وقد كان اليهود يعتبرون أنفسم شعب الله المختار من بين شعوب الأرض ولا تسمح أنفسهم أن تكون هذه الميزات لشعب آخر ليس منهم١.
ومما يؤيد هذا أنه كان إلى جوار اليهود بالمدينة بطون عربية صغيرة قبل مجيء الأوس والخزرج٢، وقد بقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة، ولم تعتنق اليهودية على الرغم من أنها عاشت زمنًا طويلًا مع اليهود وعلى الرغم من أن اليهود كانوا أصحاب الثروة والنفوذ في يثرب.
وعند الهجرة النبوية كان المفهوم العام عند العرب واليهود على السواء أن اليهود إسرائيليون. ويشير السهيلي إلى نقطة جديرة بالاعتبار عند مناقشته لمعنى قول النبي ﷺ في مدح مخيرق أحد بني النضير الذي أسلم واشترك في موقعة أحد وقتل فيها: "مخيرق خير يهود". وقال: "مخيرق مسلم" ولا يجوز أن يقال في مسلم هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه، فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال: "خير يهود" ولم يقل خير اليهود، ويهود اسم علم كثمود، يقال: إنهم نسبوا إلى يهوذ بن يعقوب، ثم عربت الذال دالًا، فإذا قلت اليهود بالألف واللام احتمل وجهين: النسب، والدين الذي هو اليهودية، أما النسب فعلى حد قولهم التيم في التيميين، وأما الدين فعلى حد قولك النصارى والمجوس، أعني أنها صفة لا أنها نسب إلى أب. وفي القرآن لفظ ثالث لا يتصور فيه إلا معنى واحد وهو الدين دون النسب، وهو قوله سبحانه ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة] بحذف الياء، ولم يقل كونوا يهود؛ لأنه أراد التهود وهو التدين بدينهم، ولو قال كونوا يهودًا بالتدين لجاز أيضًا على أحد الوجهين المتقدمين، ولو قيل لقوم من العرب كونوا يهود بغير تنوين لكان محالًا؛ لأن تبديل النسب حقيقة محال. وقد قيل
стр. 282
هود جمع هائد وهو في معنى ما قلناه. فلتعرف الفرق بين قولك هودًا بغير ياء، ويهودًا بالياء والتنوين، ويهود بغير تنوين، فإنها تفرقة حسنة صحيحة ١.
وإذا تتبعن المصادر في الأقوال التي يشار فيها إلى اليهود المعروفين بإسرائيليتهم؛ وجدنا كلمة يهود هي الكلمة المستعملة، مما يقطع بأن هذا الاصطلاح كان مفهومًا بمعناه المؤدي إلى النسب سواء لدى العرب أو اليهود على السواء٢.
هذا إلى أن النسابين العرب لم يذكروا إحدى قبائل اليهود في المدينة أو غيرها من أقاليم الحجاز ضمن الأنساب العربية٣، واليهود أنفسهم لم يحاولوا نسبة أنفسهم إلى قبائل العرب، بل حرصوا على نسبة أنفسهم إلى الإسرائيليين؛ فقد كان بنو قينقاع يدعون أنهم من ذرية يوسف الصديق ٤، وبنو النضير وقريظة يسمون الكاهنين٥ وعلى العكس ذكر النسابون أنساب القبائل المتهودة في اليمن والقبائل المتنصرة في الشام، وهذه القبائل المتهودة أو المنتصرة لم تحاول أن تنسب نفسها إلى الإسرائيليين أو غيرهم من الأمم الأخرى؛ فقد كانت القبائل العربية شديدة المحافظة على أنسابها شديدة الأنفة من أن تدعي نفسها إلى غيرها، وتشير الآية القرآنية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران] إلى أن اليهود كانوا يعتبرون ما دونهم من الأمم أممًا ثانوية ليس عليهم أي تبعة نحوها، ويبيحون لأنفسهم كل شيء معها.
стр. 283
وكلمة الأمين في الأصل كان يطلقها اليهود على الأمم الأخرى، وفي الحجاز أطلقوها على العرب، وتعني غير الكتابيين١، ومما يؤيد هذا أنه لم تكن لليهود في المدينة وفي أقاليم الحجاز عصبية قبلية بين العرب؛ وإنما كانت صلاتهم بالقبائل العربية صلة حلف ومصالح مشتركة؛ ولذلك لم يجدوا من قبائل العرب من يقف إلى جانبهم بدافع العصبية حين حاربهم النبي ﷺ وطرد بعضهم من المدينة وقضى على بعضهم الآخر؛ بل إنهم حين خرجوا من المدينة لم يلجئوا إلى قبائل العرب ينزلون عليها استنادًا إلى رابطة القربى؛ وإنما لجئوا إلى إخوانهم في خيبر وتيماء ووادي القرى، ثم رحلوا إلى الشام٢.
وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة ليقيموا فيها ويتحصنوا بها في أوقات الحروب حين يغزوهم الأعراب الطامعون في أموالهم وحاصلاتهم الزراعية. ويرجح أن فكرة إقامة الحصون والآطام على قمم التلال في يثرب وفي شمال الجزيرة العربية إنما أتى به اليهود من فلسطين وطنهم الذي وفدوا منه والذي كثرت في جباله الحصون المنيعة، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يطمئنون كل الطمأنية في المجتمع العربي، فعمدوا إلى اتخاذ القرى والحصون ليقووا فيها على الدفاع عن أنفسهم؛ ولذلك كانوا في سكانهم منعزلين عن العرب يعيشون مع بعضهم عيشة التكتل والأحياء الخاصة على ما جرت عليه عاداتهم منذ القديم. كما يدل هذا أيضًا على أن أحداثًا خطيرة كانت تقع بين العرب واليهود من حين لآخر، اضطرتهم إلى إقامة الحصون، ثم إلى عقد المحالفات مع العرب والاندماج الظاهري في تقاليدهم العصبية الاجتماعية والقبلية.
أما لغة اليهود في بلاد العرب فقد كانت العربية بطبيعة الحال؛ ولكنها لم تكن خالصة بل كانت تشوبها الرطانة العبرية٣، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركًا تامًّا، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراستهم، فكان من الضروري أن يدخل في عربيتهم بعض العبرية٤. وقد كان لهم في المدينة كيان طائفي وديني، وكان لهم
стр. 284
معابد ومدارس١، وأحبار وربانيون -وكلمة حبر عبرية الأصل معناها الرفيق، وقد كانت في عهد البعثة تطلق على كل متعلم من اليهود٢- وكان لهؤلاء الربانيين والأحبار احترام عظيم وأثر كبير فيهم، وكان من أعمالهم أن يتولوا القضاء ويفصلوا للناس فيما شجر بينهم٣، كما كانوا أصحاب الأمر والنهي في الشئون الدنيوية، كما يقول القرآن الكريم ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة] وقد نشر اليهود عن أنفسهم -على ما يظهر- علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون، وكانوا يزهون على العرب بهذا وبالدين السماوي، وكانوا يفخرون ويستفتحون، ويظهرون غرورًا وخيلاء ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه٤. ومع ذلك فقد كان لليهود أخلاقهم التي وصفهم القرآن بها، وهي: الأنانية والجشع والبخل٥، والدس والنفاق وإلقاء الشقوق في نفوس الآخرين قصد البلبة والتحكم٦، وتبرير كل وسيلة للوصول إلى الغاية والمنفعة ٧، واستحلال ما في أيدي الغير وعد أنفسهم غير مسئولين عن الأمانة لهم والوفاء بعهدهم ٨ كما كان من خلقهم اللجاج والحجاج والمكابرة، وتلك أخلاق تجعل اللحمة متصلة بين المعاصرين منهم للرسول والقدماء في هذا الخلق.
من كل ما سبق نستطيع الحكم بأن يهود الحجاز كانوا إسرائيليين طارئين على هذه الجهات، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود عرب تهودوا ولكنهم كانوا قلة قليلة إلى جانب كتل اليهود الكبرى.
стр. 285
أما متى وفد اليهود على يثرب وكيف، فأمر لا يمكن البت فيه برأي قاطع؛ فإن ما لدينا من معلومات هي مجموعة من روايات نقلها أصحاب الأخبار وسردتها المراجع العربية، وهذه الروايات ترجح وصول الإسرائيليين إلى يثرب واستعمارها لها إلى أيام النبي موسى بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وخلاصتها أن المدينة كان يسكنها منذ زمن بعيد قوم من الأمم الماضية يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، وقد ملكوا الحجاز وكان ملكهم به يسمى الأرقم، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم؛ فبعث إلى العماليق جيشًا من بني إسرائيل وأمرهم أن يقتلوهم جميعًا ولا يستبقوا منهم أحدًا. وأن هذا الجيش بعد أن انتصر على أعدائه قتلهم جميعًا إلا ولدًا للأرقم كان وضيئًا فأشفقوا على شبابه؛ فحملوه معهم ليرى موسى فيه رأيه. وحين عاد الجيش إلى الشام كان موسى قد مات، وعد بنو إسرائيل إبقاء الجيش على الشاب العمليقي معصية، ورفضوا السماح للجيش بدخول الشام، فعاد على تعبئته إلى المدينة حيث أقام بها، وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة١.
ويذكر السهيلي هذه الرواية، ويشك في صحتها لبعد عصر موسى ﵇-٢. كما يذكرها ابن خلدون ويضيف إليها أنه يشك في صحتها؛ لأن اليهود لا يعرفون هذه القصة٣؛ ولكنه يحدثنا أن دواد لما خرج عليه ابنه وخلع بنو إسرائيل طاعته فر إلى خيبر وأقام بها إلى أن انتصر على ابنه فعاد إلى وطنه٤. ومثل هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنها لا تستند إلى دليل، ولأنه لا يوجد في أسفار العهد القديم ما يؤيدها، وفي ذلك يقول الأستاذ النجار: إن مؤرخي العرب لم تكن لديهم كتب لمتقدميهم في ذلك، وهم إنما يعولون على ما رأوا في سفر العدد من
стр. 286
حروب بني إسرائيل والمدنيين والأموريين وغيرهم، ويتوسعون في ذلك إلى أرض الحجاز، ويزيدون على ما عند الإسرائيليين بغير سلطان أتاهم١.
ومن جهة أخرى تتحدث أسفار العهد القديم عن علاقات بني إسرائيل بسكان الجزيرة العربية: فتتحدث عن قوافل العرب التجارية التي كانت تأتي إلى أسواق مدن بني إسرائيل وكنعان٢ وتتحدث عن تجارة اليهود الذين كانوا يرحلون إلى سبأ في عهد سليمان٣. كما تحدثت عن حروب ملوك بني إسرائيل وانتصاراتهم على قبائل عربية وعماليقية غزوها، وأنهم واصلوا غزواتهم حتى وصلوا إلى الجزيرة ٤، ومثل هذه الأخبار التي وردت في أسفار التوراة لا تعطينا شيئًا يمكن الاعتماد عليه في إثبات وصول جموع إسرائيلية إلى الجزيرة العربية، وكل ما يمكن أن يقال والحالة كذلك أن القدماء اعتقدوا أنه قد وجدت في جهات يثرب وخيبر بطون إسرائيلية قبل وصول جموع اليهود المعروفة إلى الأصقاع العربية٥.
أخذت جموع كثيرة من اليهود في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد تهاجر إلى الأقاليم العربية عمومًا وإلى ربوع الحجاز بنوع خاص. ويرد إسرائيل ولفنسون أسباب هذه الهجرة إلى الزيادة المطردة في اليهود حتى بلغ عددهم أكثر من أربعة ملايين، وهو عدد لا تتسع له بلاد ضيقة كفلسطين فاضطروا أن يهاجروا إلى ما حولهم من البلاد المجاورة كمصر والعراق والجزيرة العربية.
стр. 287
ثم حدث حوالي القرن الأول ق م أن هاجمت الدولة الرومانية بلاد فلسطين وقوضت أركان الدولة اليهودية المستقلة فيها، وقد استتبع ذلك ثورات متتالية من اليهود أخضعها الرومان بشدة وقسوة، فاضطرت أعداد من اليهود إلى الهجرة إلى جزيرة العربية التي كانت بعيدة عن متناول يد الرومان؛ نظرًا لطبيعتها الصحراوية التي تعوق سير القوات المنظمة وتمنع توغلها؛ فضلًا عن أن هذه البلاد كانت تسودها الأنظمة البدوية الحرة.
وبعد حروب اليهود والرومان٧٠ ميلاديًّا التي انتهت بتدمير بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع يهودية كبيرة بلاد العرب للمزايا السابقة. وتؤيد المصادر العربية كل هذا فتذكر أنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعًا بالشام فوطئوهم ونكحوا نساءهم، خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل -بهدل- هاربين إلى ما بالحجاز من بني إسرائيل لما غلبتهم الروم على الشام، فلما فصلوا عنهم بأهليهم اتبعوا الروم فأعجزوهم وهلك جند الروم في المفاوز والصحاري الخالية من الماء١، وهذه الرويات مأخذوة عن يهود المدينة أنفسهم كما حكى ياقوت٢. ثم أخذت جموع اليهود في الجزيرة العربية تزداد وتكثر بعد اضطهاد الرومان لهم، ثم قصد بنو النضير وقريظة منطقة يثرب، وارتادوا حتى تخيروا أخصب بقاعها فسكنوها.
أفكانت يثرب وخيبر ووادي القرى خالية من السكان حين نزلها اليهود بحيث استعمروها بسهولة دون أن يجدوا من ينازعهم، أم أنها كانت مأهولة ببطون عربية نازعت اليهود ثم غلبت على أمرها؟ لاتعطينا المصادر شيئًا نعتمد عليه في هذا الموضوع. ويقول مؤرخ اليهود ولفنسون: إن هذه المناطق كانت غير آهلة بكثير من العرب، وإن جموع الأعراب كانت تنتجعها ثم ترحل عنها٣. ولكننا لا نستطيع الموافقة على هذا القول. فهذه المناطق بطبيعتها أماكن استقرار دائم عامرة بالقرى، وكانت بها محطات تجارية منذ أيام المعينيين، ثم إنها مناطق خصبة كثيرة الوديان التي
стр. 288
تسيل بالمياه وتكثر فيها الآبار والعيون، ولا يعقل ألا يجذب خصبها السكان إليها والإقامة بها.
وقد ذكرت المصادر أنه كان مع اليهود بالمدينة بطون عربية من اليمن ومن بلى ومن سليم ومن غسان، ثم إن قبائل عربية كبيرة كانت تعيش بجوار هذه الأماكن الخصيبة، حالفها اليهود واتخذوا منها حماة تدافع عنهم كحلف يهود خيبر مع غطفان. ولا تذكر المصادر شيئًا عن الصراع الذي حدث بين اليهود وبين القبائل العربية وهي بذلك تسكت عن تاريخ اليهود جملة ولا نراها تتعرض لشيء من تاريخهم إلا ما كان منه مرتبطًا بالأحداث التي اتصلت بالمسلمين، والأمر من ذلك معلوم وهو أن هذه المصادر أهملت تاريخ اليهود؛ نظرًا لموقفهم العدائي من الدعوة الإسلامية، وقد كرههم العرب فأغفلوا الحديث عنهم إلا من هو متصل بموقفهم العدائي هذا.
ولكننا نستنتج من كثرة الحصون والآطام التي أقامها اليهود للاحتماء بها أنهم لم يكونوا مطمئنين إلى مقامهم وأنهم كانوا يخشون هجوم القبائل عليهم؛ الأمر الذي يجعلنا نشك في أن استعمار اليهود كان هينًا سهلًا، كما نشك في حدوث هجرات يهودية كبيرة دفعة واحدة، وترجح أن هجرات اليهود كانت بأعداد قليلة متتابعة، وأن عددهم ظل يكثر شيئًا فشيئًا حتى غلبوا على هذه المناطق.
стр. 289
العرب
كان العرب في وقت الهجرة النبوية أصحاب الكلمة العليا في يثرب وبيدهم كان توجيه الأمور بها، وجموع العرب بالمدينة - ما عدا بعض العشائر الصغيرة- تنتسب إلى قبيلتين كبيرتين هما الأوس والخزرج. ويقول أصحاب الأنساب: إن الأوس والخزرج أخوان، فهما أبناء ثعلبة بن عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. فهم بذلك أحد فروع الأزد اليمنية ١: وأمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء. ولذلك عرفوا ببني قيلة نسبة إلى أمهم التي تنتسب إلى الغساسنة ملوك عرب الشام٢.
стр. 290
وكانت من قبيلة من القبيلتين تنقسم إلى خمسة أبطن كبرى، انقسمت بدورها إلى بطون أصغر منها وإلى عشائر، حتى بلغت البطون المعروفة من القبيلتين أكثر من أربعين بطنًا، عدا من كان يعايشها من عشائر عربية أخرى اتصلت بها برابطة الولاء. وقد سكنت بطون الأوس المنطقة الجنوبية والشرقية وهي منطقة العوالي من يثرب؛ بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية وهي سافلة المدينة وليس وراءهم شيء في الغرب إلا خلاء حرة الوبرة.
стр. 291
الأوس:
وبطون الأوس الكبرى خمسة أبطن هي: عوف بن مالك، وعمرو بن مالك وهم النبيت، ومرة بن مالك، وجشم بن مالك، وامرؤ القيس بن مالك.
وقد انقسم بنو عوف بن مالك بن الأوس إلى عدة أبطن أهمها: بنو تزيد الذين انقمسوا إلى ضبيعة، وأمية، وعبيد. ثم بنو معاوية، وبنو جحجبا، وبنو لوزان، هذا إلى عشائر أخرى أصغر منها، وقد سكنوا جميعًا منطقة قباء جنوبي المدينة، ما عدا بني معاوية الذين سكنوا شرقي البقيع، وبني أمية الذين سكنوا إلى جنوبهم.
وانقسم النبيت إلى عدة أبطن أهمها: بنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو عبد الأشهل، وبنو زعوراء، وكانت مساكن هذه البطون على الطرف الشرقي لحرة واقم، فكانت منازل بني ظفر في شمال منازل قريظة على وادي مهزور، وإلى شمالهم كانت منازل بني عبد الأشهل، وإلى أقصى الشمال منازل بني حارثة، وأما باقي عشار النبيت من بني زعوراء وعمرو والجريش فكانت عند راتج.
وأهم بطون بني جشم بن مالك: بنو خطمة، وكانت منازلهم مجاورة لمنازل بن أمية.
وأهم بطون امرئ القيس بن مالك: واقف والسلم، وكانت منازلهم بالعوالي مسجد القضيخ بين منازل بني قريظة وبني النضير، وقد كان السلم حلفاء بني عمرو بن عوف بن مالك؛ ولذلك كان إسلامهم مبكرًا قبيل الهجرة وبعدها.
أما بطون مرة بن مالك فكانوا: بني أمية، وبني وائل، وبني عطية، وهؤلاء جميعًا يسمون الجعاذرة، سموا بذلك لقصر قامتهم، وكانت منازلهم بقرب قباء عند
стр. 292
ملتقى بطحان ورانوناء، وبنو سعد بن مرة سكنوا راتج على طرف الحرة الشمالي، وقد سمي بذلك لقيام حصن لليهود بهذا الموضع يسمى راتج. والجعاذرة وواقف وخطمة كانوا يسمون أوس الله، وقد تأخر إسلام هذه البطون بعد الهجرة فلم تسلم إلا بعد الخندق.
стр. 293
الخزرج:
وبطون الخزرج الكبرى أيضًا خمسة أبطن هي: عمرو بن الخزرج، وعوف بن الخزرج، وجشم بن الخزرج، وكعب بن الخزرج، والحارث بن الخزرج. وقد انقسمت هذه البطون الكبرى بدورها إلى بطون متعددة أصغر منها وإلى عشائر.
فانقسمت عمرو بن الخزرج إلى أربعة أبطن هي: مالك، وعدي، ومازن، ودينار. وكلها من بني النجار المعروف بتيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبي ﷺ فمساكن بني مالك كانت في منطقة المسجد، ومساكن بني عدي غربي المسجد، ومساكن بني مازن في قبلة المدينة، وإلى جنوبهم سكن بنو دينار خلف وادي بطحان.
وانقسم بنو عوف بن الخزرج إلى بطون أهمها: سالم، وغنم، وعنز. وقد عرفوا بالقوافل؛ لأنهم كانوا إذا أجاروا شخصًا دفعوا إليه سهمًا وقالوا له: قوقل به حيث شئت أي تنقل به حيث شئت لا تخش أحدًا، وقد سكن القواقل على طرف الحرة الغربية غربي الوادي الذي به مسجد الجمعة. ومن بطون عوف بن الخزرج بنو الحبلى، الذين كان منهم عبد الله بن أبي بن سلول. وكانت منازلهم بين قباء والمنطقة الشرقية من وادي بطحان.
وانقسم بنو جشم بن الخزرج إلى عدة أبطن أهمها: بنو بياضة، وبنو زريق، وبنو سلمة، وإلى جانبهم عشائر منهم دخلت فيهم. وقد سكن بنو سلمة في الشمال الغربي للمدينة بجوار مسجد القبلتين، وبنو سلمة تعددت فروعهم، فمنهم بنو حرام وبنو عدي وبنو عبيد، وكانت منطقتهم ممتدة من سلع إلى وادي العقيق، وسكن بنو زريق وبنو بياضة وبنو حبيب في جنوب المدينة شمال مساكن بني سالم بن عوف بن الخزرج على وادي بطحان.
وانقسم بنو الحارث بن الخزرج إلى عدة أبطن أهمها: بنو مالك الأغر بن كعب بن الخزرج الأصغر بن الحارث، وبنو جشم بن الحارث، وبنو زيد مناة بن الحارث،
стр. 294
وبنو خُدرة، وجِدارة ابنا عوف بن الحارث، وبنو صخر بن الحارث. وقد سكن بنو الحارث الذين عرفوا بلحارث بالعوالي شرقي وادي بطحان: ماعدا بني جشم وبني زيد مناة الذين سكنوا السنح على ميل من مسجد رسول الله ﷺ من ناحية الشرق. وبني خدرة وجدارة الذين سكنوا مما يلي سوق المدينة.
وأهم بطون كعب بن الخزرج بنو ساعدة الذين انقسموا بدورهم إلى بطنين هما طريف وعمرو، ومن طريف سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر. وقد سكن بنو ساعدة عند المكان المعروف بسقيفة بني ساعدة في شرقي سوق المدينة المعروف بسوق الغنم. مما يلي باب الشام وفي بئر بضاعة، كما كان لهم منازل عند وادي بطحان توازي مساكن بني دينار.
ومما سبق نرى أن الأوس قد سكنوا المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وأنهم جاوروا أهم قبائل اليهود وجموعهم، وأن الخزرج استوطنوا مناطق أقل خصبًا، وقد جاورهم قبيلة يهودية كبيرة واحدة هي قينقاع، وعشائر أخرى يهودية أقل عددًا هم اليهود الذين نزلوا في الشمال الغربي من المدينة عند المكان المعروف بيثرب شمال جبل سلع. وقد كان لهذا أثره الكبير في العلاقات بين العرب واليهود من ناحية وبين الأوس والخزرج من ناحية أخرى١.
أما متى وكيف قدم الأوس والخزرج إلى يثرب فإن المصادر العربية ترجع سبب قدومهم إلى هجرة الأزد من اليمن نتيجة لتهدم سد مأرب؛ فيقول ابن هشام عن هجرة الأوس والخزرج إلى جهات يثرب: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن، أنه رأى جرذًا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أراضيهم، فعلم أنه لا بقاء للسد بعد ذلك، فاعتزم على النقلة من اليمن، فكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به،
стр. 295
فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو. فاشتروا منه أمواله، وانتقل في ولده، وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد علك مجتازين يرتادون البلدان؛ فحاربتهم عك؛ فكانت حربهم سجالًا، ثم ارتحلوا عنهم، فتفرقوا في البلدان؛ فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرًّا ... ثم أرسل الله تعالى على السد سيل العرم فهدمه١.
ويتضح من قول ابن هشام أن نزوح الأوس والخزرج إلى جهات يثرب كان قبل سيل العرم؛ بينما يرى صاحب الأغاني أن خروج الأزد كان بعد سيل العرم. غير أن هذه الروايات لا تحدد متى كان تهدم السد، ولا تحدد الزمن الذي هاجرت فيه قبائل الأزد، على أن رواية ابن هشام لا يمكن الأخذ بها،؛ إذ إن ارتحال قبائل من مواطنها توقعًا لحادث لم يقع يعد أمرًا يصعب تصديقه. ثم إن السد تصدع وأصلح عدة مرات كما أثبتت النقوش التي عثر العلماء عليها٢.
ونحن إذا أخذنا نسب أحد الخزرج المعروفين عند الهجرة وهو سعد بن عبادة الخزرجي، وجعلناه مقياسًا للزمن الذي ربما تكون هاجرت فيه الأوس والخزرج إلى جهات يثرب، وجدنا أنها من المحتمل أن تكون هاجرت منذ حوالي أواخر القرن الرابع الميلادي؛ فنسب سعد كما يذكره النسابون هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأصغر بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر بن حارثة؛ فمن سعد إلى الخزرج الأكبر أحد عشر جيلًا، إذا افترضنا أن الفرق بين كل جيلين خمسة وعشرون عامًا كانت المدة ما بين الهجرة وسنة ٦٢٢م وبين الخزرج الأكبر حوالي مائتين وخمسين وسبعين سنة. أي أن هجرة الأوس والخرزج من المحتمل أن تكون حدثت في أواخر القرن الرابع الميلادي٣. وكان سببها لا يرجع
стр. 296
إلى تهدم السد وحده؛ وإنما يرجع إلى عوامل أخرى، كما أن قبول القول بهجرة قبائل الأزد جميعًا دفعة واحدة غير ممكن، إذ إن خزاعة وهي بطن من الأزد كانت تحكم مكة إلى سنة ٤٥٠م، وقد استمرت مدة طويلة تلي أمر مكة حددها بعضهم بخمسمائة سنة وحددها بعضهم بثلاثمائة سنة١.
ومعنى ذلك أنها هاجرت حوالي منتصف القرن الثاني أو بداية القرن الثالث ٢.
وإذن فإن هجرة القبائل الأزدية كانت متفرقة وأنها كانت لعوامل متعددة؛ منها اضطراب أحوال اليمن نتيجة للتنازع السياسي بين الأقيال، وإلحاح الأحباش عليها بالغزو منذ القرن الثالث، وإهمال أمر الإرواء مما نتج عنه تصدع السد مرات متكررة مما سبب العسر الاقتصادي لإهمال الزراعة، فأخذت القبائل تهاجر كلما ضاق بها الحال، وكانت الأوس والخزرج ضمن هذه القبائل المهاجرة وكانت هجرتها متأخرة عن غيرها من بطون الأزد، وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدًا بالمدينة من اليهود. ويقول صاحب الأغاني: إن الأوس والخزرج توجهوا بعد هجرتهم إلى المدينة، وحين وردوها نزلوا في حرار، ثم تفرقوا وكان منهم من لجأ إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، فكانوا من أهلها، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم التي نزلوها بالمدينة في جهد وضيق في المعاش ليسوا بأصحاب نخل وزرع، وليس للرجل منهم إلا الأعذاق اليسيرة والمزرعة يستخرجها من أرض موات. والأموال لليهود، فلبثوا بذلك حينًا ٣.
ثم تطورت العلاقات بينهم وبين اليهود من الجوار إلى الحلف إلى الصراع.
стр. 297
التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان
مدخل
...
الفصل الثاني: التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان
إذا كانت مدينة مكة قد تمتعت بالنظام المستقر وسادها جو من الهدوء والطمأنينة، نتيجة لوحدة السكان فيها، واجتماعهم على غاية واحدة هي رعاية الكعبة والقيام على تنظيم أمور التجارة الداخلية التي كانت أهم موارد الرزق في البلد الحرام؛ فإن مدينة يثرب لم تتوافر لها هذه الظروف التي ساعدت مكة على التنظيم والاستقرار، فإن سكان يثرب كانوا مختلفي الجنسية منهم العرب ومنهم اليهود، وكذلك لم تكن لهم غاية مشتركة يحرصون على الترابط بينهم من أجلها، فكانت حياتهم تقوم على تملك الأرض الزراعية واستثمارها. وفي مجتمع قبلي حيث لا توجد حكومة تقر القانون وتقهر الناس على التزامه، كانت القوة الذاتية سواء عن طريق الأفراد أو الجماعات هي الضمان الوحيد لحفظ الحقوق؛ ولذلك كان ما من شأنه أن يؤدي إلى الاستقرار، هو في ذاته عامل من عوامل التقلقل والنزاع.
فحياة الزراعة من طبيعتها أن تربط الناس بالأرض وتفرض عليها الاستقرار، ولكنها في مثل هذا المجتمع القبلي كانت مثارًا للنزاع الدائم، فقد كان كل فريق يسعى إلى أن تكون في يده أخصب البقاع وأغناها، وهذا مما يؤدي إلى التطلع إلى ما في يد الغير محاولة الحصول عليه، ولما لم يكن هناك قانون غير القوة ينظم العلاقة بين الناس، كان السعي عن طريقها هو السبيل المألوف لتوسيع الأملاك والحصول على أفضل البقاع الزراعية.
وإذا كانت القبائل التي تتالت في السيطرة على مكة قد استطاعت أن تجلي غيرها عنها وتنفرد بشئونها؛ فإن ذلك كان أمرًا ميسورًا إلى حد ما، لأنه لم تكن هناك أرض يرى الناس حياتهم ملتصقة بها، فالتاجر مع حبه للهدوء ورغبته في السلام وسعيه
стр. 298
إلى حسن العلاقة مع غيره ليقوم على تجارته في جو من الأمن والسلام، لا يرى ضرورة للاستماتة من أجل بقعة معينة لا يتوافر له فيها جو السلام، أما في بلد يعتمد سكانه على الزراعة فإن إجلاء الناس عن أرض يرون معاشهم متصلًا بها أمر بالغ الصعوبة تقوم من أجله الحروب وتسفك الدماء، ولا يقبله الناس إلا أمام قوة لا يرون سبيلًا إلى قهرها.
لذلك اختلفت الخصائص العامة في مكة عنها في المدينة، وحيث حظيت الأولى بنوع من التماسك والنظام، وانقسمت الثانية إلى معسكرين متعاديين دائمًا، يترقب كل فريق الفرصة لقهر الآخر والحصول على ما في يده أو على خير ما في يده، على أن كلًا من المعسكرين لم يسلم من النزاع الداخلي لنفس هذه الغاية، ولم يربط بين الوحدات في المعسكر الواحد إلا ما كان يربطها من تقاليد العصبية القبلية، والشعور بأن الفرد وحده عاجز عن حماية نفسه ضد الآخرين، وحتى رابطة الدم نفسها فشلت في أن تكون رابطًا يؤلف بين الناس. ومن هنا أصبح القتل وسفك الدم شيئًا مألوفًا، ولم يكن أحد يجرؤ على الخروج من حيه دون أن يعرض نفسه للخطر١، وساد المدينة جو من عدم الأمن جعل الحياة فيها أمرًا عسيرًا.
ومن أجل المحافظة على النفس والمال اتجه ميل السكان بصفة عامة إلى إقامة الحصون والآطام؛ للاحتماء بها عند الحاجة، حتى أصبحت المدينة ممتلئة بهذه الحصون إلى درجة لا تكاد توجد في مدينة أخرى؛ فقد ذكر بعض المؤرخين أنه كان لليهود وحدهم تسعة وخمسون أطمًا٢ وأن العرب لم يكونوا أقل منهم رغبة في بناء الآطام حتى لقد ذكروا أنه كان لبطن واحد من بطونهم تسعة عشرة أطمًا٣.
ومع ذلك فقد ظلت الحياة القبلية تفرض نفسها بصورة واضحة في يثرب، فلم تكن حياة البطون اليثربية تتميز بشيء عن حياة القبائل البدوية في الجزيرة العربية إلا
стр. 299
بالاستقرار الذي فرضته عليه الحياة الزراعية وحتى اليهود الذين كانوا قد وصلوا في وطنهم الأصلي إلى درجة من المدنية وانمحى من بينهم نظام القبائل وانصهروا في أمة واحدة، لم يلبثوا في المدينة أن زالت منهم هذه الصفات وتغلبت عليهم العقلية البدوية، حتى صارت صاحبة السلطان على أفكارهم ونفسياتهم١، ومع ذلك فإن الروابط القبلية بما فيها من لحمة النسب والدم، فشلت في أن تقيم مجتمعًا أكبر من مجتمعات البطون، فانقسمت يثرب إلى عدة دوائر زراعية، وكل دائرة كانت تابعة لبطن من البطون. وكان كل بطن من البطون الكبيرة يضم طائفة من البطون الصغيرة تعد موالية، يشرف على مزارعها ومتاجرها ويرعى حقوقها، وإذا وقعت إغارة عدها واقعة على رعاياه فطلب بالثأر أو دفع الدية٢. وكان البطن الصغير يلجأ إلى آطام البطن الكبير إذا هاجمهم عدو، وهو مضطر للدخول في الحرب إلى جانب البطن الكبير. ومع ذلك فقد حافظت البطون الصغيرة على شخصيتها ولم تسمح البطون الكبيرة أن تحد من حريتها، وكان من نتيجة ذلك أن تجنبت البطون الكبيرة كل ما من شأنه أن يهيج البطون الصغيرة٣.
ومن ثم فقد أصبح هناك شبه توازن في نظام الحكم بين البطون الكبيرة يثرب، فكانت البطون تثور إذا ما هم بطن كبير بالاستئثار بالنفوذ٤، ومع ذلك فقد كانت بطون القبيلة تترابط إذا هددها هجوم عام تجمعت له بطون قبيلة أخرى، لكن كان يحدث في كثير من الأحيان أن ترى بعض البطون مصلحتها في أن تهادن الفريق الآخر، فتخرج على الإجماع وتقف على الحياد٥.
وقد حكم العلاقات بين السكان في يثرب عاملان: عامل الروابط القبلية، وعامل الحياة الاقتصادية، وقد امتزج العاملان معًا بحكم الضرورة، ولكن العامل الاقتصادي كان أقوى وأظهر في توجيه هذه العلاقات
стр. 300
وسكان يثرب -كما قدمنا- كانوا من اليهود والعرب. واليهود أقدم عهدًا بها، وقد انفردوا بشئونها فترة من الزمن، ولم يكن يساكنهم إلا بطون عربية صغيرة لم تكن على جانب من القوة فعاشت موالي لليهود، وكان اليهود في هذه الفترة هم أصحاب الثروة والنفوذ، وكانوا عدة قبائل وبطون انتشرت في منطقة يثرب. ثم قدم عليهم الأوس والخزرج، فساكنوهم وحالفوهم، ثم ما لبثوا أن تغلبوا عليهم ونقلوا السلطة إلى أيديهم، ولكنهم ما كادوا يتغلبون على اليهود حتى دخلوا في دور من الصراع بينهم صراعًا شارك فيه كل سكان يثرب.
ونحن إذا أردنا أن ندرس العلاقة بين السكان في المدينة؛ فإنه يجب علينا أن ننظر إليها من خلال هذه الفترات الثلاث؛ فتتحدث عن: العلاقات بين اليهود أنفسهم، ثم بينهم وبين الأوس والخزرج، ثم العلاقات بين الأوس والخزرج.
стр. 301
١- العلاقات بين اليهود
لم تحدثنا المصادر عن العلاقات التي كانت بين القبائل والبطون اليهودية بعد قدومها إلى يثرب واستقرارها بها؛ ولذلك فإنه ليس أمامنا إلا الاستنتاج نعتمد عليه من دراسة أحوالهم في الفترة التي سبقت الهجرة مباشرة وفي عهد الهجرة النبوية.
وقد بينا -من قبل- كيف قدم اليهود إلى يثرب، وأنهم جاءوا في هجرات متتابعة نتيجة للظروف التي كانت تواجههم في موطنهم في فلسطين. وهم حين جاءوا إلى هذه المناطق من أرض الحجاز كانوا طارئين عليها، فكان من مصلحتهم أن يكونوا على علاقات طيبة فيما بينهم، وكان على السابق منهم أن يفسح مجالًا للاحق، بدافع الشعور بالمحنة المشتركة وحتى يكثر عددهم ويقووا على حماية أنفسهم في بيئتهم الجديدة.
وقد شغلوا في فترتهم الأولى بتدبير أمر أنفسهم والتقوي على مواجهة جيرانهم من البطون العربية النازلة في يثرب، ومن القبائل التي تجاورم وترجح أن حياتهم الأولى لم تكن سهلة ميسرة، وأن أحداثًا وقعت بينهم وبين جيرانهم مما جعلهم يتوسعون في إقامة الحصون والآطام حتى يقووا على مواجهة أي هجوم عليهم؛ وهم مع ذلك يعملون لاستثمار الأراضي الخصيبة التي نزلوا فيها. وقد نجحوا في كلا
стр. 302
الأمرين نجاحًا كبيرًا، فاستقروا، وتجمعت في أيديهم الثروة، وعلا شأنهم حتى أصبحوا أصحاب الكلمة العليا في يثرب.
وحين استقرت أمورهم وتم لهم الغلب بدأ الدافع على التضامن يضعف لديهم. فلم يحافظوا على الروح الجامعة بينهم، بل انحدروا إلى الروح القبلية، وأخذت روح الانفصالية والتنافس تظهر بين جماعاتهم. ويبدو أن أحداثًا وحروبًا وقعت بين طوائفهم، كان من نتيجتها ذلك التفكك الذي بدا واضحًا بينهم حين وقع النزاع بينهم وبين الأوس والخزرج بعد ذلك، فإنهم لم يستطيعوا أن يجمعوا كلمتهم ويقفوا صفًّا واحدًا في وجه خصومهم، كما أنهم لم يحتفظوا بكيانهم فيما تلا ذلك من أحداث؛ فتفرقت بطونهم ودخل بعضها في محالفات مع الأوس ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، واشترك كل فريق في القتال إلى جانب حلفائه ضد الفريق الآخر١، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، فقد قسا بنو النضير وقريظة على بني قينقاع وأثخنوا فيهم ومزقوا شملهم في حرب بعاث بين الأوس والخزرج، مما جعل أحد شعراء اليهود من بني النضير يتألم لهذه الحالة٢.
ولا نستطيع أن نفهم سببًا لهذه القسوة إلا أن عداء كان قد استحكم بين بني قينقاع وبين بني النضير وقريظة، كما أنه لا بد من أن أحداثًا وقعت بينهم، جعلت بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم ويقتصرون على الصناعة؛ فإنهم حين أجلاهم النبي ﷺ عن المدينة لم يكن لهم بها أرض ولا مزارع٣، وليس من المحتمل أن يكون بطن كبير مثلهم قد رغب عن الأعمال الزراعية كلية. ومما يؤيد ما كان يقع بين اليهود من قتال وسفك دماء، وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم جريًّا وراء المصالح والمنافع الخاصة، ما ذكرته آيات القرآن الكريم في وصفهم والتنديد بأعمالهم هذه مع مخالفتها لشريعتهم ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ
стр. 303
عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة] ١.
وبعد الهجرة كانت قبائل اليهود وبطونهم في حالة واضحة من التفكك، وكان إحساسهم بالترابط منعدمًا؛ فلم يبد أي بطن من بطونهم أي إحساس بالعطف نحو الآخرين حين وقعوا في خلاف مع النبي ﷺ .
كل ذلك يقطع بأن العلاقات بين اليهود في يثرب لم تكن حسنة في عصر الهجرة النبوية، وقد سيطرت عليهم المنفعة الشخصية وأهدروا في سبيلها كل مصلحة مشتركة.
стр. 304
٢- العلاقات بين العرب واليهود
بدأت العلاقات بين الأوس والخزرج حين قدموا يثرب وبين اليهود، علاقات سلم وجوار، فقد قدم هؤلاء العرب على قوم مستقرين في ديارهم، وبيدهم الأموال والآطام والعدد والقوة، فكان طبيعيًّا أن يقنعوا منهم بالسماح لهم بمجاورتهم والإقامة معهم، ولعلهم لم يكونوا من كثرة العدد والقوة بحيث يخشى اليهود عاديتهم. ومن الجائز أنهم فكروا في الاستفادة من خبرتهم السابقة في الزراعة في مواطنهم باليمن، فاتخذوا منهم عمالًا ومساعدين لهم في دوائرهم الزراعية أو في أعمالهم التجارية. وقنع الأوس والخزرج بهذا من اليهود فنزلوا بينهم وحواليهم؛ ولما كانت الثروة والسلطان في أيدي اليهود ومواليهم من البطون العربية، فقد عاش الأوس والخزرج في جهد وضيق في المعاش؛ إذ لم يكن لهم نعم ولا شاء؛ لأن المدينة ليست بلاد مرعى، فعمل بعضهم مأجورًا في مزارع اليهود، ومن عمل لحسابه لم يكن له إلا الأعذاق اليسيرة والمزرعة يستخرجها من أرض موت١.
وأقام اليهود والعرب على ذلك مدة طويلة يسودهم الوئام والوفاق، ويتحدث السمهودي عن دور الوفاق بين الطرفين، فيقول: وأقامت الأوس والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخيل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم،
стр. 305
فمكث الأوس والخزرج ما شاء الله: ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم جوارًا وحلفًا يأمن به بعضهم من بعض ويمتنعون به ممن سواهم فتعاقدوا وتحالفوا، واشتركوا وتعاملوا؛ فلم يزالوا على ذلك زمانًا طويلًا، وأمرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد؛ فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي بينهم. وكانت قريظة والنضير أعد وأكثر، وكان يقال لهما الكاهنان وبنو الصريح، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، حتى نجم منهم مالك بن العجلان من بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوده الحيان والأوس والخزرج١.
ويؤخذ من هذه الرواية أن الأوس والخزرج قنعوا بوضعهم في أول الأمر؛ لأنهم إنما كان همهم أن يستقروا ويجدوا لهم معاشًا. ثم أخذوا بعد ذلك يعملون على تثبيت مركزهم؛ فسعوا إلى عقد الحلف بينهم وبين اليهود ليأمنوا على أنفسهم، وليستطيعوا توسعة دائرة أعمالهم، وقد أتاح لهم الحلف أن يشاركوا اليهود ويتعاملوا معهم، فازدادت ثروتهم وكثر عددهم وأخذوا في تنظيم أنفسهم. وتنبهت اليهود إلى ما طرأ على حلفائهم هؤلاء وأحسوا بخطورتهم وأدركوا أن الحلف إنما يسير إلى مصلحة جيرانهم، فخافوا أن يتطور الأمر إلى أن يغلبوهم على دورهم، فغيروا مسلكهم نحوهم وأساءوا معاملتهم وانتهوا إلى قطع الحلف معهم، عند ذلك ظهرت الفتن والعدوات بين الطرفين، ولما كانت اليهود أعد وأكثر فإن الأوس والخزرج أقاموا في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، ولم يكن أمامهم إلا أن يبحثوا لهم عن حليف ينصرهم إن ثارت الثائرة بينهم وبين اليهود. وكان طبيعيًّا أن يتجه تفكيرهم أول ما يتجه إلى قوم تربطهم بهم رابطة قرابة ونسب، ويكونوا لهم من القوة ما يمكنهم من الانتصار بهم على خصومهم، فاتجهوا إلى الغساسنة الذين كانوا مثلهم فرع من الأزد؛ فهم أبناء عمومة فضلًَا عن رابطة الخئولة، فقد كانت أم الأوس والخزرج قيلة من غسان كما يقرر النسابون، وكان الغساسنة قد علا أمرهم بالشام وكوّنوا لهم مملكة بها. ويتحدث المؤرخون عن اتصال مالك بن العجلان الخزرجي بالغساسنة، فيقولون: إن مالك بن العجلان رحل إلى أبي جبيلة الغساني، وهو يومئذ ملك غسان، فسأله عن قومه وعن منزلتهم فأخبره بحالهم وضيق معاشهم، فقال له أبو جبيلة: والله ما نزل قوم منا بلدًا
стр. 306
إلا غلبوا أهله عليه، فما بالكم؟! ثم أمره بالمضي إلى قومه، وقال له: أعلمهم أني سائر إليهم، فرجع مالك بن العجلان فأخبرهم بأمر أبي جبيلة. ثم جيش أبو جبيلة جيشًا عظيمًا وأقبل كأنه يريد اليمن حتى قدم المدينة فنزل بذي حرض، وأرسل إلى أهل المدينة من الأوس والخزرج فأتوا إليه فوصلهم وأعطاهم. ثم أرسل إلى بني إسرائيل؛ يعني اليهود وقال: من أراد الحباء من الملك فليخرج إليه؛ وإنما فعل ذلك خيفة أن يتحصنوا في الحصون فلا يقدر عليهم، فخرج إليه أشراف بني إسرائيل بخواصهم وحشمهم، فأمر لهم بطعام، حتى اجتمعوا فقتلهم من عند آخرهم، وقال للأوس والخزرج: إن لم تغلبوا على البلاد بعد قتل هؤلاء فلأحرقنكم. ثم رجع إلى الشام فلما فعل ذلك صار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة فتفرقوا في عالية يثرب وسافلتها يتبوءون منها حيث شاءوا، واتخذوا الديار والأموال والآطام١.
ثم أخذت اليهود تعترض الأوس والخزرج وتناوشهم، فرأى مالك بن العجلان أن الغلبة لم تكمل لهم بعد على اليهود، فكادهم كيدًا شبيهًا بكيد أبي جبيلة، ونجح في القضاء على عدد منهم، فذلوا وقل امتناعهم وخافوا خوفًا شديدًا، واضطرت بطونهم الصغيرة إلى الدخول في حلف مع جيرانهم من الأوس والخزرج، ولم يبق إلا بنو النضير وقريظة ويبدو أنهم كانوا أصحاب قوة وأن حصونهم كانت منيعة فاعتمدوا عليها ولم يحالفوا أحدًا منهم٢، وجعل اليهود كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم إلى بعض كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم فيقول: إنما نحن جيرانكم ومواليكم، فكان كل قوم من اليهود قد لجئوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم.
مما سبق يبدو أن العامل الاقتصادي كان هو المتحكم في العلاقات بين العرب واليهود. فالعرب قد قنعوا بوضعهم الاقتصادي السيئ أول الأمر مضطرين، ثم سعوا إلى تحسينه بالحلف مع اليهود ومشاركتهم، ثم لما اشتد أمرهم خشيهم اليهود على ما
стр. 307
في أيديهم فقطعوا الحلف معهم وأساءوا معاملتهم. والعرب بدأوا فعلًا يتطلعون إلى وضع اقتصادي أفضل عن طريق مشاركة اليهود في تملك الأراضي الخصبة أو مغالبتهم عليها، ولدينا رواية أوردتها المصادر يؤيدها هذا الاتجاه العربي. قالوا: إن عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه بياضة: إن عامرًا قد أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل١. وهذا القول وإن كانت المصادر قد أوردته في ذكر حرب بعاث بين الأوس والخزرج ومن حالف الطرفين من اليهود، إلا أنه يعطينا فكرة عن اتجاه العلاقات العامة بين السكان في يثرب، وأنه كان يحكمها ويوجهها العامل الاقتصادي.
ويحاول بعض المؤرخين أن يربط الحوادث التي وقعت بين العرب واليهود بالسياسة الدولية في ذلك الوقت وبالنضال الديني بين المسيحية واليهودية، ويقولون: إن النكبة الشديدة التي نزلت باليهود في بلاد حمير قد أنتجت نتائج سيئة لم يكن في الإمكان أن تحدث لولا هذه النوائب. وأهم هذه النتائج تحمس العناصر النصرانية التي كانت تعتمد على مؤازرة الدولة الرومانية ضد الديانة اليهودية، وتحركها لهدم كيانها والقضاء على أصولها ومبادئها في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتهييج طمع القبائل العربية في أموال اليهود ومستعمراتهم، ورغبتهم في الحصول عليها والاستئثار بها٢.
ويقر المؤرخ Gratez أن البطون الأوسية والخزرجية لم تصارح اليهود بالعداوة والمعصية إلا بعد النكبة التي حلت باليهود في اليمن، إذ لا يتصور أن يضطهد اليهود في الحجاز في العصر الذي كان فيه ملوك متهودون يسيطرون على اليمن ويتعصبون ليدنهم ويناهضون كل من يناهضهم أو يعتدي عليهم٣.
يسوق ولفنسون أقوال المؤرخين المحدثين هؤلاء ويعززها بما ذكره بعض مؤرخي العرب من أن الحجاز الشمالية كانت في شبه تبعية لليمن في عصر وجود حمير المتهودة
стр. 308
وأن واحدًا من الأسرة المالكية في اليمن كان يشرف على شئون الطوائف المختلفة في شمال الحجاز١. ويقول: وقد بقيت البطون العربية عصورًا طويلة على موالاة ومناصرة لليهود دون أن يظهر عليهم شيء يدل على أنهم يتربصون لهم الغوائل، إلى أن أخذت دولة غسان تنصب لليهود المكائد وتحرض عليهم زعماء الأوس والخزرج ليفتكوا بهم. والظاهر أن دولة غسان لم تفعل هذا إلا بإيعاز من الدولة الرومانية الشرقية التي أرسلت أسطولها لمساعدة الحبشة في كفاحها ضد اليهود في اليمن، والتي كانت سياستها واضحة كل الوضوح في الجزيرة العربية أثناء القرن الخامس والسادس الميلاديين٢.
ولنا على هذه الأقوال اعتراضات:
أولًا: ليس من اليسير تحديد الزمن الذي وقع فيه حادث استنجاد مالك بن العجلان بأبي جبيلة، وهل كان بعد انتصار الأحباش على الحميريين أم قبله؟ والذي نستطيع استنتاجه من أقوال المصادر أن هذا الحادث وقع قبل الغزو الحبشي لليمن وانتصارها على الحميريين سنة ٥٢٥ م، ويحدد سديو سيادة الأوس والخزرج على يثرب بسنة ٤٩٢م ٣ وتسنده في ذلك المصادر العربية التي تقول: إن الحرب بين الأوس والخزرج استمرت مائة وعشرين سنة إلى الإسلام ٤. ولما كانت الحرب بين القبيلتين العربيتين في يثرب لم تقع إلا بعد تغلبهم على اليهود كان الزمن الذي حدده سديو مقبولًا، وكان صراع العرب مع اليهود واستنجاد أولئك بأبي جبيلة قبل هزيمة الحميريين٥.
стр. 309
ثانيًا: أن أبا جبيلة لم يكن ملكًا من ملوك غسان بل كان عظيمًا عند ملك غسان. وينسبه النسابون إلى أحد بطون الخزرج الذين رحلوا إلى الشام وأقاموا مع الغساسنة١. ويورد السمهودي رواية هامة، وهي أن مالك بن العجلان بعث جماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم بحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود٢، وتدل هذه الرواية على أن استنصار الأوس والخزرج إنما كان بقوم يمتون إليهم بصلة القرابة على ما جرت عليه العصبية القبلية، على أن الأمر من ناحية عرب الشام كان استجابة لاستصراخ الأوس والخزرج لهم كما يذكر المؤرخون ولم يكن تحريضًا من الغساسنة لهم على اليهود. ولو كان الأمر هجومًا من الغساسنة على اليهود بدافع التعصب الديني؛ لكان أولى بهم أن يهاجموا الجماعات اليهودية في خيبر ووادي القرى، وهي منهم أقرب، ويؤيد هذا الرأي ولفنسون نفسه فهو يقول: والذي يمعن النظر في تاريخ بطون يثرب يرى أن الطوائف الضعيفة في المدينة كانت تعمل سرًّا على إيجاد محالفات مع قبائل عربية قريبة وبعيدة، فمن المحتمل أن تكون الأوس والخزرج قد حالفت بطون بني غسان لمحاربة اليهود في عصر أبي جبيلة ٣.
ثالثًا: أن الديانة المسيحية لم تكن عميقة التغلغل في نفوس القبائل العربية التي اعتنقتها بحيث تتعصب لها تعصبًا شديدًا، بدليل أنها لم تلبث أن دخلت الإسلام بعد اتصالها بجيوش الخلفاء الراشدين بلا كبير مقاومة. هذا إلى أن الصراع الذي كان قائمًا بين الدول في ذلك الوقت لم يكن صراعًا دينيًّا؛ وإنما كان صراعًا سياسيًّا اقتصاديًّا وإن استخدم الدين كوسيلة من وسائله، فلم تكن الدولة الرومانية الشرقية تعمل لقهر اليهودية كدين، ولا كان الفرس يشجعونها لغرض ديني. وإنما كان الغرض سياسيًّا عند كلتا الدولتين. على أن علاقة اليهود لم تكن سيئة ببلاد الشام، بل إنها على الأرجح كانت حسنة، فكان بعض اليهود يرسل قوافله التجارية إلى بلاد الغساسنة٤، وبدليل أن اليهود حين أجلاهم النبي ﷺ عن يثرب هاجروا إلى بلاد الشام، ولو كانت العلاقات بينهم وبين الغساسنة أو الروم سيئة لاتجهوا إلى مكان آخر كالعراق الذي كانت
стр. 310
به جاليات يهودية وكان تحت سيادة الدولة الفارسية التي كانت تشجع اليهودية في بلاد العرب.
من كل ذلك نرى أن إقحام النزاع بين الأوس والخزرج وبين اليهود في المدينة في مجال العراك الدولي أو الصراع بين اليهودية والنصرانية أمر لا محل له. وأنه كان نزاعًا محليًّا أوجدته ظروف يثرب الاقتصادية واعتماد السكان فيها على استثمار الأراضي الزراعية، ويتضح ذلك من توزيع السكان في منطقة يثرب، ومن النزاع الذي وقع بين الأوس والخزرج أنفسهم بعد تغلبهم على اليهود واشتراك طوائف المدينة كلها فيه تبعًا لمصالحها الاقتصادية.
стр. 311
٣- العلاقات بين الأوس والخزرج
لبث الأوس والخزرج بعد تغلبهم على اليهود زمنًا وكلمتهم واحدة وأمرهم جميع، ثم وقعت بينهم حروب كثيرة، ذكر أصحاب الأخبار عددًا من أيامهم فيها، منها حرب سمير، وحرب كعب بن عمرو المازني، ويوم السرارة، ويوم فارع، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب الحصين بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس، ثم حرب بعاث، وكان أولها حرب سمير وآخرها حرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات١.
وقالوا في أسباب حرب سمير: إن رجلًا من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان يقال له كعب بن العجلان، نزل على مالك بن العجلان السالمي؛ فحالفه وأقام معه، فخرج كعب يومًا إلى سوق بني قينقاع، فرأى رجلًا من غطفان معه فرس، وهو يقول ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب، فقال كعب: مالك بن العجلان، وقال رجل: فلان، وقال آخر: أحيحة بن الجلاح الأوسي، وقال غيرهم: فلان بن فلان اليهودي، أفضل أهلها. فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن العجلان. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكًا أفضلكم؟ فغضب من ذلك رجل من الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير، وشتمه وافترقا. وبقي كعب ما شاء الله. ثم قصد سوقًا لهم بقباء، فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله، وأخبر مالك بن العجلان بقتله، فأرسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله، فأرسلوا: إنا لا ندري من قتله. وترددت الرسل
стр. 312
بينهم: وهو يطلب سميرًا، وهم ينكرون قتله، ثم عرضوا عليه الدية فقبلها، وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم، فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، وامتنعوا من ذلك وقالوا: نعطي دية الحليف وهي النصف، ولج الأمر بينهم حتى أتى إلى المحاربة. فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وافترقوا، ودخل فيها سائر بطون الأنصار، ثم التقوا مرة أخرى واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل. وكان الظفر يومئذ للأوس، فلما افترقوا أرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر بن حرام النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر فأجابهم إلى ذلك، فأتوا المنذر فحكم بينهم بأن يدوا كعبًا حليف مالك دية الصريح، ثم يعودون إلى سنتهم القديمة، فرضوا بذلك وحملوا الدية، وافترقوا وقد شبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم١.
ثم كانت لهم بعد ذلك حروب استمرت أكثر من مائة سنة وكان آخرها يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات. وقالوا في حرب بعاث: وكان سببه أن الحروب المتقدمة كلها كان الظفر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى ذهبت الأوس لتحالف قريظة؛ فأرسلت إليهم الخزرج: لئن فعلتم فأذنوا بحرب، فتفرقوا وأرسلوا إلى الخزرج: إنا لا نحالفهم ولا ندخل بينكم. فقالت الخزرج لليهود: فأعطونا رهائن وإلا فلا نأمنكم. فأعطوهم أربعين غلامًا من بينهم، ففرقهم الخزرج في دورهم. فلما أيست الأوس من نصرة اليهود حالفت بطونًا منهم الخزرج. منهم بنو عمرو بن عوف، وقال سائرهم: والله لا تصالح حتى ندرك ثأرنا، فتقاتلوا وكثر القتل في الأوس لما خذلهم قومهم، وجرح سعد بن معاذ الأشهلي فأجاره عمرو بن الجموح الحرامي. فلما رأت الأوس أنهم إلى قل، عزموا على أن يكونوا حلفًا للخزرج في المدينة، ثم اشتوروا في أن يحالفوا قريشًا فأظهروا أنهم يريدون العمرة، وكان بينهم أن من أراد حجًّا أو عمرة لم يعرض له، فأجار أموالهم بعدهم البراء بن معرور الخزرجي، فأتوا مكة فحالفوا قريشًا. لكن الوليد بن المغيرة قال لقريش: والله ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم
стр. 313
وورثوا ديارهم، فأقطعوا حلف الأوس، فقال: بأي! قال: بأي شيء؟ قال: إن في القوم حمية، قولوا لهم إنا نسينا شيئًا لم نذكره لكم، إنا قوم إذا كان النساء بالبيت، فرأى الرجل امرأة تعجبه قبلها ولمسها بيده؛ فلما قالوا ذلك للأوس نفرت، وقالوا: اقطعوا الحلف بيننا وبينكم، فقطعوه، فلما لم يتم لهم الحلف ذهبت النبيت أو بعضهم إلى خيبر.
فلما رأت الخزرج أن قد ظفرت بالأوس، افتخروا عليهم في أشعارهم، وقال عمرو بن النعمان البياضي: يا قوم إن بياضة بن عمرو قد أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل. ثم راسلهم: إما أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها أو نقتل رهنكم، فهموا أن يخرجوا من ديارهم.
وبلغ من كان في المدينة من الأوس، فمشوا إلى كعب بن أسد القرظي فدعوه إلى المحالفة على الخزرج، ثم تحالفوا مع قريظة والنضير ثم أجمعوا أن ينزل كل أهل بيت من النبيت على بيت من قريظة والنضير، وأرسلوا إلى النبيت يأمرونهم بإتيانهم وتعاهدوا ألا يسلموهم أبدًا وأن يقاتلوا معهم حتى لا يبقى منهم أحد، فجاءتهم النبيت فنزلوا مع قريظة والنضير، فأخذت الخزرج في قتل الرهن، فقال لهم كعب بن أسد القرظي: إنما هي ليلة ثم تسعة أشهر وقد جاء الخلف. ثم أرسل إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج فأجابوهم إلى ذلك، فاجتمع الملأ منهم واستحكم أمرهم ودخلت بينهم قبائل من أهل المدينة. فلما سمعت بذلك الخزرج اجتمعوا وخرجوا حتى أتوا عبد الله بن أبي، فقالوا: مالك لا تقتل الرهن؟ فقال: لا أغدرهم أبدًا وأنتم البغاة، وقد بلغني أن الأوس تقول: منعونا الحياة فيمنعونا الموت؟ ووالله ما يموتون أو تهلكوا عامتكم. فقال عمرو بن النعمان: انتفخ والله سحرك. فقال: إني لا أحضركم ولا أحد أطاعني أبدًا, ولكأني أنظر إليك قتيلًا يحملك أربعة في كساء. فاجتمع الخزرج ورأسوا عمرو بن النعمان.
ولبثت الأوس والخزرج ليلة يتصنعون للحرب، ويجمع بعضهم لبعض، ويرسلون إلى حلفائهم من قبائل العرب؛ فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع فأقبلوا إليهم، وأرسلت إلى الأوس إلى مزينة فجاءتهم، ثم ألتقت ببيعات -وبعاث من أموال
стр. 314
قريظة- فيها مرزعة يقال لها قورى١ فكان النصر أول النهار للخزرج، ثم ثبت حضير -رئيس الأوس- الكتائب فرجعوا، وكانت الدبرة على الخزرج، وقتل عمرو بن النعمان وجيء به تحمله أربعة كما قال له ابن أبي، ووضعت الأوس فيهم السلاح، وصاح صائح: يا معشر الأوس اسجحوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب، فتناهت الأوس وكفت عن سلبهم بعد إثخان فيهم، وسلبتهم قريظة والنضير.
وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها، فخرج سعد بن معاذ الأشهلي حتى وقف على باب بني سلمة أجارهم وأموالهم، جزاء لهم بيوم الرعل وكان للخزرج على الأوس، وكان سعد بن معاذ حمل يومئذ جريحًا إلى عمرو بن الجموح فمن عليه وأجاره وأخاه يوم الرعل، وأجار أموالهم من القطع والحرق فكافأه سعد بمثل ذلك يوم بعاث.
وحلفت اليهود لتهدمن حصن عبد الله بن أبي، فلما أحاطوا بالحصن، قال لهم عبد الله: أما أنا فلم أحضر معهم، وهؤلاء أولادكم عندي فإنني لم أقتل منهم أحدًا، ونهيت الخزرج فعصوني. وكان جل من عنده من الرهن من أولاد بني النضير، ففرحوا حين سمعوا بذلك فأجاروه من الأوس ومن قريظة، فأطلق أولادهم وحالفهم، ولم يزل حتى ردهم حلفاء للخرزج بحيل تحيلها.
وكان يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين. وهو اليوم الذي تقول فيه عائشة ﵂: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم الإسلام٢.
هذا خلاصة ما روته المصادر عن يوم بعاث بين الأوس والخزرج قد سقناها، مع خلاف بسيط فيها تجاوزنا عنه لعدم أهميته، ولما كانت حوادث هذا اليوم قد وقعت قبل الهجرة بخمس سنوات، وكان كثير من زعماء الأوس والخزرج واليهود الذين شاركوا
стр. 315
في حوادثه وخاضوا غمار الوغى فيه، وقد أدركوا الإسلام وكان لهم أثر ظاهر في حوادث المدينة في عهد النبي ﷺ ولما كانت ذكريات هذا اليوم قد ظلت باقية في النفوس بين أهل يثرب، حتى لقد أوشك الحديث فيها يومًا أن يعيد العداوة بين الأوس والخزرج مرة أخرى١، فإنه مما لا شك فيه أنه يوم حقيقي وأن معظم ما وصلنا من أخباره صحيح. وقد سقنا أخبار هذا اليوم، كما سقنا أخبار اليوم الأول من حروب الأوس والخزرج، لنستطيع من ذلك أن ندرك الأسباب الحقيقية للنزاع الذي وقع بين الأوس والخزرج وشمل بطون المدينة كلها.
رأينا -من قبل- كيف أن النزاع الاقتصادي بين العرب واليهود قد أدى إلى تغلب العرب وانتقال السطلة إلى أيديهم، وانتشارهم في منطقة يثرب يتبوءون منها حيث شاءوا؛ لكن نظرة إلى مساكن الأوس والخزرج في منطقة يثرب تجعلنا ندرك أن هذا الغلب الذي أحرزه العرب لا يمكن أن يؤدي إلى استقرار الأمور في المدينة، فلم تكن هناك خطة مرسومة سار عليها الأوس والخزرج في تملك الأراضي الزراعية، وإنما جاء الأمر -فيما يبدو- على غير تقدير مرسوم، فحدث أن احتل الأوس بقاعًا أخصب وأغنى من الجهات التي نزلها الخزرج، ولذلك كان حتمًا أن يقع الخلاف بينهم ويحصل التنازع على نفس الغاية التي حدث عليها بين العرب واليهود من قبل.
ولما كان من مصلحة اليهود ألا تظل كلمة العرب واحدة، فيستمروا في الضغط عليهم حتى يجلوهم نهائيًّا عن منطقة يثرب، فإننا نرجح أنهم عملوا من جانبهم على الدس بينهم وتشجيع عوامل الفرقة وإذكاء روح التحاسد التي بدأت تظهر بين الأوس والخزرج حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم الثعالب؛ لما عرفوا فيهم من مكر وحيلة وخديعة، وفضلوا جوار إخوانهم -على ما بينهم من تنازع- عن جوار هؤلاء الثعالب. ولدينا رواية ذكرها ابن إسحاق تؤيد ما نتجه إليه، قال: ومرشاس بن قيس، وكان شيخًا قد عشا عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم.
стр. 316
وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية: فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد: لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتًى شابًّا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ... ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين..١، وهذه الرواية وإن ذكرها ابن إسحاق في حوادث ما بعد الهجرة، إلا أنها تعطينا فكرة عن الروح العامة لدى اليهود، وأنهم كانوا يرون في اجتماع كلمة الأوس والخزرج أمرًا مهددًا لكيانهم في المدينة فعملوا على تحطيم الاتحاد بين القبيلتين العربيتين، ونستطيع أن نقول: إن هذا الاتجاه هو الذي اتجه إليه اليهود بعد تغلب الأوس والخزرج عليهم في يثرب، وإن كانت الظروف قد اضطرتهم إلى أن تدخل بطونهم في أحلاف مع الأوس والخزرج كل بسبب ظروفه التي وجد فيها.
وقد بدأ التنازع بين الأوس والخزرج -بحسب الروايات التي سقناها- تنافسًا قبليًّا على الرياسة وعلى احتلال مركز الصدارة في يثرب، ولما كان تفوق العرب وانتصارهم على اليهود قد جاء على يد رجل من الخزرج أصبح له الذكر والشرف عليهم٢، كان طبيعيًّا أن يعمل الخزرج على الاحتفاظ بمركز الصدارة في المدينة، لكن حدث أن الأوس تملكوا أفضل البقاع الزراعية، وأصبح الوضع الاقتصادي في مصلحتهم لذلك لم يقبلوا أن تكون للخزرج هذه المنزلة عليهم، وساءهم أن يؤكد أحد الوافدين من رجال القبائل البدوية حول يثرب هذه المنزلة لزعيم الخزرج مالك بن العجلان، وأن يفاخر بذلك حليف لمالك على محفل من أهل المدينة، فترصده رجل من الأوس وقتله. وطالب مالك به، فعرضت عليه الدية بحسب الأصول القبلية المعروفة -وهي دية الحليف نصف دية الصريح- لكن مالكًا رأى أن يؤكد سيادته فأصر على ألا يقبل في حليفه إلا دية الصريح، ورفضت الأوس ذلك بطبيعة الحال، فاقتتل الفريقان، ثم تحاكموا فقضي لمالك بدية الصريح إرضاء له على أن يعود الأمر بعد ذلك إلى السنن المعروفة. لكن هذا الحل كان أمرًا موقوتًا، إذ إن دواعي الخلاف
стр. 317
الحقيقة بقيت خفية في النفوس لم يجرؤ أحد على إظهارها، وزاد الأمر تعقيدًا وقوع الدماء بين الطرفين، فشبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم، فتتالت الوقائع بين الفريقين في مظهر من مظاهر التنافس القبلي، كان النصر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى أحست الأوس بالضعف وبعدم قدرتها على الصمود بنفسها أمام الخزرج الذين بدا واضحًا أن نياتهم تتجه إلى الحصول على ما في أيديهم من الأرض الخصبة. ولما كانت الأوس تجاور قبيلتين قويتين من قبائل اليهود وهما قريظة والنضير اللتان استطاعتا الاحتفاظ بما في أيديهما من أفضل الأراضي الخصيبة وكانتا من القوة بحيث لم تدخلا في حلف مع إحدى القبيلتين العربيتين؛ فإنها فكرت في إقناع هؤلاء اليهود بالدخول معها في حلف للوقوف في وجه أطماع الخزرج التي تهدد الطرفين على السواء.
وحين أحست الخزرج بهذا الاتجاه الأوسي، أنذرت اليهود بالحرب إن هم انحازوا إلى جانب الأوس، ويبدو أن الخزرج كانت قد وصلت إلى درجة من القوة حتى أخافت اليهود، فخضعوا لهذا التهديد وقدموا رهنًا من أبنائهم ضمانًا لوفائهم بالتزام جانب الحياد، وحتى إن بطونًا من الأوس نفسها حالفت الخزرج ضمانًا لمصالحها.
وبذلت البطون الأوسية الغنية محاولات للصمود في وجه الخزرج لكنها باءت بالهزيمة، وحين عجزت عن الصمود وأيست من نصرة اليهود واتجهت إلى عنصر خارجي، فأرسلت وفدًا إلى مكة لاستعداء قريش على الخزرج١. لكن قريشًا كانت دائمًا تبتعد عن كل ما من شأنه أن يورطها أو يجرها إلى حروب قد تضر بمصالحها التجارية، فرفضت هذا الحلف الذي يشتم منه رائحة الدماء. واضطرت الأوس أمام هذا الفشل إلى الخضوع، كما اضطرت بعض بطونها إلى الخروج عن مساكنها أمام ضغط الخزرج.
غير أن الوضع ما لبث أن تغير فقد أسفر الخزرج عن نياتهم في الحصول على ما في أيدي قريظة والنضير من الأراضي والدور، وفعلًا أذنوهم بالحرب أو أن يسلموا
стр. 318
ما بأيديهم. ولم يكن هذا العمل من زعماء الخزرج -في هذا الوقت- ينطوي على شيء من الحكمة فإن هذا الموقف وحد بين الأوس واليهود من قريظة والنضير، إذ وجد هؤلاء أن عليهم إن أرادوا البقاء في يثرب أن يخوضوا ضد الخزرج معركة فاصلة، ولم يكن الخزرج بأقل منهم رغبة في خوض هذه المعركة لتأكيد سيادتهم ولتغيير لوضع الاقتصادي تغييرًا نهائيًّا، ولما كانت المعركة معركة حياة أو موت فقد حشد لها الطرفان كل إمكانياتهما واستجلبا حلفاءهما من قبائل البادية. ولما كانت المعركة بالنسبة للأوس وحلفائهم هي معركة الحياة فقد استماتوا في القتال وألحقوا بخصومهم هزيمة كبيرة، ولم ينقذ الخزرج من الكارثة إلا خشية الأوس من أن يستعيد اليهود مركزهم السابق في يثرب، فيضطر الأوس لمواجهتهم على انفراد لو قضي على قوة الخزرج، وفعلًا بدت نيات اليهود واضحة في تحطيم الخزرج وإذلالهم؛ ولذلك فضلت الأوس الاكتفاء بالقضاء على روح التسلط في الخزرج دون القضاء عليهم، ورأت أن جوارهم خير من جوار الثعالب.
وقد استغل أحد زعماء الخزرج -وهو عبد الله بن أبي- موقفه الحيادي الشخصي ولصالح قبيلته، فاستطاع أن يحمي أمواله من الاعتداء عليها، وأن يكسب لنفسه مركزًا أدبيًّا في هذا الجو المضطرب بين طوائف المدينة المختلفة، فاتجهت إليه أنظار الطرفين على السواء كرجل يمكن أن يكون واسطة التجميع وحل النزاع. كما أنه استطاع أن يضم إلى جانب قبيلته إحدى قبيلتي اليهود القويتين وهم بنو النضير، وبذلك حدث توازن بين المعسكرين المتخاصمين.
من كل ذلك نرى أن العامل الاقتصادي كان هو العامل المتحكم في العلاقات العامة بين السكان في يثرب. وحتى بين بطون القبيلة الواحدة أو بين عشائر البطن الواحدلم تستطع لحمة الدم أن تتغلب على الدوافع الاقتصادية التي كثيرًا ما كانت تثير النزاع بينها، وإذا كانت بطون الأوس أو بطون الخزرج كانت تتجمع تحت راية قبيلته في النزاع العام بحكم رابطة الدم، فإن كثيرًا ما كانت بطون من الطرفين ترى أن مصلحتها الاقتصادية تقتضيها التزام جانب الحياد، كما أنها كثيرًا ما كانت تتنازع فيما بينها فيحاول بعضها أن يستولي على ما في يد الآخر من الأراضي والدور، كما حدث مثلًا بين بني حارثة وبني عبد الأشهل وهما بطنان من فرع واحد من الأوس وهو
стр. 319
النبيت، كانا متجاورين في منازلهما، تقاتلا فأجلى بنو حارثة بني عبد الأشهل حتى ألحقوهم بأرض بني سليم، ثم عاد هؤلاء بحلفائهم من سليم فهزموا بني حارثة وأجلوهم إلى خيبر فأقاموا بها قريبًا من سنة حتى تم الصلح بينهما١. وكما حدث بين بني بياضة وبني زريق وهما بطنان من فرع واحد من الخزرج إذ اقتتلوا وأجلى الأولون الآخرين عن منازلهم ٢.
وهكذا أصبحت مدينة يثرب تغلي بالخلافات وتضارب المصالح والأهواء. لكن يوم بعاث أصاب الفريقين بأضرار كبيرة؛ فقد قتل عدد كبير من سروات القوم جميعًا ورؤسائهم، وأصيبت الممتلكات بأضرار فادحة نتيجة التقطيع والتحريق. الأمر الذي جعل الناس يفكرون في ضرورة وضع حد لهذه المنازعات.. فبدأت الأفكار تتجه إلى إيجاد جو من السلام ينصرف الناس فيه لأعمالهم ويتذوقون لذة الراحة وهناء العيش، وبخاصة البطون الصغيرة التي لم تكن لها مصالح في النزاع وكان همها أن تعيش في سلام؛ لذلك سعى كثير من الزعماء وذوي النفوذ من الطرفين لكف كل من تحدثه نفسه بمحاولة إثارة الفتنة وإيقاد نار العداوة.
وعلى العموم فإن بعاث قد أضعف بطون يثرب كلها وأوجد فيها ميلًا إلى الاتحاد، حتى إنه ليقال إنها أرادت أن تملك عليها ملكًا من الخزرج، كما يحدثنا ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول العوفي لا يختلف عليه في شرقه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك. فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكًا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًّا على نفاق وضغن٣.
فكأن قلوب أهل يثرب على اختلاف قبائلها وكثرة نزعاتها سئمت حالة الجفاء والعداوة، وأحست بالحاجة إلى من يخرجهم منها ويوجه نشاطهم إلى ما هو أجدى عليهم وأكثر نفعًا.
стр. 320
الفصل الثالث: قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية
إن الخصائص العامة للصلة بين البيئات الزراعية وبين جيرانها من البدو الرحل هي العلاقات المزعزعة التي تتسم عادة بالحذر والتربص؛ فالبدو دائمًا يطمعون في خيرات هذه المناطق الخصيبة، وهم ينتهزون كل فرصة تسنح للإغارة عليها لسلب ما تقع عليه أيديهم من حاصلاتها ومواشيها؛ ولذلك كثيرًا ما كان أهل القرى يلقون عنتًا كبيرًا وتصاب زراعاتهم وممتلكاتهم بأضرار فادحة من جراء سطو هؤلاء البدو وغاراتهم الجريئة. وحتى الدول الكبرى ذات القوة كثيرًا ما كانت تتعرض حدودها المجاورة للقبائل البدوية لغارات رجال هذه القبائل المدمرة، فكات لذلك تتخذ من الإجراءات السليمة والحربية ما تكف به عادية هؤلاء الطامعين الجريئين: فهي في بعض الأحيان تصطنع وسائل الاستمالة عن طريق الحلف أو دفع إتاوات لرؤساء القبائل، ولكنها دائمًا تعد من وسائل القوة التي تخيفهم ويكبح جماحهم؛ فإن أي بادرة من الضعف تبدو في نظر هؤلاء البدو كانت تغريهم بالانقلاب على حلفائهم والإغارة عليهم، لذلك كانت تقيم المسالح والحصون وتراقب حركات البدو مراقبة دقيقة، وتعد حملات حربية لتأديبهم عند ظهور أي علامة على تمردهم وعدوانهم.
وقد انطبعت علاقات المدينة مع جيرانها بهذا الطابع، وما الإكثار من إقامة الحصون والآطام في كل أنحاء منطقة يثرب إلا مظهر من مظاهر هذه العلاقات بين هذه المنطقة الزراعية وبين جيرانها من القبائل البدوية الضاربة حولها، وهو إجراء دفاعي ضد ما يقع على الممتلكات والحاصلات من غارات لا بد كانت تحدث على منطقة يثرب. وإذا كانت المصادر لم تحدثنا عن هذه الغارات فإن الروايات التي ذكرها المؤرخون عن الأحداث التي وقعت في عهد الإسلام لتشير إلى هذه الغارات إشارات ظاهرة، فيذكر المؤرخون حين يتحدثون عن المداولات التي جرت بين النبي ﷺ والمسلمين في يوم أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول الخرزجي قال: كنا نقاتل في الجاهلية فيها -المدينة- ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة ونشبك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كل ناحية، وترمي المرأة والصبي