← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفضول وهو ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة. وقد أجمل ذلك عبد الله بن عنمة الضبي في رئاسة بسطام بن قيس سيد شيبان: لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول وهذه كلها حقوق الرياسة في الجاهلية١. كما كان العزيز منهم ينفرد بالحمى لنفسه كما فعل كليب بن ربيعة سيد بني تغلب٢. على أن المظهر السياسي للقبيلة يظهر في الحرب أكثر من ظهوره في السلم؛ فالقبيلة تعيش متفرقة بمراعيها وحالتها الخاصة، إلى أن تشتبك مع قبيلة أخرى في حرب، وهنا يتجلى المظهر السياسي؛ فإن عشائرها وبطونها تتجمع كلها تحت لواء واحد، كما تجتهد في أن تجد لها حلفاء من القبائل الأخرى؛ لتتقوى بهم على عدوها، لذلك كانت الحرب هي مظهر الحياة السياسية بين القبائل لما تتطلبه من جهود خاصة وتبعيات تجعل كل أفراد القبيلة يشعرون بحاجتهم إلى التجمع والتضامن، ولما يلابسها من أحداث سياسية خاصة توجب اتصال القبيلة بغيرها من القبائل.

стр. 37

التشكيل الاجتماعي للقبيلة العربية: كانت القبيلة العربية وحدة الحياة الاجتماعية كما كانت وحدة الحياة السياسية. وكانت كل قبيلة تؤمن بوجود رابطة تجمع بين أفرادها على أساس من وحدة الدم ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة وفي ظل القانون العرفي الذي نشأ على أساسها: انقسم المجتمع القبلي إلى طبقات اجتماعية ثلاث: ١- طبقة الأحرار أبناء القبيلة الصرحاء١: وهم الذين يجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك. ٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار أو الحلف أو العتقاء من الأرقاء فيها.

стр. 38

٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء، أو أسرى الحروب. ولكل من هذه الطبقات منزلته في السلم الاجتماعي، فنحن أمام مجتمع طبقي تفصل بين طبقاته حدود واضحة. طبقة الأحرار الصرحاء: وهي الطبقة التي يعتبر أفرادها بنية القبيلة: فهم أبناؤها الذين يجمعهم نسب واحد ودم مشترك لم تلحقه هجنة. وكانت هذه الطبقة تتمتع بحقوق مدنية كثيرة، يقابلها كثير من الواجبات، نظمها القانون العرفي على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة، فالحر يتمتع بحماية القبيلة حيًّا وميتًا، فهي المسئولة عن أي جريرة يرتكبها أحد أبنائها، وعليها واجب الانتصار له مظلومًا، والوقوف إلى جانبه ظالمًا، وكان يكفي أن يستغيث فإذا السيوف مصلتة والرماح مشرعة، وإذا الدماء تتصبب لأقل الأسباب: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانَا١ وهكذا تسبغ القبيلة حمايتها كاملة عليه حيًّا، أما حمايته ميتًا، فإنها تأخذ بثأره إذا قتل ولا تترك دمه يطل٢: كما أن للحر أن يتصرف في بعض شئون القبيلة، وتقر القبيلة هذا التصرف، وكان أهم حق له في هذه الناحية هو حق الإجارة، وهو أبرز حقوق المواطنة في القبيلة العربية وأخطرها، إذ إنه يدخل في القبيلة أفرادًا ليسوا منها فيلحقهم بها ويحملها تبعاتهم، فكل حر في القبيلة أجار رجلًا آخر من قبيلة أخرى أو من قبيلته، يتعين على القبيلة أن تقر ذلك: ولو كان المجير صغيرًا أو كان امرأة ما دام من صميمها٣. ويصبح لهذا الجار ما لأفراد القبيلة من حقوق، كما أن عليه ما عليهم من واجبات، وكانت حماية هذا الجار فرضًا على القبيلة كلها، تدافع عنه وتقاتل طلبًا لثأره كما تقاتل طلبًا لثأر الصريح منها، وكان يبلغ بها الأمر أن تُقيد من القاتل حتى وإن كان من صرحائها٤، أو تأخذ منه الدية٥، على أن الناس كانوا يعرفون

стр. 39

أقدارهم؛ فلا يجيرون إلا إذا كانوا قادرين، فإنهم يعلمون أنه قد يجر إلى إثقال كاهل القبيلة بمسئوليات ضخمة منها فقد المال والعرض والحياة١. كما أن العرب الأحرار في القبيلة كانوا يستطيعون الانتقال من قبائلهم إلى قبائل أخرى يجاورونها، بخلاف الرقيق الذي كان مملوكًا ليس له حرية التصرف في نفسه. وإزاء تلك الحقوق التي يتمتع بها الحر، فإن عليه أن يتضامن مع قبليته، ويعمل من أجلها، ولا يتصرف إلا في حدود النطاق الجماعي الذي يحفظ عليها وحدتها، فلا يخرج على إجماعها، ولا يحملها ما لا تطيق، وعليه من أجل ذلك أن يرفع من إحساسه بالرابطة الجماعية وأن يهدر في سبيلها كل نزعة فردية أو انفصالية من نفسه؛ فهو يضحي لها بنفسه كما يضحي بماله فهي حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بشخصيته وحريته، يعيش لها وتحت إطارها٢، وخير مايصور ذلك قول دريد بن الصمة٣: وهل أنا إلا من غزية، إن غوت ... غويت؛ وإن ترشد غزية أرشد فإذا حدث لسبب من الأسباب أن تصرف في انفصالية فردية خارج ذلك النطاق الجماعي، أو سلك سلوكًا معيبًا من شأنه أن يسيء إلى سمعة القبيلة بين القبائل، كان من حق القبيلة أن تتحلل من العقد الاجتماعي القائم بينه وبينها، فتهدر حقوقه عليها وتتخلي عن حمايته ونصرته، فتطرده من حماها، وتعلن بين القبائل أنها خلعته، أو بعبارة أخرى سحبت منه الجنسية القبلية -كما نقول بتعبيرنا الحديث- فلم تعد مسئولة عنه ولا سائلة أيضًا. وكان إعلان الخلع أمرًا خطيرًا بالنسبة للأفراد؛ فإن الخليع يخرج من حمى قبيلته ليجد نفسه في موقف ضيق ووضع شاذ، فلقد سحبت منه الجنسية القبلية وأصبح فردًا منفصلًا عن قبيلته في مجتمع لا يؤمن بالانفصالية الفردية. وفرص الحياة

стр. 40

في الصحراء محدودة، ومن المستحيل أن يعيش الفرد فيها إلا مرتبطًا بجماعة، ولا يرى الخليع في هذه الحالة أمامه إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ إلى قبيلة أخرى يعيش في حماها جارًا لها أو مولى من مواليها، أو أن يلجأ إلى الصحراء ليتخذ من الغزو والسلب وقطع الطرق وسيلة للحياة وأسباب الرزق، معتمدًا على قوته الشخصية في فرض نفسه وإثبات وجوده في مجتمع قطع كل صلة بينه وبينه١. ومن أهم الواجبات التي تقع على أفراد القبيلة: الأخذ بالثأر ممن سولت له نفسه من القبائل الأخرى أن يعتدي على أحد أبنائها، مهما كلف ذلك من جهد ومال ودماء، ولم يكونوا بطبيعة الحال يفرقون بين القتل العمد والقتل الخطأ أو الضرب الذي يفضي إلى الموت، أي أنهم لم يعرفوا القصد الجنائي ولم يتبينوا النية الإجرامية، ولكنهم كانوا يعالجون القتل بالقتل، حتى صار الأخذ بالثأر عقيدة ثابتة، ولقد كانت مسألة الأخذ بالثأر من المسائل الهامة في حياة القبيلة العربية قبل الإسلام، والغرض منها حمياتها، فالقبيلة إذالم تأخذ بثأرها تسقط بين القبائل. ومن هنا نجد أن الحرص على الأخذ بالثأر لا يعدله حرص على شيء آخر، وهذا أمر طبيعي وضروري في مجتمع لا تحكمه حكومة منظمة تقيم الحدود وترعى القانون بسلطانها؛ وإنما كان المجتمع يعتمد في صيانة حقوقه على قوة الأفراد والجماعات، فمن لم يستطيع الانتصاف لنفسه؛ لم يجد قوة تنتصف له؛ ولذلك فإن الاحتفاظ بوحدة القبيلة والأخذ بالثأر كان أمرًا مقدسًا أشبه بأن يكون نظامًا دينيًّا من أن يكون نظامًا عاديًّا. وكان على الثائر أن يدرك ثأره أو يموت دونه، وفي هذه الحالة ينتقل واجب إدراك الثأر إلى ابنه أو حفيده٢. ولقد كان العرف يجعل الثائر يلتزم باتخاذ شارات خاصة؛ فهو يبتعد عن كل ملذات الحياة؛ فلا يقرب النساء ولا يتطيب أو يتدهن٣، ولا يشرب الخمر٤،

стр. 41

ولا يقول الشعر إلا في هجاء أو رثاء، ويظل على هذه الحال أيامًا وشهورًا وأحيانًا أعوامًا، فإذا أخذ ثأره حل له ما حرمه على نفسه، فنظام الثأر كان هامًّا جدًّا في حياة القبائل العربية قبل الإسلام، ولقد قاومه الإسلام مقاومة شديدة؛ ولكنه لم يمت، ولتأصله في نفوس العرب ظل يحيا في المجتمع العربي حتى يومنا هذا. وكان العرب يعتقدون أن المقتول إذا لم يدرك ثأره ينبعث على قبره طائر اسمه الهامة ينادي بثأره شاكيًا الظمأ، ولا يسكت حتى يُؤخذ ثأره: يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني ١ له هامة تدعو، إذا الليل جنها ... بني عامر، هل للهلالي ثائر؟ وكان الأمر ينتهي بالثائر إلى ثلاث حالات: إما أن يثار ولي الدم من القاتل أو من عشيرته، وإما أن يأخذ الدية، وإما أن يعفو. وعند أخذ الدية يلاحظ مكانة الرجل المقتول، فالرجل الحر الشريف غير المولى. ومتوسط الدية مائة من الإبل٢. ودية الحليف نصف دية الصريح٣. أما دية السادة فقد تصل إلى الخمسمائة وإلى الألف٤. على أن هناك نوعًا من الدية يعرف بدية الخفارة، وهي أنه إذا أجار شخص شخصًا آخر فقتل جواره ولم يمنعه، كان عليه أن يدفع لوليه سبعين عُشراء -وهي الناقة التي مضي على حملها عشرة أشهر ٥. وكانت العرب تعيب من يأخذ الدية ويرضى بها دون درك ثأره وشفاء غيظه، إذ إنها تعتبر الاكتفاء بالدية دليلًا على الجبن والخوف من القاتل؛ ولذلك لم تكن الدية تقبل إلا عند الشعور بالضعف، أو عند التفاني بين القبائل، أو إيثار السلم، كما فعلت قريش في حرب الفجار، فيقوم الصلح على أساس حساب القتلى، ودفع دية الزيادة.

стр. 42

طبقة الأرقاء: كان في المجتمع العربي طبقة كبيرة من الأرقاء، وكانت كل قبيلة لا تخلو من أفراد من الرقيق من الرجال والنساء، البيض والسود على السواء. والمصدر الأصلي للرقيق هو الحرب، فالقبيلة التي تنتصر على الأخرى تأخذ الأسرى وتستعبدهم، وإلى جانب الحرب وجد الاتجار بالرقيق، وكان هذا النوع من الاتجار شائعًا، فكان العرب يأتون من شواطئ أفريقيا ويبيعونهم في أسواق العرب بالمال، وإذا لاحظنا أنهم يؤخذون بالعنف، تبينا أن الحرب والغزو والقوة هي السبب الأول، كما كانت القبائل المنتصرة تتصرف في بعض الأحيان في أسراها بالبيع١. وقد يغيرون على القوافل المسافرة إلى العراق أو إلى الشام ويتغلبون عليها ويأسرون من فيها ويسترقونهم، وكان هذا هو أصل رق سلمان الفارسي إذ خرج من العراق إلى الشام فاسترق وبيع لبعض يهود المدينة٢ وقد ألحقت القبائل بعض أبنائها بهؤلاء الأرقاء؛ فإن مقياس الشرف عند العربي ألا يجري في عروقه دم أجنبي، وأن يكون من أب عربي وأم عربية، ومن كان هنا حرصه على أن يحفظ لسلالته نقاء الدم وصفته وامتيازه، وفي سبيل هذا الحرص كان يرفض الاعتراف بأبنائه أو إلحاقهم بنسبه إذا جاءوا ثمرة لصلة غير متكافئة بينه وبين إمائه، ومن أجل ذلك أطلق المجتمع الجاهلي على أبناء الإماء من العرب الصرحاء اسم "الهجناء"، وكان أسوأ أبناء الإماء حظًّا في الحياة أبناء الإماء السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم وأطلق عليهم العرب اسم "الأغربة"٣. وكانت طبقة العبيد من بيض وسود، ومن تجري في عروقهم شائبة من دمائهم من الهجناء والأغربة، في وضع اجتماعي سيئ، فقد سلبتهم الأرستقراطية العربية، المؤمنة إيمانًا عميقًا برابطة الدم، كل ما يمكن أن يكون لهم من حقوق، وفرضت عليهم من الواجبات ما أرهق كواهلهم وأهدر إنسانيتهم، وباعدت بينهم وبين الحياة الإنسانية الكريمة. وضيقت عليهم النطاق في حياة مهينة ذليلة على هامش المجتمع.

стр. 43

فلقد كانت هذه الطبقة محرومة مما نسميه الآن الحقوق المدنية، فليس لها حقوق الملكية والمقاضاة، وليس للعبد أن يتزوج إلا بإذن سيده على أن يتزوج رقيقًا مثله. كذلك كان أفراد هذه الطبقة يزاولون في المجتمع العربي المهن والصناعات التي يستنكفها العربي الصميم، ففي البادية يرعون الماشية، ويقومون بخدمة المنزل، وفي الحواضر يقومون بممارسة الصناعات الموجودة هناك كالحدادة والنجارة والحلاقة والحجامة وغيرها، إذ إن العرب كانوا يأنفون من أمثال هذه الصناعات. وكان وجود هذه الطبقة أمرًا عامًّا في المجتمع القديم كله يحتمه الوضع الاقتصادي في ذلك الوقت. على أن العبد كان يمكنه أن يسترد حريته، وذلك بأن يؤدي لسيده خدمة عظيمة، كأن ينقذه هو أو أهل بيته من هلاك محقق -وهذا في الغالب شرط الحرية- أو يظهر شجاعة نادرة في موقعة من المواقع، فتكون هذه الشجاعة شفيعة للتحرر، أو بأن يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بالمال، وهذا ما يسمونه بالمكاتبة، والرقيق الذي يتحرر بهذا يقال له المكاتب١. أو بأن يوصي سيده بعتقه بعد وفاته تقربًا للآلهة، ويسمى هذا بالمدبر٢. ولقد كان للوضع السيئ لهذه الطبقة أثر كبير في سرعة استجابتها للدعوة الإسلامية ونجاحها في أطوارها الأولى، إذ إن الأرقاء والموالي هم الذين سارعوا لتلبيتها؛ لأن الإسلام قام بثورة اجتماعية فسوى بين السيد والعبد لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] وقول النبي ﷺ : "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". وقوله: "ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى". وقد أنعشت هذه المبادئ نفوس هؤلاء المستضعفين والمحرومين فلبوا الدعوة التي تنتشلهم من الوهدة التي كانوا فيها. طبقة الموالي: إن كلمة مولى كلمة مرنة في اللغة، إذ إنها تسع كل المتناقضات، فهي من باب المشترك اللفظي؛ ففي القاموس: الْوَلْيُ الدنو والقرب، والولاية: النصرة، واستولى

стр. 44

عليه؛ غلب عليه وتمكن منه. والمولى الحليف. والمولى المعتق. والوليُّ المحب الصديق والنصير والملك. والمولى يطلق على المالك والعبد، والمعتق، والصاحب والجار والحليف، وأولياء الرجل عصبته من إخوته وبني عمه وعشيرته، وتولاه اتخذه وليًّا١، وقد ذكرت كلمة مولى في القرآن الكريم كثيرًا، وأريد بها النصير أو الحليف: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج] . هذا هو المعنى اللغوي للكلمة، ولكن الاصطلاح حدد معناها، ومع تحديد معناها نجدها شائعة وفيها شيء من الغموض؛ والمقصود من الموالي هم الجار والحليف المعتق. الجوار: إذا سلك فرد من قبيلة مسلكًا شائنًا يضر بسمعة قبيلته؛ فإن القبيلة تخلعه، أو أنه هو يخلع نفسه منها إذا خاف على نفسه أن يثأر منه إذا كان قد قتل من القبيلة، أو أن يكون قد ضاق بحياته فيها، وعندئذ لا يقربه أحد، ولما كان لا يستطيع أن يعيش منفردًا فإنه يلجأ إلى قبيلة أخرى يتصل بها ويعيش في حماها على أساس الموالاة بالجوار. كذلك قد يجد المرء نفسه غريبًا في أرض قبيلة ويخاف على نفسه فيلجأ إلى طلب الجوار من أحد أبناء هذه القبيلة، وكذلك قد يخرج لطلب ثأر من قبيلة أخرى ويجد في نفسه ضعفًا عن أن يبلغ غايته فيلجأ إلى جوار أحد يحميه حتى يأخذ بثأره٢. وكما يجاور الأفراد تجاور القبائل أو البطون من ترى فيهم الحمية والعزة لحمايتها والاعتزاز بجوارها٣. وقد ورد في القرآن معنى الجوار على أنه نتيجة للضعف طلبًا للحماية والعزة٤. هذه هي الحالات التي تقوم فيها علاقة الجوار. أما كيف يتم عقد الجوار، إذا جاز لنا أن نطلق هذه التسمية على هذه العلاقة العرفية، فإن

стр. 45

الجوار كان يتم بالطلب الصريح والإجابة، أو بإتيان عمل يفهم منه قيام هذه الرابطة، فالمؤاكلة ودخول البيت ولمس الخيمة أو مجاروتها يقيم رابطة الجوار، وقد توسعوا في هذا فاعتبروا علوق الدلو بالدلو في بئر يلزم حرمة الجوار والذمة١، وإلى هذا أشار أبو تمام يخاطب ابن الزيات٢: لي حرمة بك لولا ما رعيت وما ... أوجبت من حقها ما خلتها تجب بلى، لقد سلفت في جاهليتهم ... للحق ليس كحقي نصره عجب أن تعلق الدلو بالدلو القريبة أو ... يلامس الطنب المستحصد الطنبُ وغالوا في الجوار حتى شمل الوحش والهوام٣، حتى إنهم كانوا يسمون بذلك مجير الجراد- مجير الغزال- مجير الذئب، ومن الأمثال: أحمى من مجير الجراد، قالوا هو مدلج بن سويد الطائي، وقد يكون هذا نوعًا من العزة وتحريم الصيد في أرض القبيلة. كما كان الجوار أحيانًا يعبر عن نوع من الفروسية والمرءوة الإنسانية، كإجارة كل ظعينة تمر بأرض القبيلة، ومثال ذلك ربيعة بن مكدم الكناني الذي ضربوا به المثل فقالوا: أحمى من مجير الظعن٤. وحقوق الجار المترتبة على قيام الجوار تتلخص في قول هانئ بن مسعود سيد بني شيبان حين أجار النعمان بن المنذر: قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع منه نفسي وأهلي وولدي، ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل٥. وكان المجير يعلن إجارته على ملأ من الناس؛ ليكونوا على بينة من الأمر، وبذلك يصبح المستجير في ذمته وحماه كأنه فرد من ذوي قرابته، يتمتع بكل حماية عائلية أو قبلية، وتجيز القبيلة

стр. 46

ذلك إقرارًا لحق الفرد في الإجارة -كما أشرنا من قبل- ويصبح هذا الفرد واجب الحماية منهم جميعًا، فقد أصبح لهم جارًا، وحينئذ يتحاشى الناس الإساءة إليه حرمة لعصيبة مجيره، وقد كانت العرب تطلب بثأر الجار كما تطلب بثأر الصريح من أبنائها، وتقيد من القاتل حتى ولو كان من صرحائها، بل كانت تقاتل رعاية لحق الجار وحفاظًا على كرامته؛ وقد قتل كليب سيد ربيعة نتيجة لاعتدائه على حرمة الجوار، بأن قتل ناقة للبسوس جارة جساس بن مرة البكري١؛ وذلك لأنهم كانوا يرون في ذمة الجوار أمرًا خطيرًا فيه كرامتهم، بل وحياتهم ومماتهم٢. وكما يحمي المجير جاره مادام في كنفه. فإن على الجار أن يلتزم حدود اللياقة في تصرفه فلا يسيء إلى سمعة القبيلة التي أجارته. ورابطة الجوار رابطة مؤقتة وليست دائمة، فهي تحل نتيجة لخروج الجار من أرض القبيلة التي يحتمي بها، أو حين يرد المستجير على صاحبه جواره، ويبرئ له ذمته على ملأ من الناس، وعندئذ لا يتحمل المجير تبعات ما يقع عليه من اعتداء٣، أو إذا ارتكب الجار أمرًا مشينًا لسمعة القبيلة أو اعتدى على حرماتها٤. فإذا أرادوا إلغاء الجوار أجلوا الجار ثلاثة أيام يخرج فيها من أرض القبيلة٥، وقد ورد في القرآن الكريم آيات ذكر فيها الجوار بمفهومه عند العرب، وهو حماية الجار وإبلاغ المستجير مأمنه ومنع الاعتداء عليه٦. فالجار إذن ليس من صلب القبيلة، وقد حدد العرف على النحو الذي بيناه حالات الجوار والمراسم التي تنظم قيام هذه العلاقة، وما يترتب عليها من التزامات بالنسبة للمجير والجار، وكيف تنتهي هذه العلاقة.

стр. 47

الحليف: هو جار بصفة لازمة، إذ إن صلته ليست مؤقتة كالجار؛ فالحلف جوار دائم، ولفظ الحلف فيه معنى القسم وكانت منزلة الحليف من حليفه كمنزلة القريب، حكمه حكم أفراد القبيلة إلا في حالة الدية، وهذا الحلف يسمى عند المسلمين ولاء الموالاة١. وكان في الجاهلية بين عربي وعربي، وهو في الإسلام بين عربي وغير عربي. والحليف رجل حر انضم إلى قبيلة غير قبيلته؛ فمركزه الاجتماعي في القبيلة التي ينتمي إليها يلي مركز الحر الصميم فيها، وعليه من التبعات العامة ما على أفراد القبيلة الصرحاء؛ فإذا كان الحلف بين فرد وفرد صار الحليف مولى للرجل الذي حالفه، وأصبح كفرد من ذوي رحمه وقبيلته بالولاء، ويسمى الشخص الملتحق مولى الشخص الملتحق به، وكان أحيانًا يتبنى الرجل مولاه فينتسب له٢. وقد كان الرجلان يشهدان على أنفسهما ويعقدان الحلف بالمواثيق والأَيمان والعهود. وقد أورد الطبري في تفسيره مأثورًا عن الميثاق الذي يشهد عليه الملأ بين الملتحق والملتحق به: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك٢. وقد كان الحليف يرث حليفه إذا مات، بهذا الحلف في الجاهلية ثم استمر في الإسلام٤. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء] حتى نسخ بآيات الميراث ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال] . وكان قد جعل له السدس من جميع المال في أول الإسلام، ثم نسخ ونقل من الإرث إلى

стр. 48

الهبة وبقيت عليهم النصرة والنصيحة والرفادة والعقل والولاء والمشورة، ومن هنا ندرك عمق هذه الصلة وبلوغها حد النسب الصحيح، وكان الحليف كالصريح يخلع من القبيلة إذا أتى بعمل مشين. وكما يكون الحلف بين فرد وفرد، وبين فرد وقبيلة، كذلك كان يحدث كثيرًا أن يلتحق بطن أو عائلة من قبيلة بقبيلة أخرى، فيكون أفرادها موالي القبيلة الجديدة١، وتقطع تبعاتها إزاء وحدتها الأولى، وتنتقل إلى تبعات القبيلة الجديدة من حروب ودماء وعقل ومصالح مشتركة، ما عدا الميراث الذي كان يقوم عند الحلف الفردي. وفي كتب التاريخ والسير والتراجم أسماء كثيرين يذكرون، فيقال مثلًا: القرشي ولاء أو الثقفي ولاء، ويراد بذلك هذا الولاء الذي أشرنا إليه، وليس ولاء العبودية والرق. وكذلك كانت تقوم المحالفات بين القبائل، فتحالف قبيلة قبيلة أخرى أو عدة قبائل. وهذا التحالف يشبه المعاهدات السياسية في الوقت الحاضر؛ فإذا أحست قبيلة بضعفها أمام القبائل القوية انضمت إلى قبيلة قوية لتحميها، وقد تمر الأجيال وتنسى القبائل المتحالفة أسماءها وشخصياتها، وتنضم تحت اسم واحد. ويظن أن هذه المحالفات لعبت دورًا كبيرًا في تكوين القبائل العربية، إذ كانت تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة؛ لتحميها وترد العدوان عنها، ويقول البكري: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش واستضعاف القوي الضعيف؛ انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم٢. ومن القبائل التي تمثل ذلك خير تمثيل قبيلة تنوخ التي قامت على أساس حلف عقدته

стр. 49

بعض البطون الشمالية مع غيرها من قبائل الجنوب، واتخذت القبيلة اسمها من تنخ "تنأ" أي أقام واستقر، وكثر ماله، وذلك لاستقرارها في بادية العراق١. وبمجرد أن تدخل القبيلة في حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق؛ فهم ينصرونها على أعدائها، ويلبون دعوتها إذا اعتدي عليها، وقد تنفصل بعض القبائل عن الحلف لتنضم إلى حلف آخر يحقق لها مصالحها، ومن ثم كنا نرى أحلافًا تضعف وتحل محلها أحلاف أخرى، وقد انتشر التحالف بين القبائل العربية بصورة واسعة قبيل الإسلام، ولم تبق إلا قبائل قليلة لم تدخل في أحلاف؛ اعتمادًا على قوتها الذاتية وعلى بطولة أفرادها، ولذلك سميت هذه القبائل جمرات العرب٢ ولكنها كثيرًا ما كان يئول أمرها إلى أن تنهك في الحروب، أما القبائل المتحالفة فكانت تهاب فلا يعتدى عليها. وانتشار المحالفات بين القبائل العربية كان إحساسًا من القبيلة العربية بأنها لا تستطيع أن تعيش: في مجالها الضيق وأنها بحاجة إلى غيرها من القبائل تؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكان هذا بدء نهضة قومية، استفاد منها الإسلام في توحيد العرب في أمة واحدة. وقيام علاقة الحلف تقترن عادة بمراسيم وطقوس خاصة تحرص القبائل على اتباعها نظرًا لأهمية النتائج المرتبة عليها؛ فقد اتخذت الأحلاف صبغة دينية وطقوسًا خاصة، إذ كانوا يغمسون أيديهم في طيب أو دم، وربما أوقدوا نارًا عند تحالفهم ودعوا الله على مَن ينكث العهد بالحرمان من منافعها. وكانوا يقولون: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلا شدًّا، وطول الليل إلا مدًّا، ما بلَّ بحر صوفه، وأقام رضوى في مكانه إن كان رضوى جبلهم وإلإ ذكروا ما يجاورهم من الجبال٣.

стр. 50

ومن الأحلاف التي ذكرها التاريخ في مكة حلف المطيبين وحلف الأحلاف وحلف الفضول١. ومن أحلاف العرب المشهورة حلف الرباب٢ وهو بين خمس قبائل: ضبة وثور وعكل وتيم وعدي، وحلف عبس وعامر ضد بطن ذبيان وأحلافهم من تيم وأسد٣. وحلف الحُمْس بين قريش وكنانة وخزاعة٤ وكذلك حلف قريش والأحابيش، ثم إن الإسلام منع أن تقوم أحلاف جديدة، ولكنه أكد الأحلاف التي تمت في الجاهلية. قال ﷺ : "لا حلف في الإسلام، وكل حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم، وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة" ٥. العتق: هو النوع الثالث من الولاء وهو يلي الحلف في درجته الاجتماعية. والمعتق عبد عتقه سيده لسبب من الأسباب، فإذا أصبح العبد معتقًا صار حرًّا، ولكن تبقى هناك صلة بينه وبين معتقه، وهذه الصلة تسمى الولاء، ويظل المعتق ينسب إلى معتقه فيقولون: فلان مولى فلان كما كانوا يقولون: زيد بن حارثة مولى رسول الله أي عتيقه١، وإن كانت أمة فهي مولاته، والجمع موال. وكان المولى أحيانًا ينسب إلى قبيلة المعتق فيقولون مثلًا: مولى بني هاشم، وأحيانًا يعبرون عن ذلك بقولهم: الهاشمي بالولاء، وقد كانوا أحيانًا يبيعون الولاء٢. وكان بين الحر المعتق وبين سيده واجبات وحقوق؛ فعلى المعتق أن يساعد مولاه إذا ألمت به كارثة، أو إذا اعتدى عليه أحد، كما أن على المعتق أن يقوم بنصرة سيده. وبينما نرى الحليف يرث حليفه فإن المعتَق لا يرث سيده، وللسيد الحق

стр. 51

في أن يرث مولاه إذا مات من غير وارث. وكان يحدث في بعض الأحيان أن يتخذ المعتق مولاه ابنًا أي يتبناه، وفي هذه الحالة كانوا يطبقون ما يطبق بالنسب، بمعنى أنه لا يجوز لمعتق أن يتزوج من زوجة متبناه إذا طلقها أو مات عنها. وهذا هو الباب المفتوح لترقي طبقة العتقاء في السلم الاجتماعي. وقد ظلت هذه الحالة في الجاهلية حتى إذا جاء الإسلام ألغى نظام التبني هذا كله١، فرد المتبنين إلى آبائهم: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب] . ولقد كانت هذه العادة شديدة الاستحكام حتى احتاج أمر إبطالها إلى قوة نفسية خاصة مما جعل النبي ﷺ يقوم بذلك بنفسه ومع نفر من آل بيته، ومع ذلك فقد داخل النبي ﷺ كثير من الإشفاق، وداخل زينب بنت جحش -وهي ابنة عمته التي زوجها لمتبناه زيد، ثم طلقها زيد فتزوجها محمد ﷺ وأهلها كثير من التردد حتى احتاج الأمر إلى نذير من القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب] وحتى عوتب النبي ﷺ على إشفاقه: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ وحتى نزل القرآن ردًّا على الذين تحدثوا في هذا الأمر ونقدوه على النبي ﷺ بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب] .

стр. 52

دستور القبيلة كان للقبائل العربية دستور عرفي عام، يشترك فيه كل أفراد القبيلة، وهذا الدستور ينحصر في كلمة واحدة هي: العصبية. وإذا كان الدستور هو القانون الأساسي؛ فإن قواعده كلها انبنت على العصبية، وهذه الكلمة مذكورة كثيرًا في كتب التاريخ والأدب، فما مدلولها؟ إذا بحثنا عن المعنى اللغوي لهذه الكلمة في معاجم اللغة نجد أن: العَصب هو الطي الشديد، وكل شيء استدار بشيء فقد عَصَبَ به، ويقال: عصب القوم بالرجل عصبًا أي أحاطوا به لقتال أو حماية، وعصب القوم بالنسب أحاطوا به، وعصبة الرجل

стр. 53

بنوه الأقربون١. والعصبية أن يدعو إلى نصرة عصبته والوقوف إلى جانبه ظالمين أو مظلومين. هذا هو المعنى المفهوم من كلمة عصبية. ولقد كان شعار العصبية في الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا؛ فالعصبية تعبر عن غريزة الدفاع الكامنة في كل كائن مادي أو معنوي، بصرف النظر عن العدالة وعدمها. والعصبية في الفطرة بمنزلة القومية أو الوطنية في العصور الحديثة، وهذه الروح هي روح التضامن الشديد التي يعتز بها المجتمع القبلي، ولقد كانت قوية جدًّا في القبائل العربية على خلاف المعروف في المجتمعات الحضرية. وإذا بحثنا عن مصدر القوة الوطنية في أمة حية، نجده المصلحة العامة؛ لأنه لو ترك الأمر لكل فرد من أفراد الأمة في أن يعمل كما يرى في المسائل العامة؛ لانهدم النظام وانهارات الأمة، فالمصلحة العامة أساس هذا الروح الذي يجعل كل فرد من الأمة يسهم بنصيب وافر في طريق واحد لغاية واحدة يصبو إليها الجميع. لكننا نلاحظ -حتى في المجتمعات الحديثة- شيئًا آخر غير المصلحة العامة، والحقيقة أن المصلحة مقياس جاف، إذ إن الوطنية تقوم على شيء آخر يُذْكيها إلى جانب المصلحة، ذلك هو عامل الشعور؛ لأن عاطفة الوطنية إذا لم تغذ بالشعور تصبح فاترة. فالوطنية الملتهبة هي التي يذكيها ويحركها الشعور، وللشعراء والكتاب والأدباء نصيب كبير في إذكاء هذا الشعور، إذن فالمصلحة العامة والشعور هما قوام العصبية العربية كما أنهما أساس القومية الحديثة. ولقد كان من مصلحة القبيلة أن تكون يدًا واحدة في كل الأحوال؛ لأنها إذا انقسمت على نفسها في أمر ما تلاشت، فالمصلحة كانت -ومازالت- تقتضي وجود التضامن الشديد، إذ إن القبيلة محاطة بالأعداء، فانقسامها معناه ضعفها وتلاشيها. أما عن عامل الشعور فكان كل فرد في القبيلة يحس بأنه مدين في كل شيء عنده إلى قبيلته؛ فهي التي حمته وترعرع بين ظهرانيها حتى صار رجلًا، فكان لزامًا عليه أن يخلص لها ويتفانى في الدفاع عن شرفها، ومن يطالع الشعر الجاهلي يجد الشاعر قد أذاب شخصيته -أو كاد- في شخصية القبيلة، ففضائلها ومحامدها العامة هي فضائله

стр. 54

ومحامده الذاتية١. وكان الشعور بالاندماج في القبيلة أقوى من مثيله في المجتمعات الحديثة، وذلك يرجع إلى تصورهم الخاص للقبيلة. فنحن إذا ذكرنا دولة من الدول فإنما نعني جمعًا من الناس ينزلون أرضًا واحدة، ويستظلون سماء واحدة ينتفعون بخيرات مشتركة، وقد يكون من هؤلاء المتجنسين بجنسية هذه الدولة المتمتعين بحقوق المواطنة فيها مَن هم في أنفسهم مِن أجناس أخرى ومنابت أخرى. بينما نجد الحال على عكس ذلك في المجتمع العربي، فقد كانت القبيلة صورة تامة بالمعنى الحرفي لكلمة أسرة. فإذا قيل بنو أسد مثلًا كان معنى ذلك أن رجلًا اسمه أسد عاش في الزمن القديم، وتوالدت عنه هذه الأسرة التي أصبحت قبيلة اتخذت اسم رئيسها الأول كنية لها، فكل هذه القبيلة إخوة بالمعنى الصحيح يتغلغل في عروقهم دم واحد هو دم أبيهم القديم. حقيقة كان في القبيلة من ينتمي إليها من غير أبنائها عن طريق الولاء، إلا أن صلب القبيلة كان من أبنائها الذين يردون نسبهم إلى أصلها، ثم إنه كان من ناحية أخرى النسب العربي العام الذي يرد العرب أنفسهم جميعًا إليه، فهؤلاء الموالي يجتمعون مع القبيلة في النسب العام وتربطهم بها المصلحة المشتركة. والحق أن الإنسان إذا شعر بأنه من أسرة فإن شعوره نحوها يكون أشد من شعوره إذا كان فردًا من أمة؛ لأن المسألة حينئذ تكون أبوة أو أخوة أو عمومة، ويكون موقفه هنا غير موقفه هناك٢. فإذن مصدر قوة العصبية عند العرب هو شعورهم بأنهم أفراد أسرة واحدة. والعصبية كانت قوية شديدة الأثر في حفظ التوازن بين الجماعات القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي، وفي دفع الناس بعضهم ببعض وصيانة حقوقهم وكرامتهم، بل وحياتهم. وبالرغم من أن الإسلام جاء بالقضاء على العصبية القبلية، وجعل المسلمين كلهم إخوة بغض النظر عن قبائلهم، فإن سلطان العصبية وشدة رسوخها ظل قويًّا، وكان لها أثر فعال في كثير من أحداث التاريخ الإسلامي وسيره وتطوره حتى القرن الثالث الهجري، أي حتى ضعف العنصر العربي، وإن ظل أثرها باقيًّا بعد ذلك في أقاليم

стр. 55

المغرب الإسلامية، وذلك بالرغم من تندر القرآن بها وتحذيره منها استهدافًا لخلق مجتمع إسلامي أساسه إطار أعم من الأخوة الدينية العامة، والمصلحة المشتركة بين الذين يتألف منهم هذا المجتمع، وولاية المسلمين بعضهم بعضًا بغض النظر عن اختلاف البطون والقبائل والأجناس١. وإذن، فإن ملاك الكيان القبلي هو قرابة الدم، والإيمان بالقبيلة، وتقديس مصالحها.

стр. 56

مستويات العصبية الاجتماعية للعصبية مظاهر تبدو ما فيها نستطيع الوصول إليه من قراءة الأخبار التي وردت في أيام العرب، ومن خلال أشعارهم، ومن الآيات القرآنية التي وردت فيها. وهذه المظاهر هي: ١- عصبية العشيرة وذوى الأرحام: كان أفراد العائلة الواحدة أو الفخذ أو البطن، أي أفراد الوحدة الاجتماعية الصغرى، الذين تجمع بينهم الأرحام القريبة يتضامنون في الدفاع عن بعضهم، والاستنصار لبعضهم في مختلف المواقف: فهم أفرادًا وجماعة، مطالبون بالتضامن في الدفاع عن سمعة الوحدة وشرفها ومصلحتها المشتركة؛ وحفظها من العدوان عليها في داخل القبيلة أو خارجها، كما أنهم جميعًا مطالبون بجريرتها، حتى ولو كانوا متنافرين في العقيدة والميول، فهي عندهم أقوى من الإيمان الديني، ولقد ظهر هذا النوع من العصبية واضحًا جدًّا في أول ظهور الإسلام، وكان له أثر كبير في الأحداث التي وقعت في حياة النبي ﷺ فلقد وقف بنو هاشم يحمون النبي ﷺ في مكة ضد بقية بطون قريش استجابة لعصبية الرحم والقربى، بالرغم من بقائهم على دين آبائهم: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام] ١ حتى لقد قاطعتهم قريش من أجل ذلك وحصرتهم في أحد شِعاب مكة ثلاث سنوات٢. وحتى أبو لهب عم النبي ﷺ الذي كان قد شذ ومالأ قريشًا، فإنه

стр. 57

لما مات أبو طالب ذهب إلى محمد يقول له: "يا محمد, امضِ لما أردت وما كنت صانعًا إذا كان أبو طالب حيًّا فاصنعه، ولا واللات لا يوصل إليك حتى أموت"١. ولقد أبقى الإسلام على رابطة العشيرة والأرحام فلم يمحُها بل جعلها داخل النطاق العام، فقد بقيت على العشائر النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة وخصوصًا دفع الدية وفداء الأسرى، كذلك أبقى للعشيرة مسألة الولاء٢. كذلك أراد الإسلام الانتفاع بسلطان هذه العصبية العشيرية في تقريب الناس للإسلام بدعوة المخالفين إلى مهادنة المسلمين. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء] ٣ فهو يهتف بهم أن يتقوا الأرحام التي يتساءلون بها ويعز عليهم أمرها ويتأثرون بها في حياتهم المادية والمعنوية، ثم إنه كان يذكر قريشًا بالرحم التي بينها وبين النبي ﷺ وبأنه لا يحرص على إيمانهم وهداهم إلا استجابة لعاطفة الرحم التي تدعوه إلى الحرص على خيرهم، كما يجب أن تدعوهم لتصديقه واتباعه، فهو غير متهم في مصلحة أهله ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى] كما أنه دائمًا كان يذكي روح المسلمين، ويعير المنافقين والمتخاذلين بأنهم إنما يقطعون أرحامهم بجبنهم عن نصرة إخوانهم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد] . ومع أن رسالة النبي ﷺ كانت شاملة عامة، إلا أنه كلف أول ما كلف بأن ينذر عشيرته الأقربين ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ [الشعراء] حتى إذا آمنوا انتصروا له فكانوا درعًا يحول دون أذَى الناس له، ولقد جرى الإسلام في هذا على مفهوم الوضع الاجتماعي في المجتمع العربي على أن موقف أقاربه من عدم تصديقه كان له أثر كبير في مقابلة أهل مكة الدعوة بالفتور والاستخفاف، إذ قد جرت العادة أن يتابع الشخص أقرباءه بدافع العصبية فهم ينتصرون له ويتفاخرون به ويفاخرون به غيرهم. ولقد واجه المسلمون كثيرًا من الحرج والمشاكل نتيجةً لعصبية الأرحام خاصة، فقد كان يحدث أن يكون الابن أو الأخ أو الأب في صفوف المسلمين، والأب أو الأخ

стр. 58

أو الابن في صفوف المشركين في عهد النبي ﷺ فيحدث الحرج, وتبدو الميول العصبية؛ مما اقتضى نزول القرآن بالزجر الشديد عن متابعة هذه الميول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة] . والروايات المتواترة تذكر مواقف لبعض المسلمين دفعتهم إليها عصبية الرحم، فتذكر كيف ظهر القنوط والأسف على وجه أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة حينما رأى مصرع أبيه في معركة بدر١. وكذلك موقف حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لقريش ينبئها باستعداد النبي ﷺ لغزو مكة مصانعةً لها على أهل له وولد بين قريش٢. وتظهر شخصية العشيرة في بعض المواقف مثل: ولاية الدم: كان من المعروف في التقاليد العربية أن للقتيل وليًّا أو صاحب دم يطالب به. ويكون حقه في هذا الطلب معترفًا به من الجميع من القبيلة أو من غيرها. بحيث يكون له بذلك سلطان. أي حق واجب يجب نصره للحصول عليه ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء] والولي أو صاحب الدم إنما يكون من عصبة القتيل القريبة، ليس من الضروري أن يكون ابن القتيل أو أباه أو أخاه- وإن كان هؤلاء هم أصحاب الحق الأول- بل يكون رئيس العشيرة باعتباره ممثلًا للعائلة التي يعد القتيل قتيلها والدم دمها. وهذا التقليد هو الذي حدا بمعاوية بن أبي سفيان، دون أبناء عثمان، أن يقوم مطالبًا بدم الخليفة المقتول على اعتبار أنه ولي الدم بصفته رئيسًا للبيت الأموي٣. العقل: وكما يتضامن ذوو القربى والأرحام في الأخذ بالثأر، كذلك يتضامنون في العقل -والعقل هو توزيع وجمع الدية عن قتيل- إذا تم صلح أو حكم قاضٍ بدفع الدية

стр. 59

والكف عن الثأر بالدم -فيجمع ذوو القربى والأرحام هذه الدية، التي تدفع كذلك إلى أهل القتيل الذين هم ذوو رحمه وقرباه، والذين تجعلهم تقاليد عصبية الأرحام القريبة أصحاب الحق بدمه، فتوزع الدية عليهم، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء] ١ وهذه الآية تلهم وجود هذا التقليد على الوجه الذي أشرنا إليه، وبخاصة وهي توجب تسليم الدية إلى أهل القتيل. وهو تعبير يمكن أن يكون أوسع نطاقًا من أب أو أم أو أخ أو ابن. ٢- عصبية القبيلة: كان أفراد القبيلة ببطونها وعشائرها يتضامنون تجاه القبائل الأخرى في الحروب والدماء، والدفاع عن المصالح والتبعات المشتركة، ويتناصرون حسب الشعار القبلي "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" ويتعاونون على المغارم، فكل فرد في القبيلة يرى أن الاعتداء على فرد منها إنما هو اعتداء واقع عليه، وأن من واجبه أن ينتصر له ويدفع عنه، أو يأخذ بثأره إذا قتل ممن اعتدى عليه أو من أي فرد من أفراد قبيلته، وإذا نشبت حرب يين قبيلتين تضامن أفراد كل قبيلة في الدفاع والهجوم مهما كان الباعث على هذه الحرب، حتى ولو كانت ميولهم وعواطفهم متباينة. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يمكن أن نستخلص منها ما كان للعصبية القبلية من شأن كبير في المجتمع العربي، ظهر أثره في الصراع بين مكة والمدينة في أيام النبي ﷺ فقد كان في المدينة منافقون ومشركون لم يمنعهم أن يشاركوا المسلمين في القتلال أنهم كانوا يخالفونهم في الدين وفي الميول، وذلك بدافع العصبية القبلية. وتشير الآية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران] إلى أن بعض المسلمين قد ذكر المنافقين بأنه لا يجوز لهم أن يخذلوا قومهم، وأنهم إن لم يقاتلوا في سبيل الله ففي سبيل الدفاع استجابة لداعي العصبية القبلية، وكان

стр. 60

جوابهم أنهم لو تأكدوا من وجود القتال لتضامنوا معهم١ كذلك تذكر الروايات أن رجلًا يدعى "قزمان" قاتل يوم أحد قتالًا شديدًا وقتل عددًا من المشركين، حتى إذا خلصت إليه الجراح وسقط حُمل إلى أحد الدور، وعاده بعض المسلمين وقال له أحدهم: "أبشرْ يا قزمان فأجابه: بماذا أبشَّر! فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي"٢. وقد كانت بعض بطون من القبائل الضاربة حول المدينة تريد مسالمة المسلمين والدخول في عهدهم، ولكنها كانت يصيبها الحَرج، فتشترط حسن الصلة مع المسلمين على ألا تتضامن مهم ضد قومها أو ضد حلفاء قومها، وإلى هذا تشير الآية القرآنية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء] ٣. فالعشيرة كانت تدين بالولاء للقبيلة ولا تخرج عليها لظروف قاهرة، كما أن القبيلة كانت ملتزمةً بتأييد عشائرها، فإذا حدث خلاف فإنه كان من الممكن أن توقع القبيلة جزاءً على العشيرة فتخرجها أو تقاطعها، كما حدث في مقاطعة قريش لبني هاشم، وقد تعلن القبيلة هذا القرار بالنسبة للعشيرة كما كانت تعلن قرار الخلع بالنسبة للأفراد، وقد يحدث أن تكتب بذلك صحيفة. وقد سقنا هذه الأمثلة عن الحالة قُبيل ظهور الإسلام لأن ذلك أوضح وأثبت، مع أنه يمكن الإتيان بأمثلة كثيرة من أيام العرب وما كان يحدث بين بطونها من منافساتٍ وخلافاتٍ تجعل البطن أو العشيرة يخرج من القبيلة أو أن القبيلة تخرجه. كل هذا يدل على قوة العصبية القبلية وأنها كانت راسخةً قويةً، واحتاج المسلمون للقضاء عليها إلى تحذير شديد من جانب القرآن وإلى تكرار الآيات التي تنتهي عنها، ومع ذلك ظلّت آثارها زمنًا طويلًا أثّرت تأثيرًا خطيرًا في حياة الدولة الإسلامية بعامة، والعنصر العربي فيها بنوع خاص. ٣- عصبية الأحلاف القبلية أو الأحزاب: كثيرًا ما كانت تقوم بين القبائل مخالفاتٌ ومواثيق لتقف صفًّا واحدًا متساندًا أمام بعض الدواعي، فتنشأ الأحلاف بين القبائل لصيانة المصالح المشتركة أو لضرورة السلم

стр. 61

بين المتجاورين أو عن طريق المعاهدة بين رجالها؛ فتنشأ بذلك عصبية بين هذه القبائل المتحالفة تدفعها إلى التضامن في الحروب والتعاون في تبعات الدماء١. وكان الحلف بين القبائل قد يستمر جيلًا بعد جيل ولا ينقضي إلا بسبب أحداث جسيمة وعندئذٍ يصبح صلة لاحمة بين القبائل المتحالفة. وقد استمرّ هذا النوع من التحالف وتبعاته إلى ما بعد البعثة النبوية. وقد ورد في القرآن آيات كثيرة تتحدّث عن الأحزاب والمخالفات: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب] . وتعني هذه الآية قريشًا وحلفاءها من القبائل التي تحالفت معها على غزو المدينة في موقعة الخندق. كما أن اليهود في المدينة كانوا متحالفين مع العرب فيها قبل الإسلام، بعضهم حالف الأوس وبعضهم حالف الخزرج ووقف كل فريق مع حليفه في الحرب بالرغم من تعارض هذا مع أحكام التوراة، وقد ندّد القرآن بموقفهم هذا وعيّرهم بمخالفتهم للتوراة في قتالهم بعضهم جريًا وراء مصالحهم الذاتية التي يجلبها الحلف القبلي٢ كما أن هذه المحالفات قد ظلّ أثرها بعد الهجرة، حيث ظل الأوس والخزرج متمسكين بحلفهم مع اليهود. وتشير بعض الآيات إلى هذا التمسك٣، كما تشير إلى ثبات المنافقين من أهل المدينة في تحالفهم هذا ووعدهم اليهود بالمناصرة إذا قوتلوا وبالتضامن إذا أخرجوا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر] . ولم يكن هذا مقصورًا على المنافقين بل ظلّ بعض المؤمنين متأثرين به بالرغم من موقف اليهود تجاه الإسلام، ولعل هذا سبب من أسباب صبر النبي ﷺ على اليهود بالرغم من لجاجهم معه وظهور العداوة منهم، وذلك لعوامل الحلف التي كانت تربط بينهم وبين الأوس والخزرج، حتى يستقرّ الإسلام في يثرب ويصبح سلطانه على النفوس أقوى من سلطان

стр. 62

الحلف، مما استدعى تشديد النهي عن موالاة اليهود في آيات متعددة١. كما أن النبي ﷺ قد عقد كثيرًا من المحالفات بينه وبين القبائل العربية الضاربة حول المدينة وبينهما وبين مكة، كما تحالف مع اليهود. ومما يلفت النظر في المعاهدات التي وقعها النبي ﷺ أنه كان بعضها لمدة معينة كما يشير القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة] ٢. ولعله لاحظ فيها تطور الدعوة الإسلامية وإمكانياتها المقبلة. على أن عصبية التحالف القبلي، ليست أصلية، إذ أنها حالة طارئة اقتضتها ظروف المصلحة المشتركة، وذلك على عكس عصبية الأرحام أو العصبية القبلية فإنها عصبية أصلية تستمد وجودها من القرابة والدم، والمصلحة المتحدة الطبيعية بين أبناء القبيلة الواحدة الذين يكونون في الغالب من أرحام وقربى وإن تباعدت في النسب، ثم بين أبناء العشيرة الواحدة الذين تجمعهم صلة الدم والرحم القريبة. وعلى هذا فالعصبية في قوة التأثر بها والاستجابة إليها من عصبية الأسرة، إلى عصبية العشيرة، إلى عصبية الفخذ، إلى عصبية البطن، إلى عصبية القبلية، إلى العصبية الناشئة عن الحلف٣ وهذا التفاوت في قوة العصبية والتأثر بها والاستجابة لها متسق مع طبائع الأشياء، وقد جرى الإسلام حين جاء على هذا الأساس، فقد كلف النبي ﷺ أن يتدرج في دعوته من عيشيرته الأقربين، وهم أمسّ به رحمًا والمظنون أن يكونوا أقرب استجابةً له، ثم لينذر أمّ القرى "مكة" ومن حولها "العرب" ثم الناس جميعًا. ونحن إذا نظرنا إلى القبائل من ناحية الترابط المتبادل بينها فإننا نخطئ إذا اتهمنا العرب بالفردية، والمجتمع العربي بالجمود والتشتت، فالواقع أن القبائل كانت متصلةً متداخلةً، وكذلك كانت متحركةً متقلقلةً، لا تكاد تتخذ شكلًا معينًا حتى يعرض لها من ضرورات الصلة والجوار ومؤالفة المجتمع ما يجعلها تندغم في غيرها، أو تدخل معها

стр. 63

في شكل معين من الحلف أو الجوار، فقد كانت هناك حركة نشيطة فيما بين أفراد القبائل، كما كانت حركة نشيطة فيما بين القبائل نفسها؛ تلتقي، وتتباعد، ويؤلف ببينهما الحلف أو الجوار، كما تفرقها العدوات والحروب. على أن تقليد التضامن الاجتماعي والعصبية كان ركنًا من أركان حياتهم الاجتماعية، بل أقوى أركانها. على أن العصبية الاجتماعية سواء منها عصبية الأرحام أو عصبية القبلية أو عصبية التحالف، حاجة طبيعية في حياة الأمة التي تعيش في طور البداوة بوجه عام؛ لأنه لا يمكن حفظ التوازن والحقوق والدماء في هذا الطور بدونها. ولقد أخذت عصبية التحالف في الازدياد قبيل البعثة النبوية أي في أواخر العصر الجاهلي، فقد أخذت القبائل تتكتل في مجاميعَ كبيرةٍ، وكان هذا إحساسًا من القبيلة العربية بأنها لا تستطيع أن تعيش في مجالها الضيق، وأنها بحاجة إلى غيرها من القبائل التي تؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكان هذا الميل إلى التحالف والتجمع مسايرًا للنهضة العربية التي بدت تباشيرها في القرن الأول قبل البعثة وشملت الحالة السياسية والدينية والفكرية عند العرب، والتي مهدت لظهور النهضة الكبرى التي جاء بها الإسلام بعد ذلك. عصبية التقاليد: كان العرب يتعصبون لتقاليدهم وموروث عاداتهم تعصبًا شديدًا، يرون في ذلك فضيلة لا معدى عنها، وجزءًا لا ينفصل من حياة المجتمع، ولو أدّى إلى الحرب وإراقة الدماء والمواقف المهلكة، وقد بلغ من قوة العصبية للتقاليد، أن أصبحت عندهم دِينًا يرون الأخذ من أمر الله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف] ١ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة] ٢.

стр. 64

وكانوا يعتبرون ماهم عليه من تقاليد دينية واجتماعية متنوعة هي من مشيئة الله ورضاه؛ ولذلك فهي الأهدى والأصلح، وقد توارثوها أبًا عن جد، ولم لم تكن كذلك لمنعهم الله عنها١. وهذا يفسر لنا الموقف الشديد الذي اتخذه أهل مكة ضد الدعوة الإسلامية وضد النبي ﷺ والمسلمين، فإن قوة العصبية للتقاليد التي كانت من العوامل المؤثرة في ذلك من غير شك، كما أنها حالت دون كثير من ذوي قربى النبي ﷺ والدخول في الإسلام استجابةً لعصبية التقاليد، في الوقت الذي كانوا ينصرونه فيه ويقفون إلى جانبه ويحمونه استجابةً لعصبية الرحم، وعلى رأس هؤلاء عمّه أبو طالب الذي غلبته عصبية التقاليد على أمره٢ بالرغم من معرفته لصدق النبي ﷺ وبالرغم من إعجابه وإعجاب بني هاشم به، وما كان لهم من الفخر بظهور نبيّ ورجل عظيم منهم؛ إلا أن سلطان عصبية التقاليد كان شديدًا لدرجة أنه تغلّب على سلطان عصبية الرحم في نفَس واحد من بين هاشم، هو أبو لهب الذي شذّ على عشيرته وانضم إلى مناوئيهم استجابةً لعصبيةِ التقاليد الموروثة. وهناك حالة تثبت قوّة عصبية التقاليد، وهي زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش مطلقة متبنّاه زيد بن حارثة، وقد كان مثل هذا الزواج محرمًا في الجاهلية، إذ كان المتبنى يعامل كالابن بالنسب- وكان إلغاؤه من الأمور الجسيمة التي تحتاج إلى قوّة نفسية كبيرة حتى ليتولّى كسر هذا التقليد النبي ﷺ نفسه ومع ناس من أهل بيته أولًا، والنبي ﷺ نقسه قد تحرّج من هذا الأمر وأشفق من الرأي العام حتى عوتب في القرآن، كذلك أشفقت زينب- وهي ابنة عمة النبي ﷺ وأشفق أخوها، واحتاج الأمر إلى شيء من الإنذار للمؤمنين بأن يخضعوا لأمر الله٣. وكذلك اشتبه في وقوع قتال في الشهر الحرام في إحدى السرايا التي أرسلها النبي -صلى الله عيه وسلم- في آخر رجب من السنة الثانية من الهجرة إلى بطن نخلة بين الطائف ومكة لتتعرف أخبار قريش، فالتقت بعير لقريش فقتلت أحد حرّاسها واستولت عليها، وانتهزت قريش هذه الفرصة فشنّت حربًا من الدعاية ضد النبي ﷺ والمسلمين لتثير الرأي العام العربي لحرمة التقاليد، وقد

стр. 65

أثّرت هذه الضحية التي أحدثتها قريش في المسلمين أنفسهم في المدينة، حتى احتاج الأمر إلى بيان من القرآن الكريم، يوضّح الموقف ويردّ على دعاية قريش١. ومن قوة التعصّب للتقاليد نستطيع أن ندرك الحكمة في الإبقاء على كثير من التقاليد التي كان عليها العرب قبل البعثة. وسواء ما كانت منها متصلًا بحياة الناس الاجتماعية والعائلية أو ما كان له صبغة دينية؛ فقد كانت التقاليد راسخة بحيث كان الناس يعتبرونها جزءًا من كيانهم الاجتماعي الديني. وكان إلغاؤها يمكن أن يحدث كثيرًا من العقبات في سبيل انتشار الدعوة الإسلامية، لذلك تدرّج التشريع الإسلامي فألغى ما لا بد من إلغائه مما يتعارض مع جوهر الدعوة وأهدافها، أو كان فيه فحش ينبو عن الذوق الحسن، أو كان متنافيًا مع المصلحة العامة كالزواج من زوجة الأب والجمع بين الأختين والزنا والتخادن والمسافحة، والطواف العاري بالكعبة والذبح للأنصاب، وحرمة صيد البحر عند الإحرام، واكتفى بتهذيب الباقي تهذيبًا يجعله مفيدًا ومنسجمًا مع أسس الدعوة الإسلامية وأهدافها، أو غير متناقص معها، وكذلك تدرّج في التحريم -مثل تحريم الخمر- حتى لا يصطدم التشريع بتقاليد الناس وراسخ عاداتهم اصطدامًا شديدًا، كذلك وضع من الأسس ما يسمح بالتصرف بما يكون هو الأصلح كالاكتفاء بزوجة واحدة لعدم استطاعة العدل بين الزوجات المتعددات. كذلك يجعل أمر الأسرى للسلطان يَمن عليهم أو يفاديهم، حتى يقضي على الرق في المستقبل. فنحن إذن أمام بيئة محافظة تحرص على التمسّك بعرفها القديم وتدافع عن وتستميت في هذا الدفاع حفاظًا على كيانها. أثر العصبية في المجتمع العربي من الناحية السياسية إذا كانت العصبية ذات أثر شديد من الناحية الاجتماعية في حفظ التوازن بين الجماعات القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي وفي إقامة الروابط بينها، وفي دفع

стр. 66

الناس بعضهم ببعض، وصيانة حقوقهم وكرامتهم بل وحياتهم، فإن هذه العصبية الضيقة قد حالت دون تكوين مجتمع واحد كبير تصهر فيه جميع الوحدات القبلية، بل إنها على العكس من ذلك أوجدت مجتمعات صغيرة لكل منها كيانه السياسي الخاص؛ فغاية ما فكّر فيه العصبي الجاهلي من الناحية السياسية أنه إنسان ينتمي إلى قحطان أو عدنان، وذلك إذا تساهلنا وقلنا: إن مصطلحي "قحطاان وعدنان" ظهرا قبل الإسلام. بل حتى في صدر الإسلام كانت هذه النظرة الجاهلية الضيقة التي حاربها الإسلام لا تزال مستحوذةً على عقلية أكثر الناس، وقد عمل بها حتّى رجال الدولة الذين كان من واجبهم محاربتها ومقاومتها. وذلك لأغراض سياسية، وكان من نتائجها إضعاف القومية العربية واستغلال قحطان وعدنان لإسقاطهما على السواء. أما الأحلاف القبلية فلم تكن غايتهما قومية بعيدة وإنما كانت لمنافع ومصالح ذات أهداف ضيقة. وكذلك ساعدت العصبية الضيقة على عدم الاستقرار؛ لكثرة الأطراف وحتمية التنازع بينها نظرًا لظروف البيئة العربية من الناحية الطبيعية والاقتصادية، وقد أدى التنافس والخلافات بين القبائل إلى الانزلاق في كثير من الأحيان إلى مستوى المنافسات التافهة، الأمر الذ ي أدّى إلى الشعور بعدم الرضا، وأوجد الرغبة لدى العقلاء وأصحاب الرأي إلى ضرورة توجيه العصبية توجيهًا قوميًّا ودينيًّا. وقد أحسّ المجتمع العربيّ بهذه الضرورة إحساسًا واضحًا قبيل ظهور الإسلام، وما إقرار هدنة الأشهر الحرام ومنع القتال فيها وإقرار الأمن، وكذلك الاتجاه نحو كثرة المحالفات وقيام الكتل الكبرى، ومحاولة رد العرب أنسابهم إلى أصل واحد أو أصلين كبيرين، إلا ظاهرة من ظواهر هذا الإحساس الذي أحس به المجتمع العربي كضرورة اجتماعية وسياسية، وكان ظهور الإسلام آخر الأمر متوِّجًا لهذا الإحساس العربي. النسب إذا كانت القبيلة قد اتخذت العصبية دستور حياتها، فإن هذه العصبية إنما هي ثمرة للنسب، فالعصبية آتية من فكرة القرابة وصلة النسب الحقيقي أو ما يجر مجراه من حلف أو ولاء أو جوار. وهذا المعنى هو الذي نعقد لإبرازه هذا العنوان. وقد كتب ابن خلدون فصولًا إضافية عن العصبية واتخذ النسب وصلة الدم أو ما يقوم مقامه أساسًا لها. وقد أُثر عن النبي ﷺ أنه قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به

стр. 67

أرحامكم" بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه١. ولقد كان أفراد القبيلة يعتقدون أنهم أفراد أسرة توالدت من أب واحد، بل ردّوا أصول القبائل كلها إلى أبٍ واحد وعنه نشأت هذه المجاميع الهائلة. ولكن بعض المؤرخين يشك كثيرًا في نسب القبائل؛ فإنه ليس من السهل معرفة الجد الأول لأسرة تتوالد منذ مئات السنين، وهم لم يخرجوا بعد عن عهد الفطرة، بل ذهب بعض المؤرخين إلى أكثر من ذلك، وتساءلوا هل ترجع العصبية حقيقيةً إلى أسرة أم إلى شيء آخر؟ وقد تناول هذا الموضوع المؤرخ الإنجليزي "روبرتسون سميث Robertson smith في كتابه: Kinship and Marriage in early Arabia" الذي يعد نموذجًا للبحث العلمي بالطريقة المستقصاة. وتتلخص نظريته في أن القبيلة ليست أسرةً، بل إنها خليط من الناس ككل الجماعات الأخرى، لا يربطها رابطة النسب، بل رابطة الصلة والتضامن، ثم رابطة الديانة الفطرية التي تسمى طوطمية Totemism وهذه الديانة عبارة عن مرحلة من مراحل الاعتقادات الفطرية توجد في المجتمعات الأولية "Primitive societies" ولا تزال موجودة عند القبائل التي لم تتحضر في أفريقيا وآسيا وأمريكا. وقد وجدت عند الأمم القديمة كاليونان والرومان واليهود وربما عند المصريين٢. وكان هذا الطوطم "Totem" حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا، تعبده القبيلة تعتقد أنها تناسلت منه بشكل خفيّ غامض، وأن دمه يجري في عروقها، ويقول هذا المؤرخ سميث: إن هناك ثلاثة شروط أساسية لوجود الطوطمية Totemism:٣ ١- أن توجد قبائل ذات أسماء حيوانية أونباتية أو جمادية. ٢- أن تعتقد هذه القبائل تناسلها من هذه الكائنات. ٣- أن تعبد هذه الكائنات.

стр. 68

ويقول: إن هذه الأدلة متوافرة في المجتمع العربي القديم: فبنو كلب وبنو نمر وبنو أسد أسماء حيوانية، وبنو حنظلة اسم نباتي، وبنو صخر وبنو جندل اسمان جماديان. أما الشرط الثاني الذي يدل على التناسل فهو الكنية الموجودة في اسم القبيلة "بني"؛ فقبيلة كلب وقبيلة أسد مثلًا تقول: إنهم بنو كلب وبنو أسد، وهذا راجع لاعتقادهم أن القبيلة من أصل واحد١. وأما الشرط الثالث فإنه وجد في المجتمع لاعتقادهم القديم قبائل كانت تقدس حيوانات أو نباتات، ومعنى التقديس هنا هو أن يحرموا ذبح ذلك الحيوان أو النبات ويمنعوا أكله، وإذا مات الحيوان؛ فإنّهم يحتفلون بدفنه عند موته. ومن معبودات العرب القدماء يغوث وكان على صورة أسد٢ ونسر كان على صورة نسر٣، كذلك كانوا يعتقدون في العزّى تحلّ في ثلاث شجرات، فلما ظهر الإسلام أمر النبي ﷺ بهدم معبد العزى وبقطع الشجرات. كذلك كانت القبيلة العربية تعتقد أن دمها مقدّس يجب المحافظة عليه، مما يدل على اعتقادها بأنها متناسلة من معبودها؛ ولذلك فإن أي قتل من القبيلة يعتبر اعتداء على القرابة الروحية التي تربط القبيلة بعضها ببعض، ومن هنا تتضح قوة الثأر عند العرب القدماء، كذلك كان لا يدخل في القبيلة أجنبي إلا بعد إجراءات وطقوس للعمل على امتزاج دم هذا الأجنبي بالقبيلة نفسها. وإذا ناقشنا نظرية سميث رأينا أنها لم تطبق تطبيقًا صحيحًا على المجتمع العربي؛ فإنه حقيقة توجد قبائل لها أسماء حيوان أو نبات أو جماد، لكن هذه الأسماء أسماء أشخاص وليست أسماء رموز أو طواطم، فإن القبائل التي تسمّت بهذه الأسماء لم تعتقد بانحدارها عن حيوان أو نبات أو جماد فبنو أسد مثلًا يعتقدون أنهم من نسل رجل يسمى "أسد" وليس من نسل الأسد الحيوان الرمز الإلهي "الطوطم" فقد ردّوا "أسد" نفسه إلى أب وإلى جد أعلى، ولم يعتبروه جدًا إلا لهذه القبيلة التي هي فرع من أصل كبير مردود إلى أب أعلى معروف بإنسانيته. وكذلك الحال في بني

стр. 69

فهد وبني حنظل وبني صخر وغيرهم. وهذه الأسماء مشهورة متعددة عند العرب وليست أسماء آلهة، كما أن هذه القبائل التي لم تعبد آلهة بهذه الأسماء بل لا يوجد من الأصنام العربية من هو بهذه الأسماء، وإذا كان "سميث" قد أشار إلى يغوث على أنه كان على صورة الأسد أو إلى نسر على أنه كان على صورة النسر، فإن ابن الكلبي لا يصفها بهذه الصفات؛ وإنما وصفها بأنها على صورة الآدميين، كما أن بني أسد لم يعبدوا "يغوث" ولم يوجد من يسمى بنو نسر. هذا إلى أن تقديس العرب لبعض الأشجار أو الأصنام لم يستتبعه انتسابهم لها، كما أن عبادة الحيوان أو الطير لم تكن موجودة في بلاد العرب، ولم يقدس العرب حيوانًا أو طيرًا فيحمونه ويحتفلون بدفنه كما هو الحال عند غيرهم. أما رابطة العصبية؛ فقد دعت إليها ظروف المجتمع القبلي وحاجة الناس فيه إلى التضامن الشديد حفظًا لدمائهم وأموالهم، في مجتمع لا توجد فيه حكومة مركزية تقيم القانون وتحمي الحقوق. وغاية ما في الأمر أنه وجدت آثار تشبه ما لهذا النظام الطوطمي في بلاد العرب، وليس ببعيد أن يكون هذا النظام قد مرّ في طور من أطوار بعض القبائل، إلا أنه لم يرتبط بأنساب العرب إطلاقًا. وهناك مسألة أخرى تتصل بهذا الموضوع، وهي أنه كان في القبائل العربية ما يعرف بالخئولة والعمومة، والأولى هي القرابة من ناحية الأم، والثانية هي القرابة من ناحية الأب. ولقد كان للخئولة شأن جليل في العصر الجاهلي بخلاف ما كان لها في الإسلام. ومسألة الخئولة رابطة يردها "سميث" إلى الطوطمية فيقول: إن نظرية الطوطمية في المجتمعات العربية القديمة تحرم الزواج من داخل القبيلة نفسها، أي أن الإنسان لا يتزوج من قبيلته، بل يتزوج من خارجها. ولقد كانت المرأة تمكث في قبيلتها ولذلك نجد أن الطفل ينشأ فيجد نفسه بين أخواله ومن هنا كانت القبيلة تتعصب لزوج المرأة، والأولاد يتصعب لهم أخوالهم، ولما انتقلت الزوجة إلى قبيلة زوجها أصبح الأولاد يفخرون بأخوالهم عند اللزوم. ومع تقدم المجتمع انتقلت المرأة إلى قبيلة زوجها، وتخلفت عن ذلك ذكريات هي الأصل في الفخر بالخئولة والتعصب لها؛ إنما أخذت تظهر قوة العمومة نتيجة لوجود الزوجة بقبيلة زوجها. ولقد أدى ذلك إلى أنه بعد أن كان الزوج ضعيفًا بالنسبة لزوجته أصبح سيدًا عليها، وارتفع شأن العمومة لدى الأولاد الناشئين١.

стр. 70

ولكن نظرة إلى أنساب العرب تنقض هذا القول فإن العرب ذكروا نسب المرء لأمّه كما ذكروه لأبيه، ونجد زواجًا كثيرًا وقع بين الأقارب والقريبات من بنات العم، وليس هذا في الجاهلية القريبة فحسب، وإنما هو موجود في الجاهلية البعيدة؛ الأمر الذي ينقض نظرية الطوطمية في هذا الموضوع. ثم إن العرب لم يكونوا يتجافون عن زواج القريبات تحت تأثير الفكرة الطوطمية وإنما كان ذلك تحت تأثير فكرة الوراثة التي تقول أن التزاوج بين الأقارب يورث الأولاد أضعف صفات النوع. قال الشاعر العربي: تجاوزت بنت العم وهي حبيبة ... مخافة أن تُضْوِي على وليدي على أن التصنيف المعروف للقبائل العربية هو حاصل عرف جرى عليه النسابون. ونحن لا نعرف تدوينًا للأنساب عند أهل الجاهلية، وإن عرفنا أناسًا اشتهروا بمعرفة النسب في الجاهلية وفي أول الإسلام من أمثال أبي بكر الصديق وغيره؛ وإنما نعرف أن أول تدوين رسمي هو التدوين الذي تم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين وضع ديوان الجيش، وظهرت الحاجة إلى تسجيل القبائل فسجلت، ولم تصل إلينا -ويا للأسف- سجلات هذا الديوان، ولم يصرح أحد من النسابين أنه أخذ مادة أنسابه من تلك السجلات. وإنما الذي بين أيدينا هو خلاصة وجهة نظر النسابين في أنساب القبائل، وعلى هذا التقسيم اعتمد المعنيون بهذا الموضوع. على أن أمر تقدير النسب في حد ذاته أمر بالغ غاية الصعوبة، وذلك لما يعرض له من التداخل، نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تحياها القبائل العربية. فلم يكن المجتمع العربي من التحاجز والتباعد بحيث تعيش كل قبيلة منفصلة عن غيرها في إطارها الخاص وفي جوها المتميز، ولا يكاد يكون بينها وبين غيرها إلا الغارات أو الحذر من الغارات؛ وإنما كان هناك حركة دائمة تسوق هذه القبائل وتقارب بينها، فإن القبائل كانت متصلة متداخلة وكانت كذلك متحركة متقلقلة لا تكاد تتخذ شكلًا معينًا حتى يعرض لها من ضرورات الصلة ومصالح الجوار ومؤالفة المجتمع ما يضطرها إلى أن تنصهر أو تندغم في قالب جديد، فكثيرًا ما كانت بطون من القبائل تضطرها الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية إلى أن تفارق قبائلها وتتصل بقبائل

стр. 71

أخرى عن طريق الحلف أو الجوار، ثم لا تلبث أن تندمج فيها وتنتسب إليها، ثم قد يطرأ لها ما يجعلها تخرج عنها إلى أخرى فتعدل نسبها إليها١، كذلك كان يحدث أن تهاجر بعض البطون من قبائل متعددة ثم تلتقي في مكان واحد فيجمعها الجوار وتربط بينها المصلحة المشتركة، وقد يكون بعضها من الشمال وبعضها من الجنوب، ثم يقع بينها الحلف فتصبح قبيلة واحدة، قد تتخذ اسمها من المكان أو الإقامة أو التجمع، كما تكونت قبيلة تنّوخ على أطراف العراق٢. وقد يختلط الأمر على النسابين حين تتشابه أسماء القبائل وتتعدد هجراتها فينسبون إلى الشمال قبائل من الجنوب وينسبون إلى الجنوب قبائل من الشمال، ويقع لذلك بينهم كثير من الخلاف٣. وكما كانت الحركة نشيطة بين القبائل كانت كذلك أشدّ نشاطًا بين الأفراد٤، فلم تكن تبعية الأفراد للقبائل، في مثل الصرامة التي استقرت في الأذهان ولم تكن نسبة الفرد إلى قبيلته هذه النسبة الحادة التي لا تعرف التحول ولا تستطيع الإفلات؛ وإنما يبدو أنه كانت هناك حرية واسعة يستطيع معها الأفراد من قبيلة أن يغادورها إلى قبيلة أخرى، فينزلون عليها وينتمون إليها ويبنون بنساء منها وتكون لهم هذه القبيلة مجتمعًا جديدًا، ويختلط بنوهم بنسبها، وأكبر مَثَلٌ لذلك شأن قبيلة بجيلة حين ولّى عليهم الخليفة عمر "عرفجة بن هرثمة" فسألوه الإعفاء منه، وقالوا: هو فينا لصيق، أي دخيل، وطلبوا أن يولي عليهم جرير بن عبد الله٥، فسأل عمر عن ذلك فقال عرفجة: "صدقوا يا أمير المؤمنين، أنا رجل من الأزد أصبت أدمًا في قومي ولحقت بهم" فانظر كيف اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم حتى رشح للرياسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه، ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمن لتنوسي، وعدّ منهم بكل وجه ومذهب٦، وكذلك الحال في أمر قيس بن مكشوح

стр. 72

المرادي، إنما هو حليف لمراد١ وكان الحطيئة الشاعر إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من ذهل، وإذا غضب على ذهل قال: أنا من بني عبس٢. ولقد كانت المرأة تطلَّق من زوجها، وهي حامل، أو يموت عنها فتتزوّج رجلًا آخر فتلد مولودها في بيته فيسمى به، وكثير من قبائل العرب انتسبوا إلى حاضنهم وإلى رابهم "زوج أمهم"٣ وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى جاء الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب] ٤. وهكذا كان أمر تقرير الأنسباب وبخاصّة الأنساب البعيدة، أمرًا بالغ الصعوبة. على أن سلامة النسب وصراحته إنما تكون في القبائل المتبدية أكثر منها في القبائل التي تعيش في مناطق الحضارة وتجاور الأمم الأخرى، وذلك لبعد القبائل المتبدية عن الاختلاط والتصاهر والانصهار. واعتبر ذلك من مضر في قريش وكنانة وثقيف وأسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة؛ لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع، فكانت أنسابهم صريحة محفوظة ولم يدخلها اختلاط ولا عرف فيهم شوب٥. وهكذا يقرر ابن خلدون. وإن كان الاختلاط موجودًا في مثل هذه الحالات بنسبة ضئيلة. على أنه مهما في الأنساب من الشك - فإنه إذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد؛ لأنه لا معنى لكون الفرد من هؤلاء أو من هؤلاء؛ إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه التحم بهم٦. وسواء أصحت الأنساب أم لم تصح فقد اعتنقها العرب، ولا سيما متأخروهم، وبنوا عليها عصبيتهم. وقد جاء الإسلام وكان قد تم اعتقاد العرب أنهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة: مضر، وربيعة، واليمن٧.

стр. 73

مهمة الدفاع لدى القبائل ١- نظام الجندية وطبيعة الأعراب: لقد طبعت حياة الصحراء العربي على الحرية المطلقة إلى أقصى حدّ، والنفرة من القيود، وأصبح من طبع البدوي الذي ينتقل مع الكلأ والماء أن ينفر من الحضر؛ لأنه بطبيعته صار يكره الاستقرار في مكان واحد ويمل منه، وبديهي أن يؤثر هذه الطبيعة في نظريته إلى السياسة، وفي طريقة حربه؛ فهو مع كبير مهارته في حروب العصابات المبنية على الكر والفر، والتي مرن عليها في حياة الصحراء التي طبعته بطابع الحذر والاستعداد دائمًا، والتي كانت الغارة والغزو السريع المفاجئ من طبيعة الحياة فيها؛ فإنه لم يكن يستطيع المكوث في الحرب صابرًا حتى تنجلي عن نتيجة، ولا يظهر تعاونه مع بقية المحاربين على ما تقتضيه قوانين الجندية ونظمها، ثم إنه لا يبالي بترك موقعه في المعركة متى شاء ومتى ظن أن النصر قد تحقّق، ولو كان ذلكم مُخالفًا للأوامر الصادرة إليه من القيادة، وما حدث في موقعة أحد خير شاهد على ذلك، فإن الرماة الذين وضعهم النبي ﷺ خلف جيش المسلمين ليحموا ظهره، وأمرهم ألا يبرحوا أماكنهم مهما كانت الظروف إلا بأمره، ما كادوا يرون تقهقر جيش العدو حتى ظنوا أنه النصر وتركوا أماكنهم بالرغم من شدة الأوامر إليهم، وسببوا بذلك هزيمة للجيش. ولما كان النظم العسكري يتطلب تدريبًا خاصًّا ومعيشة في ثكنة أو معسكرات وقتية للتدريب والتعليم أمدًا، والتثقيف في كيفية استعمال الأسلحة، وهي أمور لا يميل الأعرابي إليها، صار الأعرابي أقصر باعًا من الجندي النظاميّ في الحروب الكبيرة المنظمة وأقل حيلةً منه، كما أن عدم احتماله صبرَ الحرب، وعدم تقيّده بأوامر رؤسائه إليه، جعله يخسر بعد نصر ويفرّ بعد هجوم كما لم تدرك القيادات في الجاهلية معنى إحكام الحصار والصبر عليه، ولا معنى احتلال المدن بعد هزيمة الجيش المدافع، فلم يدرك أبو سفيان بن حرب وهو على قيادة جيش قريش يوم أحد قيمةَ نصره، فلم يدخلِ المدينة ويحتلها مع أن الفرصة كانت مواتيةً له بعد هزيمة المسلمين وتفكّك جيشهم، كما لم تستطع قريش وأحلافها الصبرَ على الحصار طويلًا في معركة الخندق، فتراجعت

стр. 74

دون أن تحقّق شيئًا. وكما أن البدوي يعمل فرديًّا، كذلك كانت البطون فرديةعند اشتباك القبائل؛ فقد يرتدّ بطن من المعركة أو قد يتركها قبل أن تتمّ. ولمحاربة هذه العادات عند العرب احتاج تدريبهم في أيام النبي ﷺ إلى استغلال العاطفة الدينية، فزخر القرآن بالآيات المنظمة للقتال، وتفضيل التراص في الحرب على الفردية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف] . والمحذرة من عدم الصبر والهزيمة عند استمرار القتال، كما توعد المخالفين للأوامر والفارّين عند اللقاء بالعذاب الشديد، كما ندّد بدعاة الهزيمة والمتخاذلين الذين يعتذرون بشتىّ الأعذار عند رؤية العدو١. ولقد كانت الحروب التي وقعت في أيام النبي ﷺ وفي حروب الردّة فرصة طيبة لتعويد العرب التنظيم الحربيّ وخوض المعارك الكبيرة، وتدريب القادة؛ حتى إذا ما اندفع العرب إلى المجال الخارجيّ أيام الفتوح بعد انتهاء حروب الردّة، كان الجنديّ العربي أكثر قدرة على القتال من عدوِّه الفارسيّ أو الروميّ؛ ذلك لأن خشونة البدو وروح المغامرة مع الحذر المتأصِّلة فيهم انضاف إليها التدريب والتنظيم، فكانوا قوةً ساحقةً لم تستطع جيوش فارس والروم الوقوف في وجهها. ٢- الجيش عند القبائل: لم يكن لدى القبائل جنود نظاميون مدرّبون؛ وإنما كان كل فرد من رجال القبيلة متمكنًا وذا قدرة على القتال، جنديًا محاربًا عليه تلبية النداء حين يدعي إلى الدفاع عن قبيلته أو لغزو قبيلة أخرى وكانت العصبية تدعو العربي إلى الوقوف في صفوف عشيرته إذا كانت القبيلة تقاتل قبيلةً أخرى وفي صفوف قبيلته إذا كان هناك قتال تشترك فيه قبائل متعددة. هذا في القبائل المتبدية. أمّا في أماكن الحضارة والاستقرار كما هو الحال في اليمن أو في الحيرة أو عند الغساسنة -فقد كانت المشيخات أو الإمارات تعتمد في الدفاع أو الهجوم على قبائلها، كما كان على القبائل أن تقدّم للملك عددًا معينًا من الرجال للخدمة العسكرية، كما هو الحال في المنطقة الغربية الجنوبية.

стр. 75

"مملكة اليمن" أو في مملكة الحيرة، ومن هؤلاء يتألف الجيش النظامي للدولة وهو جيش دائم يُستخدم في السلم والحرب، أما في أيام الحروب فتشترك القبائل المتحالفة والمؤيدة للدولة كلها في الحرب، وقد حدث في أيام النبي ﷺ كما حدث في حروب الردة، وكذلك في الفتوح الإسلامية، ولقد كانت القبائل تقاتل تحت رايتها متساندةً تحت إمرة رجال منهم يخضعون للقيادة العامة. على أن العرب قد عرفوا علم الحرب كما علمته دول الحضارة في عصور الجاهليةالعربية؛ فقد كانت غسان على مقربة من الروم وكانت تدخل معهم في الفِرق المتطوعة على حالي الدفاع والهجوم، وكذلك كان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس يشاركون في تكوين جيوشهم وفي حروبهم، وكان لملك الحيرة فرقتان إحداهما هي الشهباء والأخرى عربية تحمل شعار الدولة الفارسية "الأسدان" وتسمى به "الدوسر"١. والعربيّ لا يحتاج إلى أكثر من هذه المقاربة وهذه القدوة لالتقاط الفنون التي يحتاج إليها في تعبئة الجيوش، وللفطنة إلى المخاوف التي يتقيها في مواجهة التعبئة النظامية من جانب دول الحضارة، وقد تبين هذا فعلًا في موقعة ذي قار التي تغلب العرب على الفرس فيها٢. وقد كان العرب في هذه الموقعة أبرع قيادة وأخبر بفنون الزحف والتبعئة من قادة الجيوش النظامية، فلم يغفلوا قطّ عن حيطة واجبة أو حيلة نافعة قبل اشتباكهم بالجيوش الفارسية؛ بعثوا الطلائع وبثوا العيون وقسموا جموعهم إلى ميمنة يتولاها بنو عجل، وميسرة يتولاها بنو شيبان، وقلب تولته بطون من بكر بن وائل عليهم رئيسهم هانئ بن مسعود. وحاولوا إفساد الموقف على العدو بضمّ بعض القبائل الموالية له، وهي قبيلة إياد التي اتفقوا معها سرًّا على أن تنهزم عند اللقاء. ففرت في الميعاد المتفق عليه. كما كانوا يتشاورون في المواقف، وعرفوا كذلك نظام الكراديس والكمائن، ولم يغفلوا عن حمية الجند والفرسان يلهبونها للمجازفة بالحياة والأنفة من طلب النجاة، وهو ما نسميه بالروح المعنوية.
следующие страницы →