Полный текст (208 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم، قَاضِي الْجَمَاعَة بالبلاد الأندلسية، وخطيب حضرتها الْعلية أَعَادَهَا الله لِلْإِسْلَامِ ﴿أَبُو الْحسن بن الْفَقِيه أبي مُحَمَّد ابْن عبد الله بن الْحُسَيْن النباهي وصل الله سُبْحَانَهُ سعادته، وشكر إفادته﴾ أما بعد حمد الله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على مُحَمَّد رَسُول الله، فَهَذَا كتاب أرسم فِيهِ بحول الله نبذاً من الْكَلَام فِي خطة الْقَضَاء، وسير بعض من سلف من الْقُضَاة، أَو بلغ رتبه الِاجْتِهَاد، وفيمن يجوز لَهُ التَّقْلِيد وَمن لَا يجوز لَهُ، وصفات الْمُفْتى الَّذِي يَنْبَغِي قبُول قَوْله، والاقتداء بِهِ لمن ذهب إِلَى مقلده، وبالجاري من الْفَتَاوَى على منهاج السداد، وَهل يجوز للمفتي قبُول الْهَدِيَّة من المستفتى، أم هِيَ فِي حَقه من ضروب الرشاء الْمُحرمَة على الْجَمِيع. وَلست أَجْهَل أَن هَذَا الْغَرَض قد سبق لَهُ غَيْرِي، وصنف فِي مَعْنَاهُ أنَاس قبلي؛ لَا كنّى رَأَيْت أَن أُعِيد مِنْهُ الْآن مَا أُعِيدهُ على جِهَة التَّذْكِرَة لنَفْسي، والتنبيه لمن هُوَ مثلي. وَحَاصِل مَا أُرِيد إثْبَاته من ذَلِك فِي هَذَا الْكتاب يرجع على التَّقْرِيب إِلَى أَرْبَعَة أَبْوَاب. فَأَقُول وَالله الْمُوفق للصَّوَاب:؟
стр. 2
الْبَاب الأول فِي الْقَضَاء وَمَا ضارعه
فصل
لفظ الْقَضَاء يَأْتِي فِي اللُّغَة على أنحاء مرجعها إِلَى انْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه. يُقَال: قضى الْحَاكِم إِذا فصل فِي الحكم؛ وَقضى دينه أَي قطع مَا لغريمه قبله بالاداء؛ وقضيت الشَّيْء أحكمت عمله؛ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: " إِذا قضى أمرا " أَي أحكمه وأنفذه. وخطة الْقَضَاء فِي نَفسهَا عِنْد الكافة من أَسْنَى الخطط؛ فَإِن الله تَعَالَى قد رفع دَرَجَة الْحُكَّام، وَجعل إِلَيْهِم تصريف أُمُور الْأَنَام، حكمون فِي الدِّمَاء والأبضاع وَالْأَمْوَال، والحلال وَالْحرَام. وَتلك خطة الْأَنْبِيَاء وَمن بعدهمْ من الْخُلَفَاء: فَلَا شرف فِي الدُّنْيَا بعد الْخلَافَة أشرف من الْقَضَاء. وَلأَجل منيف قدره فِي الأقدار، ولسمو خطره فِي الأخطار، اشْترط الْعلمَاء فِي متوليه، من شُرُوط الصِّحَّة والكمال، مَا تقرر فِي كتبهمْ، واستبعد حُصُول مَجْمُوعه الْأَئِمَّة المقتدى بهم. فقد نقل عَن مَالك بن أنس ﵀ ﴿أَنه كَانَ يَقُول فِي الْخِصَال الَّتِي لَا يصلح الْقَضَاء إِلَّا بهَا: لَا أَرَاهَا تَجْتَمِع الْيَوْم فِي أحد؛ فَإِذا اجْتمع مِنْهَا فِي الرجل خصلتان الْعلم والورع، قدم. قَالَ عبد الْملك بن حبيب فِي كِتَابه: وَإِن لم يكن علم، فعقل وورع﴾ فبالعقل يسئل وَبِه تحصل خِصَال الْخَيْر كلهَا؛ وبالورع يعف؛ وَإِن طلب الْعلم وجده؛ وَإِن طلب الْعقل، إِذا لم يكن عِنْده، لم يجده. وَقد قيل: كثير الْعقل مَعَ قَلِيل الْعلم أَنْفَع من كثير الْعلم مَعَ قَلِيل الْعقل. وَلَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَالْحِفْظ، كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود ﵁ ﴿: وَإِنَّمَا الْعلم نور يَضَعهُ الله فِي الْقُلُوب. قَالَ الْمُؤلف أدام الله توفيقه﴾ : وَمن قلد الحكم بَين الْخلق وَالنَّظَر فِي شَيْء من أُمُورهم: فَهُوَ أحْوج النَّاس إِلَى هَذَا النُّور وَإِلَى اتصافه بالتذكير والتيقظ والتفطن. وَلذَلِك كَانَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق، قَاضِي الْقُضَاة بِبَغْدَاد، يَقُول: من لم تكن فِيهِ، لم يكن
стр. 3
لَهُ أَن يَلِي الْقَضَاء. وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: لَا يَنْبَغِي أَن يستقضى إِلَّا ذكى، فطن، فهم، فَقِيه، متأن، غير عجول، وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: لَا يصلح للْقَضَاء إِلَّا الْقوي على أَمر النَّاس، المستخف بسخطهم وملامتهم فِي حق الله، الْعَالم بِأَنَّهُ، مهما اقْترب من سخط النَّاس وملامتهم فِي الْحق وَالْعدْل وَالْقَصْد، اسْتَفَادَ بذلك ثمنا ربيحاً من رضوَان الله ﴿.
فصل
قَالَ عز الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام: وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْوُلَاة أفضل من غَيرهم. وتفصيل ذَلِك أَن الْولَايَة تشْتَمل على غَرَض شَرْعِي، وغرض طبعي؛ فَنهى عَنْهَا من يغلبه طبعه وهواه، وَأمر بهَا من يكون قاهراً لطبعه، غَالِبا لهواه. فَلَا يتولاها من لَا يملك هَوَاهُ إِلَّا أَن يتَعَيَّن لَهَا؛ فَيجب عَلَيْهِ أَن يتولاها، وَأَن يُجَاهد نَفسه فِي دفع هَوَاهُ مَا اسْتَطَاعَ. وَمِمَّا يُشِير إِلَى التَّرْغِيب فِي الحكم لمن قدر على الْعدْل فِيهِ، قَول رَسُول الله ﷺ ﴾ " إِن المقسطين عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة، على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن. وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوه. " وَقَوله " عَن يَمِين الرَّحْمَن " مَعْنَاهُ فِي الْحَالة الْحَسَنَة والمنزلة الرفيعة؛ وَالْعرب تنْسب الْفِعْل الْمَحْمُود وَالْإِحْسَان إِلَى الْيَمين، وضده إِلَى الشمَال أَي الْمنزلَة الخسيسة؛ وَأما الأقساط، فَهُوَ الْعدْل؛ يُقَال: أقسط إِذا عدل. قَالَ الله تَعَالَى: " وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين ﴿" وَفِي كتاب أبي حبيب، عَن ابْن شهَاب، أَن رَسُول الله ﷺ ﴾ قَالَ: " مَا من أحد أقرب مَجْلِسا من الله يَوْم الْقِيَامَة، بعد ملك مصطفى، أَو نَبِي مُرْسل، من إِمَام عدل ﴿" وروى أَن النَّبِي ﷺ ﴾ قَالَ: " إِن الله مَعَ القَاضِي، مَا لم يحف عمدا. " وَفِي الصَّحِيح: إِذا حكم الْحَاكِم، ثمَّ اجْتهد فَأصَاب، فَلهُ أَجْرَانِ؛ وَإِذا حكم فاجتهد، ثمَّ أَخطَأ، فَلهُ أجر وَاحِد. قَالَ أهل الْعلم: وَالْمرَاد هُنَا بالحاكم، الْبَصِير بالحكومة، المتحري الْعدْل. وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من يرى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب، لِأَنَّهُ ﷺ ! جعل لَهُ أجرا. وَاحْتج بِهِ أَيْضا أَصْحَاب القَوْل
стр. 4
الآخر بِأَن الْمُصِيب وَاحِد وَالْحق فِي طرف وَاحِد، لِأَنَّهُ، لَو كَانَ كل وَاحِد مصيباً، لم يسم أَحدهمَا مخطئاً، فَيجمع الضدين فِي حَالَة وَاحِدَة. قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل بن مُوسَى فِي إكماله: وَالْقَوْل بِأَن الْحق فِي طرفين هُوَ قَول أَكثر أهل التَّحْقِيق من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء؛ وَهُوَ مروى عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة، وَإِن كَانَ قد حكى عَن كل وَاحِد مِنْهُم اخْتِلَاف فِي هَذَا الأَصْل. وَهَذَا كُله فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. وَأما مَا يتَعَلَّق بِأَصْل وَقَاعِدَة، من أصُول التَّوْحِيد وقواعده، مِمَّا مبتناه على قواطع الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِن الْخَطَأ فِي كل هَذَا غير مَوْضُوع، وَالْحق فِيهَا فِي طرف وَاحِد، بِإِجْمَاع من أَرْبَاب الْأُصُول والمصيب فِيهَا وَاحِد، إِلَّا مَا روى عَن عبد الله الْعَنْبَري، من تصويبه الْمُجْتَهدين فِي ذَلِك، وعذره لَهُم؛ وَحكى مثله عَن دَاوُود وَكله لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَقد حكى عَن الْعَنْبَري أَن مذْهبه فِي ذَلِك على الْعُمُوم؛ وَعِنْدِي أَنه إِنَّمَا يَقُول ذَلِك فِي أهل الْملَّة دون الْكَفَرَة؛ وَالِاجْتِهَاد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ بذل الوسع فِي طلب الْحق وَالصَّوَاب فِي النَّازِلَة. انْتهى. وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي ﷺ ! أذن لَهُ أَن يجْتَهد بِرَأْيهِ فِيمَا لم يكن فِي الْكتاب وَالسّنة؛ وَقد ورد: مَا من قاضٍ يقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَن يَمِينه ملك وَعَن شِمَاله ملك، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب.
فصل فِي الْخِصَال الْمُعْتَبرَة فِي الْقُضَاة
من التَّنْبِيهَات وشروط الْقَضَاء، الَّتِي لَا يتم للْقَاضِي قَضَاؤُهُ إِلَّا بهَا، عشرَة: الْإِسْلَام؛ وَالْعقل؛ والذكورية؛ وَالْحريَّة؛ وَالْبُلُوغ؛ وَالْعَدَالَة؛ وَالْعلم؛ وسلامة حاسة السّمع وَالْبَصَر من الْعَمى والصمم؛ وسلامة حاسة اللِّسَان من الْبكم؛ وَكَونه وَاحِدًا لَا أَكثر؛ فَلَا يَصح تَقْدِيم إثنين على أَن يقضيا مَعًا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض، وَتعذر الِاتِّفَاق وَبطلَان الْأَحْكَام بذلك. ثمَّ من هَذِه الشُّرُوط مَا إِذا عدم فِيمَن قلد الْقَضَاء بِجَهْل، أَو غَرَض فَاسد، ثمَّ نفذ مِنْهُ حكم، فَإِنَّهُ لَا يَصح وَيرد؛ وَهِي الْخَمْسَة الأولى: الْإِسْلَام؛ وَالْعقل؛ وَالْبُلُوغ؛ والذكورية؛ وَالْحريَّة. وَأما الْخَمْسَة الْأُخْرَى، فَينفذ من أَحْكَام من عدمت مِنْهُ
стр. 5
مَا يُوَافق الْحق، إِلَّا الْجَاهِل الَّذِي يحكم بِرَأْيهِ. وَأما الْفَاسِق، فَفِيهِ خلاف بَين أَصْحَابنَا؛ هَل يرد مَا حكم بِهِ، وَإِن وَافق الْحق وَهُوَ الصَّحِيح، أم يمْضِي إِذا وَافق الْحق وَوجه الحكم. وشروط الْكَمَال عشرَة أَيْضا: خَمْسَة أَوْصَاف يَنْتَفِي عَنْهَا، وَخَمْسَة لَا يَنْتَفِي؛ مِنْهَا أَن يكون غير مَحْدُود؛ وَغير مطعون عَلَيْهِ فِي نسبه بِوِلَادَة اللّعان وَالزِّنَا؛ وَغير فَقير؛ وَغير أُمِّي؛ وَغير مستضعف؛ وَأَن يكون فطناً، نزيهاً، مهيباً، حَلِيمًا، مستشيراً لأهل الْعلم والرأي. قَالَ القَاضِي أَبُو الْأَصْبَغ بن سهل: وللحكام الَّذين تجْرِي على أَيْديهم الْأَحْكَام سِتّ خططٍ: أَولهَا الْقَضَاء، وأجله قَضَاء قَاضِي الْجَمَاعَة؛ والشرطة الْوُسْطَى؛ والشرطة الصُّغْرَى؛ وَصَاحب مظالم؛ وَصَاحب رد، وَيُسمى صَاحب رد بِمَا رد عَلَيْهِ من الْأَحْكَام؛ وَصَاحب مَدِينَة؛ وَصَاحب سوق. هَكَذَا نَص عَلَيْهِ بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل قرطبة، فِي تأليف لَهُ. وتلخيصه: الْقَضَاء، والشرطة، والمظالم، وَالرَّدّ، وَالْمَدينَة، والسوق. وَإِنَّمَا كَانَ يحكم صَاحب الرَّد فِيمَا استرابه الْحُكَّام، وردوه عَن أنفسهم؛ هَكَذَا سمعته من بعض من أَدْرَكته. وَصَاحب السُّوق كَانَ يعرف بِصَاحِب الْحِسْبَة، لِأَن أَكثر نظره إِنَّمَا كَانَ يجْرِي فِي الْأَسْوَاق، من غش، وخديعة، وتفقد مكيال وميزان وَشبه ذَلِك. وَلَا عجب للْقَاضِي أَن يرفع من عِنْده إِلَى غَيره، كَمَا يرفع غَيره إِلَيْهِ. وحدود الْقُضَاة، فِي الْقَدِيم والْحَدِيث، مَعْرُوفَة، لَا يعارضون فِيهَا، وَلَا تكون إِلَى غَيرهم من الْحُكَّام. وَقد عَددهَا عَليّ بن يحيى، وفسرها فِي كِتَابه؛ فَقَالَ: ويشتمل نظر القَاضِي على عشرَة أَحْكَام: أَحدهَا: قطع التشاجر وَالْخِصَام من المتنازعين، إِمَّا بصلح عَن ترَاض يُرَاد بِهِ الْجَوَاز، وَأما بإجبار بِحكم بِآيَة يعْتَبر فِيهِ الْوُجُوب. وَالثَّانِي: اسْتِيفَاء الْحق لمن طلبه، وتوصيله إِلَى يَده، إِمَّا بِإِقْرَار، أَو بِبَيِّنَة. وَالثَّالِث: إِلْزَام الْولَايَة للسفهاء والمجانين، والتحجر على الْمُفلس، حفظا للأموال. وَالرَّابِع: النّظر فِي الاحباس، وَالْوُقُوف والتفقد لأحوالها وأحوال النَّاظر فِيهَا. وَالْخَامِس: تَنْفِيذ الْوَصَايَا على شُرُوط الْمُوصى إِذا وَافَقت الشَّرْع؛ فَفِي المعينين يكون التَّنْفِيذ بالاقباض، وَفِي المجهولين يتَعَيَّن الْمُسْتَحق لَهَا بِالِاجْتِهَادِ فَإِن كَانَ لَهَا وصّى، راعاه، وَإِلَّا تولاه. وَالسَّادِس: تزوج
стр. 6
الْأَيَامَى من الاكفاء، إِذا عدم الْأَوْلِيَاء وأردن التَّزْوِيج. وَالسَّابِع: إِقَامَة الْحُدُود؛ فَإِن كَانَت من حُقُوق الله تَعَالَى، تفرد بإقامتها، إِمَّا بِإِقْرَار يتَّصل بِإِقَامَة الْحَد، وَإِمَّا بِبَيِّنَة أَو ظُهُور حمل من غير زوج؛ وَإِن كَانَت من حُقُوق الأدميين، فبطلب مستحقها. وَالثَّامِن: النّظر فِي الْمصَالح الْعَامَّة، من كف التَّعَدِّي فِي الطرقات والأفنية. وَإِخْرَاج مَالا يسْتَحق من الأجنحة والأفنية. وَالتَّاسِع: تصفى الشُّهُود، وتفقد الْأُمَنَاء، وَاخْتِيَار من يرتضيه لذَلِك. والعاشر: وُجُوه التَّسْوِيَة فِي الحكم بَين القوى والضعيف، وتوخي الْعدْل بَين الشريف والمشروف. وَمن الْإِكْمَال: لجمهور الْعلمَاء أَن للقضاة إِقَامَة الْحُدُود، وَالنَّظَر فِي جَمِيع الْأَشْيَاء، من إِقَامَة الْحُقُوق، وتغيير الْمَنَاكِير، وَالنَّظَر فِي الْمصَالح، قَامَ بذلك قَائِم، أَو اخْتصَّ بِحَق الله. وَحكمه عِنْدهم حكم الْوَصِيّ الْمُطلق الْيَد فِي كل شَيْء، إِلَّا مَا يخْتَص بضبط الْبَيْضَة من إعداد الجيوش، وجباية الْخراج. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي هَل من نظره مَال الصَّدقَات، والتقديم للْجمع والأعياد، أم لَا، إِذا لم يكن على هَذَا وُلَاة مخصصون من السلطنة، على قَوْلَيْنِ؛ إِلَّا يَخْتَلِفُونَ، إِذا كَانَت هَذِه مُخْتَصَّة بِولَايَة من قبل السلطنة، أَنه لَا نظر لَهُ فِيهَا. وَذهب أَبُو حنيفَة أَنه لَا نظر لَهُ فِي إِقَامَة حد، وَلَا فِي مصلحَة، إِلَّا لطَالب مخاصم، وَلَا تَنْطَلِق يَده إِلَّا على مَا أذن لَهُ فِيهِ، وَحكمه حكم الْوَكِيل الْخَاص. وَمن كتاب الْإِعْلَام بنوازل الْأَحْكَام: خطة الْقَضَاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها خطراً، لَا سِيمَا إِذا اجْتمعت إِلَيْهَا الصَّلَاة. وعَلى القَاضِي مدَار الْأَحْكَام، وَإِلَيْهِ النّظر فِي جَمِيع وُجُوه الْقَضَاء.
فصل
وكل من ولى الحكم بَين الْمُسلمين، من أَمِير، أَو قَاض، أَو صَاحب شرطة، مسلط الْيَد. وكل مَا كَانَ فِي عقوبتهم من موت، وَكَانَ فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى، وأدب لحق، فَهُوَ هدر؛ وَمَا أَتَى من ظلم بَين، مَشْهُور، مُعْتَمد، فَعَلَيهِ الْعود فِي عمده، وَالْعقل فِي خطائه. وَكَذَلِكَ مَا تعمد من إِتْلَاف مَال بِغَيْر حق، وَلَا شُبْهَة، فَذَلِك فِي مَاله، يَأْخُذ بِهِ الْمَظْلُوم إِن شَاءَ مِنْهُ، أَو من الْمَحْكُوم لَهُ بِهِ. من كتاب الِاسْتِغْنَاء لِابْنِ عبد الغفور. وَفِي الْمقنع: قَالَ سَحْنُون: وَإِذا قضى القَاضِي
стр. 7
على رجل يجوز فِي الْأَمْوَال، وَكَانَ الَّذِي قضى لَهُ بِالْمَالِ قد أكله، واستهلكه، وَلم يُوجد عِنْده، كَانَ مَا قضى بِهِ على الرجل على القَاضِي فِي مَاله. وَإِذا لم يجر فِي قَضَائِهِ، وَهُوَ عدل، رضىٍ، وَإِنَّمَا خطأ أخطأه، أَو غلط غلطه، لم يكن عَلَيْهِ شَيْء من خطئه. وَإِذا أقرّ القَاضِي على نَفسه أَنه جَار فِي قَضَائِهِ، إِذا كَانَ قَاضِيا، فِي قتل نفس، أَو قطع يَد، أَو قصاص، أَو جراح، فَمَا أقرّ بِهِ، أَو ثَبت عَلَيْهِ من غير إِقْرَار، أقيد مِنْهُ. قَالَ أَبُو أَيُّوب، فِي بَاب خطأ القَاضِي من الْكتاب الْمُسَمّى: وَقد أقاد رَسُول الله ﷺ ﴿وَأَبُو بكر، وَعمر ﵄﴾ من أنفسهم. وَمِمَّا تقرر فِي الشَّرِيعَة أَن حكم الْحَاكِم لَا يحل الْحَرَام، وَأَن الْفروج والدماء وَالْأَمْوَال سَوَاء، بِدَلِيل قَوْله ﷺ ﴿: إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض؛ فأقضى لَهُ على نَحْو مَا أسمع. فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا، فَلَا يَأْخُذهُ، فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار﴾ فَأجرى الله تَعَالَى أَحْكَام رَسُوله ﷺ ! على الظَّاهِر الَّذِي يستوى فِيهِ هُوَ وَغَيره من الْبشر، ليَصِح اقْتِدَاء أمته بِهِ فِي قضاياه، ويأتون مَا أَتَوا من ذَلِك على علم من سنته، إِذْ الْبَيَان بِالْفِعْلِ أولى من القَوْل وَأَرْفَع لاحْتِمَال اللَّفْظ: وَقَوله: " أَقْْضِي لَهُ على نَحْو مَا أسمع " احْتج بِهِ من لَا يُجِيز حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ لقَوْله: فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض أَي أفطن لَهَا، وَقَوله: على نَحْو مَا أسمع؛ وَلم يقل: أعلم؛ وَمن يرى حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ لَا يلْتَفت إِلَى مَا سمع، خَالف أَو وَافق. قَالَ عِيَاض: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي حكم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ، وَمَا سَمعه فِي مجْلِس نظره. فمذهب مَالك وَأكْثر أَصْحَابه أَن القَاضِي لَا يقْضِي فِي شَيْء من الْأَشْيَاء بِعِلْمِهِ، إِلَّا فِيمَا أقرّ بِهِ فِي مجْلِس قَضَائِهِ، خَاصَّة فِي الْأَمْوَال. وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ، وَجَمَاعَة من أَصْحَاب ملك الْمَدَنِيين، وَغَيرهم، وحكوه عَن مَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مَشْهُور قوليه، وَأَبُو ثَوْر، وَمن تبعهما، أَنه يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي كل شَيْء من الْأَمْوَال، وَالْحُدُود، وَغير ذَلِك، مِمَّا سَمعه أَو رَآهُ قبل قَضَائِهِ وَبعده، وبمصره وَغَيره. وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه يقْضى بِمَا سَمعه فِي قَضَائِهِ وَفِي مصره، فِي الْأَمْوَال، لَا فِي الْحُدُود. انْتهى. وَوَقع كَذَلِك فِي الْمَسْأَلَة، بَين الْفُقَهَاء بقرطبة، اخْتِلَاف؛ فَذهب مِنْهُم أَبُو إِبْرَاهِيم، وَمُحَمّد بن الْعَطَّار، فِي آخَرين، إِلَى أَن القَاضِي لَهُ أَن يقْضِي بِعِلْمِهِ دون شُهُود. وَمَال قوم
стр. 8
إِلَى خلاف ذَلِك، وَقَالُوا: إِنَّمَا لم يقْض بِعِلْمِهِ، دون بَيِّنَة، لِأَن فِيهِ تَعْرِيض نَفسه للتهم، وإيقاعها فِي الظنون. وَقد كره رَسُول الله ﷺ ﴿الظَّن. قَالَ القَاضِي أَبُو الْأَصْبَغ بن سهل: وَهَذَا عِنْدِي الْقيَاس الصَّحِيح المطرد لمن قَالَ: لَا يقْضِي القَاضِي بِعِلْمِهِ، وَلَا بِمَا سمع فِي مجْلِس نظره، لَكِن الَّذِي قَالَه أَبُو إِبْرَاهِيم وَابْن الْعَطَّار، وَجرى بِهِ الْعَمَل، وَهُوَ عِنْدِي الِاسْتِحْسَان، ويعضده قَول مطرف، وَابْن الْمَاجشون، وَأصبغ فِي كتاب ابْن حبيب، أَن القَاضِي يقْضِي على من أقرّ عِنْده فِي مجْلِس نظره، بِمَا سمع مِنْهُم، وَإِن لم تحضره بَيِّنَة. وَقَالَهُ ابْن الْمَاجشون فِي الْمَجْمُوعَة، وَبِه أَخذ أَبُو سعيد سَحْنُون بن سعيد، وَقَالَهُ أصبغ فِي كِتَابه؛ وَهُوَ ظَاهر قَول النَّبِي ﷺ ﴾ : " إِنَّمَا أَنا بشر، وَإِنَّكُمْ تخصمون إِلَيّ ﴿فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض؛ فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع مِنْهُ " الحَدِيث. وَقَوله ﵊﴾ : " إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ ﴿" مَعْنَاهُ حصره فِي البشرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاطِّلَاع على بواطن الْخُصُوم، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل شَيْء؛ فَإِن للرسول ﷺ ﴾ وَصَايَا كَثِيرَة. فللقاضي، على مَا تقرر فِي الْمَسْأَلَة من كَلَام ابْن سهل وَغَيره، أَن يقْضِي بِمَا صَحَّ عِنْده وسَمعه من أَمر الْخَصْمَيْنِ، وَأَن لَهُ أَن ينفذ ذَلِك بَينهمَا، ويمضيه من نظره وَحكمه. قَالَ مَالك: وَإِذا قضى بِمَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَحكمه نَافِذ. وللحاكم الْمُجْتَهد أَن يتَخَيَّر عَن الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، وَأَن يَأْخُذ بِمَا يرَاهُ أحوط لدينِهِ وَعرضه. قَالَ: وَإِن لم يكن على مَا قضى بِهِ مَذْهَب الْعلمَاء بذلك الْموضع، فَلَيْسَ لقاض بعده نقضه، وَلَا اعتراضه؛ وَإنَّهُ نَافِذ تَامّ؛ وَإِن ظهر لَهُ فِي نَفسه أَن قَول غير من أَخذ بقوله خير مِمَّا أَخذ بِهِ، كَانَ لَهُ نقضه هُوَ خَاصَّة، وَلم يكن ذَلِك لأحد بعده. وَفِي كتاب الْأَقْضِيَة من الْمُدَوَّنَة: إِذا تبين للْقَاضِي أَن الْحق فِي غير مَا قضى بِهِ، رَجَعَ عِنْده؛ وَإِنَّمَا لَا يرجع بِهِ فِيمَا قَضَت بِهِ الْقُضَاة مِمَّا اخْتلف فِيهِ. قَالَ صَاحب التَّنْبِيهَات: حمل أَكْثَرهم مذْهبه فِي الْكتاب على أَن الرُّجُوع لَهُ، كَيفَ كَانَ حَاله من وهم أَو انْتِقَال رأى، وَهُوَ قَول مطرف وَعبد الْملك. وَوَقع فِي منتخب ابْن مغيث: وتنقسم أَحْكَام الْقُضَاة، على مَذْهَب مَالك وَجَمِيع أَصْحَابه، على ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهمَا فِي الحكم الْعدْل الْعَالم: فأحكامه كلهَا نَافِذَة على الْجَوَاز،
стр. 9
وَلَا يتعقب لَهُ حكم؛ وَالْوَجْه الثَّانِي فِي الحكم الْعدْل الْجَاهِل الْمُقَلّد: فللحكم الَّذِي يَلِي بعده أَن يتعقب أَحْكَامه؛ فَمَا وَافق الْحق. مِنْهَا، نفذ وَمضى، وَمَا خَالف الْحق رده وفسخه؛ وَالْوَجْه الثَّالِث فِي الحكم الجائر المتعسف: فللحكم الَّذِي يَلِي بعده أَن يفْسخ أَحْكَامه كلهَا، وَلَا ينفذ لَهُ حكما. وَمن كتاب سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن بطال: قَالَ ابْن الْمَوَّاز: لَو أَن قَاضِيا نقض حكم قَاض قبله قد كَانَ حكم بِهِ، ثمَّ ولى قاضٍ ثَالِث وعزل الثَّانِي. نظر: فَإِن كَانَ حكم القَاضِي الأول مِمَّا يحكم بِهِ، وَمِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْقَضَاء والفتيا، رَأَيْت نقض الثَّانِي لَهُ خطأ صراحاً؛ فَأرى للثَّالِث أَن ينْقض حكم الثَّانِي، وَينفذ حكم الأول، وَإِن كَانَ خلافًا لما يحكم بِهِ الثَّالِث؛ وَإِن حكم الأول خطأ صراحاً مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ، لم أر للثَّالِث أَن يرد حكم الثَّانِي إِلَى مَا حكم بِهِ الأول.
فصل فِي التحذير من الحكم بِالْبَاطِلِ أَو الْجَهْل
قَالَ الله ﴿: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى. " " ويجرمنكم " مَعْنَاهُ يحملنكم. قَالَه ابْن حبيب. عَن رَسُول الله ﷺ ﴾ أَنه قَالَ الْحُكَّام ثَلَاثَة. إثنان فِي النَّار وَوَاحِد فِي الْجنَّة. حَكَمٌ حَكَمَ بِجَهْل، فخسر، فَأهْلك أَمْوَال النَّاس، وَأهْلك نَفسه، فَفِي النَّار؛ وحكمٌ حكمَ فخدل أَي جَار، فَأهْلك أَمْوَال النَّاس وَأهْلك نَفسه، فَفِي النَّار؛ وحكمٌ علم، فَعدل فأحرز أَمْوَال النَّاس وأحرز نَفسه، فَفِي الْجنَّة ﴿قَالَ الْهَرَوِيّ فِي كتاب الغريبين لَهُ فِي الحَدِيث: وَرجل علم فخدل أَي جَار يُقَال إِنَّه لخدل غير عدل. ذكر ذَلِك فِي بَاب الْخَاء وَالدَّال. قَالَ ابْن سيدة فِي بَاب الْخَاء مَعَ الدَّال: خدل على خدلاً: ظَلَمَنِي، وخدل علىَّ خدولاً وخدلاً: جَار. وَفِي الحَدِيث: من ولى قَاضِيا، فقد ذبح بِغَيْر سكين. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي ذويب: فقد ذبح بالسكين. وَفِيه: الْولَايَة أَولهَا ملامة، ووسطها ندامة، وَآخِرهَا عَذَاب فِي الْقِيَامَة، إِلَّا من اتَّقى الله . وَفِي الْمُوَطَّأ بَاب مَا يكره من الْقَضَاء مَالك عَن يحيى بن سعيد أَن أَبَا الدَّرْدَاء كتب إِلَى سلمَان الْفَارِسِي أَن: هَلُمَّ إِلَى الأَرْض المقدسة﴾ فَكتب
стр. 10
إِلَيْهِ سلمَان: إِن الأَرْض لَا تقدس أحدا، وَإِنَّمَا يقدس الْإِنْسَان عمله وَقد بَلغنِي أَنَّك جعلت طَبِيبا تداوي النَّاس: فَإِن كنت تبرى، فَنعما لَك ﴿وَإِن كنت متطبباً، فاحذر أَن تقتل إنْسَانا، فَتدخل النَّار﴾ وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء، إِذا قضى بَين إثنين، ثمَّ أدبرا عَنهُ، قَالَ: ارْجِعَا ﴿أُعِيد على قضيتكما متطبباً وَالله﴾ وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقَائِل: وليت قَضَاء الْكُوفَة، وَأَنا أرى أَنه لَيْسَ على الأَرْض شَيْء من الْعلم، إِلَّا وَقد سمعته. فَأول مجْلِس جَلَست للْقَضَاء، اخْتصم إِلَيّ رجلَانِ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا ﴿وَفِي المستخرجة: قَالَ مَالك: قَالَ عمر بن الْحُسَيْن: مَا أدْركْت قَاضِيا استقضى بِالْمَدِينَةِ إِلَّا رَأَيْت كآبة الْقَضَاء وكراهيته فِي وَجهه﴾ . وَفِي الصَّحِيح عَن أبي ذَر: قلت: يَا رَسُول الله، أَلا استعملتني ﴿فَضرب بِيَدِهِ على مَنْكِبي، ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَر، إِنَّك ضَعِيف، وَإِنَّهَا أَمَانَة، وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خزي وندامة، إِلَّا من أَخذهَا بِحَقِّهَا، وَأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا﴾ فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم على الْعَمَل إِلَّا من وثق بِنَفسِهِ وَتعين لَهُ وأجبره الإِمَام الْعدْل عَلَيْهِ. وَللْإِمَام الْعدْل إِجْبَاره إِذا كَانَ صَالحا، وَله أَن يمْتَنع عَنهُ إِلَّا أَن يتَحَقَّق أَنه لَيْسَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَة من يصلح للْقَضَاء سواهُ؛ فَلَا يحل لَهُ الِامْتِنَاع حِينَئِذٍ لتعيين الْفَرْض عَلَيْهِ.
فصل
من الْمَجْمُوع الْمُسَمّى؛ الْمَقْصد الْمَحْمُود: الْقَضَاء محنة وبلية، وَمن دخل فِيهِ، فقد عرض نَفسه للهلاك، لِأَن التَّخَلُّص مِنْهُ عسير؛ فالهروب مِنْهُ وَاجِب، لَا سِيمَا فِي هَذَا الْوَقْت، وَطَلَبه حمق وَإِن كَانَ حسبَة. قَالَه الشّعبِيّ. وَرخّص فِيهِ بعض الشَّافِعِيَّة: إِذا خلصت نِيَّته للحسبة، بِأَن يكون وليه من لَا ترْضى أَحْوَاله؛ وَالْأول أصح لقَوْله ﵊ ﴿: إِنَّا لَا نستعمل على عَملنَا من أَرَادَهُ. وَفِي إِكْمَال الْمعلم: اخْتلف الْعلمَاء فِي طلب الْولَايَة مُجَردا، هَل يجوز أَو يمْنَع، وَأما إِن كَانَ الرزق يرتزقه، أَو فَائِدَة جَائِز يسْتَحقّهُ، أَو لتضييع الْقَائِم بهَا أَو خَوفه حُصُولهَا فِي غير مستوجبها، وَنِيَّته فِي إِقَامَة الْحق فِيهَا؛ فَذَلِك جَائِز لَهُ. وَقد قَالَ يُوسُف ﵊﴾ : " اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض ". وَمن الحَدِيث
стр. 11
الصَّحِيح: من ابْتغى الْقَضَاء، واستعان عَلَيْهِ بالشفعاء، وكل إِلَى نَفسه؛ وَمن أكره عَلَيْهِ، أنزل الله عَلَيْهِ ملكا يسدده. وَمِنْه: من مَال إِلَى الْإِمَارَة وكل إِلَيْهَا، وَمَعْنَاهُ: لم يعن على مَا يتعاطاه؛ والمتعاطى أبدا مقرون بِهِ الخذلان؛ فَمن دعِي إِلَى عمل، أَو إِمَامه فِي الدّين، فَقص نَفسه على تِلْكَ الْمنزلَة، وهاب أَمر الله، رزقه الله المعونة. وَهَذَا مَبْنِيّ على من تواضع لله، رَفعه الله. فَمن الْوَاجِب على كل من ابتلى بِالْقضَاءِ أَن يكثر من التذلل لله، والمراقبة لَهُ عِنْد أَمر وَنَهْيه، وَالْأَخْذ بالشفقة على عباده. فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ ﴿أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ﴾ من ولى من أَمر أمتِي شَيْئا فشق عَلَيْهِم، فأشفق عَلَيْهِ ﴿وَمن ولى من أَمر أمتِي شَيْئا فرفق بهم، فارفق بِهِ﴾ " وكل قَاض مَطْلُوب مِنْهُ أَن يحكم بِالْعَدْلِ على نَفسه وعَلى غَيره، وَأَن يعْتَقد أَنه حَاكم فِي ظَاهره، مَحْكُوم عَلَيْهِ فِي بَاطِنه. روى اللَّيْث بن سعد عَن رَسُول الله ﷺ ﴿أَنه قَالَ: من ولى ولَايَة، فَأحْسن فِيهَا أَو أَسَاءَ، أَتَى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة، وَقد غلت يَمِينه إِلَى عُنُقه؛ فَإِن كَانَ عدلا فِي أَحْكَامه، أطلق من أغلاله وَجعل فِي ظلّ عرش الرَّحْمَن؛ وَإِن كَانَ غير عدل فِي أَحْكَامه، غلت شِمَاله إِلَى يَمِينه، فيسبح فِي عرقه حَتَّى يغرق فِي جَهَنَّم. وَلما تقرر من بلَاء الْقَضَاء، فرَّ عَنهُ كثير من الْفُضَلَاء وتغيبوا، حَتَّى تركُوا. وسجن بِسَبَبِهِ عِنْد الِامْتِنَاع آخَرُونَ، مِنْهُم أَبُو حنيفَة، وَهُوَ النُّعْمَان بن ثَابت، دَعَاهُ عمر بن هُبَيْرَة للْقَضَاء؛ فَأبى؛ فحبسه وضربه أَيَّامًا، كل يَوْم عشرَة أسواط، وَهُوَ متماد على ابايته إِلَى أَن تَركه. وَقد نقل عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه قَالَ لعبد الله بن عمر بن الْخطاب: اقْضِ بَين النَّاس. قَالَ: لَا أَقْْضِي بَين رجلَيْنِ مَا بقيت﴾ قَالَ: لتفعلن ﴿لَا أفعل﴾ فَإِن أَبَاك كَانَ يقْضِي. قَالَ: كَانَ أبي أعلم مني وأنقى! وَمن غَرِيب مَا يحْكى عَن مسلمة بن زرْعَة، وَقد تكلم فِي تباعات الْقَضَاء، أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الأندلس قَاضِيا يدعى مهَاجر بن نَوْفَل الْقرشِي، مَا رَأَيْت مثله فِي الْعِبَادَة والورع. وَلَقَد بَلغنِي فِي مَوته أعظم الْعجب. أَخْبرنِي بِهِ ثِقَات من أهل بَلَده. وَذَلِكَ أَنه لما مَاتَ دفن فِي مقبرتهم لَيْلًا، وَأَظنهُ عهد بذلك، فَلَمَّا أهيل التُّرَاب عَلَيْهِ،
стр. 12
سمعُوا من الْقَبْر كلَاما فَاسْتَمعُوا لَهُ؛ فسمعوه يُنَادي: أنذركم ضيق الْقَبْر وعاقبة الْقَضَاء ﴿قَالَ: فكشفوا عَنهُ، وظنوه حَيا؛ فوجدوه مَكْشُوف الْوَجْه، مَيتا، بحالته الَّتِي قبر بهَا ﵀ وَغفر لنا وَله﴾ وَقَالَ الْحسن بن مُحَمَّد فِي كِتَابه، عِنْد ذكر من عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء، فَأبى من قبُوله: اسْتَشَارَ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، أول الْخُلَفَاء بالأندلس من بني أُميَّة أَصْحَابه، فِي قَاض يوليه على قرطبة. فَأَشَارَ عَلَيْهِ وَلَده هِشَام، وحاجبه ابْن مغيث، فالمصعب بن عمرَان؛ ووقف الِاخْتِيَار عَلَيْهِ. فَوَقع بِنَفس الْأَمِير، وَأمر بِالْإِرْسَال إِلَيْهِ؛ فَلَمَّا قدم مُصعب، أدخلهُ على نَفسه، بِحَضْرَة وَلَده هِشَام، وحاجبه، وخاصة أَصْحَابه؛ فَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء. فَأبى من قبُوله، وَذكر أعذاراً تعوقه عَنهُ؛ فَردهَا الْأَمِير وَحمله على الْعَزِيمَة، وأصر مُصعب على الإباية الْبَتَّةَ؛ فاغضب الْأَمِير، وهاج غَضَبه، وَأطَال الإطراق؛ ثمَّ رفع رَأسه إِلَى مُصعب وَقَالَ: اذْهَبْ ﴿عَلَيْك العفا وعَلى الَّذين أشاروا بك﴾ وَلما أَرَادَ هِشَام للْقَضَاء بقرطبة زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن، وعزم عَلَيْهِ، خرج مِنْهَا فَارًّا بِنَفسِهِ، على مَا حَكَاهُ ابْن حَارِث. فَقَالَ هِشَام عِنْد ذَلِك: لَيْت النَّاس كلهم كزياد، حَتَّى ألغى أهل الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا ﴿وَمِمَّنْ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء من الْفُقَهَاء بالأندلس فَأبى من قبُوله، إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن بار، دَعَاهُ إِلَيْهِ الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن لقصة رفعت من قدره عِنْده؛ فأباه فَأرْسل إِلَيْهِ بذلك هَاشم بن عبد الْعَزِيز صَاحبه؛ فَامْتنعَ عَلَيْهِ وَلم يجد فِيهِ حِيلَة؛ فَأَعَادَ إِلَيْهِ الْأَمِير هاشماً بِوَصِيَّة يَقُول: إِذا لم تقبل قضاءنا، فَاحْضُرْ مَجْلِسنَا، وَكن أحد الداخلين علينا، الَّذين نشاورهم فِي أمورنا، ونسمع مِنْهُم فِي رعيتنا. فَلَمَّا اسْتمع رسَالَته، قَالَ: يَا أَبَا خَالِد، إِن ألح عَليّ الْأَمِير فِي هَذَا وَمثله، هربت وَالله﴾ بنفسي من بَلَده! فَمَا لي وَله؟ فَأَعْرض عَنهُ الْأَمِير عِنْد ذَلِك، وَعلم أَنه لَيْسَ من صَيْده. وَمِنْهُم أبان بن عِيسَى بن دِينَار، ولاه الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن قَضَاء كورة جيان؛ فَأبى ولح. فَأمر الْأَمِير بإكراهه على الْعَمَل وَأَن يُوكل بِهِ نَفرا من الحرس، يحملونه إِلَى حَضْرَة جيان، فيجلسونه هُنَاكَ مجْلِس الْقَضَاء، ويأخذونه بالحكم بَين
стр. 13
النَّاس. فأنفذ الوزراء أمره، وَسَار بِهِ الحرس، فأقعدوه بجيان؛ فَحكم بَين النَّاس يَوْمًا وَاحِدًا. فَلَمَّا أَتَى اللَّيْل، هرب على وَجهه؛ فَأصْبح النَّاس يَقُولُونَ: هرب القَاضِي ﴿فَرفع الْخَبَر إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد؛ فَقَالَ: هَذَا رجل صَالح فر بِدِينِهِ﴾ فليسئل عَن مَكَانَهُ ويؤمن مِمَّا أكره ﴿وَمن أهل سرقسطة، قَاسم بن ثَابت بن عبد الْعَزِيز الفِهري، صَاحب كتاب الدَّلَائِل فِي شرح غَرِيب الحَدِيث. دعِي للْقَضَاء بِبَلَدِهِ؛ فَامْتنعَ من ذَلِك. فَلَمَّا اضطره الْأَمِير وعزم عَلَيْهِ، استمهله ثَلَاثَة أَيَّام، يستخير فِيهَا الله ﴾ فَمَاتَ خلال تِلْكَ الْمدَّة. فَكَانَ النَّاس يرَوْنَ أَنه دَعَا الله تَعَالَى فِي الاستكفاء؛ فكفاه وستره. وَصَارَ حَدِيثه موعظة فِي زَمَانه. قَالَه أَحْمد بن مُحَمَّد. وَمِمَّنْ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء، فِي عصرنا هَذَا المستأخر، فأباه وَامْتنع من قبُوله، الْفَقِيه أَبُو عِيسَى أَحْمد بن عبد الْملك الإشبيلي، عرضه عَلَيْهِ الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر مُدبر أَمر الْخَلِيفَة هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه، عَن أَمر الْخَلِيفَة مرَّتَيْنِ؛ فَلم يجد فِيهِ حِيلَة. أولاهما إِذْ توفّي قَاضِي قرطبة مُحَمَّد بن يبْقى بن زرب، سنة ٣٨١؛ أحضرهُ وخاطبه مشافهة بِمحضر الوزراء؛ فَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُؤَيد بِاللَّه اختارك للْقَضَاء، وَرَأى تقديمك مُبَارَكًا لَك فِيهِ. فَقَالَ: أعوذ بِاللَّه من ذَلِك ﴿لست، وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ اتهمَ إِلَى هَذَا وَلَا أقبله الْبَتَّةَ ﴿فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيع وَلَا أصلح وَمَا أفتى النَّاس فِي ذَلِك إِلَّا وَأَنا مُضْطَجع أَكثر أوقاتي لكبرى وضعفي. وَوَاللَّه﴾ لقد صدقتك ﴿فَانْظُر للْمُسلمين وانصح لإمامك وَفقه الله﴾ فَتَركه. وَمِمَّنْ جاهر بالإصرار على الإباية من الْقَضَاء، مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي، أَرَادَهُ الْأَمِير مُحَمَّد لتقليد الْقَضَاء بجيان؛ وَأمر الوزراء أَن يجلسوه ويلزموه ذَلِك؛ فَفَعَلُوا وأدوا إِلَيْهِ رِسَالَة الْأَمِير. فَأبى عَلَيْهِم وَنَفر نفوراً شَدِيدا؛ فلاطفوه وخوفوه بادرة السُّلْطَان؛ فَلم يزدْ إِلَّا أباء ونفوراً. فَكَتَبُوا إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد بلجاجه واعياء الْحِيلَة عَلَيْهِم فِي إجَابَته. فَوَقع الْأَمِير توقيعاً غليظاً مَعْنَاهُ: إِن من عاصانا، فقد أحل بِنَفسِهِ وَدَمه. فَلَمَّا قرأوه على الْخُشَنِي، نزع قلنسوته من رَأسه وَمد عُنُقه وَجعل يَقُول: أَبيت كَمَا أَبَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، إباية إشفاق، لَا إباية نفاق!
стр. 14
فَكَتَبُوا إِلَى الْأَمِير بِلَفْظِهِ؛ فَكتب إِلَيْهِم أَن سلمُوا أمره وأخرجوه عَن أَنفسكُم ﴿فَقَالُوا لَهُ: انْصَرف﴾ فَانْطَلق عَنْهُم وَلم يهيجوه بعد. وَقد شدد بعض الْعلمَاء على الفار مِنْهُ، إِذا كَانَ مِمَّن توفرت فِيهِ دواعيه. فَنقل عَن سَحْنُون أَنه قَالَ: إِذا كَانَ الرجل أَهلا لخطة الْقَضَاء، فاستعفى مِنْهَا، عوفى مِنْهَا إِن وجد لَهَا عوض مِنْهُ؛ وَإِن لم يُوجد، أجبر عَلَيْهَا؛ فَإِن أَبى، سجن؛ فَإِن أَبى، ضرب. قَالَ الشَّعْبَانِي: فَإِن لم يُوجد غير وَاحِد مِمَّن يشكل للْقَضَاء، أجبر عَلَيْهِ بالسجن وَالضَّرْب. وَمن جَامع كتاب الِاسْتِغْنَاء: وَإِن كَانَ الدَّاعِي لَهُ إِلَى الْعَمَل غير عدل، لم يجز لأحد إعانته على أُمُوره، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي فعله؛ فَيجب لَهُ أَن يصبر على الْمَكْرُوه، ويدع الْعَمَل مَعَه؛ وَإِن كَانَ عدلا، جَازَ بِالْعَمَلِ مَعَه، وَيسْتَحب لَهُ إعانته. انْتهى. وَالَّذِي يظْهر من كَلَام مَالك، الْأَخْذ بِالتّرْكِ، والتحذير من الْولَايَة على كل تَقْدِير، فقد روى عَنهُ ابْن وهب فِي الرجل يدعى للْعَمَل، فَيكْرَه أَن يُجيب إِلَيْهِ، وَخَافَ على دَمه، وَجلد ظَهره، وَهدم دَاره. كَيفَ ترى فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: أما هدم دَاره وَجلد ظَهره وسجنه، فَإِنَّهُ يصبر على ذَلِك، وَيتْرك الْعَمَل خير لَهُ، وَأما أَن يُبَاح دَمه وَلَا أَدْرِي مَا حد ذَلِك، وَلَعَلَّه فِي سَعَة من ذَلِك إِن عمل. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: إِن دعِي إِلَى الْعَمَل، فَأبى، وخشي ضرب ظَهره أَو على دَمه أَو سجنه، فَأَما الضَّرْب والسجن، فَإِن صَبر، فَهُوَ أفضل؛ وَأما دَمه، فَإِن عمل، فعله فِي سَعَة أَن يجْرِي الْعدْل والإنصاف؛ وَإِن لم يُمكنهُ، لم يجز لَهُ أَن يتَعَدَّى الْحق، ويصبر على مَا يلْحقهُ من الْمَكْرُوه، إِذْ لَا يجوز لَهُ أَن يبطل حق الْمُسلمين وحريمهم لنَفسِهِ. وَمن كتاب ابْن حَارِث. لما توفّي يحيى بن معن، بَقِي النَّاس بِلَا قَاض نَحوا من سِتَّة أشهر، روى فِيهَا الْأَمِير عبد الرَّحْمَن فِي الإيتاء للْقَضَاء. فقلق النَّاس لذَلِك؛ فَقَالَ: وَالله ﴿مَا يَمْنعنِي من التَّعْجِيل إِلَّا النّظر لَهُم﴾ فَإِنِّي لَا أجد رجلا أرضاه، غير وَاحِد، وَهُوَ لَا يجيبني! فَقَالَ لَهُ أحد جُلَسَائِهِ: فَإِذا أرضيته للْقَضَاء، وأباه، فإلزمه أَن يدلك على سواهُ. فأحضر يحيى بن يحيى وألزمه أَن يُشِير عَلَيْهِ، إِذْ لم يجبهُ. فَامْتنعَ من الْوَجْهَيْنِ مَعًا، الْولَايَة وَالدّلَالَة، وَقَالَ: قد صدقت عَن نَفسِي لمعرفتي بهَا؛ وَلنْ
стр. 15
أتقلد الدّلَالَة على غَيْرِي، فَإِنَّهُ، إِن جَار، شاركته فِي جوره ﴿فاغضب ذَلِك الْأَمِير ولح فِي أَن لَا يعفيه. وألزمه صَاحب رسائل غدابه إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع، فأجلسه مجْلِس الحكم، وَقَالَ للخصوم: هَذَا قاضيكم﴾ فَلبث يحيى على تِلْكَ الْحَال ثَلَاثًا، وَهُوَ لَا يمد يَده لكتاب، وَلَا يتَكَلَّم مَعَ أحد، إِلَى أَن ضَاقَ صَدره؛ فَكتب إِلَى الْأَمِير يُشِير بإبراهيم ابْن الْعَبَّاس؛ فقلده، وكف عَن يحيى. وَمِمَّنْ تخلف عَن قبُول خطة الْقَضَاء، الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي. فراجع أَمِير الْمُؤمنِينَ، عِنْد الْعَزْم عَلَيْهِ فِي التَّوْلِيَة، بِأُمُور مِنْهَا أَن قَالَ لَهُ: إِن هَذَا الْأَمر لَا يصلح لَهُ من يشركك فِي نسبك. وَتوقف عَن الْعَمَل حَتَّى ترك. وَهُوَ الْقَائِل: من ولي الْقَضَاء، وَلم يفْتَقر، فَهُوَ سَارِق؛ وَمن لم يصن نَفسه، لم يَنْفَعهُ الْعلم. وبمثل مقَالَة الشَّافِعِي فِي الِاعْتِذَار عَن قبُول الْقَضَاء، أَشَارَ عبد الْملك بن حبيب على عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم، فِي نازلة القَاضِي إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الْقرشِي؛ وَهِي النَّازِلَة الَّتِي تنْسب لَهُ. وللفقيه يحيى بن يحيى السُّورَة على الْخَلِيفَة؛ فَقَالَ لَهُ ابْن حبيب وَأما القَاضِي، فَلَا يَنْبَغِي للأمير أعزه الله ﴿أَن يُشْرك فِي عدله من يشركهُ فِي حَسبه. فعزل الْأَمِير الْقرشِي قاضيه، وَذَلِكَ آخر سنة ٢١٣. وَولي الْقَضَاء مَكَانَهُ مُحَمَّد بن سعيد. وَعرض أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد على الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي قَضَاء الْمَدِينَة، وجائزته أَرْبَعَة آلَاف دِينَار. فَامْتنعَ؛ فَأبى الرشيد أَن يلْزمه، فَقَالَ: وَالله﴾ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿لِأَن يحنقني الشَّيْطَان أحب إِلَيّ من أَن أَلِي الْقَضَاء﴾ فَقَالَ الرشيد: مَا بعد هَذَا شَيْء ﴿وأعفاه، وَأَجَازَهُ بألفي دِينَار. وَرَأَيْت فِي كتاب تَرْتِيب المدارك تصنيف القَاضِي عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض وَمن خطه نقلت، وَقد ذكر عبد الله بن فروخ الْفَارِسِي، فَقِيه القيروان فِي وقته؛ فَقَالَ: كَانَ أكره النَّاس فِي الْقَضَاء. وَكَانَ يَقُول: قلت لأبي حنيفَة: مَا مَنعك أَن تلِي الْقَضَاء؟ فَقَالَ لي: يَا ابْن فروخ﴾ الْقُضَاة ثَلَاثَة: رجل يحسن العوم، فَأخذ الْبَحْر طولا، فَمَا عساه أَن يعوم، يُوشك أَن يكل فيغرق؛ وَرجل بعومه، عَام يَسِيرا فغرق؛ وَرجل لَا يحسن العوم، ألْقى بِنَفسِهِ على المَاء، فغرق من سَاعَته. وَمن الْكتاب الْمُسَمّى أَن روح بن حَاتِم أرسل إِلَى ابْن فروخ ليوليه الْقَضَاء فَامْتنعَ؛
стр. 16
فَأمر بِهِ أَن يرْبط ويصعد بِهِ على سقف الْجَامِع؛ فَقيل لَهُ: تقبل؟ فَقَالَ: لَا ﴿فَأخذ لِيطْرَح؛ فَلَمَّا رأى الْعَزْم قَالَ: قبلت. فأجلس فِي الْجَامِع وَمَعَهُ حرس؛ فَتقدم إِلَيْهِ خصمان؛ فَنظر إِلَيْهِمَا وَبكى طَويلا؛ ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ لَهما: سألتكما بِاللَّه﴾ أَلا أعفيتماني من أنفسكما، وَلَا تَكُونَا أول مشوش عَليّ ﴿فرحماه، وقاما عَنهُ. فَأعْلم الحرس بذلك روحاً؛ فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَيْهِ، فَقولُوا لَهُ يُشِير علينا بِمن نولي أَو مَا قبل. فَقَالَ: إِن يكن، فعبد الله بن غَانِم؛ فَإِنِّي رَأَيْته شَابًّا لَهُ صبَابَة يَعْنِي بمسائل الْقُضَاة. فَعَلَيْك بِهِ﴾ فَإِنَّهُ يعرف مِقْدَار الْقَضَاء. فولى ابْن غَانِم؛ فَكَانَ يشاوره فِي كثير من أُمُوره وَأَحْكَامه؛ فأشفق ابْن فروخ من ذَلِك، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي ﴿لم أقبلها أَمِيرا أقبلها وزيراً﴾ وَخرج إِلَى مصر هرباً من ذَلِك وورعاً، وَمَات هُنَالك. وَمِمَّنْ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء بإفريقية، فَامْتنعَ مِنْهُ، أَبُو ميسرَة أَحْمد بن نزار. فَلَمَّا عرض عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ﴿إِنَّك تعلم أَنِّي انْقَطَعت إِلَيْك، وَأَنا ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة﴾ فَلَا تمكنهم مني ﴿فَمَا جَاءَ الْعَصْر إِلَّا وَقد توفّي. فَغسل وكفن وَخرج بِهِ. فَوجه إِلَيْهِ الْأَمِير إِسْمَاعِيل الْعَبْدي كفناً وطيباً فِي الأطباق؛ فوافاه الرَّسُول على النعش؛ فَجعل عَلَيْهِ الْكَفَن من فَوق. وَمن غَرِيب مَا حكى عَنهُ أَنه بَينا هُوَ يتهجد لَيْلَة من اللَّيَالِي ويبكي وَيَدْعُو، إِذا بِنور عَظِيم، خرج لَهُ من حَائِط الْمِحْرَاب، وَوجه كَأَنَّهُ الْبَدْر. فَقَالَ: تملأ، يَا أَبَا ميسرَة﴾ من وَجْهي: فَإِنِّي رَبك الْأَعْلَى ﴿فبصق فِي وَجهه وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ يَا مَلْعُون﴾ يَا شَيْطَان ﴿لعنك الله﴾ قَالَ الْمُؤلف ﵁ ﴿: التَّوْفِيق صحب ابْن نزار عِنْد مشاهدته لما أخبر عَنهُ بحائط محرابه؛ فثبتت الْمعرفَة قدمه، وأنطقت بِالصَّوَابِ لِسَانه. فذات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ ذَات مَوْصُوفَة بِالْعلمِ، مدركة بِلَا إحاطة، وَلَا مرءية بالأبصار فِي دَار الدُّنْيَا؛ وَهِي مَوْجُودَة بحقائق الْإِيمَان، من غير حد، وَلَا إحاطة، وَلَا حُلُول؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لَا تُدْرِكهُ؛ ينظر إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَة بالأبصار، بِغَيْر إحاطة، وَلَا إِدْرَاك نِهَايَة. وَمن بَاب التمنع عَن المسارعة إِلَى الْأُمُور الَّتِي يخَاف من الدُّخُول فِيهَا، السُّقُوط فِي الْفِتْنَة، مَا جرى لجَعْفَر بن الْحسن بن الْحسن الأمدي قَاضِي بلنسية آخر أَيَّام قَضَائِهِ بهَا. وَذَلِكَ أَنه بُويِعَ لمروان بن عبد الْعَزِيز ببلنسية، عِنْد انْقِرَاض الدولة اللمتونية، طلب بِالشَّهَادَةِ فِي بيعَته فَقَالَ: وَالله﴾ لَا أفعل وبيعة تاشفين فِي عنقِي ﴿ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ﴾
стр. 17
اقبضني إِلَيْك ﴿قَالَ ابْن الْأَبَّار فِي تكملته، وَقد ذكره: فَتوفي فِي ليلته وَدفن فِي الْغَد. وَكَانَ رجلا صَالحا. ورعاً، مجاب الدعْوَة. وَكَانَت بيعَة مَرْوَان فِي صفر سنة ٥٤٠. وَذكر يحيى بن إِسْحَاق أَن هشاماً، لما ولي، قيل لَهُ: لَا يتعدل مَا تُرِيدُ إِلَّا بِولَايَة زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن على الْقَضَاء﴾ فَبعث إِلَيْهِ؛ فتمنع؛ فألح عَلَيْهِ هِشَام، وأحضر الوزراء؛ وكلموه فِي ذَلِك عَن الْأَمِير وعرفوه عزمه. فَقَالَ لَهُم: أما إِذْ عزمتم، وأكرهتموني على الْقَضَاء، فأخبركم مَا أبدأ بِهِ على الْمَشْي إِلَى مَكَّة. إِن وليتموني، وَجَاءَنِي أحد متظلماً مِنْكُم، إِلَّا أخرجت من أَيْدِيكُم مَا يَدعِيهِ، ورددته عَلَيْهِ، وكلفتكم الْبَيِّنَة لما أعرف من ظلمكم ﴿فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك، عرفُوا صدقه؛ فَعَلمُوا عِنْد الْأَمِير فِي معافاته. فَقيل ليحيى بن يحيى: أهوَ وَجه الْقَضَاء؟ قَالَ: نعم﴾ فِيمَن عرف بالظلم وَالْقُدْرَة!
فصل
هَذِه الْمَسْأَلَة، الَّتِي هِيَ إِخْرَاج مَا يَدعِيهِ الطَّالِب من يَد الْمَطْلُوب الموسوم بالظلم، وَقع من أَمْثَالهَا فِي أُمَّهَات الْكتب نَظَائِر؛ مِنْهَا فِي الْعُتْبِيَّة قَالَ فِي سَماع يحيى: قلت: فقوم عرفُوا بِالْغَصْبِ لأموال النَّاس من ذَوي الاستطالة بالسلطان؛ ثمَّ جَاءَ الله بوال أنصف مِنْهُم وأعدى عَلَيْهِم؛ فَلَا يجد الرجل من يشْهد على مُعَاينَة الْغَصْب، ويجد من يشْهد على حق أَنهم يعرفونه ملك الْمُدَّعِي، ثمَّ رَأَوْهُ بيد هَذَا الظَّالِم، لَا يَدْرُونَ بِمَاذَا صَار إِلَيْهِ إِلَّا أَن الطَّالِب كَانَ يشكو إِلَيْهِم ذَلِك، أَو لَا يشكوه. قَالَ: إِذا كَانَ من أهل القهرة والتعدي وَمن يقدر على ذَلِك، وَالْبَيِّنَة عادلة، فَذَلِك يُوجب للْمُدَّعِي أَخذ حَقه مِنْهُ، إِلَّا أَن يَأْتِ الظَّالِم بِبَيِّنَة عادلة على شِرَاء صَحِيح، أَو علمية لمن كَانَ يَأْمَن ظلمه، أَو يَأْتِ بِوَجْه حق ينظر لَهُ فِيهِ. قَالَ: فَإِن جَاءَ بِبَيِّنَة عادلة على شِرَائِهِ، وَزعم البَائِع أَن ذَلِك البيع عَن فَوق من سطوته، وَهُوَ لَا يقدر عَلَيْهِ؛ قَالَ: يفْسخ البيع إِن ثَبت أَنه من أهل الظُّلم والاستطالة. قَالَ: وَإِن زعم البَائِع أَنه بَاعَ وَقبض مِنْهُ الثّمن ظَاهرا، ثمَّ دس إِلَيْهِ سراق، أَخذه مِنْهُ. وَلَو لم يفعل لَهُ ذَلِك لَقِي مِنْهُ شرا قَالَ: لَا يقبل مِنْهُ هَذَا؛ وَعَلِيهِ دفع الثّمن إِلَيْهِ، بعد أَن يحلف الظَّالِم أَنه مَا ارتجعه، وَلَا أَخذه مِنْهُ بعد أَن دَفعه إِلَيْهِ. قَالَ ابْن رشد: أما مَا ذكره من أَن الظَّالِم، الْمَعْرُوف بِالْغَضَبِ لأموال النَّاس والقهرة لَهُم عَلَيْهِم، لَا ينْتَفع بحيازته مَال الرجل فِي وَجهه، وَلَا يصدق من أجلهَا على مَا يَدعِيهِ من
стр. 18
شِرَاء أَو هبة، أَو صَدَقَة يُرِيد، وَإِن طَال ذَلِك فِي يَده أعواماً: أما إِذا أقرّ بِأَصْل الْملك لمدعيه، وَقَامَت لَهُ بَيِّنَة بذلك، فَهُوَ صَحِيح لَا أعلم فِيهِ اخْتِلَافا، لِأَن الْحِيَازَة لَا توجب الْملك؛ وَإِنَّمَا هِيَ دَلِيل عَلَيْهِ بِوَجْه تَصْدِيق غير الْغَاصِب فِيمَا ادَّعَاهُ من تصييره إِلَيْهِ، لِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يجوز أَخذ مَال أحد، وَهُوَ حَاضر لَا يَدعِيهِ وَلَا يَطْلُبهُ، إِلَّا وَقد صَار إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ، إِذا حازه فِي وَجهه الْعشْرَة الأعوام وَنَحْوهَا ﴿لقَوْل النَّبِي ﷺ ﴾ : من حَاز شَيْئا عشر سِنِين، فَهُوَ لَهُ ﴿مَعْنَاهُ عِنْد أهل الْعلم بِدَعْوَاهُ مَعَ يَمِينه؛ وَأما الْغَاصِب فَلَا دَلِيل لَهُ فِي كَون المَال بِيَدِهِ؛ وَإِن طَالَتْ حيازته لَهُ فِي وَجه صَاحبه لما يعلم من غصبه لأموال النَّاس والقهرة لَهُم عَلَيْهِم. قَالَ: وَأما إِن أثبت الْغَاصِب الشِّرَاء وَدفع الثّمن، فَادّعى البَائِع أَنه أَخذه مِنْهُ فِي السِّرّ، بعد أَن دفع إِلَيْهِ، فَهُوَ مُدع لَا دَلِيل لَهُ على دَعْوَاهُ، فَوَجَبَ أَن يكون القَوْل قَول الْغَاصِب الْمُدعى عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة لقَوْله ﵊﴾ : الْبَيِّنَة على الْمُدعى، وَالْيَمِين على من أنكر. وَقد روى عَن يحيى بن يحيى أَنه قَالَ: إِذا قَالَ البَائِع إِنَّه أعطَاهُ الثّمن بِالظَّاهِرِ، فَدس عَلَيْهِ من أَخذه مِنْهُ، فَإِنَّهُ ينظر إِلَى المُشْتَرِي؛ فَإِن عرف بالعداء وَالظُّلم والتسلط، فَإِنِّي أرى القَوْل قَول البَائِع، مَعَ يَمِينه لقد دفع المَال إِلَيْهِ قهرة وَغَلَبَة، وَيرد مَاله عَلَيْهِ بِغَيْر أَن يرد إِلَيْهِ الثّمن. وَقَالَهُ ابْن الْقَاسِم. دفع ذَلِك فِي بعض الرِّوَايَات، وَهُوَ إغراق. فَإِذا أقرّ أَنه دفع إِلَيْهِ، ثمَّ أدعى أَنه أَخذه مِنْهُ، وَأما لَو لم يقر أَنه قبض الثّمن؛ وَقَالَ: إِنَّمَا أشهدت لَهُ على نَفسِي بِقَبْضِهِ، تقية وخوفاً مِنْهُ! لَا شبه أَن يصدق فِي ذَلِك مَعَ يَمِينه فِي الْمَعْرُوف بِالْغَصْبِ وَالظُّلم؛ وَإِنَّمَا يكون مَا قَالَ يحيى من تَصْدِيق البَائِع فِيمَا ادَّعَاهُ من أَنه دس إِلَيْهِ فِي السِّرّ من أَخذ الثّمن مِنْهُ، إِذْ أشهد لَهُ أَنه فعل ذَلِك بِغَيْرِهِ. وَنَرْجِع إِلَى مَا كُنَّا بسبيله؛ فَنَقُول: وَمِمَّنْ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فأباه، الشَّيْخ الصَّالح بَقِي بن مخلد. كَانَت لَهُ خَاصَّة بالأمير الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن قبل ولَايَته الْملك؛ وَكَانَ قد قدم إِلَيْهِ فِي حَيَاة وَالِده الْبُشْرَى بالخلافة، لرؤيا قصها عَلَيْهِ. فَلَمَّا ولي الْخلَافَة، ضاعف لَهُ الْبر والكرامة والإعظام والتبجلة، وأحضره وأراده لولاية الْقَضَاء. فَأبى عَلَيْهِ. فَذهب إِلَى استكراهه. فَقَالَ الشَّيْخ بَقِي: مَا هَذَا جَزَاء محبتي وانقطاعي وصاغيتي؟
стр. 19
فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر: أما إِذْ أبيته، فأشر عَليّ بقاض ترضاه للْمُسلمين ﴿فَأبى عَلَيْهِ؛ فضايقه، وعزم عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: لَا بُد أَن تلى أَو تُشِير﴾ فَقَالَ: أُشير عَلَيْك بِرَجُل من آل زِيَاد، يسكن بَريَّة، يعرف بعامر بن مُعَاوِيَة. فَقبل مِنْهُ، وَأرْسل فِي عَامر؛ فولاه. وَمِنْهُم أَبُو غَالب عبد الرؤوف بن الْفرج بن أبي كنَانَة. كَانَ الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد بِهِ معجباً، وَله مفضلاً؛ وَكَانَ قد اشْتهى رُؤْيَته من غير أَن يستدعيه؛ فتعرض لذَلِك يَوْم الْجُمُعَة من طاق الساباط: فَرَآهُ عِنْد رَوَاحه إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع، وَأَعْجَبهُ سمته، وَأحب اجتذابه إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَا بُد أَن أضمه إِلَى الوزارة أَو الْقَضَاء ﴿فذاكر بِشَأْنِهِ الْوَزير ابْن أبي عَبدة، وَكَانَ صديقا لأبي غَالب؛ فَقَالَ: يَنْبَغِي للأمير أَن لَا يهجم على الرجل بالاستدعاء، حَتَّى يعرف مَا عِنْده فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ: فَكُن أَنْت الَّذِي يتعرف ذَلِك. قَالَ الْكَاتِب الْمَدْعُو بسكن بن إِبْرَاهِيم: فأرسلني الْوَزير إِلَيْهِ؛ فعرضت عَلَيْهِ مُرَاد الْأَمِير؛ فَتلقى ذَلِك مني بالنطق والتضاحك، حَتَّى أطمعني فِي نَفسه؛ وَجعل يَقُول: كَيفَ كَانَ تنبهكم لنا بعد طول الْغَفْلَة؟ وَمَا نرى هَذَا مِنْكُم عَن صِحَة نِيَّة: فانتم أشح بدنياكم من أَن تعطوا مِنْهَا أحدا شَيْئا، وتشركوا فِيهَا صديقا﴾ قَالَ سكن: فَلَمَّا صرت بِهِ إِلَى الْجد، تنمر لي، وَقَالَ آخر قَوْله: بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ﴿لَئِن عاودتني أَو غَيْرك، أَو بلغتني فِيهِ عَن الْأَمِير عَزِيمَة، لأخْرجَن عَن الأندلس﴾ فَلَا أعودن إِلَيْهَا آخر الدَّهْر ﴿فَترك عَن ذَلِك. وَقدم للْقَضَاء بالجزيرة الخضراء وَمَا يرجع إِلَيْهَا، عبد الله بن أَحْمد بن الْحسن الجذامي النباهي، وَذَلِكَ بِإِشَارَة شَيْخه الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ الإفليلي، أَيَّام ولَايَته الوزارة للمستكفي بِاللَّه. والمستكفي هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله ابْن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر من بني أُميَّة. فَأبى من الْقبُول؛ وَقع الْعَزْم عَلَيْهِ فِي الْعَمَل من الْأَمِير، فنفر، وَقصد الْوَزير وخلابه. وَكَانَ من جملَة مقاله لَهُ: سَأَلتك بِاللَّه﴾ أتعلم أَن الْولَايَة لمثلي أولى من الإباية؟ فأقف عِنْد إشارتك؟ أم تعلم أَن الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك؟ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي! حَاصِل مَا أرَاهُ أَن الْولَايَة فِي الْوَقْت كَرَامَة وَترك الْعَمَل سَلامَة.
стр. 20
فَقَالَ لَهُ ابْن الْحسن: أبقاك الله ﴿أخْتَار السَّلامَة﴾ وَلَيْسَ يجمل بك أَن تكون نتيجة معرفتي بك تكليفي مَا يصعب عَليّ تحمله ﴿فحاول استبداله بِغَيْرِهِ. وَانْقطع هُوَ للاشتغال بإصلاح حَاله، والاقتصاد على التعيش من مَاله. وَقد ذكره خلف بن عبد الْملك فِي صلته لكتاب القَاضِي أبي الْوَلِيد بن الفرضي؛ فَقَالَ فِيهِ بعد اسْمه: يكنى أَبَا مُحَمَّد؛ أَخذ عَن أبي الْقَاسِم بن الإفليلي كثيرا. وَكَانَ عَالما بالآداب واللغات والإشارات؛ وَله رد على أبي مُحَمَّد بن حزم فِيمَا انتقده على ابْن الإفليلي فِي شَرحه لشعر المتنبي؛ أَخذ عَنهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان شَيخنَا ﵀﴾ وَعَن سَحْنُون قَالَ: مَاتَ بعض قُضَاة إفريقية. فَقدم رَسُول الْخَلِيفَة، وَجمع الْعلمَاء، واستشارهم فِي قَاض يوليه، فَقيل لشيخه أبي الْحسن بن زِيَاد: هَذَا رَسُول الْخَلِيفَة، يشتشيرك فِي قاضٍ يوليه. فحول وَجهه إِلَى الْقبْلَة؛ فَقَالَ: وَرب هَذِه الْقبْلَة ﴿مَا أعرف بهَا أحدا يسْتَوْجب الْقَضَاء. قومُوا عني﴾ قَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون وَأصبغ: لَا يستقضي إِلَّا من يوثق بِهِ فِي عفافه، وصلاحه، وفهمه، وَعلمه بِالسنةِ والْآثَار وَوجه الْفِقْه؛ وَلَا يصلح أَن يكون صَاحب حَدِيث لَا فقه لَهُ، أَو فَقِيها لَا حَدِيث عِنْده. وَلَا يُفْتى إِلَّا مَا كَانَ هَذَا وَصفه إِلَّا أَن يخبر بِشَيْء سَمعه؛ وَلَا يَنْبَغِي، وَإِن كَانَ صَالحا عفيفاً. أَن يولي إِلَّا أَن يكون لَهُ علم بِالْقضَاءِ. وَمِمَّنْ عرضت عَلَيْهِ الْولَايَة بمالقة، من أَهلهَا، فَأبى وتمنع مِنْهَا، الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن الجذامي النباهي. وَاعْتذر بِأُمُور، مِنْهَا كَثْرَة وَلَده، وتعدد ذَوي رَحمَه وَقد ورد: لَا يحكم القَاضِي إِلَّا لمن تجوز لَهُ شَهَادَته من قومه؛ واستثقل مَعَ ذَلِك القهرة لأهل بَلَده بالحكم من قبله؛ وَكَانَ قد جرى لوالده مُحَمَّد بن الْحسن، آخر أَيَّام ولَايَته الْقَضَاء بكورة رية، مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد الْكثير، من إِعْمَال الْحِيلَة فِي غدره، والإقدام على قَتله. فَقبل الْأَمِير عِنْد ذَلِك معاذيره، وَترك سَبيله ثمَّ جدد الْعَزْم عَلَيْهِ فِي الْولَايَة. قَالَ ابْن فريد فِي كِتَابه: فاستقضى بغرناطة؛ وَكَانَ من أهل النباهة وَالْجَلالَة، توفّي سنة ٤٧٣. وَذكره ابْن بشكوال فِي صلته. وَمن الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين، الْمُتَقَدِّمين فِي الْعلم وَالدّين، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَيَّاش الْأنْصَارِيّ ثمَّ الخزرجي، أحد أَشْيَاخ بلدنا مالقة، وفريد عصره بهَا عقلا، وفضلاً،
стр. 21
وورعاً وزهداً؛ استدعاه أَمِير الْمُسلمين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن نصر ﵀ وأرضاه ﴿لحضرته؛ فقلده بهَا قَضَاء الْجَمَاعَة وَالْخطْبَة أَيَّام الْجُمُعَة بِمَسْجِد حمرائها؛ فَخَطب جُمُعَة وَاحِدَة، وَأقَام رسم الْقَضَاء ثَلَاثَة أَيَّام حسبَة، إِذْ كَانَ أَولا قد عزم على تَركه، وَالْخُرُوج عَن عهدته؛ فَلم يقبل كسْوَة، وَلَا أَخذ جراية، وأفصح رَابِع يَوْمه بالاستعفاء عَن خطة الْقَضَاء. وَكَانَ أعلم قُضَاة زَمَانه بِالْأَحْكَامِ، وأحفظهم للمسائل، وأبصرهم بالنوازل؛ لاكنه نَفعه الله بِقَصْدِهِ﴾ هاب أَمر الله، وَأثر مَعَ ذَلِك رَاحَة بدنه، وخلاص نَفسه من تبعاته. وَعلم الْأَمِير صدق مقَالَته، وَصِحَّة عزيمته؛ فأعفاه. وارتحل عِنْد ذَلِك بَقِيَّة يَوْمه إِلَى بَلَده، وَتقدم للخطبة وَالصَّلَاة بالجامع مِنْهُ. وَتَوَلَّى ذَلِك إِلَى وَفَاته، وَلم يَأْخُذ عَلَيْهِ مُرَتبا. مُدَّة حَيَاته. فَكَانَ فِي انقباضه عَن الْولَايَة أشبه النَّاس بمُوسَى بن مُحَمَّد ابْن زِيَاد، إِذْ ولاه الْأَمِير عبد الله من بني أُميَّة الْقَضَاء بقرطبة، وَالصَّلَاة مَعًا بِأَهْلِهَا؛ فصلى بِالنَّاسِ جُمُعَة وَاحِدَة، واستعفى فِي الثَّانِيَة، وَالْتزم الْقعُود بداره والتقوت من فائد عقاره. وَإِضَافَة لفظ الْقَضَاء إِلَى الْجَمَاعَة، جرى الْتِزَامه بالأندلس مُنْذُ سِنِين إِلَى هَذَا الْعَهْد. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْجَمَاعَة جمَاعَة الْقُضَاة، إِذْ كَانَت ولايتهم قبل الْيَوْم غَالِبا من قبل القَاضِي بالحضرة السُّلْطَانِيَّة، كَائِنا من كَانَ؛ فَبَقيَ الرَّسْم كَذَلِك. وَأما قَاضِي الْخلَافَة، بالبلاد المشرقية، فيدعى بقاضي الْقُضَاة. وَمِمَّنْ دعى بِهَذَا اللقب بالأندلس من قُضَاة قرطبة، وَكتب لَهُ بذلك عِنْد اسْمه فِي السجلات المنعقدة عَلَيْهِ والمخاطبات الموجهة إِلَيْهِ، أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن ذكْوَان الْأمَوِي، وَأَبُو بكر يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن وَافد اللَّخْمِيّ؛ وَلم يكن الْأَمر بحدثان ذَلِك كَذَلِك. قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد، وَقد ذكر فِي كِتَابه يحيى بن يزِيد اللَّخْمِيّ: لما دخل عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة قرطبة، وَقَامَ بِالْإِمَامَةِ، ألفى فِيهَا يحيى بن يزِيد قَاضِيا؛ فأثبته على الْقَضَاء، وَلم يعزله إِلَى أَن مَاتَ. قَالَ: وَكَانَ يُقَال لَهُ وللقضاة قبله بقرطبة، قَاضِي الْجند. قَالَ مُحَمَّد بن حَارِث: وَقد رَأَيْت سجلاً عقده سعيد بن مُحَمَّد ابْن بشير بقرطبة، يَقُول فِيهِ: حكم مُحَمَّد بن بشير قَاضِي الْجند بقرطبة. قَالَ: وَإِن تَسْمِيَة القَاضِي الْيَوْم بقاضي الْجَمَاعَة اسْم مُحدث، لم يكن فِي الْقَدِيم. هَذَا مَا ظهر لي رسمه صدر هَذَا الْكتاب، من الْكَلَام. وَفِيه، بِحَسب الْغَرَض الْمَقْصُود من الِاخْتِصَار، غنية كَافِيَة لمتأمله بِعَين الْإِنْصَاف. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب!
стр. 22
الْبَاب الثَّانِي فِي سير بعض الْقُضَاة الماضين وفقر من أنباء الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين
مِنْهَا، قَالَ حميد الطَّوِيل: لما ولي إِيَاس بن مُعَاوِيَة الْقَضَاء، دخل عَلَيْهِ الْحسن، وَإيَاس يبكي؛ فَقَالَ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَذكر إِيَاس الحَدِيث: الْقُضَاة ثَلَاثَة، إثنان فِي النَّار، وَوَاحِد فِي الْجنَّة ﴿فَقَالَ الْحسن: إِن مِمَّا نَص الله عَلَيْهِ من نبإ سُلَيْمَان وداوود مَا يرد قَول هَؤُلَاءِ النَّاس. ثمَّ قَرَأَ: " وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين؛ ففهمناها سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلماً " وَلم يذم دَاوُود. ويروى عَن الْحسن أَيْضا أَنه قَالَ: لَوْلَا مَا ذكر الله تَعَالَى من أَمر هذَيْن الرجلَيْن، لرأيت أَن الْقُضَاة قد هَلَكُوا؛ فَإِنَّهُ أثنى على هَذَا بِعِلْمِهِ وَعذر هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَأول من قدم قَاضِيا فِي الْإِسْلَام؛ على مَا حَكَاهُ ابْن عبد الْبر، عمر بن الْخطاب: ولاه أَبُو بكر الصّديق وَقَالَ لَهُ: اقْضِ بَين النَّاس؛ فَإِنِّي فِي شغل. وَقد تقدم قَول عُثْمَان ابْن عَفَّان لعبد الله بن عمر: اقْضِ بَين النَّاس: فَإِن أَبَاك كَانَ قَاضِيا. وَنقل عَن مَالك أَن مُعَاوِيَة كَانَ أول من استقضى فِي الْإِسْلَام. وَلما جَاءَت خلَافَة عمر بن الْخطاب، وَفتحت الْبِلَاد، قدم بهَا جملَة من الأكابر؛ فاستقضى شريحاً على الْكُوفَة، وَوجه عبَادَة بن الصَّامِت، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء الإثنى عشر، إِلَى الشأم قَاضِيا ومعلماً. وَقدم على قَضَاء الْبَصْرَة كَعْب بن سور بِخَبَر عَجِيب؛ وَذَلِكَ أَن كَعْبًا كَانَ جَالِسا عِنْد عمر، فَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت: مَا رَأَيْت رجلا قطّ أفضل من زَوجي﴾ إِنَّه يبيت ليله قَائِما، ويظل نَهَاره صَائِما ﴿فَاسْتَغْفر لَهَا عمر وَقَالَ: مثلك اثنى بِالْخَيرِ﴾ فاستحيت الْمَرْأَة وَقَامَت رَاجِعَة. فَقَالَ كَعْب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿هلا أُعِيدَت الْمَرْأَة على زَوجهَا؟ فَقَالَ: أذاك أَرَادَت؟ قَالَ: نعم قَالَ: ردوا على الْمَرْأَة﴾ فَردَّتْ. فَقَالَ: لَا بَأْس بِالْحَقِّ تقولينه ﴿إِن هَذَا يزْعم أَنَّك جِئْت تشتكين﴾ قَالَت: أجل إِنِّي
стр. 23
امْرَأَة شَابة، وَإِنِّي أَبْتَغِي مَا يَبْتَغِي النِّسَاء ﴿فَأرْسل إِلَى زَوجهَا وَقَالَ لكعب: اقْضِ بَينهمَا. قَالَ: فَإِنِّي أرى لَهَا يَوْمًا من أَرْبَعَة أَيَّام وَكَانَ زَوجهَا لَهُ أَرْبَعَة نسْوَة فَإِذا لم يكن لَهُ غَيرهَا، فَإِنِّي أَقْْضِي لَهُ بِثَلَاثَة أَيَّام ولياليها يتعبد فِيهَا، وَلها يَوْم وَلَيْلَة. قَالَ عمر: وَالله﴾ مَا رَأْيك الأول بِأَعْجَب إِلَيّ من الآخر ﴿اذْهَبْ﴾ فَأَنت قاضٍ على الْبَصْرَة ﴿وَهَذَا من حُقُوق الزَّوْجَة، إِذا فرط فِيهِ الرجل، ودعت إِلَيْهِ الْمَرْأَة، فَحكم بِهِ عَلَيْهِ وَتطلق من أَجله على زَوجهَا إِذْ امْتنع عَنهُ بِغَيْر عذر، حَسْبَمَا تضمنته مسَائِل هَذَا الْبَاب، فِي مَوْضِعه من كتب الْفِقْه. وعَلى قَول الزُّهْرِيّ: أول قاضٍ فِي الْإِسْلَام ابْن يزِيد بن سعيد. وَقيل: بل، أول قاضٍ كَانَ زيد بن ثَابت. وَقيل أَيْضا مثل ذَلِك عَن أبي الدَّرْدَاء. وَأما أرسخ الصَّحَابَة فِي الْعلم بِالْقضَاءِ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ﴾ فَهُوَ عَليّ بن أبي طَالب من غير خلاف. قَالَ رَسُول الله ﷺ ﴿: وأقضاهم عَليّ وَكَانَ عمر بن الْخطاب يتعود من معضلة لَيْسَ فِيهَا أَبُو حسن. وَقَالَ فِي الْمَجْنُونَة الَّتِي أَمر برجمها، وَفِي الَّتِي وضعت لسِتَّة أشهر: فَأَرَادَ عمر إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا؛ فَقَالَ لَهُ عَليّ: إِن الله تَعَالَى يَقُول: وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا. وَقَالَ لَهُ: إِن الله رَجَعَ الْقَلَم من الْمَجْنُون الحَدِيث. فَكَانَ عمر يَقُول: لَوْلَا عَليّ، هلك عمر﴾ وَقيل لعطاء. أَكَانَ من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ﴿أحد أعلم من عَليّ؟ قَالَ: وَالله أعلمهُ﴾ وَكَانَ مُعَاوِيَة يكْتب فِيمَا ينزل بِهِ ليسأل لَهُ عَليّ بن أبي طَالب عَنهُ؛ فَلَمَّا بلغه قَتله، قَالَ: ذهب الْعلم بِمَوْت عَليّ ﴿وَمن كَلَام ضرار فِيهِ، وَقد طلب مِنْهُ مُعَاوِيَة وَصفه بعد وَفَاته؛ فَقَالَ: كَانَ وَالله﴾ بعيد المدى، شَدِيد القوى، يَقُول فصلا، وَيحكم عدلا، يتفجر الْعلم من جوانبه، وتنطق الْحِكْمَة من نواحيه، إِلَى غير ذَلِك من صِفَاته. وَفِي مُصَنف أبي دَاوُود عَن عَليّ ﵁ ﴿قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ ﴾ إِلَى الْيمن قَاضِيا؛ فَقَالَ: إِن الله سيهدي قَلْبك، وَيثبت لسَانك؛ فَإِذا جلس بَين يَديك الخصمان، فَلَا تقضى حَتَّى تسمع من الآخر، كَمَا سَمِعت من الأول! فَإِنَّهُ أَحْرَى
стр. 24
أَن يتَبَيَّن لَك الْقَضَاء. قَالَ: فَمَا زلت قَاضِيا، وَمَا شَككت فِي قَضَاء بعد. وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة بن صَخْر جرى بِجهْدِهِ على سنَن من تقدمه من مُلَاحظَة الْقُضَاة؛ وَبَقِي الرَّسْم على حَذْو ترتبه زَمَانا. ثمَّ فتر أَيَّام يزِيد بن عبد الْملك وَابْنه الْوَلِيد إِلَى أَن ظهر بَنو الْعَبَّاس؛ فظفروا بِالْملكِ، فاشتدوا فِي شَأْن الْقَضَاء، وتخيروا للأعمال الشَّرْعِيَّة صُدُور الْعلمَاء. فدعوا مَالك بن أنس، وَابْن أبي ذِئْب، وَأَبا حنيفَة للْقَضَاء: فَأَما مَالك، فاحتج بِأَن قَالَ: إِنِّي رجل مَحْدُود، وَلَا يصلح أَن يَلِي الْقَضَاء مَحْدُود. وَاحْتج ابْن أبي ذِئْب بِأَن قَالَ: إِنِّي قرشي؛ وَمن يُشْرك فِي النّسَب، لَا يَنْبَغِي أَن يُشْرك فِي الحكم ﴿وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنِّي لمولي؛ وَلَا يصلح أَن يَلِي الْقَضَاء مولى. فاحتج كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا علم الله صدق نِيَّته فِيهِ؛ فعاناهم من محنة الْقَضَاء. وَفِي طَبَقَات قُضَاة مصر لأبي عمر الْكِنْدِيّ: ولي الْحَارِث بن مِسْكين الْقَضَاء من قبل أبي الْفضل جَعْفَر الْمَدْعُو بالمتوكل بن المعتصم. وَأَتَاهُ كِتَابه، وَهُوَ بالإسكندرية فَلَمَّا قَرَأَهُ، امْتنع من الْولَايَة؛ فأجبره أَصْحَابه على ذَلِك، وشرطوا عونهم لَهُ. قَالَ بَعضهم: رأى أحد أَشْيَاخ بِمصْر كَأَن ابْن أكتم ذبح الْحَارِث. فَلم يكن حَتَّى جَاءَهُ قَضَاء مصر، وَكَانَ على يَد ابْن أكتم قَاضِي الْقُضَاة حِينَئِذٍ. وَفِي تغريب المسالك.: حكى القَاضِي يُونُس قَالَ: ولي جَعْفَر المتَوَكل الْحَارِث قَضَاء مصر، بعد أَن سجنه على إباية ذَلِك زَمَانا. قَالَ مُحَمَّد بن عبد الْوَارِث: كُنَّا عِنْد الْحَارِث؛ فَأَتَاهُ عَليّ بن الْقَاسِم الْكُوفِي؛ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْت فِي النّوم النَّاس مُجْتَمعين فِي الْمَسْجِد الْحَرَام؛ فَقلت: مَا اجتماعكم؟ فَقَالُوا: عمر بن الْخطاب جَاءَ ليقعد الْحَارِث بن مِسْكين للْقَضَاء﴾ فرأيته أَخذه، وَسمر مَقْعَده فِي الْحَائِط، وَانْصَرف؛ فتبعته، فَلَمَّا أحس بِي، قَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قلت: أنظر إِلَيْك. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى الْحَارِث، واقرأه مني السَّلَام، وَقل لَهُ يقْضِي بَين النَّاس بإمارة أَنَّك كنت بالعراق؛ فَقُمْت من اللَّيْل، فَعَثَرَتْ، فنكثت إصبعك، ودعوت بذلك الدُّعَاء، فَجئْت من الْغَد. فَقَالَ الْحَارِث: صدقت وَهَذَا شَيْء مَا اطلع عَلَيْهِ أحد إِلَّا الله. فَسَأَلته عَن الدُّعَاء؛ فَقَالَ: يَا صَاحِبي عِنْد كل شدَّة ﴿وَيَا غياثي عِنْد كل كربَة﴾ وَيَا مؤنسي فِي كل وَحْشَة ﴿صل على مُحَمَّد، وعَلى آل مُحَمَّد، وَاجعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجاً﴾ وَمن الْقُضَاة بِمصْر عِيسَى بن الْمُنْكَدر بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، أَيَّام ابْن طَاهِر. أَشَارَ بِهِ
стр. 25
عبد الله بن عبد الحكم، وأعلمه أَنه فَقير؛ فَأجرى لَهُ سَبْعَة دَنَانِير فِي كل يَوْم، وَأَجَازَهُ بِأَلف دِينَار. وَكَانَ رجلا صَالحا. وَهُوَ أول قاضٍ أجْرى عَلَيْهِ الْمُرَتّب بِمصْر. وَلما امْتنع ابْن فروخ من الْقبُول لخطة الْقَضَاء، وَأَشَارَ بِابْن غَانِم، وَهُوَ عبد الله بن عمر ابْن غَانِم، تقدم من قبل هَارُون الرشيد بإفريقية، وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة ١٧١، وَهُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين سنة، فِي حَيَاة مَالك. وَلما بلغته ولَايَته، قَالَ: مَا ذَلِك بِخَير لَهُ ﴿وَكَانَ يُوَجه بمسائله أَيَّام قَضَائِهِ إِلَيْهِ، فِيمَا ينزل بِهِ من نَوَازِل الْخُصُوم، وَيكْتب إِلَى ابْن كنَانَة؛ فَيَأْخُذ لَهُ الْأَجْوِبَة من مَالك. وَكَانَ لَهُ حَظّ من صَلَاة اللَّيْل؛ فَإِذا قَضَاهَا وَجلسَ فِي التَّشَهُّد آخرهَا، عرض خصم يُرِيد أَن يحكم لَهُ على ربه؛ فَيَقُول فِي مناجاته: يَا رب﴾ إِن فلَانا نَازع فلَانا وَادّعى عَلَيْهِ بِكَذَا؛ فَأنْكر دَعْوَاهُ؛ فَسَأَلته الْبَيِّنَة؛ فَأتى بَيِّنَة شهِدت لَهُ بِمَا أدعى. وَقد أشرفت أَن آخذ لَهُ من صَاحبه بِحقِّهِ الَّذِي تبين لي أَنه حق لَهُ؛ فَإِن كنت على صَوَاب، فثبتني ﴿وَإِن كنت على غير صَوَاب، فاصرفني﴾ اللَّهُمَّ ﴿لَا تسلمني﴾ اللَّهُمَّ سلمني ﴿فَلَا يزَال يعرض الْخُصُوم على ربه حَتَّى يفرغ مِنْهُم. وراكب يَوْمًا الْأَمِير إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب، فزادت دَابَّة إِبْرَاهِيم فِي الْمَشْي. فحول ابْن غَانِم دَابَّته وعرج إِلَى دَاره. فَعَاتَبَهُ على ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: أصلح الله الْأَمِير﴾ إِنَّمَا تنفذ أَحْكَام القَاضِي على قدر جاهه. وَلَو ساعدتك، وحركت دَابَّتي، سَقَطت قلنسوتي؛ فلعب بهَا الصّبيان ﴿وراكبه مرّة أُخْرَى؛ فشق إِبْرَاهِيم زرعا؛ فَلم يسْلك ابْن غَانِم مَعَه. وَرَأَيْت بِخَط القَاضِي أبي الْفضل مَا نَصه: قَالَ ابْن غَانِم: دخلت مجْلِس إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب. فَبَيْنَمَا نَحن قعُود، إِذْ أشرف علينا إِبْرَاهِيم، فَقَامَ إِلَيْهِ من كَانَ فِي الْبَيْت غَيْرِي، فَجَلَسَ مغضباً، ثمَّ قَالَ لي: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن﴾ مَا مَنعك أَن تقوم، كَمَا قَامَ إخوانك؟ فَقلت: أَيهَا الْأَمِير ﴿حَدثنِي مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ﴾ : من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار! فَنَكس إِبْرَاهِيم رَأسه وأطرق. فَكَانَ هَذَا القَاضِي يكثر إنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ: إِذا انقرضت عني من الْعَيْش مدتي ... فَإِن غناء الباكيات قَلِيل سيعرض عَن ذكرى وتنسى مودتي ... وَيحدث بعدِي للخليل خَلِيل
стр. 26
وَتُوفِّي قَاضِيا فِي ربيع الأول سنة ١٧٩: فَكَانَت ولَايَته ثَمَانِي عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر غفر الله لنا وَله، ورحمنا وإياه ﴿
فصل
مَسْأَلَة الْقيام الَّتِي تكلم فِيهَا ابْن غَانِم تحْتَاج إِلَى تَفْصِيل. وَحَاصِله مَا قَالَه أَبُو الْوَلِيد فِي بَيَانه. وَنَصه: الْقيام للرِّجَال على أَرْبَعَة أَنْوَاع: وَجه يكون الْقيام فِيهِ مَحْظُورًا؛ وَوجه يكون فِيهِ مَكْرُوها؛ وَوجه يكون فِيهِ جَائِزا؛ وَوجه يكون فِيهِ حسنا. فَأَما الْوَجْه الأول، الَّذِي يكون فِيهِ مَحْظُورًا، لَا يحل: فَهُوَ أَن يقوم إكباراً وتعظيماً لمن يحب أَن يُقَام إِلَيْهِ تكبراً وتجبراً على القائمين عَلَيْهِ. وَأما الْوَجْه الَّذِي يكون الْقيام فِيهِ مَكْرُوها، فَهُوَ أَن يقوم إكباراً وتعظيماً وإجلالاً لمن لَا يحب الْقيام إِلَيْهِ وَلَا يُنكر على القائمين إِلَيْهِ؛ فَهُوَ يكره للتشبه بِفعل الْجَبَابِرَة وَلما يخْشَى أَن يدْخلهُ من تغير نفس الْمُقَوّم إِلَيْهِ. وَأما الْوَجْه الَّذِي يكون الْقيام فِيهِ جَائِزا، فَهُوَ أَن يقوم تَجِلَّةً وإكباراً لمن لَا يُرِيد ذَلِك، وَلَا يشبه حَاله حَال الْجَبَابِرَة، ويؤمن أَن تَتَغَيَّر نفس الْمُقَوّم إِلَيْهِ لذَلِك؛ وَهَذِه صفة مَعْدُومَة إِلَّا فِيمَن كَانَ بالنبوءة مَعْصُوما، لِأَنَّهُ، إِذا تَغَيَّرت نفس عمر بالدابة الَّتِي ركب عَلَيْهَا، فَمن سواهُ بذلك أَحْرَى﴾ وَأما الْوَجْه الرَّابِع الَّذِي يكون الْقيام فِيهِ حسنا، فَهُوَ أَن يقوم الرجل للقادم عَلَيْهِ من سفر، فَرحا بقدومه ليسلم عَلَيْهِ، أَو إِلَى القادم عَلَيْهِ مَسْرُورا بِنِعْمَة أولاها الله اياه، ليهيه بهَا، أَو القادم عَلَيْهِ الْمُصَاب بمصيبة ليعزيه بمصابه، وَمَا أشبه ذَلِك. وعَلى هَذَا يتَخَرَّج مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من الْآثَار، وَلَا يتعارض شَيْء مِنْهَا. قَالَ شهَاب الدّين أَحْمد بن إِدْرِيس، وَقد أَشَارَ إِلَى الْأَوْجه المفسرة فِي الْبَيَان: وَبِهَذَا يجمع بَين قَوْله ﵊ ﴿: من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده النَّار وَبَين قِيَامه ﵊﴾ لعكرمة ابْن أبي جهل، لما قدم من الْيمن، فَرحا بقدومه، وَقيام طَلْحَة بن عبيد الله لكعب بن مَالك، ليهنيه بتوبة الله عَلَيْهِ، بِحُضُورِهِ ﵊ ﴿وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَلَا قَامَ من مَجْلِسه. فَكَانَ كَعْب يَقُول: لَا أَنْسَاهَا لطلْحَة﴾ وَكَانَ ﵊!
стр. 27
يكره أَن يُقَام لَهُ؛ فَكَانُوا إِذا رَأَوْهُ، لم يقومُوا لَهُ، لعلمهم بكراهيته لذَلِك. وَإِذا قَامَ إِلَى بَيته، لم يزَالُوا قيَاما حَتَّى يدْخل بَيته. قَالَ لما يلْزمهُم من تَعْظِيمه، قبل علمهمْ بكراهيته لذَلِك. وَقَالَ ﵊ ﴿للْأَنْصَار قومُوا لسيدكم﴾ قيل: تَعْظِيمًا لَهُ، وَهُوَ لَا يُرِيد ذَلِك؛ وَقيل: ليعينوه على النُّزُول عَن الدَّابَّة. وَحكى أَحْمد أَنه كَانَ عِنْد عز الدّين بن عبد السَّلَام، من أَعْيَان عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة. فحضرته فتيا: مَا تَقول فِي الْقيام الَّذِي أحدثه النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان؟ هَل يحرم، أم لَا؟ فَكتب ﵀ ﴿: قَالَ رَسُول الله ﷺ ﴾ : لَا تباغضوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تدابروا ﴿وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا﴾ وَترك الْقيام فِي هَذَا الْوَقْت يفضى للمقاطعة والمدابرة. فَلَو قيل بِوُجُوبِهِ، مَا كَانَ بَعيدا. فقرأتها بعد كِتَابَته وَالنَّاس تحدث لَهُم أَحْكَام بِقدر مَا يحدثُونَ من الْأَحْوَال، من السياسات والمعاملات والاحتياطات؛ وَهِي على القوانين الأول. ثمَّ قَالَ: وَيلْحق بِالْقيامِ النعوت الْمُعْتَادَة وأنواع المكاتبات، على مَا قَرَّرَهُ النَّاس فِي المخاطبات؛ وَهَذَا النَّوْع كثير لم تكن أَسبَابه فِي السّلف، غير أَنه تقرر فِي قَاعِدَته الشَّرْع اعْتِبَارهَا، كَمَا قَالَ الشَّيْخ: فَإِذا وجدت، وَجب اعْتِبَارهَا. انْتهى. وروى بَعضهم أَن مَالِكًا قيل لَهُ: مَا تَقول فِي الرجل يقوم الرجل لَهُ للفضل وَالْفِقْه؟ فيجلسه فِي مَجْلِسه. قَالَ: يكره لَهُ ذَلِك. وَلَا بَأْس أَن يُوسع لَهُ. قيل: فالمرأة تتلقى زَوجهَا، فتبالغ فِي بره وتنزع ثِيَابه ونعليه مَتى يجلس؟ قَالَ: ذَلِك حسن غير قِيَامهَا حَتَّى يجلس. وَهَذَا فعل الْجَبَابِرَة وَرُبمَا كَانَ النَّاس ينتظرونه حَتَّى، إِذا طلع، قَامُوا لَهُ. لَيْسَ هَذَا من فعل الْإِسْلَام فِي شَيْء. وَفعل ذَلِك لعمر بن عبد الْعَزِيز، أول مَا ولي حِين خرج إِلَى النَّاس، فَأنكرهُ، وَقَالَ: إِن تقوموا، نقم ﴿وَإِن تقعدوا﴾ وَإِنَّمَا يقوم النَّاس لرب الْعَالمين ﴿قيل لَهُ: فالرجل يقبل يَد الرجل أَو رَأسه؟ قَالَ: هُوَ من عمل الْأَعَاجِم، لَا من عمل النَّاس﴾ وَنقل أَيْضا عَن مَالك أَنه كَانَ ﵀! يقوم لتلقي أَصْحَابه عِنْد قدومهم عَلَيْهِ من السّفر. وَمن ذَلِك مَا ذكره القَاضِي أَبُو الْفضل فِي كِتَابه الْمُسَمّى بترتيب المدارك، وتقريب المسالك، وَقد ذكر عبد بن مسلمة بن قعنب التَّمِيمِي. وَمن أَصله الَّذِي بِخَطِّهِ نقلت: قَالَ ابْن رشد فِيمَا حَكَاهُ عَن الْجُهَنِيّ. كُنَّا عِنْد مَالك؛ فَجَاءَهُ
стр. 28
رجل فَأخْبرهُ بقدوم القعْنبِي؛ فَقَالَ: مَتى فَقرب قدومه فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض نسلم عَلَيْهِ ﴿. فَقَامَ، فَسلم عَلَيْهِ. وَكَانَ مَالك، إِذا جلس، قَالَ ليلني مِنْكُم ذَوُو الأحلام وَالنَّهْي﴾ فَرُبمَا جلس القعْنبِي عَن يَمِينه. وَهُوَ أحد عباد الْبَصْرَة فِي زَمَانه. قَالَ أَحْمد بن الْهَيْثَم: كُنَّا إِذا أَتَيْنَا القعْنبِي، خرج إِلَيْنَا؛ فنراه كَأَنَّهُ مشرف على جَهَنَّم ﴿وَتُوفِّي بِمَكَّة سنة ٢٢٠ أَو ٢٢١. وَفِي الِاسْتِيعَاب عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ " أَنَّهَا قَالَت مَا رَأَيْت أحدا كَانَ أشبه كلَاما أَو حَدِيثا برَسُول الله ﷺ ﴾ من فَاطِمَة؛ وَكَانَت إِذا دخلت عَلَيْهِ، قَامَ لَهَا، فقبلها ورحب بهَا، كَمَا كَانَت تصنع هِيَ بِهِ ﷺ . وَفِي هَذَا الْقدر من الْكَلَام على مَسْأَلَة الْقيام الْكِفَايَة.
ذكر عبد السَّلَام بن سعيد بن حبيب الملقب بسحنون قَاضِي إفريقية
وَتقدم لولاية الْقَضَاء بإفريقية، بعد ابْن غَانِم بِزَمَان، أحد الآخذين الْعلم بهَا عَنهُ، وَهُوَ عبد السَّلَام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون؛ وَذَلِكَ سنة ٢٣٤. قَالَ عِيَاض بن مُوسَى، وَمن خطه نقلت: وسنه إِذْ ذَاك أَربع وَسَبْعُونَ سنة. فَلم يزل قَاضِيا إِلَى أَن مَاتَ. ثمَّ ذكر عَن أبي الْعَرَب أَنه قَالَ: لما عزل ابْن أبي الْجواد، قَالَ سَحْنُون: اللَّهُمَّ ﴿ولِّ هَذِه الْأمة خَيرهَا وأعدلها﴾ فَكَانَ هُوَ الَّذِي ولي بعده. وَقَالَ: لم أكد أرى قبُول هَذَا الْأَمر حَتَّى كَانَ من الْأَمِير مَعْنيانِ، أَحدهَا: أَعْطَانِي كل مَا طلبت، وَأطلق يَدي فِي كل مَا رغبت، حَتَّى أَنِّي قلت أبدأ بِأَهْل بَيْتك وقرابتك وأعوانك؛ فَإِن قبلهم ظلامات للنَّاس وأموالاً مُنْذُ زمَان طَوِيل ﴿فَقَالَ لي: نعم﴾ لَا تبدأ إِلَّا بهم، وَأجر الْحق على مفرق رَأْسِي. وجارني من عز مِنْهُ مَعَ هَذَا مَا يخَاف مِنْهُ الْمَرْء على نَفسه، وفكرت؛ فَلم أجد لنَفْسي سَعَة فِي رده. وَلما تمت ولَايَته، سَار حَتَّى دخل على ابْنَته خَدِيجَة؛ وَكَانَت من خِيَار النِّسَاء. فَقَالَ لَهَا: الْيَوْم ذبح أَبوك بِغَيْر سكين! فَعلم النَّاس قبُوله للْقَضَاء؛ ويومئذ
стр. 29
كتب لَهُ عبد الرَّحْمَن الزَّاهِد بِمَا نَصه: أما بعد، فَإِنِّي عهدتك وشأن نَفسك إِلَيْك مهما تعلم الْخَيْر وتؤدب عَلَيْهِ. وأصبحت، وَقد وليت أَمر هَذِه الْأمة، تؤدبهم على دنياهم، يذل الشريف بَين يَديك والوضيع؛ وَقد اشْترك فِيك الْعَدو وَالصديق. وَلكُل خطة من الْعدْل: فَأَي حالتيك أفضل؟ الْحَالة الأولى أم الثَّانِيَة؟ وَالسَّلَام. فَرَاجعه سَحْنُون بِأَن قَالَ لَهُ: أما بعد، فَإِنَّهُ جَاءَنِي كتابك وفهمت مَا ذكرت فِيهِ؛ وَإِنِّي أجيبك إِنَّه لَا حول وَلَا قُوَّة فِي شَيْء من الْأُمُور إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى ﴿عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ وَمَا كتبت إِنَّك عهدتني وشأن نَفسِي إِلَيّ مهما أعلم الْخَيْر وأودب عَلَيْهِ، وَقد أَصبَحت وَقد وليت أَمر هَذِه الْأمة وأود بهم على دنياهم. ولعمري إِنَّه من لم تصلح دُنْيَاهُ، فَسدتْ أخراه. وَفِي صَلَاح الدُّنْيَا إِذا صَحَّ الْمطعم وَالْمشْرَب، صَلَاح الْآخِرَة. وَقد حَدثنِي ابْن وهب وَرفع سَحْنُون سَنَده أَن النَّبِي ﷺ ﴿قَالَ: نعم المطية الدُّنْيَا﴾ فارتحلوها ﴿فَإِنَّهَا تبلغكم الْآخِرَة﴾ وَلنْ تبلغ الدُّنْيَا الْآخِرَة من عمل فِي الدُّنْيَا بِغَيْر الْوَاجِب من حق الله ﴿وَأما قَوْلك وليت أَمر هَذِه الْأمة، فَإِنِّي لم أزل مبتلى، ينفذ قولي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة فِي أبشار الْمُسلمين وأشعارهم. وَمن كَلَام عبد الله بن أبي جَعْفَر: لن تزالوا بِخَير مَا تعلمتم. فَإِذا احْتِيجَ إِلَيْكُم، فانظروا كَيفَ تَكُونُونَ. وَإِنَّمَا الْمُفْتِي قَاض يجوز قَوْله فِي أبشار الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ. فَعَلَيْك بِالدُّعَاءِ﴾ فألزم ذَلِك نَفسك ﴿وَالسَّلَام. وَكَانَ سَحْنُون يُؤَدب النَّاس على الْإِيمَان الَّتِي لَا تجوز، من الطَّلَاق وَالْعتاق، حَتَّى لَا يحلفوا بِغَيْر الله؛ ويؤدبهم على سوء الْحَال فِي لباسهم وَمَا نهى عَنهُ، وَيَأْمُرهُمْ بِحسن السِّيرَة وَالْقَصْد. وتخاصم إِلَيْهِ رجلَانِ صالحان من أَصْحَابه؛ فأقامهما، وأبى أَن يسمع مِنْهُمَا، وَقَالَ: اسْتُرْ عني مَا ستر الله عَلَيْكُمَا﴾ وَهُوَ أول من نظر فِي الْحِسْبَة من الْقُضَاة، وَأمر بتغيير الْمُنكر؛ وَأول من فرق حلق الْبدع من الْجَامِع، وشرد أهل الْأَهْوَاء مِنْهُ؛ وَأول من جعل الودائع عِنْد الْأُمَنَاء؛ وَكَانَت قبل فِي بيُوت الْقُضَاة. قَالَ عِيسَى بن مِسْكين: فَحصل النَّاس بولايته على شَرِيعَته من الْحق؛ وَلم يل قَضَاء إفريقية مثله وَيُقَال إِنَّه مَا بورك لأحد، بعد أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ! مَا بورك لسَحْنُون فِي أَصْحَابه؛ فَإِنَّهُم كَانُوا أَئِمَّة بِكُل بَلْدَة. وَكَانَ الَّذين يحْضرُون مَجْلِسه من الْعباد أَكثر من طلاب الْعلم. وَكَانَ يَقُول: مَا أحب أَن يكون عَيْش الرجل إِلَّا على قدر
стр. 30
ذَات يَده. وَلَا يتَكَلَّف مَا فِي وَسعه؛ وَأكل أَمْوَال النَّاس بالمسكنة وَالصَّدَََقَة خير من أكله بِالْعلمِ وَالْقُرْآن. وَهُوَ الْقَائِل: من لم يعْمل بِعِلْمِهِ، لم يَنْفَعهُ الْعلم، بل يضرّهُ وَإِنَّمَا الْعلم نور يَضَعهُ الله فِي الْقُلُوب، فَإِذا عمل بِهِ، نور الله قلبه؛ وَإِن لم يعْمل بِهِ، وَأحب الدُّنْيَا، أعمى حب الدُّنْيَا قلبه، وَلم ينوره الْعلم ﴿وَكَانَ يَقُول: ترك الْحَلَال أعظم من جَمِيع عبَادَة الله؛ وَترك الْحَلَال لله أفضل من أَخذ وإنفاقه فِي طَاعَة الله﴾ وَقَالَ: ترك دانق مِمَّا حرم الله أَكثر من سبعين ألف حجَّة، يتبعهَا سَبْعُونَ ألف عمْرَة مبرورة متقبلة، وَأفضل من سبعين فرسا فِي سَبِيل الله بزادها وسلاحها، وَمن سبعين ألف بَدَنَة يهديها إِلَى بَيت الْعَتِيق، وَأفضل من عتق سبعين ألف رَقَبَة مُؤمنَة من ولد إِسْمَاعِيل ﴿قَالَ صَاحب المدارك: فَبلغ كَلَامه هَذَا لعبد الْجَبَّار بن خَالِد؛ فَقَالَ: نعم﴾ وَأفضل من ملْء الأَرْض إِلَى عنان السَّمَاء ذَهَبا وَفِضة كسبت وأنفقت فِي سَبِيل لَا يُرَاد بهَا إِلَّا وَجه الله ﴿وَهَذَا القَوْل بِنَاء على أَن التروك لَا توازيها الْأَفْعَال. وَكَذَلِكَ القَوْل فِي مَسْأَلَة ترك الْحَلَال لله إِنَّه أفضل من أَخذه وإنفاقه فِي طَاعَة الله مِمَّا وَقع فِيهِ الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء. قَالَ عز الدّين أَبُو مُحَمَّد بن عبد السَّلَام السّلمِيّ: فَقَالَت طَائِفَة تَركهَا أفضل. وَقَالَ آخَرُونَ: بل﴾ فعله مَعَ السَّلامَة أولى. قَالَ صَاحب الرِّعَايَة: لِأَنَّهُ قد اكْتسب من الْعَمَل مَا لم يكْتَسب غَيره وَإِنَّمَا يسْأَل عَن ذَلِك كَمَا يسْأَل عَن الصَّلَاة وَالصِّيَام ليثاب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَمر بِالتّرْكِ خوفًا أَن لَا يسلم. وَتُوفِّي سَحْنُون ﵀! صدر شهر رَجَب سنة ٢٤٠ وَدفن من يَوْمه. وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير مُحَمَّد بن الْأَغْلَب. وَلم يَأْخُذ لنَفسِهِ، مُدَّة قَضَائِهِ، من السُّلْطَان شَيْئا. ذكر القَاضِي عِيسَى بن مِسْكين وَمِنْهُم عِيسَى بن مِسْكين بن مَنْصُور. سمع من سَحْنُون بالقيروان، وَسمع بِمصْر من الْحَارِث بن مِسْكين، وَمُحَمّد بن الْمَوَّاز، وَغَيرهم. وَكَانَ رجلا صَالحا، فَاضلا، طَوِيل الصمت، رَقِيق الْقلب، متفنناً فِي الْعُلُوم. وَكَيْفِيَّة ولَايَته الْقَضَاء أَن الْأَمِير إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن الْأَغْلَب كَانَ قد اضْطر يحيى بن عمر إِلَى ولَايَة الْقَضَاء. فَقَالَ لَهُ: إِن دللتك على
стр. 31
من هُوَ أفضل مني، فِي الْوَجْه الَّذِي تحب، تعفيني فَقَالَ لَهُ: نعم ﴿فدله عِيسَى ابْن مِسْكين. وَكَانَ بالحضرة حمديس؛ فَقَالَ: إِنَّه، وَالله﴾ أَيهَا الْأَمِير، صاحبنا عِنْد سَحْنُون. جمع الله فِيهِ خلال الْخَيْر بأسرها ﴿فَأرْسل فِيهِ إِبْرَاهِيم إِلَى كورة السَّاحِل، وأوصله إِلَى نَفسه، وَقَالَ: تَدْرِي لم بعثت لَك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لأشاورك فِي رجل قد جمع الله فِيهِ خلال الْخَيْر. أردْت أَن أوليه الْقَضَاء، وألم بِهِ شعث هَذِه الْأمة؛ فَامْتنعَ. قَالَ: يلْزمه أَن يَلِي. قَالَ: تمنع. قَالَ: يجْبر على ذَلِك﴾ قَالَ: تمنع. قَالَ: يجلد ﴿قَالَ: قُم﴾ فَأَنت هُوَ ﴿قَالَ: مَا أَنا الَّذِي وصفت﴾ وتمنع. فَأخذ الْأَمِير بِمَجَامِع ثِيَابه، وَقرب السَّيْف من نَحره؛ فَتقدم إِلَيْهِ بخنجره. قَالَ حمديس: وَكنت فِي الْمجْلس؛ فَقُمْت من مَكَاني، لِئَلَّا يُصِيبنِي من دَمه. فَلم يزل بِهِ حَتَّى ولى على شُرُوط، مِنْهَا قَالَ لَهُ: أستعفيك فِي كل شهر ﴿قَالَ: نعم﴾ قَالَ: وأجعلك، وَبني عمك، وجندك، وفقراء النَّاس، وأغنياءهم فِي دَرَجَة وَاحِدَة. قَالَ: نعم ﴿قَالَ: وَلم توجه ورائي، وَكَذَا وَكَذَا. فَمَتَى لم تف لي بِشَرْط، عزلت نَفسِي. قَالَ: نعم﴾ وَعرض عَلَيْهِ عِنْد ذَلِك الْكسْوَة والصلة. فَامْتنعَ وَقَالَ لَهُ: أَنا رجل طَوِيل الصمت، قَلِيل الْكَلَام، غير نشيط فِي أُمُور، وَلَا أعرف أهل الْبَلَد. فَقَالَ لَهُ الْأَمِير: عِنْدِي مولى نشيط، قد تدرب فِي الْأَحْكَام. أَنا أضمه إِلَيْك: يكون عَنْك كتابا يصدر عَنْك فِي القَوْل. فَمَا رضيت مِنْهُ، أمضيت؛ وَمَا سخطت، رددت. فضم إِلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن مفرج. قَالَ الْمخبر: فكثيراً مَا كنت آتِي مَجْلِسه وَهُوَ صَامت لَا يتَكَلَّم؛ وَابْن مفرج يقْضى. وَسُئِلَ عَن فرط انقباضه فِي قَضَائِهِ. فَقَالَ: ابْتليت بجبار عنيد، خفت أَن يبْعَث إِلَيّ من طَعَامه، أَو يدعوني إِلَيْهِ. وَلَا آتيه؛ فَحملت نَفسِي على ذَلِك، ليقطع طمعه مني ﴿وَمن كَلَام هَذَا القَاضِي ﵀﴾ : من قَاس الْأُمُور، علم المستور. من حصن شَهْوَته، صان قدره. فِي تقلب الْأَحْوَال، علم جَوَاهِر الرِّجَال. الْحسن النِّيَّة، يَصْحَبهُ التَّوْفِيق. المعاش مذل لأهل الْعلم. كَفاك أدباً لنَفسك مَا كرهته لغيرك. قَارب النَّاس فِي عُقُولهمْ، تسلم من غوائلهم. وَكَانَ، إِذا تحدث عَن أَيَّام قَضَائِهِ، يَقُول: كنت
стр. 32
فِي بليتي.، وَكنت أَيَّام تِلْكَ المحنة. وَلما تَابَ الْأَمِير وتخلى عَن الْملك وَتوجه للْجِهَاد، أَتَاهُ عِيسَى بن مِسْكين؛ فَقَالَ لَهُ: إِن الله عافاك مِمَّا كنت فِيهِ. فشاركني فِي الْخُرُوج عَمَّا أدخلتني فِيهِ؛ فقد كبر سني، وَضعف بدني. وعَلى الْأَثر وَقع انْفِصَاله. وَكَانَت ولَايَته ثَمَانِيَة أَعْوَام وَنصف عَام.
ذكر القَاضِي ابْن سماك الهمذاني
وَولى من أَصْحَاب سَحْنُون الْقَضَاء بإفريقية أَبُو الْقَاسِم حماس بن مَرْوَان بن سماك الهمذاني الْفَقِيه الزَّاهِد. وَكَانَ من زهده وتواضعه يفتح الْقَنَاة بِنَفسِهِ، على مَا حَكَاهُ عِيَاض وَغَيره، وَيكسر الْحَطب على بَاب دَاره، وَالنَّاس حوله يختصمون إِلَيْهِ ويسألونه. وَكَانَ يلبس الصُّوف الخيش. وَلم يركب دَابَّة فِي الْبَلَد، أَيَّام ولَايَته؛ فَإِذا خرج إِلَى منزله بالبادية على حمَار، يشْتَد دون خف، يتقوت مِمَّا يَأْتِيهِ من مَاله؛ وَلم يَأْخُذ على الْقَضَاء أجرا.
ذكر القَاضِي إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن زيد الْأَزْدِيّ
وَمن أيمة الْفِقْه على مَذْهَب مَالك بن أنس، ومشيخة الحَدِيث، وأعلام الْقُضَاة، إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن زيد الْأَزْدِيّ. قَالَ الفرغاني التأريخي: لَا نعلم أحدا من أهل الدُّنْيَا بلغ مبلغ آل حَمَّاد بن زيد، وَلم يصل أحد من الْقُضَاة إِلَى مَا وصلوا إِلَيْهِ من اتِّخَاذ الْمنَازل، والضياع، وَالْكِسْوَة، والآلة، ونفاذ الْأَمر فِي جَمِيع الْآفَاق. وَمن كتاب تقريب المسالك، بِمَعْرِِفَة أَعْلَام مَذْهَب مَالك، وَقد ذكرهم فِيهِ، فَقَالَ: كَانَت هَذِه الْبَيْت، على كَثْرَة رجالها، وشهرة أعلامها، من أجل بيُوت الْعلم بالعراق، وَأَرْفَع مَرَاتِب السودد فِي الدّين وَالدُّنْيَا؛ وهم نشرُوا هَذَا الْمَذْهَب هُنَاكَ، وعنهم اقتبس وَتردد الْعلم فِي طبقاتهم وبيتهم نَحْو ثَلَاثمِائَة عَام، من زمَان جدهم الإِمَام مُحَمَّد بن زيد وأخيه سعيد. وَلما ولى عبد الله بن سُلَيْمَان الوزارة للمعتضد، وَكَانَ سيء الرَّهْن فيهم لما أَرَادَ الْإِيقَاع بهم وأعمال الْحِيلَة، فَلم يقدر على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق؛ فَفتح الْبَاب لعبد الله فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! بَنو حَمَّاد مشاغيل بِخِدْمَة
стр. 33
السُّلْطَان، وَأَسْبَاب النَّفَقَات، والمظالم عَن الحكم. فَلم يقْدَح ذَلِك فيهم. وَلم يزل بِهِ بعد مُدَّة حَتَّى جعله، وَولى أَبَا حَازِم الْحَنَفِيّ قَضَاء الشرقية، وَعلي بن أبي الشَّوَارِب قَضَاء مَدِينَة الْمَنْصُور؛ وَكَانَ ابْن الطّيب، مؤدب المعتضد، يعظم أَمر آل حَمَّاد، وَيَقُول: حَسبك أَن لَهُم بتادريا سِتّمائَة بُسْتَان؛ غير مَا لَهُم بِالْبَصْرَةِ وَسَائِر النواحي. وَكَانَ فيهم على اتساع الدُّنْيَا رجال صدق وأيمة ورع وَعلم وَفضل. وَفِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق المترجم لَهُ أَولا، قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي زيد: هُوَ شيخ المالكيين فِي وقته، وَإِمَام تَامّ الْإِمَامَة، يقْتَدى بِهِ. وَكَانَ النَّاس يصيرون إِلَيْهِ؛ فيقتبس كل فريق مِنْهُ علما لَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْآخرُونَ: فِيمَن قوم يحملون الحَدِيث، وَمن قوم يحملون علم الْقُرْآن، وَالْقِرَاءَة، وَالْفِقْه، وَغير ذَلِك. وَقد نقل عَنهُ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي تَذكرته أَشْيَاء من الْعَرَبيَّة. قَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ، وسمى من بلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد، فَقَالَ: وَلم تحصل هَذِه الدرجَة بعد مَالك إِلَّا لإسماعيل القَاضِي. وَذكره الْمُقْرِئ أَبُو عَمْرو الداني فِي طَبَقَات الْقُرَّاء فَقَالَ: أَخذ الْقِرَاءَة عَن قالون؛ وَله فِيهِ حرف. وَحكى أَبُو عَمْرو أَيْضا عَن أبي المثاب القَاضِي قَالَ: كنت عِنْد إِسْمَاعِيل يَوْمًا؛ فَسئلَ لم جَازَ التبديل على أهل التَّوْرَاة، وَلم يجز على أهل الْقُرْآن؛ فَقَالَ: قَالَ الله تَعَالَى فِي أهل التَّوْرَاة: " بِمَا استحفظوا من كتاب الله ". فَوكل الْحِفْظ إِلَيْهِم. وَقَالَ فِي الْقُرْآن: " إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون. " فَلم يجز التبديل عَلَيْهِم. فَذكر ذَلِك الْمحَامِلِي فَقَالَ: مَا سَمِعت كلَاما أحسن من هَذَا. وَقد روى أَن نَصْرَانِيّا سَأَلَ مُحَمَّد بن وضاح عَن هَذِه الْمَسْأَلَة؛ فَأجَاب بِمثل هَذَا الْجَواب. وَحصل لإسماعيل هَذَا فِي الْقُلُوب من الْقبُول مَا لم يحصل لغيره من أهل زَمَانه. قَالَ يُوسُف بن يَعْقُوب: قَرَأت فِي توقيع المعتضد إِلَى عبد الله بن سُلَيْمَان بن وهب الْوَزير: اسْتَوْصِ بالشيخين الخيرين الفاضلين إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق الْأَزْدِيّ ومُوسَى بن إِسْحَاق خيرا؛ فَإِنَّهُمَا مِمَّن، إِذا أَرَادَ الله بِأَهْل الأَرْض سوءا، دفع عَنْهُم بدعائهما!
стр. 34
وَقَالَ يقظويه: كنت عِنْد الْمبرد؛ فَمر بِهِ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق؛ فَوَثَبَ الْمبرد إِلَيْهِ وَقبل يَده وَأنْشد: فَلَمَّا بصرنا بِهِ مُقبلا ... حللنا الحبي وابتدرنا القياما فَلَا تنكرن قيامي لَهُ ... فَإِن الْكَرِيم يجل الكراما قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وأنشدنا إِسْمَاعِيل القَاضِي لنَفسِهِ: لَا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عَاتب واصبر على حدثانا ... إِن الْأُمُور لَهَا عواقب وَلَكِن صَافِيَة قذى ... وَلكُل خَالِصَة شوائب كم فُرْجَة مطوية ... لَك بَين أثْنَاء النوائب ومسرة قد أَقبلت ... من حَيْثُ تنْتَظر المصائب قَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: مَا عرض لي هم فادح، فَذكرت هَذِه الأبيات، إِلَّا وَوجدت من روح الله مَا يحل عقالي، وينعم بالي؛ ثمَّ تؤول عَاقِبَة مَا أحذره فَاتِحَة مَا أوثره. وَذكر بَعضهم قَالَ: اجْتمع أَبُو الْعَبَّاس بن شُرَيْح القَاضِي، وَأَبُو بكر بن دَاوُود الإصبهاني، وَأَبُو الْعَبَّاس الْمبرد على بَاب القَاضِي إِسْمَاعِيل. فَأذن لَهُم؛ فَتقدم ابْن شُرَيْح، وَقَالَ: قدمني الْعلم وَالسّن وَتَأَخر الْمبرد وَقَالَ: أخرني الْأَدَب وَقَالَ ابْن دَاوُود: إِذا صحت الْمَوَدَّة سَقَطت المعاذير. وَأول مَا ولى قَضَاء الْجَانِب الشَّرْقِي، فِي أَيَّام المتَوَكل، سنة ٢٤٦، إِلَى سنة ٢٦٢، فَجمعت لَهُ بَغْدَاد كلهَا؛ فَكَانَ يَدعِي قَاضِي الْقُضَاة. قَالَ وَكِيع فِي كِتَابه فِي الْقُضَاة: وَأما شَدَائِد إِسْمَاعِيل فِي الْقَضَاء، وَحسن مذْهبه فِيهِ، وسهولة الْأَمر عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ يلتبس على غَيره، فَهُوَ شَيْء شهرته تغنى عَن ذكره. وَكَانَ فِي أَكثر أوقاته، وَبعد فروغه من الْخُصُوم، متشاغلاً بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ اعْتمد على حَاجِبه أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، وَعلي كَاتبه أبي الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالباز
стр. 35
الْأَشْهب، فَكَانَا يحْملَانِ عَنهُ أَكثر أمره، من لِقَاء السُّلْطَان وَغَيره، وَأَقْبل هُوَ على الحَدِيث وَالْعلم. وَكَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع يرى استنابتهم، حَتَّى ذكر أَنهم تحاموا بِبَغْدَاد فِي أَيَّامه، وَخرج دَاوُود بن عَليّ من بَغْدَاد إِلَى الْبَصْرَة لإحداثه منع الْقيَاس. وَحبس أَبَا زيد إِذْ أنكر عَلَيْهِ بعض مَا حدث بِهِ. وَقد تقدم صدر هَذَا الْكتاب أَنه كَانَ يَقُول: من لم تكن لَهُ فراسة، لم يكن لَهُ أَن يَلِي الْقَضَاء. وَقيل لَهُ: لَا تؤلف كتابا فِي أدب الْقَضَاء؟ فَقَالَ: اعْدِلْ وَمد رجليك فِي مجْلِس الْقَضَاء ﴿وَهل للْقَاضِي أدب غير الْإِسْلَام؟ قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ، وَقد ذكره: كَانَ إِسْمَاعِيل من عُلَمَاء الدُّنْيَا، وسَادَة الْقُضَاة، وعقلائهم. وَكَانَ مؤاخياً لأبي الْحسن بن أبي الْورْد أحد عُلَمَاء الْبَاطِن. فَلَمَّا ولي إِسْمَاعِيل الْقَضَاء، هجره ابْن أبي الْورْد. ثمَّ اضْطر أَن دخل عَلَيْهِ فِي شَهَادَة؛ فَضرب بِيَدِهِ كتف إِسْمَاعِيل، وَقَالَ: إِن علما أجلسك هَذَا الْمجْلس، لقد كَانَ الْجَهْل خيرا مِنْهُ﴾ فَوضع إِسْمَاعِيل رِدَاءَهُ على وَجهه، وَبكى حَتَّى بله. وَلما كَانَت محنة غُلَام الْخَلِيل، ومطالبة الصُّوفِيَّة بِبَغْدَاد، ونسبتهم إِلَى الزندقة، وَأمر الْخَلِيفَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم، وَكَانَ فِيمَن قبض عَلَيْهِ شيخهم إِذْ ذَاك أَبُو الْحسن النَّوَوِيّ، فَلَمَّا دخلُوا على الْخَلِيفَة، أَمر بِضَرْب أَعْنَاقهم؛ فَتقدم النَّوَوِيّ مبتدئاً إِلَى السياف ليضْرب عُنُقه. فَقَالَ لَهُ: مَا دعَاك إِلَى هَذَا دون أَصْحَابك؟ قَالَ آثرت حياتهم على حَياتِي بِهَذِهِ اللحظة ﴿فَرفع الْأَمر إِلَى الْخَلِيفَة؛ فَرد أَمرهم إِلَى قَاضِي الْقُضَاة إِسْمَاعِيل. فَقدم إِلَيْهِ النَّوَوِيّ وَسَأَلَهُ عَن مسَائِل من الْعِبَادَات. فَأَجَابَهُ؛ ثمَّ قَالَ لَهُ: وَبعد هَذَا، لله عباد يسمعُونَ بِاللَّه، وينطقون بِاللَّه، وَيَصْدُرُونَ بِاللَّه، ويردون بِاللَّه، ويأكلون بِاللَّه، وَيلبسُونَ بِاللَّه﴾ فَلَمَّا سمع إِسْمَاعِيل مقَالَته، بَكَى. ثمَّ دخل على الْخَلِيفَة؛ فَقَالَ: إِن كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم زنادقة، فَلَيْسَ فِي الأَرْض موحدون! فَأمر بإطلاقهم. ولإسماعيل جملَة تواليف فِي فنون الْعلم. وَحكى أَنه توفّي فَجْأَة، وَقت صَلَاة الْعشَاء الآخر لثمان بَقينَ فِي ذِي الْحجَّة سنة ٣٨٣، وَهُوَ قَاض. وَحكى الْكَاتِب ابْن أَزْهَر: ارْتَفع الْمَطَر. فَخرج إِسْمَاعِيل إِلَى الْمصلى؛ فصلى رَكْعَتَيْنِ بسبح " وَهل أَتَاك "
стр. 36
ثمَّ صعد الْمِنْبَر، وخطب خطبتين، وحول رِدَاءَهُ، وَحدث بِحَدِيث طَوِيل خشع لَهُ النَّاس، وَبكى، وَانْصَرف خَاشِعًا؛ فَقبض ليلته يَوْم استسقائه، وَهُوَ ابْن إثنين وَثَمَانِينَ سنة. وَمن المنظوم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ: من كَفاهُ من مساعيه ... رغيف يفتديه وَله بَيت يواريه ... وثوب يكتسيه فلماذا يبْذل العر ... ض لذل وتسفيه ولماذا يتمادى ... عِنْد ذِي كبر وتيه
ذكر القَاضِي أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف
وَمن الْقُضَاة بِتِلْكَ الْبِلَاد المشرقية، أَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، حَاجِب القَاضِي إِسْمَاعِيل الْمُتَقَدّم الذّكر، وَابْن عَمه. وَفِي أَيَّام هَذَا القَاضِي قتل الحلاج. وَابْن عَمه هُوَ الَّذِي أفتى بقتْله، بعد تَقْرِيره على مذْهبه، وَقيام الشَّهَادَات عَلَيْهِ بإلحاد. فَضرب ألف سَوط، ثمَّ قطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، ثمَّ طرح جسده، وَبِه رمى من أَعلَى مَوضِع ضربه إِلَى الأَرْض وأحرق بالنَّار، وَالْعِيَاذ بِاللَّه. وَحضر يَوْمًا بَين يَدي أبي عمر رجل يدعى قبل الآخر مائَة دِينَار، وَلم تكن لَهُ بَيِّنَة. فتوجهت الْيَمين على الْمَطْلُوب بِنَفْي مَا زَعمه الطَّالِب فَأخذ الْخصم الدواة وَكتب: وَإِنِّي لذُو حلف فَاجر ... إِذا مَا اضطررت وَفِي الْحَال ضيق وَهل لَا جنَاح على مُعسر ... يدافع بِاللَّه مَالا يُطيق فَأمر القَاضِي بإحضار مائَة دِينَار وَدفعهَا عَنهُ. فَعجب الراضي من أدب الرجل وكرم القَاضِي، وَبحث عَن النَّاظِم؛ فَلَمَّا وجده، أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار، وَخمْس خلع، ومركوب حسن، وملازمة دَار السُّلْطَان.
стр. 37
ذكر القَاضِي أبي بكر الباقلاني
وَمن الْقُضَاة بالعراق أَيْضا، أَبُو بكر مُحَمَّد بن الطّيب، الْمَعْرُوف بالباقلاني، الْمَالِكِي، الْمُتَكَلّم على مَذْهَب أهل الحَدِيث وَطَرِيقَة الأشعرية. إِمَام وقته، وعالم عصره، المرجوع إِلَيْهِ فِيمَا أشكل على غَيره. وَمن كَلَام الصَّيْرَفِي فِيهِ: كَانَ صَلَاح القَاضِي أَكثر من علمه. وَمَا نفع الله هَذِه الْأمة بكتبه وبثها فيهم، إِلَّا بِحسن نِيَّته، واحتسابه بذلك مَا عِنْد الله من الثَّوَاب. ونقلت من خطّ القَاضِي أبي الْفضل، وَقد ذكره فِي مداركه مَا نَصه: حكى أَبُو بكر الْخَطِيب أَن ورد القَاضِي كل لَيْلَة، كَانَ عشْرين ترويحة؛ مَا تَركهَا فِي حضر وَلَا سفر. وَكَانَ كل لَيْلَة، إِذا صلى الْعشَاء، وَقضى ورده، أَخذ الدواة بَين يَدَيْهِ، وخمساً وَثَلَاثِينَ ورقة، تصنيفاً يَكْتُبهَا عَن حفظه. وَكَانَ يذكر أَن كِتَابه بالمداد أسهل عَلَيْهِ من الْكتاب بالحبر. فَإِذا صلى الْفجْر، دفع إِلَى بعض أَصْحَابه مَا ضَبطه ليلته، وَأمر بقرَاءَته عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ إِلَى الزِّيَادَات فِيهِ. وَكَانَ بَعضهم يَقُول: جَاءَ فِي الْأَثر إِن الله تَعَالَى يتَعَاهَد عباده بأنبيائه وَرُسُله؛ فَلَمَّا ختم الرسَالَة بِمُحَمد ﷺ ﴿تعاهد أمته برباني من علمائها، يحيي أحاديثها، ويجدد شريعتها. فَكَانَ إِمَام رَأس الأربعمائة أَبُو بكر بن الطّيب. أَخذ عَنهُ الْعلم جمَاعَة لَا تعد لكثرتها؛ ودرسوا عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَالدّين: مِنْهُم القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن نصر؛ وَمن أهل الْمغرب أَبُو عمرَان الفاسي رَحل إِلَيْهِ ولازمه بِبَغْدَاد، وَأخذ عَنهُ. وَكَانَ أعرف النَّاس بِعلم الْكَلَام، وَأَحْسَنهمْ فِيهِ خاطراً، وأجودهم لِسَانا، وأوضحهم بَيَانا، وأصحهم عبارَة. وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاص بعضد الدولة. وَلما وَجهه سفيراً عَنهُ إِلَى ملك الرّوم، ليظْهر بِهِ رفْعَة الْإِسْلَام، ويغض من النَّصْرَانِيَّة، وتهيأ لِلْخُرُوجِ، قَالَ لَهُ وَزِير الدولة: أاخذت الطالع لخروجك؟ فَسَأَلَهُ أَبُو بكر. فَلَمَّا فسر مُرَاده، قَالَ: لَا أَقُول بِهَذَا، لِأَن السعد والنحس وَالْخَيْر وَالشَّر بيد الله﴾ لَيْسَ للكواكب هَا هُنَا مِثْقَال ذرة من الْقُدْرَة؛ وَإِنَّمَا وضعت كتب النُّجُوم ليتمعش بهَا الجاهلون من الْعَامَّة؛ وَلَا حَقِيقَة لَهَا. فَقَالَ الْوَزير: احضر إِلَى ابْن الصُّوفِي! وَقد كَانَ لَهُ تقدم فِي هَذَا الْبَاب. فَلَمَّا حَضَره، دَعَاهُ الْوَزير إِلَى مناظرة القَاضِي، ليصحح مَا أبْطلهُ بِزَعْمِهِ فَقَالَ ابْن الصُّوفِي: لَيست المناظرة من
стр. 38
شأني، وَلَا أَنا قَائِم بهَا. وَإِنَّمَا أحفظ علم النُّجُوم وَأَنا أَقُول: إِذا كَانَ من النُّجُوم كَذَا، يكون كَذَا ﴿وَأما تَعْلِيله، فَهُوَ من علم أهل الْمنطق وَأهل الْكَلَام. وَجَرت لَهُ فِي ذَلِك الْوَجْه بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بَين يَدي ملكهَا، مَعَ بطارقته ونبلاء مِلَّته، مناظرات ومحاورات: مِنْهَا أَن الْملك قَالَ لَهُ: هَذَا الَّذِي تَدعُونَهُ فِي معجزات نَبِيكُم من انْشِقَاق الْقَمَر، كَيفَ هُوَ عنْدكُمْ؟ قلت: هُوَ صَحِيح عندنَا. وَانْشَقَّ الْقَمَر على عهد رَسُول الله ﷺ ﴾ حَتَّى رأى النَّاس ذَلِك، وَإِنَّمَا رَآهُ الْحُضُور وَمن اتّفق نظره لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال. فَقَالَ الْملك: وَكَيف لم يره جَمِيع النَّاس؟ قلت: لِأَن النَّاس لم يَكُونُوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره. فَقَالَ: وَهَذَا الْقَمَر بَيْنكُم وَبَينه نِسْبَة وقرابة. لأي شَيْء لم تعرفه الرّوم وَغَيرهَا من سَائِر النَّاس، وَإِنَّمَا رَأَيْتُمُوهُ أَنْتُم خَاصَّة؟ قلت: فَهَذِهِ الْمَائِدَة بَيْنكُم وَبَينهَا نِسْبَة؛ وَأَنْتُم رأيتموها دون الْيَهُود، وَالْمَجُوس، والبراهمة، وَأهل الْإِلْحَاد، وخاصة يونان جِيرَانكُمْ؛ فَإِنَّهُم كلهم منكرون لهَذَا الشَّأْن ﴿فتحير الْملك وَقَالَ فِي كَلَامه: سُبْحَانَ الله﴾ وَأمر بإحضار فلَان القسيس ليكلمني، وَقَالَ: نَحن لَا نطيقه. فَلم أشعر إِذْ جَاءُوا بِرَجُل كالدب أشقر الشّعْر؛ فَقعدَ. وحكيت لَهُ الْمَسْأَلَة؛ فَقَالَ: الَّذِي قَالَ الْمُسلم لَازم. مَا أعرف لَهُ جَوَابا، إِلَّا الَّذِي ذكره. فَقلت لَهُ: أَتَقول إِن الْكُسُوف، إِذا كَانَ، أيراه جَمِيع أهل الأَرْض، أم يرَاهُ أهل الإقليم الَّذِي فِي محاذاته؟ قَالَ: لَا يرَاهُ إِلَّا من كَانَ فِي محاذاته. قلت: فَمَا أنْكرت من انْشِقَاق الْقَمَر، إِذا كَانَ فِي نَاحيَة لَا يرَاهُ إِلَّا أهل تِلْكَ النَّاحِيَة وَمن تأهب للنَّظَر لَهُ، فَأَما من أعرض عَنهُ أَو كَانَ فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي لَا يرى الْقَمَر مِنْهَا، فَلَا يرَاهُ ﴿فَقَالَ: هُوَ كَمَا قلت﴾ مَا يدفعك عَنهُ دَافع ﴿وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الروَاة الَّذين نقلوا. وَأما الطعْن فِي غير هَذَا الْوَجْه، فَلَيْسَ بِصَحِيح﴾ فَقَالَ الْملك: وَكَيف يطعن فِي النقلَة؟ فَقَالَ النَّصْرَانِي: تَنْبِيه هَذَا من الْآيَات: إِذا صَحَّ وَجه أَن يَنْقُلهُ الجم الْغَفِير، حَتَّى يتَّصل بِنَا الْعلم بِهِ، وَلَو كَانَ كَذَلِك، لوقع لنا الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ. فَلَمَّا لم يَقع، دلّ على أَن الْخَبَر مفتعل بَاطِل. فَالْتَفت الْملك إِلَيّ وَقَالَ: الْجَواب؟ قلت: يلْزمه فِي نزُول الْمَائِدَة مَا لزمني فِي انْشِقَاق الْقَمَر؛ وَيُقَال لَهُ: لَو كَانَ نزُول الْمَائِدَة صَحِيحا، لوَجَبَ أَن يَنْقُلهُ الْعدَد الْكثير؛ فَلَو نَقله الْعدَد الْكثير،
стр. 39
فَلَا يبْقى يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ، إِلَّا وَيعلم هَذَا بِالضَّرُورَةِ؛ وَلما لم يعلمُوا ذَلِك بِالضَّرُورَةِ، دلّ على أَن الْخَبَر كذب ﴿فبهت النَّصْرَانِي وَالْملك وَمن ضمه الْمجْلس. وانفصل الْمجْلس على هَذَا. قَالَ القَاضِي: سَأَلَني الْملك فِي مجْلِس آخر فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم؟ ﵊﴾ قلت: روح الله، وكلمته، وَعَبده، وَنبيه، وَرَسُوله، كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ: " كن فَيكون ﴿" وتلوت عَلَيْهِ النَّص. فَقَالَ: يَا مُسلم﴾ تَقولُونَ: الْمَسِيح عبد؟ فَقلت: نعم؟ كَذَا نقُول وَبِه ندين ﴿قَالَ: وَلَا تَقولُونَ إِنَّه ابْن الله؟ قلت: " معَاذ الله﴾ مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه " الْآيَتَانِ. " إِنَّكُم لتقولون قولا عَظِيما ". فَإِذا جعلتم الْمَسِيح ابْن الله، فَمن كَانَ أَبوهُ، وَأَخُوهُ، وجده وخاله، وَعَمه؟ وعددت عَلَيْهِ الْأَقَارِب. فتحير وَقَالَ: يَا مُسلم ﴿العَبْد يخلق وَيحيى وَيُمِيت وَيُبرئ الأكمة والأبرص؟ فَقلت: لَا يقدر العَبْد على ذَلِك. وَإِنَّمَا ذَلِك كُله من فضل الله تَعَالَى﴾ قَالَ: وَكَيف يكون الْمَسِيح عبد الله، وخلقاً من خلقه، وَقد أَتَى بِهَذِهِ الْآيَات، وَفعل ذَلِك كُله؟ قلت: معَاذ الله ﴿مَا أحيي الْمَسِيح الْمَوْتَى، وَلَا أَبْرَأ الأكمة والأبرص﴾ فتحير وَقل صبره، وَقَالَ: يَا مُسلم ﴿تنكر هَذَا، مَعَ اشتهاره فِي الْخلق، وَأخذ النَّاس لَهُ بِالْقبُولِ﴾ فَقلت: مَا قَالَ أحد من أهل الْفِقْه والمعرفة إِن الْأَنْبِيَاء يَفْعَلُونَ المعجزات من ذاتهم؛ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء يَفْعَله الله تَعَالَى على أَيْديهم، تَصْدِيقًا لَهُم، يجْرِي مجْرى الشَّهَادَة ﴿فَقَالَ: قد حضر عِنْدِي جمَاعَة من أولى دينكُمْ والمشهورين فِيكُم وَقَالُوا إِن ذَلِك فِي كتابكُمْ. فَقلت: فِي كتَابنَا إِن ذَلِك كُله بِإِذن الله تَعَالَى﴾ وتلوت عَلَيْهِ مَنْصُوص الْقُرْآن فِي الْمَسِيح " بإذني " وَقلت: إِنَّمَا فعل الْمَسِيح ذَلِك كُله بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ، لَا من ذَات الْمَسِيح. وَلَو كَانَ الْمَسِيح يحيي الْمَوْتَى وَيُبرئ الأكمة والأبرص من ذَاته وقوته، لجَاز أَن يُقَال إِن مُوسَى فلق الْبَحْر، وَأخرج يَده بَيْضَاء من غير سوء من ذَاته ﴿وَلَيْسَت معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈﴾ من ذاتهم دون إِرَادَة الْخَالِق ﴿فَلَمَّا لم يجز هَذَا، لم يجز أَن تسند المعجزات الَّتِي ظَهرت على يَد الْمَسِيح، للمسيح﴾
стр. 40
وَذكر ابْن حَيَّان، عَمَّن حَدثهُ أَن الطاغية وعد القَاضِي أَبَا بكر بالاجتماع مَعَه فِي محفل من محافل النَّصْرَانِيَّة، ليَوْم سَمَّاهُ. فَحَضَرَ أَبُو بكر، وَقد احتفل الْمجْلس، وبولغ فِي زينته. فأدناه الْملك، وألطف سُؤَاله، وَأَجْلسهُ على كرْسِي دون سَرِيره بِقَلِيل، وَالْملك فِي أبهته؛ وخاصته وَرِجَال مَمْلَكَته على مَرَاتِبهمْ. وَجَاء البطرك، قيم ديانتهم، آخر النَّاس، وَحَوله أَتْبَاعه يَتلون الأناجيل ويبخرون بِالْعودِ الرطب، فِي زِيّ حسن. فَلَمَّا توَسط الْمجْلس، قَامَ الْملك وَرِجَاله، تَعْظِيمًا لَهُ؛ فقضوا حَقه، ومسحوا أعطافه. وَأَجْلسهُ إِلَى جنبه، وَأَقْبل على القَاضِي أبي بكر؛ فَقَالَ لَهُ: يَا فَقِيه ﴿البطرك قيم الدّيانَة، وَولي النحلة﴾ فَسلم القَاضِي عَلَيْهِ أحفل سَلام، وَسَأَلَهُ أحفى سُؤال، وَقَالَ لَهُ: كَيفَ الْأَهْل وَالْولد؟ فَعظم قَوْله هَذَا عَلَيْهِ وعَلى جَمِيعهم وطبقوا على وُجُوههم، وأنكروا قَول أبي بكر عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ ﴿تستعظمون لهَذَا الْإِنْسَان اتِّخَاذ الصاحبة وَالْولد، وتربون بِهِ عَن ذَلِك، وَلَا تستعظمونه لربكم عز وَجهه﴾ فتضيفون إِلَيْهِ ذَلِك سدة لهَذَا الرَّأْي ﴿مَا أبين غلطه﴾ فَسقط فِي أَيْديهم، وَلم يردوا جَوَابا، وتداخلتهم لَهُ هَيْبَة عَظِيمَة، وانكسروا. ثمَّ قَالَ الْملك للبطرك: مَا ترى فِي أَمر هَذَا الرجل؟ قَالَ: تقضى حَاجته، وتلاطف صَاحبه، وَتخرج هَذَا الْعِرَاقِيّ عَن بلدك، من يَوْمك إِن قدرت؛ وَإِلَّا لم تأمن الْفِتْنَة على النَّصْرَانِيَّة مِنْهُ! فَفعل الْملك ذَلِك، وَأحسن جَوَاب عضد الدولة وهداياه، وَعجل تَسْرِيح الرَّسُول. وَبعث مَعَه عدَّة من أسرى الْمُسلمين، ووكل بِهِ من جنده من يحفظه حَتَّى يصل إِلَى مأمنه. قَالَ غَيره: وَكَانَ سير القَاضِي إِلَى ملك الرّوم سنة نَيف وَثَمَانِينَ وثلاثمائة.
ذكر القَاضِي عبد الْوَهَّاب
وَمن أَعْلَام الْعلمَاء، وصدور الْقُضَاة الروَاة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْمَالِكِي، أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن نصر بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن هَارُون الْبَغْدَادِيّ. ولي الْقَضَاء بمواضع مِنْهَا الدينور. فسما قدره، وشاع فِي الْآفَاق ذكره. قَالَ الشِّيرَازِيّ فِي تَعْرِيفه:
следующие страницы →