← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية: فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد: لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتًى شابًّا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ... ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين..١، وهذه الرواية وإن ذكرها ابن إسحاق في حوادث ما بعد الهجرة، إلا أنها تعطينا فكرة عن الروح العامة لدى اليهود، وأنهم كانوا يرون في اجتماع كلمة الأوس والخزرج أمرًا مهددًا لكيانهم في المدينة فعملوا على تحطيم الاتحاد بين القبيلتين العربيتين، ونستطيع أن نقول: إن هذا الاتجاه هو الذي اتجه إليه اليهود بعد تغلب الأوس والخزرج عليهم في يثرب، وإن كانت الظروف قد اضطرتهم إلى أن تدخل بطونهم في أحلاف مع الأوس والخزرج كل بسبب ظروفه التي وجد فيها. وقد بدأ التنازع بين الأوس والخزرج -بحسب الروايات التي سقناها- تنافسًا قبليًّا على الرياسة وعلى احتلال مركز الصدارة في يثرب، ولما كان تفوق العرب وانتصارهم على اليهود قد جاء على يد رجل من الخزرج أصبح له الذكر والشرف عليهم٢، كان طبيعيًّا أن يعمل الخزرج على الاحتفاظ بمركز الصدارة في المدينة، لكن حدث أن الأوس تملكوا أفضل البقاع الزراعية، وأصبح الوضع الاقتصادي في مصلحتهم لذلك لم يقبلوا أن تكون للخزرج هذه المنزلة عليهم، وساءهم أن يؤكد أحد الوافدين من رجال القبائل البدوية حول يثرب هذه المنزلة لزعيم الخزرج مالك بن العجلان، وأن يفاخر بذلك حليف لمالك على محفل من أهل المدينة، فترصده رجل من الأوس وقتله. وطالب مالك به، فعرضت عليه الدية بحسب الأصول القبلية المعروفة -وهي دية الحليف نصف دية الصريح- لكن مالكًا رأى أن يؤكد سيادته فأصر على ألا يقبل في حليفه إلا دية الصريح، ورفضت الأوس ذلك بطبيعة الحال، فاقتتل الفريقان، ثم تحاكموا فقضي لمالك بدية الصريح إرضاء له على أن يعود الأمر بعد ذلك إلى السنن المعروفة. لكن هذا الحل كان أمرًا موقوتًا، إذ إن دواعي الخلاف

стр. 317

الحقيقة بقيت خفية في النفوس لم يجرؤ أحد على إظهارها، وزاد الأمر تعقيدًا وقوع الدماء بين الطرفين، فشبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم، فتتالت الوقائع بين الفريقين في مظهر من مظاهر التنافس القبلي، كان النصر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى أحست الأوس بالضعف وبعدم قدرتها على الصمود بنفسها أمام الخزرج الذين بدا واضحًا أن نياتهم تتجه إلى الحصول على ما في أيديهم من الأرض الخصبة. ولما كانت الأوس تجاور قبيلتين قويتين من قبائل اليهود وهما قريظة والنضير اللتان استطاعتا الاحتفاظ بما في أيديهما من أفضل الأراضي الخصيبة وكانتا من القوة بحيث لم تدخلا في حلف مع إحدى القبيلتين العربيتين؛ فإنها فكرت في إقناع هؤلاء اليهود بالدخول معها في حلف للوقوف في وجه أطماع الخزرج التي تهدد الطرفين على السواء. وحين أحست الخزرج بهذا الاتجاه الأوسي، أنذرت اليهود بالحرب إن هم انحازوا إلى جانب الأوس، ويبدو أن الخزرج كانت قد وصلت إلى درجة من القوة حتى أخافت اليهود، فخضعوا لهذا التهديد وقدموا رهنًا من أبنائهم ضمانًا لوفائهم بالتزام جانب الحياد، وحتى إن بطونًا من الأوس نفسها حالفت الخزرج ضمانًا لمصالحها. وبذلت البطون الأوسية الغنية محاولات للصمود في وجه الخزرج لكنها باءت بالهزيمة، وحين عجزت عن الصمود وأيست من نصرة اليهود واتجهت إلى عنصر خارجي، فأرسلت وفدًا إلى مكة لاستعداء قريش على الخزرج١. لكن قريشًا كانت دائمًا تبتعد عن كل ما من شأنه أن يورطها أو يجرها إلى حروب قد تضر بمصالحها التجارية، فرفضت هذا الحلف الذي يشتم منه رائحة الدماء. واضطرت الأوس أمام هذا الفشل إلى الخضوع، كما اضطرت بعض بطونها إلى الخروج عن مساكنها أمام ضغط الخزرج. غير أن الوضع ما لبث أن تغير فقد أسفر الخزرج عن نياتهم في الحصول على ما في أيدي قريظة والنضير من الأراضي والدور، وفعلًا أذنوهم بالحرب أو أن يسلموا

стр. 318

ما بأيديهم. ولم يكن هذا العمل من زعماء الخزرج -في هذا الوقت- ينطوي على شيء من الحكمة فإن هذا الموقف وحد بين الأوس واليهود من قريظة والنضير، إذ وجد هؤلاء أن عليهم إن أرادوا البقاء في يثرب أن يخوضوا ضد الخزرج معركة فاصلة، ولم يكن الخزرج بأقل منهم رغبة في خوض هذه المعركة لتأكيد سيادتهم ولتغيير لوضع الاقتصادي تغييرًا نهائيًّا، ولما كانت المعركة معركة حياة أو موت فقد حشد لها الطرفان كل إمكانياتهما واستجلبا حلفاءهما من قبائل البادية. ولما كانت المعركة بالنسبة للأوس وحلفائهم هي معركة الحياة فقد استماتوا في القتال وألحقوا بخصومهم هزيمة كبيرة، ولم ينقذ الخزرج من الكارثة إلا خشية الأوس من أن يستعيد اليهود مركزهم السابق في يثرب، فيضطر الأوس لمواجهتهم على انفراد لو قضي على قوة الخزرج، وفعلًا بدت نيات اليهود واضحة في تحطيم الخزرج وإذلالهم؛ ولذلك فضلت الأوس الاكتفاء بالقضاء على روح التسلط في الخزرج دون القضاء عليهم، ورأت أن جوارهم خير من جوار الثعالب. وقد استغل أحد زعماء الخزرج -وهو عبد الله بن أبي- موقفه الحيادي الشخصي ولصالح قبيلته، فاستطاع أن يحمي أمواله من الاعتداء عليها، وأن يكسب لنفسه مركزًا أدبيًّا في هذا الجو المضطرب بين طوائف المدينة المختلفة، فاتجهت إليه أنظار الطرفين على السواء كرجل يمكن أن يكون واسطة التجميع وحل النزاع. كما أنه استطاع أن يضم إلى جانب قبيلته إحدى قبيلتي اليهود القويتين وهم بنو النضير، وبذلك حدث توازن بين المعسكرين المتخاصمين. من كل ذلك نرى أن العامل الاقتصادي كان هو العامل المتحكم في العلاقات العامة بين السكان في يثرب. وحتى بين بطون القبيلة الواحدة أو بين عشائر البطن الواحدلم تستطع لحمة الدم أن تتغلب على الدوافع الاقتصادية التي كثيرًا ما كانت تثير النزاع بينها، وإذا كانت بطون الأوس أو بطون الخزرج كانت تتجمع تحت راية قبيلته في النزاع العام بحكم رابطة الدم، فإن كثيرًا ما كانت بطون من الطرفين ترى أن مصلحتها الاقتصادية تقتضيها التزام جانب الحياد، كما أنها كثيرًا ما كانت تتنازع فيما بينها فيحاول بعضها أن يستولي على ما في يد الآخر من الأراضي والدور، كما حدث مثلًا بين بني حارثة وبني عبد الأشهل وهما بطنان من فرع واحد من الأوس وهو

стр. 319

النبيت، كانا متجاورين في منازلهما، تقاتلا فأجلى بنو حارثة بني عبد الأشهل حتى ألحقوهم بأرض بني سليم، ثم عاد هؤلاء بحلفائهم من سليم فهزموا بني حارثة وأجلوهم إلى خيبر فأقاموا بها قريبًا من سنة حتى تم الصلح بينهما١. وكما حدث بين بني بياضة وبني زريق وهما بطنان من فرع واحد من الخزرج إذ اقتتلوا وأجلى الأولون الآخرين عن منازلهم ٢. وهكذا أصبحت مدينة يثرب تغلي بالخلافات وتضارب المصالح والأهواء. لكن يوم بعاث أصاب الفريقين بأضرار كبيرة؛ فقد قتل عدد كبير من سروات القوم جميعًا ورؤسائهم، وأصيبت الممتلكات بأضرار فادحة نتيجة التقطيع والتحريق. الأمر الذي جعل الناس يفكرون في ضرورة وضع حد لهذه المنازعات.. فبدأت الأفكار تتجه إلى إيجاد جو من السلام ينصرف الناس فيه لأعمالهم ويتذوقون لذة الراحة وهناء العيش، وبخاصة البطون الصغيرة التي لم تكن لها مصالح في النزاع وكان همها أن تعيش في سلام؛ لذلك سعى كثير من الزعماء وذوي النفوذ من الطرفين لكف كل من تحدثه نفسه بمحاولة إثارة الفتنة وإيقاد نار العداوة. وعلى العموم فإن بعاث قد أضعف بطون يثرب كلها وأوجد فيها ميلًا إلى الاتحاد، حتى إنه ليقال إنها أرادت أن تملك عليها ملكًا من الخزرج، كما يحدثنا ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول العوفي لا يختلف عليه في شرقه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك. فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكًا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًّا على نفاق وضغن٣. فكأن قلوب أهل يثرب على اختلاف قبائلها وكثرة نزعاتها سئمت حالة الجفاء والعداوة، وأحست بالحاجة إلى من يخرجهم منها ويوجه نشاطهم إلى ما هو أجدى عليهم وأكثر نفعًا.

стр. 320

الفصل الثالث: قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية إن الخصائص العامة للصلة بين البيئات الزراعية وبين جيرانها من البدو الرحل هي العلاقات المزعزعة التي تتسم عادة بالحذر والتربص؛ فالبدو دائمًا يطمعون في خيرات هذه المناطق الخصيبة، وهم ينتهزون كل فرصة تسنح للإغارة عليها لسلب ما تقع عليه أيديهم من حاصلاتها ومواشيها؛ ولذلك كثيرًا ما كان أهل القرى يلقون عنتًا كبيرًا وتصاب زراعاتهم وممتلكاتهم بأضرار فادحة من جراء سطو هؤلاء البدو وغاراتهم الجريئة. وحتى الدول الكبرى ذات القوة كثيرًا ما كانت تتعرض حدودها المجاورة للقبائل البدوية لغارات رجال هذه القبائل المدمرة، فكات لذلك تتخذ من الإجراءات السليمة والحربية ما تكف به عادية هؤلاء الطامعين الجريئين: فهي في بعض الأحيان تصطنع وسائل الاستمالة عن طريق الحلف أو دفع إتاوات لرؤساء القبائل، ولكنها دائمًا تعد من وسائل القوة التي تخيفهم ويكبح جماحهم؛ فإن أي بادرة من الضعف تبدو في نظر هؤلاء البدو كانت تغريهم بالانقلاب على حلفائهم والإغارة عليهم، لذلك كانت تقيم المسالح والحصون وتراقب حركات البدو مراقبة دقيقة، وتعد حملات حربية لتأديبهم عند ظهور أي علامة على تمردهم وعدوانهم. وقد انطبعت علاقات المدينة مع جيرانها بهذا الطابع، وما الإكثار من إقامة الحصون والآطام في كل أنحاء منطقة يثرب إلا مظهر من مظاهر هذه العلاقات بين هذه المنطقة الزراعية وبين جيرانها من القبائل البدوية الضاربة حولها، وهو إجراء دفاعي ضد ما يقع على الممتلكات والحاصلات من غارات لا بد كانت تحدث على منطقة يثرب. وإذا كانت المصادر لم تحدثنا عن هذه الغارات فإن الروايات التي ذكرها المؤرخون عن الأحداث التي وقعت في عهد الإسلام لتشير إلى هذه الغارات إشارات ظاهرة، فيذكر المؤرخون حين يتحدثون عن المداولات التي جرت بين النبي ﷺ والمسلمين في يوم أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول الخرزجي قال: كنا نقاتل في الجاهلية فيها -المدينة- ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة ونشبك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كل ناحية، وترمي المرأة والصبي

стр. 321

من فوق الصياصي والآطام، ونقاتل بأسيافنا في السكك يا رسول الله، إن مدينتنا عذارء ما فضت علينا قط، وما خرجنا إلى عدو قط إلا ما أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناه ... يا رسول الله، أطعني في هذا الأمر، واعلم أني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم فهم أهل الحرب والتجربة١، وقال إياس بن أوس بن عتيك الأوسي: لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدًا في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرأة لقريش، وقد وطئوا سعفنا؛ فإذا لم نذب عن عرضنا لم يزرع، وقد كنا يا رسول الله ﷺ في جاهليتنا والعرب يأتوننا فلا يطمعون بهذا منا حتى نخر إليهم بأسيافنا حتى نذبهم عنا٢. وقال خيثمة أبو سعد بن خيثمة الأوسي: يا رسول الله، إن قريشًا مكثت حولًا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاءونا قادوا الخيل وامتطوا الإبل، حتى نزلوا بساحتنا، فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا، فيجريهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا ويصيبوا أطرافنا ويضعوا العيون والأرصاد علينا مع ما قد صنعوا بحرثنا، وتجترئ علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم فنذبهم عن حرانا٣. وحين فكر النبي ﷺ في أن يصالح غطفان على ثلث ثمار يثرب إن رجعوا قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، ووالله لا نعطيهم إلا السيف يحكم الله بيننا وبينهم٤. من ذلك نستطيع القول بأن المدينة تتعرض من حين لآخر إلى غارات القبائل البدوية على منطقتها، وكان أهل المدينة يصدونها بقوة السلاح، وبالاعتماد

стр. 322

على الحصون والآطام يجتمعون بها ويتخذونها مخازن لحفظ حاصلاتهم، وكانت الآطام هي عزهم ومنعهم وحصونهم التي يتحرزون فيها من عدوهم١. وكان أهل المدينة أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، تمرسوا عليها فيما وقع بينهم من صراع وأيام، وفيما حدث بينهم وبين جيرانهم من احتكاك، كما كانوا أهل عدة ونجدة وسلاح، وقد عرفت لهم العرب أن مدينتهم دار منعة وهم قوم أهل حلقة وبأس٢، وقد اعتدوا بأنفسهم حتى لا يبالون بعداوة من عاداهم، يشهد بذلك إقدامهم على مخالفة النبي ﷺ بدعوته للخروج إلى بلدهم، في الوقت الذي خشيت فيه كل قبائل العرب الإقدام على هذا الموقف إشفاقًا من عداوة قريش وما يترتب عليها، وقد بصرهم العباس بن عبد المطلب عند بيعة العقبة الكبرى بما يترتب على عملهم هذا من خطورة معاداة قبيلة تحالفها كل قبائل العرب وترتبط معها بمصالح قوية قال: فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر واستقلال بعداوة العرب ترميكم عن قوس واحدة فارتأوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع٣. وكان ردهم بعد هذا التبصير أن قال قائلهم: يا رسول الله، بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر٤. ولقد كانت يثرب تملك من القوة الحربية ما تستطيع به فعلًا أن تحمي نفسها وأن ترد عادية القبائل عنها، وليس لدينا إحصاء عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكنا نستطيع تحديد قوتهم الحربية من المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة -وهو الوقت الذي كان أهل المدينة منهم قد دخلوا فيه كلهم في الإسلام- أربعة آلاف مقاتل٥. أما عدد اليهود قد بلغ عد الرجال البالغين من قبائلهم الثلاث حوالي الألفين؛ هذا بالإضافة إلى أعداد البطون الصغيرة من اليهود، فكأن يثرب كانت تستطيع أن توجه إلى ميدان القتال عند الضرورة ستة آلاف محارب، وإن كان هذا العدد لم يتحقق في معركة من معاركها، وذلك للصراع الداخلي بين

стр. 323

بطونها في الجاهلية، ولأن موقفها بالنسبة لجيرانها كان موقفًا دفاعيًّا، فلم تذكر المصادر أن أهل يثرب قاموا في الجاهلية بغزو خارجي لجيرانهم، ثم إن اليهود لم يشاركوا بقوتهم في معارك الإسلام؛ لذلك كان أكثر جيش حشدته يثرب أربعة آلاف من العرب من أهلها. وقد كان رجال يثرب مرهوبي القوة على جانب عظيم من الشجاعة وقوة البأس، تشهد بذلك مواقفهم في معارك الإسلام، كما يشهد بذلك تقدير قريش لبأسهم وخوف زعمائهم منهم يوم بدر على الرغم من قلة عددهم١. ولقد اكتسب أهل المدينة خبرة بالقتال من حروبهم الداخلية ومن استعدادهم دائمًا للدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم، وكان لديهم من عدة الحرب وسلاحها ما يستطيعون به تسليح قوة مرهوبة، فقد كانت المدينة موطنًا من مواطن صناعة الأسلحة من دروع اشتهر اليهود بصناعتها وروجوا لها بأنهم إنما ورثوا صناعتها عن داود النبي٢. كما اشتهروا بصناعة السيوف، وكانت يثرب كذلك مشهورة بصناعة السهام حتى قالوا: إن أجود السهام سهام يثرب٣. ومن قائمة الأسلحة التي غنمها المسلمون من بني قريظة -وهم لم يكونوا من أقوى البطون اليهودية بله البطون العربية- نستطيع أن نحكم على مقدار ما كانت تملكه بطون يثرب من أسلحة متنوعة، فقد كانت مخلفات قريظة ألفًا وخمسمائة سيف وألفي رمح وألفًا وخمسمائة ترس وجحفة وثلاثمائة درع٤.

стр. 324

كما كانت عدة الحرب عزيزة عند من يمتلكها لا يبيعها ولا يراها تفضل عنه١، لشدة حاجتهم إليها في الدفاع عن أنفسهم حتى ليرونها عديل الولد٢. ولولا خلافات يثرب الداخلية التي مزقت وحدتها وشتت جهودها؛ لكان من الممكن أن يكون لها شأن خطير في الجاهلية، ولكان من الممكن أن تكون منافسًا خطيرًا لمركز مكة ولربما تغلبت عليها كما حدث بعد الهجرة. ولما كانت العلاقات بين يثرب وجيرانها من البدو علاقة حذر وتربص؛ فإن يثرب قد اطمأنت إلى قوتها، ولم تتوسع في علاقاتها مع القبائل العربية إلا بحسب ظروف الأخذ والعطاء من بيع وشراء مع القبائل المجاورة لها. وقد ذكرت المصادر محالفات للبطون اليثربية العربية مع بعض القبائل الضاربة حول يثرب، فحالفت بعض بطون الأوس قبائل سليم ومزينة التي كانت تعيش إلى شرقي يثرب، وحالفت بطون الخزرج قبائل جهنية التي كانت تعيش إلى غربي المدينة وأشجع التي كانت تعيش إلى شمالها الغربي٣. لكن المحالفات القبلية حالات طارئة اقتضتها ظروف المصالح المشتركة؛ ولذلك كثيرًا ما كانت تنقض القبائل محالفاتها وتتجه بها إلى حيث تكون مصالحها. ومن هنا رأينا بعض هذه القبائل التي حالفت الأوس والخزرج خرجت على هذا الحلف في أيام الصراع بين مكة والمدينة بعد الهجرة، وقد اشتركت سليم وأشجع في الهجوم على المدينة في غزو الأحزاب٤. لكنها عادت بعد ذلك فاشتركت بكل قواتها إلى جانب يثرب عند فتح مكة، وهي في كلتا الحالتين كانت تجري وراء مصالحها. ولم نر ليثرب محالفات واسعة مع القبائل العربية البعيدة عن المدينة، مما يدل على أن نشاط يثرب كان محدودًا في الجزيرة العربية، وأنها كانت مشغولة بظروفها الداخلية وبنشاطها الزراعي، فلم تتوسع في نشاطها الخارجي. ولم تكن ليهود يثرب محالفات خارجية، ويبدو أنهم لم يروا في هذه المحالفات منفعة لهم في صراعهم ضد الأوس والخزرج، إذ إنهم لو جلبوا قبائل أخرى إلى

стр. 325

يثرب، لربما هيجوا أطماع هذه القبائل فيما عندهم ولكانت العاقبة تهديد العرب واليهود في يثرب على السواء، فلم يشاءوا أن يوسعوا دائرة النزاع، واطمأنوا إلى قوة عرب المدينة في الدفاع عنها ضد العدو الخارجي، ومن ثم اكتفوا بأن تكون علاقاتهم بالقبائل علاقة منفعة مادية يجدونها في البيع والشراء، ومزاولة الربا واستغلال حاجة الأعراب إلى حاصلات المدينة ومصنوعاتها ولتنمية ثرواتهم. وكانت علاقة أهل يثرب جميعًا طيبة مع مدن الحجاز؛ فكانت علاقتهم حسنة مع مكة والطائف وخيبر حيث كانوا يتبادلون المنافع؛ فيصرف اليهود صناعاتهم من حلي وسلاح، ويمتار أهل مكة ما يحتاجون إليه من تمر المدينة، كما يحصل أهل يثرب على ما يحتاجون إليه من المجلوبات الخارجية التي تتاجر فيها قريش، ومن حاصلات الطائف. أما علاقات يثرب بالممالك والدول على أطراف الجزيرة وخارجها فكانت محدودة؛ فلم تحدثنا المصادر بشيء عن علاقات قامت بين أهل يثرب وبين الفرس أو الروم، ويرجع ذلك إلى أن المدينة لم تشارك في التجارة الخارجية في الجزيرة العربية مشاركة ذات أثر، وإن كان لا يستبعد أن يكون بعض رجالها قد ذهبوا إلى البلاد التابعة للدولتين في بعض التجارات. أما علاقات يثرب بالغساسنة، فقد رأينا صورة منها في استنجاد الأوس والخزرج بعرب غسان ضد اليهود. لكننا لم نجد استمرارًا لهذه العلاقة بعد ذلك. فلم يذكر المؤرخون شيئًا عن اتصال الغساسنة بشئون يثرب الداخلية بعد ذلك، وإن كانت العلاقات الحسنة قد ظلت بين الطرفين، إذ تحدثنا المصادر عن وفادات شاعر المدينة حسان بن ثابت الخزرجي على ملوك غسان ومدحه لهم وصلاتهم له١. أما صلات المدينة باليمن فهي قديمة ترجع إلى أيام المعنيين، فقد كان يثرب إحدى المحطات على طريق التجارة المار بالحجاز، وحين قدم اليهود إليها كانت بها بطون عربية من اليمن. ثم إن الأوس والخزرج أنفهسم قدموا إليها من اليمن بعد تفرق قبائل الأزد اليمنية وهجراتها نحو الشمال، وترى المصادر أن التبع أبا كرب تبان أسعد

стр. 326

الحميري أقبل يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل، فمر بالمدينة، ووقع له مع أهلها خلاف جعله يجمع لحربها، فوقعت بينه وبين أهلها حروب انتهت برجوعه عنها، وقد أقنعه حبران يهوديان بالتهود فتهود ونقل اليهودية إلى اليمن ١. وبغض النظر عن صحة هذه الروايات أو عدم صحتها، فإنها تعيطنا فكرة عن علاقة الحجاز كله بالجنوب وأنه كان في شبه تبعية لليمن حتى نهاية القرن الخامس الميلادي. وإذا كانت قد قامت مثل هذه الصلة بين يثرب واليمن في وقت سيادة النفوذ الجنوبي في شبه الجزيرة العربية، فإن المصادرلم تحدثنا بشيء عن استمرار هذه الصلة بعد زوال النفوذ اليمني واحتلال عرب الشمال مركز الصدراة، ويرجع ذلك إلى انصراف أهل يثرب إلى خلافاتهم الداخلية؛ الأمر الذي حد كثيرًا من نشاطهم الخارجي، فلم يأخذوا منه بنصيب يتناسب مع موقع المدينة وظروفها الطبيعية.

стр. 327

صفحة فارغة

стр. 328

الفصل الرابع: الحالة الاقتصادية كانت الحالة الاقتصادية في يثرب متعددة الجوانب؛ فالمدينة تقع في منطقة خصيبة تسيل فيها الوديان بما يغذي هذه المنطقة بالمياه الكافية لقيام زراعة جيدة فيها، إلى جانب الآبار والعيون التي كثرت في منطقتها والتي حفرها السكان للانتفاع بمياهها للشرب وللسقي. ولذلك عمل أهلها بالزراعة، وكانت خصوبة التربة تغنيهم عن الضرب في الأرض ابتغاء الرزق بوجه الإجمال. وقد وردت آيات قرآنية كثيرة تشير إلى جانب النخيل والأعناب والزروع الأخرى ومن بينها الحبوب والبقول١، بما يمكن أن يقوم برهانًا على أن أهل المدينة كانوا على حظ غير يسير من الأعمال الزراعية المتنوعة؛ وأن هذه الزراعات كانت توفر الجزء الأكبر من حاجة السكان الغذائية، كما أن أهل البادية كانوا يمتارون منها ما هم في حاجة إليه من غذاء بخاصة التمر، وقد حفلت الآيات كثيرًا بذكر النخيل مما يوحي بأنه كان يسد كثيرًا من حاجة السكان الغذائية. كما أنه قد ورد كثيرًا من الآيات المدنية فيها بعض الأوامر والنواهي والتشريعات الخاصة بالتجارة والأعمال التجارية، مما يمكن أن يلهم بأنه كان في المدينة حركة تجارية غير ضعيفة. كما أن مجتمعًا مدنيًّا كمجتمع يثرب لا بد أن تقوم فيه صناعة لسد حاجة السكان بما يحتاجون إليه من صناعات هي من مستلزمات الحياة الزراعية ومستعملات السكان اليومية، وما يترفهون به ويتحلون وما يحتاجون إليه من سلاح كان ضروريًّا للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، ولا يعقل أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات المتنوعة الكثيرة مصنوعًا من الخارج.

стр. 329

النشاط الزراعي كانت الحرفة الرئيسية لسكان يثرب هي الزراعة نظرًا لطبيعة المنطقة، فقد كانت أرضها بركانية التربة خصبة، وكانت تسيل بها وديان كثيرة تفيض بمياه السيول التي تتجمع في الحرات الشرقية والجنوبية في فترة مختلفة من السنة١، فتسيل إلى الغرب والشمال، حتى تتجمع آخر الأمر في شمال غرب المدينة عند مجتمع الأسيال حيث تنصب في وادي إضم الذي يسيل شمال غربي أحد٢، وهذه الوديان كانت تتخلل منطقة المدينة كلها، فتروي أرضها وتسيل مياهها من شراج الحرة الشرقية في مياه قليلة عادة لا تصل إلى أكثر من ارتفاع الكعبين؛ ولكنها كانت أحيانًا تفيض حتى تصل إلى أنصاف النخل٣، وكان الزراع يسقون نخيلهم وزروعهم من هذه المياه، فيسوقون الماء بينهم، بأن يحبس الماء صاحب الأرض العالية حتى تسقي نخله فتصل إلى جذوره بارتفاع الكعبين، ثم يرسلها إلى من هو أسفل منه فيسقي٤. وفي الأوقات التي تشح فيها مياه الوديان أو تنقطع، وفي الأماكن التي لم تكن تصل إليها، كان الناس يستخدمون مياه الآبار في إرواء مزروعاتهم فيرفعونها من الآبار لري الأراضي القريبة من البئر، أو يحملونها على الجمال النواضح لري الجهات التي تبعد عنها٥. وأهم مزروعات المدينة أشجار النخيل يزرعونها في مغارس كبيرة، وقد يحوطونها فتكون حدائق، وكانت أرض المدينة صالحة لزراعة النخيل حتى ليقال: إن ودّية النخل تثمر بعد عام من زرعها، وعلى إنتاج النخيل كان يعتمد السكان. فكان من

стр. 330

التمر جل طعامهم، كما كان به التعامل بينهم، فتدفع منه الأجور وتسدد الديوان١، كما كان ينتفعون بكل شيء في النخلة: يأكلون جمَّارها٢ ويستخدمون جريدها في سقوف منازلهم ويعملون من خوصها المكاتل والقفف٣. ويستخدمون جذوعها أعمدة لبيوتهم وحمالات لسقوفها، ويستخدمون الشوك والكرانيف للوقود، كما كانوا يرضخون النوى بالمراضخ حتى يتكسر فيكون علفًا للإبل، فالنخلة من أكرم الأشجار عليهم حتى لقد شبه النبي ﷺ المؤمن بالنخلة كل ما فيه خير. وتمر المدينة متعدد الأنواع منه الجيد ومنه غير الجيد٤ ومن أشهر أنواعه: الصيحاني، وابن طاب، وعذق زيد، والعجوة، والصرفان وهو نوع من التمر أحمر هو أوزن التمر كله، والجنيب وهو من أجود أنواع التمر، وقد كان ليهود بني النضير نوع فاخر من التمر يقال له اللوز أصفر شديد الصفرة ترى النواة فيه من اللحمة٥. والشعير هو الغلة الثانية بعد التمر، وكانوا يزرعونه في حقول؛ ولكنهم عادة كانوا يزرعونه تحت النخيل٦ وكان عليه اعتمادهم بعد التمر. وليس لدينا إحصاء عن مقدار غلة المدينة من التمر ومن الشعير، ولكن الراجح أن محصول الشعير كان يساوي ربع محصول التمر٧، وأن محصول التمر كان يكفي حاجة السكان ويسمح ببيع الفائض، بينما كان أهل يثرب يستوردون بعض الشعير لسد النقص في حاجتهم.

стр. 331

وإلى جانب هاتين الغلتين الرئيسيتين كان يزرع قليل من القمح والكروم، وبعض أنواع الفاكهة الأخرى من رومان وموز وليمون وبطيخ وقاوون، كما كانت تزرع بعض الخضروات والبقول كالقرع واللوبيا والسلق والبصل والثوم والقثاء١. وكان جل أهل المدينة يعملون بالزراعة، منهم من كان يملك الأراضي الواسعة يزرعها لحسابه أو يزارع عليها غيره أو يكريها -يؤجرها- ومنهم من كان يملك قدرًا يقوم على زراعته بنفسه، ومنهم من لم يكن له ملك خاص فيزرع في أرض غيره مزارعة أو كراء. وكانت لهم طرق في المزارعة والمؤاجرة ٢، بحسب جودة الأرض، فقد كانوا يزارعون على الثلث أو على الربع وأحيانًا على النصف مما تنتجه الأرض٣، أما المؤاجرة فلم تكن المعاملة فيها بالدنانير أو بالدراهم؛ وإنما كان لهم فيها أيضًا عدة طرق؛ إما أن يؤجر الشخص حقله على الربع من المحصول مع شيء من التبن أو شيء من المحصول يستثنيه صاحب الأرض، أو يؤجرها على عدد محدد من أوسق التمر والشعير. أو أن يسمى قسم من الحقل لصاحب الأرض وقسم للزارع، وكل منها يأخذ ما ينتجه قسمه قل أو كثر، وكان ربما يحدث أن يصاب أحد القسمين فيضعف محصوله أو لا ينتج أصلًا فلا يلتزم صاحب القسم الآخر تجاهه بشيء ٤. وعلى الرغم من اشتغال معظم السكان بالزراعة فإن حاصلات المدينة الزراعية لم تكن كافية لتموين سكانها، فكانوا يستوردون ما يسد حاجتهم من الخارج من بلاد الشام، وكانت تبلغ بهم الحاجة إلى أن يسلفوا نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزبيب إلى أجل مسمى قد يبلغ السنة والسنتين٥؛ حتى يضمنوا أن يحصلوا على

стр. 332

حاجتهم منه. وكانت أخصب الأراضي وأكثرها غلة في أيدي سكان العوالي من منطقة المدينة من اليهود والعرب؛ ولذلك كان الأغنياء منهم وبخاصة اليهود يستغلون حاجة الفقراء أو أصحاب الأراضي القليلة والضعيفة والإنتاج إلى الاستدانة منهم نظير رهن يقدمونه١ أو يضطرون إلى بيع ثمار نخلهم وأعنابهم مزابنة، ومحاصيل شعيرهم وقمحهم محاقلة، فيزيد هؤلاء الأغنياء من ثرواتهم بينما يصاب الفقراء بالخسارة والخراب، وربما يضطر صاحب الأرض القليلة إلى التخلي عنها وفاء لديونه٢، وقد كان هذا الأمر مما يشعر بالهوة بين الأغنياء من أصحاب الأراضي وبين الفقراء، ويؤدي إلى إثارة المطامع والأحقاد، وقيام التنازع بين البطون رغبة في تملك الأراضي الزراعية، وما كان يحدث بسببه من حروب، كان الخصم يتجه فيها إلى تدمير ثروة خصمه بقطع نخله وإتلاف مزروعاته، مما كان يؤدي إلى إضعاف قوة المدينة الاقتصادية نتيجة هذه الخسائر المادية. وكان اليهود أكثر غنًى من العرب بوجه عام؛ لذلك لم تكن حاصلات العرب تكفي لسد حاجتهم إلا بصعوبة، وكثيرًا ما كانوا يستدينون من اليهود٣، وهذا يفسر لنا مقدار الجهد الذي تحمله عرب المدينة حين نزل عليهم المهاجرون من أهل مكة فأقاموا معهم في ضيافتهم ثم عملوا في أراضيهم مزارعة ٤. وعلى الرغم من أن عدد المهاجرين لم يكن يتجاوز المائة أسرة؛ فإن هذا العدد القليل أثر على حياة الأنصار الاقتصادية، ولم تتحسن الأحوال إلا بعد إجلاء بعض القبائل اليهودية عن المدينة، وبعد أن استقر أمر المهاجرين وأخذوا يجدون لهم رزقًا في العمل بالتجارة٥. لكن الزراعة بالمدينة انتعشت بعد استقرار أحوالها بعد الهجرة والقضاء على المنازعات الداخلية فيها، حتى استوعبت المدينة عددًا كبيرًا من المهاجرين إليها

стр. 333

والوافدين عليها من قبائل العرب، وكثر عمرانها وبدأ الناس في استغلال الأراضي واستصلاح مواتها وإعدادها للزراعة.

стр. 334

النشاط الرعوي لم تكن منطقة المدينة بلاد رعي؛ فقد كانت الأراضي الصالحة للزراعة تستغل في إنتاج الحاصلات الزراعية، وما وراء منطقة يثرب كان مجالًا لنشاط القبائل البدوية,. ومع ذلك فقد كان لأهل المدينة ثروة من الإبل والماشية والأغنام، يرعونها ما تنبت منطقة المدينة من أشجار وشجيرات رعوية١، كما كانت توجد إلى الشمال الغربي للمدينة منطقة رعوية هي منطقة زغابة والغابة تبدأ من مجتمع الأسيال على سبعة أميال من جبل سلع على طريق الشام، وبها أشجار ومراع يحتطب منها الناس ويرعون شجرها٢، وإلى جنوب المدينة على طريق مكة توجد مراع بين المدينة والربذة حماها النبي ﷺ بعد الهجرة لإبل الصدقة ترعاها ٣ كما حما منطقة تسمى نقيع الخضمات في الناحية الجنوبية الغربية من المدينة لخيول المسلمين. وقد كان أهل المدينة يملكون عددًا من البقر لحرث الأرض، كما كانوا يستخدمون الإبل في ري الأراضي يحملون عليها الماء من الآبار، ويسمونها الإبل النواضح، وكان بعضهم يملك منها عددًا قد يصل إلى المائة يستخدمها لهذا الغرض٥ كما كان البدو يجلبون إلى المدينة أغنامهم وإبلهم يبيعونها لأهلها٦. لكن ما كان يملكه أهل يثرب من الإبل والدواب والخيول كان قليلًا بالقياس إلى ما كانت تملكه مكة أو تملكه القبائل البدوية منها٧ لكنها زادت شيئًا فشيئًا بعد الهجرة

стр. 335

تبعًا لحاجة المسلمين إليها في حروبهم، فكثر جلب الخيل من البادية، يأتي بها الأعراب لبيعها، وقد صارت لها سوق خاصة بالمدينة؛ كان بنو سليم المشهورون باقتناء الخيل يجلبونها إليها، وأصبح يطلق على هذه السوق بقيع الخيل١، كما كانت تجلب إلى هذه السوق الإبل والغنم أيضًا. وقد ازدادت ثروة المدينة الحيوانية بالتدريج بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية بها وكثرة الغزوات ضد القبائل العربية التي كانت تناوئ المدينة، بما كان يقع في أيدي المسلمين من غنائم من الإبل والأغنام٢، وبما كان يشتريه المسلمون من الخيول لسد حاجتهم الحربية٣، حتى لقد بلغ عدد الخيول في جيش المدينة عند فتح مكة سنة ٨ هـ ألفي فرس، كان الأنصار يملكون منها خمسمائة فرس ويملك المهاجرون ثلاثين فرسًا والباقي تملكه القبائل التي والت المدينة، وانضمت إليها ٤، وبلغ ما استطاع أن يمد به رجل واحد من المسلمين -هو عثمان بن عفان- جيش تبوك تسعمائة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا٥؛ الأمر الذي يقطع بنمو الثروة الحيوانية في يثرب نموًّا كبيرًا بعد الهجرة النبوية.

стр. 336

الصيد: كان الصيد حرفة من الحرف التي يزاولها العرب سواء منهم أهل الحضر وأهل البادية، وكانت وسيلة من وسائل المعاش عند بعض الناس. ولقد زاول أفراد من أهل المدينة حرفة الصيد وبرعوا فيها، وكانت حيوانات الصحراء التي تصاد هي الحمر الوحشية والغزلان والأرانب والضباب يطاردونها بالخيل والرماح أو يرمونها بالسهام،

стр. 337

كما كانوا يستخدمون الكلاب المعلمة١ والبزاة للقبض على الصيد، أو تعطيل الحيوان حتى يصل إليه الصائد فيرميه بالسهم، أو يطعنه بالرمح، أو بالمعراض وهو خشبة محددة الطرف أويوضع في طرفها حديدة. كما كانوا يستخدمون الفخاخ والشباك والأشواك المنشورة، ومنها ما يدس تحت التراب من الحديد للبقر والحمير؛ فإذا تخطت فيه حطت أرجلها ولذعها فرمحت فيقطع أعصابها حتى لا يكون بها حراك ثم يدركها الصائد٢. أما صيد البحر فقد كان مزاولًا يزاوله سكان السواحل، وقد يزاوله أهل الحاضرة، ولا يستبعد أن يكون بعض أهل المدينة قد زاولوه في أسفارهم ورحلاتهم، وقد ورد ذكر الصيد بنوعيه في القرآن الكريم مما يدل على أن الناس كانوا يزاولونه، وينتفعون به ويعولون عليه في حياتهم ومعاشهم٣.

стр. 338

النشاط التجاري من البديهي ألا تشذ يثرب عن حياة المدن والقرى الاستقرارية التي تتحمل الأعمال الدائمة وتتلازم مع الأعمال الزراعية والصناعية والتجارية. وإذا كان أهلها -في الأغلب- يعيشون على غلات الأرض والبساتين، وكانت خصوبة التربة تغنيهم عن الضرب في مناكب الأرض ابتغاء الرزق؛ فإن طبيعة كونها مدينة وحولها القرى والأعراب لا بد أن تجعل فيها حركة تجارية، وأن يكون كثير من أهلها قد تفرغوا لأعمال التجارة. ولقد وردت في القرآن الكرريم آيات مدنية كثيرة فيها بعض الأوامر والنواهي والتشريعات١، بما يمكن أن يلهم أنه كان في المدينة حركة تجارية غير

стр. 339

ضعيفة قبل الإسلام، ولا يرد هذا بأن تكون قوة هذه الحركة فيها قد وجدت بعد الهجرة النبوية.

стр. 340

التجارة الداخلية: كانت التجارة الداخلية في يثرب نشيطة، والأخذ والعطاء والتعامل فيها كبيرًا، سواء بين أهلها أنفسهم، أو بينهم وبين جيرانهم من الأعراب الذين كانوا يفدون على المدنية للامتياز منها، ولتصريف منتجات البادية من إبل وغنم وخيل، وصوف ووبر وسمن وأقط وغير ذلك، كما كانت الصناعة في يثرب قائمة وبخاصة صناعة الصياغة حيث كانت تمون مدن الحجاز وبدوها بما يحتاجون إليه من حلي لنسائهم وبناتهم، وكذلك بالمصنوعات الحديدية من أسلحة ودروع وآلات زراعية وغيرها. وكان في المدينة عدة أسواق، والسوق فضاء واسع لا بناء فيه يضع فيه التجار بضائعهم، والمكان لمن سبق١، وكان الراكب ينزل بالسوق فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق ورحله بعينه يبصره لا يغيبه عنه شيء. وأهم هذه الأسواق سوق بني قينقاع عند جسر وادي بطحان مجاورة لمنازلهم، وكانت سوقًا عظيمة، تكثر فيها الحركة، وتسمع منها ضجة البيع والشراء والتعامل٢، وأهم ما كان يباع الحلي التي تخصص يهود بني قينقاع في صناعتها. ثم سوق أخرى بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب في الشمال الغربي من المدينة، وقد اتسعت هذه السوق وعظم أمرها بعد الإسلام حيث اتخذها المسلمون سوقًا لهم بعد أن فسدت العلاقات بينهم وبين اليهود٣. كما كانت توجد سوق بالعقبة وهي موضع من قباء ٤، وسوق بمزاحم عند مساكن بني الحبلى عشيرة عبد الله بن أبي، وسوق قرب البقيع عرفت ببقيع الخيل، كانوا بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، وكان أكثر ما يباع في هذه السوق الحيوانات ٥.

стр. 341

كل هذه الأسواق كان يباع فيها كل ما تنتجه المدينة من تمر وشعير وطعام وخمر، وحتى الحطب الذي كان يباع فيها يجلبه الحطابون من أشجار المدينة أو من الغابة أو من البادية. كذلك كان يباع فيها ما يجلب إليها من الخارج من منتجات البادية من صوف وشعر ووبر وسمن وأقط. كذلك كانت الأشياء المصنوعة تباع فيها سواء كان ذلك من صناعة المدينة نفسها من حلي وسلاح، وآلات زراعية من مساح ومكاتل وكرازين، أو ما يجلب إليها من الخارج من نبيذ وزيت وحنطة ومنسوجات قطنية وحريرية، ونمارق ملونة مرسومة يبتاعها أهل النعمة واليسار، كما كان هناك عطارون يتاجرون في أنواع العطارة والمسك والروائح العطرية. وكان لكل طائفة من الباعة موضع معلوم في السوق١. وإلى جانب البيع والشراء في منتجات الأرض وفي المصنوعات والمجلوبات الخارجية، كان هناك أناس يعملون بالصيرفة ويعتبرونها نوعًا من التجارة؛ فكانوا يبيعون الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما كانوا يقومون باستبدال النقود وكسرها، ولكنهم كانوا يستغلون جهل الناس فلا يظهرونهم على مدى الجودة أو فارق الوزن في الدنانير والدراهم٢. وكانت السمسرة حرفة يحترفها بعض الناس، فيتولون البيع نيابة عن أصحاب البضائع وبخاصة من أهل البادية، وكثيرًا ما كانوا يستغلون جهل هؤلاء البدو فيخسرونهم، أو يرفعون في السعر أو ينقصون مضاربة٣. ولم تكن هناك رقابة مفروضة على البيع والشراء وتنظيم التعامل في هذه الأسواق، إذ لم تكن في المدينة هيئة حكومية؛ وإنما كانت المدينة تحيا حياة قبلية تامة؛ فلم تكن لذلك رقابة على ضبط المكاييل وتنظيم البيع والشراء، وحماية السذج من البدو من الوقوع في يد المحتالين والغشاشين ومع أن الكيل والوزن كان موجودًا؛ إلا أن البيع والشراء مجازفة كان أمرًا سائدًا٤. كما كان من وسائلهم المناجشة في

стр. 342

البيع وهي أن يزيد الشخص في السلعة أكثر من ثمنها، لا يشتريها ولكن ليغر غيره فيقع فيها١. كما كان التجار يتلقون الركبان خارج المدينة فيشترون منهم ما يحملون من طعام قبل أن يصلوا إلى السوق حتى لا يعرفوا ثمنه الحقيقي، ثم يجمعونه ليحتكروا بيعه في السوق، وأحيانًا يبيعونه في مكانه قبل أن يصلوا إلى السوق إذا تحقق لهم الربح الذي يريدونه٢. كما كان الغش والمخادعة أمرًا جاريًا في الأسواق، فكانوا يبلون الحنطة والشعير ليكثركيلها، أو يخفون الرديء داخل الطيب، ويخلطون التمر الرديء بالجيد، ويحفلون -يصرون- الإبل والغنم والبقر فلا يحلبونها أيامًا حتى تبدو أنها كثيرة اللبن ثم يبيعونها ٣. كما كان البيع بالنسيئة -تأجيل الثمن- وبالرهن وسيلة من وسائلهم، وهم بذلك يبغون تنشيط البيع من ناحية وتحقيق ربح أزيد من ناحية أخرى. وكما كان أهل المدينة يتبايعون في المعروضات، كذلك كان يتبايعون فيما بينهم في الممتلكات والمزروعات، فكانت الدور والأرض تباع في المدينة٤. وكانوا يتصرفون في مزروعاتهم ببيعها قبل أن يبدو محصولها فيبيعون التمر على رءوس النخل قبل أن يزهو -يظهر لونه بحمار أو صفار- ويبيعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، كما يبيعون الزرع في سنبله، وكان يحدث من جراء ذلك خسارة من كلا الوجهين؛ فقد تصاب الثمار بالدمان -المرض أو القشام: العاهات- فتحدث خسارة للمشتري، أو يستغل المشتري حاجة البائع فينقص في تقدير المحصول فتلحق الخسارة صاحب الزرع٥. وقد كان الربا مظهرًا من مظاهر الحركة الاقتصادية والتجارية، ووسيلة من وسائل التعامل في المجتمع العربي بعامة وفي المدن بخاصة. وكان يزاول في المدينة مزاولة كبيرة٦ بين أهلها أنفسهم وبينهم وبين الوافدين إليهم. وكان وسيلة من وسائل زيادة

стр. 343

الثروات، إذ كان الربا أحيانًا كثيرة يربو على الدين نفسه، فيذهب بأموال الناس. وقد كان العرب واليهود يزاولونه على السواء؛ فقد ذكرت الروايات أن أحيحة بن الجلاح أحد زعماء الأوس كان يتعامل بالربا حتى مع قومه من الأوس حتى كاد يحيط بأموالهم١. وقد نزل القرآن يندد باليهود وينعى عليهم أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل٢. وقد كان الربا شديد الرسوخ وكان يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المدينة والمدن الحجازية بعامة، وكان القضاء عليه أمرًا شاقًّا حتى لقد تدرج القرآن في إبطال التعامل به؛ فبدأ بأن نهى عن الربا الفاحش: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران﴾ ثم نزل بتحريمه تحريمًا كاملًا بعد أن بين أضراره: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة] . وحين قامت الدولة الإسلامية في يثرب بعد الهجرة كانت وسائل البيع والتعامل هذه سائدة في المدينة، فأخذ النبي ﷺ يعمل على تنظيمها، وقد ساق أصحاب الحديث أوامر كثيرة أصدرها النبي ﷺ تأمر بعدم استخدام الوسائل غير الشريفة في البيع والشراء والمعاملات، فقد نهى أن يبيع حاضر لباد -أي لا يكون له سمسارًا- لما في ذلك من خداع٣ كما نهى عن تلقي الركبان خارج المدينة، وعن بيع الطعام قبل أن يصل إلى السوق٤. كما نهى عن الغش واعتبر الغاش خارجًا على الجماعة٥. كما نهى عن أن يباع الثمر قبل أن يبدو صلاحه٦. وأمر أن يكون الكيل والوزن هو الأساس في المبايعة

стр. 344

فمنع بيع المجازفة، وكان كل من روئي يبيع جزافًا يضرب في المدينة١. كما قضى برد كل بيع استعملت فيه المناجشة والخداع٢، كما منع بيع المزابنة، والمحاقلة، والمخاضرة وهي بيع الزرع في سنبله٣ وأمر بالدقة في المعاملة والصيرفة٤: وبذلك وضعت التشريعات لتنظيم التجارة في المدينة وقامت الدولة على مراقبتها وتنظيمها. وقد أدى هذا إلى رواج التجارة الداخلية، وبدأت الثقة تأخذ طريقها إلى نفوس البدو الذين كانوا يفدون بما لديهم من سلع، وأخذت عرب المدينة بقسط كبير من مزاولة التجارة الداخلية، وبخاصة المهاجرين من قريش الذين انضافت خبرتهم التجارية إلى حركة التنظيم الجديدة؛ فسيطروا على السوق الداخلية وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة، وبدت واضحة مع الأيام فيما كان من ثروات، أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ممن اشتهروا بالتجارة، حتى لقد أسهم عثمان في تجهيز جيش تبوك بتسعمائة وخمسين جملًا وخمسين فرسًا وألف دينار٥، وقد كان لتنظيم المعاملات في سوق المدينة أثر على اليهود الذين كانوا يستغلون فساد المعاملات لزيادة ثرواتهم٦، الأمر الذي كان له أثره على العلاقات بين المسلمين واليهودكان سنوضح فيما بعد.

стр. 345

التجارة الخارجية: كانت المدينة على طريق القوافل التجارية، ومن المستبعد أن يبقى تجارها في غفلة عن الأسفار التجارية كماكان يقوم بهأ اهل مكة، وكان فيها جالية كبيرة من اليهود ومنهم من كان يملك ثروة كبيرة، ومن المستبعد ألا يكونوا قد ضربوا بسهم وافر في النشاط التجاري في الحجاز بعامة وفي المدينة بخاصة، سواء كان ذلك بالرحلات

стр. 346

التجارية الخارجية أو في الأسواق المحلية والموسمية١. وتحدثنا المصادر عن رجل يهودي كان يتاجر في الحجاز، وكان بارعًا في التجارة حتى لقد أحنق عليه القرشيين أنفسهم وهم على ما هم عليه من براعة وخبرة تجارية؛ فتخلصوا من منافسته بقتله٢. كما تحدثنا عن أبي رافع الخيبري الذي كان يرسل تجارته إلى الشام بواسطة القوافل ويستورد منها الأقمشة المختلفة٣. وإذا كان سكان المدينة من العرب واليهود قد عملوا بالزراعة وكانت موردهم الرئيسي، وإذا كانوا قد شغلوا بحروبهم وخلافاتهم الداخلية؛ فليس معنى ذلك أنهم أهملوا التجارة، وقد تحدثنا من قبل عن الحركة التجارية النشيطة في الداخل، وليس من المحتمل أنهم لم يزاولوا التجارة الخارجية، وإن لم يضربوا فيها بسهم وافر مثل أهل مكة الذين كانت المورد الأساسي للرزق عندهم. وإن كانت المصادر لم تحدثنا عن قوافل تجارية للمدينة اتجهت إلى الشام أو إلى اليمن، ولكن من المؤكد أن قوافل مكة كانت تمر بالمدينة في رحلاتها التجارية، وأن أهل المدينة يتعاملون مع هذه القوافل المكية٤، كما كانوا يرحلون إلى الأسواق العربية في عكاظ ومجنة وذي المجاز في موسم الحج يبيعون فيها ويشترون٥. كما كانوا يستوردون ما يلزمهم من أقمشة قطنية وحريرية ونمارق مرسومة ووسائل الترف، وما يحتاجون إليه من زيت وزبيب ونبيذ من الشام ومن اليمن، كما كانوا يستوردون العطور والمسك من دارين فرضة البحرين التي كان يحمل إليها المسك من الهند٦. ثم هم كانوا في حاجة إلى تصريف ما لديهم من صناعات وبخاصة الحلي التي اشتهر يهود بني قينقاع بصناعتها في أسواق العرب أو في الأسواق الخراجية، ثم يستجلبون ما يلزمهم من خامات

стр. 347

الذهب والحديد وغيره مما يلزم لصناعاتهم، ومن أحجار كريمة من هذه الجهات، وكان أنباط الشام يأتون إلى المدينة بقوافلهم تحمل الحنطة والزبيب والزيوت١، وكثيرًا ما كان أهل يثرب يدفعون إليهم مقدمًا ثمن البضائع ليضمنوا ورودها٢. ولا يستبعد أن أهل يثرب أنفسهم كانوا يرحلون لجلب ما يلزمهم من الشمال أو من الجنوب؛ بل الأرجح أنهم كانوا يقومون بهذه الرحلات. وكما كانوا يسافرون بالبر كذلك كانوا يتاجرون عن طريق البحر٣، والمدينة ليست على مسافة كبيرة من البحر الأحمر، ولها فرضتها التي كانت ترسو فيها السفن وهي الجار، وبينها وبين المدينة يوم وليلة، وبينها وبين أيلة نحو عشر مراحل، وهي فرضة ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وكانت ميناء هامًّا حتى لقد سمي هذا الجزء من البحر الأحمر من جدة إلى أيلة الجار ٤. فلا بد أن أهل المدينة انتفعوا بالتجارة عن طريق هذا المرفأ وتلقوا منه حظًّا من التجارة العالمية. وإذا كانت يثرب -نظرًا لظروفها الداخلية- لم تستطع منافسة مكة في مجال التجارة بوجه عام في الفترة التي سبقت الإسلام؛ فإنها لم تلبث أن أخذت تنافسها منافسة خطيرة بعد الهجرة النبوية وقيام الدولة الإسلامية بها؛ فلم يكد المسلمون يستقرون بالمدينة حتى اتجهوا إلى التجارة الخارجية مع مزاولتهم للتجارة الداخلية وتنظيمها، فقد بدأ رجال من المهاجرين من قريش من أمثال طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعيد بن زيد وغيرهم يرحلون إلى الشام يجلبون منها التجارة٥. وفي الوقت الذي أخذت فيها قوات المدينة طريق الشمال على قوافل قريش، أخذت المدينة تحاول أن تخلفها في هذا المضمار، وشيئًا فشيئًا تحول الزمام إلى يثرب بعد أن صارت عاصمة الدولة العربية الموحدة

стр. 348

المكاييل والموازين: لما كانت حاصلات المدينة في الأغلب حاصلات زراعية؛ فإن المكاييل كانت أكثر استعمالًا فيها من الأوزان، ولذلك قالوا المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة١. وكانت المكاييل أنواعًا وحدتها "المد" وهو أربع حفنات بحفنة الرجل الأوسط. والصاع مكيال قدره أربع أمداد٢ وهو خمسة أرطال، والفَرَق قدره سبعة عشرة رطلًا وثلاثة أرباع الرطل٣ والوسق يساوي حمل بعير ويساوي ستين صاعًا أو ثلاثمائة وعشرين رطلًا٤. أما الأوزان المستعملة فهي: الدرهم والمثقال والدانق والقيراط والنواة والرطل والقنطار، والقيراط نصف الدانق، ووزن الدرهم ستة دوانق، وكل عشرة دوانق تساوي سبعة مثاقيل، والأوقية تساوي اثني عشر درهمًا، والنش نصف أوقية، والنواة من الذهب تساوي وزن نواة التمر أو هي وزن معلوم عندهم، والقنطار مائة رطل٥.

стр. 349

العملة: كانت العملة هي الدرهم والدنانير، والأولى من الفضة والثانية من الذهب، وكانت أنواعًا من ضرب فارس والروم، ومنها ما لم يكن مضروبًا ولا منقوشًا من اليمن أو من المغرب، وكانوا يتعاملون أحيانًا بالوزن في الذهب والفضة على السواء. وكانت الدنانير في الغالب تحمل من بلاد الروم عليها صورة الملوك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية؛ ولذلك كانت العرب تسميها الهرقلية، وكانت غالبية الدراهم فارسية عليها صورة كسري واسمه مكتوب بالفارسية، ولم يكن للعرب في ذلك الوقت

стр. 350

دور للضرب، ولم نعرف أنهم ضربوا العملة لحسابهم في أي من بلاد الدولة الفارسية أو الرومية؛ ولذلك اعتمدوا على العملة الخارجية يؤتى بها من الخارج أو يجلبها الوافدون من التجار من أهل هذه البلاد حين يفدون إلى بلاد العرب يستبضعون منها؛ ولذلك كان العرب في كثير من الأحيان يستعملون الوزن في الذهب والفضة في معاملاتهم١.

стр. 351

النشاط الصناعي كانت المدينة أظهر من مكة في النشاط الصناعي، فقد كانت تقوم بها صناعة معتمدة على الإنتاج الزراعي، كما كانت أيضًا ضرورية للأعمال الزراعية، ثم إنه كان بها صناع متخصصون احترفوا أنواعًا من الصناعات وبرعوا فيها وبخاصة صناعة الحلي والأسلحة؛ هذا إلى صناعات أخرى هي من مستلزمات حياة المدن ومن مستعملات الناس في حياتهم اليومية، وإذا كان بعض هذه المستلزمات قد جلب من الخارج مصنوعًا؛ إلا أنه ليس من المعقول أن يجلب الناس كل ما يحتاجون إليه جلبًا، وأن يعيشوا عالة على العامل الخارجي في كل شيء، بل لا بد من قيام طبقة من العمال تقوم بصناعة محلية، وبخاصة إذا توافرت المادة الخام لها، كما أن هناك أعمالًا لا يمكن جلبها من الخارج مثل النجارة والحياكة ونحت الحجارة وما يستلزم البناء من صناعة. ولقد قامت في المدينة صناعات معتمدة على الإنتاج الزراعي، وأهمها صناعة الخمر من التمر والبسر وكانوا يسمونها الفضيخ١، وكانوا يشربونها ويتاجرون فيها، وكان لديهم منها كميات كبيرة يختزنونها في الجرار سواء في ذلك العرب واليهود. كما

стр. 352

كانت تقوم صناعة الخوص من سعف النحل، فيصنعون المكاتل -المقاطف- والقفف مما يستخدم في أعمال المنزل وفي أعمال الزراعة، وكذلك كانت تقوم أعمال النجارة اللازمة للبيوت من أبواب ونوافذ الأثاث، وكان أغنياء اليهود يملكون كثيرًا من الأثاث لبيوتهم ١ كما كان استعمال الكراسي أمرًا شائعًا يصنعونها من الخشب وأرجلها من الحديد٢ وقد أعان على قيام الصناعة من الخشب وجود شجر الطرفاء والأثل في منطقة الغابة في شمال غربي المدينة٣. كما كانت الحدادة إحدى الصناعات القائمة في المدينة والمرتبطة بالأعمال الزراعية؛ فالزراعة تحتاج إلى فئوس ومحاريث ومساح ومناجل للحصد، وغير ذلك مما يستعمله الزراع من آلات، وكانت هذه الآلات تصنع في المدينة يقوم بصناعتها بعض الناس من العرب ومن اليهود ومن الموالي على السواء، وإن كان الموالي والعبيد أكثر احترافًا لها٤. وإلى جانب هذه الصناعات كانت تقوم صناعة الحلي، وقد تخصص فيها واشتهر بها بنو قينقاع من اليهود٥، احترفوها ولم يحترفها أحد من العرب٦، وكانوا يصنعون أنواعًا كثيرة من الحلي الذهب، منها الأساور والدمالج والخلاخيل والأقرطة والخواتم والفتخ -جمع فتخة وهي الدبلة- والعقود من الذهب أو الجوهر أو الزمرد أو من الجزع الظفاوي وهو خرز ثمين به ألوان بيضاء وسوداء، وكانوا يبيعون هذه الحلي في سوق عرفت بهم، كان يأتيها النساء من أهل المدينة يشترين ما يلزمهن منها٧، ويقدم إليها الناس يأخذون ما يلزم لنسائهم وفتيانهم سواء في ذلك أهل المدينة وأهل البادية أو المدن الحجازية، وقد كانوا اليهود يمتكلون حليًّا كثيرة من هذه الحلى٨.

стр. 353

كما كانت صناعة الأسلحة والدروع قائمة بالمدينة، يحترفها اليهود وقد روجوا لها ترويجًا كبيرًا حتى قالوا إنهم ورثوها عن داود النبي١ وكانت السيوف والنبال تصنع بالمدينة، ونبال يثرب مشهورة، وكان من الصناع من يتخصص في جلاء الأسلحة وصقل السيوف٢. ثم كانت هناك أدوات الصيد يصنعونها من فخاخ وشباك وأشراك من الحديد وغير ذلك ٣. وإلى جانب هذه الصناعات الهامة كانت تقوم صناعات النسيج يقوم عليها النساء٤، كما كانت الخياطة والدباغة من الصناعات والحرف التي يحترفها بعض الناس٥، كما كان يوجد بناءون وعمال يقومون على النحت وضرب الطوب٦، وصناع يصنعون آنية المنازل وأدواتها من نحاس وفخار للأكل والشرب وما إلى ذلك من مصنوعات هي مستعملات الناس وحاجاتهم اليوم. وهكذا كانت الصناعة كثيرة في المدينة، وكان يقوم عليها أناس من أهلها من العرب ومن اليهود، ومن الموالي والعبيد ممن قدموا إلى المدينة وأقاموا فيها أو استقدمهم أهلها أو اشتروهم للعمل لهم، وقد كان في المدينة بعض من هؤلاء منهم فرس وروم وقبط وأحباش أقاموا بالمدينة وعملوا لأنفسهم أو لسادتهم بها. ولولا ظروف المدينة الداخلية التي عوقتها من نشاطها؛ لكانت مدينة ذات شأن خطير، ولربما تفوقت على مكة وسيطرت على منطقة الحجاز كلها. وقد أحسن أهلها فعلًا بمدى أثر هذه الخلافات المعوقة وسعوا إلى إصلاح شأنهم، ولما لم يكن من أهل المدينة من الزعماء من يستطيع أن يكسب رضاء كافة الأطراف؛ فقد رغبوا في إدخال عنصر أجنبي محايد لم يتورط في منازعات المدينة وخلافات عصبياتها، فكانت الهجرة النبوية التي تغير بها الوضع في المدينة تغيرًا كاملًا.

стр. 354

الفصل الخامس: الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب فئة قليلة هاجرت إلى يثرب مع النبي ﷺ تاركة ديارها، فأُقفلت بهجرتها دور كثيرة من دور مكة، وتألم كثير من المكيين لقفل هذه الدور وتحسروا عليها، ورموا النبي ﷺ بأنه فرق بين الناس١، كانوا فئة قليلة مشردة مطرودة، أُخرجت من ديارها وأموالها، وفي نفسها حنين إلى من تركوا من الأهل، فلم يستقبلوا حياتهم الجديدة، أو لم تستقبلهم حياتهم الجديدة بالترحاب؛ فقد كان جو المدينة وبيئًا رطبًا، فأصيب كثير من المهاجرين بالحمّى٢، ثم إنهم كانوا محتاجين في هذا العهد الجديد إلى أن يدبروا أمر معاشهم بطريقة ما، بعد أن تخلوا عن أموالهم في مكة وهاجروا فَارِّين بدينهم وأنفسهم. هذه الفئة القليلة التي يعمل فيها الحنين والحمى، والتي تدبر أمر معاشها على نحوٍ ضئيل٣، استطاعت أن تبلغ في يثرب ما لم تبلغه في مكة، ونالت توفيقًا لم تنل مثله من قبل، فلا بد أن توجد أسباب تعلل هذا التوفيق. وأول هذه الأسباب: هو أن اليهود كانوا قد هيَّئوا الناس لفكرة الديانة السماوية؛ فقد كانوا أهل كتاب. وكان الأوس والخزرج وثنيين، لكن الاتصال المستمر جعل الفريقين يعرفان أديان بعضهما. وقد كان اليهود يفاخرون الأوس والخزرج بدينهم وكتابهم ويعيرونهم بوثنيتهم، ويهددونهم بقرب ظهور نبي جديد يحطم الأصنام؛ فينضمون إليه ويقتلونهم قَتْلَ عادٍ وإرم؛ فالأوس والخزرج الوثنيون حين دعوا إلى

стр. 355

الإسلام كانوا أكثر استعدادًا لتقبله وفهم معناه من وثنيي مكة، وكانوا أسرع إلى هذا النبي الذي كثيرًا ما كانت تهددهم به اليهود وأحرص على ألا يُسبقوا إليه١. ثم إن الأوس والخزرج كانوا -في هذا الوقت- أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف بها وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم؛ فإذا تحالف النبي ﷺ مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه كان له ألا يخشى اليهود، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يُدْخِلوا في المدينة مَنْ شاءوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم. وقد استطاع النبي ﷺ فيما بعد أن يرغم اليهود على الانضمام إلى الجماعة الجديدة، وأن يرغمهم بعد ذلك على أن يخرجوا من المدينة حين تبين منهم الخيانة، وأصبحوا خطرًا على الدولة الناشئة. والأمر الثالث الذي مهد للنبي ﷺ هو أن كثيرًا من زعماء الأوس والخزرج الذين كان الناس يرشحونهم للرياسة، والذين كانوا موضع التبجيل والاحترام، والذين كانوا أصحاب الكلمة النافذة في يثرب، وكان من الممكن أن تقف مطامعهم الشخصية في وجه النظام الجديد، مات أكثرهم في موقعة بُعاث بين الأوس والخزرج قبيل الهجرة؛ فلم يجد النبي ﷺ إلا الرؤساء الثانويين، وكان هؤلاء أميل إلى الطاعة، أو كانوا على أي حال أسهل قيادًا٢. وأمر رابع لا يقل أهمية وهو: أن فكرة الخير التي تمتلئ بها النفس ويقتنع بها العقل تجعل من قوة الفرد الضئيلة قوة ضخمة، كأن القوة الفردية تتضاعف بمقدار ما في النفس من إيمان بالفكرة؛ لأن هذا الإيمان وهذه العقيدة يورثان صاحبهما قوة تمكنه من أن يصل إلى غايته لا يستطيع صده عائق أو معوِّق. هذه هي الأسباب التي ساعدت الفئة القليلة الطريدة الطارئة على المدينة. وما كاد النبي ﷺ يستقر بها حتى بدأ تنظيم أمر الدعوة الإسلامية تنظيمًا يختلف عن التنظيم المكي.
следующие страницы →