Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بهم ساحة الْمصلى. ثمَّ خرج نحوهم مَاشِيا، متضرعاً، مخبتاً، متخشعاً؛ وَقَامَ ليخطب. فَلَمَّا رأى بدار النَّاس إِلَى ارتقابه، واستكانتهم من خُفْيَة الله، وإخباتهم لَهُ، وابتهالهم إِلَيْهِ، رقت نَفسه، وغلبته عَيناهُ؛ فَاسْتَغْفر، وَبكى حينا؛ ثمَّ افْتتح خطبَته بِأَن قَالَ: سَلام عَلَيْكُم ﴿ثمَّ سكت، ووقف شبه الْحصْر، وَلم يكن من عَادَته. فَنظر النَّاس بَعضهم بِبَعْض، لَا يَدْرُونَ مَا عراه، وَلَا مَا أَرَادَ بقوله. ثمَّ انْدفع تالياً بقوله: سَلام عَلَيْكُم﴾ كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم ﴿وَاسْتَغْفرُوا ربكُم، وتوبوا إِلَيْهِ، وتزلفو بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَات لَدَيْهِ﴾ قَالَ: فهاج النَّاس بالبكاء، وجأروا بِالدُّعَاءِ، وَمضى على تَمام خطبَته؛ فقرع النُّفُوس بوعظه، وانبعث الْإِخْلَاص بتذكيره؛ فَلم ينْقض النَّهَار حَتَّى أرسل الله السَّمَاء بِمَاء منهمر، روى الثرى، وطرد الْمحل، وَسكن الْأَزَل. وَالله لطيف بعباده ﴿وَكَانَ لَهُ فِي خطب الاسْتِسْقَاء استفتاح عَجِيب؛ وَمِنْه أَن قَالَ يَوْمًا، وَقد سرح طرفه فِي مَلأ النَّاس، عِنْد مَا شخصوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ؛ فَهَتَفَ بهم كالمنادي: يَا أَيهَا النَّاس وكررها عَلَيْهِم، مُشِيرا بِيَدِهِ فِي نواحيهم أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد. إِن يَشَأْ يذهبكم وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد. وَمَا ذَلِك على الله بعزيز﴾ فَاشْتَدَّ وَجل النَّاس، وَانْطَلَقت أَعينهم بالبكاء، وَمضى فِي خطبَته. وَمن أَخْبَار المحفوظة مَعَ الْخَلِيفَة عبد الرَّحْمَن، فِي إِنْكَاره عَلَيْهِ الْإِسْرَاف فِي الْبناء، أَن النَّاصِر كَانَ قد اتخذ، لسقف القبيبة المصغرة الِاسْم للخصوصية الَّتِي كَانَت مماثلة على الصرح الممرد الْمَشْهُور شَأْنه بقصر الزهراء، قراميد مغشاة ذَهَبا وَفِضة، أنْفق عَلَيْهَا مَالا جسيماً، وقرمد سقفها بهَا، تشَتت الْأَبْصَار بأشعة أنوارها. وَجلسَ فِيهَا يَوْمًا، اثر تَمامهَا، لأهل مَمْلَكَته، فَقَالَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُم من الوزراء وَأهل الْخدمَة، مفتخراً بِمَا صنعه من ذَلِك: هَل رَأَيْتُمْ أَو سَمِعْتُمْ ملكا كَانَ قبلي فعل مثل فعلي هَذَا أَو قدر عَلَيْهِ؟ فَقَالُوا: لَا ﴿يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ وَإنَّك لوَاحِد فِي شَأْنك كُله، وَمَا سَبَقَك إِلَى مبتدعاتك هَذِه ملك رَأَيْنَاهُ، وَلَا انْتهى إِلَيْنَا خَبره! فابهجه
стр. 72
قَوْلهم وسره. وبينما هُوَ كَذَلِك، إِذْ دخل عَلَيْهِ القَاضِي مُنْذر بن سعيد، واجماً ناكس الرَّأْس؛ فَلَمَّا أَخذ مَجْلِسه، قَالَ لَهُ كَالَّذي قَالَ لوزرائه من ذكر السّقف الْمَذْهَب، واقتداره على إبداعه؛ فَأَقْبَلت دموع القَاضِي تنحدر على لحيته، وَقَالَ لَهُ: وَالله ﴿يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا ظَنَنْت أَن الشَّيْطَان لَعنه الله﴾ يبلغ مِنْك هَذَا الْمبلغ، وَلَا أَن تمكنه من قبلك هَذَا التَّمْكِين، مَعَ مَا آتاك الله من فَضله وَنعمته، وفضلك بِهِ على الْعَالمين، حَتَّى ينزلك منَازِل الْكَافرين ﴿قَالَ: فانفعل عبد الرَّحْمَن لقَوْله، وَقَالَ لَهُ: انْظُر مَا تَقول﴾ وَكَيف أنزلتني مَنْزِلَتهمْ؟ فَقَالَ لَهُ: نعم ﴿أَلَيْسَ الله تَعَالَى يَقُول: وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون. فَوَجَمَ الْخَلِيفَة، وأطرق مَلِيًّا، ودموعه تتساقط خشوعاً لله سُبْحَانَهُ، ثمَّ أقبل على مُنْذر وَقَالَ لَهُ: جَزَاك الله، يَا قَاضِي﴾ عَنَّا وَعَن نَفسك خيرا ﴿وَعَن الدّين وَالْمُسْلِمين أجل جَزَائِهِ﴾ وَكثر فِي النَّاس أمثالك ﴿فَالَّذِي قلت هُوَ الْحق﴾ وَقَامَ عَن مَجْلِسه ذَلِك، وَأمر بِنَقْض سقف الْقبَّة، وَأعَاد قرمودها تُرَابا على صفة غَيرهَا. وَكَانَ هَذَا القَاضِي على متانته وَشدَّة جزالته، حسن الْخلق، خَفِيف الوطاة، سهل الْجَانِب، كثير الدعابة، منطلق الْبشر، حَتَّى أَنه رُبمَا استراب بباطنه من لَا يعرفهُ إِذا شَاهد استرساله؛ فَإِذا دَامَ أحد أَن يُصِيب من دينه، ثار ثورة اللَّيْث. وَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عمر بن لَبِيب، أَنه حضر عِنْد الْخَلِيفَة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يَوْمًا، فِي خلْوَة لَهُ، وَهُوَ فِي الْبُسْتَان على بركَة، فِي زمَان صيف شَدِيد الْحر والوهج، وَذَلِكَ منصرف القَاضِي من صَلَاة الْجُمُعَة، فَشَكا إِلَى الْخَلِيفَة من قُوَّة الْحر جهداً؛ فَأمره بخلع ثِيَابه، وَالتَّخْفِيف عَن جِسْمه؛ فَفعل؛ فَلم يطف ذَلِك مَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحكم: من الصَّوَاب أَن تنغمس فِي هَذَا الصهريج انغماسة تبرد جسمك وتعدله. فَقُمْ ﴿فَلَيْسَ هَا هُنَا من تحتشمه﴾ وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُمَا جَعْفَر الصقلبي أثير الْخلَافَة، لَا رَابِع لَهُم؛ فَكَأَنَّهُ استحيى من ذَلِك، وانقبض عَنهُ وقاراً. فَأمر الحكم حَاجِبه جعفراً بسبقه إِلَى النُّزُول فِي الصهريج، ليسهل الْأَمر فِيهِ على القَاضِي؛ فبادر جَعْفَر إِلَى ذَلِك، وأتزر، وَألقى بِنَفسِهِ
стр. 73
فِي المَاء؛ وَكَانَ يحسن السباحة. فَلم يسع القَاضِي عِنْد ذَلِك إِلَّا إِنْفَاذ أَمر الْخَلِيفَة؛ فَقَامَ وأتزر وتجرد، وَألقى بِنَفسِهِ خلف جَعْفَر، ولاذ بالقعود فِي درج الصهريج متبرداً؛ فَلم ينشط فِي السباحة، وجعفر يجول فِيهِ مجاله، مصعداً فِي الصهريج ومصوباً، فَدَسَّهُ الحكم على القَاضِي، فَهُوَ يَدعُوهُ إِلَى المساجلة فِي العوم، ويعجزه فِي إخلاده إِلَى الْقعُود، ويباغيه بإلقاء المَاء عَلَيْهِ، والرش لَهُ، وَالْآخر لَا ينبعث، وَلَا بفارق مَكَانَهُ إِلَى أَن كَلمه الحكم وَقَالَ لَهُ: مَا لَك أَيهَا القَاضِي؟ لَا تساعد الْحَاجِب فِي فعله وتعوم مَعَه ﴿فَمن أَجلك تبذل فِيمَا تبذل فِيهِ﴾ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي، الْحَاجِب سلمه الله مُطلق، لَا هوجل مَعَه ﴿وَأَنا بالهوجل الَّذِي معي، يعقلني ويمنعني من الأعماق فِي الصهريج﴾ يُرِيد بمقالته أنثييه وَأَن جعفراً مجبوب. فاستفرغ الحكم ضحكاً من نادرته، ولطف تعريضه فَخَجِلَ الْحَاجِب من قَوْله، وسبه سبّ الْأَشْرَاف. وخرجا من المَاء. فَأمر لَهما الْخَلِيفَة ﵀ بكسوة تشاكل كلا مِنْهُمَا، ووصلهما بصلَة سنية. قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد فِي كِتَابه: وَذكر أَن الْخَلِيفَة الحكم قَالَ لقاضيه مُنْذر يَوْمًا، فِي بعض مَا جاوبه: بَلغنِي أَنَّك لَا تجتهد للأيتام، وَأَنَّك تقدم عَلَيْهِم أوصياء سوء، يَأْكُلُون أَمْوَالهم ﴿قَالَ نعم﴾ وَإِن أمكنهم نيك أمهاتهم، لم يعفوا عَنْهُن ﴿فَقَالَ لَهُ: وَكَيف تقدم مثل هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: لست أجد غَيرهم، ولاكن أحلني على الْفَقِيه اللؤْلُؤِي، وَأبي إِبْرَاهِيم، وأمثالهما لأقدمهم، فَإِن أَبَوا، أجبرتهم بالسجن وَالضَّرْب، ثمَّ لَا تسمع إِلَّا خيرا. وَإِلَّا، فدع الْأُمُور تمْضِي كَمَا هِيَ﴾ فَالله بالمرصاد ﴿وَكَانَ شَيخنَا القَاضِي أَبُو عبد الله بن عَيَّاش الخزرجي يستحسن من كَلَامه قَوْله فِي التَّزْكِيَة: اعْلَم أَن الْعَدَالَة من أَشد الْأَشْيَاء تَفَاوتا وتبايناً، وَمَتى حصلت ذَلِك عرفت حَالَة الشُّهُود، لِأَن بَين عَدَالَة أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ﴾ وعدالة التَّابِعين ﵃ ﴿بون عَظِيم، وتباين شَدِيد، وَبَين عَدَالَة أهل زَمَاننَا، وعدالة أُولَئِكَ، مثل مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وعدالة أهل زَمَاننَا، على مَا هِيَ عَلَيْهِ،
стр. 74
بعيدَة التباين أَيْضا. وَالْأَصْل فِي هَذَا عِنْدِي وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ﴿أَن من كَانَ الْخَيْر أغلب عَلَيْهِ من الشَّرّ، وَكَانَ متنزهاً عَن الْكَبَائِر، فَوَاجِب أَن تعْمل شَهَادَته؛ فَإِن الله تَعَالَى قد أخبرنَا بِنَصّ الْكتاب أَن: " من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية. " وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: " فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ " فَمن ثقلت مَوَازِين حَسَنَاته بِشَيْء، لم يدْخل النَّار؛ وَمن اسْتَوَت حَسَنَاته وسيآته، لم يدْخل الْجنَّة فِي زمرة الداخلين أَولا؛ وهم أَصْحَاب الْأَعْرَاف، فَذَلِك عُقُوبَة لَهُم، إِذْ تخلفوا أَن تزيد حسناتهم على سيآتهم. فَهَذَا حكم الله فِي عباده. وَنحن إِنَّمَا كلفنا الحكم بِالظَّاهِرِ؛ فَمن ظهر لنا أَن خَيره أغلب عَلَيْهِ من شَره، حكمنَا لَهُ بِحكم الله بعباده؛ وَلم نطلب لَهُ على الْبَاطِن. وَلَا كلفه مُحَمَّد ﷺ ! فقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ: إِنَّمَا أَنا بشر، وَأَنْتُم تختصمون إِلَيّ؛ ولقل بَعْضكُم أَن يكون ألحق بحجته من بعض؛ فأحكم لَهُ على نَحْو مَا أسمع بِأَحْكَام الدُّنْيَا على ماظهر، وَأَحْكَام الْآخِرَة على مَا بطن، لِأَن الله تَعَالَى يعلم الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَنحن لَا نعلم إِلَّا الظَّاهِر. وَلأَهل كل بلد قوم قد تراضى عَلَيْهِم عامتهم؛ فبهم تَنْعَقِد مناكحهم وبيوعهم؛ وَقد قدموهم فِي مَسَاجِدهمْ، ولجمعهم وأعيادهم؛ فَالْوَاجِب على من استقضى فِي مَوضِع، أَن يقبل شَهَادَة أماثلهم، وفقهائهم وَأَصْحَاب صلواتهم، وَإِلَّا ضَاعَت حُقُوق ضعيفهم وقويهم، وَبَطلَت أحكامهم. وَيجب عَلَيْهِ أَن يسْأَل إِن استراب فِي بَعضهم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن عَنْهُم؛ فَمن لم يثبت عِنْده عَلَيْهِ اشتهار فِي كَبِيرَة، فَهُوَ على عَدَالَة ظَاهِرَة، حَتَّى يثبت غير ذَلِك. انْتهى. وَسَماهُ مُحَمَّد بن حُسَيْن الزبيدِيّ فِي مُصَنفه فِي طَبَقَات النَّحْوِيين واللغويين؛ فَقَالَ: أَبُو الحكم مُنْذر بن سعيد القَاضِي، سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى ونظرائه، ثمَّ رَحل حَاجا سنة ٣٠٨؛ فَسمع بِمَكَّة من مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي كِتَابه الْمُؤلف فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء الْمُسَمّى ب الْأَشْرَاف. وروى بِمصْر كتاب الْعين للخليل، عَن أبي الْعَبَّاس ابْن ولاد، وَعَن أبي جَعْفَر بن النّحاس. وَكَانَ متفنناً فِي ضروب الْعلم. وَغلب عَلَيْهِ التفقه بِمذهب أبي سُلَيْمَان دَاوُود بن عَليّ الإصبهاني الْمَعْرُوف بالظاهري؛ فَكَانَ يُؤثر مذْهبه، وَيجمع كتبه، ويحتج بمقالته، وَيَأْخُذ بهَا لنَفسِهِ، فَإِذا جلس مجْلِس الْحُكُومَة، قضى
стр. 75
بِمذهب مَالك بن أنس وَأَصْحَابه الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل فِي بَلَده، وَلم يعدل عَنهُ. قَالَ: وَكَانَت ولَايَة مُنْذر لقَضَاء الْجَمَاعَة بقرطبة فِي ربيع الآخر سنة ٣٣٩. ولبث قَاضِيا إِلَى أَن توفّي فِي عقب ذِي الْقعدَة سنة ٣٥٥. فَكَانَت ولَايَته الْقَضَاء سِتّ عشرَة سنة كَامِلَة ﵀ وَغفر لنا وَله ﴿
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن السَّلِيم
وَولي الْقَضَاء بعد البلوطي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم. وَنَصّ ظهير ولَايَته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ هَذَا كتاب أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم؛ ولاه بِهِ خطة الْقَضَاء، وَاخْتَارَهُ للْحكم بَين جَمِيع الْمُسلمين، وَرَفعه إِلَى أَعلَى الْمَرَاتِب عِنْده فِي تَنْفِيذ الْأَحْكَام، غير مُطلق يَده إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلسَانه إِلَّا بِالْعَدْلِ ﴿ورسم لَهُ فِي كِتَابه رسوماً بَدَأَ فِيهِ بأمانة الله ﴾ إِلَيْهِ، وَجعل الله الشَّهِيد بهَا عَلَيْهِ؛ أمره بتقوى الله الْعَظِيم الَّذِي يعلم خَائِنَة الْأَعْين، وَمَا تخفي الصُّدُور؛ وَأَن يَجْعَل كتاب الله أُمَامَة ينظر فِيهِ نظر المتفكر الْمُعْتَبر؛ فَإِنَّهُ عهد الله الَّذِي بعث بِهِ نبيه ﷺ ﴿فأحل حَلَاله، وَحرم حرَامه، وأمضى أَحْكَامه، وَفَارق الْأمة. على أَنهم لن يضلوا مَا اتَّبعُوهُ؛ فَهُوَ العروة الوثقى، والطريقة المثلى والنهج الْمُنِير، وَدين الله القويم. وَأمره أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَقْتَدِي بِسنة رَسُول الله ﷺ ﴾ الَّتِي بهَا عملت الْأَئِمَّة، وَعَلَيْهَا اتّفقت الْأمة، فَالْحق مَعْرُوف؛ وَالْبَاطِل مَكْشُوف؛ وَبَينهمَا مُشْتَبهَات فِيهَا يحمد التَّوَقُّف، وَعِنْدهَا يشْكر التثبت، فَفِي كتاب الله تَعَالَى اسْمه ﴿وَسنة نبيه ﷺ ﴾ أصل الدّين، وفرعه، وَدَلِيله، وتأويله، وَمن يرد الله بِهِ خيرا يوفقه للاقتداء بهما، والاقتباس مِنْهُمَا. وَأمره أَن يصلح سَرِيرَته فِيهَا، يصلح الله عَلَانِيَته؛ وَأَن يبرأ من الْهوى؛ فَإِنَّهُ مضلة عَن طَرِيق الْحق؛ وَأَن يَجْعَل النَّاس فِي نَفسه سَوَاء، إِذا جلس للْحكم بَينهم، حَتَّى لَا يطْمع فِيهِ الشريف، وَلَا ييأس مِنْهُ الضَّعِيف. وَأمره أَن يعْتَبر أمره وَمَا قَلّدهُ؛ فَيعلم أَنه رَاكب طَرِيقا متهاها إِلَى الْجنَّة أَو النَّار:
стр. 76
لَيْسَ عَن أَحدهمَا مصرف، وَلَا بَينهمَا موقف، فَحق لمن أَرَادَ النجَاة أَن يستكثر من الْحَسَنَات، وَيمْنَع دينه مِمَّن أَرَادَ أَن يؤنسه فِي الشُّبُهَات، وَيعلم أَنه حَاكم فِي ظَاهره، مَحْكُوم عَلَيْهِ فِي بَاطِنه، تطوى كل يَوْم صَحِيفَته على مَا أودعها، حَتَّى ينظر فِيهَا غَدا بَين يَدي الله عز وَجهه ﴿" يَوْم توفى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ " فَمن حاسب نَفسه فِي الدُّنْيَا، كَانَ أيسر حسابا فِي الْآخِرَة. وَأمره أَن يتحفظ فِي حِين وُقُوع الشَّهَادَات عِنْده؛ فَلَا يقْضِي بَين الْمُسلمين مِنْهَا إِلَّا بِمَا أَقَامَهُ بِهِ التَّحْقِيق على أَلْسِنَة الْعُدُول، ذَوي الْقبُول، وَإِن استراب فِي شَهَادَة أحدهم وقتا مَا، أَن يبْحَث عَنْهَا، فَإِن ثَبت أَنه ارتشى، أَو شهد بالهوى، فَعَلَيهِ أَن يسْقط شَهَادَته، ويخل عَدَالَته، وتنكيلاً لَهُ، وتشديداً لمن خَلفه، وَأَن يحمل على النَّاس معاريض الوكلاء على الْخُصُومَات، ويطرح أهل اللدد الظَّاهِر مِنْهُم، وَلَا يحمل فضل حجاجهم عَمَّن لَا يقوم بهم. وَأمره أَن يحترس بأموال الْيَتَامَى، وَلَا يولي عَلَيْهِم إِلَّا أهل العفاف عَنْهَا وَحسن النّظر فِيهَا؛ وَأَن يجدد الْكَشْف والامتحان عَن أَمْوَال النَّاس والأحباس واليتامى، وَيمْنَع من قبالتها إِلَّا على وجوهها مِمَّا لَا بُد مِنْهُ من التَّنْفِيذ فِيهَا، وَطلب الزِّيَادَة عِنْد ذَوي الرَّغْبَة فِي قبالتها. وَأمره أَن يختبر كَاتبه وحاجبه وخدمته، ويتفقد عَلَيْهِم أَحْوَالهم إِذا غَابُوا عَن بَصَره. وَأمره أَن لَا يعجل فِي أَحْكَامه؛ فَمن الْعجل، لَا يُؤمن الزلل؛ وَأَن يرفع إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أشكل عَلَيْهِ الْفَصْل فِيهِ، ليصدر إِلَيْهِ من رَأْيه مَا يعْتَمد عَلَيْهِ، إِن شَاءَ الله ﴿وَالله يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ التَّوْفِيق بمنه وفضله﴾ وَكتب يَوْم الْإِثْنَيْنِ، لِلنِّصْفِ من شعْبَان سنة ٣٥٣. وَلما استمرت أَيَّام ولَايَة أبي بكر بن السَّلِيم، عَمَدت النَّاس سيرته، واطمأنوا إِلَى عدله، وَلم يعبه مِنْهُم عائب، إِلَّا من طَرِيق البطء بِقَضَائِهِ، والتطويل فِي أَحْكَامه. وَكَانَ كثيرا مَا يفعل ذَلِك فِيمَا يتلبس عَلَيْهِ، ويحتذي طَرِيق أَحْمد بن بَقِي القَاضِي؛ فَكَانَ رُبمَا أفشى لومه
стр. 77
بعض من لحقه ذَلِك، مِمَّن يُخَاصم عِنْده؛ ثمَّ، لما مَاتَ، أشْفق النَّاس جَمِيعًا من فَقده، واجتمعوا على ثنائه وَالدُّعَاء بِالْخَيرِ لَهُ. وَكَانَت وَفَاته عشي يَوْم السبت لسبع بَقينَ لجمادي الأولى سنة ٣٦٧.
نبذ من أنباء مُحَمَّد بن يبْقى بن زرب
وَهُوَ أحد صُدُور الْفُقَهَاء فِي زَمَانه بالأندلس؛ فقد كَانَ ذَاك يُسمى فِي علمه وورعه ابْن الْقَاسِم. وَكَانَ لَهُ حَظّ كَبِير من علم الْإِعْرَاب وَالْفِقْه، يجمع ذَلِك إِلَى الْعِبَادَة، وسرد التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ. وَكَانَ من أَخطب النَّاس فَوق مِنْبَر، وَأَحْسَنهمْ ترتيلاً لمنطقه، وأظهرهم خشوعاً فِي موقفه لخطبته، وأقرعهم لمن تقرعه بوعظه؛ لَا يملك أحد من الْبكاء عَيْنَيْهِ، عِنْد سَمَاعه. قَالَ فِيهِ ابْن عفيف: يُحَقّق قَول الْحسن الْبَصْرِيّ من أَن الموعظة، إِذا خرجت من الْقلب، وَقعت فِي الْقلب، وَإِذا خرجت من اللِّسَان، لم تجَاوز الْأَذَان. وَكَانَ فِي تعرفاته حازماً فطناً. قَالَ ابْن حَيَّان: سَمِعت المشيخة يَقُولُونَ إِنَّه لما ولي الْقَضَاء، احْتبسَ خَواص أَصْحَابه المشاورين، وَقد جَاءُوهُ مهنين؛ فَأمر غُلَامه: فكشف عَن مَال عَظِيم صَامت فِي صندوق لَهُ، وَقَالَ: يَا أَصْحَابنَا، قد عَرَفْتُمْ مَا نَحن بِهِ من تولى الْقَضَاء قَدِيما من سوء الظنة؛ وأخشى أَن أطلق النَّاس على غرضي ﴿وَهَذَا حاصلي، وَفِيه من الْعين كَذَا، وَفِي مخازني مَا بَقِي بِقِيمَتِه، وحظى من التِّجَارَة مَا علمْتُم﴾ فَإِن فشى من مَالِي مَا يُنَاسب هَذَا، فَلَا لوم؛ وَإِن تبَاعد عَن ذَلِك، فقد وَجب مقتى. وأسأل الله تخليصي مِمَّا تنشبت فِيهِ ﴿فدعوا لَهُ. وَكَانَ، مَعَ سَعَة حَاله وَعلمه، مُجْتَهدا، ورعاً، كثير الصَّلَاة والتلاوة، حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يخْتم الْقُرْآن كل لَيْلَة. وَمن المدارك: رَأَيْت ابْن زرب بعد وَفَاته؛ فَسَأَلته؛ فَقَالَ: مَا وجدت أضرّ من الِاخْتِلَاف إِلَى أَبْوَاب الْمُلُوك. وَمَا وجدت شَيْئا أَنْفَع من تِلَاوَة الْقُرْآن﴾ وَلما بنى الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَسْجِد الزهراء، وَاسْتَشَارَ الْفُقَهَاء فِي التجميع فِيهِ، أفتى القَاضِي بِمَنْع ذَلِك. وَقَالَ بقوله ابْنا ذكْوَان، وَابْن المكوى، وَابْن وليد. وساعده ابْن الْعَطَّار على التجميع؛ فاستحيى ابْن زرب، وَلم يجمع فِيهِ حَتَّى مَاتَ؛ فَجمع حِينَئِذٍ. وَقَالَ
стр. 78
عَنهُ ابْن حَارِث: كَانَ لَا يحكم فِي شهر رَمَضَان، ويفرغ فِيهِ نَفسه للْعَمَل وَالْعِبَادَة، لم يزل مواظباً على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ ﵀ ﴿قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد: وَكَانَ أحفظ أهل زَمَانه للفقه على مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه، حَلِيمًا، مُحْتملا، صبوراً، نَفَّاعًا لمن علق بحبله، جميل المنظر، سهل الْخلق، حسن الصُّورَة، طيب الرَّائِحَة، نظيف الملبس والمركب وَالطَّعَام والفاكهة، سَمحا، صليباً فِي ذَات الله، رَفِيقًا، لم يحفظ عَنهُ أَنه قرع أحدا بِسَوْط مُدَّة قَضَائِهِ، لَا تَأْخُذهُ مَعَ ذَلِك فِي الله لومة لائم. وَلم يكن يُخَاطب الْخَلِيفَة هشاماً وَلَا الْمَنْصُور بن أبي عَامر قيم دولته بِغَيْر التسديد على الرَّسْم الْقَدِيم؛ قَرَأت مخاطبته لَهما فِي كتاب ارتقاب الْأَهِلّة المرسوم للقضاة فِي شهر رَمَضَان، ومخرجه على الْعَادة الْمَعْرُوفَة للأعلام فَمَا يَصح لَدَيْهِ من أمرهَا؛ فَكَانَت مخاطبته للأمير هِشَام: أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ سيدى، وأبقاه، وأيد بِطَاعَتِهِ﴾ وَكَانَت مخاطبته لحاجبه الْمَنْصُور: يَا سَيِّدي، وَمن وَفقه الله لطاعته وَعَصَمَهُ بتقواه! واعتنى القَاضِي ابْن زرب بِطَلَب أَصْحَاب ابْن مَسَرَّة، والكشف عَنْهُم، واستتابه من علم أَنه يعْتَقد مَذْهَبهم؛ وَأظْهر للنَّاس كتابا حسنا وَضعه فِي الرَّد على ابْن مَسَرَّة، قرئَ عَلَيْهِ وَأخذ عَنهُ. وَكَانَ سنة ٣٥٠. اتتاب جملَة جِيءَ بهم إِلَيْهِ من أَتبَاع ابْن مَسَرَّة؛ ثمَّ خرج إِلَى جَانب الْمَسْجِد الْجَامِع الشَّرْقِي، وَقعد هُنَاكَ؛ فَأحرق بَين يَده مَا وجد عِنْدهم من كتبه وأوضاعه؛ وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ فِي سَائِر الْحَاضِرين. ووقف يَوْمًا هَذَا القَاضِي بِبَاب أبي بكر الزبيدِيّ النَّحْوِيّ، معلم الْخَلِيفَة هِشَام؛ فَلَمَّا أُوذِنَ بِهِ، بَادر بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ حافياً، مَكْشُوف الرَّأْس، كَمَا كَانَ يجلس فِي بَيته، فَوقف بَين يَدَيْهِ، قَائِما على قَدَمَيْهِ، إجلالاً لَهُ، وأبلغ فِي شكره على تعهد؛ فوافاه ابْن زرب حق تكرمته إِيَّاه، وَسَأَلَهُ الْجُلُوس؛ فَأبى عَلَيْهِ وأنشده متمثلاً: أقوم وَمَا بِي أَن أقوم مذلة ... عَليّ فَإِنِّي للكرام مذلل على أَنَّهَا مني لغيرك هجنة ... وَلَا كنها بيني وَبَيْنك تجمل قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب الاحتفال فِي تَارِيخ أَعْلَام الرِّجَال: وأمتحن القَاضِي ابْن زرب، على فَضله، مَعَ عوام النَّاس بقرطبة، فِي بَاب ابتطائهم للسقي؛ فَدَعَا بهم
стр. 79
فِي الْمحل الَّذِي توالي عَلَيْهِم بأعظم مَا امتحن بِهِ قَاض قبله، وَذَلِكَ أَنه برز بهم عشرَة مرّة: حضر مَعَهم الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر استسقاء وَاحِدًا، ولبوسه ثِيَاب بيض، وعَلى رَأسه أقرف وشي أغبر، على شكل أهل المصايب بالأندلس قَدِيما، قد أبدى الْخُشُوع، وَهُوَ باك، ودموعه تسيل على لحيته؛ فَتقدم إِلَى جنَاح الْمِحْرَاب عَن يَمِين الإِمَام، وَقد كَانَ فرش لَهُ هُنَاكَ حَصِير ليُصَلِّي عَلَيْهِ؛ فَدفعهُ بِرجلِهِ، وَأمر بنزعه، وَجلسَ على الأَرْض، وَشهد الاسْتِسْقَاء؛ فَلَمَّا تمّ، أَمر القَاضِي بتفريق صدقَات كَثِيرَة من مَال أَو طَعَام عَن خَلِيفَته وَعَن نَفسه. ولهجت الْعَامَّة بذم القَاضِي، واستبطاء الرَّحْمَة بوسيلته، وأطلقوا ألسنتهم بالطعن فِي دينه، وَوَصفه بالركون إِلَى ابْن أبي عَامر، وعابوه بِالْقبُولِ لهداياه، والاستساغة لعطيته؛ فَلَمَّا تكَرر بالاستسقاء وإبطاء الْغَيْث، هَاجَتْ الْعَامَّة فِي بعض بروزه إِلَى الربض، وثارت، فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ بعد إِتْمَامه الصَّلَاة، يعطعطون، وينكتونه بمعابه، وَيَقُولُونَ لَهُ: بئس الْوَسِيلَة أَنْت إِلَى الله تَعَالَى وَالشَّفِيع فِي إرْسَال الرَّحْمَة، إِذْ أَصبَحت إِمَام الدّين، وقيم الشَّرِيعَة ﴿ثمَّ لَا تتورع عَن قبُول مَا يُرْسل بِهِ إِلَيْك من الْهَدِيَّة الَّتِي لَا تلِيق إِلَّا بالجبابرة﴾ وأبدوا فِي ذَلِك، وأعادوا، وهموا أَن يبسطوا إِلَيْهِ أَيْديهم ويمتهنوه، حَتَّى لَاذَ مِنْهُم بالتربة المنسوبة إِلَى السيدة مرجان، بمقبرة الربض بقرطبة؛ وَكَانَت حَصِينَة الْأَبْوَاب، منيعة الأسوار، فَصَارَ فِيهَا، وأغلق أَبْوَابهَا عَلَيْهِ، واحتصن بهَا مِنْهُم؛ وَأرْسل إِلَى صَاحب الْمَدِينَة يستغيثه، فَأرْسل الفرسان والأشراط إِلَى ناحيته؛ فكشفوا عَنهُ من كَانَ قد تلفف بِهِ من الْعَامَّة، وفرقوهم، وَانْصَرف إِلَى دَاره سالما؛ وَقد لقى مِنْهُم أَذَى شَدِيدا. فَلَمَّا عاود البروز إِلَى الاسْتِسْقَاء بعد ذَلِك، أرسل الْمَنْصُور إِلَيْهِ خيلاً كَثِيرَة من عِنْده، أحاطت بِأَكْنَافِ الْمصلى عِنْد تَكَامل النَّاس فِيهِ قبل الصَّلَاة، استظهر بهم على شغب الْعَامَّة؛ فَلم يَجْسُر أحد من السُّفَهَاء على النُّطْق بِكَلِمَة شَرّ. وَكَانَ لَا يجلس للحكومة حَتَّى يَأْكُل؛ وَكَانَ مَوْصُوفا بِطيب الطَّعَام: لَهُ مِنْهُ وَمن الْحَلْوَاء والفاكهة وَظِيفَة مَعْلُومَة. وَكَانَ يَقُول: لَا شرف فِي لونين ﴿وَرفع فِيهِ على مَا حَكَاهُ عِيَاض حَدِيثا لبَعض السّلف. ثمَّ قَالَ: توفّي ﵀﴾ فِي رَمَضَان سنة ٣٨١. ومولده فِي رَمَضَان سنة ٣١٩.
стр. 80
وتفاقده النَّاس، وأثنوا عَلَيْهِ حسنا. وَأظْهر ابْن أبي عَامر لمَوْته غماً شَدِيدا، وَكتب لوَرثَته كتاب حفظ ورعاية أنتفعوا بِهِ؛ واستدعى ابْنه مُحَمَّدًا، وَهُوَ طِفْل، ابْن ثَلَاثَة أَعْوَام؛ فوصله بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وألطاف، قيمتهَا مَا يناهز الْعدَد الْمُسَمّى، وَلَيْسَ ذَلِك من أَفعَال الْمَنْصُور ببدع؛ فقد كَانَ فِي حسن مُعَامَلَته للنَّاس، وَالْوَفَاء لَهُم، بِمَنْزِلَة لَا يقوم بوصفها كتاب، حَتَّى يُقَال إِنَّه لَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ فِي فَضله، وَلَا طفرت الْأَيْدِي بشكله. وَمن عَجِيب أَخْبَار مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر وَحَدِيثه ﵀ ﴿مَا وَقع فِي كتاب الْفَقِيه أبي جَعْفَر أَحْمد بن سعيد بن أبي الْفَيَّاض، عِنْد ذكره أَيَّام الْمَنْصُور ودولته. وَنَقله غَيره؛ وَنَصه: قَالَ: أَخْبرنِي بعض من رويت عَنهُ أَنه كَانَ بائتاً لَيْلَة، مَعَ بعض إخوانه، فِي غرفَة؛ فرقد رَفِيقه ودنيه؛ وَلم يرقد هُوَ قلقاً وسهراً؛ فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا هَذَا﴾ قد أضررتني فِي هَذِه اللَّيْلَة بِهَذَا السهر؛ فَدَعْنِي أرقد. فَقَالَ: إِنِّي مفكر مَشْغُول البال ﴿فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا هَذَا﴾ وَأَنت أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ لَهُ: هُوَ ذَلِك ﴿فَعجب مِنْهُ وَقَالَ لَهُ: بِاللَّه﴾ لتأْخذ معي هَذَا الْأَمر، وساعدني فِيهِ ﴿فَقَالَ لَهُ: يصلح فلَان وَيصْلح فلَان﴾ وسمى لَهُ جمَاعَة، وَهُوَ لَا يجوز من الْمَذْكُورين أحدا، إِلَى أَن قَالَ لَهُ: يصلح أَبُو بكر بن يبْقى بن زرب فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر: يَا هَذَا ﴿فرجت عني﴾ لَيْسَ بِاللَّه يصلح أحد غَيره ﴿ثمَّ رقد. فمضت الْأَيَّام والليالي؛ وَولى ابْن عَامر الخطط، إِلَى أَن صَار لَهُ ملك الأندلس كُله بخلافة الْمُؤَيد بِاللَّه، وَاسْتولى على الْأَمر وَالنَّهْي بِهِ؛ وَذَلِكَ الرجل رَفِيقه وَصَاحبه يتَوَقَّع أَن يتَذَكَّر الْمَنْصُور لاحتقاره فِي تِلْكَ اللَّيْلَة؛ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي، مَاتَ القَاضِي ابْن السَّلِيم لَيْلًا. وَكَانَت لمُحَمد بن أبي عَامر فِي أَيَّامه عُيُون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، لَا يَقع أَمر من الْأُمُور حَتَّى يعلم بِهِ. فَأخْبر بِمَوْت ابْن السَّلِيم سَاعَة مَوته فِي اللَّيْل؛ فَبعث فِي ذَلِك الرجل رَفِيقه فِي تِلْكَ السَّاعَة. فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ رَسُوله، تداخله من الْفَزع غير قَلِيل؛ فخشي على نَفسه؛ فَنَهَضَ إِلَيْهِ، وأكفانه مَعَه؛ فَلَمَّا وصل قَالَ لَهُ: يَا هَذَا﴾ قد مَاتَ القَاضِي ابْن السَّلِيم ﴿قَالَ: فَزَاد فزع الرجل، ثمَّ قَالَ لَهُ: من ترى أَن يولي الْقَضَاء؟ قَالَ لَهُ: الَّذِي رَأَيْنَاهُ تِلْكَ اللَّيْلَة﴾ مُحَمَّد بن يبْقى بن زرب! فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: فانهض إِلَيْهِ، واقرأه سلامي، وبشره
стр. 81
بِالْقضَاءِ، وَأخْبرهُ بِكُل مَا دَار بِي مَعَك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، حرفا بِحرف؛ وَلَا تنقصه شَيْئا؛ وَلَا توجده عذرا إِن اعتذر ﴿وَسكن روع الرجل ونهض إِلَى ابْن زرب؛ فَاعْتَذر لَهُ؛ فَلم يقبل لَهُ عذرا، وَحكى مَا دَار لَهُ مَعَ الْمَنْصُور قَدِيما؛ فرضى الْقَضَاء، وَتقدم لَهُ. وَمن الْكتاب الْمُسَمّى: إِن الْمَنْصُور كَانَ كثيرا مَا يترشح للإمارة، ويترجح لملك الأندلس كلهَا؛ وَيكثر من التحدث بذلك فِي حدثان سنة، وإقبال أمره؛ ويتمنى ذَلِك، ويرصده، ويعد بِهِ أَصْحَابه، ويوليهم الخطط، ويمنيهم بالولايات، فَيَأْتِي ذَلِك كَمَا يذكرهُ، وعَلى مَا كَانَ يرسمه. وَمِنْه قَالَ: أَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُوسَى بن عزرون، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، قَالَ: اجْتَمَعنَا يَوْمًا فِي منتزه لنا، بِجِهَة الناعورة بقرطبة، مَعَ الْمَنْصُور بن أبي عَامر؛ وَهُوَ فِي حَدَاثَة سنة، وَأَوَان طلبه، وَهُوَ مرجى مُؤَمل، ومعنا ابْن عَمه عَمْرو بن عبد الله بن عسقلاجة، وَالْكَاتِب ابْن المرعزي، وَالْحسن بن عبد الله بن الْحسن المالقي. وَكَانَت مَعنا سفرة فِيهَا طَعَام؛ فَقَالَ ابْن أبي عَامر، من ذَلِك الْكَلَام الَّذِي كَانَ يتَكَلَّم بِهِ: إِنِّي لَا بُد أَن أملك الأندلس، وأقود العساكر، وَينفذ حكمي فِي جَمِيع الأندلس﴾ وَنحن نضحك مَعَه، ونتعجب من قَوْله؛ فَقَالَ لنا: تمنوا عَليّ ﴿فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم؛ فَقَالَ عَمْرو بن عبد الله بن عَمه: أَتَمَنَّى أَن توليني على الْمَدِينَة﴾ نضرب ظُهُور الجناة ونفتحها مثل هَذِه الشاردة ﴿وَقَالَ ابْن المرعزي: أشتهي أَن توليني أَحْكَام السُّوق﴾ وَقَالَ ابْن الْحسن: أحب أَن توليني قَضَاء رية ﴿قَالَ مُوسَى بن عزرون: فَقَالَ لي: تمنَّ أَنْت﴾ فشققت لحيته، وَقلت كلَاما سمجاً. فَلَمَّا صَار الْمَنْصُور إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ من ملك الأندلس، ولي ابْن عَمه الْمَدِينَة، وَابْن المرعزي السُّوق، وَولي ابْن الْحسن رية، وَبلغ كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى مَا تمنى. وأغرمني مَالا عَظِيما أحجف بِي وأفقرني، لقبح مَا كنت قد جِئْته بِهِ. وَكَانَ الْمَنْصُور من أهل الذكاء والنبل والبأس والحزم؛ تصرف، بعد الْعلم والطلب، أَيَّام الْخَلِيفَة لحكم، فِي الْأَمَانَات وَالْقَضَاء؛ ثمَّ ملك الأندلس بِولَايَة الحجابة لهشام، وَذَلِكَ فِي النّصْف من شعْبَان سنة ٣٦٦؛ فاستولى على كثير من الْأَمْصَار، وَصَارَ خَبره أطيب الْأَخْبَار. وَلم يزل على حَالَته من الظُّهُور، والعز الْمُتَّصِل الْمَشْهُور، إِلَى أَن توفّي بِمَدِينَة سَالم، سنة ٣٩٢، وَهُوَ منصرف من غَزْو بِلَاد الرّوم. وَقد كَانَ عهد إِلَى ثقاته أَن يدفنوه
стр. 82
حَيْثُ يَمُوت، وَلَا يحملوه فِي تَابُوت؛ فقبروه هُنَالك. وعَلى مشهده مَكْتُوب ﵀ وأرضاه ﴿: آثاره تنبيك عَن أخباره ... حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ تالله﴾ مَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ ... أبدا، وَلَا يحمى الثغور سواهُ
ذكر الْحسن بن عبد الله الجذامي قَاضِي رية
وَأما الْحسن بن عبد الله الجذامى المالقى، فَهُوَ أول قُضَاة الدولة العامرية بكورة رية، حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْن أبي الْفَيَّاض وَنَقله غَيره. وَكَانَ ﵀! فَقِيها، نبيها، فطناً، متفنناً، بَصيرًا بمذاهب الْعلمَاء، نَفَّاعًا للفقهاء، شَدِيدا على أهل الْأَهْوَاء، رَفِيقًا بالضعفاء، سكن بقرطبة مَعَ أَبِيه، إِذْ كَانَ لَهُ بهَا مَال وإصهار، وَتردد إِلَيْهَا. وَصَحب فِيهَا، أَيَّام قِرَاءَته، مُحَمَّد بن أبي عَامر وَغَيره من أَهلهَا، وَأخذ عَن أشياخها. وَأَصله من رية. من الْعَرَب الشأميين، النازلين بهَا عِنْد الْفَتْح. واختص سلفه مِنْهُم بسكنى مآلقة، وَهِي إِحْدَى مَدَائِن الكورة؛ وحد عمالتها فِي الْقَدِيم، من جِهَة الشرق، الْحمة، حَيْثُ المَاء السخن العجيب الْغَرِيب؛ وَمن نَاحيَة الغرب، حصن الْورْد، الْمَعْرُوف الْآن بمنت ميور، الْقَرِيب من مربلة؛ وَمن جِهَة الْجوف، وَادي شنيل، حَيْثُ حصن بني بشير، والرنيسول، ثمَّ الأَرْض الْمَعْرُوفَة بالخنوس، إِلَى قَرْيَة جليانة الْقَرِيبَة من استبة، إِلَى حوز مورور. قَالَ القَاضِي أَبُو عبد الله بن عَسْكَر، صدر كِتَابه الَّذِي وصف فِيهِ مالقة: أما الِاسْم المنطلق على جَمِيع الكورة فِرْيَة؛ وأظنها اسْما عجمياً. والري عِنْدهم الْملك وَنَحْوه؛ وَلِهَذَا الِاسْم تُوجد فِي كتب الْأَعَاجِم. وَكَانَ ابْن الْحسن الْمُتَقَدّم الذّكر من أَصْحَاب الْمَنْصُور، الملازمين لَهُ فِي أَسْفَاره، لم يخْتَلف عَنهُ فِي غَزَوَاته إِلَى بلد، مُدَّة حَيَاته، معقوداً لَهُ على جند بَلَده، مُعظما فِي قطره، مرجوعاً إِلَى نظره؛ وَكَانَ كثير البدار إِلَى ملاقاة الْعَدو بِنَفسِهِ. وَكَانَ هجيراه عِنْد الْقِتَال
стр. 83
قَول رَسُول الله ﷺ ﴿: لَا يجْتَمع كَافِر وقاتله فِي النَّار أبدا﴾ وَاسْتشْهدَ ﵀ فِي غَزْوَة جربيرة الْمَشْهُورَة، فِي جملَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين؛ وَكَانُوا نَحْو ثمانمائه فَارس: قتل فيهم رُؤَسَاء الْعَسْكَر، مثل يحيى بن مطرف، وقاسم بن مَنْصُور، وَالْكثير من وُجُوه النَّاس. ثمَّ نصر الله جنده وَعَسْكَره؛ فَحسن الظَّن وحقق الرَّجَاء، ومنح عبَادَة الظفر، بعد الْيَأْس مِنْهُ. قَالَ أَحْمد بن سعيد: وَذَلِكَ بِرَأْي رأه الْمَنْصُور بن أبي عَامر. وَهُوَ أَن عهد وشدد فِي نقل الْمحلة إِلَى ربوة مشرفة، أشرف مِنْهَا على جَمِيع النَّصَارَى؛ فَلَمَّا رأى النَّاس شخصه فِي أَعْلَاهَا، وَعَلمُوا مَكَانَهُ، رجحوا ظنونهم، مَعَ مَا ألْقى الله تَعَالَى فِي قُلُوب الرّوم من الرعب، وَأَن الْمُسلمين فِي قُوَّة، والمدد يَأْتِيهم، والأجناد تتكافل عَلَيْهِم؛ فَانْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا؛ وتبعهم الْمُسلمُونَ نَحْو عشرَة أَمْيَال، واستولوا على محلتهم. وَعند ذَلِك كتب الْمَنْصُور كِتَابه الْمَشْهُور إِلَى من فرَّ عَنهُ من جنود، يوبخهم. وَمن فصوله مَا نَصه: وَكَثِيرًا مَا فرط من قَوْلكُم، وَسبق من عزمهم، إِنَّكُم تجهلون قتال المعاقل والحصون، وتشتاقون ملاقاة الرِّجَال على العجول. فحين جَاءَكُم شانجه بالأمنية، وقاتلكم بالشرطية، وَظَهَرت لكم رعلة الطَّائِفَة النَّصْرَانِيَّة، أنكرتم مَا عَرَفْتُمْ، ونفرتم مَا ألفتم، حَتَّى فررتم فرار اليعافير من آساد الغيل، وأجفلتم إجفال الرئال عَن المقتنصين ﴿فألحقتم الْعَار بِأَنْفُسِكُمْ، بعد اخْتِيَاري لكم؛ وطرقتم الشَّرّ على أَعْنَاقكُم، وضيعتم حرماتكم، وأحضرتم ذمتكم؛ فَلَا نعمتي رعيتم، وَلَا تزييني حفظتم، وَلَا وُجُوهكُم أبقيتم، وَلَا غضب الله وَرَسُوله أتقيتم﴾ فقد قَالَ الله : " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ﴿إِذا لَقِيتُم فِئَة، فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا؛ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ " وَقَالَ: " وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفاً لقِتَال، أَو متحيزاً إِلَى فِئَة، فقد بَاء بغضب من الله؛ ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير ﴿" فَفِيمَ وَلم كَانَ انحيازكم، أشكاً فِي وعد ربكُم؟ أم خوراً فِي أصل طبعكم؟ أم عَجزا عَن دفع باطلهم بحقكم؟ مَا كَانَ إِلَّا لسفه أحلامكم وَسُوء نظركم فِي عَاقِبَة أُمُوركُم﴾ يَا أَحْلَام الْأَطْفَال، وأخلاق الرِّجَال! أنجوتم إِلَى دَار الفناء، الَّتِي لَا تَنْقَطِع همومها
стр. 84
وَلَا ترْتَفع غمومها؟ وتركتم النُّزُوع إِلَى دَار الْبَقَاء، الَّتِي لَا ينصرم نعيمها؟ لَوْلَا رجال من الله صدقُوا، فَرَفَضُوا عَنْكُم الْعَار بجلادهم وحرروا رِقَابكُمْ من الذل بجهادهم، وبذلوا فِي الله مَا بذلوا بِحكم الْقُرْآن، وَالرِّعَايَة لذمم الدّين وَالسُّلْطَان، لبرئت من جماعتكم، وأوجبت الْمُؤَاخَذَة على كافتكم، وَخرجت الإِمَام وَالْأمة عَن عهدتكم، وَنَصَحْت الْمُسلمين فِي الِاسْتِبْدَال مِنْكُم بغيركم ﴿وَلنْ أعدم من الله الْعلي الْعَظِيم عَاجل نصر وَحسن عُقبى لِعِبَادِهِ المخلصين، وأوليائه الْمُتَّقِينَ﴾ فَلَا بُد أَن ينصر دينه بِمَا شَاءَ " لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ! " وَخلف القَاضِي ابْن الْحسن بعد وَفَاته، فِي مَكَان يَتَوَلَّاهُ، أَخُوهُ أَحْمد بن عبد الله ابْن الْحسن. قَالَ عِيَاض، وَقد ذكر فِي مداركه: سمع من قَاسم بن أصبغ وَغَيره. واستقضى بكورة رية إِلَى أَن توفّي. وَكَانَ مشاوراً. وَكتب عَنهُ فِيمَا قيل. توفّي فِي آخر سنة ٣٩٢.
ذكر القَاضِي ابْن برطال وَالْقَاضِي أبي الْعَبَّاس بن ذكْوَان
وَتقدم بقرطبة قَاضِيا، بعد ابْن زرب، مُحَمَّد بن يحيى بن زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي، الْمَعْرُوف بِابْن برطال، خَال الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر. ثمَّ تلاه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن ذكْوَان، وَتسَمى بقاضي الْقُضَاة. قَالَ ابْن عفيف: وَكَانَ من خير الْقَضَاء نزاهة، وعلماً وَمَعْرِفَة، ورزانة، وعدلاً، وحزامة. وَقَالَ غَيره: كَانَ القَاضِي أَحْمد بن عبد الله فِي ولَايَته موقر الْمجْلس، مهيب الحضرة؛ مَا رَأَيْت مجْلِس قَاض قطّ أوقر من مَجْلِسه. وَكَانَ إِذا قعد للْحكم فِي الْمجْلس، وَهُوَ غاص بأَهْله، لم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم بِكَلِمَة، وَلم ينْطق بِلَفْظَة غَيره وَغير الْخَصْمَيْنِ بَين يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَلَام النَّاس بَينهم إِيمَاء ورمزاً، إِلَى أَن يقوم القَاضِي؛ فَصَارَ حَدِيثه فِي ذَلِك عجبا. وَلَقَد أَتَتْهُ، فِي بعض مجالسه، من الأديب أبي بَحر أنس بن أَحْمد الجياني، داهية لم يبلغهُ بِمِثْلِهَا أحد، لفرط هيبته؛ وَذَلِكَ أَنه كلم بَين يَدَيْهِ خصما لَهُ، كلَاما استطال فِيهِ عَلَيْهِ، بِفضل أدبه، وطلاقة لِسَانه؛ وَفَارق عَادَة الْمجْلس فِي التوقير، فَرفع صَوته، وَعز عطفه
стр. 85
وحسر عَن ساعديه، وَأَشَارَ بيدَيْهِ، مَادًّا لَهما إِلَى وَجه خَصمه، واعياً على الأعوان تَقْدِيمه. فتاوله القَاضِي بِنَفسِهِ، وَأنكر عَلَيْهِ إكثاره، وَقَالَ: مهلا ﴿عافاك الله﴾ اخْفِضْ صَوْتك واقبض يدك ﴿فَقَالَ لَهُ أنس: ومهلاً يَا قَاضِي﴾ أَمن المحذرات أَنا؟ فأخفض صوتي، وأستر يَدي، وأغطي معصمي لديك ﴿أم من الْأَنْبِيَاء أَنْت؟ فَلَا أَجْهَر بالْقَوْل عنْدك﴾ وَذَلِكَ شَيْء لم يَجعله الله تَعَالَى إِلَّا لرَسُول الله ﷺ ﴿لقَوْله تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون. " وَلست بِهِ وَلَا كَرَامَة﴾ وَقد ذكر الله تَعَالَى أَن النُّفُوس تجَادل عِنْده يَوْم الْقِيَامَة فِي الْموقف الَّذِي لَا تعدله مقامات الدُّنْيَا فِي الْجَلالَة والهيبة. قَالَ الله تَعَالَى " يَوْم تَأتي نفس تجَادل عَن نَفسهَا وَتوفى كل نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ ﴿" لقد تعديت، يَا قَاضِي﴾ طورك ﴿وعلوت فِي منزلتك﴾ وَإِنَّمَا الْبَيَان، بِعِبَارَة اللِّسَان، وبالمنطق، يستبين الْبَاطِل من الْحق؛ وَإِنَّمَا البوس، مَعَ النحوس، وَلَا بُد فِي الْخِصَام، من إفساح كَلَام ﴿قَالَ: فبهت القَاضِي بقوله، وأغضى على تقريعه، وَجعل يَقُول: الرِّفْق أولى من الْخرق﴾ وَانْصَرف أنس، وَالنَّاس يعْجبُونَ من صبره لَهُ. قَالَ: وَكَانَ من أرفع خلال القَاضِي ابْن ذكْوَان، صِحَة رَأْيه، وإمحاضه النَّصِيحَة لمن شاوره. ولاه الْقَضَاء الْمَنْصُور بن أبي عَامر؛ وَكَانَ من جلة أَصْحَابه وخواصه؛ وَمحله مِنْهُ فَوق مَحل الوزراء، يفاوضه فِي تَدْبِير الْملك وَسَائِر شَأْنه. قَالَ عِيَاض فِي مداركه: لم يتَخَلَّف عَنهُ فِي غَزْوَة من غَزَوَاته، وَلَا فَارقه فِي ظعن وَلَا إِقَامَة؛ وَكَذَلِكَ كَانَ حَاله مَعَ ولديه المظفر والمأمون بعده: وَقد تيمنوا بِرَأْيهِ، وَعرفُوا النجاح فِي مشورته. وَكَانَ لَهُ بداخل الْقصر بَيت خَاص بِهِ، يَأْتِيهِ آخر النَّهَار؛ فيجلس فِيهِ إِلَى أَن يخرج إِلَيْهِ ابْن أبي عَامر: فيفاوضه فِي جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. وَرُبمَا بَات عِنْده بالنزاهة وخفة الْوَطْأَة، حَتَّى قيل إِنَّه مَا سَأَلَهُ، على مكانته مِنْهُ، حَاجَة لنَفسِهِ وَلَا لغيره بتصريح، مَعَ كَثْرَة مَا انْقَضتْ على يَدَيْهِ من حوائج النَّاس؛ بل كَانَ يعرض مَا يحْتَاج إِلَيْهِ
стр. 86
عرضا بالمنكر والمستحسن، فيستطرد للبحث عَنْهَا. وَلم يزل على هَذَا إِلَى أَن توفّي الْمَنْصُور، وَولى ابْنه المظفر؛ فَزَاد أَثَره، إِلَى أَن فسد مَا بَين القَاضِي وَبَين وَزِير الدولة عِيسَى بن سعيد، بِسَبَب فسخ شِرَاء ضَيْعَة اشْتَرَاهَا عِيسَى من ولد ابْن السَّلِيم السَّفِيه؛ فَقضى ابْن ذكْوَان بردهَا إِلَى السَّفِينَة، وَفسخ بَيْعه. فالتحمت بَينهمَا الْعَدَاوَة، وَعمل عِيسَى فِي طلب ابْن ذكْوَان وُجُوه الْحِيلَة، إِلَى أَن أوقع المظفر بخادمه، الْغَالِب على أمره، طرفَة؛ فسعى بِهِ عِيسَى. وَكَانَت لِابْنِ ذكْوَان من طرفَة ألطف منزلَة. وَنسب عِيسَى طرفَة وَأَصْحَابه إِلَى الْقدح فِي الْملك؛ فَقتل طرفَة فاشتملت التُّهْمَة على ابْن ذكْوَان خَاصَّة؛ فَوجدَ عِيسَى السَّبِيل. وَصرف المظفر أَبَا الْعَبَّاس بن ذكْوَان عَن الْقَضَاء وَالصَّلَاة، وَصرف أَخَاهُ أَبَا حَاتِم عَن الْمَظَالِم؛ وساء رَأْيه فيهمَا. وَولي الْقَضَاء وَالصَّلَاة عبد الرَّحْمَن بن فطيس؛ فَلم يقم، على استقامته واستقلاله، مقَام ابْن ذكْوَان لتبريزه. فحن الْقَضَاء إِلَيْهِ، وأسف النَّاس على فَقده. وَحسن رَأْي عبد الْملك عَمَّا قريب مِنْهُ؛ فصرف أَبَا الْعَبَّاس إِلَى خطته بعد تِسْعَة أشهر من عَزله؛ فازداد رفْعَة إِلَى رفعته، وسمت حَاله عِنْد المظفر، لَا سِيمَا عِنْد اتهامه وزيره عِيسَى عَدو ابْن ذكْوَان بالقدح فِي دولته، وبطش المظفر بِهِ وَقَتله إِيَّاه؛ ففرغ مَكَانَهُ لأبي الْعَبَّاس، واستراح مِنْهُ. فَلم يكن يجْرِي شَيْء من أُمُور المملكة إِلَّا عَن مشورة ابْن ذكْوَان، إِلَى أَن هلك عبد الْملك المظفر، وَولى أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن، فَرفع مَنْزِلَته، وولاه الوزارة مَجْمُوعَة إِلَى قَضَاء الْقُضَاة. وَبَقِي ذَلِك إِلَى أَن انقرضت دولة بني عَامر، بِقِيَام الْمهْدي بن عبد الْجَبَّار المرواني عَلَيْهِم، أول مُلُوك الْفِتْنَة، وأحقد النَّاس على ابْن ذكْوَان لخاصته من العامرية، ناقماً عَلَيْهِ أحكاماً أمضاها عَلَيْهِ فِي قَضَائِهِ، فتوقف عَنهُ لجلالته، وأزال عَنهُ اسْم قَاضِي الْقُضَاة وَاقْتصر بِهِ على قَضَاء الْجَمَاعَة. وعَلى إِثْر ذَلِك قتل الْمهْدي، وَبَايع النَّاس لهشام، خِلَافَته الثَّانِيَة. وَقَامَ وَاضح الصقلبي بأَمْره وحجابته؛ والبرابرة، مَعَ سُلَيْمَان المستعين، يأْتونَ قرطبة، ويرومون دُخُولهَا؛ وَكَانَ ميل النَّاس وَابْن ذكْوَان إِلَى السّلم وَصلح البرابرة؛ فَيُقَال إِن ابْن ذكْوَان نصح لهشام فِي وَاضح؛ فبلغته المناصحة؛ فسعى على بني ذكْوَان بعلة التُّهْمَة فِي الْميل إِلَى البرابرة، وَأَن النَّاس تبع لاشارتهم. فنفذ أَمر هِشَام بإخراجهم عَن الأندلس، ونقيضهم إِلَى العدوة؛ فحملوا إِلَى المرية، وأجيزوا لحينهم
стр. 87
الْبَحْر فِي الْحَال شدَّة ارتجاجه؛ وعنف بهم، وسلبوا دوابهم وثيابهم. فَكتبت سلامتهم، وَخَرجُوا إِلَى وهران؛ وَقَامَت لنكبتهم بقرطبة الْقِيَامَة. ثمَّ قتل وَاضح وَحسن الرَّأْي فيهم، وَوجه عَنْهُم، وعادوا إِلَى وطنهم، إِلَّا أَنهم لم يتعاودوا الْعَمَل، وَلَا تقلدوه، مَعَ تكْرَار الرَّغْبَة لَهُم. وَتَمَادَى أَبُو الْعَبَّاس على حَالَته من السّكُون والانقباض، إِلَى أَن توفّي سنة ٤١٣. ثمَّ تلاه أَبُو حَاتِم أَخُوهُ. ورثى الأديب ابْن الحناط الضَّرِير أَبَا الْعَبَّاس بقصيدة فريدة، أَولهَا: عفاء على الْأَيَّام بعد ابْن ذكْوَان ... وقبحاً لدُنْيَا غيرت كل إِحْسَان سأبكي دَمًا بعد الدُّمُوع بعبرة ... تغير إحساني وتعبر عَن شأني وَإِن حَياتِي الْيَوْم بعد وَفَاته ... دَلِيل بِأَن الْعذر فِي كل إِنْسَان أحقاً سراج الْعلم أخمده الردى ... وَهدم ركن الدّين من بعد شان وغودر فِي دَار البلا علم الْهدى ... فزعزع آساس مضعضع أَرْكَان فشقت عَلَيْهِ المكرمات جيوبها ... وَأَلْقَتْ رُؤُوس الْمجد عَنْهَا محان
ذكر القَاضِي أبي الْمطرف بن فطيس
وَمن الْقُضَاة بعد ابْن ذكْوَان، أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن فطيس. وَقد كَانَ تقلد خطة الْمَظَالِم بِعَهْد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر؛ فَكَانَت أَحْكَامه شداداً، وعزائمه نَافِذَة؛ وَله على الظَّالِمين سُورَة مرهوبة. وشارك الوزراء فِي الرَّأْي؛ إِلَى أَن ارْتقى إِلَى ولَايَة الْقَضَاء بقرطبة، مجمعا إِلَى خطة الوزارة وَالصَّلَاة؛ وَقل مَا اجْتمع ذَلِك لقاض قبله بالأندلس. وَلَقَد بَلغنِي أَن عبد الرَّحْمَن بن بشر، قَاضِي آل حمود، خَاطب ابْن هِشَام، قَاضِي القيروان، فِي بعض مَا يُكَاتب لَهُ الْقُضَاة من أَمر الْحُكُومَة؛ وَكَانَ ابْن بشر مِمَّن احْتمل إِلَى خطة الْقَضَاء خطة الوزارة، وأثبتهما مَعًا فِي العقد
стр. 88
الَّذِي أدرجه فِي كِتَابه إِلَى ابْن هِشَام، مقدما ذكر الوزارة على الْقَضَاء؛ وَذَلِكَ كَانَ رسمها عِنْد مُلُوك بني مَرْوَان؛ فَلَمَّا قَرَأَ العقد، رمى بِالْكتاب وَقَالَ: مَا عهدنا وزراء الْقَوْم تنفذ أحكامهم ﴿وَترك النّظر فِي تِلْكَ الْحُكُومَة. وتعجل مِنْهُ قَاضِي الأندلس مخزاة وهجنة. وَكَانَ لَهُ بداره مجْلِس عَجِيب الصَّنْعَة، حسن الْآلَة، ملبس كُله بالخضرة: جدراته وأبوابه. وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه، وكل ذَلِك متشاكل الصِّفَات، قد ملأَهُ بدفاتر الْعلم ودواوين الْكتب الَّتِي ينظر فِيهَا وَيخرج مِنْهَا؛ وَبِهَذَا الْمجْلس كَانَ أنسه وخلوته ﵀﴾
ذكر القَاضِي يحيى بن وَافد اللَّخْمِيّ
وَمِنْهُم يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن وَافد اللَّخْمِيّ. ولي الْقَضَاء سنة ٤٠١، فاستقل بِهِ خير اسْتِقْلَال، على مَا كَانَ بذلك الزَّمَان من فتن واعتلال. قَالَ ابْن حَيَّان: كَانَ آخر كملاء الْقُضَاة بالأندلس علما، وهدياً، ورجاحة، وديناً؛ جَامعا لخلال الْفضل. تقلد الشورى بِعَهْد العامرية، فَكَانَ مبرزاً فِي أَهلهَا. وتقلد الصَّلَاة بالزهراء مُدَّة، إِلَى أَن استعفاها؟ وَلما قَامَت فتْنَة البرابر، كَانَ ابْن وَافد أحد الْأَشِدَّاء عَلَيْهِم، وأكبر النَّاس نفاراً مِنْهُم؛ فتغلبوا على قرطبة، وخلعوا أميرها؛ وَاشْتَدَّ طَلَبهمْ على القَاضِي، وَقد استخفى؛ فعثر عَلَيْهِ عِنْد امْرَأَة؛ فسيق رَاجِلا، مَكْشُوف الرَّأْس، نَهَارا، يُقَاد بعمامته فِي عُنُقه، والمنادى يُنَادي عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاء قَاضِي النَّصَارَى، ومسبب الْفِتْنَة، وقائد الصَّلَاة ﴿وَهُوَ يَقُول مجاوباً: بل وَالله﴾ ولي الْمُؤمنِينَ، وعدو المارقين ﴿أَنْتُم شَرّ مَكَانا، وَالله أعلم بِمَا تصفون﴾ وَالنَّاس تتقطع قُلُوبهم لما نزل بِهِ؛ فَلَقِيَهُ فِي هَذِه الْحَالة بعض عداهُ؛ فَقَالَ لَهُ: كَيفَ رَأَيْت صنع الله بك؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم قُضَاة ﴿كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطوراً﴾ ولقيه بعض أَصْحَابه، فَقَالَ: نرى أَن أبلغ أَمرك أَبَا الْعَبَّاس بن ذكْوَان؟ فَإِنَّهُ مَقْبُول القَوْل عبد البرابرة فَقَالَ: لَا حَاجَة لي بذلك! فَأدْخل على المستعين سُلَيْمَان بن الحكم فِي تِلْكَ الْحَالة؛ فَأكْثر توبيخه؛ وأغرته بِهِ البرابرة؛ فَأمر بصلبه. فشرع فِي ذَلِك. فوردت عَلَيْهِ شفاعات من الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ
стр. 89
الَّذين لَا يرى ردهم، يرغبون إِلَيْهِ فِي شَأْنه ويقبحون إِلَيْهِ مَا أَمر بِهِ فِيهِ؛ فَرفع عَنهُ الصلب والمثلة، وَأمر بضمه إِلَى المطبق، وتثقيفه. وَكَانَ السُّلْطَان يجْرِي وَظِيفَة على من فِيهِ؛ فَكَانَ ابْن وَافد لَا يَأْكُل مِنْهَا. وَلم يبعد ﵀ ﴿أَن اعتل فِي محبسه؛ فَأخْرج مَيتا فِي نعش، منتصف ذِي الْحجَّة سنة ٤٠٤؛ فَوَضعه الأعوان بالساقية، مَوضِع غسل المجاذم. فاحتمله قوم إِلَى دَار صهره؛ فسد بَابه فِي وَجه النعش، وتبرأ مِنْهُ تقية. سمع الزَّاهِد حَمَّاد بن عمار بالقصة؛ فبادر، وَصَارَ بنعشه إِلَى منرله؛ فَقَامَ بأَمْره. قَالَ صَاحب المدارك. وَكَانَ من عَجِيب الِاتِّفَاق أَن ابْن وَافد كَانَ قد أودع عِنْد هَذَا الصَّالح كَفنه وحنوطه وقارورة من مَاء زَمْزَم لجهازه، فتم مُرَاده. وعدت من كراماته. وَجَاء بنعشه وَصلى عَلَيْهِ فِي طَائِفَة من الْعَامَّة عِنْد بَاب الْجَامِع. ثمَّ سَارُوا بِهِ؛ فَوَارَوْهُ التُّرَاب غفر الله لنا وَله﴾ وعطل سُلَيْمَان بن الحكم، إِمَام البرابرة، خطة الْقَضَاء بقرطبة طول ولَايَته، زاعماً أَنه لم يرتض لَهَا أحدا، لما تأبى عَلَيْهِ وليه أَحْمد بن ذكْوَان من تقليدها؛ فعطل اسْم الْقَضَاء مُدَّة من ثَلَاثَة أَعْوَام وَثَلَاثَة أشهر، إِلَى أَن هلك إِمَام البرابرة فِي محرم سنة ٤٠٤، وَولى عَليّ بن حمود الفاطمي، وَأعَاد رسم الْقَضَاء الَّذِي كَانَ قد عَفا بقرطبة، وأحياه بِأَن ولاه الْفَقِيه المشاور عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَكَانَ آخر قُضَاة الْخُلَفَاء رَحِمهم الله تَعَالَى! وَذَلِكَ سنة ٤٠٧، ايام تغلب ابْن حمود الْمَذْكُور على ملك بني مَرْوَان بالأندلس، وظهوره على آخِرهم سُلَيْمَان بن الحكم صَاحب البرابرة، وَملكه لدار مملكتهم قرطبة. ثمَّ هلك عَليّ بن حمود، وَولى وكانه الْقَاسِم أَخُوهُ؛ فَأمر القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن بشر على مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ من الْقَضَاء لِأَخِيهِ. وَكَذَلِكَ فعل المعتلى بِاللَّه يحيى بن عَليّ لما ولى، تبع رَأْي أَبِيه وَعَمه فِي القَاضِي الْمَذْكُور؛ فأثبته فِي مَكَانَهُ، وَقدم مُحَمَّد بن الْحسن، ولد عمته زَيْنَب شَقِيقَة أَبِيه، قَاضِيا بمالقة أَيْضا؛ وَذَلِكَ سنة ٤٢٦.
стр. 90
ذكر مُحَمَّد بن الْحسن الجذامي النباهي قَاضِي مالقة
ولنذكر الْآن فِي هَذَا الْبَاب نبذاً من أنباء هَذَا القَاضِي، وَكَيْفِيَّة ولَايَته الْقَضَاء، ومحنته. فَنَقُول: هُوَ مُحَمَّد بن الْحسن بن يحيى بن عبد الله بن الْحسن الجذامي النباهي. وَلما عرض عَلَيْهِ الْأَمِير يحيى الْولَايَة، تمنع، وَأظْهر الإباية وَسَأَلَهُ المتاركة بالرحم الَّذِي بَينهمَا. وَاعْتذر بِأُمُور، مِنْهَا صغر سنه، وَأخْبرهُ أَن بِالْمَدِينَةِ من هُوَ أقعد مِنْهُ بِالْقضَاءِ وَأولى بِهِ؛ فَرد عَلَيْهِ اعتذاره، وعزم عَلَيْهِ عزماً أخافه؛ فَإِنَّهُ مد يَده إِلَى سَيْفه وَقَالَ: إِن شِئْت، الْقَضَاء؛ وَإِن شِئْت، هَذَا! مثل مَا فعل الْأَمِير إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ ابْن عَمه القَاضِي عبد الله بن طَالب، حِين اخْتَارَهُ للْقَضَاء بإفريقية، فأباه. وَعند مَا شَاهد ابْن الْحسن من عزم المعتلى مَا شَاهده، قبل الْولَايَة على شُرُوط، مِنْهَا أَن يسْتَخْلف عَنهُ من يظْهر لَهُ مَتى احْتَاجَ إِلَى ذَلِك، وَإِن كَانَ مُقيما بقصره؛ وَإِن ينْفَرد يَوْمَيْنِ من كل جُمُعَة برسم تفقد أملاكه، وَالنَّظَر فِي مصَالح نَفسه الْخَاصَّة بِهِ؛ وَأَن يكون لَهُ النّظر على وُلَاة الكورة وَسَائِر المشتغلين بهَا، حَتَّى لَا يجْرِي حيف على أحد، فِي نَاحيَة من نَوَاحِيهَا، وَلَا يَقع فِيهَا نصرف لحَاكم فِي أمرهَا إِلَّا عَن إِذْنه. فأنفذ ذَلِك كُله وأمضاه. وَمَا كَانَ قَصده، على مَا قيل عَنهُ، إِلَّا إبعاده الكلفة عَن نَفسه، وطمعه، عِنْد الِاشْتِرَاط فِي تَركه. وَكَانَ حازماً، صَارِمًا، عدلا فِي أَحْكَامه، جزلاً. وَبَقِي على حَالَته إِلَى أَن قتل الْأَمِير يحيى الملقب بالمعتلى بِظَاهِر قرمونة، وَتَوَلَّى الْأَمر بعده وَلَده حسن؛ وحاجبه بجاء الصقلبي، ووزيره أَبُو مُحَمَّد اللسطيفي؛ فاستعفى ابْن الْحسن من الْقَضَاء، وَذهب إِلَى الْعُدُول عَن طَرِيق الْحَاجِب والوزير، لما رَآهُ فِي الدولة من الِاضْطِرَاب. وَفِي أثْنَاء ذَلِك، توفّي حسن الْأَمِير، وَأَرَادَ نجاء بَقَاء الْأَمِير باسم ابْن صَغِير كَانَ لَهُ؛ فَمَاتَ لحينه. وَيُقَال إِن نجاة قَتله وَأجْمع على نَحْو أَمر الحسنين وَأَن يضْبط هُوَ الْبَلَد لنَفسِهِ؛ فَدَعَا لذَلِك البربر، وهم كَانُوا أَكثر الأجناد؛ فساعدوه فِي الظَّاهِر؛ وَعظم ذَلِك عَلَيْهِم. ثمَّ إِن الْحَاجِب ترك اللسطيفي بمالقة، وَتوجه إِلَى الجزيرة ليملكها؛ فَلم يتَّفق لَهُ ملكهَا؛ فَرجع إِلَى مالقة.
стр. 91
فَلَمَّا كَانَ بقرية فرت بعون، قتل الْجند نجاء، وَقَطعُوا رَأسه؛ وَسبق مِنْهُم فرسَان إِلَى مالقة؛ فَقَالُوا: جِئْنَا للوزير لنأخذ مِنْهُ الْبُشْرَى بِدُخُول نجاء الجزيرة. فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ، وضعُوا فِيهِ سيوفهم، وقتلوه، وَاسْتَخْرَجُوا إِدْرِيس بن يحيى من محبسه إِذْ كَانَ معتقلاً هُنَالك من قبل الْحَاجِب والوزير. وَبَايَعَهُ النَّاس، وَتسَمى بالعالي بِاللَّه، الظَّاهِر بِأَمْر الله. قَالَ القَاضِي أَبُو عبد الله بن عَسْكَر، وَقد ذكر فِي كِتَابه هَذَا الْأَمِير: وَكَانَت بيعَته يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر خلون من جُمَادَى الْأَخِيرَة من سنة ٤٣٤. وَكَانَ نبيه الْقدر رفيع الذّكر رَحِيم الْقلب يتَصَدَّق كل يَوْم جُمُعَة بِخَمْسِمِائَة دِينَار ورد كل مطرود عَن وَطنه إِلَى مَحَله، وَلم يسمع بغياً فِي أحد من رَعيته. وَكَانَ أديب اللِّقَاء، حسن اللبَاس، يَقُول من الشّعْر الأبيات الحسان. ثمَّ قَالَ ابْن عَسْكَر: قدم للْأَحْكَام بمالقة الْفَقِيه أَبَا عبد الله بن الْحسن. ووقفت على كتاب تَقْدِيمه بأيدي عقبه، ابتداؤه بعد الْبَسْمَلَة: هَذَا كتاب أَمر بِهِ، وأنفذه، وأمضاه من عَهده، وأحكمه الامام أَمِير الْمُسلمين، عبد الله العالي بِاللَّه، الظافر بحول الله، إِدْرِيس بن المعتلى بِاللَّه أَعلَى الله أمره وأعز نَصره ﴿للوزير القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن وَفقه الله﴾ قَلّدهُ بِهِ الْقَضَاء بَين الْمُسلمين بِمَدِينَة مالقة حرسها الله ﴿وأعمالها. وَهُوَ كتاب كَبِير فِي رق، وتاريخه فِي إِحْدَى عشرَة لَيْلَة من ربيع الأول سنة ٤٤٥؛ وَعَلِيهِ توقيع العالي بِخَط يَده، نَصه: ينفذ هَذَا وَيعْمل عَلَيْهِ﴾ وَالله الْمُوفق ﴿وَهُوَ الْمُسْتَعَان﴾ قَالَ ابْن عَسْكَر: وَكَانَ الْحَاجِب المظفر أَبُو مَسْعُود باديس بن حبوس بن ماكسن ابْن زيري بن مُنَاد الصنهاجى، صَاحب غرناطة، يَدْعُو للعلويين الَّذين بمالقة؛ فَلَمَّا توفّي إِدْرِيس بن يحيى العالي، طمع فِي مالقة، فنزلها بجيشه؛ وَكَانَت بهَا فتنه. ثمَّ دَخلهَا يَوْم الثُّلَاثَاء منسلخ ربيع الآخر سنة ٤٤٨، فملكها. وَقدم القَاضِي ابْن الْحسن الجذامي، المشتهر عقبه الْآن ببني النباهي للْقَضَاء والوزارة، على مَا كَانَ فِي أَيَّام العالي، ثمَّ إِن باديس خرج عَن ملك مالقة إِلَى وَلَده الملقب بِسيف الدولة بلقين، ورشحه للولاية من بعده، وَحمله على مجاملة القَاضِي بهَا، والمعاهدة لَهُ بسنى إلطافه؛ فَعمل بِحَسب ذَلِك. وَمن جملَة مكتوباته لَهُ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم! هَذَا مَا الْتَزمهُ، واعتقد الْعَمَل وَالْوَفَاء
стр. 92
بِهِ، بلقين بن باديس، للوزير القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن سلمه الله ﴿واعتقد بِهِ إِقْرَاره على خطة الْقَضَاء والوزارة، فِي جَمِيع كورة رية، وَأَن يجْرِي من الترفيع بِهِ، وَالْإِكْرَام لَهُ إِلَى أقْصَى غَايَة، وَأَن يجرى على الْجِزْيَة فِي جَمِيع أملاكه بكورة رية حاضرتها وباديتها، الموروثة مِنْهَا، والمكتسبة الْقَدِيمَة الِاكْتِسَاب والحديثة، وَمَا ابْتَاعَ مِنْهَا من العالي ﵀﴾ وَغَيره، لَا يلْزمهَا وَظِيفَة بِوَجْه، وَلَا يُكَلف عَنْهَا كلفة على حَال، وَأَن يجرى فِي قرَابَته، وخوله، وحاشيته، وعامرى ضيَاعه، على الْمُحَافظَة وَالْبر وَالْحريَّة وَأقسم على ذَلِك كُله بلقين بن باديس بِاللَّه الْعَظِيم وَبِالْقُرْآنِ الْحَكِيم. وَأشْهد الله على نَفسه وعَلى الْتِزَامه لَهُ، وَكفى بِاللَّه شَهِيدا! وَكتب بِخَط يَده فِي مستهل شهر رَمَضَان سنة ٤٤٩. وَالله الْمُسْتَعَان. واستمرت إِمَارَة بلقين بمالقة إِلَى عَام ٤٥٦؛ فَتوفي بهَا من وجع أَصَابَهُ. وعادت الْمَدِينَة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من إيالة المظفر وَالِده؛ فَزَاد ابْن الْحسن أَثَرَة إِلَى أثرته، وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء حَضرته؛ ورام نقلته من عَادَته فِي ترك الجراية المتعارفة لأمثاله من الْقُضَاة؛ فَثَبت على حَالَته، وَلم يَأْخُذ على الْقَضَاء رزقا من بَيت المَال مُدَّة حَيَاته. وَكَانَ عَن التعال بالمرتب فِي غناء، لِكَثْرَة مَاله، وَلما تقدم من إرفاقه بتحرير أملاكه؛ وَكَانَت من الْكَثْرَة بِحَيْثُ ناهز أَمْلَاك صَاحبه القَاضِي بإشبيلية، إِسْمَاعِيل نب مُحَمَّد بن عباد؛ وَرُبمَا زَاد خَارجه، وَلَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى النَّفَقَات وَالصَّدقَات: فَإِنَّهُ كَانَ يصنع الدَّعْوَات الواسعة، ويحضرها شُيُوخ وقته من الْفُقَهَاء والأماثل: فيوليهم إِكْرَاما، ويوسعهم إطعاماً. وَكَانَ فِي كل رَمَضَان يحذو حَذْو صهره القَاضِي بقرطبة أَحْمد بن زِيَاد؛ فيدعو بدار لَهُ، تجاور الْمَسْجِد عشرَة من الْفُقَهَاء، فِي طَائِفَة من وُجُوه النَّاس، يفطرون كل لَيْلَة عِنْده، ويتدارسون كتاب الله بَينهم، ويتلونه. وَكَانَ يذهب مَذْهَب الْعَبَّاس بن عِيسَى، أحد أَشْيَاخ أبي مُحَمَّد ابْن أبي زيد، أَن يَنْوِي الْإِنْسَان فِي كل تطوع وَصِيَّة يُوصي بهَا، وَصدقَة برد التَّبعَات المحصولة، لِأَن ردهَا أوجب من التَّطَوُّع؛ وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَوَات: إِذا أحب أَن يتَنَفَّل، صلى صَلَاة يَوْم، وَنوى بهَا الْخمس تكون قَضَاء عَمَّا لَا يدْرِي أَنه فرط فِيهِ أَو فسد عَلَيْهِ. وَكَانَ فِي قَضَائِهِ مَاضِيا، مهيباً، صَلِيب الْقَنَاة، قَلِيل المداراة فِي الْحق، لَا يقْضِي على هناة، وَلَا يخَاف لومة لائم.
стр. 93
وَجَرت عَلَيْهِ بِسَبَب ذَلِك عظائم، آخرهَا مَا حَكَاهُ الْأَمِير عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس فِي كِتَابه الْمُسَمّى: التِّبْيَان عَن الْحَادِثَة الكائنة بدولة بني زيري فِي غرناطة. فَقَالَ عَن جده السُّلْطَان المظفر باديس إِنَّه كَانَ قد ولج إِلَى القَاضِي أبي عبد الله ابْن الْحسن النباهي، فِي أُمُور مالقة، قليلها وكثيرها. وَكَانَ ابْن السقاء صَاحب قرطبة قد نقل إِلَيْهِ عَنهُ أَن المظفر أَرَادَ أَن يوليه قَصَبَة مالقة، لَوْلَا مَا أَشَارَ القَاضِي بِخِلَاف ذَلِك؛ فحقد عَلَيْهِ ذَلِك. وَكَانَ بمالقة رجل غَرِيب، يعرف بِابْن البزلياني، طمع فِي توليه الْقَضَاء، وَقَامَ فِي باله أَنه، لَو فقد النباهي، لم يُوجد للْقَضَاء غَيره. وَكَانَ حسن صَاحب الدبوس أَمينا للمظفر على الذَّخَائِر، قد أشربت نَفسه خوف القَاضِي؛ فاتفق رأىُ جَمِيعهم على قتل عِنْد ابْن الفاسي بقرطبة؛ وَكَانَ الْمَذْكُور يرِيه الصداقة والتخدم لإرادته. وَكَانَت للْقَاضِي ضَيْعَة بقرطبة، كثيرا مَا يتَصَرَّف إِلَيْهَا؛ وَابْن الفاسي يتَوَلَّى إصلاحها. فَلَمَّا أَتَى قدره، مضى على عَادَته لجِهَة قرطبة، وَنزل بقريته؛ فهبط إِلَيْهِ ابْن الفاسي، يَقُول لَهُ: شرفني، يَا سَيِّدي ﴿بالطلوع إِلَيّ، وَالْقَبُول لضيافتي﴾ وَمَا هِيَ إِلَّا من مَالك ومتاعك فِي الْحَقِيقَة! فطلع هُوَ وَمن كَانَ مَعَه من الْفُقَهَاء، مِنْهُم الأديب غَانِم؛ فَلَمَّا تمّ بِالطَّعَامِ، أَرَادَ الِانْصِرَاف؛ وَابْن الفاسي قد هيأ لَهُ سوداناً، متأهبين لأَخذه، فبادروا بِهِ، وخنقوه؛ وَأطلق الأخرين. وَعدد عَلَيْهِ قبل ذَلِك مَا أفْسدهُ من تَوليته مالقة. ويحكى أَن القَاضِي الْمَذْكُور سمع صَوتا، فِي بعض زَوَايَا بَيته، نَهَارا؛ وَلم ير شخصا قبل الَّذِي حل بِهِ من هَاتِف، يَقُول لَهُ بِصَوْت ضَعِيف: قل للوزير القَاضِي النباهي: ... هَل تَسْتَطِيع دفاع أمره الله؟ فجزع لذَلِك جزعاً شَدِيدا، وَلم يدر من أَيْن يُؤْتى؛ وتكرر عَلَيْهِ الصَّوْت ثَلَاث مَرَّات. ونافق بعد ذَلِك ابْن الفاسي بقرطبة، وَمضى إِلَيْهِ المظفر بِنَفسِهِ، وعبأ أَمْوَاله، وَجمع عسكره، وَنزل عَلَيْهَا؛ فَأحْسن ابْن الفاسي بميل الْجند إِلَى الرئيس، وَخَافَ على نَفسه؛ فَخرج من الْحصن على غَفلَة، وَدخل فِي قِطْعَة من الْبَحْر، وفر بِنَفسِهِ. وَصَارَ المعقل إِلَى الْحَاجِب، وثقفه بعد إِنْفَاق كثير عَلَيْهِ، وامتحن قَضِيَّة القَاضِي؛ فَأعْلم بسعي صَاحب الدبوس فِيهَا؛
стр. 94
فَأمر بقتْله وَقتل ابْنه، أخذا بثأر قاضيه، إِذْ كَانَ لَهُ ناصحاً، وعَلى دولته مشفقاً. هَذَا مَا حَكَاهُ الْأَمِير أَبُو مُحَمَّد؛ وَمن خطه الْمَنْسُوب لَهُ نقلت. قَالَ غَيره: وَكَانَ مقتل القَاضِي أبي عبد الله بن الْحسن فِي عَام ٤٦٣. وَذكر ابْن عَسْكَر فِي مصنعه عَنهُ، عِنْد ذكر وَلَده، أَنه استقضى بغرناطة أَيْضا. وَالظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ على إِثْر وَفَاة سيف الدولة. وَقد مضى الْقَاتِل والمقتول، وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم!
ذكر القَاضِي إِسْمَاعِيل بن عباد وَابْنه مُحَمَّد
وَمن الْقُضَاة بإشبيلية، أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن عباد اللَّخْمِيّ الإشبيلي. قَالَ ابْن حَيَّان: كَانَ حسن الْمعرفَة بِقطع من الشّعْر، صَالح النّظر فِي الْفِقْه، عَالما، كَاتبا، حَلِيمًا، أديباً، حسيباً، وافر النَّفَقَة، ذكرُوا أَن أملاكه كَانَت ثلث كورته، قديم الجاه على سُلْطَان الأندلس من العامرية، مشتغلاً لَهُم بالأمور الْعَظِيمَة. فولى قَضَاء بَلَده وَعَمله مُدَّة. ثمَّ صرف عَنهُ، أَيَّام المظفر عبد الْملك، عِنْد ارتياده للْقَضَاء أهل السَّلامَة بِرَأْي ابْن ذكْوَان؛ فاستقدم إِلَى قرطبة. وَولى مَكَانَهُ أَبُو عمر بن الْبَاجِيّ نَحْو سنة؛ فَلم يجدوه فِي أُمُورهم، وَلَا قَامَ لَهُم مقَامه؛ فاضطروا إِلَيْهِ وردوه إِلَى عمله وصرفوا الآخر صرفا جميلاً. وَلزِمَ ابْن عباد عمله؛ ثمَّ قعد عِنْد الْقَضَاء، وَتُوفِّي سنة ٤١٠. وانتصب لرياسة مَكَانَهُ ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد؛ وَكَانَ جزلاً، ذَا أدب ومروءة؛ ولاه الْقَاسِم بن حمود الْقَضَاء. مَكَان أَبِيه؛ فَبعد صيته. وَكَانَ مِمَّن اعتنى بِالْعلمِ، إِلَى أَن ثار بِبَلَدِهِ بعد اضْطِرَاب بني حمود؛ فثار بِهِ، وَحَازَ رياسته، وأورثها عقبَة؛ فَجَاءُوا بعد من أجل الْمُلُوك بالأندلس، إِلَى أَن أخرجهم عَنْهَا المرابطون سنة ٤٨٤. قَالَ ابْن أبي الْفَيَّاض: وَكَانَ سَبَب ثورة ابْن عباد خلع أهل إشبيلية الْقَاسِم بن حمود؛ وَذَلِكَ أَنه، لما خرج الْقَاسِم من قرطبة، أرسل إِلَى إشبيلية إِلَى ابْنه فِي إخلاء ألف وَخَمْسمِائة دَار لوجوه البربر، فعز ذَلِك على أهل إشبيلية، فَاجْتمعُوا على أَن يضبطوا مدينتهم، ويخلعوا طَاعَة الْقَاسِم.
стр. 95
ذكر القَاضِي أبي الْوَلِيد سُلَيْمَان الْبَاجِيّ
وَمن الْقُضَاة بِبِلَاد شَرق الأندلس، أَبُو الْوَلِيد سُلَيْمَان بن خلف الْبَاجِيّ. قَالَ عِيَاض فِيهِ: جال بِبِلَاد الْمشرق نَحْو ثَلَاثَة عشر عَاما، وَكَانَ يصحب الرؤساء، وَيقبل جوائزهم، فَكثر الْقَائِلُونَ فِيهِ من أجل ذَلِك. ولي قَضَاء مَوَاضِع من الأندلس تصغر عَن قدره، فَكَانَ يبْعَث إِلَيْهَا خلفاء، وَرُبمَا قَصدهَا بِنَفسِهِ. وَمن شعره: إِذا كنت أعلم علما يَقِينا ... بِأَن جَمِيع حَياتِي كساعه فَلم لَا أكون ضنيناً بهَا ... وأجعلها فِي صَلَاح وطاعه وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد هَذَا من الْقَوْم الَّذين سما ذكرهم بعد وفاتهم، وانقضاء أمد حياتهم؛ فبهرت ولايتهم، واشتهرت فِي الْآفَاق درايتهم. وَمِنْهُم كَانَ القاضيان أَبُو بكر ابْن عبد الله بن الْعَرَبِيّ، وَأَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى الْيحصبِي؛ فجرت عَلَيْهِمَا محن، وأصابتهما فتن، وَمَات كل وَاحِد مِنْهُمَا مغربا عَن أوطانه، مَحْمُولا عَلَيْهِ من سُلْطَانه. وَقَالَ بَعضهم: سم ابْن الْعَرَبِيّ، وخنق الْيحصبِي تغمد الله الْجَمِيع برحمته، وَجعل أجورنا موفورة بمنته ﴿
ذكر القَاضِي أبي الْوَلِيد يُونُس بن مغيث
وَمِنْهُم يُونُس بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مغيث، يكنى أَبَا الْوَلِيد. قَلّدهُ الْخَلِيفَة هِشَام ابْن مُحَمَّد المرواني الْقَضَاء سنة ٤١٩، وَهُوَ شيخ قد زَاد على الثَّمَانِينَ؛ وَهُوَ ذُو ذهن ثَابت، جزل الخطابة، حَاضر المذاكرة؛ وَله كتب حسان فِي الزّهْد والدقائق. قَالَ ابْن بشكوال، وَقد ذكره فِي صلته قَالَ: صَاحبه أَبُو عمر بن مهْدي، وقرأته بِخَطِّهِ: كَانَ نفع الله بِهِ﴾ من أهل الْعلم بالفقه والْحَدِيث، كثير الرِّوَايَة، وافر الْحَظ،
стр. 96
قَائِلا للشعر النفيس فِي مَعَاني الزّهْد وَمَا شابهه، بليغاً فِي خطبَته، كثير الْخُشُوع فِيهَا، لَا يَتَمَالَك من سَمعه من الْبكاء مَعَ الْخَيْر وَالْفضل، والزهد فِي الدُّنْيَا، والرضى مِنْهَا باليسير؛ مَا رَأَيْت فِيمَن لقِيت من شيوخي، من يضاهيه فِي جَمِيع أَحْوَاله. كنت، إِذا ذاكرته شَيْئا من أُمُور الْآخِرَة، رأى وَجهه يصفر ويدافع الْبكاء مَا اسْتَطَاعَ، وَرُبمَا غَلبه؛ فَلَا يقدر أَن يمسِكهُ. وَكَانَ الدمع قد أثر فِي عَيْنَيْهِ وَغَيرهمَا، لِكَثْرَة بكائه. وَكَانَ النُّور بادياً على وَجهه. وَكَانَ قد صحب الصَّالِحين، ولقيهم من حدثانه؛ مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ لأخبارهم وحكاياتهم. وَمن تآليفه: كتاب فَضَائِل المنقطعين إِلَى الله. توفّي ﵀! لليلتين بَقِيَتَا من رَجَب سنة ٤٢٩.
ذكر القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن مَنْظُور
وَمن الْقُضَاة بقرطبة، مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى بن مَنْظُور الْقَيْسِي من أهل إشبيلية، يكنى أَبَا بكر. روى بِبَلَدِهِ عَن الْفَقِيه الزَّاهِد أبي الْقَاسِم بن عُصْفُور الْحَضْرَمِيّ، وَأبي بكر ابْن عبد الرَّحْمَن العواد، وَغَيرهمَا. واستقضاه الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد بقرطبة. وَكَانَ حسن السِّيرَة فِي قَضَائِهِ، عدلا فِي أَحْكَامه. وَلم يزل متولى الْقَضَاء بهَا إِلَى أَن توفّي، فِي غرَّة جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة ٤٦٤. ذكره ابْن بشكوال.
ذكر القَاضِي أبي الْأَصْبَغ عِيسَى بن سهل
وَمن الْقُضَاة بغرناطة، أَيَّام دولة الصناهجة، الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْأَصْبَغ عِيسَى بن سهل بن عبد الله الْأَسدي. ذكره ابْن بشكوال؛ فَقَالَ فِيهِ: سكن قرطبة. وَأَهله من جيان، من وَادي عبد الله من عَملهَا. روى عَن أبي مُحَمَّد مكي بن أبي طَالب، وَأبي عبد الله بن عتاب الْفَقِيه وتفقه مَعَه، وانتفع بِصُحْبَتِهِ وَعَن أبي عمر بن الْقطَّان، وَأبي مَرْوَان بن مَالك، وَأبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَابْن شماخ، وَأبي زَكَرِيَّاء القليعي وَغَيرهم. وَكَانَ من جلة الْفُقَهَاء، وكبار الْعلمَاء، حَافِظًا للرأي، ذَاكِرًا للمسائل، عَارِفًا
стр. 97
بالنوازل، بَصيرًا بِالْأَحْكَامِ، مُتَقَدما فِي مَعْرفَتهَا. وَجمع فِيهَا كتابا حسنا مُفِيدا، يعول الْحَاكِم عَلَيْهِ. وَكتب للْقَاضِي أبي زيد الحشاء بطليطلة؛ ثمَّ للْقَاضِي أبي بكر بن مَنْظُور بقرطبة. وَتَوَلَّى الشورى بهَا مُدَّة. ثمَّ ولي الْقَضَاء بالعدوة. ثمَّ استقصى بغرناطة. وَتُوفِّي مصروفاً عَن ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة، وَدفن فِي يَوْم السبت الْخَامِس من الْمحرم سنة ٤٨٦. وَمن الْكتاب الْمُسَمّى بالتبيان عَن الْحَادِثَة الكائنة بدولة بني زيري فِي غرناطة، تصنيف أميرها عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، وَقد تكلم فِي أَمر المرابطين؛ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إِن أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تأشفين، لما اسْتَقر بسبته، يروم عبور الْبَحْر برسم الْجِهَاد فِي الأندلس، وَجه إِلَيْهِ الْأَمِير عبد الله الْمُتَقَدّم الذّكر قاضيه ابْن سهل رَسُولا، فِي معرض الهناء لَهُ، والتلقي بالرحب، والإعلام عَن الْأَمِير الَّذِي أرْسلهُ بالمسارعة إِلَى مَا يذهب إِلَيْهِ فِي جهاده؛ فقابله بالمبرة والكرامة، وَقَالَ لَهُ: لست من يُكَلف أحدا فَوق طاقته ﴿دهاء مِنْهُ وحذقاً. وَحين ظهر لِابْنِ سهل، على مَا حَكَاهُ الْأَمِير فِي الْكتاب، مَا تحَققه من خلاف جند مرسله، واختلال أنفس أهل بلدته، قدم بِنَفسِهِ عِنْد يُوسُف بن ناشفين، وتفرب إِلَيْهِ، وأعلمه أَن الْقطر لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ مُخْتَلف. وَلما كَانَ من ظُهُور الْمُسلمين على الرّوم مَا كَانَ، وانقلب الأجناد بعد ذَلِك، ودانوا المرابط بِالطَّاعَةِ، فتملك عز ونعمة، ورجوا أَن يَكُونُوا عِنْده فِي أَعلَى مرتبَة، أهملهم، وَقطع، وَقَالَ: مَا نصحوا مَوْلَاهُم رب الْإِحْسَان عَلَيْهِم﴾ فَكيف يكون حَالهم مَعَ غَيره؟ وعَلى إِثْر ذَلِك أخر ابْن سهل عَن الْقَضَاء، فالتزم دَاره إِلَى وَفَاته تجَاوز الله عَنَّا وَعنهُ، وَغفر لنا وَله!
ذكر القَاضِي مُوسَى بن حَمَّاد
وَمن صُدُور الْقُضَاة، وثقات الروَاة، الشَّيْخ الْفَقِيه الْعدْل النزيه أَبُو عمرَان مُوسَى ابْن حَمَّاد. ولي الْقَضَاء بجهات شَتَّى؛ فحمدت سيرته، وشكرت طَرِيقَته. وَكَانَ شَدِيدا على أهل الْأَهْوَاء، مترفقاً بالضعفاء، متقاضياً عَن هَنَات الْفُقَهَاء؛ وَآخر ولَايَته مَدِينَة غرناطة: استقضاه عَلَيْهَا أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين.
стр. 98
وَمن المرسوم لَهُ عِنْد ذَلِك مَا نَصه: وَبعد، فَإنَّا قد فرغناك بُرْهَة من الدَّهْر لشأنك، وَأَرْسَلْنَا على وَجهه الترفيه زَمَانا من عنانك؛ وَحين علمنَا أَنَّك قد أخذت لحظك من الْإِجْمَاع، وَدَار بتودعك وراحتك دور الْأَيَّام، خيرناك لخطة الْقَضَاء ثَانِيَة بزمانك، وأعدناك إِلَى سيرتك الأولى من لزامك؛ وقلدناك بعد استخارة الْقَضَاء بَين أهل غرناطة وأعمالها أَمنهم الله وحرسها ﴿للثقة المكينة بإيمانك، والمعرفة الثاقبة بمكانك؛ فتقلد معاناً مُسَددًا مَا قلدناك، وانهض نهوض مُسْتَقل بِمَا حملناك؛ وتلق ذَلِك بانشراح من صدرك، وانبساط من نَفسك وفكرك، وقم فِي الْخطْبَة مقَام مثلك مِمَّن استحكمت سنه وَرجح حلمه، وكفه عَن التهافت ورعه وَعلمه. وَلَيْسَ هَذِه بِأول ولايتك لَهَا، فنبتدئ بوصيتك ونعيد، ونأخذ بِالْقيامِ بِحَقِّهَا الْعَهْد الْمُوفق السديد؛ بل، قد سلفت فِيهِ أيامك، وشكر فِيهَا مقامك، واستمرت على سنَن الْهدى أحكامك؛ فَذَلِك الشَّرْط عَلَيْك مَكْتُوب، وَأَنت بِمثلِهِ من إِقَامَة الْحق مَطْلُوب. وَإِنَّا على مَا نعلمهُ من جميل نظرك، واعتدال سيرك، لم نر أَن نقفل توصيتك بحكام الأنظار القاصية عَنْك، والقريبة مِنْك؛ فَلَا تنصر فِيهَا إِلَّا من كثر الثَّنَاء عَلَيْهِ، وأشير بالثقة إِلَيْهِ. ولتكن رقيباً على أَعْمَالهم، وسائلاً عَن أَحْوَالهم؛ فنم بطئ بِهِ سَعْيه، وساء فِيمَا تولاه نظره ورأيه، أظهرت سخطته، وأعلنت فِي النَّاس جرحته. فَذَلِك يعدل جَانب سواهُ، ويشربه النَّصِيحَة فِيمَا يَتَوَلَّاهُ﴾ وتأريخ هَذَا الْمَكْتُوب أَوَائِل شهر رَمَضَان الْمُعظم الَّذِي من عَام ٥٢٤.
ذكر القَاضِي أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن رشد
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَحْمد بن رشد. ذكره ابْن بشكوال فَقَالَ: قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة، وَصَاحب الصَّلَاة بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بهَا؛ يكنى أَبَا الْوَلِيد. روى عَن أبي جَعْفَر أَحْمد ابْن رزق، وتفقه مَعَه، وَعَن أبي مَرْوَان بن سراج، وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن خيرة، وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن فرج، وَأبي عَليّ الغساني؛ وَأَجَازَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس العذري مَا رَوَاهُ. وَكَانَ فَقِيها عَالما، حَافِظًا للفقه، مقدما فِيهِ على جَمِيع أهل عصرهن عَارِفًا للْفَتْوَى على مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه، بَصيرًا بأقوالهم واتفاقهم وَاخْتِلَافهمْ، نَافِذا فِي علم الْفَرَائِض وَالْأَحْوَال، من أهل
стр. 99
الرياسة فِي الْعلم والبراعة والفهم، مَعَ الدّين وَالْفضل وَالْوَقار والحلم، والسمت الْحسن، وَالْهدى الصَّالح. سَمِعت الْفَقِيه أَبَا مَرْوَان عبد الحكم بن مَسَرَّة يَقُول: شاهدت شَيخنَا القَاضِي أَبَا الْوَلِيد يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة فِي الْحَضَر وَالسّفر. وَمن تواليفه كتاب الْمُقدمَات لأوائل كتاب الْمُدَوَّنَة وَكتاب الْبَيَان والتحصيل، لما فِي المستخرجة من التَّوْجِيه وَالتَّعْلِيل، واختصار المبسوطة، واختصار مُشكل الْآثَار للطحاوي، إِلَى غير ذَلِك من تواليفه؛ سمعنَا عَلَيْهِ بَعْضهَا، وَأَجَازَ لنا سائرها. وتقلد الْقَضَاء بقرطبة، وَسَار فِيهِ بِأَحْسَن سيرة، وأقوم طَريقَة. ثمَّ استعفى عَنهُ؛ فأعفى، وَنشر كتبه وتواليفه، ومسائله وتصانيفه. وَكَانَ النَّاس يلجؤون إِلَيْهِ، ويعولون فِي مهماتهم عَلَيْهِ. وَكَانَ حسن الْخلق، سهل اللِّقَاء، كثير النَّفْع لخاصته وَأَصْحَابه، جميل الْعشْرَة لَهُم، حَافِظًا لعهدهم، كثير الْبر بهم. وَتُوفِّي عَفا الله عَنهُ! لَيْلَة الْأَحَد الْحَادِي عشر من ذِي الْقعدَة سنة ٥٢٠؛ وَدفن عشي يَوْم الْأَحَد بمقبرة الْعَبَّاس؛ وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو الْقَاسِم، وشهده جمع عَظِيم من النَّاس. وَكَانَ الثَّنَاء عَلَيْهِ حسنا جميلاً. ومولده فِي شَوَّال سنة ٤٥٠. وَقد كَانَ أَيَّام حَيَاته توجه إِلَى الْمغرب، إِثْر الكائنة الَّتِي كَانَت بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى بالموضع الْمَعْرُوف بالرنيسول، وَذَلِكَ منتصف شهر صفر عَام ٥٢٠. فاستخار القَاضِي أَبُو الْوَلِيد فِي النهوض إِلَى الْمغرب؛ مُبينًا على أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تأشفين بالجزيرة عَلَيْهِ. فوصل إِلَيْهِ؛ فَلَقِيَهُ أكْرم لِقَاء، وَبَقِي عِنْده أبر بَقَاء، حَتَّى استوعب فِي مجَالِس عدَّة إبراد مَا أزعجه إِلَيْهِ، وتبيين مَا أوفده عَلَيْهِ، فَاعْتقد مَا قدره لَدَيْهِ، والفصل عَنهُ، وَعَاد إِلَى قرطبة؛ فوصلها آخر جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة. وعَلى إِثْر ذَلِك أَصَابَته الْعلَّة الَّتِي أضجعته، إِلَى أَن أفضت بِهِ إِلَى قَضَاء نحبه، ولقاء المرتقب من محتوم لِقَاء ربه. وتبارى الأدباء وَالشعرَاء فِي تأبينه، وَحقّ لَهُم ذَلِك ﵁ وأرضاه
стр. 100
﴿
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأنْصَارِيّ المالقي
وَمن الْقُضَاة، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن خَليفَة بن عبد الْوَاحِد الْأنْصَارِيّ، وَمن أهل مالقة، وَجلة علمائها. ولي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ مُدَّة طَوِيلَة؛ فَسَار فِيهِ بأجمل سيرة من الْعَدَالَة والنزاهة؛ وَكَانَ فِي مذْهبه صلباً، ورعاً، زاهداً، متفنناً، أدبياً؛ وَله على كتاب الْمُوَطَّأ شرح كَبِير حسن فقيد، روى على القَاضِي أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ، وَابْن عتاب، وَابْن شماخ وَغَيرهم. ذكره ابْن عَسْكَر فِي كِتَابه؛ ثمَّ قَالَ: وَمن شعره: كَانَ الزَّمَان وَكَانَ النَّاس أشبهه ... فاليوم فوضى فَلَا دهر وَلَا نَاس أسافل قد علت لم تعل من كرم ... ومشرقات الأعالي مِنْهُ أنكاس وَمعنى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ينظر إِلَى قَول لبيد بن ربيعَة فِي بيتيه أَيْضا: ذهب الَّذين يعاش فِي أَكْنَافهم ... وَبقيت فِي خلف كَجلْد الأجرب يتأكلون مذمة وخيانة ... ويعاب قَاتلهم وَإِن لم يشغب وَكَانَ قعُود القَاضِي أبي عبد الله الْمَذْكُور، لتنفيذ الْأَحْكَام، بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور لَهُ من دَاخل مالقة، بِإِزَاءِ قبر كَانَ قد حفره بِالزِّيَادَةِ هُنَالك، وأعده لنَفسِهِ؛ وَفِيه دفن. وَذَلِكَ صدر جُمَادَى الأولى من سنة ٥٠٠ ﵀ وأرضاه﴾ وَذكره خلف بن عبد الْملك ابْن بشكوال فِي صلته؛ وَأثْنى عَلَيْهِ هُوَ وَغَيره.
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن المالقي
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن بن عِيسَى المالقي، يكنى أَبَا عبد الله. أَخذ عَن أهل بَلَده، وَألف كتابا حسنا فِي الزّهْد، سَمَّاهُ المؤنس فِي الْوحدَة، والموقظ من سنة الْغَفْلَة. ولي قَضَاء غرناطة بعد القَاضِي أبي سعيد، وَذَلِكَ سنة ٥١٥ وَكَانَ على الهمة،
стр. 101
شرِيف النَّفس، موفور الْحَظ من الْعلم، عدلا، نزيهاً، سرياً، فَاضلا، جَلِيلًا، بارع الْأَدَب. توفّي سنة ٥١٩. ذكره ابْن عَسْكَر، وَأثْنى على تأليفه الْمَذْكُور. وَذكره ابْن الزبير وَابْن عبد الْملك.
ذكر القَاضِي أبي الْفضل عِيَاض الْيحصبِي
وَمن الْقُضَاة بغرناطة، فِي حُدُود ٥٣٠، عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض الْيحصبِي من أهل سبتة. وَذكره فِي صلته خلف بن عبد الْملك بن شكوال؛ فَقَالَ فِيهِ: يكنى أَبَا الْفضل. قدم الأندلس طَالبا للْعلم؛ فَأَخذه بقرطبة عَن القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن عَليّ بن حمدين، وَأبي الْحُسَيْن سراج بن عبد الْملك بن سراج، وَعَن شَيخنَا أبي مُحَمَّد ابْن عتاب وَغَيرهم. أجَاز لَهُ أَبُو عَليّ الغساني مَا رَوَاهُ. وَأخذ بالشرق عَن القَاضِي أبي عَليّ حسن بن مُحَمَّد الصَّدَفِي كثيرا، وَعَن غَيره؛ وعني بلقاء الشُّيُوخ وَالْأَخْذ عَنْهُم؛ وَجمع من الحَدِيث كثيرا. وَله عناية كَبِيرَة بِهِ، واهتمام بجمعه وتقييده. وَهُوَ من أهل الْيَقِين فِي الْعلم والذكاء واليقظة والفهم. واستقضى بِبَلَدِهِ مُدَّة طَوِيلَة؛ فحمدت سيرته فِيهَا. ثمَّ تولى عَنْهَا إِلَى قَضَاء غرناطة؛ فَلم يطلّ أمده بهَا وَقدم علينا قرطبة فِي ربيع الآخر سنة ٥٣١، وأخذنا عَنهُ بعض مَا عِنْده. وسمعته يَقُول: سَمِعت القَاضِي أَبَا عَليّ حسن بن مُحَمَّد الصَّدَفِي يَقُول: سَمِعت الإِمَام أَبَا مُحَمَّد التَّمِيمِي بِبَغْدَاد يَقُول: مَا لكم تأخذون الْعلم عَنَّا وتستفيدونه منا؟ ثمَّ لَا تترحمون علينا ﴿فرحم الله جَمِيع من أَخذنَا عَنهُ من شُيُوخنَا وَغَيرهم﴾ ثمَّ كتب إِلَى القَاضِي أبي الْفضل بِخَطِّهِ يذكر أَنه ولد فِي منتصف شعْبَان من سنة ٤٧٦. وَتُوفِّي ﵀ بمراكش، مغرباً عَن وَطنه، وسط سنة ٥٤٤. قلت: وَسكن القَاضِي أَبُو الْفضل بمالقة مُدَّة، وتمول بهَا أملاكا، وَأَصله من مَدِينَة بسطة. ذكر ذَلِك حفيده فِي الْجُزْء الَّذِي صنفه فِي التَّعْرِيف بِهِ وبتواليفه وَبَعض أخباره وخطبه تغمدنا الله وأياه برحمه
стр. 102
﴿
ذكر عِيسَى بن الملجوم قَاضِي فاس
وَمن الْقُضَاة، عِيسَى بن يُوسُف بن عِيسَى الأزدى، من أهل مَدِينَة فاس، وَجلة أعيانها، يكنى أَبَا مُوسَى، وَيعرف بِابْن الملجوم. رَحل إِلَى قرطبة عَام ٤٧٥؛ فَأخذ بهَا عَن أبي عَليّ الغساني، وَأبي عبد الله بن فرج بن الطلاع، وَأبي بكر حَازِم. وكر رَاجعا إِلَى بَلَده؛ فولى الْقَضَاء بِهِ. وَكَانَ فَقِيها نزيهاً، عدلا، جزلاً. وَبَقِي قَاضِيا إِلَى أَن توفّي فِي شهر رَجَب عَام ٥٤٣. ذكره ابْن الزبير وَابْن عبد الْملك.
ذكر القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحَاج
وَمِنْهُم، مُحَمَّد بن أَحْمد بن خلف بن إِبْرَاهِيم التجِيبِي، الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاج، قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة؛ يكنى أَبَا عبد الله. روى عَن أبي جَعْفَر أَحْمد بن زرق الْفَقِيه، وتفقه عِنْده؛ وَقيد الْغَرِيب واللغة وَالْأَدب عَن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن سراج، وَسمع من أبي عبد الله مُحَمَّد بن فرج الْفَقِيه، وَمن أبي عَليّ الغساني وَغَيرهم. وَكَانَ من جلة الْفُقَهَاء، وكبار الْعلمَاء، معدوداً فِي الْمُحدثين والأدباء، بَصيرًا بالفتيا، راسماً فِي الشورى؛ وَكَانَت الْفَتْوَى فِي وقته تَدور عَلَيْهِ، لمعرفته، وثقته، وديانته. وَكَانَ معتنياً بِالْحَدِيثِ والْآثَار، جَامعا لَهَا، مُقَيّدا لما أشكل من مَعَانِيهَا، ضابطاً لأسماء رجالها ورواتها، ذَاكِرًا للغريب والأنساب واللغة وَالْإِعْرَاب، وعالماً بمعاني الْأَشْعَار وَالسير وَالْأَخْبَار. قَالَ ابْن بشكوال: قيد الْعلم عمره كُله، وعنى بِهِ عناية كَامِلَة: مَا أعلم أحدا فِي وقته عني كعنايته. قَرَأت عَلَيْهِ، وَسمعت، وَأَجَازَ لي بِخَطِّهِ. وَكَانَ لَهُ مجْلِس بالجامع بقرطبة، يسمع النَّاس فِيهِ. وتقلد الْقَضَاء بقرطبة مرَّتَيْنِ وَكَانَ فِي ذَاته لينًا، صَابِرًا، طَاهِرا، حَلِيمًا، متواضعاً، لم يحفظ لَهُ جور فِي قَضِيَّة، وَلَا ميل بهواة، وَلَا إصغاء إِلَى عناية. وَكَانَ كثير الْخُشُوع وَالذكر لله تَعَالَى. وَلم يزل، آخر عمره، يتَوَلَّى الْقَضَاء بقرطبة، إِلَى أَن قتل ظلما بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بقرطبة، يَوْم الْجُمُعَة، وَهُوَ ساجد لأَرْبَع بَقينَ من صفر من سنة ٥٢٩. ومولده فِي صفر سنة ٤٥٨. وَكتابه من نَوَازِل الْأَحْكَام، المتداول لهَذَا الْعَهْد بأيدي النَّاس، من الدَّلَائِل على تقدمه فِي المعارف وبراعته تغمدنا وإياه برحمته﴾
стр. 103
ذكر القَاضِي أبي الْقَاسِم بن حمدين
وَمن صُدُور الْقُضَاة، أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن حمدين التغلبي، قَاضِي الْجَمَاعَة بقرطبة. ذكره ابْن بشكوال فِي كِتَابه، فَقَالَ فِيهِ: يكنى أَبَا الْقَاسِم. أَخذ عَن أَبِيه، وتفقه عِنْده، وَسمع من أبي عبد الله مُحَمَّد بن فرج، وَأبي عَليّ الغساني، وَأبي الْقَاسِم بن مَدين الْمُقْرِئ، وَغَيرهم. وتقلد الْقَضَاء بقرطبة مرَّتَيْنِ. وَكَانَ نَافِذا فِي أَحْكَامه، جزلاً فِي أَفعاله، وَهُوَ من بَيت علم، وَدين، وَفضل، وجلالة. وَلم يزل يتَوَلَّى الْقَضَاء بقرطبة إِلَى أَن توفّي عشي يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَدفن يَوْم الْخَمِيس لتسْع بَقينَ من ربيع الآخر سنة ٥٢١، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو عبد الله.
ذكر القَاضِي حمدين بن حمدين
وَمِنْهُم حمدين بن مُحَمَّد بن حمدين التغلبي. قَالَ عَنهُ صَاحب الذيل: ولى الْقَضَاء بِبَلَدِهِ، بعد أبي عبد الله بن الْحَاج الشَّهِيد، فِي شعْبَان سنة ٥٢٩. وَكَانَ مقتل ابْن الْحَاج فِي الرَّكْعَة الأولى من صَلَاة الْجُمُعَة. ثمَّ صرف ابْن حمدين بِأبي الْقَاسِم بن رشد سنة ٥٣٢. واستعفى ابْن رشد، فأعفى، وأعيد هُوَ ثَانِيَة. ثمَّ صرفت إِلَيْهِ الرياسة، عِنْد اختلال أَمر المرابطين، وَقيام ابْن قسي عَلَيْهِم بغرب الأندلس، وَهُوَ على قَضَاء قرطبة. ودعى لَهُ بالإمارة، يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس من رَمَضَان سنة ٥٣٩، وَتسَمى بأمير الْمُسلمين الْمَنْصُور بِاللَّه. وَيُقَال إِن ولَايَته كَانَت أَرْبَعَة عشر شهرا. وتعاورته المحن. فَخرج إِلَى العدوة الغريبة، فِي قصَص طَوِيلَة. وَأقَام هُنَالك وقتا. ثمَّ رَحل إِلَى الأندلس؛ فاستقر مِنْهَا بمالقة. وَمن أَسبَاب انحياشه إِلَيْهَا، المواصلة الْقَدِيمَة الَّتِي كَانَت بَين سلفه، وَبَين بني الْحسن من أَهلهَا؛ فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن توفّي عَفا الله عَنَّا وَعنهُ! وَذكره ابْن الزبير، فِي بَاب أَحْمد من حرف الْألف، وَقَالَ فِيهِ مَا حَاصله: روى
стр. 104
عَن سلفه، وَأهل بَلَده؛ وَولي قَضَاء الْجَمَاعَة. وَكَانَ ذَا رِوَايَة، ودراية، وعناية بِالْعلمِ. وبويع لَهُ. فَمَا استقامت لَهُ حَال، وَلَا رضى مِنْهُ ذَلِك الانتحال، إِلَى أَن اسْتَقر بمالقة تَحت إيالة غَيره؛ فَتوفي بهَا سنة ٥٤٧. وَبعد وَفَاته أخرج من قَبره، وصلب فِي اثنى عشر رجلا من أَصْحَابه. وَسَماهُ أَبُو عبد الله بن عَسْكَر فِي تأريخه، وَذكر نبذاً من أخباره، وَأَنه كَانَ يحدث فِي صغره، بِمَا يؤول إِلَيْهِ أمره فِي كبره. وَوصف كَيْفيَّة إِخْرَاجه من قَبره، وصلبه بمالقة، إِثْر الِاسْتِيلَاء على رئيسها أبي الحكم بن حسون وَقَتله، وَإنَّهُ لم يكن لَهُ عقب، وَبَقِي عقب أَخِيه. قَالَ الْمُؤلف أبقى الله بركته ﴿وَعند الْفِتْنَة الأشقيلولية، انْتقل من بقى من بني حمدين من مالقة، فاستقروا بِمَدِينَة سلا من العدوة الغربية حاطها الله تَعَالَى﴾ وَأَعْقَابهمْ بهَا حَتَّى الْآن، تَحت عناية ورعاية. فسبحان مُدبر الْأُمُور، ومداول الْأَيَّام والشهور!
ذكر القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله الوحيدي
وَمِنْهُم، الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر بن أَحْمد الوحيدي، أحد أَعْلَام زَمَانه جلالة، وجزالة، ونباهة، ووجاهة، ولي الْقَضَاء بَريَّة سنة ٥٣١، فَقَامَ بأعبائه أجمل قيام، فَذهب إِلَى انتقاء الشُّهُود، والتسوية فِي الْأَحْكَام بَين الشريف والمشروف، وَأخذ فِي تَجْدِيد مَا كَانَ قد درس من رسم الأحباس، وَتحفظ من جَمِيع النَّاس. واستمرت ولَايَته مُدَّة من نَحْو ثَمَانِيَة عشر عَاما. ثمَّ استشعر من نَفسه قُصُور ملالة، وفتور شاخة؛ فآلى إِلَى الزهادة، وَقبض يَده عَن أَخذ الجراية المتعادة لأمثاله من الْقُضَاة، وَأكْثر من الإفصاح بالإستعفاء، فَترك لشأنه، وَسمع مِنْهُ قَوْله يُخَاطب أحد طلبته: صن الْكتاب وَلَا تَجْعَلهُ منديلاً ... وَلَا يكن صونه للدرس تعطيلا وسل فقيهك فِيمَا أَنْت جاهله ... فَرُبمَا كنت بعد الْيَوْم مسؤولا وَله، يُرَاجع الْخَطِيب ابْن أبي الْعَيْش، وَقد تكلم مَعَه فِي خصومه أحد اللائذين بِهِ:
стр. 105
وهبك الله وأياي من نعْمَة السوابغ الضوافي ﴿وأوردك من نسمَة الْعَذَاب الصوافي﴾ وَلَا زلت بَصيرًا بمكايد النَّاس، خَبِيرا بِظَاء خدعهم، وَلَو كنت فِي الكناس ﴿فَإِنَّهُم، كَمَا تدريهم، يريشهم الْبَاطِل وَيُرِيهمْ، والعاقل يَعِظهُمْ وَلَا يغريهم. وَمثلك من الإخوان، مِمَّن علم تلون الزَّمَان، وَعرف سير الْعَجم وَالْعرب، وَلم يغب عَنهُ الْفرق بَين السّمع وَالضَّرْب. لَا سِيمَا وَالدُّنْيَا الْآن قد صَارَت مكشوفة، وأخلاق أَهلهَا مفصوحة مَعْرُوفَة، فهناك وَجب أَن يعْذر الْمَرْء أَخَاهُ، وينصر مَا قَصده من وهيه وتوخاه، والولى تكفيه الْإِشَارَة، وَإِن قصرت عَن الْغَرَض الْمَطْلُوب الْعبارَة، وَلَقَد أقسم مَا رفع إِلَى ذَلِك الحضم شَاهدا بِدَعْوَاهُ، وَلَا أَخا ارتدع عَن المسارعة إِلَى مَا قَادَهُ إِلَيْهِ هَوَاهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا هُوَ دهر ملامات وشؤوم وَابْتِدَاء عَورَة ولدود خصوم، وَقد رفعت، أَيهَا الْأَخ الْأَمر، إِلَى الَّذِي طَال فِي مثل هَذَا الْعَمَل الْعُمر؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يقْضى بِالْحَقِّ، ويمضي حكمه على جَمِيع الْخلق، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَالسَّلَام. وَأكْثر أَخذه عَن القاضيين أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ، وَأبي الْمطرف الشّعبِيّ. توفّي بعد انْقِطَاعه لِلْعِبَادَةِ، وإيثار الزهادة، وَدفن بِمَسْجِد حكمه، الْمَنْسُوب لَهُ إِلَى هَذَا الْعَهْد، من دَاخل سور مالقة. وَمَشى أَمِير وَطنه فِي جنَازَته على رجله، وَذَلِكَ سنة ٥٤٢.
ذكر القَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي
وَمن الْقُضَاة بإشبيلية، مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي، المكنى بِأبي بكر، من أَهلهَا. رَحل إِلَى الْمشرق سنة ٤٨٥، فَدخل الشأم وَلَقي بهَا أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْوَلِيد الطرطوشي، وتفقه عِنْده. ورحل إِلَى الْحجاز فِي موسم سنة ٤٨٩ وَدخل بَغْدَاد مرَّتَيْنِ، وَصَحب أَبَا بكر الشَّاشِي، وَأَبا حَامِد الطوسي الْغَزالِيّ، وَغَيرهمَا من الْعلمَاء والأدباء، وَأخذ عَنْهُم. ثمَّ صدر عَن بَغْدَاد، وَلَقي بِمصْر والإسكندرية جمَاعَة. ثمَّ عَاد إِلَى الأندلس سنة ٤٩٣. وَكَانَ من أهل التفنن فِي الْعُلُوم، مُتَقَدما فِي المعارف كلهَا، متكلماً فِي أَنْوَاعهَا، حَرِيصًا على نشرها. استقضى بِمَدِينَة إشبيلية؛ فَقَامَ بهَا أجمل قيام.
стр. 106
وَكَانَ من أهل السرابة فِي الْحق، والشدة، وَالْقُوَّة على الظَّالِمين، والرفق بالمساكين. ثمَّ صرف عَن الْقَضَاء وَأَقْبل على نشر الْعلم وبثه. قَالَ الْمُحدث أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك: قَرَأت عَلَيْهِ بإشبيلية؛ وَسَأَلته عَن مولده؛ فَقَالَ لي: ولدت لَيْلَة الْخَمِيس لثمان بَقينَ من شعْبَان سنة ٤٦٨. وَتُوفِّي ﵀! بالعدوة. وَدفن بِمَدِينَة فاس فِي ربيع الآخر سنة ٥٤٣. وَفِي تَكْمِلَة الْمُحدث أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن الْأَبَّار، عَن أبي عبد الله بن مُجَاهِد الاشبيلي الزَّاهِد العابد، أَنه لَازم القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ نَحْو ثَلَاثَة أشهر، ثمَّ تخلف عَنهُ. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: كَانَ يدرس، وَبغلته عِنْد الْبَاب، ينْتَظر الرّكُوب إِلَى السُّلْطَان. وَذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن الزبير فِي صلته وَقَالَ فِيهِ: رَحل مَعَ أَبِيه أبي مُحَمَّد، عِنْد انْقِرَاض الدولة العبادية، إِلَى الْحَج سنة ٤٨٥؛ وَسنة إِذْ ذَاك نَحْو سَبْعَة عشر عَاما. فلقي شُيُوخ مصر وَعدد لنا أُنَاسًا. ثمَّ قَالَ: وَقيد الحَدِيث، وَضبط مَا روى، واتسع فِي الرِّوَايَة، وتقن مسَائِل الْخلاف وَالْأُصُول وَالْكَلَام على أيمة هَذَا الشَّأْن. وَعَاد إِلَى بَغْدَاد بعد دُخُولهَا، وَانْصَرف إِلَى مصر؛ فَأَقَامَ بالإسكندرية؛ فَمَاتَ أَبوهُ بهَا، أول سنة ٤٩٣. ثمَّ انْصَرف إِلَى الأندلس؛ فسكن بَلَده إشبيلية؛ وشوور فِيهِ، وَسمع، ودرس الْفِقْه وَالْأُصُول، وَجلسَ للوعظ وَالتَّفْسِير، وصنف فِي غير فن تسانيف مليحة حَسَنَة، مفيدة. وَولى الْقَضَاء مُدَّة، أَولهَا رَجَب من سنة ٥٣٨؛ فنفع الله لصرامته، ونفوذ أَحْكَامه. وَالْتزم الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، حَتَّى أوذي فِي ذَلِك بذهاب كتبه وَمَاله؛ فَأحْسن الصَّبْر على ذَلِك كُله. ثمَّ صرف من الْقَضَاء، وَأَقْبل على نشر الْعلم وبثه. وَكَانَ فصيحاً، حَافِظًا، أديباً، شَاعِرًا، كثير الْملح، مليح الْمجْلس. ثمَّ قَالَ: قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى وَقد وَصفه بِمَا ذكرته ثمَّ قَالَ: ولكثرة حَدِيثه وأخباره، وغريب حكاياته ورواياته، أَكثر النَّاس فِيهِ الْكَلَام؛ وطعنوا فِي حَدِيثه. وَتُوفِّي مُنْصَرفه من مراكش؛ من الوجهة الَّتِي توجه مِنْهَا مَعَ أهل بَلَده إِلَى الحضرة؛ بعد دُخُول مَدِينَة إشبيلية؛ فحبسوه بمراكش نَحْو عَام؛ ثمَّ سرحوه؛ فَأَدْرَكته منيته بطريقه على مَقْبرَة من فاس بمرحلة؛ وَحمل مَيتا إِلَى مَدِينَة
стр. 107
فاس. فَدفن بهَا بِبَاب الجيسة. قَالَ: وروى عَنهُ الجم الْغَفِير؛ فَمن جملَة من روى عَنهُ، من عُلَمَاء الْمِائَة الْخَامِسَة، القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى، وَأَبُو جَعْفَر بن الباذش، وَطَائِفَة. وَالصَّحِيح فِي القَاضِي أبي بكر أَنه إِنَّمَا دفن خَارج بَاب المحروق من فاس؛ وَمَا وَقع من دَفنه بِبَاب الجيسة وهم من ابْن الزبير وَغلط. وَقد زرناه وشاهدنا قَبره بِحَيْثُ ذَكرْنَاهُ أرضاه الله وَغفر لنا وَله!
ذكر القَاضِي أبي الْمطرف عبد الرَّحْمَن الشّعبِيّ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن قَاسم الشّعبِيّ المالقي. ولي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ نِيَابَة، ثمَّ اسْتِقْلَالا. وَكَانَ عَالما، متفنناً، بَصيرًا بالنوازل، حَافِظًا للمسائل؛ وَعَلِيهِ كَانَت الْفتيا تَدور بقطره، أَيَّام حَيَاته، وَجَرت بَينه وَبَين القَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ، عِنْد اجتيازه على مالقة، مناظرات فِي ضروب من الْعُلُوم. وَكَانَت لَهُ فِي الْأَقْضِيَة مَذَاهِب من الِاجْتِهَاد، لم تكن لغيره من أهل طبقته، وَلَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى راوية أَشهب؛ وَنَظره من ذَلِك أَنه كَانَ يَقُول فِي اللُّصُوص الْمُحَاربين، إِذا أخذُوا وَمَعَهُمْ أَمْوَال؛ فجَاء قوم يدعونَ ملك الْأَمْوَال، وَلَيْسَت لَهُم بَيِّنَة، إِن القَوْل قَوْلهم فِي أَن المَال لَهُم بعد الاستيناء قَلِيلا. وروجع فِي ذَلِك فَقَالَ: المروى عَن مَالك أَنه قَالَ: يقبل قَوْلهم على اللُّصُوص، ودعواهم بِغَيْر بَيِّنَة. وَمَا أَعْطَاهُم مَالك ذَلِك، إِلَّا بسيئة الْحَال الَّتِي عَلَيْهِم من أنفسهم بِالْفَسَادِ؛ فَكَانَت حَالهم السَّيئَة فِي السَّعْي فِي الأَرْض، بِغَيْر الْحق بَيِّنَة عَلَيْهِم. وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول فِي الظَّالِم الْمَعْرُوف بِأخذ أَمْوَال النَّاس، واستباحتها لغير حق؛ ويردد قَول عمر بن عبد الْعَزِيز: تحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور، وَلَا فجور أعظم من الظُّلم والتسلط على أَمْوَال النَّاس وأبشارهم بِغَيْر الْحق؛ وَقد جعل الله عَلَيْهِم بذلك السَّبِيل فَقَالَ: " إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس، ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق ". فَإِذا كَانَ للمظلوم سَبِيل، فَالْقَوْل قَوْله وعَلى الْمُدعى عَلَيْهِ؛ فَإِن الْبَيِّنَة فِي لِسَان الْعَرَب مُشْتَقَّة من الْبَيَان، فكيفما تبين الْأَمر، فَهُوَ بَيِّنَة كُله،
стр. 108
فظلم الظَّالِم بَيِّنَة عَلَيْهِ. أَلا ترى أَن مدعى اللّقطَة إِنَّمَا بَينته الْوَصْف للعفاص والوكاء؟ وَرب رمية من غير رام؟ وإرخاء الستور بَيِّنَة، يجب بهَا للْمَرْأَة أَخذ صَدَاقهَا، وَتصدق فِي دَعْوَاهَا؛ فقد صَار السّتْر بَيِّنَة لَهَا؛ فظلم الظَّالِم يدعى عَلَيْهِ بعد عَزله مَقْبُول عَلَيْهِ من مدعيه، لِأَن ظلمه شَاهد بِمَا يدعى عَلَيْهِ، كَمَا كَانَت معرفَة العفاص والوكاء شَاهدا لوصفها، والستر شَاهد للْمَرْأَة. وَقد مر طرف من الْكَلَام عِنْد ذكر زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن من هَذَا الْكتاب على الْغَاصِب وَالْمَغْصُوب. وَكَانَ يحكم فِي الرجل يُرِيد أَن ينْتَقل عَن الأندلس بعياله، إِلَى غَيرهَا من عدوة الْبَحْر، فتأبى زَوجته الْخُرُوج مَعَه، لمَكَان الْبَحْر، وشدته على ركُوبه؛ بِأَن لَهُ أَن يُخرجهَا، ويسيرها حَيْثُ شَاءَ، إِذا كَانَ مَأْمُونا فِي غيبته عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول فِي الْأَب، إِذا أَرَادَ أَن يرتحل إِلَى بَلَده ليسكن فِيهِ، فَلهُ أَخذ بنيه، وَلَا يُكَلف بَيِّنَة أَنه قد استوطن وَسكن مُدَّة، لِأَنَّهُ لَو تمكن أَن يُكَلف الرجل ذَلِك فِيهَا قرب، لم يتَكَلَّف فِيمَا بعد: فقد يُرِيد أَن يرتحل من الأندلس إِلَى مَكَّة أَو مصر أَو خُرَاسَان، وَهَذَا مَالا يُسْتَطَاع إِلَّا بذهاب المدد المتطاولة. وَقد ذكر ابْن الْهِنْدِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ مَا حَاصله: فَيجب على النّظر أَن يكون القَوْل قَوْله فِي الِانْتِقَال للسُّكْنَى وَفِي الْموضع الَّذِي يُرِيد أَن يَتَّخِذهُ موطناً، مَعَ يَمِينه على ذَلِك. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل طلب الحاضن، أَبَا كَانَ أَو غَيره، ثُبُوت الِانْتِقَال بِمَالِه، واستمرار استيطانه فِي الْبَلَد الَّذِي ارتحل إِلَيْهِ. وَذكر ابْن مغيث أَن أقل مُدَّة الاستيطان سِتَّة أشهر، وَلَيْسَ للْأَب فِيمَا دونهَا أَخذ الْوَلَد. وَيذكر عَن الْفَقِيه أبي الْمطرف أَنه كَانَ يستحضر كتابي الْمُوَطَّأ والمدونة عَن ظهر قلب حرفا حرفا ونصاً نصا. وَله مَجْمُوع نبيل فِي نَوَازِل الْأَحْكَام، يقرب من مُفِيد ابْن هِشَام، إِلَى جملَة تقاييد فِي مسَائِل. وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة ٤٩٩.
стр. 109
ذكر القَاضِي عبد الْحق بن غَالب بن عَطِيَّة
وَمِنْهُم القَاضِي عبد الْحق بن غَالب بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة الْمحَاربي، من أهل غرناطة، يكنى أَبَا مُحَمَّد، أحد الْقُضَاة بالبلاد الأندلسية، وصدور رجالها. وبيته بَيت علم، وَفضل، وكرم، ونبل. وَكَانَ هَذَا القَاضِي ﵀ ﴿فَقِيها، نبيها، عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ والْحَدِيث وَالتَّفْسِير، أديباً بارعاً، شَاعِرًا، لغوياً ضابطاً، مُقَيّدا. ولي الْقَضَاء بِمَدِينَة المرية فِي شهر الْمحرم عَام ٥٢٩. وَألف كِتَابه الْمُسَمّى ب الْوَجِيز فِي التَّفْسِير؛ فجَاء من أحسن تأليف وأبدع تصنيف. ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير فِي كِتَابه، وَأثْنى عَلَيْهِ؛ ثمَّ قَالَ: مولده سنة ٤٨١. وَتُوفِّي فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين لرمضان سنة ٥٤١ بِمَدِينَة لورقة: قصد مرسية مولى، قضاءها؛ فصد عَن دُخُولهَا، وَصرف مِنْهَا إِلَى لورقة، اعتداء عَلَيْهِ؛ فَتوفي بهَا ﵀﴾
ذكر القَاضِي مُحَمَّد بن سماك العاملي
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن سماك العاملي، يكنى أَبَا عبد الله. أصل سلفه من مالقة، من بَيت نباهة وجلالة. وَهُوَ أول من ولي الْقَضَاء للموحدين بغرناطة. ذكره الملاحي، وَقَالَ فِيهِ مَا حَاصله: إِنَّه كَانَ فَقِيها جَلِيلًا، ذَاكِرًا للمسائل، عَارِفًا بِالْأَحْكَامِ، مُسَدّد الْأَغْرَاض. وَذكره ابْن عَسْكَر، وَتكلم فِي الْمُنَازعَة الَّتِي وَقعت بَينه وَبَين حسون، وَأَنه خرج بسببهم فَارًّا إِلَى غرناطة؛ ثمَّ جَازَ إِلَى مراكش، فِي أول أَمر الْمُوَحِّدين؛ فسكن بهَا. وَمِنْهَا ولي قَضَاء غرناطة. وَولي قَضَاء مالقة أَيْضا. وَذكر الْأُسْتَاذ ابْن الزبير، وَأخْبر عَن أَبِيه أبي مُحَمَّد أَنه ولي قَضَاء غرناطة سنة ٥٣٧.
стр. 110
ذكر القَاضِي عبد الْمُنعم بن الْفرس
وَمن الْقُضَاة بِمَدِينَة غرناطة، عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الخزرجي، الْمَعْرُوف بِابْن الْفرس. ولي الْقَضَاء بِجَزِيرَة شقر، وبمدينة وَادي آش؛ ثمَّ بجيان؛ ثمَّ بغرناطة. ثمَّ عزل عَنْهَا. ثمَّ وَليهَا الْولَايَة الَّتِي كَانَ من مضمن ظهيره بهَا قَول الْمَنْصُور لَهُ: أَقُول لَك مَا قَالَه مُوسَى ﵇ ﴿لِأَخِيهِ هَارُون: اخلفني فِي قومِي وَأصْلح وَلَا تتبع سَبِيل المفسدين. وَجعل إِلَيْهِ النّظر فِي الْحِسْبَة والشرطة وَغير ذَلِك، وَقَامَ بالجموع كلهَا أحسن قيام. وَألف عدَّة تواليف، مِنْهَا كتاب الْأَحْكَام. ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر بن الزبير وَقَالَ: مولده سنة ٥٢٤. وَتُوفِّي عصر يَوْم الْأَحَد الرَّابِع من جُمَادَى الأولى سنة ٥٩٧. وَدفن فِي عصر يَوْم الِاثْنَيْنِ بِبَاب إلبيرة؛ وازدحم النَّاس على نعشه حَتَّى حملوه بالأكف ﵀﴾
ذكر القَاضِي الْحسن بن هاني اللَّخْمِيّ
وَمِنْهُم الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم اللَّخْمِيّ، من أهل غرناطة، وَذَوي بيوتها الْمَعْرُوفَة بِالْعلمِ وَالْفضل. قَالَ فِيهِ الملاحي مَا حَاصله، إِنَّه روى عَن غَالب بن عَطِيَّة، وَأبي الْحسن بن الباذش، وَأبي مُحَمَّد بن عتاب، وَأبي الْوَلِيد بن رشد. وَكَانَ من أهل التَّقَدُّم فِي النَّحْو وَالْأَدب، بارع الْخط. ولي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ سنة ٥٤١. وَتُوفِّي فِي جُمَادَى الأولى سنة ٥٦٢. ذكره ابْن الزبير وَغَيره.
ذكر القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن أبي زمنين
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي زمنين المري الإلبيري، يكنى أَبَا بكر. وَهُوَ من بَيت مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي زمنين الزَّاهِد العابد، المُصَنّف فِي الْفِقْه وَغَيره. ولي قَضَاء
следующие страницы →