Полный текст (208 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثمَّ صعد الْمِنْبَر، وخطب خطبتين، وحول رِدَاءَهُ، وَحدث بِحَدِيث طَوِيل خشع لَهُ النَّاس، وَبكى، وَانْصَرف خَاشِعًا؛ فَقبض ليلته يَوْم استسقائه، وَهُوَ ابْن إثنين وَثَمَانِينَ سنة. وَمن المنظوم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ: من كَفاهُ من مساعيه ... رغيف يفتديه وَله بَيت يواريه ... وثوب يكتسيه فلماذا يبْذل العر ... ض لذل وتسفيه ولماذا يتمادى ... عِنْد ذِي كبر وتيه
ذكر القَاضِي أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف
وَمن الْقُضَاة بِتِلْكَ الْبِلَاد المشرقية، أَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، حَاجِب القَاضِي إِسْمَاعِيل الْمُتَقَدّم الذّكر، وَابْن عَمه. وَفِي أَيَّام هَذَا القَاضِي قتل الحلاج. وَابْن عَمه هُوَ الَّذِي أفتى بقتْله، بعد تَقْرِيره على مذْهبه، وَقيام الشَّهَادَات عَلَيْهِ بإلحاد. فَضرب ألف سَوط، ثمَّ قطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، ثمَّ طرح جسده، وَبِه رمى من أَعلَى مَوضِع ضربه إِلَى الأَرْض وأحرق بالنَّار، وَالْعِيَاذ بِاللَّه. وَحضر يَوْمًا بَين يَدي أبي عمر رجل يدعى قبل الآخر مائَة دِينَار، وَلم تكن لَهُ بَيِّنَة. فتوجهت الْيَمين على الْمَطْلُوب بِنَفْي مَا زَعمه الطَّالِب فَأخذ الْخصم الدواة وَكتب: وَإِنِّي لذُو حلف فَاجر ... إِذا مَا اضطررت وَفِي الْحَال ضيق وَهل لَا جنَاح على مُعسر ... يدافع بِاللَّه مَالا يُطيق فَأمر القَاضِي بإحضار مائَة دِينَار وَدفعهَا عَنهُ. فَعجب الراضي من أدب الرجل وكرم القَاضِي، وَبحث عَن النَّاظِم؛ فَلَمَّا وجده، أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار، وَخمْس خلع، ومركوب حسن، وملازمة دَار السُّلْطَان.
стр. 37
ذكر القَاضِي أبي بكر الباقلاني
وَمن الْقُضَاة بالعراق أَيْضا، أَبُو بكر مُحَمَّد بن الطّيب، الْمَعْرُوف بالباقلاني، الْمَالِكِي، الْمُتَكَلّم على مَذْهَب أهل الحَدِيث وَطَرِيقَة الأشعرية. إِمَام وقته، وعالم عصره، المرجوع إِلَيْهِ فِيمَا أشكل على غَيره. وَمن كَلَام الصَّيْرَفِي فِيهِ: كَانَ صَلَاح القَاضِي أَكثر من علمه. وَمَا نفع الله هَذِه الْأمة بكتبه وبثها فيهم، إِلَّا بِحسن نِيَّته، واحتسابه بذلك مَا عِنْد الله من الثَّوَاب. ونقلت من خطّ القَاضِي أبي الْفضل، وَقد ذكره فِي مداركه مَا نَصه: حكى أَبُو بكر الْخَطِيب أَن ورد القَاضِي كل لَيْلَة، كَانَ عشْرين ترويحة؛ مَا تَركهَا فِي حضر وَلَا سفر. وَكَانَ كل لَيْلَة، إِذا صلى الْعشَاء، وَقضى ورده، أَخذ الدواة بَين يَدَيْهِ، وخمساً وَثَلَاثِينَ ورقة، تصنيفاً يَكْتُبهَا عَن حفظه. وَكَانَ يذكر أَن كِتَابه بالمداد أسهل عَلَيْهِ من الْكتاب بالحبر. فَإِذا صلى الْفجْر، دفع إِلَى بعض أَصْحَابه مَا ضَبطه ليلته، وَأمر بقرَاءَته عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ إِلَى الزِّيَادَات فِيهِ. وَكَانَ بَعضهم يَقُول: جَاءَ فِي الْأَثر إِن الله تَعَالَى يتَعَاهَد عباده بأنبيائه وَرُسُله؛ فَلَمَّا ختم الرسَالَة بِمُحَمد ﷺ ﴿تعاهد أمته برباني من علمائها، يحيي أحاديثها، ويجدد شريعتها. فَكَانَ إِمَام رَأس الأربعمائة أَبُو بكر بن الطّيب. أَخذ عَنهُ الْعلم جمَاعَة لَا تعد لكثرتها؛ ودرسوا عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَالدّين: مِنْهُم القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن نصر؛ وَمن أهل الْمغرب أَبُو عمرَان الفاسي رَحل إِلَيْهِ ولازمه بِبَغْدَاد، وَأخذ عَنهُ. وَكَانَ أعرف النَّاس بِعلم الْكَلَام، وَأَحْسَنهمْ فِيهِ خاطراً، وأجودهم لِسَانا، وأوضحهم بَيَانا، وأصحهم عبارَة. وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاص بعضد الدولة. وَلما وَجهه سفيراً عَنهُ إِلَى ملك الرّوم، ليظْهر بِهِ رفْعَة الْإِسْلَام، ويغض من النَّصْرَانِيَّة، وتهيأ لِلْخُرُوجِ، قَالَ لَهُ وَزِير الدولة: أاخذت الطالع لخروجك؟ فَسَأَلَهُ أَبُو بكر. فَلَمَّا فسر مُرَاده، قَالَ: لَا أَقُول بِهَذَا، لِأَن السعد والنحس وَالْخَيْر وَالشَّر بيد الله﴾ لَيْسَ للكواكب هَا هُنَا مِثْقَال ذرة من الْقُدْرَة؛ وَإِنَّمَا وضعت كتب النُّجُوم ليتمعش بهَا الجاهلون من الْعَامَّة؛ وَلَا حَقِيقَة لَهَا. فَقَالَ الْوَزير: احضر إِلَى ابْن الصُّوفِي! وَقد كَانَ لَهُ تقدم فِي هَذَا الْبَاب. فَلَمَّا حَضَره، دَعَاهُ الْوَزير إِلَى مناظرة القَاضِي، ليصحح مَا أبْطلهُ بِزَعْمِهِ فَقَالَ ابْن الصُّوفِي: لَيست المناظرة من
стр. 38
شأني، وَلَا أَنا قَائِم بهَا. وَإِنَّمَا أحفظ علم النُّجُوم وَأَنا أَقُول: إِذا كَانَ من النُّجُوم كَذَا، يكون كَذَا ﴿وَأما تَعْلِيله، فَهُوَ من علم أهل الْمنطق وَأهل الْكَلَام. وَجَرت لَهُ فِي ذَلِك الْوَجْه بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بَين يَدي ملكهَا، مَعَ بطارقته ونبلاء مِلَّته، مناظرات ومحاورات: مِنْهَا أَن الْملك قَالَ لَهُ: هَذَا الَّذِي تَدعُونَهُ فِي معجزات نَبِيكُم من انْشِقَاق الْقَمَر، كَيفَ هُوَ عنْدكُمْ؟ قلت: هُوَ صَحِيح عندنَا. وَانْشَقَّ الْقَمَر على عهد رَسُول الله ﷺ ﴾ حَتَّى رأى النَّاس ذَلِك، وَإِنَّمَا رَآهُ الْحُضُور وَمن اتّفق نظره لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال. فَقَالَ الْملك: وَكَيف لم يره جَمِيع النَّاس؟ قلت: لِأَن النَّاس لم يَكُونُوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره. فَقَالَ: وَهَذَا الْقَمَر بَيْنكُم وَبَينه نِسْبَة وقرابة. لأي شَيْء لم تعرفه الرّوم وَغَيرهَا من سَائِر النَّاس، وَإِنَّمَا رَأَيْتُمُوهُ أَنْتُم خَاصَّة؟ قلت: فَهَذِهِ الْمَائِدَة بَيْنكُم وَبَينهَا نِسْبَة؛ وَأَنْتُم رأيتموها دون الْيَهُود، وَالْمَجُوس، والبراهمة، وَأهل الْإِلْحَاد، وخاصة يونان جِيرَانكُمْ؛ فَإِنَّهُم كلهم منكرون لهَذَا الشَّأْن ﴿فتحير الْملك وَقَالَ فِي كَلَامه: سُبْحَانَ الله﴾ وَأمر بإحضار فلَان القسيس ليكلمني، وَقَالَ: نَحن لَا نطيقه. فَلم أشعر إِذْ جَاءُوا بِرَجُل كالدب أشقر الشّعْر؛ فَقعدَ. وحكيت لَهُ الْمَسْأَلَة؛ فَقَالَ: الَّذِي قَالَ الْمُسلم لَازم. مَا أعرف لَهُ جَوَابا، إِلَّا الَّذِي ذكره. فَقلت لَهُ: أَتَقول إِن الْكُسُوف، إِذا كَانَ، أيراه جَمِيع أهل الأَرْض، أم يرَاهُ أهل الإقليم الَّذِي فِي محاذاته؟ قَالَ: لَا يرَاهُ إِلَّا من كَانَ فِي محاذاته. قلت: فَمَا أنْكرت من انْشِقَاق الْقَمَر، إِذا كَانَ فِي نَاحيَة لَا يرَاهُ إِلَّا أهل تِلْكَ النَّاحِيَة وَمن تأهب للنَّظَر لَهُ، فَأَما من أعرض عَنهُ أَو كَانَ فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي لَا يرى الْقَمَر مِنْهَا، فَلَا يرَاهُ ﴿فَقَالَ: هُوَ كَمَا قلت﴾ مَا يدفعك عَنهُ دَافع ﴿وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الروَاة الَّذين نقلوا. وَأما الطعْن فِي غير هَذَا الْوَجْه، فَلَيْسَ بِصَحِيح﴾ فَقَالَ الْملك: وَكَيف يطعن فِي النقلَة؟ فَقَالَ النَّصْرَانِي: تَنْبِيه هَذَا من الْآيَات: إِذا صَحَّ وَجه أَن يَنْقُلهُ الجم الْغَفِير، حَتَّى يتَّصل بِنَا الْعلم بِهِ، وَلَو كَانَ كَذَلِك، لوقع لنا الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ. فَلَمَّا لم يَقع، دلّ على أَن الْخَبَر مفتعل بَاطِل. فَالْتَفت الْملك إِلَيّ وَقَالَ: الْجَواب؟ قلت: يلْزمه فِي نزُول الْمَائِدَة مَا لزمني فِي انْشِقَاق الْقَمَر؛ وَيُقَال لَهُ: لَو كَانَ نزُول الْمَائِدَة صَحِيحا، لوَجَبَ أَن يَنْقُلهُ الْعدَد الْكثير؛ فَلَو نَقله الْعدَد الْكثير،
стр. 39
فَلَا يبْقى يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ، إِلَّا وَيعلم هَذَا بِالضَّرُورَةِ؛ وَلما لم يعلمُوا ذَلِك بِالضَّرُورَةِ، دلّ على أَن الْخَبَر كذب ﴿فبهت النَّصْرَانِي وَالْملك وَمن ضمه الْمجْلس. وانفصل الْمجْلس على هَذَا. قَالَ القَاضِي: سَأَلَني الْملك فِي مجْلِس آخر فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم؟ ﵊﴾ قلت: روح الله، وكلمته، وَعَبده، وَنبيه، وَرَسُوله، كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ: " كن فَيكون ﴿" وتلوت عَلَيْهِ النَّص. فَقَالَ: يَا مُسلم﴾ تَقولُونَ: الْمَسِيح عبد؟ فَقلت: نعم؟ كَذَا نقُول وَبِه ندين ﴿قَالَ: وَلَا تَقولُونَ إِنَّه ابْن الله؟ قلت: " معَاذ الله﴾ مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه " الْآيَتَانِ. " إِنَّكُم لتقولون قولا عَظِيما ". فَإِذا جعلتم الْمَسِيح ابْن الله، فَمن كَانَ أَبوهُ، وَأَخُوهُ، وجده وخاله، وَعَمه؟ وعددت عَلَيْهِ الْأَقَارِب. فتحير وَقَالَ: يَا مُسلم ﴿العَبْد يخلق وَيحيى وَيُمِيت وَيُبرئ الأكمة والأبرص؟ فَقلت: لَا يقدر العَبْد على ذَلِك. وَإِنَّمَا ذَلِك كُله من فضل الله تَعَالَى﴾ قَالَ: وَكَيف يكون الْمَسِيح عبد الله، وخلقاً من خلقه، وَقد أَتَى بِهَذِهِ الْآيَات، وَفعل ذَلِك كُله؟ قلت: معَاذ الله ﴿مَا أحيي الْمَسِيح الْمَوْتَى، وَلَا أَبْرَأ الأكمة والأبرص﴾ فتحير وَقل صبره، وَقَالَ: يَا مُسلم ﴿تنكر هَذَا، مَعَ اشتهاره فِي الْخلق، وَأخذ النَّاس لَهُ بِالْقبُولِ﴾ فَقلت: مَا قَالَ أحد من أهل الْفِقْه والمعرفة إِن الْأَنْبِيَاء يَفْعَلُونَ المعجزات من ذاتهم؛ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء يَفْعَله الله تَعَالَى على أَيْديهم، تَصْدِيقًا لَهُم، يجْرِي مجْرى الشَّهَادَة ﴿فَقَالَ: قد حضر عِنْدِي جمَاعَة من أولى دينكُمْ والمشهورين فِيكُم وَقَالُوا إِن ذَلِك فِي كتابكُمْ. فَقلت: فِي كتَابنَا إِن ذَلِك كُله بِإِذن الله تَعَالَى﴾ وتلوت عَلَيْهِ مَنْصُوص الْقُرْآن فِي الْمَسِيح " بإذني " وَقلت: إِنَّمَا فعل الْمَسِيح ذَلِك كُله بِاللَّه وَحده لَا شريك لَهُ، لَا من ذَات الْمَسِيح. وَلَو كَانَ الْمَسِيح يحيي الْمَوْتَى وَيُبرئ الأكمة والأبرص من ذَاته وقوته، لجَاز أَن يُقَال إِن مُوسَى فلق الْبَحْر، وَأخرج يَده بَيْضَاء من غير سوء من ذَاته ﴿وَلَيْسَت معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈﴾ من ذاتهم دون إِرَادَة الْخَالِق ﴿فَلَمَّا لم يجز هَذَا، لم يجز أَن تسند المعجزات الَّتِي ظَهرت على يَد الْمَسِيح، للمسيح﴾
стр. 40
وَذكر ابْن حَيَّان، عَمَّن حَدثهُ أَن الطاغية وعد القَاضِي أَبَا بكر بالاجتماع مَعَه فِي محفل من محافل النَّصْرَانِيَّة، ليَوْم سَمَّاهُ. فَحَضَرَ أَبُو بكر، وَقد احتفل الْمجْلس، وبولغ فِي زينته. فأدناه الْملك، وألطف سُؤَاله، وَأَجْلسهُ على كرْسِي دون سَرِيره بِقَلِيل، وَالْملك فِي أبهته؛ وخاصته وَرِجَال مَمْلَكَته على مَرَاتِبهمْ. وَجَاء البطرك، قيم ديانتهم، آخر النَّاس، وَحَوله أَتْبَاعه يَتلون الأناجيل ويبخرون بِالْعودِ الرطب، فِي زِيّ حسن. فَلَمَّا توَسط الْمجْلس، قَامَ الْملك وَرِجَاله، تَعْظِيمًا لَهُ؛ فقضوا حَقه، ومسحوا أعطافه. وَأَجْلسهُ إِلَى جنبه، وَأَقْبل على القَاضِي أبي بكر؛ فَقَالَ لَهُ: يَا فَقِيه ﴿البطرك قيم الدّيانَة، وَولي النحلة﴾ فَسلم القَاضِي عَلَيْهِ أحفل سَلام، وَسَأَلَهُ أحفى سُؤال، وَقَالَ لَهُ: كَيفَ الْأَهْل وَالْولد؟ فَعظم قَوْله هَذَا عَلَيْهِ وعَلى جَمِيعهم وطبقوا على وُجُوههم، وأنكروا قَول أبي بكر عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ ﴿تستعظمون لهَذَا الْإِنْسَان اتِّخَاذ الصاحبة وَالْولد، وتربون بِهِ عَن ذَلِك، وَلَا تستعظمونه لربكم عز وَجهه﴾ فتضيفون إِلَيْهِ ذَلِك سدة لهَذَا الرَّأْي ﴿مَا أبين غلطه﴾ فَسقط فِي أَيْديهم، وَلم يردوا جَوَابا، وتداخلتهم لَهُ هَيْبَة عَظِيمَة، وانكسروا. ثمَّ قَالَ الْملك للبطرك: مَا ترى فِي أَمر هَذَا الرجل؟ قَالَ: تقضى حَاجته، وتلاطف صَاحبه، وَتخرج هَذَا الْعِرَاقِيّ عَن بلدك، من يَوْمك إِن قدرت؛ وَإِلَّا لم تأمن الْفِتْنَة على النَّصْرَانِيَّة مِنْهُ! فَفعل الْملك ذَلِك، وَأحسن جَوَاب عضد الدولة وهداياه، وَعجل تَسْرِيح الرَّسُول. وَبعث مَعَه عدَّة من أسرى الْمُسلمين، ووكل بِهِ من جنده من يحفظه حَتَّى يصل إِلَى مأمنه. قَالَ غَيره: وَكَانَ سير القَاضِي إِلَى ملك الرّوم سنة نَيف وَثَمَانِينَ وثلاثمائة.
ذكر القَاضِي عبد الْوَهَّاب
وَمن أَعْلَام الْعلمَاء، وصدور الْقُضَاة الروَاة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْمَالِكِي، أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن نصر بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن هَارُون الْبَغْدَادِيّ. ولي الْقَضَاء بمواضع مِنْهَا الدينور. فسما قدره، وشاع فِي الْآفَاق ذكره. قَالَ الشِّيرَازِيّ فِي تَعْرِيفه:
стр. 41
أَدْرَكته وَسمعت كَلَامه فِي النّظر. وَكَانَ قد رأى أَبَا بكر الْبَصْرِيّ إِلَّا أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا. وَكَانَ فَقِيها متأدباً. وَخرج فِي آخر عمره إِلَى مصر؛ فَحصل لَهُ بهَا حَال من الدُّنْيَا. قَالَ عِيَاض بن مُوسَى: قَوْله لم أيسمع من أبي بكر غير صَحِيح، بل: قد حدث عَنهُ، وَأَجَازَهُ، وتفقه على كبار أَصْحَابه كَأبي الْحسن بن الْقصار، وَأبي الْقَاسِم بن الْجلاب. ودرس الْفِقْه وَالْكَلَام وَالْأُصُول على القَاضِي أبي بكر الباقلاني الْمُتَقَدّم الذّكر وَصَحبه وَألف فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول تواليف بديعة مفيدة، مِنْهَا كتاب التَّلْقِين، وَكتاب شَرحه، وَكتاب شرح الرسَالَة والنصرة، لمَذْهَب دَار الْهِجْرَة، وَكتاب المعونة وأوائل الْأَدِلَّة، فِي مسَائِل الْخلاف بَين فُقَهَاء الْملَّة، وَكتاب الإشراف، على نكت مسَائِل الْخلاف، وَكتاب الإفادة فِي أصُول الْفِقْه، وَكتاب التَّلْخِيص فِيهِ، وَغير ذَلِك. وَعَلِيهِ تفقه أَبُو عمر وَأَبُو الْفضل الدِّمَشْقِي؛ وروى عَنهُ هَارُون الْفَقِيه، والمازري الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو بكر الْخَطِيب، وَجَمَاعَة من أهل الأندلس، مِنْهُم القَاضِي ابْن شماخ الغافقي، وَصَاحبه مهْدي بن يُوسُف، وَغير من ذكر. وَسبب خُرُوجه عَن حَضْرَة بَغْدَاد، كَلَام نقل عَنهُ أَنه قَالَه فِي الشَّافِعِي؛ وَطلب لأَجله؛ فَعجل بالفرار مِنْهَا، خَائفًا على نَفسه. قَالَ الشِّيرَازِيّ: وَأنْشد بعد ارتحاله عَنْهَا: سَلام على بَغْدَاد فِي كل موطن ... وَحقّ لَهَا مني السَّلَام المضاعف لعمرك مَا فارقتها عَن قلي لَهَا ... وَإِنِّي بشطي جانبيها لعارف ولاكنها ضَاقَتْ عَليّ برحبها ... وَلم تكن الأرزاق فِيهَا تساعف فَكَانَت كخل كنت أَهْوى دنوه ... وأخلاقه تنأى بِهِ وتخالف وَنسب لَهُ بَعضهم: وقائلةٍ لَو كَانَ ودك صَادِقا ... لبغداد لم ترحل فَكَانَ. جوابيا يُقيم الرِّجَال الموسرون بأرضهم ... وَتَرْمِي القوى بالمفترين المراميا وَمَا هجروا أوطانهم عَن ملاحظ ... وَلَا كن حذاراً من شمات الأعاديا
стр. 42
وَلما وصل مصر، وبنيته الْمغرب، وصفت لَهُ بِلَاده، فزهد فِيهَا، وَقد كَانَ خَاطب فُقَهَاء القيروان ورام الْقدوم على الأندلس، وَكتب أَيْضا فِي ذَلِك إِلَى مُجَاهِد الْمُوفق صَاحب دانية؛ فعاجلته منيته. وَتُوفِّي بِمصْر فِي شعْبَان سنة ٤٢٢، وَقد جَازَ المعترك. وَحكى أَنه لما أحس الْمَوْت، وَهُوَ بِمصْر، إِثْر مَا اتسعت حَاله، قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ﴿لما عِشْنَا متْنا﴾ غفر الله لنا وَله ورحمنا وإياه ﴿
ذكر القَاضِي مهْدي بن مُسلم
وَمن أقادم الْقُضَاة بالأندلس، قبل توطد الدولة المروانية بهَا، مهْدي بن مُسلم؛ استقضاه على قرطبة عقبَة بن الْحجَّاج، واستخلفه عَلَيْهَا، وَأمره بِالْقضَاءِ بَين أَهلهَا وَكَانَ من أهل الْعلم والورع وَالدّين المتين. وقبره عِنْد المصريين. وَلما أَرَادَ عقبَة تَوليته، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ عَهْدك لنَفسك﴾ فَكَتبهُ بِخَط يَده. قَالَ ابْن الْحَارِث: وَإنَّهُ الْيَوْم لأصل من الْأُصُول للْعهد فِي الْقَضَاء.
ذكر القَاضِي عنترة بن فلاح
وَمِنْهُم عنترة بن فلاح. حدث عَنهُ الشأميون، ووصفوا فَضله. وَكَانَ تقياً، ورعاً؛ استسقى يَوْمًا بِالنَّاسِ على مَا حَكَاهُ ابْن زرْعَة؛ فَأحْسن فِي قِيَامه فِي الْخطْبَة، وخشع النَّاس بوعظه وتذكيره، وحركهم بدعائه وابتهاله. فَلَمَّا فرغ، قَامَ إِلَيْهِ رجل من عَامَّة النَّاس؛ فَقَالَ لَهُ: أَيهَا القَاضِي الْوَاعِظ ﴿قد حسن عندنَا ظاهرك؛ فَحسن الله باطنك﴾ فَقَالَ: اللَّهُمَّ آمين وَلنَا أَجْمَعِينَ ﴿فَهَل أضمرت؛ يَا ابْن أخي، شَيْئا؟ فَقَالَ لَهُ: نعم يَا قَاضِي﴾ بتفريغ أهرائك، يتم فضل استسقائك ﴿فَقَالَ: عمري﴾ لقد نصحتني وَإِنِّي أشهد الله أَن جَمِيع مَا حواه ملكي من الطَّعَام صَدَقَة لوجه الله الْكَرِيم! ثمَّ أقسم أَن لَا يضع مقَامه حَتَّى يُرْسل إِلَى دَاره؛ فَيُفَرق جَمِيع مَا ادخره. قَالَ: فغيث النَّاس من يومهم غيثاً عَاما.
стр. 43
ذكر القَاضِي يحيى بن زيد
وَمِنْهُم يحيى بن زيد التجِيبِي. ولاه الْقَضَاء بالأندلس عمر بن عبد الْعَزِيز، على مَا روى عَن مُحَمَّد بن وضاح. وَكَانَ رجلا صَالحا، ورعاً، منقضباً، وَقد وَقع التَّنْبِيه على سيرة مهَاجر بن نَوْفَل: وَكَانَ من رسمه، إِذا اجْتمع النَّاس عِنْده للحكومه، بَدَأَ بوعظهم وتذكيرهم؛ فَلَا يزَال يخوفهم الله تَعَالَى، ويحذرهم وبال الْجِدَال بِالْبَاطِلِ، وَمَا يلْحق الْمُبْطل من سخط الله ! وعقوبته، ويمثل لَهُم مواقفهم بَين يَدَيْهِ فِي الْقِيَامَة، ثمَّ يذكر مَا يلْزم القَاضِي من الْحساب، وَمَا يجب عَلَيْهِ من التَّحَرِّي لإصابة الْحق، وَالِاجْتِهَاد لتخليص نَفسه؛ ثمَّ يَأْخُذ فِي النوح والبكاء على نَفسه. فَيكون ذَلِك دأبه، حَتَّى لربما انْصَرف عَنهُ أَكثر المختصمين، بَاكِينَ، وجلين، قد تعاطوا الْحق بَينهم.
ذكر القَاضِي مُعَاوِيَة بن صَالح الْحَضْرَمِيّ
وَمن الْقُضَاة الْمُتَقَدِّمين، مُعَاوِيَة بن صَالح الْحَضْرَمِيّ الْحِمصِي. خرج من الشأم إِلَى الأندلس؛ فوصلها سنة ١٢٣. فاستوطن مَدِينَة مالقة، وَبنى بِأَسْفَل قصبتها مَسْجِدا هُوَ مَنْسُوب حَتَّى الْآن لَهُ. ثمَّ انْتقل إِلَى إشبيلية؛ فسكنها. ثمَّ ولاه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة الْقَضَاء بقرطبة. وَكَانَ من جلة أهل الْعلم، وكبار رُوَاة الحَدِيث؛ شَارك مَالك بن أنس فِي بعض رِجَاله كيحيى بن سعيد وَأَمْثَاله. وَأخذ عَنهُ جملَة من الأيمة، مِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ، وَاللَّيْث بن سعد، وَابْن عُيَيْنَة. وَذكر أَن مَالك بن أنس روى عَنهُ حَدِيث وَاحِدًا. وَكَانَ مِمَّن يَسْتَغْنِي بعقله وَعلمه وفهمه عَن مُشَاورَة غَيره. ورحل إِلَيْهِ زيد بن الْحباب من الْكُوفَة؛ فَسمع مِنْهُ بالأندلس حَدِيثا كثيرا. وَتُوفِّي بقرطبة، وَدفن ببقيع ربضها؛ وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير هِشَام بن عبد الرَّحْمَن وَمَشى على قَدَمَيْهِ فِي جنَازَته؛ وَذَلِكَ سنة ١٦٨.
стр. 44
ذكر القَاضِي نصر بن ظريف الْيحصبِي
وَمِنْهُم نصر بن ظريف الْيحصبِي. ولي الْقَضَاء زَمَانا، على مَا حَكَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر. فَسَار فِيهِ بأجمل سيرة: مِنْهَا عمله فِي قَضِيَّة حبيب الْقرشِي؛ وَذَلِكَ أَنه دخل على الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة؛ فَشكى إِلَيْهِ بِالْقَاضِي، وَذكر أَنه يُرِيد أَن يسجل عَلَيْهِ فِي ضَيْعَة قيم فِيهَا، وَادّعى عَلَيْهِ الاغتصاب لَهَا، ولاذ بالأمير من إسراع القَاضِي إِلَى الحكم عَلَيْهِ من غير تثبيت. فَأرْسل الْأَمِير إِلَيْهِ، وَكَلمه فِي حبيب، وَنَهَاهُ عَن العجلة عَلَيْهِ؛ فَخرج ابْن ظريف من يَوْمه، وَعمل بضد مَا أَرَادَ الْأَمِير، وأنفذ الحكم. وَبلغ الْخَبَر حبيباً؛ فَدخل إِلَى الْأَمِير متغراً غيظاً؛ فَذكر لَهُ مَا عمله القَاضِي، وَوَصفه بالاستخفاف بأَمْره والنقض لَهُ، وأغراه. فَغَضب الْأَمِير على القَاضِي واستحضره؛ فَقَالَ لَهُ: من أَمرك على أَن تنفذ حكما، وَقد أَمرتك بِتَأْخِيرِهِ والإناءة بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: قد منى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ﴿فَإِنَّمَا بَعثه الله بِالْحَقِّ، ليقضي بِهِ على الْقَرِيب والبعيد، والشريف والدنئ. وَأَنت أَيهَا الْأَمِير، مَا الَّذِي حملك على أَن تتحامل لبَعض رعيتك على بعض، وَأَنت تَجِد مندوحة بِأَن ترْضى من مَالك من تعنى بِهِ، وتمد الْحق لأَجله؟ فَقَالَ لَهُ: جَزَاك الله، يَا بن ظريف، خيرا﴾ وَخرج القَاضِي؛ فَدَعَا بالقوم الَّذين صَارَت الضَّيْعَة إِلَيْهِم بِالِاسْتِحْقَاقِ، وكلمهم؛ فَوَجَدَهُمْ راضين بِبَيْعِهَا؛ إِن أجزل لَهُم الثّمن. فعقد فِيهَا البيع مَعَهم، وَصَارَت إِلَى جبيب. فَكَانَ بعد ذَلِك يَقُول: جزى الله ابْن ظريف عَنَّا خيرا ﴿كَانَ بيَدي ضَيْعَة حرَام؛ فَجَعلهَا حَلَالا﴾ وَكَانَ هَذَا القَاضِي، من زهده وورعه، إِذا شغل عَن الْقَضَاء يَوْمًا وَاحِدًا، لم يَأْخُذ لذَلِك الْيَوْم أجرا.
ذكر القَاضِي يحيى بن معمر
وَمِنْهُم يحيى بن معمر. لَهُ رحْلَة إِلَى الْمشرق، لَقِي فِيهَا أَشهب بن عبد الْعَزِيز، وَسمع مِنْهُ وَمن غَيره. وَكَانَ فِي مذْهبه ورعاً، زاهداً، فَاضلا. استقصاه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن.
стр. 45
وَكَانَ صَلِيب الْقَنَاة، قَلِيل المبالاة بالعتب فِي سَبِيل الْحق؛ وَكَانَ، إِذا أشكل عَلَيْهِ أَمر من أَحْكَامه، كتب فِيهِ إِلَى أصبغ بن الْفرج ونظرائه بِمصْر: فكشفهم عَن وَجه مَا يُرِيد علمه؛ فيحقق عَلَيْهِ ذَلِك فُقَهَاء الأندلس. وَكَانَ هُوَ قَلِيل الرِّضَا عَن طلبه قرطبة، شَدِيد التقضي عَلَيْهِم، لَا يلين لَهُم فِي شَيْء مِمَّا يُرِيدُونَ، وَلَا يصغى إِلَيْهِم؛ وَبلغ من تجاهله عَلَيْهِم أَن سجل بالسخطة على تِسْعَة عشر مِنْهُم؛ فنفروا عَنهُ بأجمعهم. ونشأت بَينه وَبَين يحيى بن يحيى لأجل ذَلِك عَدَاوَة؛ فسعى فِي عَزله عِنْد الْأَمِير، وَأقَام عَلَيْهِ بِمَا زَعمه الشُّهُود: فَعَزله. وَلما احْتضرَ ابْن معمر، وَهُوَ بِبَلَد إشبيلية، وأيقن بِالْمَوْتِ، قَالَ لمولى لَهُ، على مَا حَكَاهُ الزَّاهِد عُثْمَان بن سعيد أَقْسَمت عَلَيْك، إِذا أَنا مت، إِلَّا مَا ذهبت إِلَى قرطبة؛ فقف بِيَحْيَى بن يحيى، وَقل لَهُ: يَقُول لَك ابْن معمر: " وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون ﴿. " فَفعل ذَلِك مَوْلَاهُ لما مَاتَ سَيّده، وَبلغ يحيى مَا تقرعه بِهِ. قَالَ: فَبكى وَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ مَا أَظن الرجل إِلَّا خدعنَا فِيهِ ثمَّ ترحم عَلَيْهِ، واستغفر لَهُ ﴿
ذكر القَاضِي المصعب بن عمرَان
وَقد تقدم الْكَلَام فِي إباية المصعب بن عمرَان عَن الْقَضَاء، أَيَّام خلَافَة الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة. فَلَمَّا ولى ابْنه هِشَام الْملك، اخْتَار المصعب للْقَضَاء، واستحضره، وَقَالَ لَهُ: قد علمت أَنه إِنَّمَا مَنعك عَن الْقبُول من أبي ﵀﴾ الْأَخْلَاق الَّتِي كَانَت فِيهِ. وَقد عرفت أخلاقي وبلوتها: فاحمل عني هم الْقَضَاء ﴿فأباه واستعفاه؛ فَغَضب هِشَام عَلَيْهِ عزماً شَدِيدا، وتهدده، وأوعده. وَذكر بَعضهم أَنه قَالَ: لَئِن لم تعْمل على الْقَضَاء، لأسطون بك سطوة تزيل اسْم الْحلم عني﴾ فَلَمَّا رأى ذَلِك، وَخَافَ على نَفسه، تولى لَهُ الْعَمَل كرها؛ وَاشْترط على هِشَام أَن يَأْذَن لَهُ فِي اطلَاع ضيعته يَوْمَيْنِ فِي الْجُمُعَة: السبت والأحد، وَيحكم لسَائِر الْأَيَّام. فَأَجَابَهُ إِلَى
стр. 46
ذَلِك. وَلم يزل على قَضَاء الْأَمِير هِشَام إِلَى أَن توفّي؛ فأقره ابْنه الحكم؛ وَكَانَ قد عرف صلابته وتنفيذه الْأَحْكَام؛ فَاشْتَدَّ مَعَه، وَصَارَ يُؤَيّدهُ، وَلَا يسمع فِيهِ مقَالَة طَاعن، ويجيز أَفعاله، وَينفذ أَحْكَامه، وَإِن وَقعت بِغَيْر المحبوب مِنْهُ. وَفِي كتاب الْحسن بن مُحَمَّد: إِن الْعَبَّاس بن عبد الْملك المرواني اغتصب رجلا من أهل جيان ضيعته. فَبينا هُوَ ينازعه فِيهَا، هلك الرجل، وَترك أيتاماً صغَارًا. فَلَمَّا ترعرعوا، وسمعوا بِعدْل القَاضِي مُصعب وقضائه، قدمُوا قرطبة، وأنهوا إِلَيْهِ مظلمتهم بِالْعَبَّاسِ، وأثبتوا مَا وَجب إثْبَاته؛ فَبعث القَاضِي فِي الْعَبَّاس، وأعلمه بِمَا دَفعه إِلَيْهِ الْأَيْتَام، وعرفه بالشهود عَلَيْهِ، وأعذر إِلَيْهِ فيهم، وأباح لَهُ المدافع، وَضرب لَهُ الْآجَال فَلَمَّا انصرمت، وَلم يَأْتِ بِشَيْء، أعلمهُ أَنه ينفذ الحكم عَلَيْهِ. فَفَزعَ الْعَبَّاس إِلَى الْأَمِير الحكم، وَسَأَلَهُ أَن يوصى إِلَى القَاضِي التخلي عَن النّظر فِي قصَّته، ليَكُون هُوَ النَّاظر فِيهَا. فأوصل إِلَيْهِ الْأَمِير ذَلِك مَعَ خَليفَة لَهُ من أكَابِر فتيانه؛ فَلَمَّا أدّى الْوَصِيَّة إِلَيْهِ، اشتدت عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِن الْقَوْم قد أثبتوا حَقهم ﴿ولزمهم فِي ذَلِك عناء طَوِيل وَنصب شَدِيد، لبعد مكانهم، وَضعف حالتهم. وَفِي هَذَا على الْأَمِير أعزه الله﴾ مَا فِيهِ ﴿فلست أتخلى عَن النّظر وإنفاذ الحكم لوجهه. فَلْيفْعَل الْأَمِير بعده مَا يرَاهُ صَوَابا من رَأْيه﴾ فَرجع الرَّسُول إِلَى الْأَمِير بجوابه، فَوَجَمَ مِنْهُ؛ وَجعل الْعَبَّاس يغريه بمصعب، وَيَقُول: قد أعلمت الْأَمِير بِشدَّة استخفافه وغلطه فِي نَفسه، وَتَقْدِيره أَن الحكم لَهُ، وَلَا حكم للأمير عَلَيْهِ ﴿فَأَعَادَ الْإِرْسَال إِلَيْهِ بعزمه مِنْهُ، يَقُول: لَا بُد لَك من أَن تكف عَن النّظر فِي هَذِه الْقَضِيَّة، لأَكُون أَنا النَّاظر فِيهَا﴾ فَلَمَّا جَاءَهُ بعزمته، أمره بالقعود؛ ثمَّ أَخذ قرطاساً، فسواه، وَعقد فِيهِ حكمه للْقَوْم بالضيعة؛ ثمَّ أنفذه لوقته بالاشهاد عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ للرسول: اذْهَبْ إِلَى الْأَمِير أصلحه الله ﴿فاعلمه أَنِّي قد أنفذت مَا لزمني إِنْفَاذه من الْحق خوف الْحَادِثَة على نَفسِي، وَرَهْبَة السُّؤَال عَنهُ. وَإِن شَاءَ نفذه، فَذَلِك لَهُ﴾ يتقلد مِنْهُ مَا شَاءَ ﴿فَذهب مغضباً، وَحرق كَلَام القَاضِي؛ وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ: قد حكمت بِالْعَدْلِ؛ فلينقضه الْأَمِير إِن قدر﴾ فاستشاط غيظاً، وأطرق مَلِيًّا، وَالْعَبَّاس يهيج غَضَبه؛ وهم بمصعب، إِلَى أَن تداركته عصمَة من الله، ثبتَتْ بصيرته، فسرى عَنهُ، وَقَالَ للْعَبَّاس: إربع على ظلعك! فَمَا أشقاه
стр. 47
من جرى عَلَيْهِ قلم القَاضِي ﴿فقف عِنْد أمره﴾ فَإِنَّهُ أشبه بِنَا وَأولى بك ﴿وَأقَام على حسن رَأْيه فِي القَاضِي، وَلم يعرضه. وَقَول الْأَمِير: إربع على ظلعك﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّك ضَعِيف فانته عَمَّا لَا تُطِيقهُ ﴿قَالَ صَاحب الْأَفْعَال: أربعت على الشَّيْء: عطفت عَلَيْهِ؛ وَمِنْه: إربع على نَفسك: قَالَ أَبُو عُثْمَان: مَعْنَاهُ: الزم أَمرك وشأنك. قَالَ: وتمثل الْمَأْمُون، حِين وضع رَأس مُحَمَّد المخلوع بَين يَدَيْهِ، بقول الشَّاعِر: يَا صَاحب الْبَغي إِن الْبَغي مصرعة ... فاربع عَلَيْك فَخير القَوْل أعدله فَلَو بغى جبل يَوْمًا على جبل ... لاندك مِنْهُ أعاليه وأسفله وَقَالَ الْهَرَوِيّ: فِي حَدِيث بَعضهم، إِنَّه لَا يربع على ظلعك من لَيْسَ يحزنهُ أَمرك. سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْقرشِي يَقُول: مَعْنَاهُ: لَا يُقيم عَلَيْك، فِي حَال ضعفك، من لَيْسَ يحزنهُ أَمرك، أَي لَا يهتم بشأنك إِلَّا من يحزنهُ حالك. قَالَ: وَأَصله من ربع الرجل يربع ربوعاً إِذا أَقَامَ بالْمقَام. والظلع العرج كَأَنَّهُ يَقُول: لَا يُقيم على عرجك، إِذا تخلفت عَن أَصْحَابك، إِلَّا من يهتم بشأنك. وَكَانَ المصعب يشاور فِي شَأْنه صعصعة بن سَلام، وَعبد الرَّحْمَن بن مُوسَى، وَعبد الْملك بن الْحسن، والغازي بن قيس، وأمثالهم. وَقَالَ فِيهِ ابْن عبد الْبر، وَقد ذكره: يكنى أَبَا مُحَمَّد؛ شأمي الأَصْل، دخل الأندلس فِي أَيَّام عبد الرَّحْمَن؛ واستقضاه هِشَام وَكَانَ يرْوى عَن الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره. وَكَانَ لَا يُقَلّد مذهبا، وَيقْضى بِمَا يرَاهُ صَوَابا. وَكَانَ خيرا فَاضلا.
نبذ من أَخْبَار مُحَمَّد بن بشير الْمعَافِرِي وَبَعض سيره
كَانَ هَذَا الرجل ﵀﴾ مِمَّن لَقِي مَالك بن أنس عِنْد توجهه إِلَى حج بَيت الله الْحَرَام. فَلَمَّا عَاد إِلَى الأندلس، استقضاه الحكم بن هِشَام؛ وَقبل قَضَاءَهُ على شُرُوط: مِنْهَا نَفاذ حكمه على كل أحد، من الْأَمِير إِلَى حارس السُّوق؛ وَأَنه إِذا ظهر لَهُ الْعَجز من
стр. 48
نَفسه، أعفى، وَأَن يكون رزقه كفافاً من المَال الفئ. وَكَانَ من صُدُور الْقُضَاة، وَذَوي الْمذَاهب الجميلة، شَدِيد الشكيمة، ماهر الْعَزِيمَة. قَالَ أَحْمد بن خَالِد: وَكَانَ أول مَا أنفذه فِي قَضَائِهِ التسجيل على الْأَمِير الحكم؛ فِي رحى القنطرة، إِذْ قيم عَلَيْهِ فِيهَا، وَثَبت عِنْده من الْمُدعى وَسمع من بَينته مَا اعذر بِهِ إِلَى الْأَمِير الحكم؛ فَلم يكن عِنْده مدفع. فسجل فِيهَا، وَأشْهد على نَفسه. فَلَمَّا مَضَت مدَّته، ابتاعها ابتياعاً صَحِيحا. فَكَانَ الحكم بعد ذَلِك يَقُول: رحم الله مُحَمَّد بن بشير ﴿لقد أحسن فِيمَا فعل بِنَا على كره منا: كَانَ بِأَيْدِينَا شَيْء مشتبه؛ فصححه لنا، وَصَارَ حَلَالا، طيب الْملك فِي أعقابنا﴾ وَمِمَّا يذكر عَلَيْهِ أَن رجلا كَانَ يُدَلس فِي كتب الوثائق، وَإنَّهُ عقد وَثِيقَة بَاطِل على رجل من التُّجَّار، وَقَامَ بذلك عِنْد مُحَمَّد بن بشير. فَلَمَّا صَحَّ لَدَيْهِ تدليسه، أَمر بِقِطْعَة؛ فَقطعت يَده. وَكَانَ إِذا اخْتلفت عَلَيْهِ الْفُقَهَاء بقرطبة، وأشكل عَلَيْهِ الْأَمر فِي قَضِيَّة، كتب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بِمصْر، وَإِلَى عبد الله بن وهب، وأشباههما؛ وَرُبمَا قبل الشَّاهِد على التوسم. وَنقل عَن عبيد الله بن يحيى عَن أَبِيه أَنه قَالَ لمُحَمد بن بشير: إِن الْحَالَات تَتَغَيَّر، وَلَا تثبت. فَإِذا عدل عنْدك الرجل بِحكم شَهَادَته، ثمَّ تطاول أمره، وَشهد عنْدك ثَانِيَة، فكلفه التَّعْدِيل، وَأخر فِيهِ الْكَشْف؛ فاعمل بِحَسب الَّذِي يَبْدُو لَك. فَقبل ذَلِك مِنْهُ ابْن بشير. فَلَمَّا أشعر النَّاس بِهِ أخذُوا حذرهم مِنْهُ. وَمن كتاب مُحَمَّد بن حَارِث، حَدِيث أَحْمد بن خَالِد؛ قَالَ: سمعنَا مُحَمَّد بن وضاح يَقُول: وكل سعيد الْخَيْر بن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة عِنْد القَاضِي مُحَمَّد بن بشير وَكيلا يُخَاصم عَنهُ فِي شَيْء اضْطر إِلَيْهِ. وَكَانَت بِيَدِهِ فِيهِ وَثِيقَة، فِيهَا شَهَادَات من أهل الْقبُول، وَقد أَتَى عَلَيْهِم الْمَوْت؛ فَلم يكن فِيهَا من الْأَحْيَاء إِلَّا الْأَمِير الحكم بن هِشَام وَشَاهد آخر مبرز. فَشهد ذَلِك الشَّاهِد عِنْد القَاضِي، وَضربت الْآجَال على وَكيله فِي شَاهد ثَان رجى بِهِ الْخِصَام فَدخل سعيد الْخَيْر بِالْكتاب إِلَى الْأَمِير الحكم، وَأرَاهُ شَهَادَته فِي الْوَثِيقَة وَكَانَ قد كتبهَا قبل الْإِمَارَة، فِي حَيَاة وَالِد وعرفه مَكَان حَاجته إِلَى أَدَائِهَا عِنْد قاضيه، خوفًا من بطول حَقه. وَكَانَ الحكم يعظم سعيد الْخَيْر عَمه، وَيلْزم مبرته؛ فَقَالَ لَهُ: يَا عَم! إِنَّا
стр. 49
لسنا من أهل الشَّهَادَات؛ فقد التبسنا من فتن هَذِه الدُّنْيَا بِمَا لَا تجهله؛ ونخشى أَن توقفنا مَعَ القَاضِي موقف مخزاة، كُنَّا نفديه بملكنا. فصر فِي خصامك إِلَى مَا صيرك الْحق إِلَيْهِ ﴿وعلينا خلف مَا انتقصك﴾ فَأبى عَلَيْهِ سعيد الْخَيْر، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله ﴿وَمَا عَسى أَن يَقُول قاضيك فِي شهادتك، وَأَنت وليته، وَهُوَ حَسَنَة من حَسَنَاتك﴾ وَلَقَد لزمك فِي الدّيانَة أَن تشهد لي بِمَا عَلمته، وَلَا تكتمني مَا أَخذ الله عَلَيْك ﴿فَقَالَ لَهُ الْأَمِير: بلَى﴾ إِن ذَلِك لمن حَقك كَمَا تَقول. وَلَكِنَّك تدخل بِهِ علينا دَاخِلَة؛ فَإِن أعفيتنا مِنْهُ، فَهُوَ أحب إِلَيْنَا؛ وَإِن اضطررنا، لم يمكننا عقوقك. فعزم عَلَيْهِ سعيد الْخَيْر عزم من لم يشك أَن قد ظفر بحاجته. وضايقته الْآجَال؛ فألج عَلَيْهِ؛ فَأرْسل الْأَمِير الحكم عِنْد ذَلِك عَن فقيهين من فُقَهَاء حَضرته، وَخط شَهَادَته تِلْكَ بِيَدِهِ فِي قرطاس، وَختم عَلَيْهِ بِخَاتمِهِ، وَدفعهَا إِلَى الفقهين، وَقَالَ لَهما: هَذِه شهادتي بحطى تَحت طابعي ﴿فأدياها إِلَى القَاضِي﴾ فَأتيَاهُ بهَا إِلَى مَجْلِسه، فِي وَقت قعوده للسماع من الشُّهُود فإدياها إِلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهما: قد سَمِعت مِنْكُمَا؛ فقوما راشدين ﴿وانصرفا. وجارت دولة وَكيل سعيد الْخَيْر؛ فَتقدم إِلَيْهِ مذلاً، واثقاً بالخلاص؛ فَقَالَ لَهُ: أَيهَا القَاضِي﴾ قد شهد عنْدك الْأَمِير أصلحه الله ﴿فَمَا تَقول؟ فَأخذ القَاضِي كتاب الشَّهَادَة، وَنظر فِيهِ؛ ثمَّ قَالَ للْوَكِيل: هَذِه شَهَادَة لَا تعْمل بهَا عِنْدِي﴾ فجيء بِشَاهِد عدل ﴿فدهش الْوَكِيل، وَمضى إِلَى مُوكله؛ وأعلمه؛ فَركب من فوره إِلَى الْأَمِير الحكم وَقَالَ لَهُ: ذهب سلطاننا وأزيل بهاؤنا﴾ ويجترئ هَذَا القَاضِي على رد شهادتك، وَالله تَعَالَى قد استخلفك على خلقه، وَجعل الْأَمر فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَيْك ﴿هَذَا مَا لَا يَنْبَغِي أَن تحتمله عَلَيْهِ﴾ وَجعل يغريه بِالْقَاضِي، ويحرضه على الْإِيقَاع بِهِ. فَقَالَ لَهُ الحكم: وَهل شَككت أَنا فِي هَذَا؟ يَا عَم ﴿القَاضِي، وَالله﴾ رجل صَالح، لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم ﴿فَقل الَّذِي يجب عَلَيْهِ، وَيلْزمهُ، ويسد بَابا كَانَ يصعب علينا الدُّخُول مِنْهُ﴾ فَأحْسن الله عَنَّا وَعَن نَفسه جزاءه ﴿فَغَضب سعيد الْخَيْر من قَوْله، وَقَالَ لَهُ: هَذَا حسبي مِنْك﴾ فَقَالَ لَهُ: نعم ﴿قد قضيت الَّذِي كَانَ عَليّ؛ وَلست، وَالله﴾ أعارض القَاضِي فِيمَا أحتاط بِهِ لنَفسِهِ، وَلَا أخون الْمُسلمين فِي قبض يَد مثله ﴿وَلما عوتب ابْن بشير فِيمَا أَتَاهُ من ذَلِك، قَالَ لمن عاتبه: يَا عَاجز﴾ أَلا تعلم أَنه لَا بُد من الْإِعْذَار فِي الشَّهَادَات؟ فَمن كَانَ يجترى على
стр. 50
الدّفع فِي شَهَادَة الْأَمِير لَو قبلتها؟ الدّفع فِي شَهَادَة الْأَمِير لَو قبلتها؟ وَإِن لم اعذر، بخست الْمَشْهُود عَلَيْهِ بعض حَقه ﴿وَكَانَ القَاضِي مُحَمَّد بن بشير لَا يُجِيز الشَّهَادَة على الْخط فِي غير الأحباس، وَلَا يرى الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد. وَلذَلِك اعتل عِنْد شَهَادَة الْأَمِير الحكم فِي خُصُومَة عَمه سعيد الْخَيْر بِمَا اعتل. وَمَسْأَلَة الْيَمين مَعَ الشَّاهِد مِمَّا اخْتلف فِيهِ أهل الْعلم؛ فَأَما مَالك، فَإِنَّهُ كَانَ يرى ذَلِك؛ وَأما اللَّيْث، فَإِنَّهُ كَانَ يرى أَن كل حق لم يشْهد عَلَيْهِ عَدْلَانِ بِاللَّه تَعَالَى لم يرد إِتْمَامه. قَالَ عبيد الله بن يحيى: وَكَانَ أبي ﵀﴾ يحْتَج بقول اللَّيْث. ويحكى عَن مُحَمَّد بن بشير أَنه لم يحكم فِي ولَايَته بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَلَا حكما وَاحِدًا. وَفِي أَحْكَام ابْن أبي زِيَاد: قَالَ مُحَمَّد بن عمر بن لبَابَة: قد علم القَاضِي حفظه الله ﴿اخْتِلَاف أهل الْعلم، وَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَأَصْحَابه من الْيَمين مَعَ الشَّاهِد، وَمَا ذهب إِلَيْهِ قُضَاة بلدنا مُنْذُ دَخلته الْعَرَب، من أَنهم لَا يرَوْنَ الْيَمين مَعَ الشَّاهِد، وَلَا يقضون بِهِ. فليتخير القَاضِي مَا أرَاهُ الله. وَإِنِّي لمتوقف على الِاخْتِيَار فِي هَذَا، لما ظهر لي من فَسَاد النَّاس، وَقلة الدعة فِي الشَّهَادَة. وَمن نَوَازِل أبي الْأَصْبَغ بن سهل: قَالَ ابْن حبيب: حَدثنِي ابْن أبي أويس، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَعَن يُونُس بن يزِيد، عَن سَلمَة بن قيس، أَن رَسُول الله ﷺ ﴾ اسْتَشَارَ جِبْرِيل ﵊ فِي الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد؛ فَأمره بذلك. وَعَن عَليّ بن أبي طَالب أَن رَسُول الله ﷺ ﴿قضى فِي الْحُقُوق بِهِ؛ وَقضى بذلك عَليّ وَشُرَيْح. قَالَ مَالك: مَضَت بِهِ السّنة؛ يحلف الطَّالِب مَعَ شَاهده، وَيسْتَحق حَقه؛ فَإِن نكل، حلف الْمَطْلُوب، وَإِلَّا غرم. وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال خَاصَّة، لَا فِي الْحُدُود، وَلَا فِي النِّكَاح، وَلَا فِي الطَّلَاق، وَلَا فِي الْعتاق وَالسَّرِقَة والفرية. وَأجْمع عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد من الْحِجَازِيِّينَ وَغَيرهم، أَنه لَا يقْضى بِهِ إِلَّا الْأَمْوَال والديون وَغَيرهمَا. وَقَالَهُ عَمْرو بن دِينَار، وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ﴾ وَقَالَ ابْن حبيب، عَن مطرف، عَن مَالك: يجوز الْيَمين مَعَ الشَّاهِد فِي الْحُقُوق، والجراح عمدها وخطئها، وَفِي المشاتمة، مَا عدا الْحُدُود من الْفِرْيَة وَالسَّرِقَة وَالطَّلَاق. قَالَ: وحَدثني أصبغ بن الْفرج، عَن ابْن وهب، عَن أبي الزِّنَاد، عَن أَبِيه، أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يقْضى بِهِ فِي المشاتمة وَفِي الْجراح الْعمد وَالْخَطَأ، وَلَا يُجِيزهُ
стр. 51
فِي الْفِرْيَة وَالطَّلَاق وَالْعتاق وأشباهه. ثمَّ قَالَ القَاضِي: ومسائل هَذَا الْبَاب كَثِيرَة. وَالْمرَاد مِنْهُ الْإِعْلَام بالمذاهب فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين. وَمَا جرى بِهِ الْعَمَل فِي الأندلس وَقد ذَكرْنَاهُ، وَمن صَحَّ نظهر فِي أَحْوَال النَّاس الْيَوْم والمعرفة باخْتلَاف الشَّهَادَات لم تطب نَفسه على الْقَضَاء، وَلَا مَعَ الشَّاهِد المبرز فِي الْعَدَالَة والنباهة. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ﴿وَترك الحكم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين من الْمسَائِل الْأَرْبَع الَّتِي خَالف أهل الأندلس فِيهَا قَدِيما مَذْهَب مَالك بن أنس؛ وَهِي أَن لَا يحكموا بالخلطة، وَلَا بِالشَّاهِدِ الْيَمين. وأجازوا كِرَاء الأَرْض بالجزء مِمَّا يخرج مِنْهَا، وَهُوَ مَذْهَب اللَّيْث بن سعد، وأجازوا غرس الشّجر فِي الْمَسَاجِد، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ. وَلم يزل مُحَمَّد بن بشير مُتَوَلِّيًا خطة الْقَضَاء إِلَى أَن توفّي سنة ١٩٨. قَالَ عَنهُ بَقِي بن مخلد، وَقد ذكره، وَأثْنى عَلَيْهِ: كَانَت لَهُ فِي قضاياه مَذَاهِب ودقائق، لم تكن لأحد قبله بالأندلس، وَلَا بفاس، وَلَا بِمن تقدم من صُدُور هَذِه الْأمة ﵀ وأرضاه﴾ وَمن المطالب الَّتِي للْقَاضِي على سُلْطَانه، حَسْبَمَا شَرطه ابْن بشير مُحَمَّد بتوليته، والإعانة لَهُ على مَا أَهله إِلَيْهِ من الْقيام بخطته، وإمضاء أَحْكَام الْحق على جِهَته والأقربين من عشيرته، فضلا عَن خوله وحاشيته. وَقد كَانَ الْخَلِيفَة الْمَدْعُو بالمنصور، من بنى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، بالمثابة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من شموخ أَنفه وسمو سُلْطَانه. فَمَا زَاده التذلل للْحكم الشَّرْعِيّ إِلَّا رفْعَة إِلَى رفعته، وَعزة إِلَى عزته. فقد جرى حَتَّى الْآن الْمثل بِمَا حدث لَهُ مَعَ مُحَمَّد بن عمرَان، قَاضِي الْمَدِينَة فِي وقته: وَذَلِكَ أَنه لما وصل إِلَيْهَا حَاجا، تظلم مِنْهُ الجمالون، وصاحوا على القَاضِي. قَالَ الشَّيْبَانِيّ: فَكنت كَاتبه؛ فَأمرنِي أَن أكتب إِلَى الْمَنْصُور رقْعَة فِي الْحُضُور مَعَ من تظلم مِنْهُ. فَقلت: تعفيني من هَذَا ﴿فَإِنَّهُ يعرف خطي﴾ فَقَالَ: إِذا لَا يحملهَا غَيْرك ﴿فَكتب، تمّ ختم الْكتاب، ومضيت، ودفعته إِلَى الرّبيع، واعتذرت. وَقَالَ: لَا عَلَيْك﴾ وَدخل بِالْكتاب، ثمَّ خرج؛ فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام؛ وَيَقُول لكم: قد دعيت إِلَى مجْلِس الحكم الشَّرْعِيّ؛ فَقَالَ يَتبعني أحد مِنْكُم، وَلَا يكلمني، وَلَا يقم إِلَى إِذا خرجت.
стр. 52
قَالَ: ثمَّ برز، وَبَعض وزرائه بَين يَدَيْهِ، وَأَنا خَلفه، وَهُوَ فِي مئزر ورداء؛ فَلم يقم إِلَيْهِ أحد. فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد، بَدَأَ بالقبر؛ فَسلم على رَسُول الله ﷺ ﴿ثمَّ قَالَ للربيع: أخْشَى أَن تدخل ابْن عمرَان مَتى هَيْبَة، فيتحول عَن مَجْلِسه. وَلَئِن فعل، لَا ولي لي ولَايَة أبدا﴾ ثمَّ سَار إِلَى القَاضِي. فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَ متكياً، أطلق رِدَاءَهُ عَن عَاتِقه، ثمَّ احتبى ودعا بالخصوم، ثمَّ قضى لَهُم بحقهم، وانفصل الْخَلِيفَة إِلَى مَحَله. فَلَمَّا وصل أَمر الرّبيع بإحضار القَاضِي، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: جَزَاك الله عَن دينك وَعَن نَفسك وَعَن خليفتك أحسن جَزَائِهِ ﴿وَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. فبقى هَذَا الْفِعْل من الْمَنْصُور عبد الله العباسي معدوداً، على مر الْأَيَّام، فِي مناقبه، مَعْرُوفا من فضائله، مرسوماً فِي كتاب حَسَنَاته. وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يكون شَدِيد التثبت فِيمَا أسْند إِلَيْهِ من أَمَانَته، غير هائب فِي الْحق لسلطانه، وَلَا مُتبعا لَهُ فِيمَا يقْدَح فِي وَجه ورعه وَظَاهر أَحْكَامه. ولقضاة الْعدْل فِي هَذَا الْبَاب أَخْبَار حسان، مِنْهَا قصَّة أَحْمد بن أبي دَاوُود مَعَ الواثق، فِي المسالة الَّتِي أغراه بهَا كَاتبه عبد الْملك بن الزيات، ورام إغضابه عَلَيْهِ؛ وَهِي مَسْأَلَة الْأَعْرَاب الَّذين كتب لَهُ فيهم عتاب بن عتاب؛ فَإِنَّهُم كسروا السجْن، وهربوا، فَقطعُوا الطَّرِيق، وارتكبوا العظائم، وانتهكوا الْمَحَارِم؛ وَلَقَد ظفر بهم. وَوَافَقَ الدواة الَّتِي كَانَ الواثق يكْتب بهَا بَين يَدي قاضيه ابْن أبي دَاوُود؛ فَقَالَ لَهُ: قدمهَا إِلَيّ، لأوقع بهَا فِي ضرب أَعْنَاق هَؤُلَاءِ الفتكة﴾ فَأمْسك؛ فَقَالَ لَهُ الواثق: أَنْت قَرَأت عَليّ قَدِيما أَن خَالِد بن الْوَلِيد كتب إِلَى عمر ابْن الْخطاب ﵄ ﴿فِي قوم عتوا وأفسدوا وَقتلُوا، يستأمره فِي أَمرهم. فَكتب إِلَيْهِ بِضَرْب أَعْنَاقهم. أَفلا ترْضى أَن أكون مثل خَالِد وأجرى مجْرَاه؟ فَأقبل القَاضِي عَلَيْهِ وَقَالَ: سَأَلتك بِاللَّه الْعَظِيم﴾ أَنْت كعمر وعتاب كخالد ﴿أشركك فِي دِمَائِهِمْ وأعينك على مَا تُرِيدُ من أَمرهم﴾ فَأمْسك الواثق على الْمُرَاجَعَة وَقَالَ لغلامه: قدم الدواة ﴿فَإنَّا لَا نكلف أَبَا الْعَبَّاس مَا يشق عَلَيْهِ﴾ وعَلى كل حَاكم أَن يكون شَدِيد الحذر من دسائس نَفسه، قَاطعا أَسبَاب مطامعه، وَأَن لَا يكون من شَأْنه حب الْمَدْح فِي وَجهه، والركون إِلَى الثَّنَاء على شيمه؛ فَإِنَّهُ مهما عرف بذلك، تضوحك بِهِ، وَأكْثر الْوُقُوع فِي جنابه، والتهاون بناحيته. قَالَ
стр. 53
ابْن يُونُس: بل يكون همه فِي ثَلَاث خِصَال: رِضَاء ربه، ورضاء سُلْطَانه، ورضاء من يَلِي عَلَيْهِ. وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول: لما رَأَيْت النَّاس لَا يَجْتَمعُونَ على حَالَة، أخذت لنَفْسي بِالَّذِي هُوَ أولى. ونظم بَعضهم هَذَا الْمَعْنى، فَقَالَ: اعْمَلْ لنَفسك صَالحا لَا تحتفل ... بكبير قيل فِي الْأَنَام وَقَالَ فَالنَّاس لَا يُرْجَى اجْتِمَاع قُلُوبهم ... لَا بُد من معن عَلَيْك وَقَالَ
ذكر القَاضِي الْفرج بن كنَانَة
وَمن الْفُقَهَاء الْمَعْدُودين بالأندلس فِي صُدُور الْقُضَاة، الْفرج بن كنَانَة الْكِنَانِي، رَحل إِلَى الْمشرق، وَسمع من عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَغَيره. وَلما قدم من رحلته، استخلصه الْأَمِير الحكم بن هِشَام، وولاه قَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة. وَهُوَ كَانَ القَاضِي بهَا أَيَّام الْهَرج الْمَعْرُوف بوقيعة الربض. وَمِمَّا جرى لَهُ حِينَئِذٍ، أَن بعض أَصْحَاب الْأَمِير الحكم، الَّذين أرسلهم على النَّاس، تعلقوا بجار الْفرج بن كنَانَة، أتهموه بالحركة فِي الصُّبْح، وتسوروا عَلَيْهِ. وَصَاح نساؤه؛ فَسمع القَاضِي الصُّرَاخ؛ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقيل: جَارك فلَان ﴿تعلق بِهِ الحرس؛ فأخرجوه ليقْتل﴾ فبادر الْخُرُوج، وكف الْقَوْم عَن جَاره، وَقَالَ لَهُم: إِن جاري هَذَا بَرِيء الساحة، سليم النَّاحِيَة، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء مِمَّا تظنون. فَقَالَ لَهُ رَئِيس الحرس، الْمُرْسل مَعَهم: لَيْسَ هَذَا من شَأْنك ﴿عَلَيْك بِالنّظرِ فِي أحباسك وحكومتك﴾ ودع مَا لَا يَعْنِيك ﴿فَغَضب الْفرج عِنْد ذَلِك، وَمَشى إِلَى الْأَمِير الحكم؛ فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ. فَلَمَّا دخل، قَالَ لَهُ بعد السَّلَام: أَيهَا الْأَمِير﴾ إِن قُريْشًا حَارَبت رَسُول الله ﷺ ﴿وناصبته الْعَدَاوَة فِي الله تَعَالَى؛ ثمَّ إِنَّه صفح عَنْهُم، لما أظفره الله تَعَالَى بهم، وَأحسن إِلَيْهِم. وَأَنت أَحَق النَّاس بالاقتداء بِهِ، لقرابتك مِنْهُ، ومكانك من خِلَافَته فِي عباد الله﴾ ثمَّ حكى لَهُ قصَّة جَاره، وَمَا عرض لَهُ فِي الدفاع عَنهُ. فَأمر بتخليه سَبيله، وبعقاب النَّاظر الَّذِي عَارض القَاضِي؛ وَعَفا عِنْد ذَلِك عَن بَقِيَّة أهل قرطبة، وَبسط الْأمان بجماعتهم، وردهم إِلَى أوطانهم.
стр. 54
وَكَانَ القَاضِي فَارِسًا شجاعاً، يَقُود الْخَيل، ويتصرف للسُّلْطَان فِي الولايات. وَقد غزا مَعَ عبد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد بن مغيث، معقوداً لَهُ على جند شذونه بَلَده، إِلَى جليقية وَقدمه عبد الْكَرِيم إِلَى جمع النَّصْرَانِيَّة؛ فعضهم؛ وَقتل فيهم قتلا ذريعاً. وَبَقِي قَاضِيا وَصَاحب صَلَاة زَمَانا. ثمَّ استعفى. وَأخرجه الْأَمِير إِلَى الثغر الْأَقْصَى؛ فَقَامَ مقَام صُدُور الْغُزَاة. وَكَانَ لَهُ قدر جليل فِي النَّاس. وَكَذَلِكَ كَانَ أَسد بن الْفُرَات بن سِنَان، أحد صُدُور الشجعان: ولاه زِيَادَة الله الْقَضَاء بإفريقية، وَقدمه على غَزْو صقلية؛ فَخرج فِي عشرَة آلَاف رجل، مِنْهُم ألف فَارس. فَلَمَّا خرج إِلَى سوسة ليتوجه مِنْهَا إِلَى صقلية، خرج مَعَه وُجُوه أهل الْعلم، يشيعونه، وَقد صهلت الْخَيل، وَضربت الطبول، وخفقت البنود، قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ﴿يَا معشر النَّاس﴾ مَا بلغت مَا ترَوْنَ إِلَّا بالأقلام ﴿فاجهدوا أَنفسكُم فِيهَا، وثابروا على تدوين الْعلم، تنالوا بِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ قَالَ عِيَاض، وَقد سَمَّاهُ فِي مداركه: حكى سُلَيْمَان بن فَارس أَن أسداً القَاضِي لَقِي ملك صقلية فِي مائَة ألف وَخمسين ألفا. قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْت أسداً، وَفِي يَده اللِّوَاء، وَهُوَ يزمزم، وَأَقْبل على قِرَاءَة يس؛ ثمَّ حرض النَّاس، وَحمل، وحملوا مَعَه. فَهزمَ جموع النَّصَارَى. وَتُوفِّي ﵀! فِي حِصَار سرقوسة من غَزْو صقلية وَهُوَ أَمِير الْجَيْش وقاضيه، وَذَلِكَ سنة ٢١٣.
ذكر القَاضِي سعيد بن سُلَيْمَان الغافقي
وَمن الْقُضَاة، سعيد بن سُلَيْمَان الغافقي. قَالَ فِيهِ مُحَمَّد بن وضاح: ولي الْقَضَاء فِي الأَرْض أَرْبَعَة فِي وَقت وَاحِد: فانتشر الْعدْل بهم فِي آفاقها. وهم دُحَيْم بن الْيَتِيم بالشأم؛ والْحَارث ابْن مِسْكين بِمصْر؛ وَسَحْنُون بن سعيد بالقيروان؛ وَأَبُو خَالِد سعيد بن سُلَيْمَان بقرطبة. وَحكى عَنهُ ابْن عبد الْبر أَنه كَانَ يخْطب بِخطْبَة وَاحِدَة طول أَيَّامه، لم يبدلها مُدَّة ولَايَته، وَأَنه خرج ليستسقي للنَّاس فِي بعض أوقاته؛ فَلَمَّا بَدَأَ خنقته الْعبْرَة، وتخبلت عَلَيْهِ الْخطْبَة؛ فَلم يكمل الاسْتِسْقَاء وَاخْتصرَ الْكَلَام، وَانْصَرف. فسقى النَّاس فِي ذَلِك النَّهَار.
стр. 55
ذكر القَاضِي معَاذ بن عُثْمَان الشَّعْبَانِي
وَمِنْهُم معَاذ بن عُثْمَان الشَّعْبَانِي. ولاه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن الْقَضَاء، فَأَقَامَ قَاضِيا سَبْعَة عشر شهرا؛ ثمَّ عَزله. وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ، على مَا حَكَاهُ ابْن حَارِث، يعجل بالحكومة فأحصى عَلَيْهِ، فِي تِلْكَ الْمدَّة، سَبْعُونَ قَضِيَّة أنفذها، فاستنكرت مِنْهُ. وَخيف عَلَيْهِ الزلل؛ فَجعل عَزله. قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَكَانَ عابداً، زاهداً، خيرا.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد اللَّخْمِيّ
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن زِيَاد اللَّخْمِيّ. سمع من مُعَاوِيَة بن صَالح سَمَاعا كثيرا. وَلما احْتضرَ الْفَقِيه يحيى بن يحيى، أسْند وَصيته فِي أَدَاء دين وَبيع مَال إِلَى ابْن زِيَاد؛ وَكَانَ هُوَ القَاضِي يَوْمئِذٍ؛ فَكَانَ وَصِيّه فِي ذَلِك الْوَجْه خَاصَّة. قَالَ ابْن حَارِث: وَكَانَ السَّبَب فِي عَزله عَن الْقَضَاء مَا كَانَ من أَمر ابْن أخي عجب حظية الْأَمِير الحكم. وَذَلِكَ أَنه شهد عَلَيْهِ بِلَفْظ نطق بِهِ عابثاً فِي يَوْم غيث. فَأمر الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بحبسه، وَطلب الشَّهَادَات عَلَيْهِ. وأبرمته عجب عمته فِي إِطْلَاقه؛ وَكَانَت مدلة عَلَيْهِ لمكانها من أَبِيه. فَقَالَ لَهَا: مهلا يَا أُمَّاهُ، فَلَا بُد، وَالله ﴿من أَن نكشف أهل الْعلم عَمَّا يجب عَلَيْهِ فِي لَفظه ذَلِك الَّذِي شهد بِهِ عَلَيْهِ؛ ثمَّ يكون الْفَصْل بعد فِي أمره. فَإنَّا، معشر بني مَرْوَان، لَا تأخذنا فِي الله لومة لائم﴾ وَمَا نرى أَن الله رفع ملكنا، وَجمع بِهَذِهِ الجزيرة فلنا، وَأَعْلَى فِيهَا ذكرنَا، حَتَّى صرنا شجى فِي حلق عدونا، إِلَّا بِإِقَامَة حُدُوده، وإعزاز دينه، وَجِهَاد عدوه، مَعَ مجانبة الْأَهْوَاء المضلة، والبدع المردية. ثمَّ تقدم الْأَمِير عبد الرَّحْمَن إِلَى مُحَمَّد بن السَّلِيم الْحَاجِب أَن يحضر القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد، وَالْفُقَهَاء بِالْبَلَدِ. فَجَمعهُمْ، وَفِيهِمْ عبد الْملك ابْن حبيب، وَأصبغ بن خَلِيل، وَعبد الْأَعْلَى بن وهب، وَأَبُو زيد بن إِبْرَاهِيم، وَأَبَان ابْن عِيسَى بن دِينَار. فشاورهم فِي أَمر ابْن أخي عجب، وَأخْبرهمْ بِمَا كَانَ من لَفظه. فتوقف
стр. 56
القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد على القَوْل بسفك دَمه. وَتَبعهُ فِي ذَلِك من الْفُقَهَاء أَبُو زيد وَعبد الْأَعْلَى وَأَبَان. وَأفْتى بقتْله عبد الْملك بن حبيب، وَأصبغ بن خَلِيل مَعًا. فَأَمرهمْ مُحَمَّد ابْن سليم أَن ينصوا فتواهم على وجوهها فِي صك، ليرفعها إِلَى الْأَمِير، ليرى فِيهَا رَأْيه. وفعلوا. فَلَمَّا تصفح الْأَمِير أَقْوَالهم، اسْتحْسنَ قَول ابْن حبيب وَأصبغ، وَرَأى مَا رَأيا من قَتله. وَأمر الْفَتى حسانا؛ فَخرج إِلَيْهِم؛ فَقَالَ لِابْنِ السَّلِيم: قد قهم الْأَمِير مَا أفتى بِهِ الْقَوْم من أَمر هَذَا الْفَاسِق. وَهُوَ يَقُول لَك: أَيهَا القَاضِي ﴿اذْهَبْ؛ فقد عزلناك. وَأما أَنْت، يَا عبد الْأَعْلَى﴾ فقد كَانَ يحيى يشْهد عَلَيْك بالزندقة؛ وَمن كَانَت هَذِه حَاله، فحرى أَلا تسمع فتواه ﴿وَأما أَنْت، يَا أبان بن عِيسَى﴾ فَإنَّا أردنَا أَن نوليك قَضَاء جيان؛ فَزَعَمت أَنَّك لَا تحسن الْقَضَاء. فَإِن كنت صَادِقا، فَعَلَيْك أَن تتعلم؛ وَإِن كنت كَاذِبًا، فالكاذب لَا يكون أَمينا مفتياً ﴿ثمَّ قَالَ حسان لصَاحب الْمَدِينَة: يَأْمُرك الْأَمِير أَن تخرج الْآن مَعَ هذَيْن الشخصين عبد الْملك وَأصبغ؛ فتأمر لَهما بِأَرْبَعِينَ من الغلمان ينفذون لَهما فِي هَذَا الْفَاسِق مَا رأياه﴾ ثمَّ أخرج الْمَحْبُوس، ووقفا مَعًا حَتَّى رفع فَوق خَشَبَة، وَهُوَ يَقُول لعبد الْملك: يَا أَبَا مَرْوَان ﴿اتَّقوا الله ﴾ فِي دمي ﴿فَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَعبد الْملك يَقُول: الْآن وَقد عصيت﴾ حَتَّى طعن. وانصرفا.
نبذ من أَخْبَار سُلَيْمَان بن الْأسود الغافقي
مِنْهَا قَالَ القَاضِي أَبُو عمر بن عبد الْبر: كَانَ القَاضِي سُلَيْمَان بن الْأسود رجلا صَالحا متقشفاً، صليباً فِي حكمه، مهيباً. وَكَانَ السَّبَب فِي تَقْلِيد الْأَمِير مُحَمَّد اياه قصاء قرطبة، حكم أَمْضَاهُ بِمَدِينَة ماردة، وَهُوَ قَاض عَلَيْهَا للأمير عبد الرَّحْمَن وَالِده، وَمُحَمّد أَمِير عَلَيْهَا: وَقد احْتبسَ لرجل يَهُودِيّ من تجار جليقية مَمْلُوكَة أَعْجَبته، واشتط الْيَهُودِيّ فِي سومها، فَدس غلمانه لاختلاسها من الْيَهُودِيّ. وفزع الْيَهُودِيّ إِلَى سُلَيْمَان بمظلمة، وَاسْتشْهدَ بِمن حول دَار الْإِمَارَة مِمَّن عرف خَبَرهَا. فأوصل سُلَيْمَان إِلَى مُحَمَّد، يعرفهُ بِمَا ذكره الْيَهُودِيّ، وَمَا شهد لَدَيْهِ، ويقبح عِنْده سوء الأحدوثة عَنهُ، ويسأله
стр. 57
دفع مملوكته إِلَيْهِ. فَأنْكر مُحَمَّد مَا زَعمه الْيَهُودِيّ، ولواه بِحقِّهِ، فَأَعَادَ القَاضِي إِلَيْهِ الرسَالَة يَقُول لَهُ: إِن هَذَا الْيَهُودِيّ الضَّعِيف لَا يقدر أَن يدعى على الْأَمِير بباطل ﴿وَقد شهد عِنْدِي قوم من التُّجَّار﴾ فليأمر الْأَمِير بإنصافه ﴿فلج مُحَمَّد ولج سُلَيْمَان. فَأرْسل إِلَيْهِ سُلَيْمَان ثَانِيَة، يقسم بِاللَّه الْعَظِيم لَئِن لم يصرف على الْيَهُودِيّ جَارِيَته، ليركبن دَابَّته من فوره، وَيكون طَرِيقه إِلَى الْأَمِير وَالِده، يُعلمهُ الْخَبَر، ويستعفيه من قَضَائِهِ. فَلم يلْتَفت مُحَمَّد إِلَى وَصيته. فَشد سُلَيْمَان على نَفسه، وَركب دَابَّته سائراً إِلَى قرطبة؛ وَكَانَت طَرِيقه على بَاب دَار الْإِمَارَة؛ فَدخل الفتيان إِلَى مُحَمَّد؛ فعرفوه بسيره. فأشفق من ذَلِك، وَأرْسل خَلفه فَتى من ثقاته، يَقُول لَهُ إِن الْجَارِيَة قد وجد خَبَرهَا عِنْد بعض فتيانه، وَقد كَانَ أخفاها بِغَيْر أمره، وَهَا هِيَ حَاضِرَة، ترد إِلَى الْيَهُودِيّ. فَلحقه الرَّسُول على ميل أَو نَحوه من ماردة، وأعلمه. فَقَالَ: وَالله﴾ لَا أنصرف من موضعي رَاجعا، أَو أُوتى بالجارية إِلَى هَذَا الْمَكَان، ويقبضها الْيَهُودِيّ هَا هُنَا ﴿وَإِلَّا مضيت لوجهي﴾ فَأرْسل مُحَمَّد الْجَارِيَة إِلَيْهِ. فَلَمَّا صَارَت بَين يَدَيْهِ، أرسل فِي الْيَهُودِيّ مَوْلَاهَا، وَفِي ثِقَات من ثِقَات أهل الْبَلَد، وَدفعهَا إِلَيْهِ بمحضرهم. وأعجب الْأَمِير مُحَمَّدًا مَا كَانَ مِنْهُ، واسترجحه واعتقد تفضيله. فَلَمَّا ولى الْخلَافَة، وَاحْتَاجَ إِلَى قَاض، ولاه وأعزه. قَالَ أسلم بن عبد الْعَزِيز: سَمِعت أخي هاشماً يَقُول: إِنِّي لقاعد يَوْمًا بَين يَدي الْأَمِير، إِذْ دخل عَلَيْهِ فتاه بدرون الصقلبي وَكَانَ أثيراً لَدَيْهِ باكياً. فَقَالَ لَهُ: مَا دهاك؟ فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ ﴿عرض لي السَّاعَة مَعَ القَاضِي مَا لم يعرض لي مثله قطّ﴾ ولوددت أَن الأَرْض انضمت عَليّ وَلم أَقف بَين يَدَيْهِ ﴿قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: دست على امْرَأَة تطالبني فِي دَار فِي يَدي، فأغفل مَا كنت إِذْ جَاءَتْنِي بِطَابع القَاضِي، وَكنت أَنْت أَمرتنِي بِمَا تعلمه؛ فاعتذرت إِلَيْهَا وَقلت: أَنا الْيَوْم مَشْغُول بشغل الْأَمِير أعزه الله﴾ وسأكتب إِلَى القَاضِي، واستعلم مَا يُرِيد. ثمَّ إِنِّي أَقبلت إِلَى الْقصر وَقد أتيت بَاب القنطرة؛ فَإِذا برَسُول من أعوان القَاضِي بَادر إِلَيّ؛ فَضرب على عَاتِقي، وصرفني عَن طريقي إِلَيْهِ؛ فَدخلت عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد الْجَامِع؛ فَوَجَدته غَضْبَان. فنبهني وَقَالَ: عَصَيْتنِي، وَلم تَأْخُذ طابعي ﴿فَقلت لَهُ: لم أفعل﴾ وَقد عرفت الْمَرْأَة بِوَجْه تأخيري. فَقَالَ لي:
стр. 58
وَرب هَذَا الْبَيْت ﴿لَو صَحَّ عِنْدِي عصيانك، لأدبتك﴾ ثمَّ قَالَ لي: أنصف هَذِه الْمَرْأَة ﴿فَقلت: أوكل من يخاصمها عني﴾ فَأبى عَليّ إِلَّا أَن أَتكَلّم. فَلَمَّا رَأَيْت صعوبة مقَامي، أعطيتهَا بدعواها، ونجوت بنفسي. أفيحسن عنْدك، يَا مولَايَ ﴿أَن يركب مني قاضيك مثل هَذَا؟ ومكاني من خدمتك مَكَاني﴾ قَالَ: فَتغير وَجه الْأَمِير مُحَمَّد، وَقَالَ لَهُ: يَا بدرون ﴿اخْفِضْ عَلَيْك﴾ فمحلك مني تعلمه؛ فسئلنا بِهِ حوائجك، نجبك إِلَيْهَا ﴿مَا خلا مُعَارضَة القَاضِي فِي شَيْء من أَحْكَامه؛ فَإِن هَذَا بَاب قد أغلقناه؛ فَلَا نجيب إِلَيْهِ أحدا من أَبْنَائِنَا، وَلَا من إِخْوَاننَا، وَلَا من أَبنَاء عمنَا، فضلا عَن غَيرهم. وَالْقَاضِي أدرى بِمَا فعل﴾ فَمسح بدرون عَيْنَيْهِ، وَانْصَرف. قَالَ القَاضِي أسلم: وَإِنَّمَا كَانَ يحْتَمل مثل هَذَا من أُولَئِكَ الْقُضَاة. وَأما أمثالنا نَحن فَلَا. وَصدق أسلم ﵀ ﴿فالقهر بالحكم لَا يحْتَمل فِي الْغَالِب، إِلَّا لمن تخلص نِيَّته فِي الْقَصْد بِهِ وَجه الله. وَمَا تسرع ملامة النَّاس إِلَّا لمن يتقيها ويتخوف عَاقِبَة أَمر أَهلهَا. وَسخط الله أكبر من ملامة الْخلق. ونسأل الله الْهِدَايَة والوقاية﴾ وَكَثِيرًا مَا كَانَ ابْن أسود ينشد: تضحى على وَجل تمسى على وَجل ... بَين الْأَقَارِب وَالْجِيرَان والخؤل كل التُّرَاب وَلَا تعْمل لَهُم عملا ... فالشر أجمعه فِي ذَلِك الْعَمَل وَكَانَت فِيهِ دعابة تستحسن وتستظرف، مِنْهَا أَنه كَانَ يعلم شدَّة شَهْوَة إِبْرَاهِيم بن يزِيد فِي الصَّلَاة بِالنَّاسِ، وترشيحه نَفسه لَهَا؛ وتربصه بِهِ الدَّوَائِر ليثبت عَلَيْهَا. فَلم يشْعر سُلَيْمَان غَدَاة يَوْم من بعض الْجمع، وَقد أحب الدعة فِي بَيته، إِذْ اسْتَأْذن عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور. فَذهب إِلَى المداعبة بِهِ، وَقَالَ لغلامه: اخْرُج إِلَيْهِ متباكياً، وَأظْهر الإشفاق عَليّ، وَقل لَهُ: أَحسب مولَايَ فِي الْمَوْت ﴿ثمَّ أدخلهُ﴾ فَدخل، وَقد اضْطجع سُلَيْمَان، وسجى على نَفسه، وَجعل يتنفس تنفس الْهَالِك. فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ؛ ترجع واستغفر. ثمَّ خرج عَنهُ، فَمضى من فوره إِلَى هَاشم بن عبد الْعَزِيز قيم الدولة؛ فَعرفهُ حَال سُلَيْمَان وَأَنه يعالج الْمَوْت، وَمَا أَظُنهُ يبلغ وَقت صَلَاة الْجُمُعَة؛ وَإِن بلغ دماؤه،
стр. 59
فَإِنَّهُ لَا يُصليهَا ﴿وَحمله على إِعْلَام الْأَمِير مُحَمَّد بذلك، والكتب إِلَيْهِ، ليرتاد الصَّلَاة قبل الضَّيْعَة. فَقَالَ لَهُ هَاشم: انْظُر مَا تحكيه﴾ فَلَيْسَتْ لَهُ عندنَا مُقَدّمَة. أَنْت رَأَيْته بِعَيْنِك السَّاعَة على هَذِه الْحَال؟ قَالَ: نعم ﴿هَذَا خروجي من عِنْده إِلَيْك. فَقَالَ هَاشم: مَا بعد هَذَا شَيْء﴾ ثمَّ وضع يَده، وَكتب إِلَى الْأَمِير يُخبرهُ بِمَا حَكَاهُ ابْن يزِيد، من شدَّة مرض القَاضِي سُلَيْمَان، ويأسه من قِيَامه للصَّلَاة، وتحركه للنَّظَر فِيمَن يصلى مَكَانَهُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِير كِتَابه، استراب فِيهِ، وفكر فِي الْأَمر. فَوقف على أَن إِبْرَاهِيم شَدِيد الشَّهْوَة فِي الصَّلَاة، واستحال عِنْده أَن لم يسمع بِأول مرض قاضيه وَلَا بانتهائه؛ فَعلم بجودة نظره أَن فِي الْخَبَر خللاً. فَقَالَ لخادم من خُدَّامه، من وُجُوه صقالبته: انْطلق السَّاعَة، وادخل على القَاضِي سُلَيْمَان بن الْأسود، وَانْظُر حَاله وَمَا تَجدهُ عَلَيْهِ ﴿فَإِن وجدته متخففاً، يتَكَلَّم، ويهين عَن نَفسه، فتسئله إِن كَانَت بِهِ طَاقَة على الصَّلَاة وَالْخطْبَة أم لَا؟ فَأتى الْفَتى إِلَى سُلَيْمَان، وَدخل عَلَيْهِ؛ فَوَجَدَهُ جَالِسا جُلُوس صَحِيح؛ فروى لَهُ عَن بعض الْخَبَر، وألطف مَسْأَلته؛ فأنكرها سُلَيْمَان وَقَالَ: هَا أَنا رائح بِحَمْد الله﴾ ودعا بوضوئه بِحَضْرَة الرَّسُول؛ فَتَوَضَّأ، وَلبس ثِيَابه، وَخرج مَعَ الرَّسُول، ساعياً على قَدَمَيْهِ، إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع. فَرجع الْفَتى إِلَى الْأَمِير، وأعلمه بالقصة على وَجههَا، وبخروجه مَعَه. فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: لقد طيب سُلَيْمَان فِي ابْن يزِيد وَلعب بِهِ لعب الصِّبَا وحرك مِنْهُ سَاكِنا ﴿وَصَارَ يضْحك مَعَ هَاشم بذلك عدَّة أَيَّام، حَتَّى شاع ذكره فِي الْعَامَّة. وعاش ابْن أسود هَذَا تِسْعَة وَتِسْعين عَاما وَعشرَة أشهر. وَكَانَت مُدَّة قَضَائِهِ مِنْهَا، على مَا حَكَاهُ ابْن عبد الْبر، اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَاما غفر الله لنا وَله، وأرضى عَنَّا خلقه وَعنهُ﴾
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عِيسَى
وَمن الْقُضَاة، مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عِيسَى. ولي قَضَاء عدَّة من الكور، مَا بَين طليطلة وبجانة، بسيرة عادلة، الْتزم فِيهَا الصرامة فِي تَنْفِيذ الْحُقُوق، وَإِقَامَة الْحُدُود، والكشف عَن الشُّهُود. قَالَ ابْن الفرضي: وَكَانَ حَافِظًا للرأي، معتنياً بالآثار، جَامعا
стр. 60
للسنن، متصرفاً فِي علم الْإِعْرَاب ومعاني الشّعْر. استقضاه النَّاصِر؛ وَكَانَ آخر مَا ولاه قَضَاء إلبيرة، وقلده مَعَ الْقَضَاء أَمَانَة الكورة، وَالنَّظَر على عمالها؛ فَكَانُوا لَا يقدمُونَ وَلَا يؤخرون إِلَّا عَن أمره، وَلَا يظلم أحد فِي جَانب من جوانبها إِلَّا نَصره وَكَانَ مَعَه. ثمَّ نَقله مِنْهَا، فولاه قَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة فِي ذِي الْحجَّة سنة ٣٢٦. وَأقر مُحَمَّد بن أَيمن على الصَّلَاة، إِلَى أَن ضعف ابْن أَيمن، فاستعفى، فعفاه النَّاصِر لدين الله، وَجَمعهَا لِابْنِ أبي عِيسَى؛ فتولاها إِلَى أَن مَاتَ. وَكَانَ الْخَلِيفَة لَا يخليه، مَعَ قِيَامه لَهُ بِالْقضَاءِ، من تصريفه فِي مهمات أُمُوره، وإخراجه فِي السفارات إِلَى كبار الْأُمَرَاء، والأمانات إِلَى الثغور والأطراف للإشراف عَلَيْهَا، وللإعلام بمصالحها، والبنيان لحصونها، وترتيب مغازيها، وَإِدْخَال جيوشها إِلَى بلد الْحَرْب؛ وَرُبمَا أَقَامَهُ فِي ذَلِك مقَام أَصْحَاب السيوف من قواد جيوشه؛ فيغنى غناءهم بِحسن تَدْبيره، وصحيح ديانته، وصريح مناصحته. فاستخلف فِي خرجه من خرجاته الْفَقِيه ابْن زونان؛ فصلى جُمُعَة. ثمَّ كتب إِلَى الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد يَقُول: إِنَّه شيخ من شُيُوخ الْمُسلمين، وَمن أهل الْعلم فيهم، وَوَلَاؤُهُ أشرف الْوَلَاء، إِذْ كَانَ مولى لرَسُول الله ﷺ ﴿. فَكيف يكون مَعَ هَذَا مُخَالفا لِابْنِ أبي عِيسَى؟ وَهُوَ صبي فِي عدد وَلَده﴾ يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يأنف لَهُ من هَذَا. فَأَعْرض الْخَلِيفَة عَنهُ؛ وَلم ير بِابْن أبي عِيسَى بديلاً. وَانْصَرف القَاضِي من وجهته مستعجلاً، وَقد اتَّصل بِهِ مَا كَانَ من ابْن زونان؛ فَأَضْرب عَنهُ، واستخلف غَيره. وَذكر ابْن مفرج أَن رجلا من أَصْحَاب ابْن أبي عِيسَى أَتَاهُ لَيْلًا، فَذكر لَهُ أَن فقيهين مشهورين يقدمان عَلَيْهِ فِي قصَّة سَمَّاهَا لَهُ بِشَهَادَة مدخولة. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَتَاهُ أَحدهمَا؛ فَأَعْرض عَنهُ القَاضِي، وَتَبَسم فِي وَجهه لَعَلَّه يقوم، فيكفى شَأْنه. فتمادى. وَلما رأى عزمه على أَدَاء الشَّهَادَة، تنَاول القَاضِي سحاءة بَين يَدَيْهِ؛ فَكتب فِيهَا، وطواها، وَأَلْقَاهَا فِي حجره. فَلَمَّا تصفحها، وجد مَكْتُوبًا فِيهَا: أَتَتْنِي عَنْك أَخْبَار ... لَهَا فِي الْقلب آثَار فدع مَا قد أتيت بِهِ ... فَفِيهِ الْعَار وَالنَّار فَلم يكد يَقْرَأها حَتَّى قَامَ مُنْطَلقًا، ولقى صَاحبه؛ فَقَالَ لَهُ: النجَاة ﴿فقد شعر بِنَا﴾
стр. 61
قَالَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد، كَاتبه أَيَّام قَضَائِهِ بإلبيرة: ركبنَا مَعَ القَاضِي فِي مركب حافل، مَعَ وُجُوه الْبَلَد، إِذْ عرض لنا فَتى متأدب، قد خرج لنا من بعض الْأَزِقَّة يتمايد سكرا؛ فَلَمَّا رأى القَاضِي، هابه، وَأَرَادَ الْفِرَار؛ فخانته رِجْلَاهُ. فاستند إِلَى الْحَائِط وأطرق. فَلَمَّا قرب مِنْهُ القَاضِي، رفع رَأسه إِلَيْهِ، ثمَّ أنشأ يَقُول: أَلا أَيهَا القَاضِي الَّذِي عَم عدله ... فأضحى بِهِ فِي الْعَالمين فريدا قَرَأت كتاب الله ألف مرّة ... فَلم أر فِيهِ للشراب حدودا فَإِن شِئْت أَن تجلد فدونك منكباً ... صبوراً على ريب الخطوب جليدا وَإِن شِئْت أَن تَعْفُو تكن لَك مِنْهُ ... تروح بهَا فِي الْعَالمين حميدا وَإِن كنت تخْتَار الْحُدُود فَإِن لي ... لِسَانا على هجو الرِّجَال حديدا قَالَ: فَلَمَّا سمع القَاضِي شعره، وَتبين لَهُ أدبه، أعرض عَنهُ وَمضى لشأنه، كَأَن لم يره.
فصل
الظَّاهِر من القَاضِي ابْن أبي عِيسَى أَنه ذهب إِلَى الْأَخْذ بالقضية الَّتِي تضمنتها أَبْيَات الْفَتى المتأدب بقول زفر إِن حد الْخمر لَا يقوم بِالْإِقْرَارِ مرّة وَاحِدَة حَتَّى يقر الشَّارِب على نَفسه بالشرب مرَّتَيْنِ، أَو يَقُول الشَّافِعِي وَالْكَافِي أَنه لَا يحد إِلَّا من الشَّهَادَة على شربهَا أَو قيئها، لَا من الرَّائِحَة، أَو يتخيل السكر أَو ظن القَاضِي أَن الْفَتى مِمَّن لم يبلغ سنّ التَّكْلِيف، أَو قيل لَهُ عَنهُ إِنَّه كَانَ مكْرها وَحسب النَّازِلَة من بَاب دَرْء الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ. وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ؛ فَلَا وَجه لحكم فِي إِسْقَاط حد لغير عذر وَلَا تَأْوِيل؛ فإجماع الْمُسلمين مُنْعَقد على تَحْرِيم خمر الْعِنَب النئ قَلِيله وَكَثِيره، وعَلى وجوب الْحَد فِيهِ. وَإِنَّمَا الْخلاف فِي التَّفْصِيل وَالْقدر: فمذهب الْجُمْهُور من السّلف وَالْفُقَهَاء: مَالك، وَأبي حنيفَة، وَالثَّوْري، والأوزعي، وَأحمد، وَإِسْحَاق، وَغَيرهم أَن حَده ثَمَانُون جلدَة وَقَالَ قوم مِنْهُم أهل الظَّاهِر، أَن حَده أَرْبَعُونَ. قَالَ الشَّافِعِي: بِالْأَيْدِي وَالنعال وأطراف الثِّيَاب. وَعند مَالك وَغَيره: الضَّرْب فِيهِ بِسَوْط بَين سوطين وَضرب ضَرْبَيْنِ؛ وَالْحُدُود كلهَا سَوَاء. وَعند الزُّهْرِيّ، وَالثَّوْري، وَإِسْحَاق، وَأحمد، وَالشَّافِعِيّ أَن حد الْخمر أَضْعَف الْحُدُود. قَالَ صَاحب الْإِكْمَال: وَرَأى مَالك وَبَعض أَصْحَابنَا
стр. 62
فِي المدمن عَلَيْهِ التَّغْلِيظ بالفضيحة، وَالطّواف، والسجن. وَاخْتلفُوا فِي الْمَرِيض الَّذِي لَا يرحى بُرْؤُهُ: فمذهب مَالك والكوفيين وَجُمْهُور الْعلمَاء أَنه لَا يجْرِي فِيهِ إِلَّا مَا يجْرِي فِي الصَّحِيح، وَيتْرك حَتَّى يبرأ أَو يَمُوت. وَقَالَ الشَّافِعِي: يضْرب بمثكول نخل يصل جَمِيع شماريخه إِلَيْهِ، أَو مَا يقوم مقَامه. وَالْمذهب إِلْزَام السَّكْرَان جَمِيع أَحْكَام الصَّحِيح، لِأَنَّهُ أَدخل ذَلِك على نَفسه وَهُوَ حَقِيقَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَفرق بَين الشَّارِب مُخْتَارًا وَبَين المستكره. وَأكْثر الْعلمَاء ذهب إِلَى أَن الْحُدُود كَفَّارَة؛ وَمِنْهُم من وقف، وَاحْتج بقوله تَعَالَى " لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم. " وَفِي حَدِيث مَا عز الثَّابِت فِي الصَّحِيح، مَا يدل على أَن التَّوْبَة لَا تسْقط حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْخمر، وَإِنَّمَا تَنْفَع عِنْد الله. وروى عَن الشَّافِعِي أَن التَّوْبَة حد الْخمر. وعَلى كل تَقْدِير، فَمن الْوَاجِب على من وَقع فِي مَعْصِيّة، وترتب بِسَبَبِهَا قبله حق لله وَالنَّاس، من دم، أَو مَال، أَو عرض، أَو انتهاك حُرْمَة، أَن يُبَادر أَولا إِلَى التَّوْبَة، ثمَّ يرجع بعْدهَا إِلَى الإقادة من نَفسه لِلْخلقِ، والتحلل من التَّبعَات بِجهْدِهِ، على الْوُجُوه المقررة فِي الفقهيات، وَأَن يكثر مَعَ ذَلِك مُدَّة حَيَاته من الْعَمَل الصَّالح وَمن الدُّعَاء والبكاء، وبخصوص فِيمَا يرجع إِلَى الدِّمَاء. فالمنقول عَن مَالك. وَقد سُئِلَ عَمَّن كتب إِلَيْهِ والٍ فِي قتل رجل، فَقتله، ثمَّ أَرَادَ التنصل وَالتَّوْبَة، فَعرض نَفسه على أَوْلِيَاء الْمَقْتُول، وَأخْبرهمْ، فَقَالُوا: لسنا بقاتليك ﴿إِنَّا نَخَاف إِن قتلناك عَاقِبَة ذَلِك﴾ وَعرض عَلَيْهِم الدِّيَة، فَأَبَوا أَن يقبلوها؛ فَكَانَ من جَوَابه ﵁ ﴿أَن قَالَ: أحب إِلَيّ أَن يُؤدى دِيَته إِلَيْهِم، وَأَن يعْتق الرّقاب، وَيتَصَدَّق، ويكرر الْحَج والغزو، وَإِن اسْتَطَاعَ أَن يلْحق بالثغور، وَيكون فِيهَا أبدا حَتَّى يَمُوت، فَهُوَ أحب إِلَيّ﴾ وَفِي الحَدِيث: " أقيلوا ذَوي الهئيات عثارهم " وَالْمرَاد بذلك أهل الْمَرْوَة وَالصَّلَاح. ويبينه مَا روى أَن رَسُول الله ﷺ ﴿قَالَ: تجافوا عَن عُقُوبَة ذَوي الْمَرْوَة وَالصَّلَاح﴾ والمأمورون بالتجافي عَن زلات ذَوي الهئيات عِنْد الْعلمَاء هم الْأَئِمَّة الَّذين إِلَيْهِم إِقَامَة الْعُقُوبَات على ذَوي الْجِنَايَات. وَالْإِقَالَة هِيَ فِيمَا عدا الْحُدُود والزلات الَّتِي أَمر بالتجافي عَنْهَا، هِيَ مَا لم يخرج بهَا فاعلها من أَن يكون من ذَوي المروءات
стр. 63
والهيئات الَّتِي هِيَ الصّلاح. فَأَما من أَتَى مَا يُوجب حدا مَا قذف مُحصنَة أَو مَا سوى ذَلِك من الْأَشْيَاء الَّتِي توجب الْحُدُود، فَلَا يجب التَّجَافِي عَنهُ، لِأَنَّهُ قد خرج بذلك عَن ذَوي الهيئات وَالصَّلَاح، وَصَارَ من أهل الْفسق؛ فَوَجَبَ إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، ليَكُون ذَلِك ردعاً لَهُ وَلغيره رزقنا الله الاسْتقَامَة ﴿
ذكر القَاضِي أسلم بن عبد الْعَزِيز
وَمن الْقُضَاة بقرطبة وصدور رجالها، أسلم بن عبد الْعَزِيز. وَكَثِيرًا مَا كَانَ النَّاصِر لدين الله يستخلفه فِي سطح الْقصر، إِذا خرج فِي سَبِيل الْغَزْو، ثِقَة مِنْهُ بِعِلْمِهِ وَدينه وحزمه.
ذكر القَاضِي أَحْمد بن عبد الله بن أبي طَالب
وَمِنْهُم أَحْمد بن عبد الله بن أبي طَالب الأصبحي. قَالَ عَنهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: وَأَخْبرنِي غير وَاحِد أَنه كَانَ يحلق شَاربه ويستأصله؛ وَكَانَ ذَلِك مذْهبه فِي إحفاء الشَّارِب. وَكَانَ رجلا وقوراً، متثبتاً، متورعاً؛ إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة، أخرج الْكتاب الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الْمَسْأَلَة بِعَينهَا؛ فقرأها على السَّائِل، وَقَالَ لَهُ: هَذَا مَا قيل فِي هَذَا. فَإِن سُئِلَ عَن فَرِيضَة من الْمَوَارِيث، أفتى السَّائِل فِيهَا بأصلها؛ فَإِذا سَأَلَهُ عَن الْقِسْمَة، قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى الحاسب﴾
ذكر القَاضِي أَحْمد بن بَقِي بن مخلد
وَمِنْهُم أَحْمد بن بَقِي بن مخلد. ولي الْقَضَاء سنة ٣١٤. وَكَانَ من خير الْقُضَاة، وَأَكْثَرهم رفقا وإشفاقاً، بِحَيْثُ يُقَال إِنَّه لم يقرع أحدا من النَّاس فِي طول مُدَّة قَضَائِهِ بِسَوْط وَكَانَت نَحوا من عشرَة أَعْوَام إِلَّا رجلا وَاحِدًا مجمعا على فسقه. وَكَانَ شَأْنه فِي الْحُكُومَة أَن ينفذ من الْأُمُور الظَّاهِر الْبَين الَّذِي لَا ارتياب فِيهِ، ويتأنى،
стр. 64
ويتمهل فِيمَا خالجه فِيهِ شكّ، حَتَّى تظهر لَهُ الْحَقِيقَة؛ أَو يصل المتخاصمان إِلَى التصالح والتراضي. قَالَ ابْن حَارِث: وَلَقَد قَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه السُّلْطَان فِي كَلَام جرى بَينهمَا: إِنَّا لنعيبك بلين الْجَانِب، والتطويل فِي الْحُكُومَة ﴿فَقَالَ لَهُ ابْن بَقِي: أعوذ بِاللَّه من لين يُؤَدِّي إِلَى ضعف، وَمن شدَّة تبلغ إِلَى عنف﴾ ثمَّ جعل يذكر فَسَاد الزَّمَان، واحتيال الْفجار، وَمَا يُبَاشر من الْأُمُور المشتبهة، الَّتِي لَا تتبين لَهَا حَقِيقَة، وَلَا ينْكَشف لَهَا وَجه، وَقَالَ: قد أسندت على عمر بن الْخطاب ﵁ ﴿وَهُوَ هُوَ، حُكُومَة قوم طَال نظره فِيهَا، والتبس عَلَيْهِ أمرهَا؛ فكره أَن يحكم على الِاشْتِبَاه، وَأمرهمْ بابتداء الْخُصُومَة من أَولهَا﴾ قَالَ: وحَدثني أصبغ بن عِيسَى قَالَ: كنت يَوْمًا مُقبلا مَعَ القَاضِي أَحْمد بن بَقِي، حَتَّى عَن لنا رجل سَكرَان يمشي بَين يَدَيْهِ مخبولاً؛ فَجعل أَحْمد يمسك من عنان دَابَّته، ويترفق فِي سيره، ويرجو أَن يعدل السَّكْرَان عَن طَرِيقه أَو يحبس بِهِ، فينجو بِنَفسِهِ؛ فَلم يكن عِنْده شَيْء من ذَلِك، إِلَّا أَن توقف مُسْتَقْبلا. فَلم يكن للْقَاضِي بُد من الدنو مِنْهُ، وَالنَّظَر إِلَيْهِ. قَالَ أصبغ: وَكنت أعرف لياذه من مثل هَذَا، وكراهيته للانتشاب فِيهِ، ورقة قلبه من أَن يقرع أحدا بِسَوْط. فَقلت فِي نَفسِي: لَيْت شعري كَيفَ تصنع فِي هَذَا، يَا ابْن بَقِي ﴿وَرُبمَا تتخلص مِنْهُ﴾ فَلَمَّا دنونا من السَّكْرَان، ولصقنا بِهِ، مَال إِلَى أَحْمد؛ فَقَالَ: مِسْكين هَذَا الرجل ﴿أرَاهُ مصاباً فِي عقله﴾ فَقلت: نعم ﴿أَيهَا القَاضِي، ببلية عَظِيمَة﴾ فَجعل يستعيذ بِاللَّه من محنته، ويسأله أَن يأجره على الْمُصَاب فِي عقله؛ ومضينا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: كَانَ أَحْمد بن بَقِي حَلِيمًا، عَاقِلا، وقوراً، مسمتاً، هيناً، لينًا، صليباً فِي بعض أحيانه، غير أَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ كَانَ اللين. لم يكن بالأندلس قَاض يُقَارِبه فِي الصمت وَالْوَقار والسكينة. وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله عَارِفًا بِحقِّهِ، ومجلاً لَهُ، لم يعزله، وَلَا كره شَيْئا من حَاله، إِلَى أَن توفّي سنة ٣٢٤. وَكَانَ قد ولى الصَّلَاة قبل الْقَضَاء. ثمَّ ولى الْقَضَاء، فَاتخذ لخدمته أعواناً شُيُوخًا، وَأولى سداد، سَأَلَ أَن يرزقوا من بَيت المَال، وَأجِيب إِلَى ذَلِك. وَكَانَ من رسمه إِذا جَاءَهُ الحكم الملبس الَّذِي يخَاف
стр. 65
أَن تدخل عَلَيْهِ فِيهِ دَاخله، طول فِيهِ أبدا، ولواه حَتَّى يصطلح أَهله. وَكَانَ يَقُول: صَاحب الْبَاطِل، إِذا طول عَلَيْهِ ترك طلبه ورضى باليسير فِيهِ. وَقد كثر الْآن شُهُود الزُّور، والتبست الْأُمُور: فَرَأَيْت هَذَا المطل أخْلص لي ﴿وَقد علمت حَدِيث النَّبِي ﷺ ﴾ فِي الْقَتِيل الَّذِي وجدته يهود، وَأَنه، لما أشكل عَلَيْهِ الْأَمر من عِنْده، قَالَ أحد أَصْحَابه مداعباً: أفتنشط أَنْت رَحِمك الله ﴿أَن تُعْطى الصُّلْح من عنْدك، إِذا التبست عَلَيْك الْمَسْأَلَة؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا﴾ إِنَّمَا هَذَا على الإِمَام الَّذِي بِيَدِهِ بَيت المَال؛ لَيْسَ هَذَا عَليّ ﴿وَقَالَ الْحسن: وجدت بِخَط الْخَلِيفَة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه: سَمِعت القَاضِي أَحْمد بن مخلد يخْطب يَوْمًا؛ فَقَالَ فِي فصل الدُّعَاء مِنْهَا، لما انْتهى إِلَى قَوْله: اخلصوا الله دعاءكم﴾ ثمَّ سكت مَلِيًّا؛ فَلَمَّا ظن النَّاس قد دعوا، انْبَعَثَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ ﴿وَقد دعَاك هَذَا النَّفر من عِبَادك، الساعون لثوابك، المجتمعون ببابك، فَزعًا من عقابك، وَطَمَعًا فِي ثوابك؛ وقبلهم من الذُّنُوب مَا قد أحَاط بِهِ علمك، وأحصاه حفظتك؛ فعد عَلَيْهِم فِي موقفهم هَذَا برحمة توجب لَهُم جنتك، وتجيرهم بهَا من عذابك﴾ آمين ﴿يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ قَالَ مَالك بن الْقَاسِم: وَكَانَ أَحْمد بن بَقِي شَدِيد الْحِفْظ لِلْقُرْآنِ، كثير التِّلَاوَة لَهُ، يقوم بِهِ آنَاء ليله ونهاره. وَكَانَ على شدَّة حفظه، يلْتَزم تِلَاوَته فِي الْمُصحف على نَحْو مَا كَانَ يلتزمه أَبوهُ بَقِي بن مخلد للفضل من النّظر فِيهِ؛ متقشفاً، دمثاً، صبوراً، يتلَقَّى من أَسَاءَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَبِيه قبله بالصفح، وَالْمَغْفِرَة للزلة، وَوضع الْحَسَنَة مَكَان السَّيئَة. وَلما توفّي، صلى عَلَيْهِ وَلَده عبد الرَّحْمَن بإيصاء أَبِيه إِلَيْهِ بذلك، وسنه أَربع وَسِتُّونَ سنة. قَالَ عياص فِي مداركه عِنْد ذكر أَحْمد: مِنْهُم وولاؤهم لامارة من أهل جيان؛ سمع من أَبِيه. وَكَانَ زاهداً، فَاضلا؛ ولى تَفْرِيق الصَّدقَات وَالصَّلَاة؛ ثمَّ قَضَاء الْجَمَاعَة مَقْرُونا بِالْخطْبَةِ.
стр. 66
ذكر مُنْذر بن سعيد ونبذ من أخباره
قَالَ ابْن عفيف: هُوَ مُنْذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم بن عبد الْملك ابْن نجيح النفري، ثمَّ الكزني. فَأول الْأَسْبَاب فِي مَعْرفَته بالناصر الْخَلِيفَة، وزلفاه لَدَيْهِ، أَن النَّاصِر لدين الله، لما احتفل فِي الْجُلُوس لدُخُول رَسُول ملك الرّوم الْأَعْظَم، صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة عَلَيْهِ، بقصر قرطبة، الاحتفال الَّذِي شهد ذكره فِي النَّاس، أحب أَن يُقيم الخطباء وَالشعرَاء بَين يَدَيْهِ بِذكر جلالة مَقْعَده، وَوصف مَا تهَيَّأ لَهُ من توطيد الْخلَافَة فِي دولته. وَتقدم إِلَى الْأَمِير الحكم ابْنه وَولي عَهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أَمَام نشيد الشُّعَرَاء فَأمر الحكم صنيعته الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الْبر من الكسنياني بالتأهب لذَلِك، وإعداد خطْبَة بليغة، يقوم بهَا بَين يَدي الْخَلِيفَة. وَكَانَ يَدعِي من الْقُدْرَة على تأليف الْكَلَام مَا لَيْسَ فِي وَسعه. وَحضر الْمجْلس السلطاني. فَلَمَّا قَامَ يحاول التَّكَلُّم بِمَا رَوَاهُ، بهره هول الْمقَام وابهه الْخلَافَة؛ فَلم يهتد إِلَى لَفظه، بل غشي عَلَيْهِ، وَسقط إِلَى الأَرْض. فَقيل لأبي عَليّ الْبَغْدَادِيّ إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم، صَنِيعَة الْخَلِيفَة وأمير الْكَلَام: قُم ﴿فارقع هَذَا الوهى﴾ فَقَامَ؛ فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله وَصلى على نِيَّته مُحَمَّد ﷺ ﴿ثمَّ انْقَطع بِهِ القَوْل؛ فَوقف ساكتاً مفكراً فِي كَلَام يدْخل بِهِ إِلَى ذكر مَا أُرِيد مِنْهُ. فَلَمَّا رأى ذَلِك مُنْذر بن سعيد وَكَانَ مِمَّن حضر فِي زمرة الْفُقَهَاء، قَامَ من ذَاته؛ فوصل افْتِتَاح أبي عَليّ لأوّل خطبَته بِكَلَام عَجِيب، وَفصل مُصِيب، يسحه سَحا، كَأَنَّمَا يحفظه قبل ذَلِك بِمدَّة، وَبَدَأَ من الْمَكَان الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ. فَقَالَ: أما بعد حمد الله، وَالثنَاء عَلَيْهِ، والتعداد لآلائه، وَالشُّكْر لنعمائه، وَالصَّلَاة على مُحَمَّد صَفيه وَخَاتم أنبيائه، فَإِن لكل حَادِثَة مقَاما، وَلكُل مقَام مقَالا، وَلَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الضلال. وَإِنِّي قد قُمْت فِي مقَام كريم، بَين يَدي ملك عَظِيم؛ فأصغوا إِلَيّ معشر الْمَلأ﴾ بأسماعكم وأيقنوا عني بأفئدتكم؛ إِن من الْحق أَن يُقَال للمحق: صدقت؟ وللمبطل: كذبت
стр. 67
وَإِن الْجَلِيل تَعَالَى فِي إسمائه، وتقدس بصفاته وأسمائه ﴿أَمر كليمه مُوسَى ﷺ وعَلى جَمِيع أنبيائه﴾ أَن يذكر قومه بأيام الله عِنْدهم؛ وَفِيه وفى رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ ﴿أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَإِنِّي أذكركم بأيام الله عنْدكُمْ، وتلافيه لكم بخلافة أَمِير الْمُؤمنِينَ، الَّتِي لمت شعثكم، بعد أَن كُنْتُم قَلِيلا، فكثركم؛ ومستضعفين، فقواكم؛ ومستذلين، فنصركم ﴿ولاه الله رعايتكم، وَأسْندَ إِلَيْهِ إمامتكم، أَيَّام ضربت الْفِتْنَة سرادقها على الْآفَاق، وأحاطت بكم شعل النِّفَاق، حَتَّى صرتم فِي مثل حدقة الْبَعِير، بِضيق الْحَال ونكد الْعَيْش والتقتير﴾ فاستبدلتم بخلافته من الشدَّة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إِلَى تمهيد الْعَافِيَة بعد استيطان الْبلَاء. أنْشدكُمْ الله معاشر الْمَلأ ﴿ألم تكن الدِّمَاء مسفوكة؟ فحنقها﴾ والسبل مخوفة؟ فَأَمَّنَهَا ﴿وَالْأَمْوَال منتهبة؟ فأحرزها وحصنها﴾ ألم تكن الْبِلَاد خراباً؟ فعمرها ﴿وثغور الْمُسلمين مهتضمة؟ فحماها وزهرها﴾ فاذكروا آلَاء الله عَلَيْكُم بخلافته، وتأليفه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حَتَّى أذهب الله غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدا على عَدوكُمْ بعد أَن كَانَ باسكم بَيْنكُم ﴿ناشدكم الله﴾ ألم تكن خِلَافَته قيد الْخلَافَة بعد انطلاقها من عقالها؟ ألم يتلاف صَلَاح الْأُمُور بِنَفسِهِ بعد اضْطِرَاب أحوالها، وَلم يكل ذَلِك إِلَى القواد والاجناد؟ حَتَّى بَاشرهُ بالمهجة وَالْأَوْلَاد، وَاعْتَزل النسوان وهجر الأوطان، ورفض الدعة وَهِي محبوبة، وَترك الركون إِلَى الرَّاحَة وَهِي مَطْلُوبَة، بطوية صَحِيحَة، وعزيمة صَرِيحَة، وبصيرة نَافِذَة ثاقبة، وريح هابة غالبة، ونصرة من الله وَاقعَة وَاجِبَة، وسلطان قاهر، وجد ظَاهر، وسيفٍ مَنْصُور، تَحت عدل منشور، متحملاً للنصب، مُسْتَقْبلا لما نابه فِي جَانب الله من التَّعَب، حَتَّى لانت الْأَحْوَال بعد شدتها، وانكسرت شَوْكَة الْفِتْنَة عِنْد حدتها، وَلم يبْق لَهَا غارب إِلَّا جُبَّة، وَلَا نجم لأَهْلهَا قرن إِلَّا جده! فأصبحتم بِنِعْمَة الله إخْوَانًا، وبلم أَمِير الْمُؤمنِينَ لشعثكم على أعدائكم أعواناً، حَتَّى تَوَاتَرَتْ لديكم الفتوحات، وَفتح الله عَلَيْكُم بخلافته أَبْوَاب البركات، وَصَارَت وُفُود الرّوم وافدة عَلَيْهِ وَعَلَيْكُم، وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إِلَيْهِ وإليكم، يأْتونَ من كل فج عميق، وبلد سحيق، لأخذ حَبل مِنْهُ ومنكم جملَة وتفصيلاً، ليقضى الله أمرا كَانَ مَفْعُولا، وَلنْ يخلف الله
стр. 68
وعده، وَلِهَذَا الْأَمر مَا بعده، وَتلك أَسبَاب ظَاهِرَة بادية، تدل على أُمُور باطنة خافية، دليلها قَائِم، وغيبها عاتم؛ وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم الْآيَة؛ وَلَيْسَ فِي تَصْدِيق مَا وعد الله ارتياب، وَلكُل نبأ مُسْتَقر وَلكُل أجل كتاب ﴿فاحمدوا الله، أَيهَا النَّاس، على آلائه، واسألوا الْمَزِيد من نعمائه﴾ فقد أَصْبَحْتُم بَين خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده الله بالعظمة والسداد، وألهمه محَاضِر التَّوْفِيق إِلَى سَبِيل الرشاد ﴿أحسن النَّاس حَالا، وأنعمهم بَالا، وأعزهم قرارا، وأمنعم دَارا، وأكثفهم جمعا، وأجلهم صنعا، لَا تهاجون وَلَا تواذون، وَأَنْتُم بِحَمْد الله على أعدائكم ظاهرون. فاستعينوا على صَلَاح أحوالكم، بِالنَّصِيحَةِ لإمامكم، والتزام الطَّاعَة لخليفتكم، فَإِن من نزع يدا من الطَّاعَة، وسعى فِي فرقة الْجَمَاعَة، ومرق من الدّين، فقد " خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين ". وَقد علمْتُم أَن فِي التَّعَلُّق بعصمتها، والتمسك بعروتها، حفظ الْأَمْوَال وحقن الدِّمَاء، وَصَلَاح الْخَاصَّة والدهماء، وَأَن بقوام الطَّاعَة تُقَام الْحُدُود، وَتوفى العهود، وَبهَا وصلت الْأَرْحَام، وَصحت الْأَحْكَام، وَبهَا سد الله الْخلَل، وآمن السبل، ووطأ الأكناف، وَرفع الِاخْتِلَاف، وَبهَا طَابَ لكم الْقَرار، واطمأنت بكم الدَّار؛ فَاعْتَصمُوا بِمَا أَمركُم الله بِلَا اعتصام بِهِ؛ فَإِنَّهُ ﵎﴾ يَقُول: " أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم " الْآيَة وَقد علمْتُم معشر الْمُسلمين ﴿مَا أحَاط بكم فِي جزيرتكم هَذِه من ضروب الْمُشْركين وصنوف الْمُلْحِدِينَ، الساعين فِي شقّ عصاكم، وتفريق ملتكم، الآخذين فِي مخاذلة دينكُمْ، وهتك حريمكم، وتوهين دَعْوَة نَبِيكُم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وعَلى جَمِيع النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ﴾ أَقُول هَذَا، وأختمه بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين ﴿وَأَسْتَغْفِر الله الغفور الرَّحِيم: فَهُوَ خير الغافرين﴾ فَخرج النَّاس يتحدثون عَن مقَام مُنْذر، وثبات جنانه، وبلاغة مَنْطِقه. علمْتُم معشر الْمُسلمين ﴿مَا أحَاط بكم فِي جزيرتكم هَذِه من ضروب الْمُشْركين وصنوف الْمُلْحِدِينَ، الساعين فِي شقّ عصاكم، وتفريق ملتكم، الآخذين فِي مخاذلة دينكُمْ، وهتك حريمكم، وتوهين دَعْوَة نَبِيكُم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وعَلى جَمِيع النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ﴾ أَقُول هَذَا، وأختمه بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين ﴿وَأَسْتَغْفِر الله الغفور الرَّحِيم: فَهُوَ خير الغافرين﴾ فَخرج النَّاس يتحدثون عَن مقَام مُنْذر، وثبات جنانه، وبلاغة مَنْطِقه. وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله أَشَّدهم تَعَجبا مِنْهُ، فَأقبل على وَلَده الْأَمِير الحكم يسائله عَنهُ، وَلم يكن يثبت معرفَة عينه، وَقد سمع باسمه. فَقَالَ لَهُ الحكم: هُوَ مُنْذر بن سعيد
стр. 69
البلوطي. فَقَالَ لَهُ: لقد أحسن مَا شَاءَ ﴿فلئن كَانَ حبر خطبَته هَذِه وأعدها، مَخَافَة أَن يَدُور مَا دَار، فيتلافى الوهى، إِنَّه لبديع من قدرته واحتياطه، وَلَئِن كَانَ أَتَى بهَا على البديهة لوقته، إِنَّه لأعجب وَأغْرب﴾ فَكَانَ ذَلِك سَبَب اتِّصَاله بِهِ، واستعماله. وَذكر ابْن أصبغ الْهَمدَانِي عَن مُنْذر القَاضِي أَنه خطب يَوْمًا وَأَرَادَ التَّوَاضُع؛ فَكَانَ من فُصُول خطبَته أَن قَالَ: حَتَّى مَتى؟ وَإِلَى مَتى؟ فكم الَّذِي أعظ وَلَا أتعظ؛ وأزجر وَلَا أزدجر، أدل الطَّرِيق على المستدلين، وَأبقى مُقيما مَعَ الحائرين ﴿كلا إِن هَذَا لَهو الضلال الْمُبين﴾ " إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء " الْآيَة. اللَّهُمَّ ﴿فرغني لما خلقتني لَهُ﴾ وَلَا تشغلني بِمَا تكفلت لي بِهِ ﴿وَلَا تحرمني وَأَنا أَسأَلك﴾ وَلَا تعذبني وَأَنا أستغفرك ﴿يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ قَالَ: وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله كلفاً بعمارة الأَرْض وَإِقَامَة معالمها، وتخليد الْآثَار الدَّالَّة على قُوَّة الْملك وَعز السُّلْطَان؛ فأقضى بِهِ الإغراق فِي ذَلِك إِلَى أَن ابتنى مَدِينَة الزهراء، الْبناء الَّذِي شاع ذكره: استفرغ وَسعه فِي تنميقها، وإتقان قُصُورهَا، وزخرفة مصانعها. فانهمك فِي ذَلِك حَتَّى عطل شُهُود الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع الَّذِي اتَّخذهُ ثَلَاث جمع مُتَوَالِيَة؛ فَأَرَادَ القَاضِي مُنْذر أَن يغض مِنْهُ بِمَا تنَاوله من الموعظة بِفضل الْخطاب وَالْحكمَة والتذكرة بالإنابة وَالرَّجْعَة؛ فَأدْخل فِي خطبَته فصلا مبتدئاً بقوله: أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون. وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون ﴿وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ فَاتَّقُوا الله وأطيعون ﴿وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم ﴿وَلَا تَقولُوا " سَوَاء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين " فمتاع الدُّنْيَا قَلِيل، وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى﴾ وَهِي دَار الْقَرار، وَمَكَان الْجَزَاء! وَوصل ذَلِك بِكَلَام جزل، وَقَول فصل، وَمضى فِي ذمّ تشييد الْبُنيان، والاستغراق فِي زخرفته، والإسراف فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِ؛ فَجرى طلقاً؛ وانتزع فِيهِ قَوْله تَعَالَى: " أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من
стр. 70
أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم " إِلَى آخر الْآيَة. وأتى بِمَا يشاكل الْمَعْنى من التخويف بِالْمَوْتِ، والتحذير من فَجَاءَتْهُ، وَالدُّعَاء إِلَى الزّهْد فِي هَذِه الدَّار الفانية، والحض على اعتزالها، والرفض لَهَا، وَالنَّدْب إِلَى الْإِعْرَاض مِنْهَا؛ والإقصار عَن طلب اللَّذَّات، وَنهى النُّفُوس عَن اتِّبَاع هَواهَا. فأسهب فِي ذَلِك كُله، وأضاف إِلَيْهِ من آي الْقُرْآن مَا يطابقه، وجلب من الحَدِيث والْآثَار مَا يشاكله، حَتَّى اذكر من حَضَره النَّاس وخشعوا، ورقوا، واعترفوا، وَبكوا، وضجوا، ودعوا، وأعلنوا فِي التضرع إِلَى الله فِي التَّوْبَة، والابتهال فِي الْمَغْفِرَة، وَأخذ خليفتهم من ذَلِك بأوفر حَظّ، وَقد علم أَنه الْمَقْصُود بِهِ؛ فَبكى، وَنَدم على مَا سلف لَهُ، واستعاذ بِاللَّه من سخطه، إِلَّا أَنه وجد على مُنْذر بن سعيد لغلظ مَا تقرعه بِهِ؛ فَشَكا ذَلِك لوَلَده الْأَمِير الحكم بعد انْصِرَافه، وَقَالَ: وَالله ﴿لقد تعمدني مُنْذر بخطبته، وَمَا عَنى بهَا غَيْرِي﴾ فأسرف عَليّ وأفرط فِي تقريعي، وَلم يحسن السياسة فِي وعظي، فزعزع قلبِي، وَكَاد بعصاه يقرعني ﴿واستشاط غيظاً عَلَيْهِ؛ فأقسم أَن لَا يُصَلِّي خَلفه صَلَاة الْجُمُعَة خَاصَّة؛ فَجعل يلْتَزم صلَاتهَا وَرَاء أَحْمد بن مطرف صَاحب الصَّلَاة بقرطبة، ويجانب الصَّلَاة بالزهراء. فَقَالَ لَهُ الحكم: فَمَا الَّذِي يمنعك من عزل مُنْذر عَن الصَّلَاة بك، والاستبدال مِنْهُ إِذْ كرهته؟ فزجره وانتهره، وَقَالَ لَهُ: أمثل مُنْذر بن سعيد فِي فَضله وَعَمله وخيره؟ لَا أم لَك﴾ يعْزل لإرضاء نفس ناكبة عَن الْحق ﴿هَذَا مِمَّا لَا يكون﴾ وَإِنِّي لأَسْتَحي من الله أَن لَا أجعَل بيني وَبَينه فِي صَلَاة الْجُمُعَة شَفِيعًا مثل مُنْذر فِي ورعه وَصدقه ﴿وَلَا كنه أحرجني، فأقسمت. ولوددت أَنِّي أجد سَبِيلا إِلَى كَفَّارَة يَمِيني، بل يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَيَاته وحياتنا، إِن شَاءَ الله﴾ وقحط النَّاس آخر مُدَّة النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد. فَأمر القَاضِي مُنْذر ابْن سعيد بالبروز إِلَى الاسْتِسْقَاء بِالنَّاسِ فتأهب لذَلِك، وَصَامَ بَين يَدَيْهِ أَيَّامًا، تنفلاً، وإنابةً، وَرَهْبَة. وَاجْتمعَ لَهُ النَّاس فِي مصلى الربض بقرطبة، بارزين إِلَى الله تَعَالَى فِي جمع عَظِيم. وَصعد الْخَلِيفَة النَّاصِر فِي أَعلَى مصانعه المرتفعة من الْقصر، ليشارف النَّاس، ويشاركهم فِي الْخُرُوج إِلَى الله، والضراعة لَهُ، فَأَبْطَأَ القَاضِي حَتَّى اجْتمع النَّاس، وغصت
стр. 71
بهم ساحة الْمصلى. ثمَّ خرج نحوهم مَاشِيا، متضرعاً، مخبتاً، متخشعاً؛ وَقَامَ ليخطب. فَلَمَّا رأى بدار النَّاس إِلَى ارتقابه، واستكانتهم من خُفْيَة الله، وإخباتهم لَهُ، وابتهالهم إِلَيْهِ، رقت نَفسه، وغلبته عَيناهُ؛ فَاسْتَغْفر، وَبكى حينا؛ ثمَّ افْتتح خطبَته بِأَن قَالَ: سَلام عَلَيْكُم ﴿ثمَّ سكت، ووقف شبه الْحصْر، وَلم يكن من عَادَته. فَنظر النَّاس بَعضهم بِبَعْض، لَا يَدْرُونَ مَا عراه، وَلَا مَا أَرَادَ بقوله. ثمَّ انْدفع تالياً بقوله: سَلام عَلَيْكُم﴾ كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم ﴿وَاسْتَغْفرُوا ربكُم، وتوبوا إِلَيْهِ، وتزلفو بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَات لَدَيْهِ﴾ قَالَ: فهاج النَّاس بالبكاء، وجأروا بِالدُّعَاءِ، وَمضى على تَمام خطبَته؛ فقرع النُّفُوس بوعظه، وانبعث الْإِخْلَاص بتذكيره؛ فَلم ينْقض النَّهَار حَتَّى أرسل الله السَّمَاء بِمَاء منهمر، روى الثرى، وطرد الْمحل، وَسكن الْأَزَل. وَالله لطيف بعباده ﴿وَكَانَ لَهُ فِي خطب الاسْتِسْقَاء استفتاح عَجِيب؛ وَمِنْه أَن قَالَ يَوْمًا، وَقد سرح طرفه فِي مَلأ النَّاس، عِنْد مَا شخصوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ؛ فَهَتَفَ بهم كالمنادي: يَا أَيهَا النَّاس وكررها عَلَيْهِم، مُشِيرا بِيَدِهِ فِي نواحيهم أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد. إِن يَشَأْ يذهبكم وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد. وَمَا ذَلِك على الله بعزيز﴾ فَاشْتَدَّ وَجل النَّاس، وَانْطَلَقت أَعينهم بالبكاء، وَمضى فِي خطبَته. وَمن أَخْبَار المحفوظة مَعَ الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن، فِي إِنْكَاره عَلَيْهِ الْإِسْرَاف فِي الْبناء، أَن النَّاصِر كَانَ قد اتخذ، لسقف القبيبة المصغرة الِاسْم للخصوصية الَّتِي كَانَت مماثلة على الصرح الممرد الْمَشْهُور شَأْنه بقصر الزهراء، قراميد مغشاة ذَهَبا وَفِضة، أنْفق عَلَيْهَا مَالا جسيماً، وقرمد سقفها بهَا، تشَتت الْأَبْصَار بأشعة أنوارها. وَجلسَ فِيهَا يَوْمًا، اثر تَمامهَا، لأهل مَمْلَكَته، فَقَالَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُم من الوزراء وَأهل الْخدمَة، مفتخراً بِمَا صنعه من ذَلِك: هَل رَأَيْتُمْ أَو سَمِعْتُمْ ملكا كَانَ قبلي فعل مثل فعلي هَذَا أَو قدر عَلَيْهِ؟ فَقَالُوا: لَا ﴿يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ وَإنَّك لوَاحِد فِي شَأْنك كُله، وَمَا سَبَقَك إِلَى مبتدعاتك هَذِه ملك رَأَيْنَاهُ، وَلَا انْتهى إِلَيْنَا خَبره! فابهجه
стр. 72
قَوْلهم وسره. وبينما هُوَ كَذَلِك، إِذْ دخل عَلَيْهِ القَاضِي مُنْذر بن سعيد، واجماً ناكس الرَّأْس؛ فَلَمَّا أَخذ مَجْلِسه، قَالَ لَهُ كَالَّذي قَالَ لوزرائه من ذكر السّقف الْمَذْهَب، واقتداره على إبداعه؛ فَأَقْبَلت دموع القَاضِي تنحدر على لحيته، وَقَالَ لَهُ: وَالله ﴿يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا ظَنَنْت أَن الشَّيْطَان لَعنه الله﴾ يبلغ مِنْك هَذَا الْمبلغ، وَلَا أَن تمكنه من قبلك هَذَا التَّمْكِين، مَعَ مَا آتاك الله من فَضله وَنعمته، وفضلك بِهِ على الْعَالمين، حَتَّى ينزلك منَازِل الْكَافرين ﴿قَالَ: فانفعل عبد الرَّحْمَن لقَوْله، وَقَالَ لَهُ: انْظُر مَا تَقول﴾ وَكَيف أنزلتني مَنْزِلَتهمْ؟ فَقَالَ لَهُ: نعم ﴿أَلَيْسَ الله تَعَالَى يَقُول: وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون. فَوَجَمَ الْخَلِيفَة، وأطرق مَلِيًّا، ودموعه تتساقط خشوعاً لله سُبْحَانَهُ، ثمَّ أقبل على مُنْذر وَقَالَ لَهُ: جَزَاك الله، يَا قَاضِي﴾ عَنَّا وَعَن نَفسك خيرا ﴿وَعَن الدّين وَالْمُسْلِمين أجل جَزَائِهِ﴾ وَكثر فِي النَّاس أمثالك ﴿فَالَّذِي قلت هُوَ الْحق﴾ وَقَامَ عَن مَجْلِسه ذَلِك، وَأمر بِنَقْض سقف الْقبَّة، وَأعَاد قرمودها تُرَابا على صفة غَيرهَا. وَكَانَ هَذَا القَاضِي على متانته وَشدَّة جزالته، حسن الْخلق، خَفِيف الوطاة، سهل الْجَانِب، كثير الدعابة، منطلق الْبشر، حَتَّى أَنه رُبمَا استراب بباطنه من لَا يعرفهُ إِذا شَاهد استرساله؛ فَإِذا دَامَ أحد أَن يُصِيب من دينه، ثار ثورة اللَّيْث. وَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عمر بن لَبِيب، أَنه حضر عِنْد الْخَلِيفَة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يَوْمًا، فِي خلْوَة لَهُ، وَهُوَ فِي الْبُسْتَان على بركَة، فِي زمَان صيف شَدِيد الْحر والوهج، وَذَلِكَ منصرف القَاضِي من صَلَاة الْجُمُعَة، فَشَكا إِلَى الْخَلِيفَة من قُوَّة الْحر جهداً؛ فَأمره بخلع ثِيَابه، وَالتَّخْفِيف عَن جِسْمه؛ فَفعل؛ فَلم يطف ذَلِك مَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحكم: من الصَّوَاب أَن تنغمس فِي هَذَا الصهريج انغماسة تبرد جسمك وتعدله. فَقُمْ ﴿فَلَيْسَ هَا هُنَا من تحتشمه﴾ وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُمَا جَعْفَر الصقلبي أثير الْخلَافَة، لَا رَابِع لَهُم؛ فَكَأَنَّهُ استحيى من ذَلِك، وانقبض عَنهُ وقاراً. فَأمر الحكم حَاجِبه جعفراً بسبقه إِلَى النُّزُول فِي الصهريج، ليسهل الْأَمر فِيهِ على القَاضِي؛ فبادر جَعْفَر إِلَى ذَلِك، وأتزر، وَألقى بِنَفسِهِ
стр. 73
فِي المَاء؛ وَكَانَ يحسن السباحة. فَلم يسع القَاضِي عِنْد ذَلِك إِلَّا إِنْفَاذ أَمر الْخَلِيفَة؛ فَقَامَ وأتزر وتجرد، وَألقى بِنَفسِهِ خلف جَعْفَر، ولاذ بالقعود فِي درج الصهريج متبرداً؛ فَلم ينشط فِي السباحة، وجعفر يجول فِيهِ مجاله، مصعداً فِي الصهريج ومصوباً، فَدَسَّهُ الحكم على القَاضِي، فَهُوَ يَدعُوهُ إِلَى المساجلة فِي العوم، ويعجزه فِي إخلاده إِلَى الْقعُود، ويباغيه بإلقاء المَاء عَلَيْهِ، والرش لَهُ، وَالْآخر لَا ينبعث، وَلَا بفارق مَكَانَهُ إِلَى أَن كَلمه الحكم وَقَالَ لَهُ: مَا لَك أَيهَا القَاضِي؟ لَا تساعد الْحَاجِب فِي فعله وتعوم مَعَه ﴿فَمن أَجلك تبذل فِيمَا تبذل فِيهِ﴾ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي، الْحَاجِب سلمه الله مُطلق، لَا هوجل مَعَه ﴿وَأَنا بالهوجل الَّذِي معي، يعقلني ويمنعني من الأعماق فِي الصهريج﴾ يُرِيد بمقالته أنثييه وَأَن جعفراً مجبوب. فاستفرغ الحكم ضحكاً من نادرته، ولطف تعريضه فَخَجِلَ الْحَاجِب من قَوْله، وسبه سبّ الْأَشْرَاف. وخرجا من المَاء. فَأمر لَهما الْخَلِيفَة ﵀ بكسوة تشاكل كلا مِنْهُمَا، ووصلهما بصلَة سنية. قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد فِي كِتَابه: وَذكر أَن الْخَلِيفَة الحكم قَالَ لقاضيه مُنْذر يَوْمًا، فِي بعض مَا جاوبه: بَلغنِي أَنَّك لَا تجتهد للأيتام، وَأَنَّك تقدم عَلَيْهِم أوصياء سوء، يَأْكُلُون أَمْوَالهم ﴿قَالَ نعم﴾ وَإِن أمكنهم نيك أمهاتهم، لم يعفوا عَنْهُن ﴿فَقَالَ لَهُ: وَكَيف تقدم مثل هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: لست أجد غَيرهم، ولاكن أحلني على الْفَقِيه اللؤْلُؤِي، وَأبي إِبْرَاهِيم، وأمثالهما لأقدمهم، فَإِن أَبَوا، أجبرتهم بالسجن وَالضَّرْب، ثمَّ لَا تسمع إِلَّا خيرا. وَإِلَّا، فدع الْأُمُور تمْضِي كَمَا هِيَ﴾ فَالله بالمرصاد ﴿وَكَانَ شَيخنَا القَاضِي أَبُو عبد الله بن عَيَّاش الخزرجي يستحسن من كَلَامه قَوْله فِي التَّزْكِيَة: اعْلَم أَن الْعَدَالَة من أَشد الْأَشْيَاء تَفَاوتا وتبايناً، وَمَتى حصلت ذَلِك عرفت حَالَة الشُّهُود، لِأَن بَين عَدَالَة أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ﴾ وعدالة التَّابِعين ﵃ ﴿بون عَظِيم، وتباين شَدِيد، وَبَين عَدَالَة أهل زَمَاننَا، وعدالة أُولَئِكَ، مثل مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وعدالة أهل زَمَاننَا، على مَا هِيَ عَلَيْهِ،
стр. 74
بعيدَة التباين أَيْضا. وَالْأَصْل فِي هَذَا عِنْدِي وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ﴿أَن من كَانَ الْخَيْر أغلب عَلَيْهِ من الشَّرّ، وَكَانَ متنزهاً عَن الْكَبَائِر، فَوَاجِب أَن تعْمل شَهَادَته؛ فَإِن الله تَعَالَى قد أخبرنَا بِنَصّ الْكتاب أَن: " من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية. " وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: " فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ " فَمن ثقلت مَوَازِين حَسَنَاته بِشَيْء، لم يدْخل النَّار؛ وَمن اسْتَوَت حَسَنَاته وسيآته، لم يدْخل الْجنَّة فِي زمرة الداخلين أَولا؛ وهم أَصْحَاب الْأَعْرَاف، فَذَلِك عُقُوبَة لَهُم، إِذْ تخلفوا أَن تزيد حسناتهم على سيآتهم. فَهَذَا حكم الله فِي عباده. وَنحن إِنَّمَا كلفنا الحكم بِالظَّاهِرِ؛ فَمن ظهر لنا أَن خَيره أغلب عَلَيْهِ من شَره، حكمنَا لَهُ بِحكم الله بعباده؛ وَلم نطلب لَهُ على الْبَاطِن. وَلَا كلفه مُحَمَّد ﷺ ! فقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ: إِنَّمَا أَنا بشر، وَأَنْتُم تختصمون إِلَيّ؛ ولقل بَعْضكُم أَن يكون ألحق بحجته من بعض؛ فأحكم لَهُ على نَحْو مَا أسمع بِأَحْكَام الدُّنْيَا على ماظهر، وَأَحْكَام الْآخِرَة على مَا بطن، لِأَن الله تَعَالَى يعلم الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَنحن لَا نعلم إِلَّا الظَّاهِر. وَلأَهل كل بلد قوم قد تراضى عَلَيْهِم عامتهم؛ فبهم تَنْعَقِد مناكحهم وبيوعهم؛ وَقد قدموهم فِي مَسَاجِدهمْ، ولجمعهم وأعيادهم؛ فَالْوَاجِب على من استقضى فِي مَوضِع، أَن يقبل شَهَادَة أماثلهم، وفقهائهم وَأَصْحَاب صلواتهم، وَإِلَّا ضَاعَت حُقُوق ضعيفهم وقويهم، وَبَطلَت أحكامهم. وَيجب عَلَيْهِ أَن يسْأَل إِن استراب فِي بَعضهم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن عَنْهُم؛ فَمن لم يثبت عِنْده عَلَيْهِ اشتهار فِي كَبِيرَة، فَهُوَ على عَدَالَة ظَاهِرَة، حَتَّى يثبت غير ذَلِك. انْتهى. وَسَماهُ مُحَمَّد بن حُسَيْن الزبيدِيّ فِي مُصَنفه فِي طَبَقَات النَّحْوِيين واللغويين؛ فَقَالَ: أَبُو الحكم مُنْذر بن سعيد القَاضِي، سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى ونظرائه، ثمَّ رَحل حَاجا سنة ٣٠٨؛ فَسمع بِمَكَّة من مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي كِتَابه الْمُؤلف فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء الْمُسَمّى ب الْأَشْرَاف. وروى بِمصْر كتاب الْعين للخليل، عَن أبي الْعَبَّاس ابْن ولاد، وَعَن أبي جَعْفَر بن النّحاس. وَكَانَ متفنناً فِي ضروب الْعلم. وَغلب عَلَيْهِ التفقه بِمذهب أبي سُلَيْمَان دَاوُود بن عَليّ الإصبهاني الْمَعْرُوف بالظاهري؛ فَكَانَ يُؤثر مذْهبه، وَيجمع كتبه، ويحتج بمقالته، وَيَأْخُذ بهَا لنَفسِهِ، فَإِذا جلس مجْلِس الْحُكُومَة، قضى
стр. 75
بِمذهب مَالك بن أنس وَأَصْحَابه الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل فِي بَلَده، وَلم يعدل عَنهُ. قَالَ: وَكَانَت ولَايَة مُنْذر لقَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة فِي ربيع الآخر سنة ٣٣٩. ولبث قَاضِيا إِلَى أَن توفّي فِي عقب ذِي الْقعدَة سنة ٣٥٥. فَكَانَت ولَايَته الْقَضَاء سِتّ عشرَة سنة كَامِلَة ﵀ وَغفر لنا وَله ﴿
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن السَّلِيم
وَولي الْقَضَاء بعد البلوطي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم. وَنَصّ ظهير ولَايَته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ هَذَا كتاب أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم؛ ولاه بِهِ خطة الْقَضَاء، وَاخْتَارَهُ للْحكم بَين جَمِيع الْمُسلمين، وَرَفعه إِلَى أَعلَى الْمَرَاتِب عِنْده فِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام، غير مُطلق يَده إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلسَانه إِلَّا بِالْعَدْلِ ﴿ورسم لَهُ فِي كِتَابه رسوماً بَدَأَ فِيهِ بأمانة الله ﴾ إِلَيْهِ، وَجعل الله الشَّهِيد بهَا عَلَيْهِ؛ أمره بتقوى الله الْعَظِيم الَّذِي يعلم خَائِنَة الْأَعْين، وَمَا تخفي الصُّدُور؛ وَأَن يَجْعَل كتاب الله أُمَامَة ينظر فِيهِ نظر المتفكر الْمُعْتَبر؛ فَإِنَّهُ عهد الله الَّذِي بعث بِهِ نبيه ﷺ ﴿فأحل حَلَاله، وَحرم حرَامه، وأمضى أَحْكَامه، وَفَارق الْأمة. على أَنهم لن يضلوا مَا اتَّبعُوهُ؛ فَهُوَ العروة الوثقى، والطريقة المثلى والنهج الْمُنِير، وَدين الله القويم. وَأمره أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَقْتَدِي بِسنة رَسُول الله ﷺ ﴾ الَّتِي بهَا عملت الْأَئِمَّة، وَعَلَيْهَا اتّفقت الْأمة، فَالْحق مَعْرُوف؛ وَالْبَاطِل مَكْشُوف؛ وَبَينهمَا مُشْتَبهَات فِيهَا يحمد التَّوَقُّف، وَعِنْدهَا يشْكر التثبت، فَفِي كتاب الله تَعَالَى اسْمه ﴿وَسنة نبيه ﷺ ﴾ أصل الدّين، وفرعه، وَدَلِيله، وتأويله، وَمن يرد الله بِهِ خيرا يوفقه للاقتداء بهما، والاقتباس مِنْهُمَا. وَأمره أَن يصلح سَرِيرَته فِيهَا، يصلح الله عَلَانِيَته؛ وَأَن يبرأ من الْهوى؛ فَإِنَّهُ مضلة عَن طَرِيق الْحق؛ وَأَن يَجْعَل النَّاس فِي نَفسه سَوَاء، إِذا جلس للْحكم بَينهم، حَتَّى لَا يطْمع فِيهِ الشريف، وَلَا ييأس مِنْهُ الضَّعِيف. وَأمره أَن يعْتَبر أمره وَمَا قَلّدهُ؛ فَيعلم أَنه رَاكب طَرِيقا متهاها إِلَى الْجنَّة أَو النَّار:
следующие страницы →