على الجماعة كلها فحسب، بل على أقرباء الجاني نفسه أن يهبوا متكاتفين عليه وأن يسلموه لصاحب الثأر لكي يقتاد منه بالعدل. وعلى هذا لم يصبح الثأر أمرًا يتحول إلى ثأر يجر ثأرًا، كما كانت الحال في القبيلة العربية من قبل حيث لم تكن هناك سلطة لها قوة القهر، أما في المدينة فقد نفذ مبدأ العقاب بالمثل تنفيذًا صارمًا؛ لأن الله في المدينة فوق رابطة الدم، لكن العقاب بالمثل لم يكن قد صار عقابًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن تنفيذه كان متروكًا للمجني عليه أو وليه، وكان له أن يثأر لنفسه أو يتنازل عن الثأر ويأخذ الدية أو يعفو، ولكن مع هذا فإن مبدأ العقاب بالمثل صار نقطة انتقال من مبدأ الأخذ بالثأر إلى مبدأ الأخذ بالعقاب؛ وذلك أنه بانتقال حق التأديب من الفساد إلى الجماعة حدثت خطوة مهمة في سبيل جعل الأخذ بالثأر شأنًا من شئون الدولة، وكانت الخطوة كافية لتفادي الترات الداخلية ولكي يسود السلام في منطقة المدينة ويكون شاملًا لا استثناء فيه، وعلى هذا لم تصبح هناك جماعات متعددة بتعدد القبائل تراعي السلام، الأمر الذي يجعل حمايتها غير كافية أو على الأقل غير فعالة على الوجه المرضي خارج حدود القبيلة، بل أصبح هناك سلام واحد شامل هو سلام الأمة.
والغرض الثاني الذي أوضحته الصحيفة هو اتحاد القبائل لرد كل عدوان من الخارج، وعلى المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضًا دون الناس، وهم يتعاقلون بينهم ويدهم على من سواهم، وهم على من بغى منهم. وليس واجب الثأر من الأعداء واقعًا على أقرباء المقتول بحكم رابطة الدم؛ وإنما هو واقع على كاهل المؤمن ليثأر للمؤمن، وبذلك خرجت الحرب من أن تكون داخلة ضمن الثأر للدم كما كانت من قبل هي والثأر للدم شيئًا واحدًا، وإنما صارت الحرب حربًا فحسب، وكذلك صار السلام مع قوم أجانب أمرًا يعم المؤمنين جميعًا شأنه شأن الحرب، بحيث لا يستطيع أحد منهم أن يعقد سلامًا منفردًا لا يكون سلامًا للجميع.
وهكذا رسمت الصحيفة التخطيط العام للأمة، وإذا كانت هناك بعض الثغرات متمثلة في حق المجني عليه في الأخذ بالثأر أو العفو، وفي حق الإجارة الذي يجب أن يكون من حقوق سيادة الأمة ورئيسها، إلا أن نظام الأمة أخذ يكتمل شيئًا فشيئًا،
стр. 387
وكان المؤمنون وعلى رأسهم النبي ﷺ هم روح هذه الأمة والعنصر الناهض الذي كانت تصدر منه الحركة، وكلما كان الدين ينتشر؛ كانت أركان الأمة تقوى وتتوطد١.
وكانت مهمة النبي ﷺ السياسية بعد هذا تنحصر في الدفاع عن حدود دولته وضمان الأمن لها، ولم تخرج تصرفاته عن هذا الهدف طوال العصر المدني. والأساس التي نفسر به كل التصرفات السياسية هو أن المدينة ومن انضم إليها دولة واحدة غير متصلة بما عداها إلا بالشروط الجديدة التي وضعها النبي ﷺ فلا صلة بين يثرب وبين غيرها إلا عن طريق الإسلام وعن طريق الالتحاق بها والتبعية لها. ولتقوية جبهة المدينة اعتبرت الهجرة إلى المدينة أساسًا للحصول على حق الرعوية للدولة الجديدة؛ فعلى من يدخل الإسلام ويريد أن يكون مواطنًا في يثرب أن يهاجر إليها، وقد نزل القرآن بنص صريح من ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال] .
ونستطيع أن نقول: إن حكومة المدينة ظلت مقصورة على المدينة نفسها وعلى ريفها إلى عام فتح مكة سنة ٨هـ، فالطور الأول في شكل الحكومة المدينية هو طور: المدينة- الدولة. City - State وقد دام ثماني سنوات، فإذا استطاع أحد أن ينكر وجود مقومات الدولة المدينية في يثرب قبل الهجرة فهو لا يستطيع أن ينفي عن يثرب هذه الصفة بعد الهجرة.
وكما حرص النبي ﷺ على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم، وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عن طريق السرايا على أن ينضم إلى المدينة ما حولها من ريف وما حولها من قبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها، ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة فيما حولها؛ لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها، ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالًا لنشاطها. ولهذا الغرض قام النبي ﷺ بعدة سرايا، ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات. فأمنت هذا الريف، وعقدت
стр. 388
في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة١؛ إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ومهادنتهم، وأحيانًا بدفع الإتاوات لهم، ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.
والسرايا التي عرفت في السنتين الأوليين كانت عبارة عن حملات حربية صغيرة لا يقصد بها إلى الحرب، بل يقصد بها ما يقصد من أعمال الدوريات الحربية، وهي المحافظة على الحدود أو الاستكشاف، وأحيانًا إيقاع الضرر بأي عدو والانسحاب بسرعة، وقد بلغ عدد السرايا التي أرسلها النبي ﷺ قبل موقعة بدر ثماني سرايا اتجهت إلى كل الجهات، قاد بعضها بنفسه وعقد لبعض أصحابه على بعضها٢.
ويذكر المؤرخون هذه السرايا على أنها عمليات حربية مقصودة بذاتها٣ وعلى أنها متصلة بالصراع بين النبي ﷺ ومكة، وهذا خطأ في نظرنا، والخطأ آتٍ من أن المصادر نفسها والمؤرخين المحدثين لم يفطنوا إلى أن هذه السرايا كانت عمليات حربية داخلية، يقصد بها تقوية الجبهة الداخلية، ويقصد بها كذلك ضمان الأمن ودفع الأذى الذي قد يأتي من الخارج.
على أنه كان من مهمة هذه السرايا منع تجارة قريش من المرور في أراضي الدولة الجديدة، طبقًا لنص الصحيفة الذي يقول: إنه لا تجار قريش ولا أموالها وهذا داخل في نطاق أعمال السيادة للدولة اليثربية، وكان لا بد من إشعار قريش، ومن إشعار القبائل المجاورة أن حدود الدولة الجديدة محروسة، وأن سيادتها على أراضيها يجب أن تحترم وأنه من الخير الاتفاق معها والاعتراف بها. ولم يكن الأمر في حقيقته من جانب يثرب بالنسبة لقريش أمر إعنات وإحراج وحروب؛ فإن النبي ﷺ كان ينظر إلى قريش نظرة خاصة، فهو يقدر الميزات التي تنطوي عليها مهادنة قريش واعترافها بالدولة الجديدة، كما كان يدرك قيمة قريش بين العرب وما يعود من وراء الاتفاق معها من
стр. 389
فوائد الدعوة الجديدة. كما كان يقدر ما تضم هذه القبيلة -التي هي قبيلته- من رجال تمرسوا بالحياة وخبروا الحكم وتسيير دفة الأمور سياسيًّا واقتصاديًّا عبر عن هذه في مناسبة بعد النصر في معركة بدر؛ إذ يقول أحد الشبان من الأنصار، وقد جاء الناس يهنئون النبي ﷺ بالنصر: "ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة فنحرناها،
فقال النبي ﷺ : "أي ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو شهدت فعالهم احتقرت فعلك" ١. فالنبي ﷺ كان يحرص على مهادنة هذه القبيلة تقريرًا لميزاتها أكثر مما يحرص على حربها وعداوتها كما أنه كان يريد في الوقت نفسه أن يشعرها بقوة الدولة الجديدة وتصميمها على المحافظة على كيانها وسيادتها، وأنه لا يسمح مطلقًا بأن توطأ أرضها من عدو لا غازيًا ولا تاجرًا. كما أن السرايا حملت في الوقت نفسه تهديدًا لقريش بأن تجارتها مرهونة برضاء الدولة اليثربية، وعليها إذا كانت تريد أن تستمر في تسيير قوافلها نحو الشام أو نحو العراق أن تحسب حساب الوضع الجديد، ويجب أن تغير من سياستها المنطوية على العدوان بالنسبة للنبي ﷺ والمسلمين في يثرب. وأن تترك الحرية للمسلمين الذين حبستهم في مكة، وتترك الدعوة الجديدة تأخذ مجالها الحر دون مناوأة ودون حرب؛ وإلا فإنها تعرض نفسها لقطع تجارتها والقضاء على مواردها الاقتصادية؛ بقفل طريق التجارة المار في أراضي الدولة اليثربية في وجه تجاراتها، لكن السرايا لم تحمل أكثر من هذا التهديد؛ فلم تشتبك في حرب مع قوافل قريش ولم تستول على شيء منها، إلا ما كان من سرية أرسلها النبي ﷺ إلى بطن نخلة بين مكة والطائف لتعرف أخبار قريش، ولم تكن هذه السرية من القوة بحيث تشتبك في حرب أو تصادر قافلة، ولكن أفرادها تصرفوا على مسئوليتهم الخاصة؛ فاستولوا على قافلة صغيرة لقريش وقتلوا أحد رجالها وأسروا رجلين، وقد لام النبي ﷺ بالفعل رجال هذه السرية على تصرفهم الشخصي هذا٢، ومن هنا يتبين أن مهمة السرايا لم تكن هجومية ولم يكن يقصد بها إلى
стр. 390
لو سلمنا بهذا الأساس استطعنا أن نقول: أن النبي ﷺ لم يقم بحرب هجومية إطلاقًا، حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش؛ فإن موقعة بدر التي حدثت في السنة الثانية الهجرية حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى أثر تحدي المكيين للنبي ﷺ وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين بذلك حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلته في المنطقة اليثربية كان يتحدى ويدل على أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي ﷺ ولهذا خرج النبي ﷺ إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت إلى الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم، والطائفة الأولى هي القافلة والطائفة الثانية المعنية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها، ومنع النبي ﷺ من مصادرتها١.
ثم إن وقعة أحد سنة ٣هـ وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكيون فيها مُهَاجِمين مطالبين بثأر بدر٢. ثم إن النبي ﷺ خرج في السنة الرابعة إلى بدر لوعد بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أحد٣، فلم يلق النبي ﷺ يومئذ حربًا. لكنه حين سار إلى بدر إنما سار إلى حدود إقليمه ولم يتجاوزها.
فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة الخندق كان النبي ﷺ مستقرًّا في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحديًا منتهكًا لحقه في السيادة كما كان الحال في عام أحد، فالنبي ﷺ لم يكن مهاجمًا، بل إنه أراد أن يبين نيته السلمية وأن يفهم الناس بطريقة مادية محسوسة أنه لا يريد حربًا، ولجأ في التعبير عن هذه النية إلى طريقة مستحدثة تأباها الفروسية العربية، وهي طريقة حفر خندق حول المدينة٥. ثم
стр. 391
ظهرت نية النبي ﷺ السلمية بشكل واضح جدًّا لا يختلف عليه المؤرخون بعد عام الخندق، ونادى النبي ﷺ بكلمة التقوى أو كلمة السلم واعتبرها مقابلة لما كان يتبعه الناس يومئذ من الاستجابة لحمية الجاهلية، فحمية الجاهلية تقابل كلمة السلم عند النبي ﷺ والعبارتان رامزتان لمثلين مختلفين: المثل الإسلامية، والمثل العربية الجاهلية١.
وقد حرص النبي ﷺ حين فتح مكة أن يتفادى الاصطدام بالمكيين. وفعلًا تم فتح مكة سنة ٨هـ، وكان فتحًا خلا من القتال بوجه عام. وهو من قبل هذا في عام الحديبية سنة ٦هـ، قد مال إلى السلم برغم معارضة كثير من أصحابه، وعد الفوز بالسلم غنيمة كبرى وفتحًا مبينًا٢، إذ استطاع عمليًّا أن يسود المبدأ الإسلامي ويتغلب نهائيًّا على مبدأ الجاهلية؛ ففي تسويد مبدأ السلم احتفاظ بقوى العرب سليمة، قوى يثرب وقوى مكة على السواء؛ استعدادًا لما كان يهدف إليه من توحيد العرب توحيدًا شاملًا، وما تتطلبه الوحدة من قوة مادية وأدبية: من رجال ومن خبرة وتجربة. هذا إلى أن في السلم إبعادًا لسخيمة النفوس وأحقادها مما قد يكون له من أثر سيئ على روح الأفراد، سواء إذا تم الأمر بالنصر أو بالصلح، على أن في تسويد السلم حرية للعقيدة أن تنتشر دون أن تقف في وجهها عقبات مادية أو نفسية تصدها عن الانتشار أو تعطيل من سيرها؛ ولذلك نزل القرآن الكريم بسورة الفتح بعد صلح الحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح] . والنبي ﷺ لم يلجأ إلى حرب هوازن وثقيف يوم حنين إلا لأن هذه القبائل تحدته وتقدمت لحربه ورفضت الدخول فيما دخل فيه المكيون؛ وكانوا من قبل يسيرون حيث يسير أهل مكة، وكانت الطائف تعتبر من ريف مكة، ولا يوجد شريف من أهل مكة إلا وله في الطائف بستان. وكذلك حرب النبي ﷺ مع القبائل العربية؛ فإنه لم يهاجم إلا القبائل التي استعدت لقتاله وتجمعت لذلك، وكذلك لم يهاجم اليهود إلا لخياناتهم وتجميعهم الجموع لحرب المدينة.
стр. 392
الصراع بين يثرب وخصومها
مدخل
...
ما كادت الدولة التي أنشأها النبي ﷺ في يثرب تقوم، حتى بدأ بينها وبين خصومها صراع عنيف استعمل فيه اللسان كما استخدم فيه السيف، وقامت فيه الدبلوماسية بدورها إلى جانب القوة المسلحة، وظهرت فيه قوة الأحلاف القديمة بترابطها ومصالحها المشتركة. كما ظهرت آثار الخصومة القديمة بين القبائل والطوائف سواء في داخل المدينة أو خارجها. ولعب تشابك المصالح أو تعارضها دورًا مهمًا في توجيه الصراع وتقرير مصيره.
ولقد ظهر للدولة اليثربية خصوم في داخلها وفي خارجها. ولم يمضِ وقت كبير حتى اتفقت مصلحة الخصوم في الداخل والخارج. وتضافرت جهودهم على سحق قوة المدينة والقضاء عليها، وخنق الدين الجديد الذي قامت الدولة على أساسه. ومحاولة القضاء على صاحب هذا الدين حتى تعود الحالة إلى ما كانت عليه من قبل.
ولم يكن خطر الخصوم الداخليين بأقل أثرًا من خطر الخصوم الخارجيين؛ بل إنه أحيانًا يكون أشد على الدولة. فإنه يربك داخليتها ويفكك جبهتها ويجعلها عرضة للسقوط أمام أي هجوم خارجي. وقد تمثل هذا الخطر في طائفتين من طوائف يثرب. فأما الطائفة الأولى فهم اليهود الذين رحبوا بالنبي ﷺ أول الأمر ظنًّا منهم أنهم يستطيعون استمالته إلى جانبهم ليستفيدوا منه في تقوية مركزهم في يثرب وتدعيم مصالحهم بها؛ ولكن النبي ﷺ كان صاحب هدف أكبر من الأغراض المحلية. ومن هنا بدأ تعارض المصالح واضحًا بين الطرفين، فأخذ اليهود يكيدون للدين الجديد وللوحدة
الجديدة التي أقامها النبي ﷺ بين عرب يثرب، ثم اتصلوا بالعدو الخارجي ونظموا معه قوة كبيرة لسحق المدينة.
وأما الطائفة الثانية فكانوا جماعة من الأوس والخزرج دخلوا في الإسلام مراعاة لدخول عشائرهم، لكنهم كانوا مسلمين في الظاهر يستخفون بالكفر في باطنهم، وكان على رأس هذه الجماعة بعض الزعماء الذين فاتتهم مصالح عاجلة، وعجزوا عن مقاومة الوضع الجديد، وكان وجود هذه الجماعة غير المخلصة أمرًا بالغ الخطورة في كيان الدولة؛ لكن النبي ﷺ عالج الموقف بالحكمة والأناة، وَوَكَل أمر هذه الجماعة إلى عشائرها وقد ظل يتقي خطرها حتى ضعف أمرها شيئًا فشيئًا.
стр. 393
وأما خصوم الدولة الخارجيون، فكانوا قريشًا ومن ارتبط بها من قبائل العرب على أساس المصلحة المشتركة. وقد عملت قريش منذ الهجرة على إحباط مشروعات النبي ﷺ في المدينة بالاتصال بالطوائف المناوئة في الداخل، كما عملت على كسر شوكة الدولة اليثربية بانتهاك حرمة أراضيها ثم بالهجوم عليها بغية سحقها وتدميرها. وقد شاركت القبائل الموالية لقريش في هذا العمل إما بمحاولة الإغارة على أطراف الدولة وإما بالمشاركة في جيوش قريش؛ لكن موقف القبائل كان دائمًا مرتبطًا بمصالحها وكان من الممكن تحويلها من جانب إلى آخر حسب مصالحها؛ ولذلك لم يكن موقف القبائل ثابتًا، وقد استطاع النبي ﷺ تدريجيًّا أن يحولها إلى جانبه، حتى إذا ما مضت ثماني سنوات كان موقف القبائل قد تعدل نهائيًّا لصالح يثرب. وفي كل أدوار هذا الصراع استخدم الطرفان المتنازعان -ونعني بهما المدينة ومكة التي هي العدو الأول وحولها التف كل الخصوم- كل ما يملكان من قوة مادية وأدبية، وكان النصر معقودًا لمن يستطيع أن يتفوق على الآخر في توجيه الأمور توجيهًا سليمًا مبنيًّا على إدراك قوي للموقف الداخلي والخارجي في المدينتين، وعلى فهم طبائع النفوس وتوجيهها لمصلحته.
стр. 394
الفصل الأول: الصراع بين مكة والمدينة
قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الصراع يحسن أن نلقي ضوءًا على الحالة الداخلية في كل من المدينتين، فإن الظروف الداخلية في كل منهما لعبت دورًا خطيرًا في هذا الصراع، وكان تنظيم الجبهة الداخلية من العوامل الحاسمة في تفوق إحداهما على الأخرى. ولم تكن الجبهة الداخلية في كل من المدينتين سليمة كل السلامة؛ بل كان في كل منهما نقطة ضعف خطيرة سببت لكل منهما متاعب كبيرة. وكان نجاح إحداهما في تسوية مشاكلها هو العامل الأكبر في تفوقها فيما قام بينهما من صراع.
стр. 395
الحالة الداخلية في يثرب "المدينة "
كان في المدينة عنصران من عناصر الضعف، وكان لهما من الخطورة ما كان من شأنه القضاء على هذه الدولة الناشئة، لولا اليقظة الشديدة والسياسة المرنة التي عالج بها النبي ﷺ أمر هذين العنصرين.
فأما العنصر الأول من عناصر الضعف فهو وجود اليهود في المدينة. وقد كانوا عنصرًا كبيرًا وقوة خطيرة لا يستهان بها، وقد أجبرتهم الظروف على تقبل الوضع الجديد الذي نشأ بالهجرة، فحاولوا في أول الأمر التقرب إلى هذا الوافد الجديد لعلهم يستطيعون استمالته إلى جانبهم؛ فربما استطاعوا بمعاونته أن يحولوا الموقف الداخلي في يثرب لصالحهم، وقابل الرسول ﷺ تقربهم هذا بتقرب مماثل، فاعترف بهم عنصرًا في الدولة الجديدة، وأقرهم على وضعهم وديانتهم، ووضع بنودًا في دستور المدينة -الصحيفة- حددت وضعهم كعنصر عامل مشارك في الحقوق والواجبات، وعقد مع قبائلهم الكبرى عقودًا ألحقتها بالدولة؛ لكن موقف اليهود في أنفسهم كان تربصًا وانتظارًا لما يتبلور عنه الوضع الجديد. فما لبثوا أن رأوا الأمور تسير إلى وجهة غير التي قدروها، رأوا النبي يدعو إلى التوحيد ولكن ليس هو التوحيد الذي يؤمن به اليهود، فلقد اتخذ اليهود من رسالة التوحيد التي جاء بها موسى دينًا، ولكنهم ربطوها بجنسهم، فالله الواحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس واختاروه
стр. 396
لأنفسهم من دون الآلهة، وبذلك كانوا يرون لأنفسهم ميزة على الناس. وكانوا حين تلم بهم شدة أو يحيط بهم الضعف والذل ينتظرون مجيء رسول أو مسيح ينقذهم من البؤس والشقاء، وقد تحولت عندهم هذه الأمنية إلى عقيدة راسخة، ويقول المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون: ملأت هذه القصة صحفًا كثيرة من صحف الأدب الإسرائيلي القديم والحديث. ولا تزال هذه العقيدة إلى اليوم راسخة في نفوس الطبقات المتدينة من اليهود. وإذا قام شخص وادعى أنه المسيح المنتظر الذي يحنون إليه منذ أزمان طويلة أنكروا ادعاءه وسفهوا قوله ورفضوا الإذعان إلى ما يدعوهم إليه. وكأن الأمة الإسرائيلية كانت ترمي بهذه الفكرة إلى غاية معنوية لا يريدون تحقيقها بوجه من الوجوه ١. ولقد نزل القرآن الكريم يندد باليهود ويذكر تناقضهم في أنفسهم ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة] فكأن غاية اليهود من أمنيتهم أن يجدوا من يأتي بما يهوون من سيطرة ونفوذ، لا بما تتطلبه الدعوة من إصلاح وخير يعم الناس جميعًا، ومن أجل ذلك كذبوا أنبياءهم، وعارضوا المسيح وحاربوا دعوته وسعوا إلى قتله؛ فإذا جاء محمد فدعا إلى هذا الإله الواحد الناسَ جميعًا بغض النظر عن أجناسهم، فإنه بذلك يزيل عن بني إسرائيل هذه الميزة التي يستفتحون بها على الآخرين. وإذن فلا تهادن بينهم وبين محمد الذي يسعى إلى تحطيم تلك القواعد المقررة التي سار عليها يهود، فقامت بينهم وبين النبي ﷺ محاجات ومجادلات ما لبثت أن اتخذت من جانبهم موقف التحدي والمعاندة، بل لم تلبث أن ورطتهم فيما لا يصح أن يتورط فيه ناس لهم دين سماوي وعندهم كتاب؛ فلقد كفروا بكل مبادئ التوحيد نكاية في محمد، فأعلنوا لقريش حين سألتهم أدينها خير أم ما يدعو إليه هذا الرجل؟ أن دينهم خير وأن الحق في جانبهم٢ وفي تورطهم في هذا الإثم الذي دفع إليه الحقد الأعمى بتفضلهم الأصنام على التوحيد، نزل القرآن يعيرهم ويندد بهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
وأمر آخر أثار حقد اليهود، وذلك هو أن محمدًا استطاع أن يؤلف بين الأوس والخزرج، وأن يجعل منهم كتلة قوية متماسكة تضاءل إلى جانبها وضع اليهود، ثم هو في كل يوم يدخل إلى المدينة من المهاجرين ممن جاءوا معه من مكة ومن يلحق بهم،
стр. 397
ومن يدخل في الإسلام من الأعراب ويهاجر ليقيم بالمدينة ما يزيد العرب بها قوة ويزيد اليهود بها ضعفًا، ويقضي على كل حلم يراود نفوسهم في استعادة مركزهم أو حتى الاحتفاظ بهذا المركز.
ثم إن المهاجرين المكيين ما لبثوا أن اقتحموا الميدان الاقتصادي والتجاري منه بنوع خاص، ولهم من الخبرة بشئون التجارة ما تضاءلت معها خبرة اليهود، وليس أبرع من تاجر قرشي في ذلك الوقت، فما لبثوا أن نظموا سوق المدينة وأجروا فيها التعامل على أسس جديدة جاء بها الإسلام، فلا ربًا ولا إرهاقًا ولا طرقًا ملتوية تذهب بأموال الناس، وبذلك نجحوا نجاحًا كبيرًا وجنوا أرباحًا لا بأس بها، وسيطروا -أو كادوا- على سوق المدينة. والمال وجمعه عنصر حساس عند اليهود يبيحون لأنفسهم في سبيله ما لا يباح من دين أو شرف؛ لذلك ما لبثوا أن تنكروا لعهودهم وأخلفوا مواثيقهم، وسعوا إلى تحطيم هذا الوضع الجديد في الداخل والخارج. فأما في الداخل فقد عملوا على إثارة الفتن والأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج١. ثم قاموا يجادلون ويشككون في الدين الجديد، ويصدون عنه من يريد الدخول فيه٢. بل تطرقوا إلى المساس بالأشخاص والأغراض فأخذوا ينشرون قالة السوء، وانبري شعراؤهم ينظمون الشعر في هجاء محمد والمسلمين والتحريض على حربهم، ويشببون بنساء الأنصار٣، بل ائتمروا بالنبي ﷺ نفسه يريدون قتله٤. وأما في الخارج فقد اتصلوا بأعداء الدولة وكانوا عيونًا لهم على المسلمين٥ ثم تآمروا مع العدو وخانوا الدولة، وأوشكت مؤامراتهم وخيانتهم أن تقضي على المدينة قضاء تامًّا في غزوة الأحزاب٦.
ولقد عالج النبي ﷺ موقف اليهود في براعة وقدرة، وتغلب على حساسية الموقف التي كانت قائمة بمحالفة اليهود مع بعض بطون الأوس والخزرج، وكانت هذه المحالفات لا يزال لها أثر في هذه البطون؛ فكان لا بد أن يعمل النبي ﷺ حسابًا لشعورها، فترى النبي ﷺ يصانع اليهود مرة، ويجادلهم أخرى، ويصبر عليهم حتى تحين فرصة فيقلم أظفارهم، ثم يرى نفسه مضطرًّا آخر الأمر إلى التخلص منهم نهائيًّا.
стр. 398
أما العنصر الثاني من عناصر الضعف فقد كان ممثلًا في طائفة من عرب المدينة من الأوس والخزرج، ومن بعض المتهودة، ومن رجال بعض البطون اليهودية الصغيرة دخلوا في الإسلام ظاهريًّا، فعرفوا بالمنافقين١.
وكان رأس هذه الطائفة رجل من زعماء الخزرج هو عبد الله بن أبي بن سلول من بني الحبلى. وقد رأى هذا الرجل أن هجرة الرسول ﷺ قد فوتت عليه مصلحة عاجلة كادت تصل إليه؛ ذلك أن الأوس والخزرج قد تصالحوا بعد يوم بعاث واتفقوا على أن يملكوا عليهم رجلًا منهم، وكان عبد الله هذا هو الزعيم الذي وقع عليه الاختيار، فإنه كان قد لزم الحياد في مراحل الصراع الأخير بين القبيلتين، وفعلًا استعد قومه لتوليته مقاليد الرياسة؛ فلما كانت الهجرة تغير الوضع وفات عبد الله ما كان يريد وينتظر، من أجل هذا ضغن على النبي ﷺ وعلى الوضع الجديد كله، والتف حوله طائفة ممن شايعه، كما التف حوله اليهود لاتفاق مصلحة الطرفين٢.
وقد عملت طائفة المنافقين على خلق المتاعب في المدينة، غير أن خصومة هؤلاء المنافقين تختلف عن خصومة اليهود وإن اتحدت مصلحة الطرفين في مناوأة النبي ﷺ فالمنافقون من عرب يثرب يرتبطون بعشائرهم برابطة الدم والقرابة، وليس من السهل التخلص منهم بإخراجهم من يثرب كما فعل النبي ﷺ باليهود، كما أنه من الصعب التخلص منهم بالقتل وإلا تعرضت المدينة لحرب العصبية، وتعرض النبي ﷺ لأن يقال: إنه يقتل أصحابه، وفي هذا إضعاف لمركز الدعوة الإسلامية بين القبائل، لو شن العدو دعاية من هذا النوع، فقد كان المنافقون يظهرون الإسلام، فهم في الظاهر مسلمون ومن أصحاب محمد، وقد استشعر النبي ﷺ هذا الحرج حين أشار عليه عمر بن الخطاب بقتل عبد الله بن أُبَي بعد أن سعى بالفتنة بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق، وقال النبي ﷺ لعمر: " فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"٣، وقد استعان النبي ﷺ على هذه الطائفة بعشائرها التي كانت تدرك موقف هؤلاء المنافقين وتقدر حلم النبي ﷺ بهم رعاية لخاطر عشائرهم، وقد جعلت هذه
стр. 399
العشائر من نفسها وازعًا يرد فتن هؤلاء المنافقين ويكبح جماحهم. وقد نجحت سياسة النبي ﷺ هذه إلى حد كبير، وخير شاهد على ذلك ما أورده ابن إسحاق من استعداد عبد الله بن عبد الله بن أبي لقتل والده لو أمره النبي ﷺ بذلك، وأن قومه كانوا هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، وحين تذاكر النبي ﷺ وعمر موقف عبد الله بن أبي وتعنيف قومه له قال: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته"١.
وموقف المنافقين كان شديد الخطورة على كيان الأمة الداخلي؛ لكنه لم يصل إلى الحد الذي وصل إليه موقف اليهود، فقد كان المنافقون حقًّا يخذلون الدولة في المواقف الحرجة، ولا يتعاونون تعاونًا صادقًا عند الخطر. كما حدث من عبد الله بن أُبي حين خذل جيش المدينة ورجع بالمنافقين من غزوة أحد٢ وكما تخاذل المنافقون في غزوة الأحزاب٣. لكن هذه المواقف لم تكن في خطورة الاتصال بالعدو وتمهيد الطريق له لدخول المدينة والقضاء على أهلها كما فعل اليهود؛ فقد كان المنافقون يعتبرون أنفسهم أهل البلد، وهم إن لم يدافعوا عنها حمية للدين قاتلوا من أجل أحسابهم وأعراضهم، ولذلك كان النبي ﷺ يستشيرهم حين يدهم المدينة داهم، فقد استشار عبد الله بن أبي في غزوة أحد، وقد أشار عبد الله برأي صحيح، إذ إن الموقف كان يمس وطنه٤، كما قاتل بعض المنافقين قتالًا رائعًا في هذه الغزوة، وخير مثل لهم في هذا الموقف رجل يسمى: قزمان، أبلى بلاءً شديدًا وقتل وأشرف على الموت وجعل بعض المسلمين يبشره بالجنة قال: بماذا أبشر؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت٥. وقد ظل خطر المنافقين على الدولة كبيرًا ما ظل اليهود في يثرب؛ إذ إنهم كانوا على صلة دائمة بهم، بل إن اليهود هم الذين أَزْكَوا النفاق في يثرب فلما تم تطهير يثرب من اليهود ضعف أمر النفاق، وأصبح النبي ﷺ لا يخشى خطر هذه الطائفة.
هذه هي المتاعب التي واجهت النبي ﷺ في جبهته الداخلية، وقد تغلب عليها بمنتهى اليقظة والحزم، وزاوج في التغلب عليها -بين اللين والشدة حتى استقام له الأمر.
стр. 400
الحالة الداخلية في مكة
أما الحالة الداخلية في مكة فكانت نقط الضعف فيها أشد وأعمق، وكان التغلب عليها أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر في يثرب.
وأول هذه الأمور، هو الهجرة وما ترتب عليها بالنسبة للوضع الداخلي في مكة؛ فقد هاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة وإلى يثرب. ولم يكن كل من هاجر مغمورًا أو غير محسوس الأثر في قومه؛ وإنما كان كثير منهم صاحب نشاط وأثر محسوس في الحياة العامة، فحرمت مكة بخروجهم من عناصر طيبة كانت ذات قيمة كبيرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وأقفلت بالهجرة كثير من دور مكة وأظهر المكيون ألَمًا وحسرة على قفل هذه الدور. ثم إن كل بطن من البطون بل ربما كل أسرة من الأسر المكية قد تأثرت بهذه الهجرة التي قام بها المسلمون، فلم تبق أسرة إلا ومنها أب أو ابن أو أخ يعيش في غربته مهاجرًا، وليس أشد قسوة من فراق الأهل والأحبة، والشعور بما أصاب البيت من التفكك والتعادي. وخصوصًا في بيئة مثل البيئة العربية التي تقوم على الترابط القبلي وتحكمها نوازع العصبية، وفي مدينة مثل مكة تحرص أشد الحرص على وحدة القبيلة -قريش- فيها، وقد عمل ملأُ قريشٍ جاهدًا منذ أن صار أمر مكة إلى قريش على أن يحتفظ بوحدة القبيلة ويصونها من التفكك، ووقف بكل قوته في وجه كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إراقة الدماء أو الوقوع في الثارات بين البطون القرشية؛ لذلك اتهم أهل مكة النبي ﷺ بأنه سعى إلى تحطيم هذه الوحدة وفرق بين الناس، على أنه مهما يكن تعصب أهل مكة لوضعهم العام، فإن الشعور بالتأثم كان يملأ نفوس الأفراد؛ فإنه لا يفر الإنسان من وطنه وأهله إلا لظلم وقع به أو إرهاق عجز عن تحمله ولم يطق دفعه عن نفسه، وهكذا كان إحساس قريش بظلمها للمسلمين على الرغم من محاولتهم إلقاء التبعة على النبي ﷺ وكان هذا الشعور الداخلي من عوامل إضعاف الروح المعنوية، وقد أخذ يشتد مع الأيام.
ثم إن هناك المستضعفين من المسلمين الذين لم يستطيعوا فرارًا وحبسوا في مكة هؤلاء كانوا من غير شك يثيرون العطف ويعذبون الضمير العام في مكة، وفي الوقت نفسه كانت عواطفهم وأمانيهم مع إخوانهم المسلمين، وكانوا يدافعون عن تصرفات المسلمين في المدينة تجاه قريش، ويكونون دعاية لهم بين أهل مكة١. بل منهم من استطاع الفرار وجعل من نفسه ومن على شاكلته من المسلمين الفارين حربًا على المكيين؛ يقطعون طريقهم ويستولون على ما تصل إليه أيديهم من متاجرهم ويقتلون من يقدرون على قتله منهم٢.
стр. 401
ثم بنو هاشم في مكة وهم عشيرة النبي ﷺ الأقربون، وقد حموه ودافعوا عنه طول مدة إقامته في مكة بعد البعثة إلى أن هاجر، وتحملوا الشدة والمقاطعة في سبيل نصرته بدافع العصبية، وحين اعتزم عقد البيعة الكبرى مع أهل المدينة لم يُخْفِ أمرها عن عمه العباس؛ بل إن العباس حضر هذه البيعة ليستوثق لابن أخيه وليطمئن على موقف أهل المدينة منه، ولقد كان العباس عينًا للنبي ﷺ على أهل مكة يكتب له بكل تحركاتهم واستعداداتهم ضده، وكان من بمكة من المسلمين يلتقون به وكان لهم عونًا على إسلامهم، وكان يذيع بين أهل مكة أخبار انتصارات النبي ﷺ على خصومه، وهو بذلك يضعف الروح المعنوية عند أهل مكة، ومن غير شك كان له دور كبير في تسليم أهل مكة في عام الفتح سنة ٨هـ١. كما كان هوى بني هاشم من غير شك مع محمد وأمانيهم في نصره، وكانت قريش تعلم هذا فيهم٢، ولكنها لم تكن تستطيع أن تفعل شيئًا. فلو فرضت عليهم الهجرة وأخرجتهم من مكة فإنها بذلك تزيد من عدد محمد وتكثر من عدد الحانقين عليها، وتحرم كذلك من رجال لهم نشاط اقتصادي كبير مثل العباس بن عبد المطلب، ومن رجال موالين لها منهم من أمثال أبي لهب بن عبد المطلب، وإن أبقت عليهم كانوا عينًا لمحمد عليها ولم تجد قريش حلًًّا لهذا الوضع فاحتملته على ما هو عليه.
ثم إن مكة تعتمد في حياتها الاقتصادية على تسيير قوافلها وبخاصة نحو الشمال، وها هي دوريات يثرب ثم قواتها تهدد هذا الطريق وتتصدى للقوافل فتوقف نشاطها فتحدث في مكة الضائقة الاقتصادية؛ الأمر الذي يضعف قدرتها يومًا بعد يوم.
كل هذه العوامل هزت الجبهة المكية في الداخل هزًّا شديدًا، ولم يجد زعماء قريش -على ما بذلوا من جهد- حلًّا لها وبقيت أسباب ضعف يزداد على الأيام.
هذه هي الحالة الداخلية في كل من المدينتين المتعاديتين. أثناء الصراع الذي نشب بينهما واستمر ثماني سنوات، وكتب له أن ينتهي نهاية سعيدة بفتح مكة فتحًا سلميًّا والإبقاء على قوى العرب سليمة.
стр. 402
بداية الصراع بين المدينتين
حين أنشأ النبي ﷺ دولته في يثرب، كان يدرك أن عدوه الأكبر هو قريش، وأنها سوف لا تتأخر عن مناوأته، وسوف لا تصبر طويلًا على هذه الدولة التي أنشئت
стр. 403
على طريق تجارتها إلى الشام، ولقد قدرت قريش مقدار الخطر الذي يتهددها من وراء هجرة المسلمين إلى يثرب، ومبايعة أهل المدينة للنبي ﷺ واستشعرت ما سيترتب على هذا الوضع من نتائج ستجر إلى الحرب بين البلدين بمجرد أن علمت ببيعة العقبة الكبرى؛ فقد ذهب رجال قريش إلى منازل أهل المدينة بمنى في صبيحة يوم البيعة يقولون لهم: "يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم"١، وقد تحرشوا فعلًا بأهل المدينة حين تأكد لهم الخبر وقبضوا على أحدهم وهو سعد بن عبادة الخزرجي، وكادوا يفتكون به لولا أن منعه بعض سادة قريش لجوار بينه وبينهم٢. كان النبي ﷺ يدرك هذا؛ ولذلك وضع نصًّا خاصًّا بقريش في الصحيفة واعتبرها عدو المدينة الأول، وحرم على أهل الصحيفة أن يجير مالًا لقريش ولا نفسًا، وكان يقصد من وراء هذا النص إلى إفهام قريش أن مكة لا تستطيع أن تمر بتجاراتها إلا إذا هادنت الدولة الجديدة واعترفت بالوضع الجديد.
وقد بدأت سرايا المدينة فعلًا تتجه إلى الطرق الرئيسية التي تمر منها قريش بتجاراتها إلى الشام. وتواجه قوافل قريش بقصد إفهامها حقيقة الموقف، وإن كانت لم تصادر هذه القوافل أو تتحرش بها. كما أنها أخذت تتصل بالقبائل الضاربة على جنبات هذه الطرق وتعقد معها أحلافًا، وبذلك تحرم قريش من الاستعانة بهذه القبائل أو اللجوء بقوافلها إلى حمايتها إذا هددت بالاعتداء عليها أو مصادرتها. ولم يزد الأمر عن هذه المظاهرات العسكرية طوال عشرة أشهر من بدء تسيير دوريات المدينة وسراياها، وقد ردت قريش من جانبها بتعزيز الحراسة على قوافلها وتسيير دوريات بأعداد أكبر من قوة المسلمين، وكانت الدوريات تتقابل وتتواقف دون أن يحدث بينها قتال٣.
لكن سرية كان يقودها أحد المهاجرين هو عبد الله بن جَحْش خرجت على رأس سبعة عشر شهرًا من مهاجر النبي- ﷺ إلى يثرب واتجهت إلى مكان يعرف ببطن نخلة بين مكة والطائف، وكانت مهمة هذه السرية استطلاع حال قريش والوقوف على أخبارها، ولم يكن من أغراضها القتال، إذ إن أمر النبي ﷺ إلى رجال السرية خلا من
стр. 404
كل إشارة إلى القتال، ثم إن عدد رجال هذه السرية كان قليلًا لا يتجاوز الثمانية، الأمر الذي يقطع بأن مهمتها كانت استطلاعية محضة، ولكنها لقيت قافلة صغيرة لقريش قادمة من الطائف تحمل بعض التجارة، فتصرف رجال السرية على مسئوليتهم، وهاجموا هذه القافلة وقتلوا رجلًا من رجالها وأسروا رجلين، وكان في آخر يوم من شهر رجب سنة ٢هـ، وهو من الأشهر الحرم التي تحرم العرب فيها القتال.
انتهزت قريش هذه الفرصة للتشهير بمحمد وبالمسلمين، وإظهارهم بمظهر المعتدي الذي لا يراعي الحرمات، فقامت بدعاية كبيرة لإثارة الرأي العام العربي. وقد كان لدعايتها صدى كبير وأثر ملموس حتى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السرية محاربتهم في الشهر الحرام، ودافع هؤلاء عن أنفسهم بأن ما حدث كان في أول يوم من شعبان. ووقف النبي ﷺ العير والأسيرين وقال لرجاله: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" واشتد الموقف ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة٢.
وهنا نزل القرآن الكريم يرد على دعاية قريش: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وسُري على المسلمين بنزول القرآن بهذا الأمر، وقبض النبي ﷺ العير والأسيرين حتى فادتهما منه قريش٣.
كانت هذه السرية مفترق طرق في سياسة الإسلام؛ فإن القرآن الكريم يجيب المشركين على تساؤلهم عن القتال في الشهر الحرام، ويقرهم على أنه أمر كبير؛ لكن هناك ما هو أكبر منه، فالصد عن سبيل الله والكفر به أكبر من القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام -الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا- وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام والقتل فيه، وفتنة المرء عن دينه بالوعد والوعيد والإغراء والتعذيب أكبر
стр. 405
من القتل في الشهر الحرام وفي غير الشهر الحرام. وقريش والمشركون الذين ينعون على المسلمين هذا العمل في الشهر الحرام لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. فإذا كانت قريش تعد القتال في الشهر الحرام من الكبائر، فماذا تقول عن ارتكابها لهذه الكبائر كلها: تصد عن سبيل الله وتكفر به، وتخرج أهل المسجد الحرام منه وتفتنهم عن دينهم، وتحبس الضعفاء وتعذبهم؟ إنه لا جناح على من تقع عليه أوزارها وكبائرها هذه إن هو قاتلها في الشهر الحرام، وحق واجب على كل من يرى غيره يحاول فتنته عن دينه أو يصده عن سبيل الله أن يقاتل في سبيل الله. ومن هنا شرع الجهاد في الإسلام ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة] ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
وكانت هذه السرية كذلك مفترق طرق في سياسة المسلمين إزاء قريش؛ فقد بدأ المسلمون بعدها يفكرون تفكيرًا جديًّا في وقف قريش عند حدها، واتخاذ موقف الشدة الصريح معها، ذلك أن قريشًا حاولت إثارة شبه جزيرة العرب كلها على محمد وأصحابه، حتى أيقن النبي ﷺ أن لم يبق في مصانعتها أو الاتفاق معها رجاء؛ لذلك اعتزم أن يقف من اعتداءاتها على حدود دولته، بتمرير تجارتها على أراضيها وإدلالها عليه بالقوة موقفًا صارمًا. فما لبث حين علم بخروج قافلة كبيرة من قوافلها إلى الشام بقيادة أبي سفيان- أن خرج لسد هذا الطريق ومصادرة هذه القافلة، فلم يلحق القافلة ولكنه اصطدم بقوات قريش التي جاءت لنجدتها، فكانت موقعة بدر على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة.
ونشير هنا إلى نقطة مهمة لم يلتفت إليها المؤرخون من قبل، وهي اشتراك الأنصار لأول مرة في هذه الغزوة، فإن السرايا الثمانية الأولى التي وقعت من قبل كانت كلها من المهاجرين١، ولم يبدأ اشتراك الأنصار إلا في غزوة بدر سنة ٢ هـ. فما تفسير ذلك الموقف؟
стр. 406
لقد وضع النبي ﷺ الصحيفة وكان طرفها الأول المهاجرين، والطرف الثاني الأنصار، وكانت من بنودها ألا تُجَارَ قريش ولا أموالها. وكان على الطرفين الالتزام بنصوص هذه الصحيفة، والدفاع عن الدولة من الاعتداء عليها؛ لكن الأنصار حين بايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة الكبرى اشترطوا على أنفسهم أن يحموه ما دام في المدينة١، ولم يشترطوا على أنفسهم أن يقاتلوا معه خارج حدود مدينتهم. وكان موقف الأنصار مختلفًا عن موقف المهاجرين بالنسبة لقريش؛ فإن المهاجرين كانوا في حالة حرب معلنة بينهم وبين أهل مكة بما عذبوهم وضيقوا عليهم، وبما أوقعوا عليهم من حصر اقتصادي حتى اضطروهم إلى الهجرة، وهم حين هاجروا استولت قريش على أموالهم، ثم إن بعضهم كان لا يزال محبوسًا في مكة يلاقي العذاب والإعنات.
أما بالنسبة للأنصار فلم تكن هناك حرب معلنة بين الطرفين، ولم يكن هناك إلا ما تفرضه بنود الصحيفة من عدم إجارة قريش أو تجارتها، ومن أمر الدفاع عن الدولة الجديدة، ولم يكن الأمر قد تبلور في نفوس الأنصار إلى ما يوضح الاعتداء على حقوق السيادة للدولة وأن انتهاك حرمة أراضيها هو نوع من الاعتداء عليها؛ فقد كان القوم حديثي عهد بهذا النوع من التنظيم، ولم يعرفوا من قبل غير التنظيم القبلي أساسًا للحكم، فلم يدركوا بعد معنى سيادة الدولة ولا معنى الحدود السياسية لها، ولذلك وقفوا موقفًا سلبيًّا إزاء مرور تجارة قريش بأرض الدولة اليثربية وتمسكوا بشروط بيعة العقبة. وكان النبي ﷺ يدرك هذا الوضع تمامًا. فلم يطلب من الأنصار الاشتراك في السرايا الأولى، حتى جاءت الحوادث فأدت بطبيعتها إلى اشتراك الأنصار في الوقوف في وجه قريش؛ ذلك أن قريشًا تحدت أهل المدينة ومنعتهم من زيارة الكعبة والدخول في مكة، فقد كان سعد بن معاذ سيد الأوس صديقًا لأحد سادات مكة وهو أمية بن خلف، وكان هذا ينزل على سعد عند مروره بالمدينة، كما كان سعد ينزل عليه إذا ذهب إلى مكة. وقد ذهب سعد إلى مكة معتمرًا ونزل على أمية ثم طلب إليه أن ينتهز فرصة يطوف فيها بالكعبة وعند الطواف لقيه أبو جهل بن هشام، فلما عرفه هدده بالقتل لولا جوار أمية له. وزاد سعد على تهديد أبي جهل بأن قال له: "أما والله لئن منعتني هذا
стр. 407
لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك إلى الشام"١ وهكذا أدى تحدي قريش لأهل المدينة إلى أن يقفوا مع المهاجرين في منع قريش من المرور في حدود إقليمهم. بما أدى إلى موقعة بدر ثم ما تلاها بعد ذلك من مواقع.
стр. 408
موقعة بدر سنة ٢ ه ـ:
صممت قريش على تحديها للدولة اليثربية بتمرير تجارتها في أراضيها منتهكة بذلك حق السيادة اليثربية. فكان لزامًا على النبي ﷺ أن يقف موقفًا حازمًا يحفظ على دولته حدودها ويصون كرامتها. وإلا تعرضت للمهانة في الخارج والداخل. فقد كان في خارجها وعلى حدودها قبائل لم توادع النبي -صلى لله عليه وسلم- وهي على علاقات طيبة مع قريش ترتبط بها وترى من مصلحتها تفوقها. إذ إنها تستفيد من رحلاتها التجارية. كما كان الوضع الداخلي في يثرب مضطربًا بوجود اليهود الذين رأوا أمر محمد يستقر ولواء الإسلام يرتفع فبدأوا يقلبون له ظهر المجن ويعملون على الوقيعة به. وطبيعي أنه لو ترك حبل اليهود على غاربهم في المدينة أن يستفحل أمرهم ويثيروا الفتن التي يسعون لإثارتها. وليس يكفي في عرف الدقة السياسية التحذير منهم والتنبيه لكيدهم؛ بل لا بد من إشعارهم أن للمسلمين من القوة ما يمكنهم من إخماد أية فتنة واجتثاث أصولها.
خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة لقريش يقصد الشام، وخرج النبي ﷺ إلى موضع يسمى: العشيرة، لمصادرتها؛ لكن أبا سفيان فاته، فعزم على انتظارها في عودتها١ ولما تحين فرصة انصرافها من الشام بعث عيونه يقتصون خبرها ثم ندب المسلمين للخروج، وخرج على رأسهم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان سنة ٢هـ، فبراير سنة ٦٣٤م ٢. وكانت عدة من خرج مع النبي ﷺ إلى هذه الغزوة سبعة عشر وثلاثمائة رجل، منهم ستة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخزرج٣ وانطلقوا مسرعين خوف أن يفلت منهم أبو سفيان، وهم يحاولون حيثما مروا أن يقفوا على أخباره.
стр. 409
أما أبو سفيان، فكان قد اتصل به خروج النبي لاعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين أوبته، فجعل من ناحيته يتجسس أخبارهم؛ فلما ترامى إليه خبر خروجهم. استأجر رجلًا من قبيلة غفار بعثه مسرعًا إلى مكة ليستنفر قريشًا لنجدة أموالها. ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها؛ فقد كان لكل منها نصيب من هذه القافلة حتى قُوِّم ما فيها بخمسين ألف دينار. وهو مبلغ عظيم في ذلك الوقت١، ثم إنها كانت معتزمة إيقاف نشاط المسلمين وضربهم.
على أن أمر قريش بمكة لم يكن جميعًا نحو سياسة العدوان التي اتخذتها نحو النبي ﷺ والمسلمين؛ فقد كانت هناك طائفة تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى اضطرتهم إلى الهجرة، وكانت هذه الطائفة تتردد بين النفير والقعود، كما أن العصبية العشائرية كانت تفعل فعلها، فبنو هاشم في مكة كان هواهم مع محمد، وبنو عبد مناف جميعًا كانت العصبية العشائرية تقوم في نفوسهم، وهم وإن سايروا إجماع القبيلة كانوا يودون لو يترك أمر محمد للظروف العامة فإن انتصر على العرب كان ذلك فخرهم، وهم لذلك كانوا مترددين لم ينشطوا للخروج والاستعداد له نشاط باقي البطون القرشية٢.
وقد بدت روح العصبية العشائرية واضحة فيما كان من خلاف بين موقف عتبة بن ربيعة بن عبد شمس من بطن عبد مناف وأبي جهل بن هشام من بني مخزوم؛ إذ كان الأول يريد تجنب القتال، وكان الثاني يتهمه بممالأة ابن عمه محمد، وينفس على بني عبد مناف أن تكون فيهم نبوة ورياسة٣.
وهكذا لم تكن قريش تؤمن بسلامة موقفها إيمانًا يذكي روحها المعنوية ويشعرها بسلامة القضية التي تقاتل من أجلها؛ ومن أجل ذلك رجع بعض بطونها فلم يشهد القتال، وكان بين زعمائها من الخلاف والتحاسد ما جعل وحدتها مفككة أمام عدوها، ولكنها مع ذلك كانت معتدة بقوتها مزهوة بعدتها.
أما المسلمون فقد انطلقوا حتى إذا كانوا قرب بدر جاءهم الخبر بأن قريشًا قد خرجوا من مكة ليمنعوا عيرهم؛ إذ ذاك تغير وجه المسألة فلم يبق هؤلاء المسلمون أمام أبي سفيان وغيره والثلاثين أو الأربعين رجلًا معه لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه،
стр. 410
وإنما هي مكة خرجت كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها، وإرغام المسلمين على الاعتراف بقوتها وقدرتها على تمرير هذه التجارة في أراضيهم على رغم أنوفهم.
لقد أصبح الموقف بالنسبة للنبي ﷺ غاية في الحرج والدقة؛ فلقد خرج ليواجه تجارة وحامية قليلة فلم يأخذ للحرب أهبتها، ولم يتزود بما يكفي من عتاد وسلاح، وكذلك تخلف عنه كثير من أصحابه فلم يخرجوا ظنًّا منهم أنه لا يلقى حربًا. وكذلك لم يكن متثبتًا من موقف الأنصار بإزاء هذا الوضع الجديد. أيقاتلون أم يتمسكون بموقفهم السابق من عدم المجازفة بالاشتباك مع قريش؟
وهب أن المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا على رجاله واستاقوا إبله وما عليها، فلن تلبث قريش أن تدركهم يحفزها حرصها على مالها وتؤازرها كثرة عديدها وعددها، وأن توقع بهم وأن تسترد الغنيمة أو تموت دونها، ولكن إذا عاد محمد إلى المدينة من حيث أتى طمعت قريش وطمع يهود المدينة فيه، واضطر إلى اتخاذ موقف المصانعة، واضطر أصحابه إلى احتمال أذى اليهود والمشتركين معهم بالمدينة مثلما احتملوا من أذى قريش في مكة. ثم ماذا عن الدولة الجديدة وسيادتها وحدودها؟ إنها سوف تهدد تهديدًا خطيرًا قد يذهب بحرمتها ويجعلها غرضًا للمعتدين؛ بل قد يقضي عليها نهائيًّا.. وهيهات إن هو وقف هذا الموقف أن تعلو كلمة الله.
عند ذلك استشار أصحابه وأوضح لهم الموقف؛ فأدلى كبار المهاجرين برأيهم، وأظهروا طاعتهم واستعدادهم للتضحية مهما عظمت. لكن النبي ﷺ كان يريد رأي الأنصار؛ ولذلك ظل يكرر: "أشيروا علي أيها الناس" فأدرك سعد بن معاذ زعيم الأوس وحامل لواء الأنصار في هذه الغزوة أن النبي ﷺ يريدهم، فقام يجيب عن الأنصار قال: "لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" ١. فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، فقال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم" ٢.
стр. 411
وبهذه المشاورة وهذا التصريح من زعيم الأنصار اطمأن النبي ﷺ إلى موقفه وضمن اتحاد طرفي الصحيفة عن سياسة واحدة تجاه الأوضاع الخارجية أصبحت منذ ذلك اليوم تطبق تطبيقًا عمليًّا. ولم يعد النبي ﷺ بعد ذلك في حاجة إلى التفكير في موقف أهل المدينة تجاه سياسته الخارجية وتدعم بذلك مركز الدولة إلى حد كبير.
نشط المسلمون وتقدموا إلى وادي بدر، وهو وادٍ به آبار ومياه كان موسمًا للعرب، ومحطة تجارية تنزلها القوافل في ذهابها وعودتها إلى الشام، وكان المسلمون يتوقعون لقاء القافلة هناك. لكن الوضع ما لبث أن تغير، فقد عرف أبو سفيان خروج المسلمين ونزولهم على ماء بدر، فساحل بقافلته وأفلت١. وأصبح المسلمون وهم ينتظرون قدوم القافلة، فإذا الأخبار تصلهم أنها فاتتهم، وأن الذين على مقربة منهم هم مقاتلة قريش. فلم تعد الغنيمة إذن هي التي تنتظرهم وإنما هو القتال، والقتال الشديد غير المتكافئ، فقريش قد جاءت بعدتها وعتادها في ثلاثة أضعافهم من الرجال وما يفوقهم خمسين ضعفًا من الخيل٢؛ ولذلك كان على المسلمين أن يوطنوا أنفسهم على الشدة وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر فيها إلا لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه، إلا أن بعض المسلمين قد تخوف القتال بعد أن ذهب الأمل في الغنيمة، فبدأ يجادل النبي ﷺ كي يعودوا إلى المدينة، ولا ضرورة للقاء مقاتلة قريش وهي أكثر منهم عدة وعددًا، وهذا البعض لم يدرك بطبيعة الحال معنى الدفاع عن الحدود؛ وإنما كانت نظرته سطحية قبلية؛ ولذلك نزل القرآن يوضح المسألة ويثبت المسلمين ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال] . وبذلك قضى على التردد واستعاد المسلمون روحهم المعنوية، ووضحت لديهم أغراض القتال.
وقريش هي الأخرى ما حاجتها إلى القتال وقد نجت تجارتها؟ أليس خيرًا لها أن تترك المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفي حنين؟ هكذا فكر أبو سفيان وبذلك أرسل إلى قريش يطلب إليهم الرجوع، وهو يتخوف على قومه من لقاء المسلمين، ويشاركه في هذا التخوف كثير من زعماء الجيش المكي، فلقد خرج سادات قريش جميعًا إلى القتال، فلو
стр. 412
أصابهم المسلمون فظفروا بهم قتلًا أو أسرى، فماذا يكون الحال في مكة؟ وإلى أي حد تبلغ المصيبة؟! إن قريشًا تقدم على قتال قوم في بلادهم بغيًا عليهم١، وعلى قتال قوم قد ظلموا وأوذوا في أنفسهم وأموالهم وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وهم جميعًا يتحدثون عن الموت حديثهم عن الحياة الخالدة الناعمة. وإنهم لينظرون من ورائه جنة عالية ونعيمًا مقيمًا. فهم إذن قوم مستميتون مستقتلون، يحفزهم الإحساس بالظلم ويدعوهم النعيم الذي ينتظرهم، وليس أشد بأسًا في القتال من مؤمن مظلوم.
وهكذا كانت الروح المعنوية في كل من الجيشين حين تقدما للقتال واستطاع النبي ﷺ أن يسبق عدوه إلى ميدان القتال، وبذلك اختار لرجاله أفضل المواقع، ثم عدل صفوفهم وبث فيهم الحمية وبشرهم بالنصر وبأن الملائكة ستشد أزرهم؛ وقد أظهر المسلمون منتهى النظام والطاعة والتفاني في محبة قائدهم، وبذلك عوضوا النقص في عددهم وعدتهم. أما قريش فلم تحسن اتخاذ مواقعها، كما كانت التفرقة تسود قوادها، ولم يستطعيوا جمع أمرهم على واحد يلزمهم طاعته، فما لبثوا حين اصطدموا بالمسلمين، أن بطش بهم هؤلاء بطشة شديدة، وتيمموا رؤساء قريش يقتلونهم ويأسرونهم، فارتبكت صفوف قريش وولوا منهزمين بعد أن تركوا في ميدان القتال سبعين قتيلًا كان منهم معظم زعماء مكة، كما تركوا في أيدي المسلمين سبعين أسيرًا، وتركوا كثيرًا من أمتعتهم وأموالهم ودوابهم وقعت غنيمة في أيدي المسلمين. وهكذا كانت هزيمة تامة ساحقة٢.
وتعد معركة بدر على صغرها وعلى قلة الجيوش المتقابلة فيها؛ من المعارك الحاسمة في التاريخ، فقد استقر بها أمر المسلمين في جزيرة العرب، وقد ثبتت دعائم الدولة اليثربية التي كانت مقدمة لوحدة شبه الجزيرة العربية. كما كانت مقدمة لإمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف هي من أعظم ما عرف التاريخ من إمبراطوريات. وأقرت حضارة في العالم لا تزال ذات أثر عميق في حياة الإنسانية.
تركت بدر آثارًا عميقة بمكة والمدينة على السواء: فأما في مكة فقد عادت قريش مهزومة مخذولة، قد قتل سادتها وأسر كثير من رجالها وفيهم عدد من ذوي المكانة، وقد تركت الهزيمة في نفوس القرشيين حرصًا شديدًا على الثأر من محمد والمسلمين يوم تتهيأ لهم الفرصة لهذا الثأر، وقد حرصوا على أن تكون فرصة الثأر قريبة وأن تعد
стр. 413
لها قريش العدة قبل أن تخمد نارها في الصدور، فما كادت ترجع حتى اجتمع رجالها في دار الندوة فاتفقوا على التنازل عن أرباح قافلة أبي سفيان، ووقفها على إعداد جيش قوي لغزو محمد والثأر منه، وقد قدر هذا الربح بخمسين ألف دينار وهذا مبلغ كبير في تلك الأيام١. ثم إنها أخذت تعد أحابيشها وتتصل بحلفائها، كما تتصل بيهود المدينة ممن امتلأت نفوسهم حقدًا على محمد وامتلأت قلوبهم خوفًا من علو أمره.
أما أثر بدر في المدينة؛ فقد كان أوضح وأكثر اتصالًا بحياة محمد والمسلمين معه، فقد شعر اليهود والمشركون والمنافقون بعد بدر بمزيد قوة المسلمين، ورأوا هذا الرجل الذي جاءهم فارًّا من مكة منذ عامين يزداد سلطانه ويكاد يكون صاحب الكلمة في أهل المدينة جميعًا. وكان اليهود قد بدأ تذمرهم من قبل بدر وبدأت مناوشتهم للمسلمين، ولم يحل دون انفجار العداوة بين الطرفين إلا عهد الموادعة الذي كان بين الفريقين. على أنه ما كان المسلمون يعودون منتصرين من بدر حتى جعلت طوائف المدينة الأخرى تتغامز وتأتمر، وحتى أخذت تغري بهم وترسل الأشعار في شتمهم والتحريض عليهم. وهكذا انتقل ميدان الثورة من مكة إلى المدينة؛ غير أنه لم تعد هنا دعوة محمد هي وحدها التي تحارب؛ وإنما هو سلطانه ونفوذ كلمته وعلو أمره الذي أصبح موضع الخوف وسبب الائتمار به والتفكير في اغتياله، وما كان محمد لتخفى عليه خافية من هذا كله، وجعلت النفوس من جانب المسلمين ومن جانب اليهود تمتلئ بالغل والضغينة شيئًا فشيئًا، وجعل كل فريق يتربص بالآخر.
وكان المسلمون إلى يوم بدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة، فلا يستطيعون رد الاعتداء بالشدة على من يعتدي عليه منهم، فلما عادوا منتصرين امتلأت نفوسهم بالجرأة، ووجدوا أن مصلحتهم تقتضيهم رد العدوان وتأديب المعتدين، وإلقاء الرعب في قلوب من تحدثهم أنفسهم بإفساد أمور الدولة الإسلامية الناشئة في يثرب، فقتلوا بعض رجال من اليهود كانوا يحرضون على الدولة ويتصلون بالعدو٢، وكذلك استطاعوا أن يخرجوا إحدى قبائل اليهود من المدينة وهم بنو قينقاع عندما تحدت المسلمين وأظهرت العداء٣، وكانت هذه القبيلة اليهودية تساكن المسلمين بداخل المدينة، وكان وجودها يشكل خطرًا على كيان المدينة لو هددت بهجوم خارجي وحدثتهم نفوسهم الخيانة،
стр. 414
وحين خلت المدينة في داخلها من هؤلاء اليهود، زال عنها وجود عنصرين متحاقدين في داخلها، وبذلك أصبحت أقدر على مواجهة احتمال الهجوم الذي كانت قريش تستعد له لتثأر ليوم بدر.
стр. 415
موقعة أحد سنة ٣هـ:
بدت الحالة الداخلية هادئة في المدينة بعد النصر الذي أحرزه المسلمون في بدر، وبعد إجلائهم بني قينقاع، وانكمشت الطوائف الأخرى من غير المسلمين، وخفتت أصوات المعارضة، بعد مقتل المحرضين على المسلمين من اليهود، وفزع اليهود وذلوا بعد أن أهدر النبي ﷺ دماء كل من تحدثه نفسه بالفتنة منهم١. وكان من الممكن أن يستمر هذا الهدوء فترة طويلة لولا أن أبا سفيان بمكة لم يطق صبرًا على عار بدر. ولم يطق أن يظل قابعًا في مكة دون أن يعيد إلى أذهان العرب أن قريشًا لا تزال لها قدرتها على الضرب والغزو؛ لذلك ما لبث بعد شهر أن جمع مائتين من رجال مكة وخرج بهم مستخفين، حتى إذا ما وصلوا منطقة المدينة ليلًا نزل على بني النضير في حصن زعيمهم سلام بن مشكم حيث قراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته هذه، فأغاروا على ناحية العريض فحرقوا بها بيتين ونخلًا ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له يعملان في حرث لهما فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين٢. وندب النبي ﷺ أصحابه فخرجوا في أثر أبي سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر على نحو أربعة وعشرين ميلًا من المدينة ٣، وأبو سفيان ومن معه جادون في الفرار يتزايد خوفهم فيلقون ما يحملون من زادهم من السويق، فإذا مر به المسلمون أخذوه، ولذلك سميت هذه الغزوة غزوة السويق٤، وقد انقلب فرار أبي سفيان عليه بعد أن كان يحسب أن الغزوة ترفع من شأن قريش بعد مصاب بدر.
أما القبائل المحيطة بالمدينة وبخاصة التي تنتشر على جانبي طريق التجارة فقد بدأت ترى ما يتهدد مصالحها من تزايد قوة المسلمين، ومن تعادل هذه القوة وقوة مكة تعادلًا تخشى نتائجه؛ فقد أصبح طريق الشاطئ وهو الطريق المعبد المعروف مهددًا،
стр. 416
وأصبحت تجارة قريش إلى الشام معرضة للتوقف التام، فإذا حدث هذا فإن هذه القبائل تتعرض لخسارة اقتصادية شديدة، فأما القبائل التي تعيش قريبًا من الساحل فقد حالفت النبي ﷺ فزاد بذلك تهديده للطريق التجاري، وأما القبائل الأخرى فقد ملأ الرعب قلوبها بعد بدر، وإن كانت قد حاولت التجمع للنيل من المدينة محاولات لم تصمد فيها، فإنها كانت ما تكاد تسمع بخروجه إليها حتى تنخلع قلوبها وتتفرق في رءوس الجبال، ومسالك الصحراء.
وكان على قريش أن تحاول إيجاد وسيلة للتخلص من هذا الحصار وإلا تعرضت لشر ما تتعرض له مدينة مثل مكة تعيش على التجارة. وقف صفوان بن أمية يومًا في قريش يقول: "إن محمدًا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رءوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه ما لنا بها بقاء وإنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف وفي الشتاء إلى أرض الحبشة١ فقرروا أن يسلكوا طريق العراق، وبعثوا قافلة تبلغ قيمتها مائة ألف درهم٢، ولكن النبي ﷺ ما كاد يعلم بأمرها حتى أرسل إليها سرية اعترضتها عند ماء من مياه نجد يسمى: القردة، ففر الرجال واستولى المسلمون على الأموال، وأسروا دليل القافلة الذي أسلم حين وصل إلى المدينة وأقام بها٣.
زاد هذا الحادث قريشًا حنقًا على محمد وطلبًا للثأر منه؛ فإنها إن لم تثأر لكرامتها من هزيمة بدر، وإن لم تفتح لنفسها طريق التجارة إلى الشام هوت مكانة مكة الاقتصادية ومكانتها الأدبية إلى حيث لا تقوم لها بعد ذلك قائمة؛ لذلك أخذت تعد نفسها وتتصل بالقبائل لتشاركها في الهجوم على المدينة، كما استنفرت معها من اتبعها من الأحابيش، وأصرت النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة يحمسنهم ويحفزنهم ويذكرنهم قتلى بدر، وخرجت قريش معها عدد من نسائها وعلى رأسهن هند زوج أبي سفيان قائد الحملة، وهي أشدهن على الثأر حرقة أن قتل أبوها وأخوها وعمها يوم بدر، وكانت عدة الجيش ثلاثة آلاف مقاتل مزودين بأفضل ما قدروا عليه من عدة وسلاح، يمتطون ثلاثة آلاف بعير وقادوا مائتي فرس، ومن بين رجالهم سبعمائة دارع،
стр. 417
وقصدوا المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار الندوة١. فلما أجمعوا المسير كتب العباس بن عبد المطلب إلى النبي ﷺ يصف له جمعهم وخروجهم إليه، كذلك خرج وفد من خزاعة -وقد كانت خزاعة تميل إلى النبي ﷺ وتخلص له- فأخبروا النبي ﷺ الخبر٢ واقتربت قريش من المدينة وأطلقت خيولها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها، ثم قدمت فنزلت بجوار أحد.
وعقد النبي ﷺ مجلسًا عامًّا دعا إليه أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام، وجعلوا يتشاورون كيف يلقون عدوهم، وكان رأي كبار الرجال من أهل التجربة أن يتحصنوا بالمدينة ويقاتلوا فيها. لكن الشباب من المسلمين أخذتهم الحماسة ورأوا في بقائهم بالمدينة أمرًا قد تعده قريش وتفهمه قبائل العرب نوعًا من الجبن عن لقاء العدو فيكون ذلك مجرئًا عليهم غيرهم، وأرادوا أن يحققوا نصرًا مثل الذي حققه المسلمون يوم بدر، وناصرهم على هذا الرأي رجال سمت روحهم الدينية فطلبوا الشهادة أو يجاهدوا في الله فيدحروا من كفر به. واشتد الجدال وظهرت الكثرة الواضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدو وملاقاته، وقال لهم النبي ﷺ : " إني أخاف عليكم الهزيمة" ومع ذلك أبوا إلا الخروج؛ فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم، وكانت الشورى أساس نظامه في هذه الحياة إلا أن يكون وحيًا يوحى من عند الله.
وحين دخل بيته يلبس سلاحه ويتخذ عدة الحرب، اشتد الجدل بين القائلين بالتحصن بالمدينة وبين القائلين بالخروج وقال لهم أولئك: "لقد رأيتم رسول الله يرى التحصن بالمدينة فقلتم ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره، والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوًى أو رأيًا فأطيعوه٣".
وتراجع الداعون للخروج عن إصرارهم، وحين خرج النبي في عدة حربه ألقوا الأمر إليه ليبقى إذا أراد البقاء، فقال الرسول ﷺ : "وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، وما ينبغي لنبي إذا لبس لامته -عدة حربه- أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما آمركم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم" ٤. وهكذا وضع محمد إلى جانب الشورى مبدأ النظام، فإذا تم للكثرة رأي بعد البحث والتفكير، لم يكن لها أن تنقضه لهوى أو لغاية، بل يجب أن ينفذ الأمر،
стр. 418
على أن يوكل التنفيذ إلى من يحسنه، ويوجهه إلى حيث يتحقق له النجاح، وعلى الجماعة أن تلتزم الطاعة والنظام.
وتقدم النبي ﷺ بالمسلمين متجهًا إلى أحد حيث عسكرت قريش، ورفض أن تنضم إليه كتيبة من اليهود كانوا حلفاء لعبد الله بن أبي بن سلول، حذر أن توقع الاضطرابات في نفوس الجيش، كما رفض أن يدعو الأنصار حلفاءهم من يهود١، وموقف اليهود مشكوك فيه بعد الذي ظهر من خيانتهم وبعد ما امتلأت به النفوس من حقد، وفي الطريق انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وعاد إلى المدينة محتجًّا بأنه خالف رأيه واتبع رأي الغلمان ممن لم يحسنوا استخدام الرأي٢، وكذلك همت طائفتان أخريان من الأنصار أن تتراجعا متأثرتين بتراجع عبد الله بن أبي لولا أن ذكرتا إيمانهما فصبرتا٣، وبقي الرسول ﷺ في سبعمائة من المسلمين ليقاتلوا ثلاثة آلاف من أهل مكة كلهم موتور وكلهم على ثأره حريص.
وفي ساحة أحد اختار النبي ﷺ لرجاله. موقعًا استراتيجيًّا قويًّا، فاحتمى بظهره إلى أحد، وجعل العدو في مواجهته، ووضع خمسين من الرماة على مرتفع يقال له: جبل عينين، ليسدوا الطريق على خيالة قريش فلا تستطيع الالتفاف بجيش المسلمين وشدد عليهم الأمر ألا يفارقوا مكانهم إن كانت للمسلمين أو عليهم، وإنما همهم أن ينضحوا الخيل بالنبل حتى لا تأتي الجيش من خلفه٤.
وفي تشديد النبي ﷺ على الرماة، وفي تراجع بعض الناس عنه، وفي المناقشات التي دارت قبل الخروج، ما يبرز أن الجبهة يوم أحد لم تكن متماسكة، فقد رأينا كيف أن المسلمين لم يكونوا موحدي الكلمة في الاستعداد لمقابلة العدو والتهيؤ لخوض غمار المعركة، لقد كانت كلمتهم موحدة في بدر، وكان أمرهم جميعًا، وكانوا مثال الطاعة والنظام، والحرص على تنفيذ أمر القيادة، كما كانوا يقدرون قوة العدو ويدركون تفوقه عليهم، ويعدون أنفسهم للصبر والشدة، وتمتلئ نفوسهم مع ذلك باليقين بالنصر، والثقة بموعود الله أن تكون إحدى الطائفتين واستعدادهم ليخوضوا وراء نبيهم إن هو استعرض بهم البحر.
стр. 419
وها هم أولاء في يوم أحد تختلف كلمتهم، فمنهم من يرى البقاء بالمدينة والتحصن بها وهؤلاء الكبراء وأصحاب الرأي وعلى رأسهم النبي ﷺ نفسه، ومنهم من يرى الخروج ومناجزة العدو حيث هو بظاهر المدينة، وكان هؤلاء هم الأكثرية، وقد أنستهم حماستهم أن يقدروا قيمة العدو، ويعملوا حسابًا لتفوقه العددي، وأن يدركوا ما تضطرب به نفسه من الحقد والحرص على الثأر ليوم بدر، ولم يتفهموا تحذير النبي ﷺ لهم حين خاف عليهم نتيجة الاندفاع في الحماسة والاستخفاف بقوة العدو. ومع ذلك فقد وضح أن هذه الحماسة كانت فورة غمرت النفوس، ثم لم تثبت على محك الحوادث، ذلك أنهم ما كادوا يذكرون بأنه كان يجب عليهم أن يردوا الأمر للنبي ﷺ حتى تراجعوا عن موقفهم المتشدد في الخروج، ولم يكن الموقف يحتمل التراجع من جانب القيادة؛ وإلا تعرضت الروح المعنوية العامة للانهيار نتيجة للتردد والتراجع في اتخاذ القرارات، وبرغم ما حرص عليه النبي ﷺ من توحيد الصفوف على قرار واحد صدر عن الجماعة، وبرغم حرصه على المحافظة على الروح المعنوية عالية بين رجاله، وبرغم ما وعدهم به من النصر على العدو ما صبروا واستجابوا لروح الطاعة والنظام وحرصوا على تنفيذ أوامر القيادة، برغم كل ذلك؛ فإنه ما كاد الجيش يخرج إلى ظاهر المدينة للقاء العدو حتى تراجع عبد الله بن أبي بثلث الناس مستجيبًا لتحريض حلفائه من اليهود، وحتى بعض المخلصين من المؤمنين اهتزت نفوسهم وتسرب الخوف إلى قلوبهم، وهمت طائفتان منهم أن تتراجعا١، لقد أدرك النبي ﷺ هذا الضعف بين صفوفه فحرص على إمداد رجاله بالصبر واليقين والاعتصام بالإيمان، والثقة في نصر الله الذي آتاهم حين قاتلوا في بدر وكانوا أقل من ذلك عددًا وأضعف عدة، ونزل القرآن يثبت المسلمين ويصور موقفهم: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران] .
стр. 420
من ذلك ندرك السر في تشديد النبي ﷺ على الرماة ألا يبرحوا أماكنهم مهما يكن الموقف من نصر أو هزيمة، وتكرار هذا التشديد مع توضيح الموقف لهم، ليدركوا أهمية محافظتهم على موقفهم بالنسبة لموقف الجيش كله، ثم إشهاده الله عليهم إثارة لإيمانهم لما يفرضه عليهم من طاعة تامة١.
ثم إنه لم يدخر وسعًا في تنظيم رجاله تنظيمًا عسكريًّا بارعًا ليعوضهم عن قلتهم، فتخير لهم أفضل المواقف إستراتيجية في ميدان القتال، وسد الثغرات على العدو حتى لا ينفذ من خلفهم، ثم إنه عمل على إثارة حمية رجاله وتنبيه روح البطولة فيهم؛ فقد مد يده بسيف وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه؟ " وتسابق إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة الأنصاري، فقال: "وما حقه يا رسول الله؟ " فقال النبي ﷺ : "أن تضرب به العدو حتى ينحني". وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت، فأخذ السيف وأخرج عصابته فاعتصب بها، وجعل يتبختر بين الصفين على عادته إذ يختال عند الحرب، فلما رآه النبي ﷺ يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"٢.
هكذا كانت الجبهة اليثربية.
أما الجبهة المكية فقد بدت في هذا اليوم أكثر تماسكًا. قيادتها موحدة وكلمتها جميع، وحرصها على الثأر من المسلمين شديد، وقد ظاهرها كثرة في العدد وقوة في التسليح، ولديها قوة كبيرة من الفرسان، وخلف الجيش النسوة يحفظن الرجال ويحمسنهم، وكل واحدة منهن قد وعدت مولى لها بالخير الكثير، إن أدرك لها الثأر من قتلة الأحبة.
وهكذا وقفت في ميدان القتال قوتان غير متكافئتين لا في العدد ولا في العدة، يحرك القوة الكبرى ثأر لا يهدأ من يوم بدر في نفوس ثائرة، ومركز أدبي ومادي أوشك على الانهيار. ويحرك الصغرى عامل الدفاع عن الوطن أن تنتهك حرمته، وعامل الدفاع عن العقيدة ودين الله. فأما المطالبون بالثأر فقد كانت تؤيدهم الكثرة والعدة وتدفعهم الحفيظة، وأما المدافعون فقد بدأ بعض الخلل في صفوفهم، ولكن عوضته في
стр. 421
أول المعركة مهارة القيادة ودقة التنظيم، وثورة الإيمان في نفوس بعض أبطال المسلمين ممن سمت نفوسهم حتى ليرون ألا تقف قوة أمام سيوفهم، وكان هذا قمينًا أن يتم عليهم النصر. لولا ذلك الخلل الذي وصل إلى بعض النفوس فأطمعها في الدنيا وأغراها بحب العاجلة، فذهلت عن أمر نبيها فأفسدت على الفئة المؤمنة موقفها. فقد حمل المسملون في أول المعركة حملة شديدة على العدو وتناولوا حملة لوائه بالقتل حتى قتلوا منهم تسعة على التوالي، فتراجعت قوات قريش وانكشفت حتى دخل المسلمون معسكرهم، وكادوا يذيقونهم هزيمة أشد من يوم بدر. لولا أن شغلوا بالغنيمة يجمعونها، وخالف الرماة الأوامر المشددة، فتركوا مواقفهم ونزلوا يشاركون في جمع الغنائم ظنًّا منهم أن الهزيمة قد تمت على العدو، وعند ذلك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد قائد خيل قريش، فنفذ من الثغرة التي كان يسدها الرماة، ودار خلف جيش المسلمين وأوقع الخلل في صفوفه، وعاد المنهزمون من قريش حين رأوا خيلهم تقاتل بين المسلمين، فألحقوا بهم هزيمة شديدة وقتلوا منهم سبعين رجلًا منهم عدد من الأبطال من بينهم حمزة عم النبي ﷺ بطل ذلك اليوم، ووصل العدو إلى النبي ﷺ نفسه بعد أن تفرق عنه رجاله منهزمين، وأصابه بجراحات شديدة، وتعرضت حياته للخطر لولا أن دافع عنه رجال من المهاجرين والأنصار فدوه بحياتهم.
وفشلت كل محاولة من النبي ﷺ لرد هزيمة المنهزمين، وإعادة تسوية الصفوف فقد ابتلعت الكثرة من قريش هذا العدد القليل من المسلمين بعد أن فقدوا النظام واختلت صفوفهم، وفي تصوير هذا الموقف نزل القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ١ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران- ١٥٥] .
стр. 422
أما قريش فقد طارت بنصرها فرحًا، وحسبت نفسها انتقمت أشد الانتقام ليوم بدر. حتى صاح أبو سفيان يخاطب المسلمين: يومٌ بيومِ بدرٍ والموعد العام المقبل. ولقد أسرفت قريش في نكايتها بالمسلمين وفي إظهار حقدها وتشفيها، فمثلت بالقتلى: جدعت الأنوف وصلمت الآذان وبقرت البطون، وبلغ الحقد بهند زوج أبي سفيان أن لاكت كبد حمزة عم النبي ﷺ بعد أن بقرت بطنه وجدعت أنفه وصلمت أذنيه واتَّخَذَتْ من هذه وغيرها من قتلى المسلمين قلائد وأقراطًا ومسكًا -أساورَ١ وكثيرًا من الفظائع التي تبرأ أبو سفيان من تبعتها وأعلن أنه لم يأمر بها وبلغ من شناعة ما فعلت وفعل النسوة معها، بل ما فعل الرجال كذلك -وإن لم يسخط على من فعلها- فقال يخاطب المسلمين: "إنه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت"٢.
وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها، ولم تشأ أن تهاجم المدينة فتحتلها وتقضي عليها، مكتفية بأن تنال من ثمار النصر أقربها وأيسرها على ما جرت عليه العادة عند القبائل العربية في حروبها.
وانصرف المسلمون إلى المدينة وعلى رأسهم النبي ﷺ بعد أن دفنوا قتلاهم والحزن يثقل نفوسهم، لما أصابهم من هزيمة بعد نصر ومن مذلة وهوان بعد ظَفَر عزيز لا ظفر مثله؛ وذلك لاختلافهم ومخالفتهم أوامر النبي ﷺ وانبعاثهم وراء عرض الدنيا في الوقت الذي يقاتلون فيه لإعلاء الحق وإقرار المثل العليا.
وكان على النبي ﷺ بعد الهزيمة أن يعالج الموقف من نواح متعددة: عليه أولًا أن يعالجه من الناحية النفسية عند المسلمين، وقد أوشكت الهزيمة أن تقتل الروح المعنوية فيهم، وأوشك الشعور بالإثم أن يذل نفوسهم، ويصغر أقدارهم في نظر أنفسهم؛ فلقد خالفوا رأي النبي ﷺ وكبار المسلمين، وأصروا على الخروج للقاء العدو وهم يتحرقون شوقًا للقائه وإلحاق الهزيمة به كما أذاقوه إياها يوم بدر، وها هم الآن يذوقون مرارة الهزيمة نتيجة عصيانهم وفشلهم، ولقد كانوا يتمنون الموت ويطلبون الشهادة قبل لقاء العدو، فلما عاينوا الموت فروا منه وازورت نفسهم عن الشهادة، بل إن بعضهم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ [آل عمران] ولقد كانوا
стр. 423
يعتزون بأنهم جند الله يقاتلون لإعلاء كلمته وينتصرون بتأييده، فإذا الدينا تصرفهم بعرضها عن غايتهم العظمى فيخسرون النصر الذي أوشكوا أن ينالوه، وما أدراهم أن الله لم يغضب عليهم لعصيانهم وطمع نفوسهم فيخسرون الآخرة أيضًا.
كان على النبي ﷺ أن يعالج هذه النفوس وإلا وصلت الهزيمة إلى قرارتها وأصبح من الصعب إقالتها من عثرتها، وكان عليه كذلك أن يعالج الموقف الداخلي في المدينة نفسها، فقد أخذت الطوائف الأخرى من أهل المدينة من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور لما كان من هزيمته وأصحابه، وأظهر اليهود القول السيئ في النبي ﷺ وراحوا يشككون في نُبوته، كما أخذ المنافقون يخذلون عنه أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه١.
ولو بقيت هزيمة أحد هي الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش فإن أمر محمد وأصحابه ليشرف على الأُفُول، ولتضعضع سلطانه بيثرب بعد أن أصبح صاحب الكلمة العليا فيها بعد بدر.
وماذا عن قريش؟ إنها لو رجعت بنصرها كما كسبته. لربما رجعت إلى المدينة فهاجمتها، والمسلمون مضعضعون من الهزيمة لم يستردوا نفوسهم من آثارها، ولو أنها لم ترجع واكتفت بما نالت لكان المسلمون عرضة لاستخفافها وإرسال دعاية السخرية والاستهزاء بهم في أنحاء الجزيرة كلها، ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء القبائل على المدينة والاستخفاف بها ومهاجمتها.
كان على النبي ﷺ أن يعالج الموقف من جميع هذه النواحي: فأما من الناحية النفسية عند المسلمين؛ فإنه عفا عن كل مسيء في المعركة ولم يحمل أحدًا بعينه ممن حضرها نتائجها، بل جعل المسئولية عامة.
ثم إن القرآن الكريم نزل مواسيًا للمسلمين معالجًا لجرح نفوسهم مذكيًا الروح المعنوية فيهم، مذكرًا إياهم بأن الحرب سجال والأيام دول. وأنهم لكي ينتصروا لا بد أن تكون لديهم القدرة على مواجهة الهزيمة، فإن القدرة على تقبل الهزيمة أقوى أنواع الانتصار. ثم يثير فيهم العظة المستفادة من هذه المعركة حتى يستعدوا لما بعدها من أيام ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا
стр. 424
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران] .
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران] .
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران] .
وهكذا عاون القرآن الكريم في شفاء نفوس المسلمين حتى عادت إليها سلامتها. كما حرص النبي ﷺ على أن يرد إليها سريعًا شجاعتها ويشعرها ويشعر من حولها أنها لا تزال قادرة على الضرب والغلب ومواجهة العدو، وأن ما حدث في المعركة إن هو إلا حالة عارضة لم تؤثر بأي حال من الأحوال على جوهر نفوس المسلمين ولا على شجاعتهم، وأن قوتهم الضاربة لا تزال قادرة على خوض غمار الحرب واستئناف القتال من جديد في عزم وثقة بالنصر.
لذلك، وليتحوط لرجوع قريش لضرب المدينة واحتلالها، أمر النبي ﷺ فأذن مؤذن في المسلمين بطلب العدو، في الغد من يوم أحد على ألا يخرج إلا من حضر القتال.
وتحامل المسلمون على جراحاتهم، وقد استردوا روحهم المعنوية، فلم يتخلف منهم أحد، وحتى من أثقلته جراحه لم يرد أن يفوته من أمر القتال شيء، وأظهروا من الصبر والجلد وشجاعة النفس ما يعتبر مثلًا فذًّا في تاريخ الحروب١.
بلغ النبي ﷺ حمراء الأسد -على ثمانية أميال من المدينة- وكان أبو سفيان ورجاله قد وصلوا الروحاء -على سبعة وسبعين ميلًا- وقد صدق تقدير النبي ﷺ
стр. 425
فإن قريشًا قد تلاومت على ترك الفرصة تفلت من يديها بعد أن أوقعت الهزيمة بالمسلمين فأجمعت على الرجعة، وقالوا: أصبنا حد أصحابه -محمد- وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم١.
وأراد النبي ﷺ أن يوهن نفوس المكيين ويضعف عزيمتهم، فأوحى إلى رجل من خزاعة -وكانت خزاعة مسلمها ومشركها هواها مع النبي ﷺ ، تناصحه وتود نصره- أن يخذِّلها عنه ويلقي إليها أن النبي ﷺ والمسلمين قد خرجوا لقتالها وقد رجع إليهم من تخلف عن القتال، واستعدوا استعدادًا كبيرًا وفعل الخزاعي ما كلف به، فخارت عزيمة أبي سفيان وأجمع على الرجوع إلى مكة؛ ولكنه كلف نفرًا من العرب كانوا يريدون المدينة أن يخذلوا المسلمين عن مطاردته، ثم رحل عائدًا إلى مكة. وبقي النبي ﷺ ثلاثة أيام يوقد النيران ليعلم قريشًا أنه ينتظرها، وليشعر القبائل بقوته وعزمه، ثم عاد إلى المدينة٢ وقد استرد كثيرًا من مكانة المسلمين وأعاد إلى نفوسهم كثيرًا من شجاعتها واطمئنانها.