Полный текст (208 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَكَانَ من أهل السرابة فِي الْحق، والشدة، وَالْقُوَّة على الظَّالِمين، والرفق بالمساكين. ثمَّ صرف عَن الْقَضَاء وَأَقْبل على نشر الْعلم وبثه. قَالَ الْمُحدث أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك: قَرَأت عَلَيْهِ بإشبيلية؛ وَسَأَلته عَن مولده؛ فَقَالَ لي: ولدت لَيْلَة الْخَمِيس لثمان بَقينَ من شعْبَان سنة ٤٦٨. وَتُوفِّي ﵀! بالعدوة. وَدفن بِمَدِينَة فاس فِي ربيع الآخر سنة ٥٤٣. وَفِي تَكْمِلَة الْمُحدث أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن الْأَبَّار، عَن أبي عبد الله بن مُجَاهِد الاشبيلي الزَّاهِد العابد، أَنه لَازم القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ نَحْو ثَلَاثَة أشهر، ثمَّ تخلف عَنهُ. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: كَانَ يدرس، وَبغلته عِنْد الْبَاب، ينْتَظر الرّكُوب إِلَى السُّلْطَان. وَذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن الزبير فِي صلته وَقَالَ فِيهِ: رَحل مَعَ أَبِيه أبي مُحَمَّد، عِنْد انْقِرَاض الدولة العبادية، إِلَى الْحَج سنة ٤٨٥؛ وَسنة إِذْ ذَاك نَحْو سَبْعَة عشر عَاما. فلقي شُيُوخ مصر وَعدد لنا أُنَاسًا. ثمَّ قَالَ: وَقيد الحَدِيث، وَضبط مَا روى، واتسع فِي الرِّوَايَة، وتقن مسَائِل الْخلاف وَالْأُصُول وَالْكَلَام على أيمة هَذَا الشَّأْن. وَعَاد إِلَى بَغْدَاد بعد دُخُولهَا، وَانْصَرف إِلَى مصر؛ فَأَقَامَ بالإسكندرية؛ فَمَاتَ أَبوهُ بهَا، أول سنة ٤٩٣. ثمَّ انْصَرف إِلَى الأندلس؛ فسكن بَلَده إشبيلية؛ وشوور فِيهِ، وَسمع، ودرس الْفِقْه وَالْأُصُول، وَجلسَ للوعظ وَالتَّفْسِير، وصنف فِي غير فن تسانيف مليحة حَسَنَة، مفيدة. وَولى الْقَضَاء مُدَّة، أَولهَا رَجَب من سنة ٥٣٨؛ فنفع الله لصرامته، ونفوذ أَحْكَامه. وَالْتزم الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، حَتَّى أوذي فِي ذَلِك بذهاب كتبه وَمَاله؛ فَأحْسن الصَّبْر على ذَلِك كُله. ثمَّ صرف من الْقَضَاء، وَأَقْبل على نشر الْعلم وبثه. وَكَانَ فصيحاً، حَافِظًا، أديباً، شَاعِرًا، كثير الْملح، مليح الْمجْلس. ثمَّ قَالَ: قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى وَقد وَصفه بِمَا ذكرته ثمَّ قَالَ: ولكثرة حَدِيثه وأخباره، وغريب حكاياته ورواياته، أَكثر النَّاس فِيهِ الْكَلَام؛ وطعنوا فِي حَدِيثه. وَتُوفِّي مُنْصَرفه من مراكش؛ من الوجهة الَّتِي توجه مِنْهَا مَعَ أهل بَلَده إِلَى الحضرة؛ بعد دُخُول مَدِينَة إشبيلية؛ فحبسوه بمراكش نَحْو عَام؛ ثمَّ سرحوه؛ فَأَدْرَكته منيته بطريقه على مَقْبرَة من فاس بمرحلة؛ وَحمل مَيتا إِلَى مَدِينَة
стр. 107
فاس. فَدفن بهَا بِبَاب الجيسة. قَالَ: وروى عَنهُ الجم الْغَفِير؛ فَمن جملَة من روى عَنهُ، من عُلَمَاء الْمِائَة الْخَامِسَة، القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى، وَأَبُو جَعْفَر بن الباذش، وَطَائِفَة. وَالصَّحِيح فِي القَاضِي أبي بكر أَنه إِنَّمَا دفن خَارج بَاب المحروق من فاس؛ وَمَا وَقع من دَفنه بِبَاب الجيسة وهم من ابْن الزبير وَغلط. وَقد زرناه وشاهدنا قَبره بِحَيْثُ ذَكرْنَاهُ أرضاه الله وَغفر لنا وَله!
ذكر القَاضِي أبي الْمطرف عبد الرَّحْمَن الشّعبِيّ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن قَاسم الشّعبِيّ المالقي. ولي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ نِيَابَة، ثمَّ اسْتِقْلَالا. وَكَانَ عَالما، متفنناً، بَصيرًا بالنوازل، حَافِظًا للمسائل؛ وَعَلِيهِ كَانَت الْفتيا تَدور بقطره، أَيَّام حَيَاته، وَجَرت بَينه وَبَين القَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ، عِنْد اجتيازه على مالقة، مناظرات فِي ضروب من الْعُلُوم. وَكَانَت لَهُ فِي الْأَقْضِيَة مَذَاهِب من الِاجْتِهَاد، لم تكن لغيره من أهل طبقته، وَلَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى راوية أَشهب؛ وَنَظره من ذَلِك أَنه كَانَ يَقُول فِي اللُّصُوص الْمُحَاربين، إِذا أخذُوا وَمَعَهُمْ أَمْوَال؛ فجَاء قوم يدعونَ ملك الْأَمْوَال، وَلَيْسَت لَهُم بَيِّنَة، إِن القَوْل قَوْلهم فِي أَن المَال لَهُم بعد الاستيناء قَلِيلا. وروجع فِي ذَلِك فَقَالَ: المروى عَن مَالك أَنه قَالَ: يقبل قَوْلهم على اللُّصُوص، ودعواهم بِغَيْر بَيِّنَة. وَمَا أَعْطَاهُم مَالك ذَلِك، إِلَّا بسيئة الْحَال الَّتِي عَلَيْهِم من أنفسهم بِالْفَسَادِ؛ فَكَانَت حَالهم السَّيئَة فِي السَّعْي فِي الأَرْض، بِغَيْر الْحق بَيِّنَة عَلَيْهِم. وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول فِي الظَّالِم الْمَعْرُوف بِأخذ أَمْوَال النَّاس، واستباحتها لغير حق؛ ويردد قَول عمر بن عبد الْعَزِيز: تحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور، وَلَا فجور أعظم من الظُّلم والتسلط على أَمْوَال النَّاس وأبشارهم بِغَيْر الْحق؛ وَقد جعل الله عَلَيْهِم بذلك السَّبِيل فَقَالَ: " إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس، ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق ". فَإِذا كَانَ للمظلوم سَبِيل، فَالْقَوْل قَوْله وعَلى الْمُدعى عَلَيْهِ؛ فَإِن الْبَيِّنَة فِي لِسَان الْعَرَب مُشْتَقَّة من الْبَيَان، فكيفما تبين الْأَمر، فَهُوَ بَيِّنَة كُله،
стр. 108
فظلم الظَّالِم بَيِّنَة عَلَيْهِ. أَلا ترى أَن مدعى اللّقطَة إِنَّمَا بَينته الْوَصْف للعفاص والوكاء؟ وَرب رمية من غير رام؟ وإرخاء الستور بَيِّنَة، يجب بهَا للْمَرْأَة أَخذ صَدَاقهَا، وَتصدق فِي دَعْوَاهَا؛ فقد صَار السّتْر بَيِّنَة لَهَا؛ فظلم الظَّالِم يدعى عَلَيْهِ بعد عَزله مَقْبُول عَلَيْهِ من مدعيه، لِأَن ظلمه شَاهد بِمَا يدعى عَلَيْهِ، كَمَا كَانَت معرفَة العفاص والوكاء شَاهدا لوصفها، والستر شَاهد للْمَرْأَة. وَقد مر طرف من الْكَلَام عِنْد ذكر زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن من هَذَا الْكتاب على الْغَاصِب وَالْمَغْصُوب. وَكَانَ يحكم فِي الرجل يُرِيد أَن ينْتَقل عَن الأندلس بعياله، إِلَى غَيرهَا من عدوة الْبَحْر، فتأبى زَوجته الْخُرُوج مَعَه، لمَكَان الْبَحْر، وشدته على ركُوبه؛ بِأَن لَهُ أَن يُخرجهَا، ويسيرها حَيْثُ شَاءَ، إِذا كَانَ مَأْمُونا فِي غيبته عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول فِي الْأَب، إِذا أَرَادَ أَن يرتحل إِلَى بَلَده ليسكن فِيهِ، فَلهُ أَخذ بنيه، وَلَا يُكَلف بَيِّنَة أَنه قد استوطن وَسكن مُدَّة، لِأَنَّهُ لَو تمكن أَن يُكَلف الرجل ذَلِك فِيهَا قرب، لم يتَكَلَّف فِيمَا بعد: فقد يُرِيد أَن يرتحل من الأندلس إِلَى مَكَّة أَو مصر أَو خُرَاسَان، وَهَذَا مَالا يُسْتَطَاع إِلَّا بذهاب المدد المتطاولة. وَقد ذكر ابْن الْهِنْدِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ مَا حَاصله: فَيجب على النّظر أَن يكون القَوْل قَوْله فِي الِانْتِقَال للسُّكْنَى وَفِي الْموضع الَّذِي يُرِيد أَن يَتَّخِذهُ موطناً، مَعَ يَمِينه على ذَلِك. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل طلب الحاضن، أَبَا كَانَ أَو غَيره، ثُبُوت الِانْتِقَال بِمَالِه، واستمرار استيطانه فِي الْبَلَد الَّذِي ارتحل إِلَيْهِ. وَذكر ابْن مغيث أَن أقل مُدَّة الاستيطان سِتَّة أشهر، وَلَيْسَ للْأَب فِيمَا دونهَا أَخذ الْوَلَد. وَيذكر عَن الْفَقِيه أبي الْمطرف أَنه كَانَ يستحضر كتابي الْمُوَطَّأ والمدونة عَن ظهر قلب حرفا حرفا ونصاً نصا. وَله مَجْمُوع نبيل فِي نَوَازِل الْأَحْكَام، يقرب من مُفِيد ابْن هِشَام، إِلَى جملَة تقاييد فِي مسَائِل. وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة ٤٩٩.
стр. 109
ذكر القَاضِي عبد الْحق بن غَالب بن عَطِيَّة
وَمِنْهُم القَاضِي عبد الْحق بن غَالب بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة الْمحَاربي، من أهل غرناطة، يكنى أَبَا مُحَمَّد، أحد الْقُضَاة بالبلاد الأندلسية، وصدور رجالها. وبيته بَيت علم، وَفضل، وكرم، ونبل. وَكَانَ هَذَا القَاضِي ﵀ ﴿فَقِيها، نبيها، عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ والْحَدِيث وَالتَّفْسِير، أديباً بارعاً، شَاعِرًا، لغوياً ضابطاً، مُقَيّدا. ولي الْقَضَاء بِمَدِينَة المرية فِي شهر الْمحرم عَام ٥٢٩. وَألف كِتَابه الْمُسَمّى ب الْوَجِيز فِي التَّفْسِير؛ فجَاء من أحسن تأليف وأبدع تصنيف. ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير فِي كِتَابه، وَأثْنى عَلَيْهِ؛ ثمَّ قَالَ: مولده سنة ٤٨١. وَتُوفِّي فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين لرمضان سنة ٥٤١ بِمَدِينَة لورقة: قصد مرسية مولى، قضاءها؛ فصد عَن دُخُولهَا، وَصرف مِنْهَا إِلَى لورقة، اعتداء عَلَيْهِ؛ فَتوفي بهَا ﵀﴾
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن سماك العاملي
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن سماك العاملي، يكنى أَبَا عبد الله. أصل سلفه من مالقة، من بَيت نباهة وجلالة. وَهُوَ أول من ولي الْقَضَاء للموحدين بغرناطة. ذكره الملاحي، وَقَالَ فِيهِ مَا حَاصله: إِنَّه كَانَ فَقِيها جَلِيلًا، ذَاكِرًا للمسائل، عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ، مُسَدّد الْأَغْرَاض. وَذكره ابْن عَسْكَر، وَتكلم فِي الْمُنَازعَة الَّتِي وَقعت بَينه وَبَين حسون، وَأَنه خرج بسببهم فَارًّا إِلَى غرناطة؛ ثمَّ جَازَ إِلَى مراكش، فِي أول أَمر الْمُوَحِّدين؛ فسكن بهَا. وَمِنْهَا ولي قَضَاء غرناطة. وَولي قَضَاء مالقة أَيْضا. وَذكر الْأُسْتَاذ ابْن الزبير، وَأخْبر عَن أَبِيه أبي مُحَمَّد أَنه ولي قَضَاء غرناطة سنة ٥٣٧.
стр. 110
ذكر القَاضِي عبد الْمُنعم بن الْفرس
وَمن الْقُضَاة بِمَدِينَة غرناطة، عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الخزرجي، الْمَعْرُوف بِابْن الْفرس. ولي الْقَضَاء بِجَزِيرَة شقر، وبمدينة وَادي آش؛ ثمَّ بجيان؛ ثمَّ بغرناطة. ثمَّ عزل عَنْهَا. ثمَّ وَليهَا الْولَايَة الَّتِي كَانَ من مضمن ظهيره بهَا قَول الْمَنْصُور لَهُ: أَقُول لَك مَا قَالَه مُوسَى ﵇ ﴿لِأَخِيهِ هَارُون: اخلفني فِي قومِي وَأصْلح وَلَا تتبع سَبِيل المفسدين. وَجعل إِلَيْهِ النّظر فِي الْحِسْبَة والشرطة وَغير ذَلِك، وَقَامَ بالجموع كلهَا أحسن قيام. وَألف عدَّة تواليف، مِنْهَا كتاب الْأَحْكَام. ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير وَقَالَ: مولده سنة ٥٢٤. وَتُوفِّي عصر يَوْم الْأَحَد الرَّابِع من جُمَادَى الأولى سنة ٥٩٧. وَدفن فِي عصر يَوْم الِاثْنَيْنِ بِبَاب إلبيرة؛ وازدحم النَّاس على نعشه حَتَّى حملوه بالأكف ﵀﴾
ذكر القَاضِي الْحسن بن هاني اللَّخْمِيّ
وَمِنْهُم الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم اللَّخْمِيّ، من أهل غرناطة، وَذَوي بيوتها الْمَعْرُوفَة بِالْعلمِ وَالْفضل. قَالَ فِيهِ الملاحي مَا حَاصله، إِنَّه روى عَن غَالب بن عَطِيَّة، وَأبي الْحسن بن الباذش، وَأبي مُحَمَّد بن عتاب، وَأبي الْوَلِيد بن رشد. وَكَانَ من أهل التَّقَدُّم فِي النَّحْو وَالْأَدب، بارع الْخط. ولي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ سنة ٥٤١. وَتُوفِّي فِي جُمَادَى الأولى سنة ٥٦٢. ذكره ابْن الزبير وَغَيره.
ذكر القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن أبي زمنين
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي زمنين المري الإلبيري، يكنى أَبَا بكر. وَهُوَ من بَيت مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي زمنين الزَّاهِد العابد، المُصَنّف فِي الْفِقْه وَغَيره. ولي قَضَاء
стр. 111
مالقة فِي سنة ٥٩٢. وَكَانَ فِي قَضَائِهِ عدلا، مهيباً، جزلاً، فَإِذا انْفَصل من مجْلِس الحكم، صَار من أَلين النَّاس جانباً، وَأَحْسَنهمْ خلقا، وَأَكْثَرهم تواضعاً، وَكَانَ مُحدثا جَلِيلًا فَاضلا؛ أَخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم أَبُو مَرْوَان بن قزمان، وَأَبُو عَليّ بن سهل الْخُشَنِي، وَابْن مُحرز، وَابْن النِّعْمَة؛ وَمن أهل الْمشرق عَن السلَفِي، والعثماني، وَابْن عَوْف، وَغَيرهم. وَقد كَانَ ولي الْقَضَاء قبل مالقة بجهات شَتَّى من الأندلس، مِنْهَا برجة؛ فَكَانَ ينشد، إِذا ذكرهَا أَو شَاهد أحدا من هلها. إِذا جِئْت برجه مستطلعاً ... فحط بهَا الرحل وَأنس السّفر وَلَا تَبْغِ مِنْهَا خُرُوجًا وَلَا ... دُخُولا إِلَيْهَا فَذَاك الحذر فَكل مَكَان بهَا جنَّة ... وكل طَرِيق إِلَيْهَا سقر وَتُوفِّي القَاضِي أَبُو بكر ﵀! بغرناطة إِثْر انْفِصَاله من مالقة، وَذَلِكَ فِي عَام ٦٠٢.
ذكر القَاضِي ابْن رشد الْحَفِيد
وَمن الْقُضَاة بقرطبة، مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم أَحْمد بن أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن رشد، يكنى أَبَا الْوَلِيد. وَهُوَ حفيد أبي الْوَلِيد قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة، صَاحب كتاب الْبَيَان والتحصيل. كَانَ من أهل الْعلم والتفنن فِي المعارف. قَالَ ابْن الربير: أَخذ النَّاس عَنهُ، واعتمدوا عَلَيْهِ، إِلَى أَن شاع عَنهُ مَا كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ فِي علومه من اخْتِيَار الْعُلُوم الْقَدِيمَة، والركون إِلَيْهَا. ثمَّ قَالَ: فَترك النَّاس الْأَخْذ عَنهُ، وَتَكَلَّمُوا، وَمِمَّنْ جاهده بالمنافرة والمجاهرة، القَاضِي أَبُو عَامر يحيى بن أبي الْحسن بن ربيع، وَبَنوهُ. وامتحن بِسَبَب ذَلِك. وَمن النَّاس من تعامى عَن حَاله، وَتَأَول مرتكبه فِي انتحاله. وَتُوفِّي حُدُود سنة ٥٩٨. وَمن تواليفه كتاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة، وَكتاب مناهج الْأَدِلَّة فِي الْكَشْف عَن عقائد الْملَّة، وَشرح الحمدانية فِي الْأُصُول، والكليات فِي الطِّبّ، وَشرح رجز ابْن سينا، وَكتاب فصل الْمقَال، فِيمَا بَين الفلسفة والشريعة من الِاتِّصَال وَغير ذَلِك.
стр. 112
ذكر القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله بن حوط الله الْأنْصَارِيّ
وَمن صُدُور الْقُضَاة، وأعلام الْفُقَهَاء، الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيْمَان بن دَاوُود بن عبد الرَّحْمَن بن حوط الله الْأنْصَارِيّ المالقي. كَانَ ﵀! إِمَامًا فِي الْعُلُوم، عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ، مُتَقَدما فِي علم الحَدِيث، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من التأريخ، والأنساب، وَأَسْمَاء الرِّجَال، بَصيرًا بالأصول، أديباً قاهراً، معتنياً بالرواية، زاهداً، فَاضلا. وَمن شعره: أَتَدْرِي انك الخطاء حَقًا ... وانك بِالَّذِي تَأتي رهين وتغتاب الورى فعلوا وَقَالُوا ... وَذَاكَ الظَّن والأثم الْمُبين ولي الْقَضَاء بكور كَثِيرَة من الأندلس وَغَيرهَا؛ فولى بإشبيلية، وميورقة، ومرسية، وقرطبة، وسبتة وسلا؛ ثمَّ عَاد من سلا، والياً قَضَاء مرسية؛ فَتوفي بِمَدِينَة غرناطة فِي شهر ربيه الأول سنة ٦١٢. فَدفن بهَا. ثمَّ نقل إِلَى مالقة؛ فَدفن بجبانتها. وَأخذ عَنهُ عَالم كثير. ذكره ابْن خَمِيس، وَابْن الزبير، وَابْن عبد الْملك، وَغَيرهم.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن النباهي
وَمن الْقُضَاة بالأندلس، أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن ابْن مُحَمَّد بن الْحسن الجذامي النباهي. ذكره مُحَمَّد بن خَمِيس فِي التكملة؛ فَقَالَ فِيهِ إِنَّه كَانَ من علية الْفُقَهَاء، ونبهائهم، ذكياً، فطناً، بارع الْخط، كَاتبا، بليغاً، أديباً، شَاعِرًا مطبوعاً، عالي الهمة، سني الْمحل، كثير الِاتِّبَاع. ولي الْقَضَاء بمالقة فِي سنة ٦٢٦ نَحوا من أَربع سِنِين، ثمَّ إِن أهل مالقة بغوا عَلَيْهِ، وشنعوا عَلَيْهِ الْقيام على الْأَمِير ابْن هود؛ فَخرج عَن مالقة قَاصِدا لِابْنِ هود إِلَى إشبيلية، ليعرفه بذلك، وَيطْلب مِنْهُ
стр. 113
الْإِقَالَة؛ فلقي أَبَا عبد الله الرميمي، وَزِير ابْن هود، فَرده عَن الطَّرِيق إِلَى مالقة، ثمَّ ذهب مَعَه إِلَى غرناطة، فَأمْسك بهَا فِي أحد أبراجها مُدَّة، ثمَّ سرح بعد ذَلِك، على شَرط الْمقَام هُنَالك. قَالَ: وامتحن ﵀ ﴿فِي حَيَاته كثيرا. وانتقم الله لَهُ مِمَّن ظلمه وَبَقِي عَلَيْهِ؛ فَكَانَ فِي أَمرهم عِبْرَة للمعتبرين؛ فَمَا مِنْهُم إِلَّا من مَاتَ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط، ورأواهم فِي أنفسهم، من البلايا والمحن، مَا يقصر الْمُعْتَبر عَنهُ. فنسأل الله الْعَافِيَة﴾ وَمن شعره، أَيَّام اعتقاله بغرناطة، يصف رَوْضَة ونهراً: أيا رَوْضَة تبدى نُجُوم أزاهر ... وتختال فِي ثوب من الْحسن رائق لقد سَالَ فِيك النَّهر بيضًا كَأَنَّهَا ... بَيَاض الشيب فِي سَواد المفارق إِذا انساب مَا بَين الرّبيع تخاله ... سنى الْبَدْر حسنا أَو وميض البوارق كَأَن أليل المَاء إِذْ يخصم الْحَصَى ... مدافع محزون ورنات عاشق وَتُوفِّي ﵀! بغرناطة، وسيق مِنْهَا مَيتا إِلَى مالقة، وَدفن بجبانة جبل فاره؛ وَذَلِكَ عَام ٦٣١. وَذكره القَاضِي أَبُو عبد الله بن عبد الْملك المراكشي فِي صلته. وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير عَنهُ، إِنَّه أَخذ عَن أهل بَلَده مالقة، وتفقه بهم. وَولي الْقَضَاء بِهِ. ثمَّ إِن أهل مالقة بغوا عَلَيْهِ، ونسبوا إِلَيْهِ مَا أوجب خُرُوجه عَن مالقة. وَتُوفِّي بعد سنة ٦٣٠. وَكَانَ القَاضِي أَبُو عبد الله بن الْحسن جزلاً فِي أَحْكَامه، رماء فِي تَصَرُّفَاته، غليظاً على وُلَاة الْجور، شَدِيدا فِي ردع أهل الْأَهْوَاء والأراء الْفَاسِدَة. ورامه ابْن هود عِنْدَمَا ولاه قَضَاء بلدته، ا، يصرف إِلَيْهِ أَمَانَة كورتها، حَسْبَمَا كَانَت قبل ذَلِك، لنظر أبي عَليّ القَاضِي؛ فتمنع، واستعفى؛ فأعفاه من الْأَمَانَة. وَتفرد بِالْقضَاءِ، وَالنَّظَر فِي الأحباس؛ فصانها، واسترجع مَا كَانَ مِنْهَا قد ضَاعَ، أَيَّام دوَل الْمُوَحِّدين، إِلَى الألقاب المخزنية؛ وَقدم لضبطها، وَالشَّهَادَة فِيهَا، ووضعها فِي أماكنها، الْفَقِيه الْمُقْرِئ الْوَرع أَبَا مُحَمَّد عبد الْعَظِيم بن الشَّيْخ، وأجراها على منهاج السداد. واستكتب أَبَا عبد الله بن عَليّ، المشتهر بِابْن عَسْكَر، مؤلف الْكتاب الْمُسَمّى بالمشرع الروي، فِي الزِّيَادَة على كتاب الْهَرَوِيّ فِي غريبي الْقُرْآن والْحَدِيث. ثمَّ استنابه فِي بعض أَعماله، وَرشح
стр. 114
من الْفُقَهَاء كَابْن الشَّيْخ الْمَذْكُور، وَابْن دحمان، وَابْن ربيع، وَابْن لب، وأمثالهم. وَتثبت فِي الحكم، وَتحفظ فِي شُهُود زَمَانه، وتعفف عَن قبُول تحف أَقَاربه، فضلا عَن أجانبه. وَكَانَ قد انْتهى هُوَ وَقَومه، بَريَّة، من سَعَة الْحَال، وَكَثْرَة المَال، وتعدد الرِّجَال، إِلَى مَا يشابه حَالَة آل حَمَّاد بن زيد بالعراق، الَّذين مِنْهُم القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق؛ وَكَانُوا قد بلغُوا من تنوع الرباع، وَكَثْرَة الضّيَاع والآلة والماشية والحرث، إِلَى مَحل لَا غَايَة لعهده من الثروة بِالنِّسْبَةِ لأمثالهم من أهل زمانهم، حَسْبَمَا نقلته الثِّقَة عَنْهُم. وَلما اسْتَقل ابْن الْحسن برياسة بلدته، رشقته سِهَام حَسَدْته، وسلقته أَلْسِنَة تعديه، وَنسب إِلَيْهِ عداته مَا كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ، من الْقيام على ابْن هود؛ فاعتقل بغرناطة، على مَا تقدم، واستخلصت ملاكه، وسيرت للجانب السلطاني؛ وعاثت أَيدي الْوُلَاة فِي سَائِر مَاله، وشملت النكبة جملَة ناسه. وَأخر أَخُوهُ عَمَّا كَانَ يَتَوَلَّاهُ من الْقَضَاء بالجزيرة الخضراء، وَابْن عَمه عَن الْجِهَة الغربية؛ فاستقرا مَعًا بِمَدِينَة سبتة. وتعدت الْعلَّة إِلَى الفقية ابْن عَسْكَر كَاتبه؛ فأنزلته عَن مَحَله من الشورى والنيابة؛ وبقى رسم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة معطلاً جملَة. وخلا لعبد الله بن زنون، أحد الْبُغَاة، عَن مُحَمَّد بن الْحسن، الجو مِنْهُ وَمن قومه. قَالَ ابْن خَمِيس فِي كِتَابه: وَبَقِي ابْن زنون يشْتَغل بالطائفة الْأُخْرَى الَّتِي كَانَت مَعَه على ابْن الْحسن، إِلَى أَن أفناهم وَاحِدًا بعد وَاحِد، بَين النَّفْي وَالْقَتْل والسجن الطَّوِيل؛ وبقى الْبَلَد فِي حكمه؛ فَلم يكن ينفذ أَمر من الْأُمُور إِلَّا بمشورته. وَتَمَادَى أمره إِلَى أَن هلك ابْن هود؛ فضبط هُوَ الْبَلَد، ورام الْمقَام بِهِ؛ فَلَمَّا خَالَفت الْبِلَاد وَرجعت للأمير أبي عبد الله بن نصر، فرَّ ابْن زنون؛ فدرك فِي الطَّرِيق، وانتهبت دياره وديار قرَابَته، ورد إِلَى مالقة، ليخرج مِنْهَا مَالا أتهم أَنه كَانَ عِنْده؛ وَمَا زَالَ يتعاقب عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ، حَتَّى مَاتَ. وَقيل إِنَّه تنَاول مُوسَى كَانَت لَدَيْهِ؛ فذبح بهَا نَفسه. نسْأَل الله الْعَافِيَة ﴿قَالَ الْمُؤلف أبقى الله بركته﴾ وَرب قَائِل يَقُول، إِذا وقف على مَا تضمنه هَذَا الْمَجْمُوع، من ذكر بني الْحسن المالقيين، ونبذ أخبارهم: مَا لهَذَا المُصَنّف أطَاق فِي ميدان الْقَوْم عنانه، وأدر من سَمَاء فكره عنانه، وأدمج طي كَلَامه مدح
стр. 115
قومه، وَقطع فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِم سَواد ليلته وَبَيَاض يَوْمه، حَتَّى وَقع فِي التشطيط، وأتى بالغريب من التخطيط؟ وَلَو أَخذ بالإمساك عَن ذَلِك كُله، لَكَانَ من الأجمل بِمثلِهِ ﴿وَالْجَوَاب أَنِّي مَا رسمت من أسمائهم، إِلَّا بعض مَا علمت من أنبائهم، وأثبتته الْأَئِمَّة فِي مصنفاتهم، ودفاتر مروياتهم؛ وَمن دَاخله ريب فِي محصوله، فليحققه، إِن شَاءَ من أُصُوله﴾ وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِذا كَانَ ذكر الْأَمْوَات بِالْخَيرِ من الْأَجَانِب، فضلا عَن الْأَقَارِب، قد تعين شرعا، وَاسْتحْسن طبعا، وَتبين أَنه على الْخَيْر من آكِد الْحُقُوق، وَأَن الإضراب عَن إثْبَاته فِي مَحَله ضرب من العقوق؛ فَلَا لوم على مثلي، فِي الْإِخْبَار عَن قومه، بِمَا يَدْعُو إِلَى الترحم على أمواتهم، وَيبْعَث على الِاعْتِبَار فِي طوارق أوقاتهم، والمحن الَّتِي أصيبوا بهَا أَيَّام حياتهم. وَلَو ذهبت إِلَى التَّعْرِيف بجملة من يرجع إِلَى عَمُود نسبى فِي هَذَا الدِّيوَان، وَشرح مَا حدث لَهُم من النَّوَازِل فِي ماضي الزَّمَان، لَخَرَجت عَن الْحَد الَّذِي قصدته من الِاخْتِصَار؛ فَلذَلِك اقتصرت من القَوْل على هَذَا الْمِقْدَار تجَاوز الله عَن الْجَمِيع؛ وَختم لنا بِخَير؛ وَسَار بِنَا فِي الطَّرِيق الَّتِي لَا بُد من سلوكها أوطا سير، بمنّه وفضله!
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن حسن بن صَاحب الصَّلَاة
وَمن الْقُضَاة فِي الْمِائَة السَّابِعَة، مُحَمَّد بن حسن بن مُحَمَّد بن صَاحب الصَّلَاة الْأنْصَارِيّ المالقي، من أهل الْعلم، وَالْعدْل، وَالدّين، وَالْفضل؛ لَهُ رحْلَة إِلَى الْمشرق، روى فِيهَا عَن أَعْلَام أهل الْعلم؛ ثمَّ عَاد إِلَى الأندلس، فاستقضى بالحصون الغربية من بَلَده؛ فحمدت سيرته، وشكرت طَرِيقَته. ثمَّ ولي الصَّلَاة وَالْخطْبَة بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع دَاخل مالقة، عَن رَغْبَة فِيهِ، واجتماع عَلَيْهِ. وَكَانَ رجلا صَالحا، مزهداً، كثير الْحيَاء؛ فاتفق لَهُ، فِي أول عيد خطب فِيهِ، أَن افْتتح التَّحْمِيد؛ فَلَمَّا رَمق النَّاس ببصره، غلب عَلَيْهِ الخجل، وضعفت قواه، وخانته رِجْلَاهُ، فَقعدَ؛ وأقيم غَيره. وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا، مقرئاً، متفنناً. وَاسْتشْهدَ فِي وقْعَة الْعقَاب، الكائنة على الْمُسلمين فِي أَيَّام مُحَمَّد بن يَعْقُوب من الْمُوَحِّدين؛ وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس عشر من شهر صفر سنة ٦٠٩. وَذكر عَنهُ من الثَّبَات، والحضّ على حُصُول الشَّهَادَة، وَالرَّغْبَة فِي المجاهدة، مَا دلّ على حسن نِيَّته،
стр. 116
وَصدق بغيته. وَفِي تِلْكَ الكائنة، الَّتِي أفضت إِلَى خراب الأندلس، واستيلاء الرّوم على كثير من بلادها، فقد الزَّاهِد أَبُو عمر بن هَارُون بن أَحْمد الشاطبى ابْن عَاتٍ، صَاحب كتاب الطرر على الوثائق الْمَجْمُوعَة، مَعَ طَائِفَة كَثِيرَة، يطول تعدادهم، من الْعلمَاء الْفُضَلَاء تغمدنا الله وإياهم برحمته ﴿
ذكر القَاضِي أبي الْخطاب أَحْمد بن وَاجِب الْقَيْسِي
وَمن الْقُضَاة أَبُو الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن وَاجِب الْقَيْسِي. ذكره الْمُحدث أَبُو عبد الله بن الْأَبَّار، وَقَالَ: حَامِل راية الرِّوَايَة بشرق الأندلس، وَآخر الْمُحدثين المسندين. وَعدد جملَة وافرة من أشياخه. ثمَّ قَالَ: فَصَارَ لَا يعدل بِهِ أحد من أهل وقته عَدَالَة، وجلالة، وسعة أسمعةٍ، وعلو إِسْنَاد، وَصِحَّة قَول وَضبط إِلَى تقلب فِي الْعليا، وتقلل من الدُّنْيَا، مَعَ رسوخ فِي الدّين والورع، تخنقه الْعبْرَة للرقائق، وتعلوه الخشية عِنْد المواعظ. ولي الْقَضَاء ببلنسية وشاطبة حقباً عدَّة، وأوقاتاً مُخْتَلفَة. فَمَا نقمت عَلَيْهِ سيرة، وَلَا وَقعت بِهِ استرابة، سوى حِدة متعارفة مِنْهُ. وَذكره ابْن عَسْكَر، وَأخْبر أَنه أَخذ عَن أبي الْحسن بن هُذَيْل، وَأبي مَرْوَان بن قزمان، وَالْقَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ، وَأبي الْوَلِيد بن الدّباغ، وَغَيرهم؛ وَقَالَ إِنَّه توفّي بمراكش فِي رحْلَة إِلَيْهَا، سنة ٦١٤. وَذكره ابْن الزبير فَقَالَ: كَانَ ﵀﴾ على سنَن الْمُتَّقِينَ، من فضلاء الْمُحدثين، وعدول الْقُضَاة، وبقايا الشُّيُوخ الجلة، من أهل الْعلم وَالْفضل وَالدّين؛ وَله جملَة مصنفات. وَكَانَ بَين وَفَاة القَاضِي أبي الْخطاب، وَدخُول النَّصَارَى بلنسية، أحد وَعِشْرُونَ عَاما.
ذكر القَاضِي إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الغرناطي
وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ المشتهر بالغرناطي. ولي الْقَضَاء بجهات شَتَّى، آخرهَا ميورقة، تقدم بهَا من قبل أميرها إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن غانية
стр. 117
اللمتوني وتصدر بهَا للإقرار والإسماع؛ فَأخذ النَّاس عَنهُ. وَكَانَ رجلا فَاضلا، عابداً مُجْتَهدا، زاهداً. وَلم ينْتَقل عَن ميورقة إِلَى أَن تغلب عَلَيْهَا الرّوم، فاستشهد بهَا، وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع من شهر صفر سنة ٦٢٧. ذكره ابْن الْأَبَّار وَقَالَ فِيهِ: كَانَ فَقِيها أديباًن عَارِفًا بالفقه، حَافِظًا لَهُ، بَصيرًا بالوثائق المختصرة المنسوبة لَهُ وَغير ذَلِك.
ذكر القَاضِي أَحْمد بن يزِيد بن بقى الْأمَوِي
وَمِنْهُم أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن بَقِي بن مخلد الْأمَوِي قَاضِي الْقُضَاة بالمغرب؛ من أهل قرطبة. ذكره أَبُو عبد الله بن الْأَبَّار فِي كِتَابه، فَقَالَ: يكنى أَبَا الْقَاسِم. سمع أَبَاهُ أَبَا الْوَلِيد، وجده أَبَا الْحسن عبد الرَّحْمَن، وَأَبا عبد الله بن عبد الْحق الخزرجي، وَابْن بشكوال؛ وَسمع من السُّهيْلي تأليفه الرَّوْض الْأنف؛ وَأَجَازَ لَهُ شُرَيْح بن مُحَمَّد، وَهُوَ ابْن عَام، وَابْن قزمان وسواهما. ثمَّ قَالَ: وَولي قَضَاء الْجَمَاعَة بمراكش، إِلَى أَن تقلد قَضَاء بَلَده؛ فَسمع مِنْهُ النَّاس وتنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ؛ وَكَانَ أَهلا لذَلِك. وَهُوَ آخر من حدث عَن شُرَيْح. وَانْفَرَدَ بِرِوَايَة الْمُوَطَّأ عَن ابْن عبد الْحق قِرَاءَة، وَعَن ابْن الطلاع سَمَاعا. قَالَ الْمُؤلف وَفقه الله! وَقد قَرَأت بِمَدِينَة مالقة بعض كتاب الْمُوَطَّأ للْإِمَام أبي عبد الله مَالك بن أنس، وَسمعت سائره على شَيخنَا الْمُقْرِئ الْحسن الْفَاضِل أبي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَيُّوب، وَحدثنَا بِهِ عَن الْخَطِيب الْمُحدث أبي عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن أبي الْأَحْوَص الْقرشِي، عَن القَاضِي أبي الْقَاسِم بن يزِيد بن بَقِي الْمَذْكُور. قَالَ ابْن الْأَبَّار: وأنشدنا الْخَطِيب الْيَعْمرِي قَالَ: أنشدنا القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن بَقِي لنَفسِهِ: أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا كراح عتيقة ... أَرَادَ مديروها بهَا جلب الْأنس فَلَمَّا أداروها أثارت حقودهم ... فَعَاد الَّذِي راموا من الْأنس بِالْعَكْسِ
стр. 118
وَتُوفِّي إِثْر صَلَاة الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من رَمَضَان سنة ٦٢٥. وَمن شعره أَيْضا: إرجع إِلَى الله ودع غَيره ... فَكل شَيْء غَيره بَاطِل وكل مَا بُطْلَانه مُمكن ... فَلَيْسَ يغتر بِهِ عَاقل قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير، وَقد سَمَّاهُ فِي صلته: إِنَّه كَانَت لَهُ إِمَامَة فِي اللُّغَة، وَعلم الْعَرَبيَّة؛ وَألف كتابا فِي الْآيَات المتشابهات، قيل إِنَّه من أحسن شَيْء فِي بَابه؛ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي سفر، وَلَا فِي حضر. وَكَانَ قَاضِي الْخلَافَة المنصورية، الْقَدِيم الِاخْتِصَاص بهَا، والإثرة لَدَيْهَا وَكَانَ كِتَابه إِذا كتب حسنا مُخْتَصرا سهل المساق مَحْذُوف الحشو وَكَانَ يمِيل إِلَى الظَّاهِر فِي أَحْكَامه، مُدَّة ولَايَته. وعَلى ذَلِك كَانَ الْمَنْصُور فِي مدَّته. كَانَ ابْن بقى لَا يرى الحكم بالتدمية، وَلَا الْعَمَل عَلَيْهَا بِوَجْه.
ذكر القَاضِي ربيع بن عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ
وَآخر الْقُضَاة بقرطبة أَعَادَهَا الله لِلْإِسْلَامِ ﴿الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو سُلَيْمَان ربيع بن عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ. ولي قضاءها بعد أبي الْقَاسِم بن بقى، من قبل الْأَمِير مُحَمَّد ابْن هود. وَقد كَانَ استوطنها قبل ذَلِك، وَأخذ على أشياخها، واكتسب هُنَالك مَالا وعقاراً. وأصل بني ربيع، على مَا ذكره ابْن عَسْكَر وَغَيره، من صَالِحَة رية، من بَيت نباهة ووجاهة. وَلم يزل أَبُو سُلَيْمَان قَاضِيا بقرطبة، إِلَى أَن استولت الرّوم عَلَيْهَا، وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال من عَام ٦٣٣. فتحول إِلَى إشبيلية، وَبهَا توفّي إِثْر انْتِقَاله إِلَيْهَا. وَيُقَال إِنَّه مَا هاله عَظِيم الزرء فِي مُفَارقَة المَال والوطن، عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ، مَعَ سنّ الشاخة، وَلَا بلغ لَدَيْهِ شَيْء من ذَلِك مبلغ الزرء فِيمَا تلف لَهُ من كتبه ﵀ ونفعه بمصابه﴾ ذكره ابْن الْأَبَّار وَغَيره.
стр. 119
ذكر القَاضِي أبي الرّبيع سُلَيْمَان الكلَاعِي
وَمن الْقُضَاة بالبلاد الشرقية؛ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن مُوسَى بن سَالم الْحِمْيَرِي الكلَاعِي، من أهل بلنسية. تقدم للْقَضَاء بهَا؛ فَسَار فِي أَحْكَامه بأجمل سيرة، وَأحمد طَريقَة من الْعدْل، والتثبيت وَالْفضل. وَكَانَ حسن الْهَيْئَة والمركب والملبس وَالصُّورَة، كريم النَّفس، يطعم فُقَرَاء الطّلبَة، وينشطهم، ويتحمل مؤنتهم. وَكَانَ قد تجول فِي بِلَاد الأندلس وَالْمغْرب؛ فَأخذ عَن أبي الْقَاسِم حُبَيْش، وَأبي بكر بن الْجد، وَابْن زرقون، وَأبي الْوَلِيد بن أبي الْقَاسِم، وَغَيرهم. قَالَ صَاحب التكملة: وَكَانَ حسن الْخط، لَا نَظِير لَهُ فِي الإتقان والضبط، مَعَ الاستبحار فِي الْأَدَب، والاشتهار بالبلاغة، فَردا فِي إنْشَاء الرسائل؛ خَطِيبًا فصيحاً مفوهاً مدْركا، مَعَ الْإِشَارَة الأنيقة؛ والزي الْحسن. وَكَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم عَن الْمُلُوك فِي مجَالِسهمْ، والمبين عَنْهُم لما يريدونه على الْمِنْبَر فِي المحافل. وَولي الْخطْبَة بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع من بلنسية فِي أَوْقَات. وَكَانَ رَئِيسا فِي الحَدِيث وَالْكِتَابَة. وَله تصانيف وتواليف مفيدة شهيرة فِي فنون شَتَّى، مِنْهَا كتاب الِاكْتِفَاء بِمَا تضمنه من مغازي الرَّسُول ﷺ ! وَمَغَازِي الثَّلَاثَة الْخُلَفَاء فِي أَربع مجلدات؛ والمسلسلات من الْأَحَادِيث والْآثَار والإنشاءات وَكتاب نُكْتَة الْأَمْثَال، ونفثة السحر الْحَلَال؛ إِلَى غير ذَلِك. ثمَّ قَالَ: وَإِلَيْهِ كَانَت الرحلة فِي عصره للأخذ عَنهُ، وَالسَّمَاع مِنْهُ. وأنشدنا لنَفسِهِ: إِذا برمت نَفسِي بِحَال احلتها ... على أمل باد فقرت بِهِ النَّفس وَانْزِلْ أرجاء الرَّجَاء ركائبي ... إِذا رام إلماماً بساحتي الْيَأْس وَإِن أوحشتني من أماني نبوة ... فلي بالرضى بِاللَّه وَالْقدر الْأنس مولده بِخَارِج بلنسية، أول لَيْلَة الثُّلَاثَاء مستهل رَمَضَان سنة ٥٦٥. وسيق إِلَى بلنسية، وَهُوَ ابْن عَاميْنِ اثْنَيْنِ؛ فَنَشَأَ بهَا، إِلَى أَن اسْتشْهد بكائنة أنيشة، على ثَلَاثَة فراسخ مِنْهَا، مُقبلا، غير مُدبر، والراية بِيَدِهِ، وَهُوَ يُنَادي المنهزمين: أعن الْجنَّة تفرون؟
стр. 120
إِلَى أَن قتل، وَذَلِكَ ضحى يَوْم الْخَمِيس الموفى عشْرين لذِي الْحجَّة سنة ٦٣٤؛ وَهُوَ ابْن سبعين سنة إِلَّا شهرا. وفقد من الْمُسلمين، فِي تِلْكَ الكائنة الشنعاء، عَالم كثير بَين قَتِيل وأسير. وَللْإِمَام أبي عبد الله بن الْأَبَّار، فِي رثاء شَيْخه أبي الرّبيع، وَالْإِشَارَة إِلَى من فقد مَعَه فِي الْوَقْعَة، من الْعلمَاء وَسَائِر الْفُضَلَاء، منظوم بديع أَوله: ألما بأشلاء العلى والمكارم ... تقد بأطراف القنى والصوارم وعوجا عَلَيْهَا مارباً ومفازة ... مصَارِع غصت بالطلى والجماجم نحيى وُجُوهًا فِي الحنان وجيهة ... بِمَا بقيت حمرا وُجُوه الْمَلَاحِم وأجساد إِيمَان كساها نحيفها ... مجاسد من نسج الظبي واللهاذم مكرمَة حَتَّى عَن الدّفن فِي الثرى ... وَمَا يكرم الرَّحْمَن غير الأكارم هم الْقَوْم راحوا للشَّهَادَة واغتدوا ... وَمَا لَهُم فِي فوزهم من مقاوم تساقوا كؤوس الْمَوْت فِي حومة الوغى ... فمالت بهم ميل الغصون النواعم وَهَان عَلَيْهِم أَن تكون لحودهم ... متون الروابي أَو بطُون التهائم أَلا بِأبي تِلْكَ الْوُجُوه سواهُمَا ... وَإِن كن عِنْد الله غير سواهُم عَفا حسنها إِلَّا بقايا مياسم ... يعز علينا وَطْؤُهَا بالمناسم لَئِن وكفت فِيهَا الْعُيُون سحائبا ... فَعَن بارقات لحن مِنْهَا لشائم وَيَا بِأبي تِلْكَ الجسوم نواحلا ... بإجرائها نَحْو الأجور الجسائم تغلغل فِيهَا كل أسمر ذابل ... فجذل مِنْهَا كل أَبيض ناعم فَلَا يبعد الله الَّذين تقربُوا ... إِلَيْهِ بإهداء النُّفُوس الكرائم مَوَاقِف أبرار قضوا من جهادهم ... حقوقاً عَلَيْهِم كالفروض اللوازم أصيبوا وَكَانُوا فِي الْعِبَادَة أُسْوَة ... شبَابًا وشيباً بالغواشي الغواشم فعامل رمح دق فِي صدر عَامل ... وقائم سيف قد فِي رَأس قَائِم وَيَا رب صوام الهواجر وَاصل ... هُنَالك مصروم الْحَيَاة بصارم ومنقذ عانٍ فِي الأداهم راسف ... ينوء برجلي راسف فِي الأداهم
стр. 121
أضاعهم يَوْم الْخَمِيس حفاظهم ... وكرهم فِي المأزق المتلاحم سقِِي الله أَشَاء بسفح أنيشة ... سوافح يزجيها ثقال الغمائم وَصلى عَلَيْهَا أنفساً طَابَ ذكرهَا ... بِطيب أنفاس الرِّيَاح النواسم لقد صَبَرُوا فِيهَا كراماً وَصَابِرُوا ... فَلَا غرو إِن فازوا بصفو المكارم وَمَا بذلوا إِلَّا نفوساً نفيسة ... تحن إِلَى الْأُخْرَى حنين الروائم وَلَا فرقوا وَالْمَوْت يتلع جيده ... بِحَيْثُ التقي الْجَمْعَانِ صدق العزائم بعيشك طارحني الحَدِيث عَن الَّتِي ... تعبر عَنْهَا رائحات مآثم جلائل دق الصَّبْر فِيهَا فَلم تطق ... سوى غض أجفان وغض أباهم أَبيت لَهَا تَحت الظلام كأنني ... رمى نضال أَو لديغ أراقم أغازل من برح الأسى غير بارح ... وأصحب من سَام البكا غير سائم وأعقد بِالنَّجْمِ الْمشرق ناظري ... فيغرب عني ساهراً غير نَائِم وأشكو إِلَى الْأَيَّام سوء صنيعها ... ولاكنها شكوى إِلَى غير رَاحِم وهيهات هَيْهَات العزاء ودونه ... قواصم شَتَّى أردفت بقواصم وَمِنْهَا: وَبَين الثنايا والمخارم رمة ... سرى فِي الثنايا طيبها والمخارم بكتها الْمَعَالِي والمعالم جهدها ... فلهف الْمَعَالِي بعْدهَا والمعالم كَأَن لم تبت تغشى السراة قبابها ... ويرعى حماها الصَّيْد رعى الصوائم سفحت عَلَيْهَا الدمع أَحْمَر وارساً ... كَمَا نثر الْيَاقُوت أَيدي النواظم وسامرت فِيهَا الباكيات نوادبا ... يؤرقن تَحت اللَّيْل ورق الحمائم وقاسمت فِي حمل الرزية قَومهَا ... وَلَيْسَ قسيم الْبر غير المقاسم فوا أسفا للدّين أعظم داؤه ... وأياس من أَسد لمسراه حاسم ووا أسفا للْعلم أذوت ربوعه ... وَأصْبح مَمْدُود الذرى والدعائم تفرد بالعلياء علما وسؤددا ... وحسبك من عَال على الشهب عَالم مَتى صادم الْخطب الملم بخطبه ... كفى صادماً مِنْهُ بأكبر صادم
стр. 122
لَهُ منطق سهل النواحي قريبها ... فَإِن رمته ألفيت صَعب الشكائم وَمَا الرَّوْض حلاه بجوهره الندى ... وَلَا الْبرد وشته أكف الرواقم بأبدع حسنا من صحائفه الَّتِي ... تسيرها أخلاقه فِي الأقالم أَتَاهُ رداه مُقبلا غير مُدبر ... ليحظى بإقبال من الله دَائِم هَنِيئًا لَك الْحسنى من الله إِنَّهَا ... لكل تَقِيّ خيمه غير خائم تبوأت جنَّات النَّعيم وَلم تزل ... نزيل الثريا قبلهَا والنواعم لعمرك مَا يبْلى بلاؤك فِي العدى ... وَقد جرت الْأَبْطَال ذيل الهزائم وَبِاللَّهِ لَا ينسى مقامك فِي الوغى ... سوى جَاحد نور الغزالة كاتم لقِيت الردى فِي الروع جذلان باسماً ... فبوركت من جذلان فِي الروع باسم وجمت على الفردوس حَتَّى وردته ... ففزت بأشتات المنى فوز غَانِم عدمتك مَوْجُودا يعز نَظِيره ... فيا عز مَعْدُوم وَيَا هون عادم ورمتك مَطْلُوبا فأعيا مناله ... وَكَيف بِمَا أعيا منالاً لرائم فابكي لشلو بالعراء كَمَا بَكَى ... زِيَاد لقبر بَين بصرى وجاسم واعبر أَن يمتاز دوني عِبْرَة ... بعلياء فِي تأبين قيس بن عَاصِم وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة، بِحَيْثُ تزيد أبياتها فِي الْعد على الْمِائَة. وَقَوله اعبر مَعْنَاهُ انف. وخاتمها: وهاذى المراثى قد وفيت برسمها ... مسهمة جهد الوفى المساهم فَمد إِلَيْهَا رَافعا يَد قَابل ... وكب عَلَيْهَا حَافِظًا يَد لاثم
ذكر القَاضِي أَحْمد بن الغماز
وَمن الْقُضَاة بالعدوة الغريبة والقبلية، الْفَقِيه الْجَلِيل، أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن الغماز، قَاضِي الْجَمَاعَة بإفريقية تقدم على شُرُوط: مِنْهَا أَن يكون على رَأْيه
стр. 123
فِي الدُّخُول على الْخَلِيفَة؛ وَمِنْهَا، إِذا أَعرَضت لَهُ مُؤَامَرَة السُّلْطَان فِي شَيْء من شؤونه، أَجَابَهُ عَلَيْهَا لحينه بالمشافهة وَالْمُكَاتبَة، وَأَن تكون خراجته وأعوانه من الأعشار الرومية. وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْعدْل وَالْفضل. توفّي سادس شهر رَمَضَان الْمُعظم عَام ٦٣٣.
ذكر القَاضِي أبي عبد الله بن عَسْكَر
وانقرضت مُدَّة ابْن هود، وَظَهَرت الدولة النصرية، وَهلك ابْن زنون على الْوَجْه الَّذِي وَقع التبيه عَلَيْهِ. وَتقدم أَيْضا بمالقة قَاضِيا أَبُو عبد الله بن عَسْكَر، وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن خضر بن هَارُون الغساني. وَكَانَ من أهل الْمعرفَة بِالْأَحْكَامِ، وَالْقِيَام على النَّوَازِل، إِلَى الشّعْر الرَّائِق، والكتب الْفَائِق. وَله جملَة تواليف، مِنْهَا المشرع الروي فِي الحَدِيث؛ والتكميل والإتمام، لكتاب التَّعْرِيف والإعلام، والمختصر فِي السّلم عَن ذهَاب الْبَصَر، وَغير ذَلِك. وَمن شعره: وَلما انْقَضتْ إِحْدَى وَخَمْسُونَ حجَّة ... كَأَنِّي مِنْهَا مَا تذكرت احلم ترقيت أَعْلَاهَا لأنظر فَوْقهَا ... إِلَى الحتف مني علني اسْلَمْ إِذا هِيَ قد أدنته مني كَأَنَّمَا ... ترقيت فِيهَا نَحوه وَهُوَ سلم وَله، وَقد طرقه هم: اصبر لما يعتريك تغنم ... غنيمتي رَاحَة وَأجر فَإِن هم الخطوب ليل ... لَا بُد يجلوه ضوء فجر وَمن مكتوباته فِي معرض العزاء، مقامة سَمَّاهَا ب رِسَالَة ادخار الصَّبْر، وافتخار الْقصر والقبر، وَهِي غَرِيبَة فِي مَعْنَاهَا. وَبَقِي بمالقة قَاضِيا، إِلَى أَن توفّي صدر جُمَادَى الْآخِرَة من عَام ٦٣٦؛ وَدفن مِنْهَا بسفح جبل فاره، فِي رَوْضَة مستكتبه القَاضِي أبي عبد الله بن الْحسن تجَاوز الله عَنْهُمَا، وَغفر لنا وَلَهُمَا! ذكره ابْن خَمِيس، وَابْن عبد الْملك، وَابْن الزبير.
стр. 124
ذكر القَاضِي يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ
وَتقدم بعده الْفَقِيه أَبُو عَامر يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ، شَقِيق القَاضِي بقرطبة أبي سُلَيْمَان الْمُتَقَدّم الذّكر. وَكَانَ أَبُو عَامر هَذَا صدر عُلَمَاء زَمَانه بالأندلس، وقدوة رُوَاته. أَخذ عَن أبي بكر بن الْجد، وَابْن زرقون، وَابْن بشكوال، وَغَيرهم. وَله تآليف فِي علم الْكَلَام جليلة، نبيلة. واستمرت ولَايَته بهَا، إِلَى أَن نَقله أَمِير الْمُؤمنِينَ الْغَالِب بِاللَّه أَبُو عبد الله بن نصر ﵀! إِلَى قَضَاء الْجَمَاعَة بِحَضْرَتِهِ من غرناطة. وَكَانَ من أعلم الْقُضَاة عَدَالَة، وصرامة، ونبلاً، وفضلاً. وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى مَا وَقع بَينه وَبَين القَاضِي أبي الْوَلِيد بن أبي الْقَاسِم بن رشد، من المنافرة والمهاجرة، بِسَبَب إِنْكَاره الْأَخْذ فِي الْعُلُوم الْقَدِيمَة، والركون إِلَى مَذَاهِب الفلاسفة. وَكَانَ أَبُو عَامر مِمَّن قَرَأَ الْفِقْه وأصوله، وَعلم الْكَلَام وَغَيره. أَكثر عمره بقرطبة وإشبيلية، ومالقة، وغرناطة. وَبَقِي مُتَوَلِّيًا خطة الْقَضَاء، وَمَعَ الْأُمَرَاء، إِلَى أَن أَصَابَته الزمانة الَّتِي أقعدته عَن ذَلِك؛ فَعَاد إِلَى مالقة. فَلَزِمَ بهَا منزله، إِلَى أَن توفّي فِي شهر بيع الأول من عَام ٦٣٩. ذكره ابْن الزبير.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن غَالب الْأنْصَارِيّ
وتلاه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن غَالب الْأنْصَارِيّ. وَكَانَ من الْفُقَهَاء الْفُضَلَاء، وَمِمَّنْ اجْتمع لَهُ الْعلم، وَالْمَال، وَحسن الْخلق، وَتَمام الْخلق. وَتُوفِّي إِثْر ولَايَته.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن أضحى الْهَمدَانِي
وَتقدم بعده مُحَمَّد بن أضحى الْهَمدَانِي، من الْبَيْت الشهير بالأندلس. وَكَانَ عدلا نزيهاً، فَقِيها نبيلاً. وَلم تطل مُدَّة حَيَاته؛ فاخترمته الْمنية لحدثان ولَايَته. وَهُوَ من
стр. 125
ذُرِّيَّة أبي الْحسن بن أضحى، مؤلف كتاب قوت النُّفُوس، وإنس الْجُلُوس، القَاضِي كَانَ فِي غرناطة أَيْضا فِي حُدُود ٦٤٠. وَفِي كتاب الرَّازِيّ من الْإِشَارَة بأصالة بَيت بني أضحى مَا يغنى عَن الإطالة. وَخَلفه فيهمَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ من الحكم كَاتبه مُحَمَّد بن سعيد الْعَنسِي. وَبَيت بني سعيد أَيْضا بقلعة يحصب، المنسوبة حَتَّى الْآن إِلَيْهِم، بكورة البيرة؛ وانتماؤهم إِلَى عمار بن يَاسر الصَّحَابِيّ ﵁ ﴿شهير، إِلَى مَا نجح مِنْهُم من الأماثل الأمجاد، وأرباب الرحل إِلَى الْبِلَاد؛ لاكنَّ هَذَا القَاضِي قعدت بِهِ دماثة أخلاقه، ولين جَانِبه، وَعَن رُتْبَة من كَانَ قبله؛ فَأخر لعشرة أشهر من ولَايَته
ذكر القَاضِي أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ
وَتقدم بدله أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن أبي عَامر يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن ربيع الْأَشْعَرِيّ، ولد قَاضِي الْجَمَاعَة الْمُتَقَدّم الذّكر. وَكَانَ على سنَن سلفه من التفنن فِي المعارف، والإشتداد على أهل العتو وَالْفساد، كَاتبا بارعاً، شَاعِرًا مطبوعاً. كتب عَن سُلْطَانه، أَيَّام استدعائه من بالمغرب، وتحريك الْقَبَائِل إِلَى الْجِهَاد، غير مَا كتاب، بِمَا يشحذ العزائم، ويوقظ النَّائِم. وتمادت ولَايَته إِلَى أَن توفّي، بعد مُضِيّ سَبْعَة أَعْوَام من زمَان تَقْدِيمه.
ذكر القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد الأشبرون
وَخَلفه فِي خطة الْقَضَاء صَاحبه أَبُو بكر مُحَمَّد بن فتح بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الإشبيلي الأشبرون، بعد تَوليته حسبَة السُّوق والشرطة مَعًا، لما كَانَ عَلَيْهِ من المضاء والصرامة، وَالْقُوَّة، والاكتفاء. ولبث موليا ذَلِك كُله وناظراً فِيهِ، إِلَى وَفَاة السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه أبي عبد لله؛ وَكَانَت وَفَاته ﵀﴾ آخر جُمَادَى الثَّانِيَة من عَام ٦٧١! وَصَارَ الْأَمر إِلَى وَلَده السُّلْطَان الثَّانِي أبي عبد الله أَيْضا، الْمَدْعُو بالفقيه ممهد الدولة النصرية، وبديع مآثرها، ومقيم رسوم الْملك فِيهَا فأفرد أَبَا بكر
стр. 126
بِالْقضَاءِ، وَقصر نظره على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة؛ فَذهب من الشدَّة فِي استخلاص الْحُقُوق كل مَذْهَب. وَكَانَ مَعَ ذَلِك حسن الْأَخْلَاق، حُلْو الشَّمَائِل، بَاقِيا على طبيعة بَلَده. وَلم ينْتَقل على حَالَته، إِلَى أَن توفّي، وَذَلِكَ فِي حُدُود عَام ٦٩٨. ذكره القَاضِي أَبُو عَامر ابْن مُحَمَّد بن ربيع فِي كِتَابه؛ فَقَالَ فِيهِ: كَانَ فَقِيها عَارِفًا بِالشُّرُوطِ، درياً بِالْأَحْكَامِ. وَكَانَ يتَوَلَّى الْخطْبَة بِحَمْرَاء غرناطة؛ لَا أعلمهُ حدث، إِذْ لم يكن يشْتَغل بذلك.
ذكر القَاضِي غَالب بن حسن بن سيد بونة
وَمن الْقُضَاة الْفُقَهَاء الْفُضَلَاء، غَالب بن حسن بن أَحْمد بن سيد بونة. ذكره ابْن الزبير فَقَالَ: يكنى أَبَا تَمام. روى عَن أَبِيه، وَأبي عبد الله بن مزين، وَصَحب قرينه الشَّيْخ الصَّالح أَبَا أَحْمد بن سيد بونة، ولازمه، وانتفع بِصُحْبَتِهِ. وَكَانَ يحدث بِكَثِير من فضائله وكراماته. وَكَانَ أَبُو تَمام شَيخا فَاضلا، ومقرئاً مُبَارَكًا. ولي الْقَضَاء. وَكَانَت وَفَاته سنة ٦٥١. بِحَضْرَة غرناطة. انْتهى.
ذكر القَاضِي أَحْمد بن الْحسن الجذامي
وَمن الْقُضَاة بَريَّة، فِي منتصف الْمِائَة السَّابِعَة، الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحسن بن يحيى بن الْحسن الجذامي. ولي الْقَضَاء بالجانب الغربي من أَعمالهَا؛ فَكَانَ مشكوراً فِي قصد سيرته، وَحسن هَدْيه، فَقِيه الْبَأْس والبذل، صَاحب رَأْي وَنظر فِي الْمسَائِل، بَصيرًا بِالْأَحْكَامِ. صَحبه القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن السُّكُوت، وانتفع بِهِ، واقتدى بهديه فِي كثير من أنحائه. وَكَانَ لَا يرى بالاقتصار على الرِّوَايَة: وَعَلَيْكُم بِالْعَمَلِ، وَإِيَّاكُم من الْأَخْذ فِي الجدل! . كَانَ يكثر من إنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ: أرى الَّذِي يروي ولاكنه ... يجهل مَا يروي وَمَا يكْتب كصخرة تتبع أمواهها ... تَسْقِي الْأَرَاضِي وَهِي لَا تشرب
стр. 127
ذكر القَاضِي أبي عَليّ بن النَّاظر
وَمن الْقُضَاة، وصدور الروَاة، الشَّيْخ أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن أبي الْأَحْوَص الْقرشِي الفِهري، من أهل غرناطة، وَأَصله من بلنسية؛ يكنى أَبَا عَليّ، وَيعرف بِابْن النَّاظر. ارتحل عَن غرناطة لغَرَض عَن لَهُ بهَا؛ فَلم يقْض؛ فَأَنف من ذَلِك، فاستقر بمالقة، مقريئاً ومحدثاً، وَاقْتصر على الْخطْبَة بقصبتها، بضعاً وَعشْرين سنة. ثمَّ خرج من مالقة، فَارًّا إِلَى غرناطة، لتغيير كَانَ سَببه فتْنَة الْخلاف بهَا، ودساس الْفَزارِيّ، الْمَقْتُول بعد بغرناطة على كفره وتسرعه لإضلال غَيره. فولى قَضَاء المرية؛ ثمَّ قَضَاء بسطة؛ ثمَّ ولي قَضَاء مالقة، عِنْد ذهَاب الْفِتْنَة، وَخُرُوج بني أشقيلولة عَنْهَا. وَكَانَ من أهل الْمعرفَة، والدراية، وَالرِّوَايَة الواسعة، والثقة، وَالْعَدَالَة؛ جال فِي الْبِلَاد، وَأكْثر من لِقَاء الرِّجَال؛ فَأخذ بغرناطة عَن الْأُسْتَاذ أبي مُحَمَّد الكواب، وبإشبيلية عَن الْمُقْرِئ أبي الْحسن بن جَابر الدباج. ولازم فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الشلوبين: أَخذ عَنهُ أَكثر كتاب سِيبَوَيْهٍ. وروى عَن الْوَزير سهل بن مَالك الْأَزْدِيّ، وَعَن القَاضِي أبي الْقَاسِم بن بَقِي، وببلنسية عَن أبي الرّبيع بن سَالم، وبمرسية عَن أبي الْعَبَّاس بن عَيَّاش، وبجزيرة شقر عَن الْخَطِيب أبي بكر بن وضاح، وبمالقة عَن الْحَاج أبي مُحَمَّد عَطِيَّة، وَعَن أبي الْقَاسِم بن الطيلسان، وَعَن غير من سمي. وَكتب إِلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ آخَرُونَ. وروى عَنهُ الجم الْغَفِير: مِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن الزبير الثَّقَفِيّ، والخطيب الْأُسْتَاذ أَبُو مُحَمَّد بن أبي السداد الْبَاهِلِيّ، وَآخر من روى عَنهُ بالأندلس شَيخنَا الْمُقْرِئ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَيُّوب التجِيبِي. وَله مصنفات فِي الحَدِيث والقراءات. وَتُوفِّي القَاضِي أَبُو عَليّ مُؤَخرا عَن قَضَاء مالقة فِي الرَّابِع عشر لجمادى الأولى سنة ٦٩٩ غفر الله لنا وَله!
стр. 128
ذكر القَاضِي الْحسن بن الْحسن الجذامي النباهي
وَتقدم بعد قَاضِيا بمالقة من أَهلهَا الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن الجذامي النباهي. وَكَانَ رجلا صليباً فِي الْحق، متعززاً بِاللَّه، قَوِيا فِي ذَاته، لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم، رَفِيقًا مَعَ ذَلِك بالمساكين، شفيقاً على الضُّعَفَاء، ومبغضباً فِي أهل الْأَهْوَاء. وَأول يَوْم قعد فِيهِ للْحكم، تقدم إِلَيْهِ رجلَانِ فِي الطّلب بدين ترَتّب لأَحَدهمَا قبل الآخر؛ وَأقر الْمَطْلُوب بِبَقَائِهِ فِي ذمَّته، وَزعم أَنه فِي الْوَقْت غير قَادر على أَدَائِهِ؛ وَلم تقم لَهُ بَيِّنَة على صِحَّته دَعْوَاهُ، وَلَا حَضَره حميل بِهِ؛ فَتوجه عَلَيْهِ السجْن. فحين شَاهد أَسبَاب ذَلِك، قَالَ يُخَاطب القَاضِي: أصلحك الله ﴿أيجمل بك، وَيحسن عنْدك استفتاح عَمَلك بسجن مثلي من الضُّعَفَاء؟ ولى صبية أصاغر لَا كاسب لَهُم، وَلَا كافل غَيْرِي. فَإِن حبستني عَنْهُم، لم يبعد تلفهم جوعا وعطشاً﴾ فارفق بساحتي، وَانْظُر لحالتي ﴿فَأمر القَاضِي بإحضار مِقْدَار الْعدَد الْمَطْلُوب من مَال نَفسه، وَأذن فِي دَفعه لمطالبه، وخلى سَبِيل الْغَرِيم يمضى لشأنه. وَكَانَ قد أصَاب الْمَاشِيَة بكورة رية من الْغَضَب والنهب، أَيَّام فتْنَة الْخلاف بهَا، مَا صَار دَاعِيَة لتغلب الْحَرَام عَلَيْهَا؛ فَرد شَهَادَة كل من ثَبت فِيهِ لَدَيْهِ أَنه أكل من ذَلِك اللَّحْم الْمَغْصُوب؛ وَهُوَ عَالم بِعَيْنِه، سَوَاء كَانَ مُشْتَريا لَهُ من الْغَاصِب أَو أكله دون عوض. ورد شَهَادَة الْوَلَد إِذا كَانَت مَعَ وَالِده؛ فَاشْتَدَّ فِي أَحْوَاله. وَفِي أثْنَاء ذَلِك، وسيق لَهُ رجل، شهِدت الْبَيِّنَة بِأَنَّهُ وجد فِي خربة بحذاء مقتول؛ وقربه. وَسَأَلَ الرجل حِين اعذر لَهُ؛ فَذكر أَنه كَانَ مُخْتَارًا عَلَيْهَا لمنزله؛ فرام أَوْلِيَاء الدَّم الْأَخْذ لَهُم بالقسامة فِي الْمَسْأَلَة، على مَا رَوَاهُ ابْن الحكم فِي مثل النَّازِلَة، وَرَوَاهُ ابْن وهب عَن مَالك؛ فَأجرى النّظر الْقَضِيَّة، وَتوقف عَن الْفَصْل، وَعقد النِّيَّة على ترك الْولَايَة مَا بَقِي من مُدَّة حَيَاته، واستعفى على الْفَوْر من الحكم بَين النَّاس. وَقد كَانَ القلق وَقع بِهِ من أولى الامر، فاعفى على الْأَثر. فَكَانَت مُدَّة ولَايَته الْقَضَاء نَحْو شهر. وَهُوَ أعظم الله أجره﴾ مِمَّن أُصِيب فِي ذَاته وَمَاله، بِسَبَب إِنْكَاره على إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ، ولي بني أشقيلولة أَيَّام ثورتهم بَريَّة، وامتعاضه لما أظهره لَهُم من الْبِدْعَة وادعاه النُّبُوَّة، وَعند ذَلِك فرَّ من مالقة
стр. 129
أَبُو جَعْفَر بن الزبير، وأتبع ليقْتل؛ فَأَفلَت، ولاذ بأمير الْمُسلمين، السُّلْطَان، الْمُؤَيد الْمَنْصُور، أبي عبد الله الْمَدْعُو بالفقيه ﵀ وأرضاه ﴿فحاول على الْفَزارِيّ حَتَّى تحصل فِي حكمه، وَأمر بقتْله وصلبه؛ فَقتل بغرناطة على كفره، هُوَ وَبَعض أَصْحَابه. وَقد أَشَارَ إِلَى مَا نبهنا عَلَيْهِ الشَّيْخ القَاضِي الرِّوَايَة الْمُحدث، الْوَزير المشاور، أَبُو عَامر بن عبد الله بن قَاضِي الْجَمَاعَة أبي عَامر بن ربيع، فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب تنظيم الدّرّ فِي ذكر عُلَمَاء الدَّهْر. وَالَّذِي وَقع فِي الْكتاب الْمُسَمّى بعد اسْم أبي عَليّ بن الْحسن، من أَوله إِلَى آخِره، مَا هُوَ نَصه: الْحسن بن مُحَمَّد الجذامي من أهل مالقة، من أعيانها وَجلة بيوتها، يعرف بالنباهي، ويكنى أَبَا عَليّ. أَخذ بمالقة عَن شيوخها. وَكَانَ ﵀﴾ صَالحا، فَاضلا، دينا، صليباً فِي الْحق، فامتحن فِي الله تَعَالَى، وقيامه بِالْحَقِّ، بِالضَّرْبِ وَالنَّفْي عَن بَلَده نَفعه الله ﴿وَاسْتقر بِمَدِينَة فاس، تَحت تكرمه ومبرة، يتَوَلَّى عقد الوثائق، ويحترف بهَا. وَكَانَ من جلة الْعُدُول. ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده مالقة، عِنْد خُرُوج بني أشقيلولة مِنْهَا، وَأقَام بهَا بَقِيَّة عمره، يتعيش من فائد بقايا أملاكه بهَا. ودعى إِلَى الخطابة بجامعها الْأَعْظَم؛ فَأبى. وَقضى أَيَّامًا يسيرَة، واستعفى. توفّي ﵀﴾ فِي حُدُود سنة ٧٠٠.
ذكر القَاضِي أبي جَعْفَر المزدغي وَبَعض قُضَاة فاس بعده
وَمن أهل الْمغرب؛ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن المزدغي. ولي الْقَضَاء بِحَضْرَة فاس، بعد تمنع، واباية، وعزم عَلَيْهِ من الْخَلِيفَة؛ فَسَار فِيهِ بأجمل سيرة من الْعدْل، وَالْفضل، والاشتداد على أهل الجاه. وامتدت ولَايَته، إِلَى أَن توفّي عَام ٦٦٩. فولى مَكَانَهُ أَبُو عبد الله بن عمرَان، ثمَّ استعفى لزمان قريب، فَتقدم بدله بفاس شيخ طلبتها إِذْ ذَاك، وخطيب خلافتها، الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الصَّبْر أَيُّوب؛ وَكَانَ فِي زَمَانه وَاحِد قطره عَدَالَة، وجلالة، وصلاحاً، وفضلاً، وَهُوَ أَيْضا مِمَّن لم يَأْخُذ على الْقَضَاء أجرا، وَنَجَا فِيمَا يخْتَص بِهِ الجراية منحى سَحْنُون بن سعيد فِي وقته، وَطلب
стр. 130
أَن يكون رزق وزعته من بَيت المَال، لَا من قبل أَرْبَاب الْخُصُومَات، فَأمْضى ذَلِك كُله. وَكَانَ مُعظما عِنْد سُلْطَانه، كَبِير الشَّأْن فِي زَمَانه. قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الزليجي وَقد ذكره فِي كِتَابه: توفّي عَام ٦٨٧.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن يَعْقُوب المرسي
وَمن الْقُضَاة بِتِلْكَ الْبِلَاد، مُحَمَّد بن يَعْقُوب المرسي، نزيل تونس، يكنى أَبَا عبد الله. ولي قَضَاء الْجَمَاعَة بهَا، وَقد كَانَ ولي قبل ذَلِك قَضَاء باجة. وَكَانَ عَالما، زاهداً، ورعاً، فَاضلا، مَحْمُودًا، مشكوراً. توفّي تَقْديرا بعد ٦٩٠.
ذكر القَاضِي أبي عبد الله بن عبد الْملك المراكشي
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سعيد بن عبد الْملك الْأنْصَارِيّ الأوسي المراكشي؛ يكنى أَبَا عبد الله، وَيعرف بِابْن عبد الْملك. ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير وَقَالَ فِيهِ: روى عَن الْكَاتِب الْجَلِيل أبي الْحسن بن مُحَمَّد الزغبي، وصحبة كثيرا. وروى عَن غَيره. ثمَّ وَصفه بِأَنَّهُ كَانَ نبيل الْأَغْرَاض، عَارِفًا بالتأريخ والأسانيد، نقاداً لَهَا، بعيد التَّصَرُّف أديباً بارعاً، شَارِعا مجيداً، ذَا معرفَة بِالْعَرَبِيَّةِ واللغة وَالْعرُوض. وَألف كتابا جمع فِيهِ بَين كتابي ابْن الْقطَّان وَابْن الْمواق على كتاب الْأَحْكَام لعبد الْحق، مَعَ زيادات نبيلة من قبله؛ وكتاباً آخر سَمَّاهُ بالذيل والتكملة لكتاب الصِّلَة وَولى قَضَاء مراكش مُدَّة؛ ثمَّ أخر عَنْهَا، لعَارض سَببه مَا كَانَ فِي خلقه من حِدة أثمرت مناقشة موثور وجد سَبِيلا، فنال مِنْهُ. توفّي بتلمسان الجديدة أَوَاخِر محرم عَام ٧٠٣. وَمن شعره: لله مراكش الغراء من بلد ... وحبذا أَهلهَا السادات من سكن إِن حلهَا نازح الأوطان مغترب ... أنسوه بالأنس عَن أهل وَعَن وَطن عَن الحَدِيث بهَا أَو العيان لَهَا ... ينشا التحاسد بَين الْعين وَالْأُذن
стр. 131
انْتهى حَاصِل مَا قَالَه ابْن الزبير فِي صلته. قَالَ المولف ﵁ ﴿: وأوقفني وَلَده، صاحبنا الْفَقِيه أَبُو عبد الله، على كثير من المكتوبات الصادرة عَن أَبِيه القَاضِي أبي عبد الله، مَا بَين منظوم ومنثور. وَمن ذَلِك قَوْله ﵀﴾ : يَا عاذلي ﴿دع الْمَلَامَة أَو سلا ... عَن صَادِق فِي الْحبّ مثلي هَل سلا؟ كَيفَ السلو ولي بِحكم الْبَين فِي ... مراكش جسم وقلب فِي سلا هَيْهَات﴾ أسلو عهد حل لي بهَا ... أسلا ابْن حجر عهد جازة مَا سلا وافى إليى على الْعباد كِتَابه ... فبمهجتي أفدي كتابا أرسلا أوردت من مرآه روضاً مونقاً ... ووردت من فحواه مَاء سلسلا طرس كنحر معذر أبدت بِهِ ... صدغاه وشي الْحسن حِين تسلسلا أأحبتي رحماكم فِي موقف ... ألقِي يَد استسلامه واستبسلا؟ أأحبتي رحماكم فِي نازح ... بكم إِلَيْكُم فِي الدنو توسلا؟ أحللتم هجري وخللتم أنني ... وَصلى الْحَرَام كَمَا علمْتُم بسلا إِن أعلن الشكوى فَمَا أَشْكُو سوى ... بَين نعيم الْأنس جور البسلا حسبي أدكار قد أثار صبابتي ... وَلما ترقرق فِي التنائي أرسلا ولواعج طي الظلوع بشيها ... دمع تتَابع مرّة واسترسلا فَعَن أدمعي عَن زفرتي عَن لوعتي ... أروى الحَدِيث مُعَنْعنًا ومسلسلا من لي بتيسير الْمسير إِلَيْكُم ... فأصمم الْعَزْم الَّذِي لن يكسلا وأصارم الْقُرْبَى وأهجر موطنا ... وأجوب حومات أنعي عَن سلا فَلَو الْقَضَاء أتاح مَا عَلمته ... مَا كنت مِمَّن فِي البدار ترسلا حَتَّى أحل مثابة الْفضل الَّذِي ... لسواه قلبِي بعده مَا استرسلا فاكون فِي رَأْي كذائن حنظل ... كره العبير وعافه فاستعملا أَو ينعم الله الْكَرِيم برجعة ... يروي بهَا خبر السرُور مسلسلا وَحكى عَنهُ وَلَده الْمَذْكُور أَنه قصد أَيَّام شبيبته عبور الْبَحْر، برسم الْجَوَاز إِلَى الأندلس؛ فَبلغ مِنْهَا الجزيرة الخضراء، وَحضر بهَا صَلَاة جُمُعَة وَاحِدَة، وَأقَام بهَا ثَلَاثَة
стр. 132
أَيَّام، جلائل فِي نَوَاحِيهَا، آخِذا عَن أَهلهَا؛ ثمَّ قَالَ: حصل لنا الْغَرَض من مُشَاهدَة بعد الْبِلَاد الأندلسية، والكون بهَا؛ وَالْحَمْد لله على ذَلِك! وَعَاد قَافِلًا إِلَى أرضه. وَلما توفّي قَافِلًا جرى بعد ابْنه الْمُسَمّى تحامل فِي متروكه لتبعة تسلطت على نشبه، أدته إِلَى الْجلاء عَن وَطنه؛ فاستقر بمالقة، وَأقَام بهَا زَمَانا، لَا يَهْتَدِي لمَكَان فَضله إِلَّا من عثر عَلَيْهِ جزَافا. وَلم ينْتَقل عَن حَالَته من الخشنة، والانقباض، والعكوف على النّظر فِي الْعُلُوم، إِلَى أَن توفّي فِي ذِي الْعقْدَة من عَام ٧٤٣.
ذكر القَاضِي أبي الْعَبَّاس الغبريني
وَمِنْهُم الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أَحْمد الغبريني ولي الْقَضَاء بمواضع عدَّة، أَخّرهَا مَدِينَة بجاية. فَكَانَ فِي حكمه شَدِيدا، مهيباً ذَا معرفَة بأصول الْفِقْه، وَحفظ لفروعه؛ وَقيام على النَّوَازِل، وَتَحْقِيق للمسائل. وَلما ولي خطة الْقَضَاء، ترك حُضُور الولائم، وَدخُول الْحمام، وسلك طَرِيق الْيَأْس من مداخلة النَّاس. وَمن أناشيده: لَا تنكحن سرك الْمكنون خاطبه ... وَأَجْعَل لميته بَين الحشا جدثا وَلَا تقل نفثة المصدور رَاحَته ... كم نافث روحه من صَدره نفثا وَهَذَا القَاضِي مِمَّن ذكره عبد الرَّحْمَن الزليجي فِي تأريخه، وَقَالَ عَنهُ: توفّي عَام ٧٠٤.
ذكر القَاضِي أبي عبد الله بن عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الْمُهَيْمِن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ؛ يكنى أَبَا عبد الله، وَيعرف بنسبته. وَكَانَ فِي قطره كَبِير الْقدر. ولي الْقَضَاء بسبتة. ولقرابته من رؤسائها بني الغزفي، وَذَلِكَ عَام ٦٨٣؛ فَقَامَ بِالْأَحْكَامِ أجمل قيام، مستعيناً بِحسن النّظر وَفضل الجاه وَعز النزاهة. فَكَانَ مَجْلِسه يغص بعمائم الْعلمَاء، وهم كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير هَيْبَة لَهُ، وتأدباً مَعَه. وَكَانَ فِي بَاب الْقبُول شَدِيدا على الشُّهَدَاء؛ فيذكر أَن أحد الظلمَة
стр. 133
عرض لَهُ كتاب رسم فِي قَضِيَّة نزلت بِهِ؛ فنقده القَاضِي ومطل فِي تخليصه؛ فتحيل على أَن كتب بحائط مجْلِس القَاضِي مَا نَصه: بسبتة قَاض حضرمي إِذا انتسب ... وَفِي حَضرمَوْت الشؤم واللوم بِالنّسَبِ فَمن شؤمه لَا يثبت العقد عِنْده ... وَمن لومه يَرْمِي أولى الْفضل بالريب فَلَمَّا وَقعت عين القَاضِي على الْمَكْتُوب وتفهمه، أَمر بإزالته، وَأمْسك عَن عنانه، وَأخذ فِي إصْلَاح شَأْنه، وَترك الْبَحْث عَن ناظم الْبَيْتَيْنِ وكاتبهما بِخَط يَده. واستمرت أَيَّام ولَايَته إِلَى أَن تصير أَمر بَلَده إِلَى الإيالة النصرية، فِي أَوَاخِر عَام ٧٠٥؛ فصرف إِلَى غرناطة مَعَ سَائِر أَقَاربه بني العزفي فوصلها، وَأقَام بهَا وَابْنه الْكَاتِب البارع، أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُهَيْمِن؛ ثمَّ أذن لَهُ فِي الِانْتِقَال إِلَى وَطنه؛ فَعَاد إِلَيْهِ، وَقد أحدث مِنْهُ السن، وَأَقْعَدَهُ الْكبر؛ فَلم يبرح بعد عَنهُ إِلَى أَن توفّي غرَّة صفر من عَام ٧١٢.
ذكر القَاضِي أبي إِسْحَاق الغافقي
وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عِيسَى بن الغافقي الاشبيلي؛ يكنى أَبَا إِسْحَاق، وَيعرف أَيْضا بنسبته إِلَى غافق؛ أستاذ الطّلبَة، وَإِمَام الحلبة. خرج عَن بَلَده إشبيلية، عِنْد تغلب الرّوم عَلَيْهَا، وَذَلِكَ سنة ٦٤٦؛ فلازم الشَّيْخ أَبَا الْحسن بن أبي الرّبيع، وتصدر بعد وَفَاته للأفراء فِي مَكَانَهُ، فَأخذ عَنهُ الْكَبِير وَالصَّغِير. ولي الْقَضَاء بسبتة نِيَابَة، ثمَّ اسْتِقْلَالا؛ وَكَانَ وَاحِد عصره، وفريد قطره، وعمدة طلبته الموثوقين بِمَا اسْتُفِيدَ فِي مَجْلِسه من فنون الْعُلُوم. أَخذ علم الْعَرَبيَّة على صدر النجَاة ابْن أبي الرّبيع الْمَذْكُور، والقرءات عَن الْأُسْتَاذ أبي الْحسن بن الخضار؛ وروى عَن الْمسند المسن أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيْمَان، والأديب الفرضي أبي الحكم مَالك بن المرحل المالقي، وَالْقَاضِي أبي عبد الله بن قَاضِي الْجَمَاعَة أبي مُوسَى عمرَان بن عمرَان، إِلَى أُمَم من أهل الْمشرق وَالْمغْرب والأندلس. وَدون فِي علم الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا كتبا نافعة. وَتُوفِّي قَاضِيا ﵀! آخر شهر ذِي الْقعدَة من عَام ٧١٦. وَعَلِيهِ اعْتمد شَيخنَا الْوَلِيّ الْمُقْرِئ أَبُو الْقَاسِم بن يحيى بن مُحَمَّد
стр. 134
الوازر وَالِي دِرْهَم فِي قِرَاءَة الْقُرْآن، والتلفظ وَالْأَدَاء، وعَلى الْخَطِيب الصُّوفِي أبي جَعْفَر الزيات، من أهل بلش مالقة، على كَثْرَة من لقِيه من حَملَة كتاب الله وقرائه بالمشرق وَالْمغْرب. وعَلى الغافقي أَيْضا كَانَ فِي تعلم الْعَرَبيَّة اعْتِمَاد شيخ النُّحَاة بِحَضْرَة غرناطة، الْأُسْتَاذ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْخَولَانِيّ، المشتهر بقيرى رحم الله جَمِيعهم وكافي صنيعهم!
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد اللَّخْمِيّ الْقُرْطُبِيّ
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن مُحَمَّد اللَّخْمِيّ الْمَعْرُوف بالقرطبي، من أهل سبتة، وَالْقَاضِي بهَا. وَكَانَ من جلة الْحُكَّام الصُّدُور والأعلام؛ خطب بِمَسْجِد بَلَده، ودرس بِهِ الْفِقْه وَغَيره. وَكَانَ قَائِما على الْمَذْهَب، مُنْقَطع القرين فِي حفاظه. وَكَانَ من شَأْنه، إِذا أَتَى الْمَسْجِد للْحكم فِيهِ بَين النَّاس، يتركع ويتضرع إِلَى الله تَعَالَى، ويلح فِي الدُّعَاء، ويسأله أَن يحملهُ على الْحق ويعينه عَلَيْهِ، ويرشده للصَّوَاب؛ وَإِذا فرغ من الحكم، يتركع، وَيسْتَقْبل الله تَعَالَى يسْأَله الْعَفو وَالْمَغْفِرَة عَمَّا عَسى أَن يكون صدر عَنهُ، مِمَّا تلْحقهُ تبعة فِي الْآخِرَة. أَخذ عَن الشُّيُوخ الجلة أبي الْحسن بن أبي الرّبيع، وَابْن الخضار، وَابْن الطّيب وَغَيرهم. وَتُوفِّي بِبَلَدِهِ قَاضِيا مشكوراً، وَهُوَ على سنّ عالية؛ وَذَلِكَ صدر ربيع الآخر من عَام ٧٢٣.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن مَنْصُور التلمساني
وَمن الْقُضَاة بِمَدِينَة تلمسان، الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَنْصُور بن عَليّ بن هديمة الْقرشِي، كَبِير قطره فِي عصره نباهة، وجاهة، وَقُوَّة فِي الْحق، وصرامة. وَكَانَ أثيراً لَدَى سُلْطَانه؛ قَلّدهُ مَعَ قَضَائِهِ كِتَابَة سره، وأنزله من خواصه فَوق منزلَة وزرائه؛ فَصَارَ يشاوره فِي تَدْبِير ملكه؛ فقلما كَانَ يجْرِي شَيْئا من أُمُور السلطنة إِلَّا عَن مشورته، وَبعد استطلاع نظره. وَكَانَ أصيل الرَّأْي، مُصِيب الْعقل، مذكراً لسلطانه بِالْخَيرِ،
стр. 135
معينا عَلَيْهِ، كَاتبا بليغاً ينشئ الرسائل المطولة فِي الْمعَانِي الشاردة، ذَا حَظّ وافر من علم الْعَرَبيَّة واللغة والتأريخ. شرح رِسَالَة مُحَمَّد بن عمر بن خَمِيس الحجري الَّتِي استفتح أَولهَا بقوله: عجبا لَهَا أيذوق طعم وصالها ... من لَيْسَ يأمل أَن يمر ببالها وَأَنا الفقيد إِلَى تعلة سَاعَة ... مِنْهَا وتمنعني زَكَاة جمَالهَا إِلَى آخر الرسَالَة. من نظم ونثر، شرحاً حسنا، أَتَى فِيهِ بفنون الْعلم وضروب الْأَدَب، بِمَا دلّ على براعته. وَكَانَ جميل الْأَخْلَاق، جم الْمُشَاركَة، مُفِيد المجالسة، مردداً لقَوْل الْأُسْتَاذ أبي إِسْمَاعِيل الطغرائي فِي معرض النَّصِيحَة والتنبيه والتذكرة: لَا تطمحن إِلَى الْمَرَاتِب قبل أَن ... تتكامل الأدوات والأسباب إِن الثِّمَار تمر قبل بُلُوغهَا ... طَمَعا وَهن إِذا بلغن عَذَاب وَتُوفِّي صدر سنة ٧٣٦، قبل هَلَاك سُلْطَانه، وَدخُول أهل فاس إِلَى بَلَده بأشهر تغمدنا الله وإياه برحمته!
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ الْجُزُولِيّ ابْن الْحَاج
وَمن الْقُضَاة بِحَضْرَة فاس، مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الزراق الْجُزُولِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاج؛ يكنى أَبَا عبد الله. وَهُوَ أحد أَعْلَام الْمغرب تفنناً فِي المعارف، وفضلاً، وعقلاً. وَكَانَ محافظاً على الزتبة، مُقيما للأبهة، جميل الْهَيْئَة، حمولاً لمكاره السلطنة، صبوراً على الرحلة، خَطِيبًا بليغاً مفلقاً، كَاتبا بارعاً مُرْسلا، رَيَّان من الْأَدَب، سريع الْقلب، منقاد البديهة، مهما تنَاول القرطاس وَكتب، أَتَى على الْفَوْر بعجب. رَحل إِلَى الْمشرق، وَلَقي أعلامها. وَدخل الأندلس، وَأقَام مِنْهَا بمالقة زَمَانا، وروى عَن أشياخها. وَصَحب بهَا الْخَطِيب الْمدرس أَبَا عُثْمَان بن عِيسَى الْحِمْيَرِي. ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه؛ فَتَوَلّى خطة الْقَضَاء بفاس. وتقلد أزمتها مَعَ الخطابة مُدَّة طَوِيلَة، إِلَى أَن انتزعت مِنْهُ، وأضعف قواه الْهَرم؛
стр. 136
فاستبدل بالفقيه المتفنن الْحَافِظ أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْمقري بِفَتْح الْمِيم، مَنْسُوب إِلَى مقرة مَوضِع من عمله إطرابلس وَلزِمَ هُوَ منزله، تَحت عناية ورفد جراية، إِلَى وَفَاته ﵀ وَغفر لنا وَله ﴿
ذكر القَاضِي أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم التسولي شَارِح الرسَالَة
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى التسولي التازي، تولى خطة الْقَضَاء، وَاسْتعْمل فِي السفارة؛ فحمدت حَالَته، وشكرت سيرته. وَكَانَ صدر فُقَهَاء وقته مُشَاركَة فِي الْفُنُون، وقياماً على الْفِقْه. شرح كتاب الرسَالَة لأبي مُحَمَّد بن أبي زيد شرحاً ممتعاً حسنا؛ وَقيد على الْمُدَوَّنَة مجْلِس الشَّيْخ أبي الْحسن الصَّغِير قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس، وَضم أجوبته فِي نوازله فِي سفر. وَكَانَ مَعَ ذَلِك فَارِسًا شجاعاً، جميل الصُّورَة، نبيه الْمُشَاورَة، فاره الْمركب، وجيهاً عِنْد الْمُلُوك: صحبهم وَحضر مجَالِسهمْ. وفلج بآخر عمره، فالتزم منزله بفاس، يزوره السُّلْطَان، فَمن دونه. وتعرفت أَنه نقل إِلَى دَاره من تازة بَلَده؛ فَتوفي بهَا فِي حُدُود ٧٤٩ نفعنا الله بِهِ وَغفر لنا وَله﴾
ذكر القَاضِي أبي تَمام غَالب بن سيد بونة الْخُزَاعِيّ
وَمن الشُّيُوخ السراة، الْمَذْكُورين بالأندلس فِي الْقُضَاة، أَبُو تَمام غَالب بن حسن بن غَالب بن حسن بن أَحْمد بن يحيى بن سيد بونة الْخُزَاعِيّ. تقدم ذكر جده؛ ولنذكر الْآن نبذة من التَّنْبِيه على سيره، والتعريف بسلفه. فَنَقُول: أصلهم، على مَا تقرر، من بونة الَّتِي بإفريقية، وَهِي الْمُسَمَّاة بِبَلَد الْعنَّاب. وانتقل جده إِلَى الأندلس؛ فاستوطن مِنْهَا وَادي آش من عمل دانية إِلَى أَن استولى الْعَدو على تِلْكَ الْجِهَات؛ فَخرج قومه من مَدِينَة آش إِلَى غرناطة؛ فبنوا بخارجها الربض الْمَعْرُوف بالبيازين، ونشروا مَذْهَبهم فِي الْإِرَادَة؛ وانضم إِلَيْهِم من تَبِعَهُمْ من أهل الْمشرق. وَتقدم الْفَقِيه أَبُو تَمام شَيخا لَهُم، وقاضياً فيهم، وخطيباً بهم؛ فَقَامَ بالأعباء، سالكاً سنَن الصَّالِحين من الإيثار والتسديد
стр. 137
بَين قومه، مكباً على الْعِبَادَة والخفوق على الْجِهَاد. وَله رِوَايَة عَن وَالِده أبي عَليّ، وَعَن الْخَطِيب أبي الْحسن بن فَضِيلَة وَغَيرهمَا. وَله تأليف فِي منع سَماع اليراعة الْمُسَمَّاة بالشبابة وعَلى ذَلِك درج جمهورهم. مولده فِي ذِي الْقعدَة من عَام ٦٥٣؛ ووفاته فِي شَوَّال من عَام ٧٣٣. وَأما الشَّيْخ أَبُو أَحْمد، الصُّوفِي الْكَبِير، الْوَلِيّ الشهير، فَهُوَ جَعْفَر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سيد بونة. قَرَأَ ببلنسية وَغَيرهَا. قَالَ ابْن الْأَبَّار: وَكَانَ يحفظ نصف الْمُدَوَّنَة أَو أَكثر، ويؤثر الحَدِيث وَالْفِقْه والتمييز على غَيره من الْعُلُوم. ورحل إِلَى الْمشرق؛ فَأدى فَرِيضَة الْحَج وَلَقي جلة من الْفُضَلَاء، أشهرهم وأكبرهم فِي بَاب الزّهْد والورع؛ وسنى الْأَحْوَال، ورفيع المقامات، الشَّيْخ الصَّالح أَبُو مَدين شُعَيْب بن الْحُسَيْن مُقيم بجاية؛ فصحبة كثيرا، وانتفع بِهِ، وارتوى من ذلاله. توفّي ﵀ وأرضاه! عَن غير عقب من الذُّكُور، وَذَلِكَ فِي شهر شَوَّال سنة ٦٢٤.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هِشَام
وَتقدم أَيْضا بغرناطة لتنفيذ الْأَحْكَام مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هِشَام؛ استقضاه السُّلْطَان أَبُو عبد الله الْمَدْعُو بالفقيه، لقصة رفعت من شَأْنه؛ وَذَلِكَ أَن هَذَا الرجل نَشأ فِي الدجن بِبِلَاد الرّوم من شَرق الأندلس. ثمَّ هَاجر مِنْهَا؛ فاستقر بوادي آش؛ فأقرأ الْعلم بهَا، وَصحح مَا كَانَ قد تحمله من فنون الْعلم. فَلَمَّا توفّي قَاضِي الْبَلدة، أَيَّام خلاف بني أشقيلولة بهَا، عرض عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ فتمنع وَأبي لمَكَان الْفِتْنَة، إِلَّا أَن يكون التَّقْدِيم من قبل أَمِير الْمُسلمين المحق بالخلافة، السُّلْطَان أبي عبد الله الْمَذْكُور. فَأَعْرض عَنهُ، وَقدم غَيره. فَلم يرض النَّاس بِهِ؛ فدعَتْ الرؤساء الْمَذْكُورين الضَّرُورَة إِلَى طلب التَّقْدِيم من حَيْثُ ذكر. فأنفذ لَهُم الْمَطْلُوب. وَلما ذهبت الْفِتْنَة، وتملك السُّلْطَان الْمَدِينَة، تحقق فضل ابْن هِشَام وصلابته فِي الْحق؛ فنقله إِلَى مَدِينَة المرية وَعند وَفَاة أبي بكر الأشبرون، استقدمه من هُنَالك، وقلده الْقَضَاء بِحَضْرَتِهِ. فحسنت
стр. 138
بِهِ الْحَال، واقتضيت الْحُقُوق إِلَى آخر مُدَّة مستقضيه ﵀ ﴿وَكَانَت صدر شعْبَان من عَام ٧٠١. وافضى الْأَمر إِلَى وَلَده أبي عبد الله مُحَمَّد، ثَالِث الْأُمَرَاء من بني نصر؛ فَجرى على منهاج أَبِيه فِي الِاغْتِبَاط بقاضيه؛ فأقره على مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ، وَزَاد فِي التنويه. فظهرت الخطة بواحدها وَصدر رجالها؛ وَبَقِي يَتَوَلَّاهُ إِلَى أَن توفّي، وَذَلِكَ عَام ٧٠٤. ذكره القَاضِي أَبُو عَامر يحيى بن ربيع فِي مزيده وَقَالَ فِيهِ: كَانَ فَقِيها عَارِفًا، أديباً، كَاتبا بارعاً، فَاضلا، لين الْجَانِب، سَمحا، درياً بِالْأَحْكَامِ، عدلا، نزيهاً؛ وَتَوَلَّى الْخطْبَة بِجَامِع الْحَمْرَاء. قَالَ الْمُؤلف ﵁﴾ لله در مُحَمَّد بن هِشَام فِي إصراره على الاباية من الْقَضَاء فِي الْفِتْنَة الأشقيلولية ﴿فَإِنَّهُ جرى فِي تَمنعهُ على منهاج السداد، وَأخذ لنَفسِهِ الْوَاجِب فِي الِاحْتِيَاط. وَقد تقدم صدر هَذَا الْكتاب أَن الدَّاعِي إِلَى الْعَمَل، إِذا كَانَ غير عدل، لم يجز لأحد إعانته على أُمُوره، لِأَنَّهُ مقْعد فِي فعله؛ فَيجب عَلَيْهِ أَن يصبر على الْمَكْرُوه، وَلَا يلى الْعَمَل مَعَه؛ وَإِن كَانَ عدلا، جَازَ، وَقد تسْتَحب لَهُ الْإِعَانَة. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب﴾
ذكر القَاضِي أبي جَعْفَر أَحْمد بن فركون
وَولي بعد ابْن هِشَام قَضَاء الْجَمَاعَة الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد الْقرشِي، الْمَعْرُوف بِابْن فركون، أحد صُدُور الْفُقَهَاء بِهَذَا الْقطر الأندلسي اطلاعاً بالمسائل، وحفظاً للنوازل، وَقُوَّة على حمل أعباء الْقَضَاء، وتفنناً فِي المعارف. وَكَانَ ﵀! منشرح الصَّدْر، مثلا فِي حسن الْعَهْد بِمن عرفه وَلَو مرّة فِي الدَّهْر، مُفِيد المجالسة، رائق المحاضرة، مترفقاً بالضعيف فِي أقضيته، كثير الِاحْتِيَاط عِنْد الِاشْتِبَاه، دَقِيق النّظر، مهتدياً لاستخراج غَرِيب الْفِقْه وغوامض نكت الْعلم، رائق الأبهة، مَوْصُوفا بالنزاهة وَالْعَدَالَة، شَدِيد الْوَقار، مشغلاً عِنْد المواجهة والتجلة، مَعَ التحلي بِالْفَضْلِ، والخلق الرحب، والدعابة الحلوة. طَال يَوْمًا بَين يَدَيْهِ قعُود رجل
стр. 139
اسْمه أَحْمد بن مُعَاوِيَة، دَعَا إِلَيْهِ فِي حق وَقع الْفَصْل فِيهِ؛ فاستأذنه فِي الذّهاب؛ فَقَالَ: يَا سَيِّدي ﴿ينْصَرف أَحْمد؟ فَقَالَ: لَا ينْصَرف﴾ فَأَقَامَ ذَلِك الرجل وجلاً حَتَّى نبه على أَن القَاضِي إِنَّمَا قصد التورية. قَرَأَ على الْمدرس المتفنن أبي الْحسن الأبلح، وَأكْثر الْأَخْذ عَن الْمُقْرِئ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الطَّائِي الْمَعْرُوف بمستقور وَغَيرهم. وَكَانَ خَطِيبًا. بليغاً، كَاتبا ناظماً ناثراً، بَصيرًا بعقود الشُّرُوط، سَابِقًا فِي علم الْفَرَائِض. قضى بمواضع مِنْهَا رندة، ومالقة، والمرية، وَسَار فِيهَا بسيرة عادلة سنية. وَاسْتمرّ قَضَاؤُهُ مَعَ الخطابة بِحَضْرَة غرناطة إِلَى أول الدولة الإسماعيلية؛ فصرف عَن ذَلِك، لما كَانَ لَهُ فِي مشايعه المخلوع عَن السلطنة من الْأُمُور الَّتِي حقت عَلَيْهِ الخمول، بعد اسْتِقْرَار ذائلها الْأَمِير أبي الْوَلِيد بِالْملكِ رَحْمَة الله عَلَيْهِ ﴿ومولد القَاضِي أبي جَعْفَر الْمَذْكُور فِي عَام ٦٤٩، ووفاته فِي السَّادِس من ذِي الْقعدَة عَام ٧٢٩.
ذكر القَاضِي أبي بكر يحيى بن مَسْعُود الْمحَاربي وَابْنه أبي يحيى
وَتقدم بعده لقَضَاء الْجَمَاعَة الْوَزير الْفَقِيه أَبُو بكر يحيى بن مَسْعُود بن عَليّ بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مَسْعُود الْمحَاربي الغرناطي، من أهل الْأَصَالَة والجزالة وَالْجَلالَة. وَكَانَ ﵀﴾ سامي الهمة، ماضي الْعَزِيمَة، شَدِيد الشكيمة، ولي الْقَضَاء بجهات شَتَّى، مِنْهَا مَدِينَة المرية، وصدرت عَنهُ فِي مُدَّة حِصَار الرّوم لَهَا جملَة أَقْوَال وأفعال لَا تصدر إِلَّا من حزماء الرِّجَال. ثمَّ نقل إِلَى قَضَاء الْجَمَاعَة بالحضرة؛ فاشتهر بالمضا والاشتداد على أهل الجاه، وَإِقَامَة الْحُدُود، وإخافة الشُّهُود. وَكَانَ لَا يخط بِعقد عَلامَة بِثُبُوتِهِ عِنْده إِلَّا بعد شَهَادَة أَرْبَعَة من الْعُدُول؛ وَقصر أَصْحَابه ذَلِك وَقَالُوا: أَلا ترى، لَو أَن رجلا دفع إِلَى آخر حَقًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَطَلَبه أَن يشْهد بِهِ، فَأشْهد عَدْلَيْنِ، وأبى أَن يشْهد غَيرهمَا، وَأَرَادَ صَاحبه الاستكثار من الْبَيِّنَة، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه أَن يشْهد لَهُ أَكثر من شَاهِدين عَدْلَيْنِ، على مَا قَالَه القَاضِي أَبُو الْوَلِيد بن رشد، وَرَوَاهُ غَيره لقَوْله تَعَالَى " وَاسْتشْهدَ شهيدين من رجالكم. " قَالُوا: وَإِن كَانَ قصد
стр. 140
القَاضِي من الْإِكْثَار من الشُّهَدَاء التَّوَثُّق لتحصل الْبَرَاءَة المتحققه لَهُ وَلغيره، فقد يجمع أَرْبَعَة من الضُّعَفَاء فِي رسم وَاحِد. فَلَزِمَ إِذا مرتكب هَذَا النّظر الْإِمْسَاك عَن خطاب مثل هَذَا الرَّسْم، إِلَى غير ذَلِك من المضار الْمُتَعَلّقَة بِهِ فَلم يثن الشَّيْخ أَبَا بكر بن مَسْعُود شَيْء من هَذَا كُله من غَرَضه، وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة قَضَائِهِ. وَكَانَ لَهُ من أَخِيه أبي الْحسن، وَزِير الدولة الإسماعيلية وعميد الْبَلدة، ردء كثير على إنقاذ الْأَحْكَام، ومصادمة أساطين الرِّجَال. وَنَفر بعض أهل الْمَدِينَة عِنْد التخاصم عِنْده، تقيه من تعاظم شدته واتصال عبوسته؛ وَجرى لَهُ فِي ذَلِك مَعَ القَاضِي بربض البيازين كَلَام حَاصله أَن طلب مِنْهُ الِاقْتِصَار بِالنّظرِ على جِهَته، رفعا للتشويش عَن الْخُصُوم. وَالْمَنْصُوص جَوَاز قاضيين فِي بلد وَاحِد وَأكْثر، كل مُسْتَقل ومختص بناحيته، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوع شَرط الِاتِّفَاق فِي كل حكم، لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض، وَتعذر الِاجْتِمَاع. وَقد تقدم الشبيه على ذَلِك عِنْد التَّكَلُّم فِي شُرُوط الْقَضَاء. ثمَّ إِذا تنَازع الخصمان فِي الِاخْتِيَار، حَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ، وازدحم متداعيان، فالقرعة. قَرَأَ على الْأُسْتَاذ أبي جَعْفَر بن الزبير، وَابْن الطلاع، وَابْن أبي الْأَحْوَص، وَاسْتعْمل فِي الرسَالَة إِلَى ملك الْمغرب عَام ٧٢٧، وَأقَام بِظهْر سلا؛ ثمَّ طرقه الْمَرَض، فتوفى هُنَالك يَوْم الْخَمِيس سَابِع ذِي قعدة من الْعَام الْمَذْكُور. وَدفن بالجبانة الْمَعْرُوفَة بشلة، خَارج رِبَاط الْفَتْح. ومولده لست خلت من شَوَّال عَام ٦٥٣. وَكَانَ ﵀! قد ترك نَائِبا عَنهُ فِيمَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ من الْقَضَاء بغرناطة وَلَده الْفَقِيه أَبَا يحيى. فحين بلغه أَنه توفّي بِحَيْثُ ذكر، اسْتَقل بعده وَلَده بِالْولَايَةِ، واستكملت لَهُ ألقاب الخطة، وَجرى على طَريقَة أَبِيه من الجزالة والصرامة، فِي استخلاص الْحُقُوق، وَنصر الْمَظْلُوم، وقهر الظلوم. وَكَانَ فِي نَفسه شجاعاً، فَارِسًا، مقدما، جليل الْهَيْئَة، نبيه الشارة، رائق الأبهة، يبرز عِنْد الْقِتَال فِي مصَاف صُدُور الْأَبْطَال؛ فَيحسن دفاعه، ويجمل عناده. وَلما ضايقت الرّوم مَدِينَة المرية، وَكَانَ أَبوهُ الشَّيْخ أَبُو بكر مِمَّن شَمله الْحصار بهَا، كَمَا تقدم، شقّ أَبُو يحيى محلّة الْعَدو لَيْلًا، وتحيل وصل إِلَى سور الْبَلَد، وَأَعْلَى حرسته باسمه، فسر الْمُسلمُونَ بتخلصه، وانتفع هُنَالك أَبوهُ. وَبَقِي هَذَا القَاضِي مُتَوَلِّيًا خطة الْقَضَاء
стр. 141
نِيَابَة واستقلالاً نَحوا من خَمْسَة أَعْوَام. ثمَّ نقل قَاضِيا إِلَى مَدِينَة المرية، فَأَقَامَ بهَا. وَكَانَ أَيْضا نَائِب الشَّيْخ أبي بكر، ومشاوره فِي أَحْكَامه ونوازله، شيخ الْفُقَهَاء بقطره فِي وقته، العابد الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قُطْبَة الدوسي. وَكَانَ ﵀ ﴿لمكانه فِي الْمعرفَة وَالْعَدَالَة أَهلا للاستقلال بأعباء الْحُكُومَة.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن يحيى بن بكر الْأَشْعَرِيّ
وَخَلفه فِي الْأَحْكَام بِحَضْرَة غرناطة الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن بكر ابْن سعد الْأَشْعَرِيّ المالقي، من ذُرِّيَّة بلج بن يحيى بن خَالِد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن أبي بردة واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى واسْمه عبد الله بن قيس صَاحب رَسُول الله ﷺ ﴾ ذكره ابْن حزم فِي جملَة من دخل الأندلس من الْمغرب؛ يكنى أَبَا عبد الله، وَيعرف بِابْن بكر. هَذَا نَص مَا وَقع إِثْر اسْمه عِنْد ذكره فِي الْكتاب الْمُسَمّى ب عَائِد الصِّلَة وتحققنا من غَيره صِحَة مَعْنَاهُ. ولنذكر الْآن نبذاً من أنبئه وسيره فِي قَضَائِهِ. فَنَقُول أَولا: كَانَ شَيخنَا هَذَا أَبُو عبد الله ﵀ وأرضاه! مِمَّن جمع لَهُ بَين الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة؛ لَازم من قبل سنّ التَّكْلِيف صهره الشَّيْخ الْفَقِيه الْوَزير أَبَا الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن الْحسن، وَقَرَأَ عَلَيْهِ بمنزله الْقُرْآن، وتأدب مَعَه، واختص بالأستاذ الْخَطِيب أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي السداد الْبَاهِلِيّ الْأمَوِي، وَأخذ عَن الرِّوَايَة أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَبَّاس الخزرجي بن السُّكُوت، والخطيب الْوَلِيّ أبي الْحسن بن فَضِيلَة، والأستاذ أبي الْحسن ابْن اللباد الْمدنِي. ورحل إِلَى مَدِينَة سبتة؛ فَأخذ بهَا عَن عميد الشرفاء أبي عَليّ بن أبي التقي طَاهِر بن ربيع، وَأبي فَارس عبد الْعَزِيز الهواري، وَأبي إِسْحَاق التلمساني، وَأبي عبد الله ابْن الخضار، والمقرئ أبي الْقَاسِم بن عبد الرَّحِيم، والأستاذ أبي بكر بن عُبَيْدَة. وَأَجَازَهُ من أهل الْمشرق الإِمَام شرف الدّين عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي بِالدَّال الْمُهْملَة، وَالرِّوَايَة المتحدث أَبُو الْمَعَالِي أَحْمد بن إِسْحَاق القوصي، إِلَى جمَاعَة من المصريين والشاميين
стр. 142
وَغَيرهم. وَعَاد إِلَى بَلَده مالقة، وَقد صَار سباق الحلبات معرفَة بالأصول، وَالْفُرُوع، والعربية، واللغة وَالتَّفْسِير، والقراءات، مبرزاً فِي علم الحَدِيث تأريخاً، وإسناداً، ونسخاً، وتصحيحاً، وضبطاً، حَافِظًا للألقاب والأسماء والكنى؛ فتصدر فِي فنون الْعلم. وَكَانَ كثير النَّصِيحَة، حَرِيصًا على الإفادة؛ فنفع وأدب، وَخرج وهذب، حَتَّى صَار أَصْحَابه على هَيْئَة متميزة من لِبَاس واقتصاد، وجد واجتهاد. وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُول لفتيان الطّلبَة مَا قَالَه الْجُنَيْد بن مُحَمَّد، وَهُوَ: يَا معشر الشَّبَاب ﴿جدوا قبل أَن تبلغوا مبلغي﴾ فتضعفوا وتقصروا كَمَا قصرت! وَكَانَ الْجُنَيْد وَقت الشاخة لَا يلْحقهُ الشَّبَاب فِي الْعِبَادَة. وَمن تِلْكَ النِّسْبَة أَيْضا كَانَ شَيخنَا أَبُو عبد الله بن بكر؛ فَإِنَّهُ لم يكن فِي الْغَالِب يَأْكُل إِلَّا عِنْد حَاجَة، وَلَا ينَام إِلَّا عَن غلبته، وَلَا يتَكَلَّم بِغَيْر الْعلم إِلَّا عَن ضَرُورَة. وَبَقِي كَذَلِك زَمَانا، يدرس بِالْمَسْجِدِ الْقَرِيب من منزله سكناهُ احتساباً. ثمَّ تقدم ببلاده للوزارة، نَاظرا فِي أُمُور العقد والحل، ومصالح الكافة. ثمَّ ولي الْقَضَاء بِهِ؛ فأظهر من الجزالة والشدة مَا مَلأ بِهِ وجدا صُدُور الحسدة، ونسبوا إِلَيْهِ أموراً حملت على إِخْرَاجه من مالقة، وإمكانه بغرناطة؛ فَبَقيَ بهَا يَسِيرا، وَتقدم مِنْهَا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع خَطِيبًا. ثمَّ ولي قَضَاء الْجَمَاعَة؛ فَقَامَ بالوظائف، وصدع بِالْحَقِّ، وبهرج الْعُدُول؛ فزيف مِنْهُم مَا ينيف على الثَّلَاثِينَ عددا، استهدف بذلك إِلَى محادة ومناسبة ومعادلة خَاضَ ثبجها وصادم تيارها غير مبال بقيل أَو قَالَ؛ فَأصْبح فِي عمله، مَعَ كتبة الوثائق بغرناطة، أشبه الْقُضَاة بِيَحْيَى بن معمر فِي طلبه قرطبة، إِذْ بلغ من مناقشته أَن سجل فِي يَوْم وَاحِد بالسخطة على تِسْعَة عشر رجلا مِنْهُم وَجَرت لِابْنِ بكر فِي هَذَا الْبَاب حكايات يطول ذكرهَا، إِلَى أَن استمرت الْحَال على مَا أَرَادَهُ. وعزم عَلَيْهِ أميره فِي إِلْحَاق بعض من أسخطه بِالْعَدَالَةِ؛ فَلم يجد فِي قناته مغمزاً؛ فَسلم لَهُ فِي نظره. وَلم يزل مَعَ ذَلِك ملازماً أَيَّام قَضَائِهِ للاقراء مَعَ التَّعْلِيم: درس الْعَرَبيَّة، وَالْأُصُول، وَالْفِقْه، وإقراء الْقُرْآن، والحساب، والفرائض؛ وَعقد مجَالِس الحَدِيث شرحاً وسماعاً، وَرُبمَا نحا فِي بعض أَحْكَامه أنحاء مُصعب بن عمرَان أحد الْقُضَاة قَدِيما بقرطبة؛ فَكَانَ لَا يُقَلّد مذهبا، وَيَقْضِي بِمَا يرَاهُ صَوَابا. وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بعد، بحول الله. وَإِن قُلْنَا عَن القَاضِي ابْن بكر إِنَّه كَانَ فِي شَدَائِد أَحْكَامه أشبه عُلَمَاء وقته بسحنون
стр. 143
ابْن سعيد، لم يكن فِي ذَلِك بِبَعِيد؛ فَإِنَّهُ أدب النَّاس على الْحلف بِالْإِيمَان اللَّازِمَة، وَأنكر سوء الْحَال فِي الملابس، وَفرق مجتمعات أَرْبَاب الْبدع، وشدد أهل الْأَهْوَاء بالسجن وَالْأَدب، على سَبِيل فِي ذَلِك كُله من اتِّبَاع السّنة وإطراح الْهَوَاء لَهُ، وخفض الْجنَاح لأهل الْخَيْر. وَكَانَ فِي خطبه وَصلَاته كثير الْخُشُوع، لَا يَتَمَالَك من سمع صَوته فِي الْغَالِب من إرْسَال الدُّمُوع؛ يقْرَأ فِي الصُّبْح بِمَا فَوق الْمفصل؛ فيحسبه الْمصلى خَلفه كَأَنَّمَا قَرَأَ بِآيَة وَاحِدَة، لحسن قِرَاءَته، وَطيب نغمته، وَصدق نِيَّته؛ وَإِذا ذكر شَيْء؛ من أُمُور الْآخِرَة، ظهر على وَجهه الاصفرار؛ ثمَّ يغلبه الْبكاء، ويتمكن مِنْهُ الانفعال. فَكَانَ، فِي مُعَامَلَته لأَصْحَابه، على مَذْهَب الْفرج بن كنَانَة، لَا يرى زلَّة لصديقه، وَلَا يعدل فِي حَاجته إِلَيْهِ عَن طَرِيقه؛ وقلما كَانَ يتَخَلَّف فِي يَوْم من أَيَّامه عَن عِيَادَة مَرِيض، أَو شُهُود جَنَازَة، أَو تفقد مُحْتَاج، أَو زِيَارَة منكوب. وَمن ذَلِك مَا حَدثنِي بِهِ قريبنا وقريبه الشَّيْخ الرِّوَايَة الْمُحدث الْحَاج أَبُو الْقَاسِم بن عبد الله، وَهُوَ أَنه لما اعتقل بدار الإشراف من الحضرة، على مَا نسب إِلَيْهِ من الْمُسَامحَة فِي إِضَاعَة مَال الجباية، أَيَّام كَانَت أشغال السلطنة لنظره، أَن زَارَهُ القَاضِي أَبُو عبد الله يَوْمًا فِي محبسه. قَالَ: فَذَكرته بعادته من مشاركته لأَصْحَابه ولإخوانه وَله ابْن عوَانَة. قَالَ: فاستعبر، واستغفر، وَأقَام معي هنيئة ساكتاً مفكراً؛ ثمَّ تنَاول القرطاس، وَكتب يُخَاطب الْأَمِير بِمَا نَصه: الْحَمد لله ﴿مولَايَ أمدك الله بتوفيقه، وحملك من الرشاد على أوضح طَرِيقه﴾ أسلم عَلَيْك وأسائلكم، حققت رَجَاء الآملين وسائلكم، وَلَا خَابَ من قصد لديكم قاصدكم وسائلكم! مَا كَانَ من حَدِيثي الَّذِي لم يزل ذَا قدم صدق فِي خدمَة الإيالة الإسماعيلية وبنيها، وخاصتها وذويها، واداً لأودائها. نَائِبا عَن متاربها، يرفع لنصحها فِي كل ميدان خدمَة لِوَاء، ويؤم أولياءها ثِقَة وأعداءها مقتاً ولواء، ويجر من نصحها من حسن الطوية رِدَاء، إِلَى أَن تحمل من عدوى الْجوَار دَاء، وَجعل لصَاحب الجريمة، من أَخذ بالجريرة غير ناره، وكوى لعجز جَاره، وَتارَة عدوه وَلم يقم لَهُ هُوَ ولي بثأره. فَهَل عثر البحاث البدعي فِي نواحي عمله وَفِي خفيات سره، على مقربة خبر. أَو أَتَى البحاث السَّرِيع فِي هزجه ورمله بأثارة علم تكشف الْعَمى وتضئ الطَّرِيق لأولى الْبَصَر؟
стр. 144
حنانيك أعد النّظر فَمَا هِيَ إِلَّا القيت يقرقر زجاجة، من قضابها لغيرك فِيمَا اخبث حَاجَة. وَإِن كَانَ وَقع لما أَلْقَاهُ فِي الْأَمر شَيْء من الباس، وَحضر لما زينه وأعانه عَلَيْهِ قوم آخَرُونَ من النَّاس، فَمَا بِنَا من ظُهُور الْحق لديك اياس، وحاشاك أَن يخْفض للجوار بِحَضْرَة عَهْدك الْكَرِيم كَبِير أنَاس. فَأَعْرض عَمَّا تسوله شياطين الْأنس وتحلية، وتعده من الأباطيل وتمنيه، وعد عَمَّا يزخرفه كل خف مزق القَوْل مِنْهَا فيستند كل نقل رِوَايَته إِلَى أصل غير ثَابت؛ فيربط قِيَاس رُؤْيَته بِمَا اطمع خضراء الدمن نابت، قد غمس فِي آل القَاضِي يَمِين طعمه، وجزاه على غموس الْيَمين فرط هلعه. فَمَا ينْطق لِسَانه إِلَّا بِمَا يَجْعَل فِي كَفه من الصَّامِت، وَاعْتمد مشورة نَاصح لَك بإلغاء نصحه حذر الوشاة فتخافت. وَإِذا حضرك الْغَاوُونَ المستبغون، وألقوا من حبال كيدهم وَعصى مَكْرهمْ مَا هم ملقون؛ فتعوذ بِاللَّه من شَرّ مَا يشركُونَ، واستحضر من الْحق كلمة تلقف مَا يافكون، وَمن يكْسب خَطِيئَة أَو إِثْمًا ثمَّ يرم بِهِ بَرِيئًا فقد احْتمل بهتاناً وإثماً مُبينًا. ثمَّ اسْمَع من لِسَان الْحَال، وَهُوَ أفْصح من لِسَان الْمقَال، حجَّة من اعْتَادَ سيلان الْفَضَائِل من يَديك، وَمثله جاثياً للاحتكام لديك، أَلَيْسَ من قَوَاعِد الحكم نظر حَال الْمُدعى وَحَال الْمُدعى عَلَيْهِ، وَمن يَلِيق بِهِ مَا عزى لَهُ وَمن لَا يناط بِهِ مَا نسب إِلَيْهِ؟ هَل يستويان مثلا، أَو يتقاربان قولا، ويتقارنان عملا، أَو يتباعدان بعد المشرقين، ويتباينان فَوق مَا بَين عطاردين؟ فَمن الَّذِي يَتْلُو الْآيَات ويردد واعظها، ويسرد الْأَحَادِيث وَيسمع مواعظها، ويطرد فِي الاسحار الهجوع، وَيُرْسل فِي مجَالِس الْخَيْر الدُّمُوع، ويتعبد مَعَ العابدين، ويتقلب مَعَ الساجدين؟ أم هُوَ كَذَا وَكَذَا وَكَيْت وَكَيْت مِمَّا يكثر عِنْد التعداد، وَلَا يحمل فِي مثله اسْتِعْمَال الْقَلَم والمداد؟ فعلى من تحمل الْيَمين وَالْكذب، أَعلَى من أَلفه الْجد أم على من غلب عَلَيْهِ اللّعب؟ فَإِن غير هَذَا أَو غير هَذَا لأمر مَا وَقيل هما فِي الثَّنَاء سيان، وَعند النداء سميان، وَقد ظهر للْمُدَّعى فِي صكوك الْحساب رُجْحَان، وَهَذَا ديوَان الْعَمَل فِيهِ شَهَادَة فلَان على خطّ الْمَطْلُوب وَفُلَان، فادرا هَذِه الشُّبْهَة المشوهة وَالْحجّة الداحضة المموهة. فَإِن اضْطِرَاب الْمذَاهب فِي الْعَمَل بِالْكتاب، وتفرق أَرْبَابهَا على أشتات الطّرق والشعاب، فَمنهمْ من أهمله جملَة فِي كل الْأُمُور
стр. 145
وَمِنْهُم من أعمله فِي بَعْضهَا وَهُوَ القَوْل الْمَشْهُور ﴿يَا للعجب إِذا كَانَت شَهَادَة الْعُدُول ترد بالاستبعاد، بِدَعْوَى فِيمَا يقدر على تَحْصِيله بِيَسِير العثرات والاحاد﴾ وَعند التَّأَمُّل بإنصاف، وتجنب الْميل والانحراف، يَبْدُو من أَحْوَال هَذِه الْقَضِيَّة قَرَائِن توجب فض ذَلِك الْمَكْتُوب، وتؤذن بِبَرَاءَة الْمَحْبُوس من الْعدَد الْمَطْلُوب، وَإِن كَانَ من جد هَذَا القَوْل لَيْسَ من أهل التحبير، وَلَا مِمَّن عرف بجودة الْبَيَان وبلاغة التَّعْبِير، فَإِنَّهُ ذُو عسرة جاد بِمَا وجد، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدَّة مَا بِهِ من الكمد، أبقاك الله وَكتب لَك سداد الرَّأْي وسعادة الْأَبَد، وَعزا ونعيماً لَا يحصرهما حد، وَلَا ينتهيان إِلَى أمد ﴿وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله صَلَاة دائمة مَا دَامَ ثَنَاؤُهُ فِي الألسن وثراه فِي الْخلد﴾ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم: وَختم الْكتاب بعد مَا علقه لأعجمي لَهُ وَدفعه لمن بلغه. فَمَا تمّ النَّهَار إِلَّا والبشير قد وصلني بالإعتاب، وَرفع التَّوَجُّه من العتاب. وَالْحَمْد لله على مَا منح من ذَلِك ﴿قَالَ الْمُؤلف أدام الله سعادته﴾ وَهَذَا المرسوم الفريد، إِن كَانَ شَيخنَا أَبُو عبد الله بن بكر قد أَتَى بِهِ على البديهة، إِنَّه لأغرب من الْخطْبَة الَّتِي قَامَ بهَا مُنْذر ابْن سعيد بَين يَدي الْخَلِيفَة النَّاصِر، حِين أرتج على مُحَمَّد بن عبد الْبر وحيل بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ، وَانْقطع القَوْل بأمير الْكَلَام أبي عَليّ القالي. وَإِن كَانَ الشَّيْخ قد جدد قَدِيما مَا أظهره وأعده، قصد مناظرة أَخِيه؛ فَلَقَد أحسن فِي عمله مَا شَاءَ، وأجاد الإبداع والإنشاد. وَيقرب من هَذَا النمط مَا حَدثنَا بِهِ صاحبنا الْخَطِيب أَبُو جَعْفَر الشقوري عَن القَاضِي أبي عبد الله الْمَذْكُور، أَنه كَانَ قَاعِدا يَوْمًا بَين يَدَيْهِ، فِي مجْلِس قَضَائِهِ من حَضْرَة غرناطة مهدها الله تَعَالَى ﴿وَإِذا بِامْرَأَة قد رفعت لَهُ بطاقة مضمنها: يَا سَيِّدي رضى الله عَنْكُم﴾ إِنَّمَا محبتها فِي الرجل الَّذِي طَلقهَا وَهِي تُرِيدُ من يكلمهُ فِي ارتجاعه لَهَا وردهَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَتَنَاول الْقَلَم، وَكتب على ظهر البطاقة أحرفاً، وَدفعهَا إِلَيّ؛ فَإِذا هِيَ: الْحَمد لله ﴿من وقف على مَا فِي الْقُلُوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث، وليشفع لتِلْك الْمَرْأَة عِنْد مفارقها تأسياً بشفاعة رَسُول الله ﷺ ﴾ لبريرة فِي مغيث ﴿وَالله تَعَالَى يسلم لنا الْعقل وَالدّين، ويسلك بِنَا سَبِيل المهتدين﴾ وَمن نصائحه لطلبته: أوصيكم، بعد تقوى الله الْعَظِيم، بِثَلَاث خِصَال: أَلا تكْتبُوا
следующие страницы →