أراد، بل اندحر شر اندحار " انتهى.
ومن هذا الذى قدمته يكون من الواجب على المؤلف حل التناقض الموجود عنده فى أمر فرعون، قبل أن يوجه كلامه إلى القرآن.
стр. 84
٨٣- انتباذ مريم
إن فى القرآن: أن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقيًّا، واتخذت لها حجاباً من قبل أن تحبل بالمسيح. فلماذا انتبذت؟ هل كانت فى مشاجرة مع أهلها وهم المشهورون بالتقوى؟ ولماذا تسكن فتاة عذراء بعيدة عن أهلها؟
فى القرآن تناقض فى هذا المعنى. وهو أنه صرح بأنها كانت فى المحراب فى كفالة زكريا، وصرح بأنها انتبذت. أى خرجت منهم بعد مشاجرة.
وقال المؤلف: إن القرآن قد خالف الإنجيل فى مكان سكناها من قبل الحبل بعيسى ﵇ ففى القرآن: أنها كانت تسكن فى محراب أورشليم، أو فى أى مكان مجهول. وفى الإنجيل أنها كانت تسكن فى " الناصرة " [لو ١: ٢٦ـ٢٣] .
الرد على الشبهة:
١ ـ جاء فى إنجيل يعقوب: أن مريم وهى فى سن الثالثة: ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى " أورشليم " وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان، وكانت علامات السرور تبدو عليها. ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت.
٢ ـ وإن أنت نظرت فى خريطة فلسطين. تجد حبرون أسفل أورشليم وقريبة منها، وتجد الناصرة على نفس الخط وبعيدة عن أورشليم. فتكون أورشليم غرب الناصرة، وشرق حبرون.
٣ ـ وفى الإنجيل: " وفى ذلك الوقت ولد موسى وكان جميلاً جدَّا. فربى هذا ثلاثى أشهر فى بيت أبيه. ولما نُبذ؛ اتخذته ابنة فرعون، وربته لنفسها ابناً " [أعمال ٧: ٢١]
قوله " ولما نبذ " لا يدل على أن أهله كرهوه وإنما يدل على أنهم وضعوه فى التابوت وهم لوضعه كارهون. ومن ينتبذ عن قوم؛ لا يدل انتباذه عنهم على كرهه لهم، وإنما يدل على ابتعاده عنهم لسبب أو لأسباب. وإذ صح وثبت أن ابتعادها عنهم كان لعبادة الله؛ يثبت أنها لم تنتبذ لمشاجرة.
٤ ـ وقد تبين أن " الناصرة " من نصيب سبط زبولون ـ وهو من أسباط السامريين ـ وهى من سبط يهوذا ـ على حد زعمه ـ فكيف تكون من سكان الناصرة؟ وإذا كانت من سكان الناصرة، فلماذا أتت إلى أورشليم لتعدّ مع سكانها. وسكان أورشليم من سبطى يهوذا وبنيامين؟ فالحق ما قاله القرآن أنها كانت هارونية. ومعلوم أن زكريا وامرأته ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل أورشليم.
стр. 85
٨٤- مريم تلد فى البرية ووليدها يكلمها من تحتها
لقد ولدت مريم السيد المسيح فى بيت لحم كما تنبأ أنبياء التوراة بذلك قبل حدوثه بمئات السنين، وليس بجوار جذع نخلة. ووضعت مريم وليدها فى مذود [لوقا ٢: ٢ـ٢٠] وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول. فإذا مرّ بها أحد تقول: (إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) (١) فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة؟
الرد على الشبهة:
١ ـ ولادة المسيح فى بيت لحم ـ كما قال المؤلف ـ تدل على أن مريم من سكان الخليل التى هى حبرون، ولا تدل على أنها من سكان الناصرة. ففى خريطة فلسطين تجد بيت لحم تحت أورشليم، وبعدها حبرون. وعلى هذا تكون مريم بعد حملها بالمسيح وإحساسها بدنو الوضع. قد اتجهت إلى حَبرون (فأجاءها المخاض (عند بيت لحم. ولو كانت من الناصرة وأحست بالحمل وبالوضع. لاتجهت إلى الناصرة. وعندئذ يكون الوضع فى مكان بين أورشليم وبين الناصرة. فقولهم بالمخاض فى بيت لحم يصدق القرآن فى أنها كانت من نسل هارون الساكنين فى حبرون.
٢ ـ وقول المعترض: إن التوراة تنبأت بولادة المسيح فى بيت لحم. يقصد به ما جاء فى سفر ميخا وهو " أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل " [ميخا ٥: ٢] .
والنبوءة موضوعة وليست من النص الأصلى. بدليل: أن المسيح كان من الهارونيين من جهة أمه، وبيت لحم من مدن سبط يهوذا. ولو كان له أب لأمكن للنصارى نسبته إلى سبط أبيه. ولكنه لا أب له؛ فكيف ينتسب إلى سبط يهوذا أو غير سبط يهوذا؟ وبدليل: أن المتسلط على إسرائيل وهو النبى الأمى الآتى على مثال موسى. يكون ملكاً وفاتح بلاد. ولم يكن المسيح ملكاً ولا فاتح بلاد.. وبدليل: أن سفر ميخا مرفوض من السامريين. وبدليل أن شراح سفر ميخا يصرحون بالتناقض فيه. والنبوءة من مواضع التناقض التى صرحوا بها. يقول الشراح: "هناك تعليمان متشابكان فى كتاب ميخا: الأول: الله يدين شعبه ويعاقبه [ف١ ـ ٣: ٦: ١ ـ ٧: ٧] الله يعد شعبه بالخلاص [ف ٤ـ ٥ و ٧: ٨ـ٢٠] حين يُعيده إلى حاله السابقة ويجعله بقيادة رئيس من نسل داود [٥: ١ـ٤] .
٣ ـ وقد جاء فى إنجيل متى الأبوكريفى معجزة النخلة.
٤ ـ وكلام المسيح فى المهد جاء فى برنابا وفى إنجيل الطفولية العربى، وجاء فى تاريخ يوسيفوس.
٥ ـ وقال المعترض: إن المسيح كلم أمه من تحتها: أن تهز جذع النخلة.. إلخ. وهو قد قال بذلك على قراءة " مِن تحتها " والحق: أن الذى ناداها هو ملاك الله نفسه. وسياق الكلام يدل على أنه الملاك. فإنه قد قال لها: (كذلك قال ربك هو علىّ هيّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً) (٢) ، ولما حملته وانتبذت به وأجاءها المخاض وتمنّت الموت؛ عاد إلى خطابه معها فقال: (ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً فكلى واشربى وقرى عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولى إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) (٣) .
وأما كلام المسيح فهو لم يقل إلا (إنى عبد الله أتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حيًّا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جباراً شقيا والسلام علىّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) (٤) .
٦ ـ المعترض قد غالط فى نقل المعنى بقوله: " وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول؛ فإذا مر بها أحد تقول: (إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) (٥) فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة؟ ".
ووجه المغالطة: أنه يقول فإذا مر بها أحد تقول.. إلخ. والمعنى الصحيح: أنها لا تقول لكل أحد يمر عليها إنها صائمة عن الطعام والشراب. وإنما تقول: لا أتكلم مع أحد فى أمر ابنى فى هذه الأيام. فجملة (فإما ترين من البشر.. (جملة مستأنفة لا صلة لها بالطعام وبالشراب. وقولها: (إنى نذرت للرحمن صوما (تعنى به المعنى المجازى وهو الإمساك عن الكلام بدليل: (فلن أكلم (ولم تقل فلن آكل.
стр. 86
٨٥- لكل أمة رسول منها إليها
إنه جاء فى القرآن أن لكل أمة رسول منها. وهذا يناقض الكتاب المقدس فى أن الأنبياء والرسل هم من بنى إسرائيل وإليهم وإلى كل العالم. فإذا صدق ما فى القرآن فكيف لم يخرج للأمم فى إفريقيا وأوروبا وأمريكا واستراليا وآسيا: أنبياء منهم وإليهم؟ ولو كان لهذه الأمم أنبياء ـ منها وإليها ـ لجاز أن يكون للعرب رسول منهم.
الرد على الشبهة:
إن كلمة الرسول تأتى على الحقيقة وتأتى على المجاز. فعيسى ﵇ رسول على الحقيقة. وإذا هو أرسل واحداً من الحواريين إلى قرية من القرى فإنه يكون رسول رسول الله عيسى على المجاز. ففى إنجيل متى: " هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: " إلى طريق أمم لا تمضوا.. " [متى ١٠: ٥] .
وابتداء الدعوة إلى الله كان فى زمن أنوش بن شعيث بن آدم؛ لقوله: " حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب " [تك ٤: ٢٦] وظل الحال على هذه الدعوة التى كانت دعوة إلى مكارم الأخلاق وعدم سفك الدماء ظلماً إلى زمان نوح ﵇ ولم يكن من المطعومات شىء محرم فلما خرج نوح من السفينة أعطاه الله شريعة فيها أن كل الطعام حلال، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه هو لنفسه، وليس فيها شريعة تبين أن هذا حلال وهذا حرام. ففى الإصحاح التاسع من سفر التكوين: " كل دابة حية تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع.. " وظلت شريعة نوح سائدة على العالم إلى أن جاء موسى ﵇ وأعطاه الله التوراة (موعظة وتفصيلاً لكل شىء (وأمره أن يخصص سِبط لاوِى من بين الأسباط ليعرفها ويعرّفها للناس.
وهذا الذى ذكرته هو ما يقول به أهل الكتاب جميعاً، ونص عليه أهل الكتاب فى كتبهم. وعنه فى القرآن الكريم: (كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل) (١) وهو حلال من أيام نوح ﵇ وعلى ذلك نسأل المؤلف هذا السؤال وهو أن الناس من آدم أبى البشر إلى موسى الكليم كانت رسلهم من بنى إسرائيل أم من غير بنى إسرائيل؟ إن قلت إن رسلهم كانت من بنى إسرائيل يكذبك الواقع والكتب التى تقدسها، وإن قلت كانت من غير بنى إسرائيل فلماذا وجهت السؤال إلى المسلمين؟
أما من موسى إلى محمد ﷺ فإن علماء بنى إسرائيل من اللاويين والهارونيين كانوا يبلغون التوراة لليهود وللأمم، وإذا انطلق واحد منهم إلى الأمم؛ فإنه يكون رسولاً إلى الأمم. ليس على الحقيقة، وإنما على المجاز بمعنى أنه رسول رسول الله موسى ﵇ وظلوا على هذا الحال إلى زمان سبى بابل سنة ٥٨٦ ق. م فإنهم وهم فى بابل حرفوا التوراة، وقصروا شريعة موسى على اليهود من دون الناس، وابتعدوا عن دعوة الأمم، وتعصبوا لجنسهم وتآمروا على الأمم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل) (٢) .
ومن قبل سبى بابل كان علماؤهم يدعون العرب إلى الله على وفق شريعة موسى. فيكون العالم الداعى رسولاً مجازاً. وهكذا فى سائر بلاد العالم. أما من بعد السبى وتخلى العلماء عن الدعوة فإن كل أمة سارت على ما عندها من العلم. وقد وبخهم المسيح عيسى ﵇ على إهمالهم فى دعوة الأمم بقوله: " لكن ويل لكم أيها الكتبة والفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغلقون ملكوت السماوات قدام الناس؛ فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون " [متى ٢٣: ١٣] .
ثم حث أتباعه بالانطلاق إلى بلاد اليهود أولاً بأمرين هما أن يعملوا بالتوراة، وأن يستعدوا لتركها إذا ما ظهر محمد رسول الله الذى يبشر به. وإذا فرغوا من دعوة اليهود فى بلادهم ينطلقون إلى الأمم، وسماهم رسلاً مجازاً. فقال: " إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرىّ إلى حُراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون، اكْرِزوا قائلين: " إنه قد اقترب ملكوت السموات " [متى ١٠: ٥] . وملكوت السماوات هى مجئ محمد ﷺ بعد مملكة الروم كما أنبأ النبى دانيال فى الإصحاح السابع من سفره.
стр. 87
٨٦- خَلْط الأسماء
ذكروا آيتين من سورة الأنعام، وأوردوا الشبهة على نص الآيتين حيث قالوا:
جاء فى سورة الأنعام (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضلنا على العالمين) (١) .
والترتيب التاريخى هو:
أيوب ـ إبراهيم وابن أخته لوط وابناه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وابن حفيده يوسف ومن بعده موسى ـ هارون ـ داود ـ سليمان ـ إلياس ـ اليسع ـ يونس ـ زكريا ـ يحيى ـ عيسى.
الرد على الشبهة:
١ ـ إن الضمير فى (ومن ذريته (يعود إلى نوح، ولا يعود إلى إبراهيم وذلك لأن (لوطا (ليس من ذرية إبراهيم، وإنما خرج معه مهاجراً إلى الله، بعدما آمن له. وفى التوراة " ولوطاً ابن أخيه " [تك ١٢: ٥] .
٢ ـ إن الترتيب التاريخى غير حاصل لأسباب منها: أنه يريد بيان فضلهم وصلاحهم؛ ليقتدى الناس بهم.
وفى التوراة أنبياء لا يعرفون تواريخهم ولا يعرفون نسبهم، ومنهم " أيوب " فإن منهم من يقول إنه من العرب ومنهم من يقول إنه من الأدوميين ومنهم من يجعله اسماً فرضيًّا. بل إن الأنبياء أصحاب الأسفار كإشعياء وإرمياء وملاخى وحَبقّوق وميخا؛ لا يعرفون هم أنفسهم السابق منهم عن اللاحق.
وقد جمعوا أسفارهم فى وقت واحد. ففى الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط سنة ١٩٩٣م ما نصه: " كانت أول لائحة وضعت فى سبيل " قانونية " العهد القديم وأسفاره تضم أسفار الشريعة الخمسة فى أيام عِزْرا [نح ٨: ١] حوالى عام ٤٠٠ ق. م ثم زاد المعلمون الأسفار النبوية من يشوع والقضاة حتى إشعياء وإرمياء وحوالى سنة٩٠ ق. م التقى معلمو الشريعة اليهود من مختلف البلدان، فى بلدة " يمنية " الواقعة فى " فلسطين " وثبتوا لائحة نهائية وكاملة للأسفار المقدسة.. إلخ (٢) .
стр. 88
٨٧- أخنوخ وليس إدريس
إنه فى القرآن اسم إدريس. واسمه فى التوراة أخنوخ. وقال البيضاوى فى تفسيره: إن إدريس هو أخنوخ. ونحن نسأل من أين جاء فى القرآن اسم إدريس؟ والصواب أنه أخنوخ.
الرد على الشبهة:
إن اسمه فى التوراة السامرية " حنوك " والنص هو:
" وسلك حنوك فى طاعة الله وفُقد؛ إذ تولته الملائكة " [تلك ٥: ٢٤] والتوراة اليونانية تضيف حرف السين فى آخر الاسم ليعلم أنه اسم مثل يوسيفوس ـ إدريانوس. وإدريس؛ فى آخره السين، وكذلك يونس. وهو فى العبرى يونان. وعيسى ﵇ فى اليونانى " إيسوس "، وفى العبرى " يهو شوّع " وينطق أحياناً " أيشوع " و " يسوع ".
وأخنوخ له سفر لا يعترف به النصارى. ومع ذلك نقل منه يهوذا فى رسالته: " انظروا جاء الرب مع ألوف قديسيه؛ ليحاسب جميع البشر، ويدين الأشرار جميعاً على كل شر فعلوه، وكل كلمة سوء قالها عليه هؤلاء الخاطئون الفجار " [يهو ١: ١٤ـ١٥] .
وهذا النص يثبت أن كل امرئ بما كسب رهين، خلافاً لاعتقاد النصارى فى موت المسيح على الصليب لِيُكَفِّر عن خطايا آدم.
ومفسرو التوراة يستدلون من نقله على ثبوت الحياة من بعد الموت ورأى فيلبسون من قوله " الله أخذه " أن ذلك تلطف بالتعبير عن الوفاة قبل إكمال العمر، وأن فى ذلك دليلاً على وجود حياة وراء هذه الحياة الأرضية. ونزيد على ذلك: أن نقل أخنوخ فى متوسط العصر الذى قبل الطوفان، وأن حياته كانت على الأرض ٣٦٥سنة وهو عدد الأيام فى السنة الشمسية وكانت سنة العبرانيين ٣٥٤ يوماً وسنة الكلدانيين ٣٦٠ يوماً " انتهى.
стр. 89
٨٨- نوح لم يتبعه الأراذل
إن فى القرآن أن نوحاً ﵇ نجا معه جماعة من المؤمنين من غير أولاده. وهذا يخالف ما فى التوراة وما فى الإنجيل من أنه لم ينج معه من المؤمنين أحد غير أولاده. وأن القرآن بين أن الكافرين بنوح وصفوا المؤمنين به بأنهم أراذل.
الرد على الشبهة:
١- إن الذين خرجوا من السفينة حسب نص التوراة العبرانية:
١- سام
٢- حام.
٣- يافث.
٤- نوح.
٥- امرأته.
٦- زوجة سام.
٧- زوجة حام.
٨- زوجة يافث) فيكون العدد ثمانية.
٢- والدليل على صحة ما فى القرآن: هو أن قابين لما قتل هابيل؛ ولد حنوك ولد عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك، ولامك ولد يابال. الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى. واسم أخيه يوبال الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار، واسم أخيه توبال قابين. الضارب كل آلة من نحاس وحديد [تكوين ٤] .
قوله عن الثلاثة: الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى ـ الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار ـ الضارب كل آلة من نحاس وحديد؛ يدل على أنه كان من الناجين غير أبناء نوح. ولذلك قال مفسرو التوراة: " وسلالة قابين سلالة الحياة المدنية، وسلالة شعث سلالة الحياة القدسية ".
стр. 90
٨٩- تهاويل خيالية حول برج بابل
قال المؤلف: إنه جاء فى سورة النحل (قد مكر الذين من قبلهم..) (١) ثم قال: قال البيضاوى: قيل: المراد به نمرود بن كنعان فإنه بنى صرحاً ببابل.
الرد على الشبهة:
إنه وجه الشبهة على كلام مفسر. وهذا المفسر لم يجزم بأن تفسيره هو الصحيح بدليل قوله: " قيل " فكيف يورد شبهة على كلام مفسر؟
стр. 91
٩٠- اختراع طفل ينطق بالشهادة
إنه فى سورة يوسف (وشهد شاهد من أهلها) (١) وذكر تفسير الشيخ البيضاوى وهو أنه قيل إنه ابن عمٍّ لها صبيًّا فى المهد.
الرد على الشبهة:
إن المعنى المراد هو: وشهد شاهد من أهل الشهادة بقرينة الحال. ومع هذا فإنه لا يصح توجيه شبهة على قول مُفَسَّر، خاصة أنه قال: " قيل ".
стр. 92
٩١- الكعبة بيت زحل
فى سورة البقرة: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) إلى قوله: (إنك أنت السميع العليم) (١) .
ثم قال: كيف تكون الكعبة بيت الله، وقد بنيت أول الأمر لعبادة كوكب زحل؟ واستدل على قوله هذا بأقوال مؤرخين.
وقال: إن فى الكتاب المقدس: أن إبراهيم دُعى من " أُور " الكلدانيين إلى أرض كنعان، وتَعَرَّب فيها.
الرد على الشبهة:
١ ـ إن أقوال المؤرخين ليست حُجة.
٢ ـ إن إبراهيم ﵇ لم يُدع من " أور " كما قال هذا المعترض. وإنما خرج من أرض آبائه وهو لا يعلم أين يذهب. ففى الإصحاح الثانى عشر من سفر التكوين: " وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أُريك؛ فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة " [تك ١٢: ٢] وكان خروجه عن " حاران " والدليل على أنه من " حاران ": " وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران " [تك ١٢: ٤] وفى سفر أعمال الرسل: " فخرج حينئذ من أرض الكلدانيين، وسكن فى حاران " [أع ٧: ٤] ففى التوراة أنه خرج من حاران، وفى الإنجيل أنه خرج من أرض الكلدانيين. فأى النصين هو الصحيح؟
стр. 93
٩٢- إسماعيل بين الأنبياء
إن القرآن ذكر أن إسماعيل كان (رسولاً نبيًّا) وفى التوراة أنه إنسان وحشى. وهذا تناقض.
الرد على الشبهة:
١- أما أنه كان رسولاً فهذا لا إشكال فيه. فإن الشريعة التى كان عليها هى شريعة نوح ﵇ وكان يبلغها للناس كما يبلغها غيره.
٢- وأما أنه كان نبيًّا فهذا هو الإشكال عند المؤلف، وهو ليس بإشكال. لأن النبى هو المنبئ بغيب، ويقع الغيب من بعده كما أنبأ به. فلننظر فى إسماعيل ـ بحسب تفسير كلمة النبى عندهم ـ هل أنبأ بغيب أم لا؟ إنه من إبراهيم الذى سار مع الله، ودعا إليه، ورغب فيه. ولسيره، وعده الله بالبركة فى إسماعيل وإسحاق. والبركة ملك ونبوة وإذْ وُعد إسماعيل بنبى من نسله، وأنبأ بتحقق هذا الوعد. ووقع كما قال. فإنه قد ظهر منه محمد ﷺ فإنه يكون نبيًّا.
ففى التوراة: " ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة؛ ظهر الرب لأبرام وقال له: " أنا الله القدير. سر أمامى، وكن كاملاً؛ فأجعل عهدى بينى وبينك وأكثرك كثيراً جداً " [تك ١٧: ١ـ٢] وعن البركة فى إسحاق: " وأباركها وأعطيك أيضاً منها أبناء أُباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون " [تك ١٧: ١٦] ، وعن البركة فى إسماعيل: " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً.. " [تك ١٧: ٢٠] وقد قام ببركة إسحاق نبى الله موسى، وقام ببركة إسماعيل نبى الله محمد. وإسماعيل قد أنبأ به من قبل ظهوره.
стр. 94
٩٣- أبناء يعقوب يطلبون أن يلعب يوسف معهم
إنه جاء فى سورة يوسف من القرآن الكريم أن إخوة يوسف احتالوا على أبيهم فى أخذ يوسف منه بقولهم: (أرسله معنا غدا يرتع ويلعب) (١) وليس فى التوراة هذه الحيلة.
الرد على الشبهة:
إن ما جاء فى القرآن، ولم يجئ فى التوراة؛ لا يدل على إيراد شبهة على القرآن، وذلك لأن نسخ التوراة الثلاثة العبرانية واليونانية والسامرية لا تتفق على القصة اتفاقاً تامًّا. ففى اليونانية صواع الملك. وليس فى العبرانية صواع الملك. ففى التوراة العبرانية ترجمة البروتستانت: " ولما كانوا قد خرجوا من المدينة ولم يبتعدوا؛ قال يوسف للذى على بيته: قم اسع وراء الرجال، ومتى أدركتهم فقل لهم: " لماذا جازيتم شرًّا عوضاً عن خير؟ أليس هذا هو الذى يشرب سيدى فيه. وهو يتفاءل به؟ أسأتم فيما صنعتم " [تك ٢٤: ٤ـ٥] وفى الكتاب المقدس ترجمة ١٩٩٣م بلبنان الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط: " فما أن خرجوا من المدينة، وابتعدوا قليلاً حتى قال يوسف لوكيل بيته: قم اتبع هؤلاء الرجال. فإذا لحقت بهم فقل لهم: لماذا كافأتم الخير بالشر؟ لماذا سرقتم كأس الفضة التى يشرب بها سيدى. وبها يرى أحوال الغيب؟ أسأتم فيما فعلتم ".
فكأس الفضة فى نسخة، وهو غير موجود فى نسخ أخرى.
стр. 95
٩٤- وليمة نسائية وهمية
إنه جاء فى سورة يوسف أن امرأة العزيز هيأت وليمة لبعض السيدات وأنهن قطعن أيديهن. وهذا غير معقول.
الرد على الشبهة:
كانت دعوة موسى ﵇ فى الأصل عالمية لليهود وللأمم. وكان فيها الدعوة إلى حميد الصفات. وكان فيها عدم احتقار اليهودى للأممى، وعدم التعدى على أمواله وحرماته. وكان فيها الحث على دعوة الأممى إلى معرفة الله وعبادته. وفى زمان سبى بابل حَرَّف اليهود التوراة، وامتنعوا عن دعوة الأمم إلى معرفة الله، وأباح اليهود لأنفسهم أخذ الربا من الأميين، والزنا بنسائهم، وسفك دمائهم وما شابه ذلك من الصفات الذميمة. وكتبوا ما يدل على ذلك فى التوراة، وحذفوا من التوراة حال تحريفهم لها ما يمنعهم عن ظلم الأميين. ومن هذا الذى حذفوه: دعوة يوسف ﵇ للمصريين الذين كانوا معه فى السجن إلى عبادة الله تعالى وترك الآلهة المتعددة، وحذف قول النسوة ليوسف: (ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم) (١) لأن هذا يتعارض مع تخليهم عن دعوة الأمم، ويتعارض مع ما اتفقوا عليه من العبث بنسائهم. وألا يكن هذا صحيحاً. فما هذه الترهات المكتوبة فى التوراة عن الأنبياء وغيرهم؟ ففى التوراة أن لوطاً ﵇ زنا بابنتيه [تك ١٩] وأن سليمان ـ عليه السلم ـ أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون [الملوك الأول ١١] .
وقال كاتب التوراة: إن سليمان ﵇ هو ابن داود من زوجة أُورِيّا الحِثِّى. أى أنه تعدى على زوجة رجل من الأمم هو من قبيلة بنى حث وليس من اليهود. وإذا كان هذا هو المكتوب بغية التعدى على نساء الأمم؛ فإن العقل لا يتصور أن يضع فى التوراة عفة يوسف عن نساء الأمم. ولا يتصور العقل أن يكتب عن يوسف أنه فسر حلم الملك من قبل أن يخرج من السجن. لأنه لو كتب ذلك لكان معناه أن يوسف يحسن إلى من سيئ إليه. وهو يريد لليهود أن يسيئوا لمن يحسن ولمن لا يحسن.
وإن أصر مورد الشبهة على إيرادها. ففى نسخ التوراة زيادة ونقص، وفى نسخ الإنجيل أيضاً. ومن أمثلة ذلك: المزمور المائة والحادى والخمسين؛ فإنه فى النسخة القبطية فقط.
стр. 96
٩٥- عدم سجن بنيامين
إن فى القرآن أن يعقوب قال لأبنائه بعد رحيل بنيامين إلى مصر: (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعاً) (١) . وقال المؤلف: إن المفسر البيضاوى يقول: إنه يقصد بقوله (بهم جميعاً) يوسف وبنيامين وأخيهما الذى توقف بمصر.
وإن القرآن جعل عدد مرات مجئ إخوة يوسف لمصر أربع مرات بدل ثلاث كما جاء فى التوراة، وأن فى القرآن أن يوسف حبس بنيامين، وأن إخوة يوسف رجعوا إلى أبيهما بدون شمعون وبنيامين.
الرد على الشبهة:
الخلاف بين التوراة وبين القرآن فى سرد حوادث القصة لا يدل على عيب فى القرآن، ويدل على ذلك: ما فى التوراة من زيادة ونقص فى النسخة الواحدة، وفى النسخ الثلاث. ومع هذا ففى التوراة ما يدل على ما جاء فى القرآن ومن ذلك:
١ ـ أن يوسف كان قد أنجب ولدين فى مصر هما أفرايم ومنسّى [تك ٤٦: ٢٠] ويعقوب أبوه من الأنبياء الملهمين، ويدل على ذلك أنه يقول:
(إنى لأجد ريح يوسف) (٢) ـ (يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله) (٣) فإذا قال (بهم) بضمير الجمع. وقد صرح من بعد بفقد اثنين هما: يوسف وأخيه فقط؛ لا يدل ضمير الجمع على ولد ثالث محبوس فى مصر، وإنما يدل على ولدى يوسف.
٢ ـ أن فى التوراة ما يدل على سجن بنيامين وهو أنه لما دبر حيلته فى استبقائه وتمت الحيلة، طلبوا منه أن يطلقه فرد عليهم بقوله: " حاشا لى أن أفعل هذا. الرجل الذى وُجد الكأس فى يده؛ هو يكون لى عبداً، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم " [تك ٤٤: ١٧] .
فقوله: " هو يكون لى عبداً " معناه: أنه استبقاه فى " مصر ".
٣ ـ وفى التوراة ما يدل على بقاء كبيرهم فى مصر، مع يوسف وبنيامين. وكبيرهم هو " راوبين " لا شمعون كما قال المؤلف إنه أخذه رهينة، ولا يهوذا كما قال كاتب التوراة.
ومما يدل على بقاء كبيرهم: أنه استعطف يوسف بقوله: " فالآن ليمكث عبدك عوضاً عن الغلام عبداً لسيدى، ويصعد الغلام مع إخوته؛ لأنى كيف أصعد إلى أبى والغلام ليس معى؟ لئلا أنظر الشر الذى يصيب أبى " [تك ٤٤: ٣٣ـ٣٤] .
стр. 97
٩٦- قميص سحرى
إنه جاء فى القرآن أن قميص يوسف لما رآه يعقوب؛ أتى بصيراً إلى مصر مع أهله، وقد كان قد عمى من الحزن.
ونقل من كتب التفسير أنه كان قميص إبراهيم.. إلخ.
واستبعد شفاء يعقوب برؤية القميص.
الرد على الشبهة:
إن التوراة مصرحة بعمى يعقوب، وأنه سيبصر إذا وضع يوسف يده على عينيه. ذلك قوله: " أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك أيضاً. ويضع يوسف يده على عينيك " [تك ٤٦: ٤] هذه ترجمة البروتستانت. وفى ترجمة الكتاب المقدس بلبنان: " أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك منها. ويوسف هو يغمض عينيك ساعة تموت " فيكون النص فى عدم العمى صراحة فى هذه الترجمة.
واتفقت التراجم على ضعف بصر يعقوب " وكانت عينا يعقوب كليلتين من الشيخوخة، ولم يكن يقدر أن يبصر " [تك ٤٨: ١٠] .
واستبعاد شفاء يعقوب برؤية القميص؛ لا محل له. وذلك لأن فى التوراة من هذا كثير. فنبى الله اليسع ﵇ لما مات ودفنوه فى قبره؛ دفنوا معه بعد مدة ميتاً. فلما مست عظامه عظام اليسع؛ ردت إليه روحه. وهذا أشد فى المشابهة من قميص يعقوب ففى الإصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الثانى: " ومات اليشع فدفنوه. وكان غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة، وفيما كانوا يدفنون رجلاً إذا بهم قد رأوا الغزاة؛ فطرحوا الرجل فى قبر اليشع. فلما نزل الرجل ومسَّ عظام اليشع؛ عاش وقام على رجليه " [٢مل ١٣: ٢٠ـ٢١] .
стр. 98
٩٧- ابنة فرعون أو زوجته
إن فى القرآن أن امرأة فرعون هى التى التقطت موسى ﵇ ويقول: إن فى التوراة أن الملتقطة له هى ابنة فرعون وليست امرأته. وهذا تناقض.
الرد على الشبهة:
إن كلمات التوراة مشكوك فيها. والدليل على ذلك: أن اسم الرجل فى موضع، يأتى فى موضع آخر باسم آخر. وكذلك المرأة. وهذا يتكرر كثيراً. فإسماعيل ﵇ كانت له ابنة اسمها " محلث " وتزوجت " العيس " بن إسحاق ﵇[تك ٢٨: ٩] وفى ترجمة لبنان " محلة " وفى نفس الترجمة " وبسمة " وفى ترجمة البروتستانت " بسمة " [تك ٣٦: ٣] .
وفىكتب تفسير التوراة تصريح بكلمات ملتبسة مثل " ثم يذبحه كل جماعة إسرائيل فى العشية " [خر ١٢: ٦] يقولون: " العشية " هذه اللفظة ملتبسة.. " والشيخ الكبير فى أرض مدين مختلف فى اسمه. ففى الخروج [٢: ١٨] " رعوئيل " وفى الخروج [٤: ١٨] " ثيرون " والابن الأول لموسى فى ترجمة " جرشوم " وعند يوسيفوس " جرشام " وفى ترجمة السبعين " جرسام " [خر ٢: ٢٢] .
стр. 99
٩٨- طرح الأولاد فى النهر صدر قبل ولادة موسى لا بعد إرساليته
إن فى سورة الأعراف: أن الملأ من قوم فرعون بعد ولادة موسى وظهور نبوته قالوا لفرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض؟ وقد رد عليهم بقوله: (سَنُقَتِّل أبناءهم وتستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) (١) .
وفى سورة القصص: أن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى وهذا تناقض.
الرد على الشبهة:
إن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى ﵇ وهو فيما بعد يهدد باستمرار القتل والزيادة فيه.
стр. 100
٩٩- صَدَاق امرأة موسى
إن فى سورة القصص أن موسى أصدق امرأته من مدين خدمة ثمانى أو عشر لأبيها. وفى التوراة أنه كان له سبع بنات لا اثنتين، وأنه لم يصدق المرأة. لا بالخدمة ولا بما يقوم مقامها.
الرد على الشبهة:
هب أنه كان عنده سبعة. وقدم له اثنتين لائقتين بحاله لينتقى واحدة منهما. فما هو الإشكال فى ذلك؟ وحال يعقوب مع خاله " لابان "، كحال موسى مع كاهن مديان. فإنهما كانا يتعيشان من رعى الغنم. وخدم يعقوب خاله سبع سنين صداقاً لابنته الأولى " ليئة " وخدم سبع سنين أخرى صداقاً لابنته الأخرى " راحيل " وموسى هارب من أرض مصر بلا مال. فكيف يتزوج فى أرض غريبة بلا مال.
وفى النص ما يدل على ما اتفقا عليه. وهو " فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل. فأعطى موسى صفورة ابنته " ارتضى على ماذا؟ ولماذا قال بعد الارتضاء: " فأعطى موسى صفورة ابنته "؟ والنص كله هو: " وكان لكاهن مديان سبع بنات. فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن. فأتى الرعاة فطردوهن. فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن. فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالكن أسرعتن فى المجئ اليوم؟ فقلن: رجل مصرى أنقذنا من أيدى الرعاة، وإنه استقى لنا أيضاً وسقى الغنم. فقال لبناته: وأين هو؟ لماذا تركتن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعاماً. فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته " [خر ٢: ١٦] وفى النص السامرى: " فلما أمعن موسى فى السكنى مع الرجل؛ أعطاه صفورة ابنته لموسى زوجة ".
стр. 101
١٠٠- لم ترث إسرائيل مصر
إن فى القرآن أن بنى إسرائيل ورثوا أرض مصر بعد هلاك فرعون. وهذا خطأ فإنهم لم يرثوا إلا أرض كنعان.
الرد على الشبهة:
١ ـ على قوله: إن دعوة موسى كانت خاصة لبنى إسرائيل. فإن حدود مصر تبدأ من " رفح " وهم يقولون: إن المواعيد هى من النيل إلى الفرات. فيكون الجزء من رفح إلى النيل داخلاً فى الإرث.
٢ ـ والإرث ليس لاستغلال خيرات الأرض وتسخير أهلها فى مصالح اليهود. ولكنه " إرث شريعة " فإن الله قال لإبراهيم ﵇: " سر أمامى وكن كاملاً " [تك ١٧: ١] أى امشى أمامى فى جميع البلاد لدعوة الناس إلى عبادتى وترك عبادة الأوثان. وقد سار إبراهيم ودعا بالكلام وبالسيوف. ولذلك سرّ الله منه، ووعده بمباركة الأمم فى نسل ولديه إسحاق وإسماعيل. والبركة معناها: ملك النسل على الأمم إذا ظهر منه نبى. وسلمه الله شريعة. ولما ظهر موسى ﵇ وسلمه الله التوراة. أمره بنشرها بين الأمم. وإذا نشرها بين أمة فإنه يكون وارثاً لهذه الأمة " إرث شريعة " إذ هو بنشرها يكون بنو إسرائيل والأمم متساوون أمام الله فيها. وما فائدة بنو إسرائيل إلا التبليغ فقط. وبه امتازوا عن الأمم. ويدل على ذلك: إرثهم لأرض كنعان ـ كما يقولون ـ فإنهم ورثوها لنشر شريعة التوراة فيها، وكان الإرث على يد طالوت وداود ﵉ وقد قال داود ﵇ لجالوت وهو يحاربه: إن الحرب للرب. أى أن القتال فى سبيل الله. ذلك قوله: " وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب؛ لأن الحرب للرب. وهو يدفعكم ليدنا " [صموئيل الأول ١٧: ٤٧] .
وإذا أراد الله نسخ التوراة يكون معنى النسخ إزالة ملك النسل اليهودى عن الأمم ليقوم النسل الجديد بتبليغ الشريعة التى أقرها الله فيهم لتبليغها إلى الأمم. وهذا ما حدث فى ظهور الإسلام. فإن بنى إسماعيل ﵇ حاربوا وملكوا ونشروا القرآن وعلموه للأمم. ولهم بركة. فإن الله قال لإبراهيم عن إسماعيل: " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه " [تك ١٧: ٢٠] .
وفى التوراة عن بركة إبراهيم: " وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض " [تك ١٢: ٣] ومعنى مباركة جميع أمم الأرض فى إبراهيم: هو أن نسله يبلغون للناس شرائع الله.
وفى التوراة عن إرث بنى إسماعيل للأمم: " ويرث نسلك أمماً، ويعمر مدناً خربة " [إش ٥٤: ٣] .
٣ ـ وكتب المؤرخين تدل على أن بنى إسرائيل أقاموا فى مصر. وقد نقل صاحب تفسير المنار فى سورة يونس عن يونانيين قدماء أن موسى ﵇ رجع إلى مصر بعد هلاك جنود فرعون وحكم فيها ثلاث عشرة سنة.
стр. 102
١٠١- ضربات مصر عشر لا تسع
إن فى التوراة أن الآيات البينات عشر. وفى القرآن تسع (١) . وهذا تناقض.
الرد على الشبهة:
إن مفسرى التوراة صرحوا بالاختلاف فى عدد هذه الآيات. فالآية الثانية وهى الضفادع؛ يوجد من يقول إنها التماسيح.
والآية الثالثة قال بعضهم إنها ضربة القمل، وقال بعضهم إنها ضربة البعوض.
والآية الرابعة قال بعضهم إنها ذباب الكلب خاصة، وقيل مطلق ذباب.
стр. 103
١٠٢- الطوفان على المصريين
إن فى القرآن أن الآيات التسع فيها آية الطوفان، وليس فى التوراة هذه الآية.
الرد على الشبهة:
إن مفسرى التوراة مختلفون فى البيان كما نقلنا عنهم سابقاً.
стр. 104
١٠٣- صخرة حوريب وليست آبار إيلّيم
جاء فى سورة البقرة: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً) (١) .
وفى التوراة أن الاثنتى عشرة عيناً فى " إيليم " وفى القرآن أنهم فى " حوريب " وهذا تناقض.
الرد على الشبهة:
لم يذكر القرآن أن الاثنتى عشرة عيناً فى " حوريب ".
стр. 105
١٠٤- لوحا الشريعة
إن الله كتب لموسى فى الألواح من كل شىء. وهذا على ما فى القرآن. وعلى ما فى التوراة كتب لوحين اثنين، وكتب عليهما الوصايا العشر فقط.
الرد على الشبهة:
١-إن الألواح الأولى قد كسرت. وحل محلها ألواح جديدة.
٢- والألواح الأولى كانت مكونة من:
ألوحين للعهد للعمل بالتوراة.
ب ومن عدة ألواح مكتوب عليها كل أحكام التوراة.
ففى الأصحاح التاسع عشر من سفر الخروج وما بعده إلى الإصحاح الرابع والعشرين كل أحكام التوراة وبعدها " فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام ".
ثم صعد إلى جبل الطور فأعطاه الله:
أ- لوحى الحجارة.
ب- والشريعة والوصية.
ومن قبل نزوله من على الجبل؛ عبدوا العجل من دون الله.
ولما سمع موسى بالخبر كسر لوحى العهد فى أسفل الجبل. ولكن كاتب سفر التثنية يقول: " إنه كسر لوحين كان عليهما كل أحكام الشريعةوعليهما مثل جميع الكلمات التى كلمكم بها الرب فى الجبل من وسط النار فى يوم الاجتماع " [تث ٩: ١٠] ولا يمكن للوحى العهد أن يحملا مع العهد كل أحكام الشريعة التى نزلت فى يوم الاجتماع ".
ولما كسر الألواح. أعطى الله له بدلهم ألواح جديدة [خر ٣٢: ٢٩] والمكتوب على الألواح الجديدة؛ أحكام الشريعة الموجودة فى الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية. وفيها: " لا تطبخ جديًا بلبن أمه ".
والمناسب لأحكام الشريعة (الألواح) بالجمع. ومنها لوحى العهد.
стр. 106
١٠٥- هل طلبوا رؤية الله ؟
إن فى القرآن أن بنى إسرائيل طلبوا رؤية الله. وفى التوراة أنهم قالوا لموسى: " تكلم أنت معنا، ولا يتكلم معنا الله؛ لئلا يموت " [خر ٢٠: ١٩] فعكس القرآن الموضوع.
الرد على الشبهة:
إن المؤلف جاهل بما فى كتابه. وإن فيه:
أـ أن اليهود رأوا الله.
ب ـ وأن موسى طلب رؤية الله.
جـ ـ وأنهم طلبوا أن لا يروا الله.
(أ) فموسى لما أخذ العهد على اليهود أن يعملوا بالتوراة، بكّر فى الصباح وبنى مذبحاً فى أسفل الجبل. وأخذ العهد. ثم قال الكاتب: " ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرئيل ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء فى النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بنى إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا " [خروج ٢٤: ٩ـ١١] .
(ب) وطلب موسى رؤية الله " فقال: أرنى مجدك " ورد عليه بقوله: " لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش " [خر ٣٣: ١٨] .
(ج) ولما تجلى الله للجبل؛ حدث من هيبته حال التجلى نار ودخان وارتجف
كل الجبل جداً. فارتعب بنو إسرائيل من هذا المنظر، وقالوا لموسى: إذا أراد الله أن يكلمنا مرة أخرى؛ فليكن عن طريقك يا موسى ونحن لك نسمع ونطيع. فرد الله بقوله: أحسنوا فيما قالوا. وسوف أكلمهم فى مستقبل الزمان عن طريق نبى مماثل لك يا موسى من بين إخوتهم وأجعل كلامى فى فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به [تث ١٨: ١٥ـ٢٢] .
стр. 107
١٠٦- سليمان أو أبشالوم
إن داود وسليمان ـ كما فى القرآن ـ حكما فى الحرث، وإن سليمان راجع داود فى الحكم.
ثم ذكر كلام المفسرين فى هذه القضية. وعقب عليه بقوله: القضية تليق بأبشالوم بن داود؛ لأنه كان دائماً يعارض أقوال أبيه ولا تليق بسليمان.
الرد على الشبهة:
إن فى التوراة أن سليمان كان حكيماً. أحكم من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته. واللائق بحكمته هو الحكم فى الحرث. ففى الإصحاح الرابع من سفر الملوك الأول: " وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق، وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأرزاحى، وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول، وكان صيته فى جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان، إلى الزوفا الثابت فى الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته " [امل ٤: ٣٠ـ٣٤] .
стр. 108
١٠٧- هاجر أو السيدة العذراء
إنه جاء فى سورة مريم: أن مريم لما حملت بالمسيح انتبذت به مكاناً قصيًّا. وعندئذ قد جعل الله لها تحتها (سريًّا) أى نهرا جارياً لتشرب منه. وهذا فى التوراة عن هاجر أم إسماعيل؛ فإنها لما عطشت هيأ الله لها عين ماء. وقد وضعه القرآن على مريم.
الرد على الشبهة:
إنه فسر السرى بالنهر الجارى. وليس كذلك. فإن الملاك ناداها بعدم الحزن؛ لأن الله قد جعل تحت كفالتها ورعايتها غلاماً سيكون سيّدا. فالسرى هو السيد وليس هو جدول الماء. وقد تحقق هذا الوعد؛ فإن المسيح صار سيِّدًا. أى معلماً للشريعة. وقال للحواريين عن هذا المعنى: " أنتم تدعوننى معلماً وسيداً. وحَسَناً تقولون؛ لأنى أنا كذلك " [يو ١٣: ١٣] .
стр. 109
١٠٨- لم تنزل مائدة من السماء
إن فى سورة المائدة: أن الحواريين قد طلبوا مائدة من السماء. وأن الله قال (إنى منزلها عليكم (ولا يقول الإنجيل: إن تلاميذ المسيح طلبوا منه آية من السماء، ولا يقول: إن مائدة نزلت من السماء.
الرد على الشبهة:
إن المعترض غير دارس للإنجيل وغير دارس للتوراة. وذلك لأن فى إنجيل يوحنا أن الحواريين طلبوا آية من السماء " فقالوا له: فأية آية تصنع؛ لنرى ونؤمن بك؟ ماذا تعمل؟ آباؤنا أكلوا المنّ فى البرية. كما هو مكتوب: أنه " أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا " [يو ٦: ٣٠ـ٣١] .
إنهم طلبوا مائدة من السماء؛ لأنهم قالوا: " آباؤنا أكلوا المن فى البرية " بعد قولهم " فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك؟ " واستدلوا على أكل آبائهم للمن بقولهم مكتوب فى التوراة أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا. وهذا يدل على أن آباءهم أكلوا المن والسلوى فى سيناء. والنص هو: " وأمطر عليهم منّا للأكل وبرّ السماء أعطاهم " [مزمور ٧٨: ٢٤] .
فهل نزل المن من السماء؟ وقد سماه داود ﵇ مائدة فى قوله عنهم: " قالو: هل يقدر الله أن يرتب مائدة فى البرية؟ " [مز ٧٨: ١٩] فمعنى نزوله من السماء: أنه من جهة الله لا من جهة إله آخر. ونص إنجيل يوحنا يبين أنهم طلبوا مائدة من السماء. ذلك قوله: " أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا " فإذا بارك الله فى طعام من الأرض ليشبع خلقاً كثيراً؛ فإنه يكون مائدة من السماء. كالمن النازل من السماء. وهو لم ينزل من السماء وإنما كان على ورق الشجر، وكالسلوى.
ومن أعجب العجب: أن مؤلف الإنجيل قال كلاماً عن المسيح فى شأن محمد رسول الله لا يختلف اثنان فى دلالته عليه ﷺ . وقد استدل المسيح فيه عليه ﷺ بنص فى الإصحاح الرابع والخمسين من سفر إشعياء.
ويقول المعترض: ولعلّ قصة القرآن عن نزول مائدة من السماء نشأت عن عدم فهم بعض آيات الإنجيل الواردة فى متى ٢٦ ومرقس ٢٤ ولوقا ٢٢ ويوحنا ١٣. وغرضه من قوله هذا أن لا يعرف المسلمون موضع المائدة من الأناجيل لأنها بصدد كلام من المسيح فى شأن محمد رسول الله، وموضعها الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا.
стр. 110
١٠٩- قصة ذى الكفل
يقول المعترض: إنه جاء فى القرآن ذكر نبى اسمه (ذا الكفل) وليس فى التوراة مسمى بهذا الاسم. وذكر من كلام البيضاوى كلاماً فى شأنه، وذكر أيضاً كلاماً لغيره.
الرد على الشبهة:
هو أنه جاء فى كتاب " نزهة المشتاق " ومؤلفه يهودى يحكى فيه تاريخ يهود العراق: أن (ذا الكفل) الذى ورد اسمه فى القرآن هو نبى الله حزقيال. وكان معاصراً لسبى اليهود فى بابل.