← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أول المعركة مهارة القيادة ودقة التنظيم، وثورة الإيمان في نفوس بعض أبطال المسلمين ممن سمت نفوسهم حتى ليرون ألا تقف قوة أمام سيوفهم، وكان هذا قمينًا أن يتم عليهم النصر. لولا ذلك الخلل الذي وصل إلى بعض النفوس فأطمعها في الدنيا وأغراها بحب العاجلة، فذهلت عن أمر نبيها فأفسدت على الفئة المؤمنة موقفها. فقد حمل المسملون في أول المعركة حملة شديدة على العدو وتناولوا حملة لوائه بالقتل حتى قتلوا منهم تسعة على التوالي، فتراجعت قوات قريش وانكشفت حتى دخل المسلمون معسكرهم، وكادوا يذيقونهم هزيمة أشد من يوم بدر. لولا أن شغلوا بالغنيمة يجمعونها، وخالف الرماة الأوامر المشددة، فتركوا مواقفهم ونزلوا يشاركون في جمع الغنائم ظنًّا منهم أن الهزيمة قد تمت على العدو، وعند ذلك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد قائد خيل قريش، فنفذ من الثغرة التي كان يسدها الرماة، ودار خلف جيش المسلمين وأوقع الخلل في صفوفه، وعاد المنهزمون من قريش حين رأوا خيلهم تقاتل بين المسلمين، فألحقوا بهم هزيمة شديدة وقتلوا منهم سبعين رجلًا منهم عدد من الأبطال من بينهم حمزة عم النبي ﷺ بطل ذلك اليوم، ووصل العدو إلى النبي ﷺ نفسه بعد أن تفرق عنه رجاله منهزمين، وأصابه بجراحات شديدة، وتعرضت حياته للخطر لولا أن دافع عنه رجال من المهاجرين والأنصار فدوه بحياتهم. وفشلت كل محاولة من النبي ﷺ لرد هزيمة المنهزمين، وإعادة تسوية الصفوف فقد ابتلعت الكثرة من قريش هذا العدد القليل من المسلمين بعد أن فقدوا النظام واختلت صفوفهم، وفي تصوير هذا الموقف نزل القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ١ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران- ١٥٥] .

стр. 422

أما قريش فقد طارت بنصرها فرحًا، وحسبت نفسها انتقمت أشد الانتقام ليوم بدر. حتى صاح أبو سفيان يخاطب المسلمين: يومٌ بيومِ بدرٍ والموعد العام المقبل. ولقد أسرفت قريش في نكايتها بالمسلمين وفي إظهار حقدها وتشفيها، فمثلت بالقتلى: جدعت الأنوف وصلمت الآذان وبقرت البطون، وبلغ الحقد بهند زوج أبي سفيان أن لاكت كبد حمزة عم النبي ﷺ بعد أن بقرت بطنه وجدعت أنفه وصلمت أذنيه واتَّخَذَتْ من هذه وغيرها من قتلى المسلمين قلائد وأقراطًا ومسكًا -أساورَ١ وكثيرًا من الفظائع التي تبرأ أبو سفيان من تبعتها وأعلن أنه لم يأمر بها وبلغ من شناعة ما فعلت وفعل النسوة معها، بل ما فعل الرجال كذلك -وإن لم يسخط على من فعلها- فقال يخاطب المسلمين: "إنه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت"٢. وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها، ولم تشأ أن تهاجم المدينة فتحتلها وتقضي عليها، مكتفية بأن تنال من ثمار النصر أقربها وأيسرها على ما جرت عليه العادة عند القبائل العربية في حروبها. وانصرف المسلمون إلى المدينة وعلى رأسهم النبي ﷺ بعد أن دفنوا قتلاهم والحزن يثقل نفوسهم، لما أصابهم من هزيمة بعد نصر ومن مذلة وهوان بعد ظَفَر عزيز لا ظفر مثله؛ وذلك لاختلافهم ومخالفتهم أوامر النبي ﷺ وانبعاثهم وراء عرض الدنيا في الوقت الذي يقاتلون فيه لإعلاء الحق وإقرار المثل العليا. وكان على النبي ﷺ بعد الهزيمة أن يعالج الموقف من نواح متعددة: عليه أولًا أن يعالجه من الناحية النفسية عند المسلمين، وقد أوشكت الهزيمة أن تقتل الروح المعنوية فيهم، وأوشك الشعور بالإثم أن يذل نفوسهم، ويصغر أقدارهم في نظر أنفسهم؛ فلقد خالفوا رأي النبي ﷺ وكبار المسلمين، وأصروا على الخروج للقاء العدو وهم يتحرقون شوقًا للقائه وإلحاق الهزيمة به كما أذاقوه إياها يوم بدر، وها هم الآن يذوقون مرارة الهزيمة نتيجة عصيانهم وفشلهم، ولقد كانوا يتمنون الموت ويطلبون الشهادة قبل لقاء العدو، فلما عاينوا الموت فروا منه وازورت نفسهم عن الشهادة، بل إن بعضهم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ [آل عمران] ولقد كانوا

стр. 423

يعتزون بأنهم جند الله يقاتلون لإعلاء كلمته وينتصرون بتأييده، فإذا الدينا تصرفهم بعرضها عن غايتهم العظمى فيخسرون النصر الذي أوشكوا أن ينالوه، وما أدراهم أن الله لم يغضب عليهم لعصيانهم وطمع نفوسهم فيخسرون الآخرة أيضًا. كان على النبي ﷺ أن يعالج هذه النفوس وإلا وصلت الهزيمة إلى قرارتها وأصبح من الصعب إقالتها من عثرتها، وكان عليه كذلك أن يعالج الموقف الداخلي في المدينة نفسها، فقد أخذت الطوائف الأخرى من أهل المدينة من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور لما كان من هزيمته وأصحابه، وأظهر اليهود القول السيئ في النبي ﷺ وراحوا يشككون في نُبوته، كما أخذ المنافقون يخذلون عنه أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه١. ولو بقيت هزيمة أحد هي الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش فإن أمر محمد وأصحابه ليشرف على الأُفُول، ولتضعضع سلطانه بيثرب بعد أن أصبح صاحب الكلمة العليا فيها بعد بدر. وماذا عن قريش؟ إنها لو رجعت بنصرها كما كسبته. لربما رجعت إلى المدينة فهاجمتها، والمسلمون مضعضعون من الهزيمة لم يستردوا نفوسهم من آثارها، ولو أنها لم ترجع واكتفت بما نالت لكان المسلمون عرضة لاستخفافها وإرسال دعاية السخرية والاستهزاء بهم في أنحاء الجزيرة كلها، ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء القبائل على المدينة والاستخفاف بها ومهاجمتها. كان على النبي ﷺ أن يعالج الموقف من جميع هذه النواحي: فأما من الناحية النفسية عند المسلمين؛ فإنه عفا عن كل مسيء في المعركة ولم يحمل أحدًا بعينه ممن حضرها نتائجها، بل جعل المسئولية عامة. ثم إن القرآن الكريم نزل مواسيًا للمسلمين معالجًا لجرح نفوسهم مذكيًا الروح المعنوية فيهم، مذكرًا إياهم بأن الحرب سجال والأيام دول. وأنهم لكي ينتصروا لا بد أن تكون لديهم القدرة على مواجهة الهزيمة، فإن القدرة على تقبل الهزيمة أقوى أنواع الانتصار. ثم يثير فيهم العظة المستفادة من هذه المعركة حتى يستعدوا لما بعدها من أيام ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا

стр. 424

يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران] . ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران] . ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران] . وهكذا عاون القرآن الكريم في شفاء نفوس المسلمين حتى عادت إليها سلامتها. كما حرص النبي ﷺ على أن يرد إليها سريعًا شجاعتها ويشعرها ويشعر من حولها أنها لا تزال قادرة على الضرب والغلب ومواجهة العدو، وأن ما حدث في المعركة إن هو إلا حالة عارضة لم تؤثر بأي حال من الأحوال على جوهر نفوس المسلمين ولا على شجاعتهم، وأن قوتهم الضاربة لا تزال قادرة على خوض غمار الحرب واستئناف القتال من جديد في عزم وثقة بالنصر. لذلك، وليتحوط لرجوع قريش لضرب المدينة واحتلالها، أمر النبي ﷺ فأذن مؤذن في المسلمين بطلب العدو، في الغد من يوم أحد على ألا يخرج إلا من حضر القتال. وتحامل المسلمون على جراحاتهم، وقد استردوا روحهم المعنوية، فلم يتخلف منهم أحد، وحتى من أثقلته جراحه لم يرد أن يفوته من أمر القتال شيء، وأظهروا من الصبر والجلد وشجاعة النفس ما يعتبر مثلًا فذًّا في تاريخ الحروب١. بلغ النبي ﷺ حمراء الأسد -على ثمانية أميال من المدينة- وكان أبو سفيان ورجاله قد وصلوا الروحاء -على سبعة وسبعين ميلًا- وقد صدق تقدير النبي ﷺ

стр. 425

فإن قريشًا قد تلاومت على ترك الفرصة تفلت من يديها بعد أن أوقعت الهزيمة بالمسلمين فأجمعت على الرجعة، وقالوا: أصبنا حد أصحابه -محمد- وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم١. وأراد النبي ﷺ أن يوهن نفوس المكيين ويضعف عزيمتهم، فأوحى إلى رجل من خزاعة -وكانت خزاعة مسلمها ومشركها هواها مع النبي ﷺ ، تناصحه وتود نصره- أن يخذِّلها عنه ويلقي إليها أن النبي ﷺ والمسلمين قد خرجوا لقتالها وقد رجع إليهم من تخلف عن القتال، واستعدوا استعدادًا كبيرًا وفعل الخزاعي ما كلف به، فخارت عزيمة أبي سفيان وأجمع على الرجوع إلى مكة؛ ولكنه كلف نفرًا من العرب كانوا يريدون المدينة أن يخذلوا المسلمين عن مطاردته، ثم رحل عائدًا إلى مكة. وبقي النبي ﷺ ثلاثة أيام يوقد النيران ليعلم قريشًا أنه ينتظرها، وليشعر القبائل بقوته وعزمه، ثم عاد إلى المدينة٢ وقد استرد كثيرًا من مكانة المسلمين وأعاد إلى نفوسهم كثيرًا من شجاعتها واطمئنانها.

стр. 426

آثار موقعة أحد: حين عاد المسلمون من حمراء الأسد إلى المدينة، وجدوها قد تنكر كثير من أمرها، وإن بقى سلطان النبي ﷺ فيها السلطان الأعلى، فلقد رفع كثير من اليهود والمنافقين رءوسهم ضاحكين شامتين بالمسلمين، ثم تجرءوا فأخذوا يدبرون المكائد ويحيكون المؤمرات، حتى لقد تطور الأمر إلى حَبك مؤامرة لقتل النبي ﷺ نفسه، وكان من نتيجتها أن حاصر النبي ﷺ إحدى قبائل اليهود وهم بنو النضير وأخرجهم من المدينة. كذلك بدأت القبائل العربية تتحرش بالمسلمين وتكيد لهم، وتجرأت فاستدرجت بعض رجالهم وقتلتهم أو باعتهم لقريش. وأخذت بعض القبائل تتجمع للإغارة على المدينة، لكن النبي ﷺ كان دائم الحذر يحرص دائمًا على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره، لإقرار هيبة الدولة في نفوس هؤلاء البدو، وكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمته، بل كان يقظًا سريع الحركة، ما يكاد يسمع بتجمع أعدائه حتى يفجأهم قبل أن يستكملوا أمرهم، فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم،

стр. 427

فالهجوم عنده أقوى وسائل الدفاع، وتحطم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها. ولقد سار المسلمون على هذه السياسة التي رسمها النبي ﷺ من بعده، فلم يجعلوا أرض الإسلام ميدان قتالٍ أبدًا. بل كانوا دائمًا ينقلون خطوط القتال إلى أرض العدو نفسه حتى يشغلوه في نفسه عنهم، ولم تصبهم الهزائم إلا بعد أن تخلوا عن خطة اليقظة والنشاط واستكانوا للدعة والتواكل والانتظار. وقد أتاحت هذه الظروف للدولة اليثربية فرصة الاستقرار، كما أن إخراج بني النضير، واستيلاء المسلمين على أراضيهم ونخيلهم، أدى إلى تحسن حالة المسلمين الاقتصادية في يثرب؛ فقد وزعت الأراضي على المهاجرين فاستقلوا بأمر معاشهم واستغنوا عن معونة الأنصار فتحسنت حالة الطرفين جميعًا، كما ضعف أمر النفاق، وخفت قوة المعارضة الداخلية في المدينة، وكانت الفترة التي تلت خروج بني النضير فترة سكينة وطمأنينة استراح إليها المسلمون. واستطاعوا بعد أن استدار العام أن يخرجوا إلى بدر استجابة لوعد أبي سفيان يوم أحد، لكن قريشًا لم تكن في حالة من القوة تمكنها من الوفاء بوعدها، فلم تذهب إلى بدر واكتفت بأن تتظاهر بالخروج، وترسل تهدد المسلمين. وفي بدر استفاد المسلمون من تجارة الموسم فربحوا، كما جدد النبي ﷺ عهوده مع القبائل التي وادعته من قبل، وكان من نتيجة تخلف قريش وخروج المسلمين أن انمحت آثار أحد واستقر سلطان المسلمين في هذه المنطقة وتدعمت هيبتهم، وامتد نفوذهم نحو الشمال حتى دومة الجندل التي كانت المسافة بينها وبين دمشق حوالي مائة ميل١. وآن لمحمد بعد كل ذلك أن يستقر بالمدينة عدة أشهر متتابعة وجد فيها فسحة ليقوم بإتمام التنظيم الاجتماعي لهذه الدولة الإسلامية الناشئة في دقة وحسن سياسة، ويوحي إليه ربه منه ما يوحي، ويقر هو ما يتفق وتعاليم الوحي وأمره، ويضع من تفاصيل ذلك ما كان موضع التقديس من أصحابه، وما أشربته نفوسهم لتحمله بعد ذلك للدنيا. فيكون منارها وهاديها عدة قرون متتالية تستقر به حضارة لم يعرفها العالم من قبل. ترى أكان أعداء محمد تاركيه آمنًا في جماعته يضع لها هذا التنظيم دون أن يدخلوا معه في جولة فاصلة يحشدون لها كل قوتهم وما يستطيع أن يصل إليه مكرهم وكيدهم، ليقروا مصيره ومصيرهم بعد هذا الصراع الدامي الذي أوشك أن يدمر كل

стр. 428

قوتهم المادية والمعنوية، والذي رأوا نتائجه تتجه إلى مصلحة محمد وتوشك أن تقر سلطان دولته في هذه المنطقة الحيوية من شبه جزيرة العرب إقرارًا نهائيًّا. وكان اليهود الذين أخرجهم محمد من المدينة أبصرَ خصومِ محمد بتعاليمه وبتقدير مصير دعوته. وكانوا أكثر تقديرًا لما يصيبهم من انتصاره واستقرار دولته، ولما كان خصوم محمد قد عجزوا عن القضاء عليه فرادى؛ فقد فكر اليهود من بني النضير وأهل خيبر في تكوين جبهة قوية يجتمع لها كل الخصوم، حتى تكون الجولة فاصلة مع هذا الرجل، وعلى هذا عقدوا العزم، وأخذوا على عاتقهم تدبير هذا الأمر وإعداده ليكون يوم الأحزاب.

стр. 429

غزوة الأحزاب أو الخندق: اختمرت فكرة تأليب العرب على المسلمين في يثرب، في نفوس اليهود من بني النضير الذين لجأوا إلى خيبر بعد إجلائهم عن المدينة. وأرادوا لها أن تكون محاولة نهائية ومعركة حاسمة يخوضونها ضد محمد. وفي سبيل ذلك لم يدخروا جهدًا من حيلة أو مكر أو مال، وحتى تعاليم التوراة داسوها في سبيل هذا الغرض. وتنفيذًا لهذه الفكرة خرج نفر منهم، من بينهم حيي بن أخطب النضري وسلام بن أبي الحقيق وأخوه كنانة. ومعهم جماعة من يهود خيبر، حتى قدموا على قريش بمكة يحرضونها على قتال محمد، لكن قريشًا كانت قد بدأت تمل الحرب وبدأت جبهتها الداخلية تتضعضع وأخذ الحصار الاقتصادي يؤثر فيها تأثيرًا كبيرًا، جعلها تفكر في إعادة النظر في موقفها تجاه الدولة اليثربية التي أخذت عليها طريق تجارتها، وأثبتت حتى الآن أنها قادرة على الثبات والنمو؛ لذلك بدت مترددة غير واثقة من سلامة موقفها، ومن إحراز النصر على محمد، وظهر ذلك جليًّا من أسئلتها التي وجهتها لليهود، فقد سألتهم: أدينها خير أم دين محمد؟ وقد أجابها اليهود على ذلك بأن دينها خير من دينه وأنها أولى بالحق منه١. وبهذه الإجابة تنكر اليهود لمبادئ التوراة وكفروا بالوحدانية جريًا وراء حقدهم ومصالحهم، وقد نعى القرآن عليهم هذا الموقف ودمغهم بالكفر وأوجب عليهم اللعنة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] . وفي موقف اليهود هذا وتفضيلهم الوثنية على التوحيد، يقول ولفنسون المؤرخ اليهودي: "وكان واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم

стр. 430

الأمر إلى إجابة مطلبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا منذ قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية. كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلًا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم الخصومة"١ ثم أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييًّا عن قومه من بني النضير، فقال: "تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة فقال: "أقاموا بالمدينة مكرًا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم٢. ومازالوا بقريش يسهلون لها الأمر ويرغبونها حتى أخذوا وإياها موعدًا بعد أشهر يكونون قد جمعوا لها فيها الأحزاب من كل قبائل العرب. ثم خرج أولئك النفر من يهود من عند قريش ليتموا جولتهم في تأليب باقي قبائل العرب. خرجوا إلى غطفان، وبني مرة، وفزارة، وأشجع، وسليم، وبني سعد، وكل من له عند المسلمين ثأر يحرضونهم على الأخذ بثأرهم، ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد٣ ويحمدون لهم وثنيتهم ويعدونهم النصر لا محالة. ولما جاء الموعد المضروب خرجت الأحزاب التي جمعها اليهود لحرب المسلمين، وقد بلغ جيشهم عشرة آلاف مقاتل مسلحين أفضل تسليح تملكه القبائل العربية في ذلك الوقت، ولديهم قوة كبيرة من الخيالة٤ وكانت القيادة العليا لأبي سفيان. وبلغت أنباء هذا المسير محمدًا والمسلمين في المدينة ففزعوا له، إذ لم تكن المدينة تملك من القوة ما تستطيع به مواجهة هذا الحشد الكبير وبخاصة أن بطونًا منها لا تزال على شركها، ثم إن النبي ﷺ لم يكن يطمئن تمامًا إلى بني قريظة وهم القبيلة الباقية

стр. 431

من اليهود، ولم يكن يكفي التحصن بالمدينة وحدها، ولا بد من اتخاذ خطة أحكم لمواجهة المواقف، وقد جاء الحل من اقتراح تقدَّم به سلمان الفارسي، فقد أشار بحفر خندق حول المدينة١. ووافق هذا الاقتراح هوىً في نفس النبي ﷺ لسببين: الأول أنه يعوق تقدم العدو في هجوم عام، والثاني أنه يبرز نية النبي ﷺ السلمية، فإنه لم يكن راغبًا في الحصول على مجد عسكري وإنما كانت الحرب عنده وسيلة لا غاية، فهو مع دقة تنظيمه ومهارته في القيادة يريد تسويد مبدأ السلم ما دام له عن القتال مندوحة، وكان تجمع كل هذه القبائل فرصة ليعلنهم جميعًا بنيته السلمية، ولكن في حيطة القائد وحذر المحارب، وَسَارَعَ فأمر بالبدء في حفر الخندق في شمال المدينة وهي الجهة التي يمكن أن تؤتى منها المدينة، أما باقي الجهات فهي حرات يصعب منها الهجوم ويسهل الدفاع، وعمل المسلمون بجد حتى أتموا حفر الخندق في ستة أيام، وحين أقبلت جموع العدو فوجئت بالخندق، فاستنكرت هذه الوسيلة التي لم تكن تعرفها من وسائل الدفاع واتهمت النبي ﷺ والمسملين بالجبن، وقد وقف النبي ﷺ بقواته من وراء الخندق، وكانت عدة من معه ثلاثة آلاف على قول بعض المصادر٢ وتسعمائة على قول بعضها الآخر٣. ولما لم تجد الأحزاب سبيلًا إلى اجتياز الخندق اكتفوا بتبادل الرمي بالنبال ريثما يفكرون في خطة لمعالجة هذا الموقف. واستطاع حيي بن أخطب أن يؤثر على بني قريظة، فأعلن هؤلاء قطع حلفهم مع النبي ﷺ واستعدوا لمعاونة الأحزاب بفتح الطريق أمام جيوشهم أن تدخل المدينة من ناحية بني قريظة٤ وهي جهة لم يشملها الخندق، ولكن النبي استطاع بمهارة أن يثبت الشك بين طوائف الأحزاب؛ فقد اتصل بغطفان وفاوضها على التراجع نظير ثلث ثمار المدينة، وإذا كان هذا الاتفاق لم يتم فإنه ثبط همم الغطفانيين، وألهب حماس الأنصار٥، ثم بذر الشك بين اليهود والأحزاب٦، وبذلك تفككت جبهة العدو،

стр. 432

والواقع أن هذه الجبهة كانت تحمل في ثناياها عوامل التفكك، فقد كانت أغراض الحلفاء غير متفقة، فقريش تريد أن تقضي على الدولة اليثربية بالقضاء على محمد والمسلمين، وغطفان إنما قدمت مأجورة فقد وعدها اليهود ثمار سنة من خيبر١ والقبائل الأخرى جاءت مشايعة وليس لها غرض واضح، واليهود كانوا يبغون استعادة سلطانهم بالمدينة وليس من غرضهم أن تقع يثرب في يد قريش أو إحدى القبائل الكبيرة، وإلا جرُّوا على أنفسهم خصمًا جديدًا قد يطمع في الاستيلاء على هذه المنطقة الخصيبة، ومن هنا كان التفكك بين صفوف الأحزاب، فوق أن وحدة القيادة لم تكن تامة فكل زعيم على جماعته لا تخضع خضوعًا مطلقًا لقيادة أبي سفيان. فما كادت عوامل الشك والريبة تأخذ طريقها إلى قلوب الزعماء حتى انفض جمعهم، وأعانت الطبيعة على انهزامهم وتراجعهم، فقد كان الجو شتاء والبرد قارسًا، وهَبَّتْ عاصفة شديدة وهطلت أمطار لا عهد لهم بمثلها، فانجفلوا جميعًا راجعين لبلادهم٢. وبذلك نجت المدينة من خطر شديد كان يتهددها، وكان تراجع الأحزاب هزيمة تمت بدون قتال، والهزيمة آتية لا عن طريق تحطيم الجيوش المعادية وإنما عن طريق تحطيم وحدتها وعن طريق بذر الشك بين رجالها، حتى لم يعد في الإمكان بعد هذا اليوم أن يتجمع خصوم المدينة على هذه الصورة، فقد أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية، كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين، وقد أدرك النبي ﷺ ذلك تمام الإدراك حين قال: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا ونحن نسير إليهم" ٣، كما أدرك رجاله هذا الموقف كذلك، ويتجلى ذلك في قول سعد بن معاذ زعيم الأوس الذي جرح في هذه المعركة: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخروجوه، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة"٤، وحين رجعت الأحزاب حاصر النبي بني قريظة حتى استسلموا فأوقع بهم عقوبة الإعدام جزاء خيانتهم العظمى.

стр. 433

وبذلك خلصت المدينة للإسلام وتخلصت من أعدائها الداخليين؛ فقد ذل النفاق في المدينة وأصبح المنافقون يخشون رفع رءوسهم. ولم يعد النبي ﷺ في حاجة كبيرة إلى التفكير فيهم.

стр. 434

نتيجة الصراع أدى هذا الصراع المسلح بين النبي ﷺ وقريش إلى نتائج مهمة، فلقد ضعفت جبهة مكة ضعفًا ظاهرًا بعد أن استنفذت كل إمكانياتها الحربية والسياسية، وأصبحت تجارتها في حكم المتوقفة، فلحقتها لذلك أضرار مادية جسيمة، كما أن القبائل العربية بدأت تراجع موقفها بالنسبة لاستمرار تحالفها مع قريش أو التقرب للقوة الجديدة التي ظهرت في يثرب والتي استطاعت حتى الآن أن تصمد لخصومها، وأن توقع بهم الهزائم وتحول الموقف إلى جانبها. أما جبهة المدينة فقد ازدادت قوة وخصوصًا بعد أن أجلى النبي ﷺ قبائل اليهود أو قضى عليها، كما أن النفاق قد ضعف ولم يعد يسبب للنبي ﷺ قلقًا، كذلك تحسنت الحالة الاقتصادية عند المسلمين بعد أن وضعوا أيديهم على أراضي اليهود في يثرب وبعد ما غنموه من غنائمَ ثم إن خطر العدو لم يعد مباشرًا بالنسبة للمدينة، فقد انحسرت القوة عن خصومها وقبعوا في معكسرين: أحدهما في الجنوب وهو معكسر قريش في مكة، والآخر في الشمال وهو معكسر اليهود في خيبر، ولم يعد من اليسير قيام الاتصال بين هذين المعسكرين والتعاون بينهما مرة أخرى بعد تراجع الأحزاب عن يثرب. غير أن هذا الصراع وإن كان قد أدى إلى تفوق يثرب وإضعاف قوة خصومها، إلا أنه شغل النبي ﷺ عن التفرغ لنشر دعوته، كما أنه حال بينها وبين التغلغل في القبائل العربية، وبخاصة تلك التي شاركت في الصراع، فإن الحرب بطبيعتها تثير الحفيظة وتزكي التعصب في النفوس وتمنع من التفكير الهادئ السليم، وفي مثل جو الحرب لا تنشر المبادئ، ولذلك نزل القرآن يأمر النبي ﷺ باللين والصبر واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] والدعوة بالحسنى وتهيئة جو السلم والطمأنينة هو سبيل أصحاب الرسالات والدعوات والإصلاح في كل زمان ومكان وهذا الجو هو الذي سعي إليه النبي ﷺ وهو الذي التزمه طيلة الدور المكي من حياة الرسالة، وهو حين دخل الحرب بعد هجرته دخلها مضطرًّا، وألزم موقفها إلزامًا ومع ذلك فلم يفكر فيها

стр. 435

ولم يسعَ وراء مجد عسكري قط، وكان يقدم دعوة السلم قبل أن يدخل في القتال، حتى إذا ما استنفد وسائل السلم قاتل مكرهًا، ثم قاتل في أضيق الحدود، فلم يسرف على خصومه بعد نهاية المعركة. لم يجهز على جريح، ولم يقتل طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ولا معتزلًا لقتال، وفي المرات التي قسا فيها على بعض خصومة كانت القسوة ضرورة لا محيص عنها. فلما تحول الموقف بعد الأحزاب إلى صالح الدولة اليثربية وأصبح في إمكان النبي ﷺ أن يأخذ في يده موقف المبادأة، سعى إلى تهيئة جو السلم وتسويد مبدأ السلام، فمد يده إلى خصومه وأظهر منتهى المرونة والتسامح حتى تم بينه وبين قريش صلح الحديبية.

стр. 436

صلح الحديبية في شهر شوال من سنة ٦هـ، أعلن النبي ﷺ في أصحابه أنه قد نوى زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، ودعاهم للتأهب لتأدية هذه الزيارة مبشرًا إياهم بأنه رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام محلِّقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون١، وفي الوقت نفسه بعث إلى الأعراب من حول المدينة ليشاركوا في هذه الزيارة٢، وكانت حكمة النبي ﷺ في دعوة الأعراب ممن ليسوا على الإسلام لمشاركة المسلمين في هذه الزيارة أن يؤكد لقريش أنه جاء معتمرًا ولم يجئ غازيًا بدليل أنه يوجد في صفوفه من العرب من ليس على دينه، وليؤكد لهم أن زيارة البيت الحرام فريضة عند المسلمين كما هي فريضة عند العرب، وأن المسلمين يعظمون البيت الحرام كما تعظمه العرب بل هم أشد له تعظيمًا وأكبر عندهم حرمة، وليؤكد لهم كذلك أن مكة سوف لا تفقد مكانتها التي تنالها من مقام البيت فيها، والتي تحرص قريش على بقائها وإلى جانب ذلك يكسب الرأي العربي إلى صفه، فهو يعظم الحرمات ويحرص على المقدسات، ولا يجانب الناس بل يسالمهم، وهو يحرص على الوحدة بين العرب ويعمل لها، وأن التَفَتُّت وجو الحرب ليس من صنعه بل هو من صنع خصومه الذين أرغموه عليه إرغامًا، بمحاربته وصده عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا وأمنًا، وليكشف موقف قريش العدائي ليظهر خروجها عن المهمة التي كانت وكلت إليها. والتي تحصل من ورائها على مركزها بين العرب، وهي رعاية البيت الحرام وتهيئته للزائرين سواء منهم

стр. 437

العاكف والباد، إذ هي صدته وأصحابه عن زيارة البيت وأداء الفريضة التي هي حق للجميع. واستجاب المسلمون لنداء نبيهم، والفرحة تملأ قلوبهم، المهاجرون منهم والأنصار على السواء، أما المهاجرون فقد طردوا من وطنهم وحرموا من بلدهم ظلمًا وعدونًا ستة أعوام، حالت فيها قريش بينهم وبين زيارة هذا الوطن وألزمتهم جو العداوة والحرب، وأما الأنصار فقد حرموا من زيارة البيت الحرام الذي كان مهوى نفوس العرب جميعًا، كما تَحملوا جو الحرب بما فيه من إعنات ومن ضياع للأنفس والأموال، وها هي الفرصة تأتي ليعود المهاجرون إلى وطنهم زائرين وليعاودوا الاتصال ممن تركوا فيه من الأهل والإخوان، وليطفئ الأنصار حنينهم إلى بيت الله الحرام، وليخرجوا من جو الحرب إلى جو السلام. وأما الأعراب؛ فقد ظنوا أنها مغامرة يقوم بها المسلمون أن يزوروا مكة وأن قريشًا سوف تنتهزها فرصة للقضاء عليهم، ولن يصدها عن ذلك الشهر الحرام، ولا البيت الحرام، فقد لجت في الخصومة وبلغت بها إلى الشوط الأبعد الذي ليس بعده صلح ولا مسالمة، واعتبروا أن هذه سفرة بلا عودة، وعلى عادة الأعراب من الحذر أبطأوا فلم يستجيبوا لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم١. وفي أول ذي القعدة -أول الأشهر الحرام- من سنة ٦ هجرية٢ خرج النبي ﷺ في ألف وأربَعمائة٣ من أصحابه متجهًا إلى مكة، يسوق أمامه الهدي سبعين بدنة وقد قلدها وأشعرها توكيدًا لنيته السلمية وقصده زيارة البيت٤. ولم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحًا إلا ما يحمله المسافر من سيف في غمده ٥. وعلمت قريش بمسيرة النبي ﷺ والمسلمين إلى مكة فتشاور زعماؤها في الأمر، وعلى الرغم من مظهر السلم الذي سار به النبي ﷺ وعلى الرغم من إعلانه نيته في العمرة وندائه بهذا بين العرب، فإن زعماء قريش أوجسوا خيفة من هذه الزيارة، فلربما تكون مكيدة أراد بها محمد أن يدخل مكة، وحتى إذا لم تكن مكيدة وكانت عمرة عادية فإن قريشًا قدرت ما يكون لو أن المسلمين اختلطوا بأهل مكة وحادثوهم وزال جو

стр. 438

التوتر بين الفريقين، واتصل المهاجرون بأهليهم والتقوا معهم؛ فإن الدماء عند ذلك تحن والأرحام تتقارب، ويحس السواد من أهل مكة بالحنين نحو أهليهم وذوي أرحامهم، ويحسون بمقدار الظلم الذي وقع عليهم بطردهم من وطنهم والتفرقة بينهم وبين أهليهم، وإذن لا بد أن يكسب محمد الجولة عليهم، ثم إن هناك عددًا من المسلمين حبسهم أهلهم بمكة وحالوا بينهم وبين الهجرة، وهم يعذبونهم بقصد فتنتهم، فماذا لو دخل المسلمون مكة فاتصلوا بهؤلاء المستضعفين وعملوا على تحريرهم من الظلم والإعنات الذي هم فيه. ووجد هؤلاء المعذبون ملجأ وملاذًا عند إخوانهم، إذن فستكون الحرب الأهلية في مكة، أو هي الفرقة والضعف، ورجال محمد في مكة يستطيعون أن ينتهزوا الفرصة للاستيلاء عليها. وإذن فمهما يكن غرض محمد ومظهره؛ فلا بد من الحيلولة بينه وبين دخوله مكة، مهما يكن الأمر ومهما يكن الثمن، حتى ولو كانت الحرب في الأشهر الحرام أعنف الحرب، على ذلك صمم زعماء قريش ومن أجل ذلك أعدوا جيشًا قويًّا بلغ عدد فرسانه مائتين، وقدموه للقاء محمد ومنعه من دخول مكة. وتقدمت فرسان قريش على رأسها خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى كراع الغميم على نحو عشرة أميال من مكة١. وعلم النبي ﷺ بمسيرة جيش قريش لمنعه، فأخذه الأسى لموقف قريش ولددها في الخصومة مع أن ما بينها وبينه من لحمة الدم والقرابة كان خليقًا أن يجعلها تقاربه وتنتصر له. بدل أن تخاصمه هذه الخصومة العنيفة التي أعمتها عن موقف الحكمة، وأبعدتها عن الحلم الذي اشتهرت به بين العرب، فقال: "يا ويح قريش!! لقد أهلكتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة" ٢. وبينما كان محمد يفكر في أمر قريش ويستعرض موقفها، كان فرسانها منه على مرأى النظر، يدل منظرهم على أنه لا سبيل للمسلمين إلى دخول مكة إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحامًا، ولكن محمدًا ما جاء محاربًا؛ وإنما جاء لتقرير مبدأ السلم ولذلك مال بأصحابه وسلك طريقًا آخر تجنب به قوات قريش وأوصلهُ إلى الحديبية،

стр. 439

وهي أقرب حدود الحرم إلى مكة١، وهناك نزل بأصحابه ينتظر ما يكون من قريش. وفكرت قريش أن ترسل إلى المسلمين من يستطلع حالهم من ناحية ومن يحاول صدهم عن دخول مكة بدون حرب من ناحية أخرى، وأرادت أن تشرك القبائل المجاورة لمكة وأن تشرك الأحابيش، حتى إذا ما كان الموقف يتطلب قتالًا وقفوا معها وأعانوها، وقدرت أن محمدًا قد يسيء إلى الرسل الذين ترسلهم إليه من رجالها ومن رجال القبائل ومن الأحابيش فيحفظهم هذا فيتحمسون لنصرة قريش. لكن محمدًا أحسن مقابلة الرسل الذين أرسلتهم قريش من خزاعة ومن ثقيف ومن الأحابيش٢، واستطاع أن يقنعهم بالحجة مرة، وبالمظهر العملي مرة أخرى -كما فعل مع سيد الأحابيش؛ فإنه أطلق الهدي أمامه٣- بنيته السلمية وبأنه جاء معتمرًا للبيت ولم يجئ غازيًا ولا معتديًا حتى لقد اشمأز بعض هؤلاء الرسل من تصرف قريش ومن عنتها، كما فعل الحليس سيد الأحابيش، فقد قال لقريش حين عاد من عند محمد: "يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد"٤. وبذلك كسب محمد هذه الجولة من قريش، وألزمها بأن تدخل معه في مفاوضات سلمية؛ وإلا ظهرت بمظهر المتعنت أمام حلفائها وأمام العرب. وبالرغم من مناوشات قريش ومن اعتداءات سفهائها على المسلمين، ومحاولتهم النيل منهم؛ فقد التزم المسلمون جانب السلم وسود النبي ﷺ كلمة التقوى٥، وكان المسلمون أحق بها وأهلها، وكلمة التقوى تساوي كلمة السلم، وهو المبدأ الإسلامي الذي جاء يقابل مبدأ الجاهلية وهو الحمية التي تقابل العصبية -حمية الجاهلية-. ولما جاء رسول قريش وهو سهيل بن عمرو مفوضًا لعقد الصلح أظهر النبي ﷺ كثيرًا من المرونة والتساهل، ولم يحفل بالشكليات بل كان همه في المسألة جوهرها، حتى لقد أغضب موقفه اللين كثيرًا من رجاله وأثار اعتراضهم٦، وحتى اندفع عمر بن

стр. 440

الخطاب يقول للنبي ﷺ معترضًا: "يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟! ألسنا على الحق؟! فلِم نعطي الدنية في ديننا؟! ١". لم يحفل النبي ﷺ بالشكليات التي تمسك بها رسول قريش، ولم يساير حماسة رجاله، وقدم كثيرًا من التسهيلات حتى تم عقد الصلح بين الطرفين، وكانت أهم شروطه٢: ١- أن يرجع محمد والمسلمون عن دخول مكة هذا العام، على أن يعودوا في العام القادم فتخلي لهم قريش مكة ثلاثة أيام يؤدون فيها العمرة. ٢- أن تعقد بين الطرفين هدنة مدتها عشر سنوات في قول، وسنتان -في قول آخر وهو ما نرجحه- يأمن كل من الطرفين صاحبه، ويكف بعضهم عن بعض، وأن بينهم عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣. ٣ - أنه من أراد من القبائل الدخول في حلف محمد دخل، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل، على أنه يسري على المُتَحَالِفِين ما يسري على المتعاقدين. ٤- أنه من جاء محمدًا من أهل مكة بدون إذن وليه ردَّه إليهم ومن جاء إلى قريش من أصحاب محمد لم يردوه. والشرط الأخير هو الذي أثار اعتراض المسلمين وأغضبهم، لكن النبي ﷺ أمضى العقد واعتبر الوصول إلى السلم هدفًا يصغر إلى جانبه كل شيء، وعدَّه فتحًا مبينًا، ونزل القرآن الكريم بهذا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح] . والحقيقة أن الحديبية كانت فتحًا مبينًا لا يقل في أثره وعظمته عن أكبر معارك الإسلام، وإذا كانت بدر قد ثبتت قواعد الدولة الناشئة؛ فإن الحديبية قد فتحت أمامها المجال لتصل إلى الهدف الذي كان النبي يرمي إليه، وهو توحيد العرب في دولة واحدة، تكون نواة لدولة إسلامية كبرى تشمل الإنسانية وتحقق رسالة العدالة والخير لبني الإنسان على الأرض، وانفتح بصلح الحديبية المجال أمام النبي ﷺ ليتابع إبلاغ رسالته للناس جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها.

стр. 441

وقد أتاح صلح الحديبية للنبي ﷺ أن يوجه نظره إلى إكمال خطته في إقرار الأمن للمسلمين في جزيرة العرب، والقضاء على كل عناصر المقاومة التي تقف في سبيل توحيد الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام ثم الاتجاه بالدعوة إلى العالم الخارجي، إلى المجال الإنساني؛ فإن محمدًا لم يُرسَل للعرب وحدهم، وإنما أرسل بشيرًا ونذيرًا للناس كافة. وقد أظهر محمد من بُعد النظر ودقة التقدير ما تفوَّق به على خصومه، وما فاق به تفكير أصحابه على السواء، فإن شروط عهد الحديبية وإن بدت لأول وهلة في مصلحة قريش، فإن الأيام ما لبثت أن كشفت عن أن النبي ﷺ قد ذهب فيها بالنصيب الأوفر، وحقق فيها وبواسطتها أهدافه الكبرى، فقد أتاح هذا العهد لمحمد والمسلمين أن يدخلوا مكة في العام القادم آمنين مطمئنين، وأخلت لهم قريش البلد الحرام١، وقد كان لهذا أثره الخطير في مكة نفسها. فإن أهلها رأوا من تضامن المسلمين وترابطهم وتعاونهم وتعاطفهم وحسن نظامهم والتفاهم بينهم واقتدائهم بنبيهم، ما جعلهم يدركون أن مثل هذه الجماعة لا يمكن الوقوف في وجهها، وليس من أمل في التغلب عليها، حتى لقد كانت عمرة القضاء قضاء تامًّا على روح العناد والمقاومة في قريش، وحتى لقد أدرك عقلاؤها أنه من الخير الانضمام إلى محمد، يتمثل ذلك في إسلام خالد بن الوليد، وخالد رجل له مكانته العظيمة في قريش فهو بطلها المعلم وفارسها في يوم أحد. وكان خالد قائدًا بصيرًا يدرك أين تكون الكفة الراجحة، ولقد أدرك خالد هذا في عمرة القضاء فلم يلبث أن أعلن إسلامه. وبعث بهداياه إلى النبي ﷺ -٢ ولم يسلم خالد في صمت بل قال على ملأ من قريش: "لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بشاعر ولا ساحر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحق على كل ذي لب أن يتبعه٣. ولقد هم أبو سفيان أن يثور بخالد ويؤلب قريشًا لقتله، فقال عكرمة بن أبي جهل: "مهلًا يا أبا سفيان، أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه، وهذه قريش كلها قد بايعت عليه. والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم٤.

стр. 442

وهكذا كانت عمرة القضاء التي هي شرط من شروط صلح الحديبية فتحًا لقلوب أهل مكة وأبصارهم، وكما أسلم خالد أسلم رجلان آخران لهما أهمية ولهما خطورة وهما: عمرو بن العاص داهية قريش الذي لا يقل بصرًا بالأمور عن خالد، وعثمان بن طلحة حارس الكعبة١، وبإسلام هؤلاء الثلاثة أسلم عدد كبير من أهل مكة وأصبحت مكة في حكم البلد الذي فتح أبوابه للدعوة الإسلامية، ولم يبق إلا أن تفتح أبوابها وتسلم القيادة للمسلمين. كما أن هذا الصلح قد أتاح لبعض القبائل فرصة الدخول في عقد محمد وبالانضمام إلى صفوفه صراحة. وبخاصة قبيلة خزاعة التي كان جزء كبير من الأحابيش الذين كانت تعتمد عليهم من بطونها٢، وبذلك ضم محمد جزءًا كبيرًا من هذه القوة إلى جانبه وأضعف بذلك مركز قريش الحربي إلى حد كبير. ثم إن الهدنة قد أتاحت لمحمد فرصة العمل بحرية وهو آمن، بعد أن أمن جناحه الجنوبي من ناحية قريش، فانصرف في اطمئنان ليقضي على القوة الأخرى المعادية التي كانت تقوم في جناحه الشمالي، وهي قوة اليهود الذين تركزوا في خيبر والذين أخذوا يَعُدون العدة ويعملون على تكوين حلف يهودي يضم يهود خيبر ووادي القرى وتيماء، لتكوين قوة كبيرة من اليهود لمهاجمة المدينة دون اعتماد على القبائل العربية التي فشلت في مهاجمة المدينة في موقعة الأحزاب. وقد استطاع أن يهاجم خيبر وينتصر عليها وعلى حصونها القوية، على الرغم مما بذله اليهود من مقاومة عنيفة مستميتة٣، وبالقضاء على قوة اليهود في خيبر أمن النبي ﷺ جناحه الشمالي، وبدأت القبائل التي كانت تناوئ المدينة تراجع موقفها وتسعى للانضمام إلى النبي ﷺ حتى لم يمض عامان إلا والإسلام قد انتشر انتشارًا سريعًا في هذه القبائل وحتى انضمت إليه انضمامًا كاملًا لدرجة أنه عند فتح مكة في عام ٨هـ، كان رجال هذه القبائل يؤلفون القوة الكبرى في الجيش الذي تقدم لفتح مكة. فقد قدمت سليم ألف فارس، وقدمت مزينة ألف مقاتل، كما قدمت جهينة ثمانمائة، وقدمت بنو كعب وبنو ليث وأشجع وغفار أكثر من ألفي مقاتل، وهكذا بعدت القبائل عن قريش بالدرجة التي تقربت منها من النبي ﷺ -٤، وكانت هذه الأعداد الضخمة من

стр. 443

الرجال دليلًا على مدى انتشار الإسلام بين هذه القبائل انتشارًا كبيرًا فاق كل عدد وصل إليه المسلمون في السنوات السابقة منذ البعثة إلى عهد الحديبية، ثم إن الشرط الأخير الذي أرضت به قريش غرورها والذي غضب من أجله المسلمون وعارضوه، ما لبث أن ظهر أنه في غير مصلحة قريش وأنه كان وبالًا عليها والرسول ﷺ حين قبله كان سياسيًّا بعيد النظر، وكان حكيمًا عالمًا بما يصلح الدولة في داخلها، فإنه ليس من مصلحة الدولة أن يكون بين صفوفها من لا يؤمن بمبادئها، ومن كان هواه مع أعدائها، وكانت قريش قصيرة النظر حين حبست بعض المسلمين في مكة ومنعتهم من الهجرة وعملت على فتنتهم عن دينهم بالقوة؛ فقد استمسك هؤلاء بدينهم برغم تعذيب قريش، وكانوا نقطة ضعف داخل الدولة المكية، كانوا طابورًا خامسًا -كما نعبر عنه في عصرنا الحديث- وكانوا إلى جانب ذلك يعذبون ضمير أهل مكة ويشعرونهم بالإثم دائمًا، وخصوصًا إذا قدرنا قوة عصبية الأرحام، وذوي القربى، وإذا كان الزعماء يرضون هذا لمصلحة الدولة كما ظنوا ويرغمون العامة على قبول عملهم وتساعدهم على ذلك حالة الحرب، فإن عواطف الناس كانت في غير هذا الصف، وخصوصًا بعد أن أشاع صلح الحديبية جوًّا من السلم وأتاح للعواطف أو الرأي أن تنفس عن نفسها، وكان النبي ﷺ يرى أن مصلحة دولته تقتضيه أن يتخلص من خصوم مبدئها أو على الأقل لا يتمسك بهم بين صفوفه؛ لذلك وافق على ألا يرجع إليه من يخرج من صفوفه إلى العدو. على أنه لم يخرج من صفوف المسلمين أحد إلى مكة، وخرج من صفوف قريش بعض المسلمين فارين إلى النبي ﷺ فلما ردهم النبي ﷺ إلى مكة كانوا وبالًا عليها، وأصدق شاهد على ذلك قصة أبي بصير بن أسيد حليف بني زهرة، فإنه بعد صلح الحديبية فر إلى المدينة، فكتب أولياؤه إلى النبي ﷺ يطلبون رده، وأرسلوا إلى النبي ﷺ رجلين يعودان به؛ فسلمه النبي للرجلين وفاء بشروط الصلح، فلما كان في بعض الطريق احتال على الرجلين حتى أخذ من أحدهما سيفه فقتله به، وفر الآخر إلى المدينة ولحق به أبو بصير، فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله، وفت ذمتك، وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي، فقال رسول الله ﷺ : "ويل أمه، محش حرب لو كان معه رجال" فخرج أبو بصير حتى نزل بمكان يقال له العيص على ساحل البحر، وكان طريق قريش إلى الشام، فسمع به من كان بمكة من المسلمين فلحقوا به، حتى كان في عصبة من المسلمين قريب من ستين أو سبعين رجلًا وكانوا لا يظفرون برجل من قريش إلا قتلوه، ولا يمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت فيهم قريش إلى رسول الله ﷺ -

стр. 444

يسألونه بأرحامهم إلا آواهم، فلا حاجة لهم به، ففعل رسول الله ﷺ فقدموا عليه المدينة، وهكذا جر هذا الشرط وبالًا على قريش فقد تكونت ضدها عصابة خطيرة خرجت عن التبعية لها، وكذلك لم تدخل في تبعية المدينة فلم تكن تُسْأل عنها ولا عن أعمالها، فألحقت بقريش ضررًا فادحًا دعاهم إلى أن يرجوا النبي ﷺ أن يئوي هذه الجماعة وأن يقبل إلغاء هذا الشرط١. وهكذا أثبتت الحديبية بُعد نظر النبي ﷺ وسلامة تقديره، وكانت آية من آيات السياسة الحكيمة والدبلوماسية الفذة، حتى اعتبرت فتحًا مبينًا فاق في كل نتائجه أعظم الفتوح الحربية؛ فإنه لم يفتح البلاد وحدها وإنما فتح العقول والقلوب للدين الجديد ومهد للفتح الأعظم بعد ذلك بسنتين، وهو فتح مكة فتحًا سلميًّا، وانضمامها إلى الدولة الإسلامية، وما أعقب ذلك من توحيد العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.

стр. 445

الفصل الثاني: الصراع بين المسلمين واليهود لا شك أن اليهود في المدينة كانوا على علم بما تم بين النبي ﷺ وبين الأوس والخزرج من اتفاق في بيعة العقبة الكبرى، ولم يكن في مقدورهم أن يمنعوا هذا الاتفاق أو يقفوا ضده، فإن القوة في المدينة كانت في يد العرب، وكانوا يستطيعون أن يدخلوا في المدينة من شاءوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم، وكانت حالة يثرب الداخلية تتطلب عنصرًا خارجيًّا يستطيع أن يوحد بين عناصرها المختلفة، ويقيم بينها نوعًا من التوازن يعيد إليها السلام الذي حرمته زمنًا طويلًا بتنازع طوائفها المختلفة وكان اليهود يرصدون الأحوال ويراقبون تطور الحوادث، ولم يدُرْ في خلدهم في أول الأمر أنه سيحدث ما يوجه الأمور ضد مصالحهم، بل لعلهم كانوا يعتقدون أن قدوم الرسول ﷺ إلى يثرب في مصلحتهم؛ فقد ظنوا أن في مقدورهم استمالته إليهم وإدخاله في حلفهم، فإنه يدعو إلى ديانة تتفق في جوهرها مع عقائدهم، ولو أفلحوا في ضمه إليهم لربما استطاعوا أن يعيدوا إلى أنفسهم مركز التفوق في يثرب، وربما استطاعوا به بعد توحيد بطون المدينة وجعلها كتلة واحدة أن يجعلوا منها مدينة قوية، تستطيع أن تسيطر على الحركة الاقتصادية وتنافس مكة وتتغلب عليها، وربما تمكنوا من تأليب جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية التي تغلبت على اليهود وأجلتهم عن فلسطين. لعل هذه الآمال كلها كانت تجول في نفوس اليهود في يثرب حين قدم النبي ﷺ إليها؛ ولذلك أحسنوا استقباله وبادر هو إلى رد تحيتهم بمثلها وإلى توثيق صلاته بهم، فتحدث إلى رؤسائهم وتقرب إلى كبرائهم، وربط بينه وبينهم برابطة المودة باعتبارهم أهل كتاب موحدين، وبلغ من ذلك أن كان يصوم يوم صومهم١، وكانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل جميعًا٢، وقامت علاقة طيبة بين أصحابه من المهاجرين وبين اليهود حتى ليغشون مجالسهم ويذهبون إلى بيوت مدارسهم يتحدثون إليهم، ويسألونهم ويسمعون منهم، ويرون التوارة تصدق القرآن والقرآن يصدق الترواة٣. وما كانت الأيام لتزيد النبي ﷺ والمسلمين باليهود أو لتزيد اليهود بهم إلا مودة وقربى، حتى وصل الأمر بينهم إلى عقد معاهدة صداقة

стр. 446

وتحالف وتقرير لحرية الاعتقاد؛ ولئن لم يشترك في توقيع هذه المعاهدة بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع فإنهم لم يلبثوا أن وقعوا بينهم وبين النبي ﷺ صحفًا مثلها. وبهذه الصحيفة التي قررت حرية العقيدة وحرية الرأي وحرمة المدينة وحرمة الحياة وحرمة المال وتحريم الجريمة، استقرت الأحوال في يثرب وأصبحت حرمًا لأهلها، عليهم أن يدافعوا عنها، وأن يتكافلوا فيما بينهم لاحترام ما قررت هذه الوثيقة من الحقوق، وبدت المدينة وكأنما تسير إلى ما كان ينشده لها أهلها من هدوء وتقدم، وبدأ النبي ﷺ يمثل فيها روح النظام والاستقرار، وكان هو القدوة في حسن المعاملة والتواضع والعدل، وقد ترك ذلك في النفوس عميق الأثر، حتى لقد أقبل كثيرون على الإسلام، وزاد المسلمون في المدينة شوكة وقوة، وأخذ النبي ﷺ يتجه إلى بناء دولته وضمان الأمن لها في الداخل والخارج، ونجحت السرايا التي أرسلها إلى ما حول المدينة في تأمين ريفها وعقد المحالفات لها مع القبائل الضاربة على جنباتها. هنالك بدأ اليهود يفكرون من جديد في موقفهم من محمد وأصحابه لقد عقدوا معه عهدًا، وكانوا يطمعون في ضمه إلى صفوفهم ليزدادوا به قوة؛ ولكنه أصبح هو أقوى منهم، وإنه ليتجه بقوته إلى المجال الخارجي، ويعمل على توسيع نطاق دعوته ونفوذه، أفيتركونه يمد سلطانه وينشر دعوته على هذا المدى الواسع، ويكتفون بالأمن في جواره أمنًا يمكِّن لمصالحهم المادية أن تتسع؟ لعلهم كانوا يقنعون بذلك لو أمنوا أن دعوته لا تمتد إلى اليهود ولا تفشو في عامتهم، على حين تقتضيهم تعاليمهم ألا يعترفوا بنبي من غير بني إسرائيل. لكن رجلًا من علمائهم وأحبارهم هو عبد الله بن سلام القينقاعي١ لم يلبث حين اتصل بالنبي ﷺ أن أسلم هو وأهل بيته وجابَهَ اليهود بإسلامه ودعاهم إلى الإسلام٢، وهنا أجمع اليهود أمرهم أن يكيدوا لمحمد وينكروا نبوته. وما أسرع أن اجتمع إليهم من بقي على الشرك من الأوس والخزرج، ومن دخل في الإسلام منهم بظاهره جريًا وراء مغنم أو إرضاء بصحبة لم يقوَ على مخالفتها. وهنا بدأت حروب جدل بين النبي ﷺ واليهود كانت أكثر لددًا ومكرًا من حرب الجدل التي كانت بمكة بينه وبين قريش؛ فقد حشد اليهود لها ما استطاعوا من أنواع الدسيسة والنفاق، وما كان لديهم من علم بأخبار الأنبياء والمرسلين، يهاجمون بها محمدًا ورسالته وأصحابه من المهاجرين والأنصار. دسُّوا من أحبارهم من أظهر إسلامه وأخذ يجالس المسلمين ويظهر الورع والتقوى، ثم يلقي على النبي ﷺ من الأسئلة ما يحسبه يثير الشكوك والريب ويزعزع في نفوس المسلمين عقيدتهم به

стр. 447

وبرسالته، ويتعنتون ويأتون باللبس، ليلبسوا الحق بالباطل وكان القرآن يجيبهم فيما يسألون عنه١. وانضم إليهم جماعة المنافقين من الأوس والخزرج ليسألوا ويشاركوا في الوقيعة بين المسلمين٢ وكانوا يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم، وفطن المسلمون لأمر خصومهم وعرفوا غاية سعيهم؛ فلما رأوا جماعة منهم بالمسجد ذات يوم يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، أمر النبي ﷺ بهم فأخرجوهم من المسجد إخراجًا عنيفًا٣؛ لكن هذا لم يثن اليهود عن سعيهم ووقيعتهم بين المسلمين، وغاظهم أن يجتمع أمر الأوس والخزرج على الإسلام وتقوم الألفة بينهم عليه، فأرادوا أن يثيروا الأحقاد القديمة ليوقعوا بينهم العداوة والبغضاء. مر أحدهم -شاس بن قيس- على نفر من الأوس والخزرج من أصحاب رسول الله ﷺ في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، وأمر فتى شابًّا من اليهود -كان معه- أن يجلس بينهم وأن ينتهز فرصة يذكر فيها يوم بعاث وما كان من الأوس والخزرج فيه. وتكلم الفتى فذكر القوم ذلك اليوم وتنازعوا وتفاخروا واختصموا، وكاد الشر يقع بينهم لولا أن سمع النبي ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه، فذكرهم بما ألف الإسلام بين قلوبهم وجعلهم إخوانًا متحابين، ومازال بهم حتى بكى القوم وعلموا أنها من نزغات الشيطان وكيد عدوهم٤. وبلغ الجدل بين محمد واليهود مبلغًا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه، فقد نزل إحدى وثمانون آية من سورة البقرة، كما نزل قسم كبير من سورة النساء، وكله يذكر هؤلاء اليهود، وإنكارهم ما في كتابهم، ويلعنهم لكفرهم وإنكارهم أشد اللعنة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة] ٥.

стр. 448

وبلغ الجدل بين المسلمين واليهود حدًّا كان يصل أحيانًا إلى الاعتداء بالأيدي، وحسبك لتقدر هذا أن تعلم أن أبا بكر، على ما عرف عنه من دماثة الخلق ولين الطبع وطول الأناة، تحدث إلى يهودي يدعى: فنحاص، يدعوه إلى الإسلام، فرد فنحاص بقوله: "والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان غنيًّا عنا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا". وفنحاص يشير هنا إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ولم يطِق أبوبكر صبرًا على هذا الجواب فغضب وضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: "والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله". وشكا فنحاص أمره إلى النبي ﷺ وأنكر ما قاله لأبي بكر فنزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران] ١. ولم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج، ولم يكفهم فتنة الناس عن دينهم ومحاولة ردهم إلى الشرك دون تهويدهم، وصدهم من يريد الإسلام من المشركين، بل حاولوا فتنة النبي ﷺ نفسه؛ ذلك أن أحبارهم وأشرافهم وسادتهم ذهبوا إليه وقالوا: "يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وإنا إن اتبعناك اتبعتك يهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة؛ أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك؟ " فأبي ذلك النبي ﷺ فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة] ٢. ثم أخذوا في أسئلة منكرة، عن الساعة ومتى ميعادها؟ وعن وحدانية الله أهي حقيقة؟ وإذا كان الله قد خلق الخلق فمن خلق الله. ومن هذه الأسئلة التي يقصد بها التشكيك والتضليل بقصد الفتنة والبلبلة٣.

стр. 449

وحين ضاق اليهود ذرعًا بمحمد فكروا في أن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلته قريش عن مكة، فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا إلى بيت المقدس وكان مقامهم به، وأنه إن يكن رسولًا حقًّا فجدير به أن يصنع صنيعهم وأن يعتبر المدينة وسطًا في هجرته بين مكة وبيت المقدس، لكن محمدًا أدرك ما يرمون إليه، وأوحى الله إليه على رأس سبعة عشر شهرًا من مقامه بالمدينة أن يجعل قبلته المسجد الحرام بيت إبراهيم وإسماعيل ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة] . وأنكر اليهود ما فعل، وأدركوا أن هذا العمل ينطوي على موقف خطير. فإن اتخاذ القبلة إلى بيت الله الحرام بمكة فيه جذب كبير لقلوب العرب، فإن الكعبة محط أنظارهم وموضع تقديسهم وإكبارهم فإذا اتخذها محمد قبلته كان في ذلك إرضاء للروح العربية، وقد يؤدي هذا إلى انجذاب العرب نحو الدين الذي يتخذ قبلتهم قبلته، وفيه كذلك تقرب لمكة التي كانت في عداء مع محمد، وقد يؤدي هذا إلى تقارب وجهة النظر بين قريش والنبي ﷺ فيلتئم شمل قريش ومن خلفها العرب مع النبي ﷺ فيضيع اليهود في غمرة هذا الاجتماع؛ لذلك أنكروا هذا وحاولوا فتنة النبي ﷺ مرة أخرى بقولهم: إنهم يتبعونه إن هو رجع إلى قبلته الأولى، فنزل القرآن الكريم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة] . في هذا الوقت الذي اشتد فيه الجدل بين محمد واليهود، وفد على المدينة وفد من نصارى نجران عدتهم ستون راكبًا، فيهم أشرافهم ومن يئول إليه أمرهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، ولعل هذا الوفد إنما جاء إلى المدينة في هذا الوقت طمعًا في أن يزيد الخلاف شدة بين النبي ﷺ واليهود، حتى يبلغ به حد العداوة، فيريح النصرانية المتاخمة في الشام واليمن من دسائس اليهود

стр. 450

وعدوان العرب على السواء، واجتمعت الأديان الثلاثة الكبرى بمجيء هذا الوفد وبجداله النبي ﷺ وبقيام ملحمة كلامية عنيفة بين اليهودية والمسيحية والإسلام. فأما اليهود فكانوا ينكرون رسالة عيسى ومحمد إنكارًا فيه عنت وفيه مكابرة، ويزعمون أن عزيرًا ابن الله. وأما النصارى فيقولون بالتثليث وبألوهية عيسى، وأما محمد فيدعو إلى توحيد الله توحيدًا مطلقًا، وأن الرسالات جميعًا تمثل وحدة روحية واحدة من أزل الوجود إلى أبده، وكان اليهود والنصارى يسألونه عمن يؤمن بهم من الرسل فيقول كما نزل القرآن: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة] وينكر عليهم أشد الإنكار كل ما يلقي أية شبهة على وحدانية الله، ويذكر لهم أنهم حرفوا الكلم مما في كتبهم عن مواضعه، وأنهم غيروا مبادئ الرسل والنبيين الذين يقرون لهم بالنبوة، وأن ما جاء به موسى وعيسى ومن سبقهم لا يختلف في شيء عما جاء هو به؛ لأن ما جاءوا به جميعًا هو الحقيقة الخالدة التي تتكشف لكل من نزه نفسه عن الخضوع لغير الله، ونظر في الكون نظرة سامية فوق أهواء الدنيا مجردة عن الخضوع الأعمى للأوهام ولما وجد عليه آباءه وأجداده، ثم يلقي عليهم الصيغة التي أنزل الله عليه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنَ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران] . فماذا يمكن لليهود والنصارى أن يقولوا في هذه الدعوة؛ فأما النفس التي كرمت بالعقل، وأما الروح الخالصة الصادقة فلا تستطيع إلا أن تؤمن بهذا دون غيره، لكن للحياة البشرية جانبها المادي الذي يجعل الإنسان يضعف لإغراء المادة فيخضع لها، هذا الجانب المادي المصور في المال والجاه والسلطان وفي كاذب الألقاب هو الذي جعل أبا حارثة أكبر نصارى نجران علمًا ومعرفة يدلي إلى رفيق له بأنه مقتنع بما يقول محمد، فلما سأله رفيقه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ كان جوابه: "ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى"١.

стр. 451

دعا النبي ﷺ اليهود والنصارى إلى هذه الدعوة أو يلاعن النصارى، أما اليهود فقد كان بينه وبينهم عهد الموادعة؛ لكن النصارى خافوا عاقبة الملاعنة ورأوا ألا يلاعنوه، وأن يتركوه على دينه ويرجعوا على دينهم، لكنهم رأوا حرص النبي ﷺ وأصحابه على العدل فطلبوا إليه أن يبعث معهم رجلًا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا عليها من أقوالهم، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه١. وهكذا اشتد النفور بين المسلمين واليهود في المدينة وكثرت بينهم المخاصمات وبدت الكراهية والبغضاء، حتى نزل القرآن ينهى المسلمين عن الاختلاط باليهود واتخاذ بطانة لهم منهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران] ٢. ونزل يحذرهم من القعود معهم والدخول في مجالات دينية: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء] . فنجم عن ذلك أزمة بين المسلمين واليهود جعلت تشتد يومًا بعد يوم. ولم يمض أكثر من ثمانية عشر شهرًا من قدوم النبي ﷺ إلى يثرب حتى تلبد الجو بالغيوم الكثيفة بين الطرفين، وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر. وقد استمرت هذه الأزمة الشديدة إلى يوم موقعة بدر. رأينا -من قبل- أن الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار على رأس سنة من قدومه إلى يثرب، ووادع فيها اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، قد ذكرت البطون اليهودية الصغيرة التي كانت في ذلك الوقت قد اندرجت في البطون العربية وصارت تعد منها بحسب العرف القبلي، ولذلك ذكرتها الصحيفة لا بأسمائها، ولكن بأسماء البطون العربية التي تتبعها، أما قبائل اليهود الثلاث الكبرى

стр. 452

وهي: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فلم يجئ لها ذكر في الصحيفة، وإن كان قد وُضِعَ بند عام يسمح بإلحاق هذه القبائل فيما بعد: "وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم" ثم وقعت بين النبي ﷺ وبين هذه القبائل عهود أشار إليها المؤرخون وإن لم يذكروا نصها١، ويبدو أن نصوصها لم تكن تختلف عن الجوهر العام لنص الصحيفة، والأرجح أن هذه القبائل اليهودية لم تعاقد النبي ﷺ في وقت واحد، فقد ذكرت المصادر أن بني قينقاع حين أجلاهم النبي ﷺ بعد بدر كانوا هم أول من نقض العهد؛ ذكر الواقدي وابن سعد أن اليهود بعد مقتل كعب بن الأشرف وإهدار دم اليهود، فزعوا وجاءوا إلى النبي ﷺ يقولون: "لقد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا، قتل غيلة بلا جرم، ولا حدث علمناه" فقال رسول الله ﷺ : "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نالنا بالأذى وهجانا بالشعر، ولا يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف" ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتابًا. وقد كان مقتل كعب بن الأشرف بعد جلاء بني قينقاع، وقبل موقعة أحد، ومن ذلك يتبين أن بني قينقاع كانوا هم أول من تعاقد مع النبي ﷺ من القبائل اليهودية الكبرى، ولهذا ما يرجحه، فإن بني قينقاع كانوا حلفاء الخزرج، وكانت بطون الخزرج كلها قد دخلت في الإسلام، ثم إنهم كانوا يساكنون المسلمين في داخل المدينة، فكان الوضع لذلك يقتضيهم أن يتعاقدوا مع النبي ﷺ والمسلمين، أما بنو النضير وبنو قريظة فكانوا يسكنون في منطقة العوالي خارج المدينة وعلى طرف الحرة الشرقية، فكانت مساكنهم لذلك بعيدة، كما كانوا في منعة من حصونهم وآطامهم. ثم إن البطونَ التي كانت قريبة منهم من العرب بطونٌ أوسية، هي التي عرفت بأوس الله، وقد تأخر إسلام هذه البطون إلى ما بعد موقعة الخندق، فلم يكن هناك ما يحمل هؤلاء اليهود على الإسراع في معاقدة النبي ﷺ حتى إذا كان حادث كعب بن الأشرف وهو من زعماء بني النضير، وإهدار النبي ﷺ دم اليهود، وجدوا أنفسهم مهددين من جانب المسلمين

стр. 453

الذين اشتدت شوكتهم بعد انتصارهم في بدر؛ فاضطروا إلى الدخول في حلف مع النبي ﷺ . ولعل المعاهدات التي وقعها النبي ﷺ مع هذه القبائل لم تكن تشترط عليها أن تشارك معه في القتال، وهذا أمر طبيعي بعد أن فسدت الأمور بين المسلمين واليهود كما أشرنا إليه من قبل. فلم يكن النبي ﷺ يثق باليهود حتى يشترط عليهم أن يشاركوا معه في الحرب، والدليل على ذلك أن اليهود لم يشاركوا فعلًا في حروب النبي ﷺ وأن النبي ﷺ رفض الاستعانة بهم حين عرض رجال الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود في يوم أحد١، ونحن لا نوافق على ما ذهب إليه ولفنسون وغيره من أن النبي ﷺ قد غضب على بني النضير لعدم اشتراكهم معه في موقعة أحد٢؛ لأن بني النضير كانت قد بدت الخيانة منهم وممالأة العدو من قَبْلِ أحد. فإن أبا سفيان بن حرب قد نزل على سلام بن مشكم سيد بني النضير في غزوة السويق بعد بدر فقراه وسقاه وبطن له خبر الناس -أعلمه سرهم-٣. فلم يكن النبي ﷺ يقبل -والحالة هذه- أن يشتركوا في جيشه حتى لا يتعرض لخيانتها في ميدان القتال.

стр. 454

إجلاء بني قينقاع: كانت النيات قد فسدت بين المسلمين واليهود كما بينا، وكان اليهود قد بدءوا يناوشون المسلمين، ويحرضون عليهم ويدسون بينهم حتى فاضت النفوس بالعداوة، وجعل كل من الطرفين يتربص بالآخر. حتى إذا كانت غزوة بدر وانتصر المسلمون فيها انتصارًا كبيرًا على قريش، ساء اليهود هذا النصر فبدأت طوائفهم تتغامز بالمسلمين، وتغري بهم، وتحرض عليهم، حتى فاضت النفوس أي فيض، ولم ينقص الموقف إلا الشرارة التي تشعل الحريق، وكان بنو قينقاع يقيمون بداخل المدينة، وفي حيهم يقوم سوق عرف باسمهم، وكانوا صاغة يعملون في صناعة الحلي، ولإقامتهم بين المسلمين كانوا أكثر قبائل اليهود احتكاكًا، وكان وجودهم هذا مما يثير حفائظهم كما كان يشكل في الوقت نفسه خطرًا على كيان المدينة اليثربية أو فوجئت بهجوم خارجي وحدثتهم أنفسهم بالخيانة، ثم إنهم كانوا أشداء لعدم اعتمادهم على الحصون كبقية اليهود، فأغرتهم قوتهم بتحدي المسلمين فلما قدمت امرأة من الأنصار إلى سوقهم لتبيع بعض

стр. 455

حليها، وجلست إلى صائغ منهم، عبث بها بعض رجالهم، فأخذت الغيرة رجلًا من المسلمين، فشد على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، واستعدوا لمنازلة المسلمين. فلما ذهب إليهم النبي ﷺ يحذرهم عاقبة هذا العمل منهم، ويطلب إليهم التزام العهد، قالوا: "لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس"١. عند ذلك لم يبق من سبيل لعدم مقاتلتهم، وإلا تعرض المسلمون وتعرض سلطانهم للخطر. عند ذلك أمر النبي ﷺ بحصارهم، فحاصرهم المسلمون خمسة عشرة يومًا، اضطروا بعدها إلى النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه، وانتهت مشاورات النبي ﷺ وأصحابه بإجلائهم عن المدينة. وبخروج بني قينقاع خلت المدينة في داخلها من اليهود، وزال عنها خطر وجود عنصرين متحاقدين في داخلها، وبذلك أصبحت أقدر على مواجهة الاحتمالات الخارجية.

стр. 456

إجلاء بني النضير كان بنو النضير أقوى القبائل اليهودية بالمدينة، وكانت حصونهم غاية في المناعة والقوة وكانوا يعتدون بها ويعتقدون أنها قادرة عل حمايتهم، وكان العرب من حولهم يرون أنها أمنع من أن تقتحم، كما كانوا يملكون أفضل الأراضي الزراعية وأفضل النخيل، وكان زعماؤهم قد أظهروا العداوة للنبي ﷺ من يوم قدومه إلى المدينة، وظهر الحسد والبغضاء والإصرار على العداوة منهم١. فلما انتصر المسلمون يوم بدر انطلق شاعرهم كعب بن الأشرف يرسل الأشعار في هجاء المسلمين والتحريض عليهم، وذهب إلى مكة يرثي أصحاب القليب -قتلى قريش- ويحرض قريشًا على المسلمين، حتى فاضت نفوس المسلمين بالغيظ منه والحقد عليه؛ لذلك أمر النبي ﷺ بقتله. ثم إن زعيم بني النضير سلام بن مشكم آوى أبا سفيان في غزوة السويق وأطلعه على أسرار المسلمين، فكأن الخيانة في بني النضير قد ولدت مبكرة حتى إذا ما كانت معركة أحد وهزم فيها المسلمون، وبدأت القبائل العربية تتحرش بهم، حتى استدرجت عددًا منهم، وقتلتهم في الرجيع وبئر معونة -كما سنشير إليه فيما بعد - بدأ يهود بني النضير يدبرون مؤامرة خطيرة للتخلص من النبي ﷺ

стр. 457

والقضاء على الوضع القائم في يثرب كله، مستعينين في ذلك بتلك الجماعة المنافقة بزعامة عبد الله بن أبي، وقد بدأ النبي ﷺ يحس بهذا الموقف في المدينة، لذلك فكر تفكيرًا سياسيًّا بعيدًا عن مرامي الرأي، فرأى ألا شيء خير من أن يستدرجهم ليكشف عن نياتهم. حين قتل عامر بن الطفيل زعيم بني عامر رجال النبي ﷺ الذين ذهبوا إلى منطقة نجد للدعوة إلى الإسلام في بئر معونة -مكان بين حرة بني سليم وبلاد بني عامر شرقي المدينة- نجا منهم رجل هو عمرو بن أمية الضمري الذي قابل في طريقه رجلين من بني عامر فقتلهما ثأرًا بأصحابه، ولم يعلم أن معهما كتاب عهد من رسول الله ﷺ واقتضاه أن يدفع ديتهما. وذهب النبي ﷺ إلى منازل بني النضير- وكانوا حلفاء لبني عامر- في عشرة من كبار أصحابه، وطلب إليهم أن يعاونوا في دفع دية القتيلين، وأظهر اليهود الغبطة لقدومه إليهم، والاستعداد للتعاون، ولكن حين تبسط معهم وجلس إلى جوار بيت من بيوتهم، ائتمروا بينهم أن يصعد أحدهم إلى أعلى الدار فيلقي على النبي ﷺ صخرة تقتله، وأحس النبي بدقة ملاحظته روح التآمر فيهم، فقام يوهمهم أنه ذاهب لبعض حاجته وترك أصحابه وذهب توًّا إلى المدينة، وحين أبطأه أصحابه رجعوا إلى المدينة وقد أدرك اليهود أن تآمرهم قد اكتشف. وما كان النبي ﷺ يصل إلى المدينة ويجتمع بأصحابه حتى أرسل اليهود أحد رجاله وهو محمد بن مسلمة الأوسي يقول لهم: "اخرجوا من بلادي. لقد نقضتم العهد الذي جعلت بينكم بما هممتم به من الغدر بي، لقد أجلتكم عشرًا فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه" وأبلست بنو النضير فلم يجدوا لهذا الكلام دفعًا. لكن عبد الله بن أبي -رأس المنافقين وكبيرهم- أرسل إليهم يقول: "لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين ممن أطاعني من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم". وهنا نقف على أبواب مؤامرة خطيرة يدبرها اليهود والمنافقون في المدينة. ها هم بنو النضير يأتمرون بالنبي ﷺ ليقتلوه غدرًا، فلما انكشفت خطتهم، أعلن المنافقون عن المؤامرة كاملة، فإذا جبهة متكاملة تعلن خروجها، وتستعد للحرب، وتعلن في صراحة أن لديها القوة الكافية من عشائرها ومن غيرها من العرب الآخرين، وأن لديها الحصون والقلاع تحتمي بها، وأنها على استعداد لخوض غمار الحرب حتى الفناء.

стр. 458

إذن فقد كان تقدير النبي ﷺ صادقًا وكانت شكوكه في محلها، أن المدينة مهددة بالحرب الأهلية يثيرها اليهود والمنافقون ومن ينضم إليهم من الأعراب القريبين، وإذن فهو الخطر الداهم الذي لو سكت عليه النبي ﷺ لكان في ذلك القضاء على دولته، فقد أصبح الأعداء يحيطون بها في الداخل والخارج، ولكي يتغلب على هذا الموقف فلا بد من العمل السريع الحاسم، ولا بد من شجاعة وشدة يتذرع بها المسلمون، فقد أخذت اليهود في التجهز للحرب، فرمت حصونها ونقلت إليها الحجارة وشحنتها بالمؤن والذخيرة، واطمأنت إلى قوتها وإلى القوة الخارجية التي يعدها عبد الله بن أبي. وأسرع النبي ﷺ فحاصرهم، واشتبك معهم في القتال عشرين يومًا أظهر فيها اليهود كثيرًا من البسالة، واستماتوا في الدفاع عن حصونهم ودورهم، ولم ينسحبوا من دار إلا بعد أن ييأسوا من الدفاع عنها فيخربوها. وطال حصار الحصون حتى ظن المسلمون استحالة إخراجهم منها، فأمر النبي ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها حتى ييئسهم من فائدة المقاومة أو يضطرهم للخروج لقتال المسلمين في معركة مكشوفة. أما عبد الله بن أبي ومن معه، فقد استطاع النبي ﷺ أن يحول بينهم وبين الاتصال باليهود، فقد أحكم الحصار، فلم يجرؤ عبد الله على التقدم لتنفيذ وعده لليهود، وأذهلته وأصحابه القوة التي واجه بها المسلمون الموقف، وملأ الرعب نفوسهم حينما رأوا النبي ﷺ يأخذ اليهود بالشدة فيحرق بيوتهم ويقطع نخيلهم وينكل بهم؛ لذلك جبنوا عن أن يتقدموا للمشاركة في القتال، بعد أن حيل بينهم وبين الوصول إلى حصون اليهود، ويئس اليهود من عونهم، فطلبوا مصالحة النبي ﷺ فصالحهم على الخروج، لكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال وطعام وشراب ليس لهم غيره. وارتحل اليهود فمنهم من نزل بخيبر ومنهم من ارتحل إلى الشام وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من غلال وسلاح، ولكن الأرض التي تركوها كانت أفضل ما غنم المسلمون وأنفع، فقد جعلها النبي ﷺ للمهاجرين دون الأنصار الذين لم يجدوا في صدورهم حرجًا وآثروا بها المهاجرين، وبذلك استغنى المهاجرون عن معونة الأنصار فتحسنت الحالة الاقتصادية عند الطرفين. أما المنافقون، فقد ضعف أمرهم بعد أن انكشف أمرهم ودمغوا بالجبن والعار، ولم يعاقبهم النبي ﷺ ولكنه لم يعد يفكر في أمرهم كثيرًا. وفي شأن بني النضير وتآمر المنافقين معهم نزلت سورة كاملة من سور القرآن هي سورة الحشر.

стр. 459

وبخروج بني النضير، ضعف شأن اليهود بالمدينة، ولكن بقيت لهم جولة أخرى يدبرها بنو النضير بتجميع الأحزاب١.

стр. 460

القضاء على بني قريظة: استطاع رجال بني النضير الذين نزلوا في خيبر أن ينالوا منزلة كبيرة فيها، واستطاعوا أن يغزوا قريشًا بحرب النبي ﷺ وأن يجمعوا لها الأحزاب من القبائل العربية، حتى هاجموا المدينة بجيش قوي عدته عشرة آلاف به قوة كبيرة من الفرسان؛ لكن النبي استطاع أن يتجنب القتال المواجه، كما استطاع أن يوقف تقدم العدو بالخندق الذي حفره حول المنطقة التي تمكن منها اقتحام المدينة، وهي الناحية الشمالية والشمالية الغربية والشرقية، أما باقي الجهات فكان حرارًا يصعب منها الهجوم، وأعانت بنو قريظة بما قدمت للمسلمين من أدوات الحفر من مساح وكرازين ومكاتل، وتركت ناحية العوالي لم يخندق من ناحيتها اعتمادًا على الحصون اليهودية بها، إذ إن قريظة بقيت على ولائها ولم يبد منها ما يكشف عن نية سيئة، ولم تستطع جيوش الأحزاب اجتياز الخندق، ولم يكن الوقت يسمح بالحصار الطويل، إذ كان الوقت شتاء باردًا وليس للقبائل المهاجمة من الاستعداد ما تتقي به البرد للقيام على حصار طويل، لذلك تباحثوا في خطة للظفر السريع أو الانسحاب وخاف حيي بن أخطب النضري مجمِّع الأحزاب أن تفشل خطته، فعمد إلى بني قريظة يغريهم بفتح الطريق أمام جيوش الأحزاب ولم يقبل كعب بن أسد زعيم قريظة في أول الأمر أن ينقض عهده مع الرسول ﷺ ولكن حييًّا ما زال به يقول له: "ويلك يا كعب! قد جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أُحد، قد عاهدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه"١. وقال كعب: "جئتني والله بذُل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء! ويحك يا حيي!! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً٢. ولم يزل حيي به حتى نقض كعب عهده مع النبي ﷺ ولكن بعد أن أعطاه حيي عهدًا وميثاقًا لئن رجعت الأحزاب ليدخلن معه حصنه فيصيبه ما أصابه.
следующие страницы →