مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الكتاب
يتناول هذا الكتاب فترة من أهم فترات تاريخ العرب والإسلام، بل هي -في نظرنا- أهم فترات هذا التاريخ، إذ تمثل القاعدة التي تقوم عليها دراسة التاريخ الإسلامي، وبدون دراستها دراسة علمية صحيحة لا يمكن الإلمام بأحداث التاريخ الإسلامي، وفهم تطوراته في الداخل والخارج فهمًا صحيحًا.
وأحسب أن أحدًا لا يستطيع أن يزعم وصف عصر النبي ﷺ وتصوير البيئة التي نشأ فيها وقامت فيها النهضة العربية -أمر ليس له من الخطورة العظيمة في تاريخ العرب والإٍسلام ما يستحق الاهتمام الكبير: فبيئة ظهر فيها النبي ﷺ وقام فيها برسالته، وتوطدت فيها الديانة الإسلامية، بما فيها من قواعد ونظم كان لها أعظم الأثر في حياة العالم. وبيئة قامت فيها النهضة العربية؛ واندفع منها العرب إلى العالم المتمدن، فاستطاعوا أن يقوضوا سلطان أكبر إمبراطوريتين كانتا تتحكمان في عالم يومئذ، وتسيطران على مقدراته. وبيئة خرج منها عباقرة القواد ونوابغ الساسة والإداريين والحكام والقضاة؛ هذه البيئة جديرة بأن تفرد لها البحوث وتخصص لدراستها المتخصصون.
ومع الأهمية العظيمة لهذه الفترة -كقاعدة لدراسة التاريخ الإسلامي- فإنها لم تحظ بالعناية الكافية من المؤرخين القدماء والمحدثين على السواء، وظلت تدرس عل هامش الدراسات الإسلامية.
فالذين كتبوا السيرة النبوية قديمًا لم يهتموا إلا بذكر ما له علاقة بالنبي ﷺ نفسه-: من نسب وأسرة وقبيلة، وولادة وكفالة، وأسفار وزواج قبل البعثة. وقلما تطرقوا إلى ذكر شيء مما كان عليه عصره وبيئته من حالات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية، يستطيع المرء أن يقف منها على صورة وافية لما كانت عليه الحياة في عصر النبي ﷺ وما كانت عليه الأحوال في مدينة مكة التي ولد فيها وقضى أكثر سني بعثته، والتي
стр. 2
كانت بدايتها مركز النواة من النهضة العربية التي أخذت تباشيرها تظهر في أواخر العصر الجاهلي، ثم توَّجها ظهور الإسلام. ومدينة يثرب التي هاجر إليها، وأقام فيها دولة وحَّدت العرب وقادت نهضتهم الكبرى. والتي كانت بذاتها مستعدة لتلقي هذا الحدث الخطير، ثم النهوض بذلك العبء الجليل.
والنتف القليلة التي وردت في هذه الكتب القديمة عما كانت عليه الحالة قبل الإسلام، إنما كانت استطرادية من ناحية، وقد غلبت عليها مسحة التعميم والإطلاق من ناحية أخرى. كما أنه لا يخلو كثير منها من طابع الصنعة والوضع والتلفيق. وحتى أقدم هذه الكتب وأكثرها جدية وأمانة. وأشدها رغبة في التحفظ والتحوط، من أمثال سيرة ابن هشام، وهي أقدم ما حفظ لنا الزمن مما كتب في سيرة النبي ﷺ وتاريخ الطبري وهو مثل ابن شهام قدمًا وجدية وأمانة، وطبقات ابن سعد وهي كذلك من كتب السيرة القديمة المعتبرة، نجد في كثير مما روته من الروايات وسردته من الأخبار -ولاسيما فيما يتعلق بالفترة التي سبقت الإسلام- ذلك الطابع ظاهرًا من الصنعة والوضع والتلفيق، قد دونوها كما وصلت إليهم، أو نقلوها عمن سبقهم، منها ما أشاروا هم إليه، ومنها ما لم يشيروا إليه، ولكنه لا يخفي على نظر الباحث المدقق.
هذا بالإضافة إلى أن كثيرًا مما ورد من روايات وأخبار عن حالة العرب في الجاهلية، يقف منها الباحث موقف التحفظ الشديد؛ إذ يلمس فيها القصد ظاهرًا في التقليل من شأن العصر الذي سبق البعثة النبوية؛ من حيث الحضارة المادية والأدبية والمدارك العقلية. والحقيقة أن المسلمين الأولين أخذوا بالنهضة الإسلامية وفتنوا بما جاء به الإسلام من مُثل، وما حققه للعرب من وحدة وحضارة، فضربوا صفحًا عن كل ما سبقه، وكأنهم حين تخلصوا من الوثنية وعفوا عن آثارها ألحقوا بها كل ما كان من نظم الحياة وشئونها قبل الإسلام، وكأنما الأمة العربية -عندهم- ولدت بظهور الإسلام ميلادًا جديدًا.
وإلى جانب كتب السيرة توجد بعض الكتب والرسائل، وبعض الفصول والبحوث في الكتب العربية الأدبية والتاريخية والفنية عن حياة العرب قبل الإسلام وعاداتهم وتقاليدهم. غير أن هذه كلها قد كتبت بأسلوب عام مطلق، لم يتناول البيئة العربية التي نشأ فيها النبي ﷺ وقامت فيها رسالته بصورة خاصة من ناحية، وأن ما
стр. 3
ورد فيها من روايات جاءت متفرقة غير مرتبة، وقد اختلط فيها الغث بالسمين، والباطل بالصحيح؛ بحيث لا يسع الباحث إلا أن يقرأها بتحفظ شديد، وإلا أن يتردد كثيرًا في أخذها كحقائق تاريخية؛ أو حتى كروايات موثوق بها، من ناحية أخرى؛ وذلك لأن هذه الروايات ظلت محفوظة في الصدور تتداولها الألسن، ولم تدون إلا في وقت متأخر، كانت الأهواء قد لعبت فيها دورًا كبيرًا؛ بما أصاب الوحدة الإسلامية من تفكك، بظهور الفرق والأحزاب السياسية. وقد استند أصحاب هذه الكتب والرسائل والبحوث إلى هذه الروايات وأخذوها كحقائق تاريخية بنوا عليها أبحاثهم وتقريراتهم دون تمحيص على الأغلب.
وما وصل إلينا من الشعر المنسوب إلى الجاهليين -بغض النظر عن صحة نسبته إليهم أو عدم صحتها- لا يمكن أن نجد فيه مرآة صادقة للحياة العربية قبل الإسلام؛ وذلك لأن هذا الشعر إنما عَني بحياة البادية ولم يمس حياة الحضر إلا مسًّا رفيقًا هينًا، فوق أنه نحا نحوَ تمثيل الجانب المثالي في الخلق العربي من شجاعة وكرم ومروءة، وذلك لما طبعت عليه حياة الفخر والمباهاة من تمدح وتزيد، كما سلك جانب التطرف حين عدد المثالب والمذام. هذا إلى خلوه تقريبًا من تصوير الحياة العامة واقتصاره على الجانب الوجداني من حياة الأفراد.
والمؤرخون المحدثون الذين تناولوا كِتابة السيرة النبوية أو تاريخ الصدر الأول للإسلام، وتطرقوا إلى وصف مظاهر الحياة العربية في الجاهلية؛ لم يصوروا ذلك العصر وتلك البيئة تصويرًا يمكن أن يقال إن فيه غناء؛ على الرغم مما امتازت به بعض كتبهم من سلامة المنهج وقوة البحث؛ وذلك لأن بعضهم تناول موضوعًا واسعًا، وبعضهم قصد إلى معالجة جانب خاص أو تناول تاريخ الرسالة النبوية وحدها دون العناية بالحياة العربية قبلها، مع أن دراسة تاريخ الرسالة النبوية لا يمكن أن يكون واضحًا ومفهومًا إلا بدراسة العصر نفسه. ولم يتناول أحد -بصورة علمية منهجية- دراسة تاريخ المدينتين الحجازيتين -مكة والمدينة- في بحث متخصص، على اعتبار أنهما حاضرتا الحجاز، وقاعدة البيئة العربية التي قامت فيها النهضة في الجاهلية والإسلام.
وقد كتب كثير من المستشرقين عن ذلك العصر في سياق ما كتبوا عن حياة النبي ﷺ وظهور الإسلام. غير أن للمستشرقين طرائق في البحث والاستنباط قد تجعل
стр. 4
الكثيرين منهم يتحكمون تحكمًا في الآراء والنتائج، ويقعون في أوهام وأغلاط خطيرة، إما بسبب تعظيم خبر أو رواية قد لا تكون صحيحة في أصلها، أو تكون قد فهمت على غير وجهها الصحيح، أو رجحت دون مبرر صحيح للترجيح. وإما بسبب عدم القدرة على فهم روح اللغة العربية وأسرارها البلاغية. كما أن بعضهم في كثير من الأحيان يفترضون افتراضات تجعلهم يقيسون مع الفارق، ويسوغون ما لا يمكن تسويغه،؛ بسب عدم قدرتهم على فهم البيئة العربية فهمًا صحيحًا. فوق أنهم استندوا أصلًا إلى المصادر العربية القديمة وفيها من المآخذ ما أشرنا إليه، ولم تكن لهم القدرة اللغوية على تمحيص ما بها تمحيصًا صحيحًا. كما أن بعضهم قد كتب في تاريخ الإسلام لغرض معين، فكتب ما كتب بدافع الهوى، وأحيانًا بدافع الحقد. فلجئوا إلى كل شاردة من الروايات مهما كانت ضعيفة أو تافهة في سبيل تثبيت نظرية خاصة يريدون الإدلاء بها؛ فتورطوا في بحوثهم، وخرجوا بها عن جادة العلم والبحث والأمانة.
لكل ما سبق كان أمرًا ضروريًّا أن يقوم أحد الباحثين بدراسة علمية لهذه الفترة، وبخاصة تاريخ المدينتين الحجازيتين -مكة والمدينة- في العصر الجاهلي وعهد الرسول ﷺ حتى تسد هذه الثغرة الظاهرة في الدراسات العربية والإسلامية.
وإذا كنا نريد أن ندرس الحياة الجاهلية دراسة موثقة صحيحة؛ فعلينا أن ندرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، على أن يكون مرآة صادقة لهذا العصر، وليس هناك مصدر ثابت لا سبيل إلى الشك فيه غير القرآن الكريم، فضلًا عن أنه أصدق مرآة للعصر الجاهلي ولحياة الرسول ﷺ والدعوة الإسلامية نفسها.
وحين نقول: إن القرآن مرآة الحياة الجاهلية فإنما ذلك لأنه ليس من اليسير أن نفهم أن القرآن نزل ليتلى على ناس لا يفهمونه ولا يقفون على أسراره ودقائقه؛ فإن الذين تليت عليهم آياته أعجبوا به أشد الإعجاب، ولا يكون ذلك إلا أن تكون بينهم وبينه صلة، هي هذه الصلة بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه. كذلك فإن العرب قد آمن بعضهم بالقرآن وناهضه بعضهم الآخر، وجادل النبي ﷺ فيه وقاومه، ولا يكون ذلك إلا لأن الناس فهموا القرآن ووقفوا على أسراره، وإلا لما آمن به مَن آمن وجادل فيه وناهضه من جادل وقاوم، وليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب، وإلا لما فهموه ولا وعوه، ولا آمن به بعضهم وناهضه وجادل فيه آخرون. إنما كان القرآن جديدًا حقًّا في أسلوبه، وفيما يدعو إليه، وفيما شرع للناس من دين وقانون.
стр. 5
وقد عرض القرآن للحياة العربية من جوانبها المختلفة: الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فأما من الناحية الدينية، فقد رد القرآن على الوثنيين، ورد على اليهود، ورد على النصارى، وعلى الصابئة، والمجوس. وهو لم يرد على يهود فلسطين، ولا نصارى الروم، ولا مجوس الفرس، ولا صابئة الجزيرة وحدهم، وإنما رد على فرق من عرب الجزيرة العربية كانت تمثلهم وتدين بهذه الديانات والنحل كلها؛ فهو يبطل منها ما يبطل، ويؤيد منها ما يؤيد، وهو يلقى من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من سلطان على نفوس الناس، وبمقدار ما لأصحابها من قيمة وخطر في الحياة السياسية والاجتماعية في بلاد العرب. ولا نجد هذا واضحًا في مصدر من مصادر البحث يمكن أن نرجع إليه غير القرآن الكريم. فالقرآن إذن أصدق تمثيلًا لحياة العرب الدينية من كل مصدر آخر، وهو إذ يصور لنا هذا الجانب من حياتهم إنما يصورهم أصحاب دين يجادلون عنه ويقاتلون في سبيله.
والقرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها؛ وإنما يمثل حياة عقلية قوية عند العرب، فهو يمثلهم ذوي قدرة على الجدل والخصام، ويشهد لهم في هذا بقوة الجدل والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة، وهم لم يكونوا يجادلون في أمور بسيطة هينة من أمر الدين، وإنما كانوا يجادلون في مسائل عويصة معضلة أنفق الفلاسفة وينفقون فيها حياتهم دون أن يوفقوا لحلها: كانوا يجادلون في الخلق، والبعث والحساب، وفي إمكان اتصال الله تعالى بالناس، وفي الوحي والمعجزة وما إلى ذلك. والقرآن يصورهم أذكياء علماء، ولا يصفهم جهلاء ولا أغبياء، ولا يصفهم بالغلظة والخشونة كما يصفهم الواصفون.
ولا نقول هذا على العرب على الإطلاق، وإنما كان العرب كغيرهم من الأمم القديمة، منقسمين إلى طبقتين: طبقة المستنيرين الذين يمتازون بالجاه والمال والذكاء والعلم. وطبقة الذين لا يكادون يملكون حظًّا من هذا كله؛ وإنما كانوا تبعًا لسادتهم يسيرون حيث ساروا. وكذلك مثل القرآن العرب؛ فتحدث عن كبرائهم وما هم عليه من نعمة وما هم عليه من معرفة، كما تحدث عن جهالهم، وصور جفاء أعرابهم وغلظة أكبادهم وموت العاطفة عندهم.
стр. 6
والقرآن لا يمثل العرب أمة مدنية مستنيرة فحسب؛ بل ويمثلها أمة غير معتزلة لغيرها من الأمم، فهي ليست قابعة في صحاريها لا تعرف العالم ولا يعرفها العالم، وإنما كانت على صلة وثيقة بجيرانها من الأمم الأخرى، تشارك في نشاط العالم السياسي، وتهتم بسياسات الأمم الكبرى في ذلك الوقت من فرس وروم وأحباش، ولها مع هذه الأمم نشاط اقتصادي كبير؛ تحمل التجارة العالمية عبر صحرائها بين الشرق والغرب في رحلتي الشتاء والصيف. بل ويصورها القرآن عارفة بالبحر تتخذه طريقًا وتحصل منه على منافع كثيرة من الصيد والغوص، واحتفاء القرآن بالبحر وما يجري عليه من منشآت في البحر كالأعلام، ومَنُّهُ على العرب بالنعم التي يحصلون عليها من البحر كبير، يقطع بأن عرب الجزيرة العربية لم يكونوا يجهلون البحر، بل ولهم فيه نشاط ملحوظ وفائدة منه عظيمة.
فالعرب إذن لم يكونوا على غير دين، ولم يكونوا جهالًا ولا غلاظًا، ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى غيرهم من الأمم.
وكما عرض القرآن لحياة العرب الاقتصادية الخارجية، كذلك عرَض لحياتهم الداخلية. وقسمهم في هذه الناحية كذلك إلى: أغنياء مستأثرين بالثروة مسرفين في الربا، وفقراء معدمين ليس لهم من المال ما يقاومون به هؤلاء الأغنياء المرابين. وكما وقف القرآن يأخذ بيد الجهال ينير عقولهم ويرفع من كرامتهم، كذلك أخذ جانب الفقراء المستضعفين في صراحة وقوة وناضل عنهم وعن حقوقهم، وحارب المسرفين في ظلمهم. وسلك في ذلك مسالك مختلفة: من القوة والعنف حين حرم الربا وحمل على المرابين وأنذرهم بالحرب من الله ورسوله. ومن اللين والرفق حين أمر بالبر وحبب في الصداقة. ومن المزاوجة بين اللين والشدة حين فرض الزكاة وجعل للفقراء حقًّا في مال الأغنياء. كما أن القرآن عرض لتنظيم المعاملات ليحفظ الحقوق وليقيم العدالة بين المتعاملين.
وبالجملة فقد عرض القرآن لكل الحياة العربية من كافة نواحيها، لذلك كان مرآة صادقة للحياة العربية في الجاهلية.١.
стр. 7
وإذا كان القرآن مرآة للحياة الجاهلية، فهو مرآة أشد صفاء لحياة النبي ﷺ وأطوار الرسالة الإسلامية والأحداث التي مرت بها، ولا يمكن أن يكون كتاب أوفى من القرآن وأوضح في تصويره في هذه الفترة.
والمصدر الثاني الذي يجب أن نعتمد عليه بعد القرآن هو الحديث الشريف، فإن أحاديث النبي ﷺ بما فيه من أوامر ونواه، قد تناولت الحياة التي كانت جارية في ذلك الوقت، وعرضت لكل ما كان قائمًا من نظم الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية والسايسية والاقتصادية، فأقرت ما رأته صالحًا، وعدلت ما يستقيم بالتعديل، ونهت عما رأته ضارًّا أو فاحشًا من حياة الناس؛ فالحديث الشريف لذلك هو المصدر الذي يلي القرآن في الأهمية، على أن يرجع إليه في كتب الحديث الصحاح، وعلى أن يلم الباحث بما وضع علماء الحديث من قوانين التعديل والجرح لمعرفة أوثق الأحاديث.
وإذا كنا قد أخذنا القرآن والحديث مصدرين أساسيين لبحث هذه الفترة من حياة الأمة العربية، فليس معنى هذا أننا نهمل المصادرالأخرى من شعر وتاريخ وتراجم وأنساب، وكل ما عرض له القدماء من ذكر للحياة العربية. بل نأخذ من كل منها ما يعطي من طاقة؛ لتكون الصورة التي نرسمها واضحة تامة، بشرط ألا يناقض ما نأخذ منها ما له ذكر في المصدرين الأساسيين.
وأحسب أنني حين التزمت بالقيام بهذا البحث -الذي أقدمه للقراء في هذا الكتاب- قد بذلت ما في وسعي من طاقة، وأعطيته ما يتناسب مع أهمية الموضوع من جهد ووقت. وكل أملي أن أكون قد فتحت به بابًا لدراسة هذه الفترة العظيمة الأهمية من حياة العرب والإسلام. وحسبي هذا جزاء مكافئًا، والله وحده هو الذي يتولى الجزاء. ومنه الهدى وهو ولي التوفيق..
القاهرة في أول نوفمبر ١٩٦٥
الدكتور
أحمد إبراهيم الشريف
стр. 8
جغرافية الجزيرة العربية والتشكيل القبلي
شبه جزيرة العرب
*
...
الفصل الأول: شبه جزيرة العرب
هي أكبر شبه جزيرة في العالم، يبلغ متوسط عرضها سَبعمائة ميل، ومنتهى طولها ألف ومائتا ميل، ومساحتها تبلغ حوالي مليون مربع١.
ويطلق العرب عليها -تجاوزًا- اسم جزيرة العرب٢؛ يرون البحار والأنهار تكاد تحيط بها من جميع أقطارها وأطرافها، فالخليج العربي، والبحر العربي، والبحر الأحمر تحدها من الشرق والجنوب والغرب، ويكمل الفرات الحد الشرقي. كما يكمل النيل الحد الغربي؛ ليلتقيا بالحد الشمالي وهو البحر المتوسط. وهذا التحديد الذي يقول به الهمداني يدخل بلاد الشام كلها، والبادية التي بين العراق والشام، وبادية سيناء في جزيرة العرب٣، وهو يتفق مع التحديد الذي قال به "هيرودوت" حيث اعتبر النيل الحد الغربي لقارة آسيا وجعل صحراء مصر الشرقية كما هي معروفة الآن جزءًا من الجزيرة العربية٤، والفارق بين تحديد الهمداني وهيرودوت أن الأول لم يدخل صحراء مصر الشرقية في جزيرة العرب. وبتحديد الهمداني أخذ بعض الجغرافيين المحدثين٥، ويختلف الجغرافيون في الحد الشمالي؛ فمنهم من يجعله صحراء النفود، وبذلك يخرجون بادية الشام من جزيرة العرب، غير أن طبيعة الأرض الجيولوجية تدخل بادية الشام وسيناء فيها، إذ إنها جزء لا يختلف من حيث طبيعته الصحراوية وخواصه عن سائر أنحاء بلاد العرب٦.
стр. 9
وعلى ذلك فحد جزيرة العرب من الشرق بحر عمان وخليج البصرة -خليج العرب- ونهر الفرات، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الغرب البحر الأحمر وبرزخ السويس -قناة السويس حاليًا- ومن الشمال البحر المتوسط.
وتحتل جزيرة العرب موقعًا ممتازًا بين قارات العالم الثلاث القديمة، فهي تقع في الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا، كما تتصل بالقارة الأفريقية في ركنها الشمالي الشرقي حيث برزخ السويس قديمًا وقناة السويس في الوقت الحاضر، كما أنها تشرف بحدها الشمالي على شرق البحر المتوسط الذي يصلها بقارة أوربا. أما من ناحية الخريطة الحضارية للعالم قبيل الإسلام؛ فإنها تقع عند نقطة التقاء الحضارتين السائدتين يومئذ وهما حضارة الفرس وحضارة والروم.
وإذا نظرنا نظرة عامة إلى خريطة بلاد العرب رأينا أنها أرَضون واسعة تنحدر تضاريسها من الغرب نحو الشرق، وهي مرتفعة في الغرب حيث جبال السراة١ الممتدة من سورية وفلسطين إلى اليمن. وهي توازي ساحل البحر الأحمر وتقترب منه في مواضع عديدة. ويتراوح ارتفاع هذه الجبال ما بين عشرة آلاف قدم وثلاثة آلاف قدم. فتبلغ قممها في الشمال -في مدين- وفي الجنوب -في اليمن وعسير- حوالي عشرة آلاف قدم، بينما تكون خلف مكة ثمانية آلاف قدم، وقرب المدينة تبلغ ثلاثة آلاف قدم٢، وتحصر بينها وبين ساحل البحر الأحمر أرض سهلية ضيقة تعرف بتهامة، تشرف عليها هذه المرتفعات وتنحدر إليها انحدارًا شديدًا قصيرًا، وسواحلها المهيمنة على البحر يصعب رسو السفن فيها لخلوها من المرافئ الصالحة، ولوجود الشعب المرجانية التي تمتد في بعض المواضع بعيدًا في البحر ٣.
وتتألف الأراضي الوسطى من هضبة تسمى نجد، وتختلف في الارتفاع ما بين ستة آلاف قدم إلى أربعة آلاف قدم ما بين عسير والطائف، وإلى ألفين ومائتي قدم عند العلا٤. وحد نجد الغرب واضح بجبال السراة. أما حدها الشرقي فهو غير واضح وربما امتد إلى قرب خليج العرب.
стр. 10
وتمتد في الأقسام الجنوبية من شبه الجزيرة سلاسل من الجبال متفاوتة الارتفاع تشرف على المنخفضات الساحلية، وتكثر في الوديان التي تفصل بين هذه السلاسل الجبلية وتأخذ مختلف الاتجاهات، حيث تمثل اتجاهات المياه والسيول. ويبلغ ارتفاع الجبل الأخضر الذي يقع في الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة، أي في عمان، زهاء عشرة آلاف قدم١.
وللحِرار أهمية خاصة في التشكيل الجغرافي للجزيرة العربية، وهي تكثر في شبه جزيرة العرب وخاصة في الأقسام الغربية. وتمتد حتى تتصل بالحرار التي في بلاد الشام في حوران ولا سيما في الصفاة٢، كما توجد في المناطق الشرقية الجنوبية من نجد، وفي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، وقد ذكر علماء العرب من المؤرخين والجغرافيين أسماء عدد منها، كما عثر السياح الأجانب على عدد منها٣.
والحرة أرض بركانية وجمعها حرار، يقال لها اللابة واللوبة٤ وقد تكونت من فعل البراكين، ويشاهد منها نوعان: نوع يتألف من فجوات البراكين نفسها، ونوع يتألف من حممها اللابة Lava التي كانت تقذفها فتسيل على جوانب الفتحة، ثم تبرد وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركامًا من الأحجار البركانية التي تغطي الأرض بطبقات قد تكون رقيقة وقد تكون سميكة، وقد وصفها العلماء فقالوا: الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار٥، ويكون ما تحتها أرضًا غليظة من قاع ليس بأسود، وإنما سودها كثرة حجارتها وتدانيها. وتكون الحرة مستديرة فإذا كان لها امتداد مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع٦.
стр. 11
وقد اشتهر كثير من مناطق الحرار بالخصب والنماء، وبكثرة المياه فيها؛ ولا سيما حرار المدينة التي استغلت استغلالًا جيدًا، ومنها خبير فكثرت قراها وكثر سكانها. حتى قيل إنها خير قرى عربية، غير أن ظهور العيون فيها بكثرة، جعلها موطنًا من مواطن الحمى. اشتهر أمرها في الحجاز، حتى قيل حمى خيبر١.
أما من الناحية الهدروجرافية فإن بلاد العرب في الوقت الحاضر في جملة البلاد التي تكاد تنعدم فيها الأنهار والبحيرات، ويندر سقوط الأمطار عليها؛ ولذلك صارت أكثر بقاعها صحراوية قليلة السكان. غير أنها كثيرة الأودية التي تسيل في بعضها المياه عند سقوط الأمطار، وبعضها طويل يسير في اتجاه ميل الأرض. كما أن بعضها الآخر وبخاصة التي تصب في البحر الأحمر قصير عميق المجرى شديد الانحدار، تنحدر فيه السيول بشدة إلى البحر فتضيع فيه، وربما كانت في بعض الأحيان خطرًا يهدد القوافل والمدن والأملاك، ويأتي على الناس بأفدح الخسائر ٢.
وليس في شبه جزيرة العرب نهر واحد بالمعنى المعروف من الأنهار ٣، وما فيها من جداول غير صالح للملاحة٤، فهي إما قصيرة سريعة الجريان شديدة الانحدار، أو ضحلة تجف في بعض المواسم. غير أن العلماء يستنتجون من اتجاه الأودية ومن وجود العاديات والخرائب وآثار السكنى على أطرافها، والترسبات التي تمثل قيعان الأنهار، أن هذه الأودية كانت في الحقيقة أنهارًا في يوم من الأيام، وأن جوانبها كانت مأهولة بالسكان زاخرة بالحياة، ويؤيد هذا الاستنتاج ما ورد في كتب اليونان والرومان من وجود أنهار طويلة في بلاد العرب، فقد ذكر هيرودوت اسم نهر دعاه كورس قال عنه: إنه من الأنهار العظيمة، وإنه يصب في البحر الأريتري ٥. ويقصد به البحر الأحمر.
стр. 12
ويرى بعض العلماء أن المكان الذي ذكره هيرودوت هو وادي الحمض المار بشمالي قرح١. -على مسافة ٤٣ كيلو مترًا من الحجر-. وقد كانت عامرة فيما مضى بالزروع والبساتين وهي المعروفة ببساتين قرح، ويوجد بالقرب منها سقيا يزيد، أو قصر عنتر، كما تسمى في الوقت الحاضر على بعد ٩٨ ميلًا من شمال المدينة٢. كما ذكر بطليموس اسم نهر عظيم سماه lar زعم أنه ينبع من منطقة نجران، أي من الجانب الشرقي من السلسلة الجبلية، ثم يسير نحو الجهة الشمالية الشرقية مخترقًا بلاد العرب حتى يصب في الخليج العربي٣. ويرى بعض العلماء أن هذا النهر الذي يشير إليه بطليموس هو وادي الدواسر، والذي تمده بعض الأودية المتجهة من سلاسل جبال اليمن بمياه السيول٤.
ومن آثار السدود والنواظم التي ترجع إلى ما قبل الإسلام يمكن الاستدلال على أن العرب كانوا على علم واسع بتنظيم أمور الإرواء، والاستفادة من مياه الأمطار والسيول والأنهار، كما تدل كثرة المصطلحات في اللهجات العربية الشمالية والجنوبية على معرفة العرب بأنواع الآبار، والسدود، والمساك، والنحايت وغير ذلك من الوسائل التي استخدمت للحصول على الماء ٥.
وإذا كانت البحار تحيط بجزيرة العرب؛ فإن الجو البحري لم يستطع أن يخفف من حدة الحرارة فيها أو يتغلب على جفافها، فإن الأبخرة المتصاعدة من البحر لا تكاد تصل إلى أواسط الجزيرة العربية، إذ إن الرياح السمائم الشديدة الحر تقاومها مقاومة شديدة، وتمنعها في الغالب من الوصول إلى أواسط شبه الجزيرة ٦، على أن الأقسام
стр. 13
الجنوبية كثيرة المطر، تجلبه إليها الرياح الموسمية. ولأهل اليمن عناية بتصريف المياه والانتفاع بها منذ زمن بعيد، وقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان في اليمن من حضارة وعمران وخصب ورخاء فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ] . أما بقية بلاد العرب فتتكون من صحار، وسهول تغلب عليها الطبيعة الصحراوية.
وتدل البحوث والدراسات التي قام بها السياح والعلماء عن بلاد العرب. على أن تغييرًا كبيرًا طرأ على جوها، وأن هذا الجفاف الذي نعهده الآن في هذه البلاد لم يكن على النحو الذي كانت عليه في العصور التي سبقت الإسلام، وأن ذلك الجفاف أثر تأثيرًا كبيرًا في شبه جزيرة العرب. فجعل أكثر بقاعها صحاري جرداء؛ كما أثر في حالة سكانها، فقاوم نشوء المجتمعات الكبرى وأثر تأثيرًا خطيرًا في تاريخ الأمة العربية، وفي حدوث الهجرات١.
ويرى العلماء أن الرياح الغربية الباردة المشبعة بالرطوبة كانت تصل إلى أرض شبه الجزيرة العربية وتنزل المطر عليها، وأن هذه البقاع الصحراوية كانت خضراء آهلة بالسكان، فمثلًا المنطقة الواقعة بين العلا، ومُعان من المناطق الصحراوية الآن، وقد كانت من مناطق الغابات المكتظة بالأشجار المملوءة بالحيوانات المفترسة٢.
وكانت جبال الطائف تمون مكة بالأخشاب الصالحة للبناء والوقود؛ كذلك المنطقة الواقعة بين مكة وعرفة كانت حتى القرن السادس عشر الميلادي مغطاة بالأشجار وبالعوسج والسلم، وهي من الشجيرات الصحراوية، وقد عرف وادي القرى -الذي لا بد أن يكون قد سمي بذلك لكثرة القرى فيه -بكثرة بساتينه ومياهه وقراه، وهو طريق عالمي قديم تسلكه القوافل في طريقها بين الشام واليمن، أما اليوم فقد جفت ينابيعه وفقد أكثر قراه، واضطر أهله إلى الهجرة أو إلى المعيشة المتنقلة كما يفعل الأعراب٣. كما أن المسافة بين اليمن والشام كانت عامرة بالقرى زاخرة بالحياة، حتى إن المسافر لم يكن في حاجة إلى التزود ٤، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك في حديثه
стр. 14
على السبئيين: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ] ١. وهناك أمثلة تاريخية كثيرة ذكرت عن أقوام هلكت كعاد وثمود وأصحاب الأيكة٢، ومدن ذكرها الكتاب اليونانيون والرومان لم يبق لها أثر، وكتابات عثر عليها السياح في مواضع صحراوية مهجورة٣. كل ذلك يدل على مدى التغيير الذي طرأ على بلاد العرب -سواء أكان من الناحية المناخية أم من الناحية الجيولوجية ٤- فأدى إلى مقاومة الحضارة، ومنع نشوء المجتمعات الكبرى بها، وحول أراضيها إلى بقاع صحراوية، وطبع الحياة فيها بطابع الرحلة والانعزالية الاجتماعية والسياسية. ويميل كثير من السياح وعلماء طبقات الأرض الذين جابوا أنحاء شبه الجزيرة إلى تأييد القول بظهور الجفاف في الألف الثاني قبل الميلاد٥.
стр. 15
أقسام شبه الجزيرة العربية
قسم العرب جزيرتهم تقسيمًا مسايرًا لطبيعتها الجغرافية إلى خمسة أقسام، وهي: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن. وزاد الإصطخري وابن حوقل ثلاثة أصقاع هي بادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام١.
ويجمل الهمداني أقوال الجغرافيين العرب عن هذا التقسيم فيما يلي:-
فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزولها وتوالدوا فيها على خمسة أقسام عند العرب في أشعارها وأخبارها: تهامة - الحجاز- نجد- العروض- اليمن. وذلك أن جبل السراة، وهو أعظم جبال العرب وأذكرها، أقبل من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام، فسمته العرب حجازًا؛ لأنه حجز بين الغور وتهامة وهو هابط، وبين نجد
стр. 16
وهو ظاهر. فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها، ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها وغار من أرضها: الغور؛ غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله. وصار ما دون ذلك الجبل من شرقيه من صحاري نجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجدًا، ونجد تجمع ذلك كله.
وصار الجبل نفسه سراته، وهوالحجاز، وما احتجز به في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيد والجبلين إلى المدينة، وراجعًا إلى أرض مذحج من تثليث وما دونها: حجازًا، والحجاز يجمع ذلك كله.
وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما: العروض، وفيها نجد وغور لقربها من البحر، وانخفاض مواضع منها ومسايل أودية فيها، والعروض يجمع ذلك كله.
وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء، وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان، وما يلي ذلك: اليمن، وفيها التهائم والنجد. واليمن تجمع ذلك كله.
هذا إجمال تقسيم الجزيرة تقسيمًا طبيعيًّا كما يراه جغرافيو العرب. والقسم الذي يهمنا الحديث عنه في هذا البحث هو الحجاز؛ ولذلك نعرض له بشيء من التفصيل:
стр. 17
الحجاز
يقول الجغرافيون العرب: إن الحجاز هو الجبال الحاجزة بين الأرض العالية نجد وبين الساحل الواطئ تهامة، فهو إذن الجبال الممتدة من خليج العقبة إلى عسير. لكن اسم الحجاز في العرف يشمل تهامة أيضًا، وقد عد بعض العلماء تبوك وفلسطين من أرض الحجاز١. طول الحجاز من الشمال إلى الجنوب حوالي ٧٠٠ ميل، وعرضه من الشرق إلى الغرب ٣٥٠ ميلًا٢. وتعد جبال السراة العمود الفقري لشبه جزيرة العرب. ويجعلها الجغرافيون العرب قاعدة لتقسيماتهم، كما أشرنا من قبل، وتتصل السلاسل بسلسلة جبال الشام المهيمنة على البادية، وبعض قمم هذه الجبال الحجازية
стр. 18
مرتفعة وقد تتساقط الثلوج عليها كجبل دباغ الذي يرتفع ٢.٣٠٠ م عن سطح البحر. وجبل وتر، وجبل شيبان. وتنخفض هذه السلاسل عن دنوها من مكة فتكون القمم في أوطأ ارتفاع لها، ثم تعود بعد ذلك للعلو، فتصل في اليمن إلى مستوى عال حيث تتساقط الثلوج على قممها١. ومن جبال الحجاز الجبال الواقعة في منطقة الطائف ومكة والمدينة، وجبال الطائف يبلغ علوها ستمائة متر، وجبل كَرَا في الطريق بين مكة والطائف ويبلغ علوه مائتي متر. وجبل رضوى بين المدينة وينبع ويرتفع إلى مائتي متر، وقد قال عنه ياقوت: إنه جبل منيف ذو شعاب وأودية، وإنه كثير المياه والأشجار٢. وقد ذكر الشعراء جبل رضوى كثيرًا. واتخذه العرب مثلًا للعزة والرسوخ٣.
أما منطقة السهول الواقعة بين جبال السراة والبحر الأحمر فهي سهول ضيقة في الغالب، تعرف بتهامة، تتغير في الاتساع من الجنوب إلى الشمال، فتكون عند اليمن حوالي ٤٠ ميلًا، ثم تأخذ في الضيق حتى تبلغ أقصى ضيق لها عند العقبة٤، وهذه السواحل حارة رطبة في الغالب غير صحية في بعض الأماكن ٥. ويطلق على أقسام التهائم الغور، أو السافلة لانخفاض بقاعها ٦، ويقال القسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحَسْمى نسبة إلى سلسلة الجبال المسماة بهذا الاسم ٧. وهو ما يلي أيلة إلى الجنوب، وتتخللها أودية محصورة بين التيه وأيلة من جهة، وأرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل بقرب خيبر من جهة أخرى. وكانت تسكنها في الجاهلية قبائل جذام ٨.
стр. 19
أودية الحجاز:
وفي الحجاز أودية تسيل من الحرار صوب الشرق والغرب إلى نجد من ناحية. وتهامة فبحر القلزم -البحر الأحمر- من ناحية أخرى. وأعظم أودية الحجاز وادي إضم، ويسمى اليوم وادي الحمض الذي سبق الإشارة إليه؛ وهو يسيل من الجنوب الشرقي لحرة خيبر، ويسير نحو الجنوب الغربي حتى يقارب يثرب. حيث تتصل به أودية فرعية منها وادي العقيق، ويتصل به كذلك وادي القرى، وهو يستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من العيون التي عند خيبر، ثم يتجه غربًا حيث يصب في البحر الأحمر جنوب قرية الوجه١. وعند هذا المصب بقايا قرية يونانية قديمة وبقايا معبد يعرف عند الأهالي باسم: كصر كريم٢ وهي من بقايا المستعمرات اليونانية التي اتخذها التجار اليونانيون عند ساحل البحر لحماية سفنهم من القرصان وللاتجار مع الأعراب، ولتموين سفنهم بما تحتاج إليه من ماء وزاد. ويبلغ طول وادي الحمض زهاء ٩٠٠ كيلو متر٣.
ويبدأ وادي الرُّمة بالحجاز عند حرة فدك من التقاء بضعة أودية، ثم يتجه نحو الشرق حتى يصل إلى القصيم. ويبلغ طوله أكثر من ٩٥٠ كيلو مترًا ٤.
ومن أودية الحجاز وادي الصفراء، وهو واد كثير النخل والزرع في طريق الحاج سلكه رسول الله ﷺ غير مرة، وبينه وبين بدر مرحلة، وعليه قرية الصفراء، وهي قرية كثيرة النخل والزرع وماؤها عيون تجري إلى ينبع، وهي لجهينة والأنصار ولبني فهر ونهد ورضوى ٥.
ووادي القرى واد مهم يقع بين تيماء وخيبر؛ ويمر به طريق القوافل القديم الذي كان شريانًا من شرايين الحركة التجارية في العالم القديم، ويقال له وادي الديدبان ٦.
стр. 20
وكان عامرًا جدًّا تكثر فيه المياه، وتشاهد فيه إلى اليوم آثار المدن والقرى١، التي كانت متصلة على طول الطريق من سبأ إلى الشام٢، وقدعثر فيه على كتابات كثيرة لِحيانية ومعينية وسبئية وغيرها٣.
стр. 21
مدن الحجاز:
ويشتمل الحجاز على مدن وقرى كثيرة أهمها مصرًا بلاد العرب: مكة والمدينة أويثرب، كما توجد به الطائف وخيبر، ووادي القرى.
والاعتبارات الجغرافية والاقتصادية هي التي ساعدت على نشوء هذه المدن الحجازية فالحجاز -كما قلنا- إقليم جبلي مساير للبحر الأحمر من الجنوب إلى الشمال، من اليمن إلى فلسطين، وكان يمر به أحد طريقي التجارة البريين الهاميين بين الشرق والغرب مبتدئًا من مواني اليمن مخترقًا تهامة والحجاز، مارًّا بمكة ويثرب. حتى يصل إلى أيلة على خليج العقبة، ثم مواني البحر المتوسط. والتجارة بين الشرق والغرب هامة جدًّا وضرورية، وذلك لاختلاف المناخ بين أقطار الشرق الهندي والغرب الأوربي، مما استتبع اختلاف الغلات وحاجة كل منهما إلى منتجات الآخر، وفي هذا نجد سر الأهمية الكبيرة التي اتفقت لِتَدْمُر المدينة القديمة الواقعة في البادية، فكانت تحمي القوافل وتضمن سلامة المواصلات١. وأصبح العرب، بعد أن خرب الرومان تدمر، سادة مطلقين لتلك الطرق بالتدريج، وقد أعانهم معرفتهم بالبادية ودروبها وتعودهم الحياة فيها، على أن يتصرفوا تصرف السادة في تلك البقاع بلا منازع، كما مكنتهم تربيتهم للإبل -وهي الحيوان الوحيد القادر على السير في الصحراء مدة طويلة- من نقل المتاجر والقيام على تنظيم القوافل؛ والإبل معروفة منذ أقدم الأزمنة التاريخية
стр. 22
في الجزيرة العربية؛ فقد وجدت رسومها على النقوش١. وتحدثت عنها التوراة٢. وتنظيم القوافل استتبع اتخاذ محطات ومنازل لإراحتها وتزويدها بما تحتاج إليه من ماء. ومن البديهي أنه عندما تريد قافلة أن تنزل لتريح دوابها، لابد أن تختار مكانًا مناسبًا يتوافر فيه الخصب والماء لتجد الإبل ما تطعمه ولتتزود القافلة بالماء، كذلك يتوفر فيه حصانة الموقع حتى تطمئن إلى حراسة الأموال والتجارة التي معها. وعلى مر الزمن صارت محطات هذه القوافل ومنازلها مدنًا شيئًا فشيئًا، وكانت أغلب هذه المدن في الحجاز، وأهمها:
стр. 23
مكة:
وتقع في واد على شكل سهل منبسط محاط بجبال ذات شعاب١ تحيط بالوادي إحاطة كاملة. وقد أغنت على مر الزمن عن بناء سور لحماية المدينة. فمن الممكن للقافلة التي تنزل في هذه البقعة أن تتحصن في هذه الشعاب بواسطة حراسها، كما يوجد بها بئر يستقي منه المسافر وهو بئر زمزم. وبمكة وجد البيت الحرام الذي عاصر أولية هذه المدينة بل إنه -كما تقول الروايات- هو أول بناء فيها، وقد أكسبها حرمة وقدسية وجعلها مهوى أفئدة العرب جميعًا، الأمر الذي ضمن لها التفوق على غيرها من مدن الحجاز. وإذن فكل ما تتطلبه القافلة المسافرة في بلاد قاحلة متوافر فيها.
стр. 24
الطائف:
وتقع على بعد خمسة وسبعين ميلًا إلى الجنوب الشرقي من مكة، على ربوة عالية يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر خمسة آلاف قدم، على ظهر جبل غزوان١. وتحف بها وديان كثيرة تسيل فيها المياه في موسم الأمطار، وحولها عيون وآبار كثيرة، وهي خصيبة تنبت الأشجار والفواكه والحبوب إلى الوقت الحاضر، كما أن جوها لطيف بالنسبة لعلوها، فاعتدال الجو وخصوبة التربة حببا إلى المسافر أن ينزل فيها وإلى المستعمر أن ينتجعها.
стр. 25
يثرب:
وتقع على بعد ثلاثمائة ميل إلى الشمال من مكة، كما تبعد ينبع عن مينائها على البحر الأحمر مائة وثلاثين ميلًا١. وهي في أرض بركانية بين حرتين، وقد اشتهرت بالخصب والنماء، وفي شمالها جبل أحد. ومن أوديتها وادي العقيق الذي تصب فيه مياه عذبة، كما أن المزارع تحيط بها من جميع الجهات ماعدا الجهة الغربية٢ والمسافر يجد فيها كما يجد المقيم حاجته من زاد وأمن.
ونحن لا نستطيع تحديد أولية هذه المدن فهي من أقدم العصور، ولا شك أن التجارة كان لها شأن كبير في إقامة هذه المدن وظهورها، وخاصة مكة التي تعتمد اعتمادًا كليًّا في حياتها على ما يجلب لها من الخارج لعدم وجود الزراعة بها، فموقع الحجاز بين الشام واليمن، وكونه ممرًّا واستراحة للقوافل، ساعد على أن تقوم به هذه المدن التجارية. وفي أجزاء كثيرة من العالم، في أوربا وأفريقيا وآسيا عرف التاريخ مدنًا قامت للتجارة، وكانت كل مدينة من هذه المدن ذات نظام سياسي مستقل، عرف في التاريخ باسم الدول المدينية.
وأظهر مثل لهذه الدولة المدينية، المدن اليونانية في التاريخ القديم، والمدن الإيطالية في العصور الوسطى مثل: جنوه، والبندقية، وفلورنسة.
وكانت مكة والمدينة -يثرب- من هذا النوع من المدن. وكانت مكة لموقعها المتوسط بين الشام واليمن٣، وعلى طريق التجارة، مركزًا هامًّا جدًّا، بل إنها في القرن السادس الميلادي كانت أهم المراكز التجارية في شبه جزيرة العرب٤، وأما المدينة -يثرب- فلا بد من أنها كانت منافسة لمكة لوقوعها على نفس الطريق، غير أن وحدة السكان في مكة ووجود البيت الحرام بها، جعلها أقدر من يثرب على التفوق التجاري والثقافي وأظهر في التنظيم الإداري -كما سوف نبين فيما بعد- وإن كانت
стр. 26
يثرب تتفوق من الناحية الزراعية لوجود زراعات حولها تعتمد على العيون الكثيرة١، على أن المدينتين غير قادرتين بمواردهما الخاصة على إعاشة سكانهما؛ فهما يجلبان الميرة من المدينتين الواقعتين على ساحل البحر الأحمر والصالحتين لتكونا مرأفين لهما، وهما ينبع ميناء المدينة وجدة ميناء مكة.
стр. 27
المناخ:
وتختلف مناطق الحجاز من الناحية المناخية، كما تختلف من الناحية الطبيعية؛ فهناك مناطق جدباء شديدة الحرارة شحيحة المياه، محاطة بالجبال يعيش أهلها على ما يجلب إليها من الرزق جلبًا من الخارج، ومن هذه المناطق منطقة مكة التي تقوم في واد غير ذي زرع١ والتي كانت تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وكان أهلها يرون في حرمة البيت الحرام الذي يقوم فيها، وهوى أفئدة الناس إليهم، سبب معاشهم وأمنهم وحرمتهم؛ ولذلك لم يسرعوا إلى متابعة محمد ﷺ لما بعث فيهم نبيًّا يدعو إلى الإسلام، مخافة حرمانهم من هذه الميزات التي يستمتعون بها ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص] .
كما أنها كانت شديدة الحرارة يهرع أهلها إلى الظلال وإلى أكنان الجبال التي تحيط بها يحتمون بها من الحر٢، وهذا ما أعطى أهمية كبرى لجبال مكة. كذلك كانت مكة شحيحة المياه، وهذا ما جعل مهمة السقاية، وهي توفير الماء للحجاج، فضيلة عظيمة في نظر أهلها٣، وهذا يجعلنا ندرك الحفاوة البالغة التي أسبغت على رواية حفر بئر زمزم بها٤.
стр. 28
على أنه كانت هناك أجزاء أخرى تجود فيها التربة وتنزل الأمطار التي قد يبلغ من غزارتها أن تتوالى الصواعق وتتهدم البيوت١ وتخرب الطرق. وتنبت من كل زوج وصنف من الزروع والأشجار، وقد تحدث القرآن الكريم في آيات عديدة منوهًا بما ينزل الله من الأمطار ويفجر من العيون، وما ينبت من الزروع والأشجار من أعناب ونخيل ورومان وزيتون وحبوب وكلأ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ٢ [الأنعام] وهذه الآيات يوجهها القرآن ويخاطب بها أهل الحجاز بل وأهل مكة في الدرجة الأولى، وهي تشير إلى ما كان في الحجاز نفسه، وفي الأنحاء المجاورة لمكة بنوع خاص، من مناطق تجود فيها التربة وتغزر الأمطار وينبت الزرع والأشجار، والآيات وإن لم تعين هذه المناطق كما عينت منطقة مكة بالبيت الحرام، فإنها معينة واقعيًا وهي الطائف وأرباضها، والوديان التي بين مكة وجدة، ويثرب٣ وأرباضها، فهذه المناطق لا تزال تحتفظ إلى الآن بكثير من الينابيع٤ والوديان وتتمتع بخضرة السهول وجنات النخيل والأعناب ومختلف الفواكه والزروع.
إلا أن الجفاف الذي لحق بلاد العرب جميعًا -والحجاز منها- قد جعل أغلب أراضيها صحراء جرداء، وباعد بين مراكز الاستقرار بها. وقد أثر ذلك تأثيرًا كبيرًا على الحياة الاجتماعية، والسياسية في شبه الجزيرة العربية، وعاق نشر المجتمعات الكبرى بها، ومن ثم اعتمدت في حياتها السياسية والاجتماعية على النظام القبلي، سواء في البادية، أو في البلاد التي قامت بها ممالك وحكومات منظمة، أو في المدن السياسية City states التي نشأت على طرق التجارة مثل مكة والمدينة، وأصبحت القبيلة هي وحدة المجتمع العربي بوجه عام.
стр. 29
القبيلة العربية
مدخل
...
الفصل الثاني: القبيلة العربية
لم تكن بلاد العرب قبل ظهور الإسلام دولة عربية بالمعنى الذي نفهمه الآن من الدولة، فإن الدولة State من حيث هي نظام منفصل عن الجماعة ومستقل عنها في وظيفته؛ ومن حيث إن لهذا النظام سلطانًا يخضع له الناس، لم يكن موجودًا في بلاد العرب. وإنما كانت الدولة عندهم هي الجماعة في جملتها، ولم تكن هيئة لها نظامها الخاص ولا كانت لها أرض محددة، فليس هناك موظفون يدبرون شئون الجماعة بالمعنى الذي نعرفه في الدولة، بل كان هناك كيان اجتماعي طبيعي بالغ درجة النماء عرف باسم القبيلة يقوم فيه رؤساء العشائر والبطون برعاية شئون الجماعة، ويذكر الرحالة دوتي Daughly أنه رأى في أهل البادية في هذا القرن العشرين من لا يصور الدولة إلا على أنها قبيلة ويقيس قوتها بما تملك من الإبل١.
وكذلك الحال بالنسبة للمدن، فلم تكن المدينة Polis هي الوحدة السياسية كما كان الحال عند اليونان. بل كانت القبيلة هي هذه الوحدة مثل قريش في مكة وثقيف في الطائف، وقد جرى عرف العرب على الانتساب إلى القبائل لا إلى المدن، بل لم يعرف الانتساب إلى المدن إلا في القرن الثاني للهجرة.
أما مفهوم الأمة عندهم، فلم تكن تتميز عن الأسرة إلا أنها أكبر، وكانت اللُّحمة التي تؤلف بين أفرادها هي نفس اللحمة التي تربط بين أفراد الأسرة ونعني لُحمة الدم، فكانت وحدة الجماعة تقوم على تقديس الدم، وعلى تقديس هذه اللحمة تقديسًا تلقائيًّا دون حاجة إلى قوة من خارج تقهر الجماعة على التماسك، وكان الاشتراك في النسب،
стр. 30
أو الاعتقاد بهذا الاشتراك -وهما من حيث النتائج العملية شيء واحد- بمثابة الروح التي تجعل القبيلة كالجسد الحي١.
وقد وجد نظام حضري تام في أطراف الجزيرة العربية. فقد قامت ممالك اليمن في الجنوب، كما قامت مملكة الحيرة في الشمال الشرقي، ومملكة غسان في الشمال الغربي، لكن القبيلة كانت وحدة النظام السياسي والاجتماعي في هذه الممالك، فلم تنصهر الجماعة فيها في شعب واحد كالشعب المصري أو الشعب الروماني مثلًا، وإنما ظلت القبائل وحدات قائمة متمسكة بكيانها.
من كل ذلك نرى أن الفكرة القبلية هي جوهر الحياة السياسية والاجتماعية، ثم ضاعت منها القوة السياسية، وظلت وحدة المجتمع العربي في الإسلام.
والقبيلة العربية مجموعة من الناس، كانت تؤمن بوجود رابطة تجمعهم تقوم على أساسين: من وحدة الدم، ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة نشأ قانون عرفي ينظم العلاقة بين الفرد والجماعة على أساس من التضامن بينهما في الحقوق والواجبات، وهذا القانون العرفي كانت القبيلة تتمسك به أشد التمسك في نظامها السياسي والاجتماعي على السواء.
стр. 31
النظام السياسي للقبيلة العربية
مدخل
...
النظام السياسي للقبيلة العربية:
كانت الروح الديمقراطية تسود المجتمع القبلي، فكان لكل قبيلة رئيس يقال له السيد أو شيخ القبيلة، وأحيانًا يطلقون عليه -تجوزًا- الأمير أو الملك. وهذا السيد تنتخبه القبيلة، ولكنه لم يكن انتخابًا بالمعنى المفهوم لدينا الآن؛ وإنما كان اختيارًا تلقائيًّا، فكل رجل في القبيلة فاق الآخرين في الفضائل التي منها الشجاعة والجود والغيرة وسعة الثروة وسداد الرأي وكمال التجربة مع كبر السن، يمكنه بهذه الصفات الممتازة الكفيلة بتحقيق مصالح القبيلة، أن يكون سيد قبيلته، وأن يكون الواجب أن
стр. 32
يكون شيخ القبيلة من صريح نسبها، لنفور طباع العرب من أن يحكم في القبيلة أحد من غيرها١، وقد راعى النبي ﷺ ذلك حين كانت تأتيه وفود القبائل، فكان يسود على كل قبيلة رجلًا منها ويجعله عليها لامتناع طباعهم أن يسودهم غيرهم٢.
كما يجب أن يكون شيخ القبيلة من أقوى بطونها وأذكرها شرفًا وأكثرها عصبية، حتى يكون له من الانتصار بعصبيته والاعتزاز بهم ما يمكن له من الرياسة ومن إطاعة القبيلة له واحترامها لرأيه٣. فإذا مات هذا السيد أو فقد بعض الصفات انتقلت السيادة إلى الآخر الذي تكتمل له، وهذا معنى القول بأن القبيلة تختار سيدها.
وكما يتجلى المظهر الديمقراطي في اختيار شيخ القبيلة وهو رأس حكومتها، كذلك يتجلى في رقابة الجماعة على هذا الرئيس، وهذه الرقابة تتمثل فيما يسمونه مشيخة القبيلة، أو مجلسها الذي يجمع رجالها بفضائلهم الذاتية.
ولقد كانت مشيخة القبيلة هي الركن السامي حقًّا في نظام القبيلة العربية. إذ إن سلطة رئيس القبيلة كانت محدودة بواسطة هذا المجلس الذي يمثل الرأي العام في القبيلة.
وكانت مشيخة القبيلة تتألف من أصحاب الرأي فيها، وهنا نجد الكفاية والفضائل الذاتية هي المرجع، فشاعر القبيلة من أفراد هذا المجلس، بل هو في مقدمة رجاله، إذ إنه الذي يتغنى بمناقب القبيلة، ويرثي موتاها، ويهجو أعداءها، ويدفع عنها بلسانه، وسلاحه هذا أمضى من سلاح السيف وأفتك في الخصم من السهام٤؛ ولذلك كانت القبيلة تفرح إذا نبغ فيها شاعر وتعتز به وتحفظ شعره، وكانوا يجعلون موهبة الشعر من صفات الكمال، فالرجل إذا كان شاعرًا شجاعًا كاتبًا سابحًا راميًا دعي الكامل لوجود
стр. 33
هذه الخصال فيه١. وكذلك الخطيب، وهو لسان القبيلة في منافراتها ومناظراتها٢. ثم حكامها الذين يفصلون في الأقضية بين الناس ويحكمون بينهم إذا تشاجروا في الفضل والنسب والمواريث والدماء، وكان لكل قبيلة حكم أو أكثر؛ لأنه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكمون أهل الشرف والصدق والأمانة والرياسة والسن والتجربة والمعرفة بالعرف، ثم كان من رجال المجلس الشجعان المشهورون بالفروسية. وبعض الأفراد من أصحاب المكانة كالكاهن والعراف والقصاص. هذا بالإضافة إلى شيوخ العشائر وكبار السن في القبيلة ممن اكتملت لهم تجارب الحياة. كل هؤلاء يمثلون مشيخة القبيلة، ومن اجتماعهم تكون السلطة التي يرجع إليها سيد القبيلة.
ولهذه الهيئة أندية٣ ومجامع للمداولة في شئون الحرب والسلم والفصل في الخصومات ودفع الديات وكل ما يهم القبيلة. وفي ذلك يقول مهلهل في رثاء كليب:
نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
تكلموا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر جمعهم لم ينبسوا
ولم يكن لمجلس القبيلة موعد معين يجتمع فيه، وإن كانت العادة أنهم يجتمعون مساء في المنازل التي يحل بها رئيس القبيلة للسمر، وكلما دعت الضرورة إلى الاجتماع. ولم يصلنا شيء يذكر -ويا للأسف- من المناقشات التي كانت تجري في هذه المجالس القبلية؛ لأنه لم يكن هناك مدونات تسجل فيها أحاديث القوم ومناقشاتهم؛ لأن طبيعة هذه المجالس لم تكن تحتمل هذا. وإن كانوا يتناقشون ويتحاورون في كل ما يهمهم، وكثيرًا ما كان يخطب الخطباء، أو ينشد الشعراء قصائدهم التي نظموها، وفي أثناء ذلك يدلي سادتهم بحكمهم وتجاربهم في الحياة، وهذا يجعلنا نتصور مقدار ما كان لهذه المجالس من وقار ومنزلة كبرى يقضي بها العرف. وإلى ذلك يشير زهير بن أبي سلمى إذ يقول في مدح هرم بن سنان٤:
стр. 34
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
وكانت قرارات هذه المجالس نافذة؛ فجميع أفراد القبيلة في الغالب يذعنون لها ولا يشذون عليها.
كما أن القيد الثاني الذي يحد من سلطة رئيس القبيلة هو أن الرياسة لم تكن وراثية، وإنه لمن النادر أن تجد في قبيلة بقاء السيادة في ثلاثة أفراد متعاقبين، ويفلسف ابن خلدون هذا الوضع فيقول: إن الرياسة تأتي من قوة العصبية وشرف النسب والخلال الكريمة. وهذه خلال تضعف من الابن إلى الحفيد، حتى إذا كان الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها، وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر موجب لهم منذ النشأة بمجرد انتسابهم، فيربأ بنفسه عن أهل عصبته ويرى الفضل له عليهم، وثوقًا بما ربى فيه، وجهلًا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم والأخذ بمجامع قلوبهم، فيحتقرهم بذلك؛ فينتقضون عليه ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب١. وإلى ذلك يشير عامر بن الطفيل أحد سادات العرب في الجاهلية٢:-
وإني إن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
وشيخ القبيلة هو الذي يقودها في حروبها، ويقسم غنائمها، ويستقبل وفود القبائل الأخرى، ويعقد الصلح والمحالفات، ويقيم الضيافات؛ ولذلك كان لا بد من أن تتوافر فيه صفات الشجاعة والكرم والنجدة وحفظ الجوار وإغاثة المعوز والضعيف، ولابد من أن يتحمل أكبر قسط من جرائر القبيلة وما تدفعه من ديات، كما كان عليه أن يصلح ذات البين فيها ويلم شعثها ويعمل على حفظ وحدتها، مستعينًا في
стр. 35
ذلك بشيوخها وأصحاب الشرف فيها، وجريًا على مبدأ ممارسة السلطان ممارسة جماعية، ودون أن تكون لديه هيئة إدارية أو تنفيذية أو قضائية. كما يجب أن يكون حليمًا متسامحًا. وهكذا نرى أن شيخ القبيلة ليس ملكًا متسلطًا عليها، بل هو أب أكبر لكل أفرادها. وإلى ذلك يشير معاوية بن مالك سيد بني كلاب ١:
نعطي العشيرة حقها وحقيقها ... فيها، ونغفر ذنبها ونسود
وإذا تحملنا العشيرة ثقلها ... قمنا به، وإذا تعود نعود
وإذا نوافق جرأة أو نجدة ... كنا، سمي بها العدو نكيد
بل لا نقول إذا تبوأ جيرة ... إن المحلة شعبها مكدود
وللزعماء في هذه المجالس القبلية أثر خطير في الحياة، فبحنكتهم السياسية وبحكمتهم وكفايتهم تقرر الأمور، ورب كلمة من زعيم أو هفوة منه تثير حربًا أو تسبب كارثة له ولقبيلته أو للحلف الذي يتزعمه؛ ذلك أن أعصاب رجال البادية مرهفة حساسة تثيرها الكلمة ولا سيما إذا كانت تتعلق بالشرف والجاه.
وشيخ القبيلة إذا كان ضعيفًا أثر ضعفه في قبيلته، وإذا كان قويًّا أثرت قوته في القبيلة، وقد تقوم الزعامة بما تعجز عنه الكثرة وبما ينوء به عدد القبيلة؛ ولهذا تكون مكانة القبيلة أو الحلف بمكانة الرئيس، ولهذا أيضًا نجد قبائل تظهر فجأة فتجتاح القبائل الأخرى وتتزعمها، ونجد قبيلة تتضاءل وتنهار فجأة فتتجزأ وتذوب أو تذبل؛ لأن زعيمها ضعيف الشخصية خائر القوى٢.
ولشيخ القبيلة حقوق أدبية ومادية، فأما الأدبية فأهمها توقيره واحترام شخصه ورأيه٣، كما أنه له الإمرة العامة على الجند. أما حقوقه المادية، فقد كان له في كل غنيمة تغنمها القبيلة المرباع وهو ربع الغنيمة، والصفايا وهو ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، والنشيطة وهو ما أصيب من مال العدو قبل اللقاء، وكذلك
стр. 36
الفضول وهو ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة. وقد أجمل ذلك عبد الله بن عنمة الضبي في رئاسة بسطام بن قيس سيد شيبان:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
وهذه كلها حقوق الرياسة في الجاهلية١. كما كان العزيز منهم ينفرد بالحمى لنفسه كما فعل كليب بن ربيعة سيد بني تغلب٢.
على أن المظهر السياسي للقبيلة يظهر في الحرب أكثر من ظهوره في السلم؛ فالقبيلة تعيش متفرقة بمراعيها وحالتها الخاصة، إلى أن تشتبك مع قبيلة أخرى في حرب، وهنا يتجلى المظهر السياسي؛ فإن عشائرها وبطونها تتجمع كلها تحت لواء واحد، كما تجتهد في أن تجد لها حلفاء من القبائل الأخرى؛ لتتقوى بهم على عدوها، لذلك كانت الحرب هي مظهر الحياة السياسية بين القبائل لما تتطلبه من جهود خاصة وتبعيات تجعل كل أفراد القبيلة يشعرون بحاجتهم إلى التجمع والتضامن، ولما يلابسها من أحداث سياسية خاصة توجب اتصال القبيلة بغيرها من القبائل.
стр. 37
التشكيل الاجتماعي للقبيلة العربية:
كانت القبيلة العربية وحدة الحياة الاجتماعية كما كانت وحدة الحياة السياسية. وكانت كل قبيلة تؤمن بوجود رابطة تجمع بين أفرادها على أساس من وحدة الدم ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة وفي ظل القانون العرفي الذي نشأ على أساسها: انقسم المجتمع القبلي إلى طبقات اجتماعية ثلاث:
١- طبقة الأحرار أبناء القبيلة الصرحاء١: وهم الذين يجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك.
٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار أو الحلف أو العتقاء من الأرقاء فيها.
стр. 38
٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء، أو أسرى الحروب.
ولكل من هذه الطبقات منزلته في السلم الاجتماعي، فنحن أمام مجتمع طبقي تفصل بين طبقاته حدود واضحة.
طبقة الأحرار الصرحاء:
وهي الطبقة التي يعتبر أفرادها بنية القبيلة: فهم أبناؤها الذين يجمعهم نسب واحد ودم مشترك لم تلحقه هجنة. وكانت هذه الطبقة تتمتع بحقوق مدنية كثيرة، يقابلها كثير من الواجبات، نظمها القانون العرفي على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة، فالحر يتمتع بحماية القبيلة حيًّا وميتًا، فهي المسئولة عن أي جريرة يرتكبها أحد أبنائها، وعليها واجب الانتصار له مظلومًا، والوقوف إلى جانبه ظالمًا، وكان يكفي أن يستغيث فإذا السيوف مصلتة والرماح مشرعة، وإذا الدماء تتصبب لأقل الأسباب:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانَا١
وهكذا تسبغ القبيلة حمايتها كاملة عليه حيًّا، أما حمايته ميتًا، فإنها تأخذ بثأره إذا قتل ولا تترك دمه يطل٢: كما أن للحر أن يتصرف في بعض شئون القبيلة، وتقر القبيلة هذا التصرف، وكان أهم حق له في هذه الناحية هو حق الإجارة، وهو أبرز حقوق المواطنة في القبيلة العربية وأخطرها، إذ إنه يدخل في القبيلة أفرادًا ليسوا منها فيلحقهم بها ويحملها تبعاتهم، فكل حر في القبيلة أجار رجلًا آخر من قبيلة أخرى أو من قبيلته، يتعين على القبيلة أن تقر ذلك: ولو كان المجير صغيرًا أو كان امرأة ما دام من صميمها٣. ويصبح لهذا الجار ما لأفراد القبيلة من حقوق، كما أن عليه ما عليهم من واجبات، وكانت حماية هذا الجار فرضًا على القبيلة كلها، تدافع عنه وتقاتل طلبًا لثأره كما تقاتل طلبًا لثأر الصريح منها، وكان يبلغ بها الأمر أن تُقيد من القاتل حتى وإن كان من صرحائها٤، أو تأخذ منه الدية٥، على أن الناس كانوا يعرفون
стр. 39
أقدارهم؛ فلا يجيرون إلا إذا كانوا قادرين، فإنهم يعلمون أنه قد يجر إلى إثقال كاهل القبيلة بمسئوليات ضخمة منها فقد المال والعرض والحياة١. كما أن العرب الأحرار في القبيلة كانوا يستطيعون الانتقال من قبائلهم إلى قبائل أخرى يجاورونها، بخلاف الرقيق الذي كان مملوكًا ليس له حرية التصرف في نفسه.
وإزاء تلك الحقوق التي يتمتع بها الحر، فإن عليه أن يتضامن مع قبليته، ويعمل من أجلها، ولا يتصرف إلا في حدود النطاق الجماعي الذي يحفظ عليها وحدتها، فلا يخرج على إجماعها، ولا يحملها ما لا تطيق، وعليه من أجل ذلك أن يرفع من إحساسه بالرابطة الجماعية وأن يهدر في سبيلها كل نزعة فردية أو انفصالية من نفسه؛ فهو يضحي لها بنفسه كما يضحي بماله فهي حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بشخصيته وحريته، يعيش لها وتحت إطارها٢، وخير مايصور ذلك قول دريد بن الصمة٣:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت ... غويت؛ وإن ترشد غزية أرشد
فإذا حدث لسبب من الأسباب أن تصرف في انفصالية فردية خارج ذلك النطاق الجماعي، أو سلك سلوكًا معيبًا من شأنه أن يسيء إلى سمعة القبيلة بين القبائل، كان من حق القبيلة أن تتحلل من العقد الاجتماعي القائم بينه وبينها، فتهدر حقوقه عليها وتتخلي عن حمايته ونصرته، فتطرده من حماها، وتعلن بين القبائل أنها خلعته، أو بعبارة أخرى سحبت منه الجنسية القبلية -كما نقول بتعبيرنا الحديث- فلم تعد مسئولة عنه ولا سائلة أيضًا. وكان إعلان الخلع أمرًا خطيرًا بالنسبة للأفراد؛ فإن الخليع يخرج من حمى قبيلته ليجد نفسه في موقف ضيق ووضع شاذ، فلقد سحبت منه الجنسية القبلية وأصبح فردًا منفصلًا عن قبيلته في مجتمع لا يؤمن بالانفصالية الفردية. وفرص الحياة
стр. 40
في الصحراء محدودة، ومن المستحيل أن يعيش الفرد فيها إلا مرتبطًا بجماعة، ولا يرى الخليع في هذه الحالة أمامه إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ إلى قبيلة أخرى يعيش في حماها جارًا لها أو مولى من مواليها، أو أن يلجأ إلى الصحراء ليتخذ من الغزو والسلب وقطع الطرق وسيلة للحياة وأسباب الرزق، معتمدًا على قوته الشخصية في فرض نفسه وإثبات وجوده في مجتمع قطع كل صلة بينه وبينه١.
ومن أهم الواجبات التي تقع على أفراد القبيلة: الأخذ بالثأر ممن سولت له نفسه من القبائل الأخرى أن يعتدي على أحد أبنائها، مهما كلف ذلك من جهد ومال ودماء، ولم يكونوا بطبيعة الحال يفرقون بين القتل العمد والقتل الخطأ أو الضرب الذي يفضي إلى الموت، أي أنهم لم يعرفوا القصد الجنائي ولم يتبينوا النية الإجرامية، ولكنهم كانوا يعالجون القتل بالقتل، حتى صار الأخذ بالثأر عقيدة ثابتة، ولقد كانت مسألة الأخذ بالثأر من المسائل الهامة في حياة القبيلة العربية قبل الإسلام، والغرض منها حمياتها، فالقبيلة إذالم تأخذ بثأرها تسقط بين القبائل. ومن هنا نجد أن الحرص على الأخذ بالثأر لا يعدله حرص على شيء آخر، وهذا أمر طبيعي وضروري في مجتمع لا تحكمه حكومة منظمة تقيم الحدود وترعى القانون بسلطانها؛ وإنما كان المجتمع يعتمد في صيانة حقوقه على قوة الأفراد والجماعات، فمن لم يستطيع الانتصاف لنفسه؛ لم يجد قوة تنتصف له؛ ولذلك فإن الاحتفاظ بوحدة القبيلة والأخذ بالثأر كان أمرًا مقدسًا أشبه بأن يكون نظامًا دينيًّا من أن يكون نظامًا عاديًّا. وكان على الثائر أن يدرك ثأره أو يموت دونه، وفي هذه الحالة ينتقل واجب إدراك الثأر إلى ابنه أو حفيده٢. ولقد كان العرف يجعل الثائر يلتزم باتخاذ شارات خاصة؛ فهو يبتعد عن كل ملذات الحياة؛ فلا يقرب النساء ولا يتطيب أو يتدهن٣، ولا يشرب الخمر٤،