← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

يرجع بذلك، لأنها لم تستهلك، ويرجع أيضا على غار الغار حيث تعذر تغريم الغار لتمرده أو غيبته (١). ولو غصب المسلم خمرا أو خنزيرا على ذمى فان كان باقيا وجب عليه أن يرده بعينه ولو مباشرة لا تخلية، لأن الذميين مقرون على ذلك، وان كان تالفا فقيمته تجب عليه يوم الغصب ويشترط فى ضمان المثل بمثله اذا استمر مثليا الى وقت الاستهلاك، وكان مثليا عند الغاصب والمغصوب منه، ولم يصر بعد الغصب أو مع أحدهما قيميا وان لا يكن كذلك بل غصبه وهو مثلى ثم صار قيميا قبل الاستهلاك أو كان فى يد الغاصب قيميا ومع المغصوب منه مثليا أو العكس اختار المالك طلب المثل أو القيمة واذا كان التالف قيميا فالواجب فيه قيمته يوم الغصب. وان تلف مع زيادة غير مضمونة فلا يلزم الغاصب الا قيمة العين يوم الغصب لا تلك الزيادة أما فى الزيادة المضمونة فيخير المالك بين تضمين الغاصب قيمته يوم تجدّد الغصب فى الزيادة مكانه وبين ان يضمنه قيمة التالف يوم التلف ومكانه. واذا اختار أحدهما برئ الغاصب من الثانى ويتعين الأخير وهو التقويم يوم التلف ومكانه لغير الغاصب وهو حيث كان المستهلك جانيا غير غاصب نحو أن يتلفها قبل أن ينقلها فانه لا يلزمه الا قيمتها فى موضع اتلافها (٢). واذا كانت العين المغصوبة فى جدار للغاصب لزمه هدمه وكذلك اذا كان فى زجاجة له ولم يمكن استخراجها الا بكسرها أو ابتلعتها بهيمة له أو لغيره يجوز ذبحها ووجب شراؤها بما لا يجحف ان أمكن ووجب أيضا أن يهدم وأن يكسر ويذبح لرد ما هى فيه حيث له الحق فى أن يهدم ويكسر ويذبح. فأما لو لم يجز الهدم نحو أن يركب لوحا مغصوبا على سفينة أو خشبة مغصوبة فى بيت وفى السفينة أو البيت نفوس محترمة ولم يمكنهم الخروج أو كان فيها مال لغير الغاصب يخشى تلفه بنزع اللوح أو الخشبة ولو لم يجحف، أو مال له يجحف به اذا تلف فانه لا يهدم حينئذ، وكذا فى الكسر والذبح فأما غير المأكول اذا ابتلع الجوهرة المغصوبة فانه لا يجوز له ذبحه وكذا اذا كان خيط جرحه بخيط مغصوب ونزعه يضره وهو محترم الدم فانه لا يجوز نزعه بل يلزم العوض فاذا تعذر الرد لزم القيمة (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه اذا تعذر رد عين المغصوب الى المغصوب منه لتلف ونحوه

стр. 2592

ضمنه الغاصب بالمثل إن كان المغصوب مثليا وهو المتساوى الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات كالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والأدهان، وإلا يكن مثليا فالقيمة العليا من حين الغصب الى حين التلف، لأن كل حالة زائدة من حالاته فى ذلك الوقت مضمونة كما يرشد اليه أنه لو تلف حينئذ ضمنها فكذا اذا تلف بعدها. وقيل انه يضمن الأعلى من حين الغصب إلى حين الرد - أى رد الواجب - وهو القيمة. وهذا القول مبنى على أن القيمى يضمن بمثله كالمثلى وإنما ينتقل إلى القيمة عند دفعها لتعذر المثل فيجب أعلى القيم إلى حين دفع القيمة، لأن الزائد فى كل آن سابق من حين الغصب مضمون تحت يده. وقيل إنما يضمن بالقيمة يوم التلف لا غير لأن الواجب زمن بقائها انما هو رد العين، والغاصب يخاطب بردها حينئذ زائدة كانت أم ناقصة من غير ضمان شئ من النقص إجماعا، فإذا تلفت وجبت قيمة العين وقت التلف، لانتقال الحق إليها حينئذ لتعذر البدل (١). ولو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج فى يده بغير اختياره كلف قسمته بتمييزه ان أمكن التمييز وان شق، كما لو خلط الحنطة بالشعير أو الحمراء بالصفراء لوجوب رد العين حيث يمكن ولو لم يمكن التمييز كما لو خلط الزيت بمثله أو الحنطة بمثلها وصفا ضمن المثل ان مزجه بالأردأ لتعذر رد العين كاملة لأن المزج فى حكم الاستهلاك من حيث اختلاط كل جزء من مال المالك بجزء من مال الغاصب - وهو أدون من الحق - فلا يجب قبوله، بل ينتقل الى المثل، وهذا مبنى على الغالب من عدم رضاه بالشركة أو قول فى المسألة. والأقوى تخييره بين المثل أو الشركة مع الأرش، لأن حقه فى العين لم يسقط لبقائها، كما لو مزجها بالأجود، والنقص بالخلط يمكن جبره بالأرش وألا يمزجه بالأردأ بل بالمساوى أو الأجود كان شريكا بمقدار عين ماله لا قيمته لان الزيادة الحاصلة صفة حصلت بفعل الغاصب عدوانا، فلا يسقط حق المالك مع بقاء عين ماله، كما لو صاغ الذهب والفضة وعلف الدابة فسمنت. وقيل يسقط حقه من العين للاستهلاك، فيتخير الغاصب بين الدفع من العين، لأنه متطوع بالزيادة وبين دفع المثل والأقوى الأول. هذا كله اذا مزجه بجنسه. أما لو مزجه بغير جنسه كما لو مزج الزيت بالشيرج، فهو اتلاف لبطلان فائدته وخاصيته. وقيل تثبت الشركة هنا أيضا كما لو مزجاه بالتراضى أو مزجاه بأنفسهما لوجود العين.

стр. 2593

ويشكل بأن جبر المالك على أخذه بالأرش أو بدونه الزام بغير الجنس فى المثلى وهو خلاف القاعدة، وجبر الغاصب اثبات لغير المثل عليه بغير رضاه فالعدول الى المثل أجود ووجود العين غير متميزة من غير جنسها كالتالفة. ولو زرع الغاصب الحب فنبت أو أحضن البيض فأفرخ فالزرع والفرخ للمالك على أصح القولين، لأنه عين مال المالك وان كان بفعل الغاصب. وللشيخ قول بأنه للغاصب تنزيلا لذلك منزلة الاتلاف (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن الغاصب اذا تصرف فى المغصوب تصرفا تغير به اسمه مثل جعل الخشبة ألواحا، وجعل الجلد أخفافا فالقيمة، أما اذا لم يتغير كخياطة ثوب أخذه ولا شئ للغاصب. وما أفسده الغاصب فى مال وحضر عينه فتبين ما أنقصه الفساد وعرفت قيمته يوم الغصب بتقويم العدول أو غاب المال المغصوب واتفق الغاصب مع المغصوب منه على الصفة فليس له عليه غير القيمة أو الصفة فاذا اتفقا على الصفة فله المثل أو قيمته، وكذا ان تراضيا على قيمة فله القيمة، وان لم يتفقا على الصفة ولا على القيمة، أو خفيت قيمته فى زمان الغصب أخذ المغصوب منه من الغاصب ما وجده، وحلف الغاصب ما بقى عليه حق. وما يكال أو يوزن أو يمسح أو يعد ولا تفاوت فيه يدرك عليه كيله أو وزنه ولا يراعى قيمته رفعا وخفضا ولا تبعة على من غصب منه الشئ ان غلا يوم الرد. وفى بعض الآثار كل ما يكال أو يوزن فعليه مثله فى الموضع الذى استهلكه فيه هذا اذا كان يوجد له مثل، فان لم يوجد ولكن عرف مثله قيل يصبر الى أوانه ويأخذ مثله. وقيل يخير بين الصبر وبين القيمة. وان استهلك مالا يغنى عن زوجه كأحد الخفين فقيمة الجميع. واذا تعذر على المغصوب منه أخذ حقه فله أن يطلب ذلك من الحاكم وعلى الحاكم ان ظهر الغصب بالبينة أو بالاقرار أن يسترد الحق من الغاصب للمغصوب منه (٢). حكم استهلاك العين المسروقة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن المسروق ان كان قد هلك فى يد من اشتراه من السارق وكان البيع قبل القطع أو بعده فلا ضمان لا على

стр. 2594

السارق ولا على القابض بدليل قول الله تعالى: «وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (١) فالله سمى القطع جزاء فلو ضم اليه الضمان لم يكن القطع كافيا فلم يكن جزاء فالله جعل القطع كل الجزاء فلم يذكر غيره، وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: اذا قطع السارق فلا غرم عليه (٢). ويخرج على هذا الأصل أنه اذا استهلك السارق المسروق بعد القطع لا يضمن فى ظاهر الرواية، لأن عصمة المحل الثابتة حقا للمالك قد سقطت فى حق السارق لضرورة امكان ايجاب القطع فلا يعود الا بالرد الى المالك فلم يكن معصوما قبله فلا يكون مضمونا. وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يضمن، لأن المسروق بعد القطع بقى على ملك المسروق منه ألا ترى أنه يجب رده على المالك، وقبض السارق ليس بقبض مضمون فكان المسروق فى يده بمنزلة الأمانة، فاذا استهلكها ضمن. ولو استهلك المسروق رجل آخر يضمنه، لأن العصمة انما سقطت فى حق السارق لا فى حق غيره فيضمن (٣). وان أحدث السارق فى المسروق حدثا. فان كان حدثا أوجب النقصان فانه يقطع وتسترد العين على المالك، وليس عليه ضمان النقصان، واذا كان أحدث حدثا أوجب الزيادة فالأصل فى هذا أن السارق اذا أحدث فى المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب فى المغصوب انقطع حق المالك ينقطع حق المسروق منه، والا فلا. وعلى هذا اذا قطع السارق الثوب المسروق وخاطه قميصا انقطع حق المالك لأنه لو فعله الغاصب انقطع حق المغصوب منه كذا اذا فعله السارق ولا ضمان على السارق، ولو صبغه أحمر أو أصفر فلا سبيل للمالك على العين المسروقة فى قول أبى حنيفة، لأن المغصوب منه له أصل الثوب وهو متقوم وللغاصب فيه كذلك حق متقوم الا أنه جعل الخيار للملك، لأن المالك صاحب أصل والغاصب صاحب وصف، وهنا فى السرقة حق السارق متقوم وحق المالك فى أصل الثوب ليس بمتقوم فى حق السارق لأجل القطع فاعتبر حق السارق وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له مجانا. وفى قولهما يأخذ المالك الثوب ويعطيه ما زاد الصبغ فيه، لأنه لو وجد هذا من الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب قيمة الثوب وبين أن يأخذ الثوب ويعطيه ما زاد فيه الا أن التضمين هنا متعذر لضرورة القطع فتعين الوجه الآخر (٤).

стр. 2595

وذكر صاحب تبيين الحقائق أن السارق لو صنع من المسروق دراهم أو دنانير قطع وردهما الى المسروق منه، وهذا عند أبى حنيفة. أما صاحباه فقد قالا: لا سبيل للمسروق منه عليهما. وهذا الخلاف مؤسس على أن هذا الصنع لا يقطع حق المالك فى باب الغصب عنده. أما عندهما فيقطع حق المالك. ولو سرق حديدا أو صفرا أو نحاسا أو ما أشبه ذلك فضربها أوانى ينظر ان كان بعد الصناعة والضرب يباع وزنا فهو على الاختلاف الذى مر، وان كانت تباع عددا انقطع حق المالك فيها بالاجماع كما فى الغصب. ومن أمثلة ذلك ما لو سرق حنطة فطحنها وما أشبه ذلك. فكل ذلك يقطع حق المالك فيها (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل: أنه روى عن المدونة أن السارق اذا استهلك العين المسروقة فان اتصل يسره بها من السرقة الى يوم القطع وجب القطع فى يده عقوبة ووجب الغرم فى ماله عقوبة أخرى. فاذا كان معسرا أو أعدم فى بعض المدة فلا غرم اذ لو أوجبنا الغرم فى ذمته لاجتمع عليه عقوبتان اتباع ذمته وقطع يده وذلك لا يجوز (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج والمهذب أن العين المسروقة اذا تلفت ضمنها السارق كمنافعه من مثل فى المثلى وأقصى قيمته فى المتقوم (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أنه اذا قطع السارق نظر فان كانت العين المسروقة باقية ردت الى مالكها أما ان كانت تالفة فعليه قيمتها سواء كان موسرا أو معسرا لا يختلف فى ذلك أهل العلم (٤). مذهب الظاهرية: ذكر ابن حزم أن الواجب على السارق القطع ولا بد، ثم يلزمه أن يحضر ما سرق ان كان موجودا فان عدم الشئ المسروق ضمنه سواء كان صاحبه معروفا أو لم يكن معروفا، وفى حالة عدم معرفته يكون فى جميع مصالح المسلمين (٥).

стр. 2596

مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب أن ما بقى من المسروق فى يد السارق يؤخذ منه ولو قد استهلكه حكما بطحن أو نحوه أو كان الباقى فى يد غير يد السارق بغير عوض كالهبة والصدقة والنذر ونحو ذلك فما خرج من يده بهذه الوجوه وجب رده ولو مع القطع. ويجب أن يرد ما أخذ بغير عوض ولو كان قد غرم فيه من صارت العين فى يده نحو أن تكون خشبة وقد بنى عليها أو نحو ذلك قال فى المعيار: فان لم يتأت نقض البناء الا بغرامة وجبت التخلية فقط كما اذا كان لاحضار العين المغصوبة مؤنة لم يكن عليه الا التخلية. وان كانت العين قد تلفت فى يد من صارت فى يده بغير عوض وجب عليه الضمان المثلى بمثله والقيمى بقيمته ولو بعد القطع. وكذلك لو أخرجت من يد السارق بعوض كاجارة فانها ترد العين للمالك. لكن اذا كان السارق قد استهلك الأجرة استحق المستأجر المنفعة الى انقضاء الاجارة. وان كان قد استهلك بعض الأجرة استحق المستأجر من المنفعة بقدر ما قد استهلك من الأجرة ويرد له باقيها. وان كانت الأجرة باقية أخذت من يد السارق وردت لمالكها وهو المستأجر وترد العين لمالكها. واذا قطع السارق بما سرق فانه لا يغرم بعد القطع المسروق التالف حسا لئلا يجتمع غرمان، فلا يضمن ما قد أتلفه قيميا أو مثليا وسواء أتلفه قبل القطع أم بعده اذا كان قبل الحكم عليه برد السرقة فأما بعده فيضمن (١). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: أنه يجب على السارق أن يعيد العين المسروقة مع وجودها وامكان اعادتها، فاذا لم تكن العين قائمة أو لم يمكن اعادتها وجب عليه أن يرد مثلها اذا كان المسروق مما له مثل، فاذا لم يكن له مثل وجبت قيمته ان كان المسروق مما يتقوم (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن المذهب أن السارق اذا قطع غرم أو يغرم قبله ما سرق، وعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: لا يغرم السارق اذا أقيم عليه الحد (٣). ثم قال صاحب شرح النيل: والقطع لا يسقط به الغرم لأن الغرم حق المخلوق،

стр. 2597

والحق أن القطع حق لله شرع ردعا عن السرقة. وقيل: ان كان موسرا حين سرق أخذ بالغرم ولو قطع والا فلا ان قطع. وقيل: يغرم أن أيسر ودام يسره حتى قطع. وأما من لم يقطع أو سرق مالا قطع به فالغرم واجب باجماع الأمة ومأخوذ. وقيل: ان وجد ما سرق ولم يتلف غرم باتفاق ولو قطع مطلقا (١). حكم استهلاك العين المودعة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه لو قبل الصبى المحجور عليه الوديعة فاستهلكها، فان كانت الوديعة عبدا أو أمة يضمن بالاجماع وان كانت سواهما فان قبلها باذن الولى فكذلك، وان قبلها بغير اذن فلا ضمان عليه. ويخالف أبو يوسف فى هذا فانه يحكم بالضمان ويستند الى أن ايداعه لو صح فاستهلك الوديعة يوجب الضمان، وان لم يصح جعل كأنه لم يكن فصار الحال بعد العقد كالحال قبله. ولو استهلكها قبل العقد لوجب عليه الضمان اذا كانت الوديعة عبدا أو أمة، ولو قبلها العبد المحجور عليه فاستهلكها فان كانت عبدا أو أمة يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، وان كانت سواهما فان قبلها باذن وليه يضمن بالاجماع، وان قبلها بغير اذن وليه لا يؤاخذ به فى الحال هذا رأى أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وخالفهم أبو يوسف فى ذلك فقال: يؤاخذ به فى الحال (٢). ولو أن المودع - بفتح الدال - حبس الوديعة بعد الطلب فضاعت ضمن (٣). وان خلطها المودع بما له ضمن كذلك، لأنه صار مستهلكا متعديا، اذ لا يمكن صاحبها أن يصل الى عين حقه بسبب فعله فيجب عليه الضمان ويملك المخلوط ولا سبيل للمودع - بكسر الدال - فى المخلوط عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن هذا الخلط استهلاك من كل وجه اذ هو فعل يتعذر معه الوصول الى عين حقه ولا يكون الاستهلاك من العباد أكثر من ذلك، لأن اعدام المحل لا يدخل تحت قدرتهم، فيصير ضامنا، ولا اعتبار بالقسمة، لأنها توجب الشركة ليصل كل واحد منهما الى حقه فلا تصلح أن تكون موجبة للشركة. وقال أبو يوسف ومحمد: اذا خلطها بجنسها كانت شركة ان شاء، لأنه لا يمكنه

стр. 2598

الوصول الى عين حقه صورة وأمكنه معنى بالقسمة فكان استهلاكا من وجه فيميل الى أيهما شاء، وهذا لأن القسمة فيما لا تتفاوت آحاده افراز وتعيين حتى ملك كل واحد من الشريكين أن يأخذ حصته عينا من غير قضاء ولا رضا فكان امكان الوصول الى عين حقه قائما معنى فيتخير (١). ولو أبرأ المودع - بكسر الدال - الخالط فلا سبيل للمودع على المخلوط عند أبى حنيفة، لأن حقه فى الدين لا غير وقد سقط بابرائه. وعند صاحبيه يسقط الخيار وتتعين الشركة فى المخلوط. ولو خلط المائع بغير جنسه كالزيت بالشيرج وجب انقطاع حق المالك بالضمان، لأنه استهلاك صورة ومعنى لتعذر القسمة. ولو خلط المائع بجنسه ينقطع حق المالك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وعند أبى يوسف يجعل الأقل تابعا للأكثر. وعند محمد شركة بكل حال لأن الجنس لا يغلب الجنس عنده. وان اختلطت بغير فعله اشتركا، لأن الضمان لا يجب الا بالتعدى ولم يوجد فيشتركان ضرورة، ولو أنفق بعضها فرد مثله فخلطه بالباقى ضمن الكل، لأنه متعد، وان تعدى فيها ثم زال التعدى زال الضمان (٢). ويضمن كذلك بالاتلاف حقيقة أو معنى وهو أعجاز المالك عن الانتفاع بالوديعة، لأن اتلاف مال الغير بغير اذنه سبب لوجوب الضمان حتى لو طلب الوديعة فمنعها المودع مع القدرة على الدفع والتسليم اليه حتى هلكت يضمن، لأنه لما حبسها عجز عن الانتفاع بها للحال صارت يده كيد الغاصب فدخلت فى ضمانه (٣). مذهب المالكية: جاء فى المدونة أنه اذا استودع رجل رجلا وديعة فاستهلكها ثم اشترى ثيابا مثل صفتها ورقتها وعرضها وطولها فردها فى موضع الوديعة لم يبرئه ذلك من الضمان، لأن الرجل لو استهلك لرجل ثوبا فانما عليه قيمته فلما ضمن هذا المستودع باستهلاكه القيمة لم يجزه أن يخرج ثيابا مكان القيمة ولا يبرأ بذلك (٤). واذا قبض العبد أو المكاتب أو أم الولد أو المدبر الودائع باذن ساداتهم

стр. 2599

فاستهلكوها كان ذلك دينا فى ذمتهم ولا يكون فى رقابهم. أما الصبى فلا يلزمه من ذلك شئ اذا قبض الوديعة باذن والده فاستهلكها (١). واذا استودع رجل رجلا وديعة فاستهلكها عبده فهى جناية فى رقبة العبد وليس فى ذمته الا أن يفتكه سيده. وان استهلكها ابنه فذلك دين فى مال الابن ان كان له مال والا اتبع بها دينا عليه (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه لو أودع مالك كامل صبيا أو مجنونا مالا فتلف عنده ولو بتفريط لم يضمن اذ لا يصح التزامه للحفظ وان أتلفه وهو متمول - اذ غير المتمول لا يضمن - ضمن فى الأصح وان قلنا انها عقد، لأنه من أهل الضمان ولم يسلطه على اتلافه. والرأى الثانى لا يضمن كما لو باعه شيئا وسلمه اليه. وأجاب أصحاب الرأى الأول بأن البيع اذن فى الاستهلاك بخلاف الايداع. أما لو أودعه ناقص فانه يضمن بمجرد الاستيلاء التام (٣). وأصل الوديعة أنها أمانة ولو كانت بجعل أو كانت فاسدة، وقد تصير مضمونة على الوديع بالتقصير فيها لعوارض. منها أن يودع غيره ولو ولده أو زوجته أو قنه بلا اذن ولا عذر فيضمن الوديعة لأن المالك لم يرض بأمانة غيره ولا يده (٤). ومن هذه العوارض أن لا يدفع ما يتلف العين المودعة التى يتمكن من دفعها على العادة لأنه من أصول حفظها. فلو أودعه دابة فترك علفها - باسكان اللام - أو سقيها مدة يموت مثلها فيها جوعا أو عطشا ولم ينهه المالك عن ذلك ضمنها ان تلفت، وضمن نقص أرشها ان نقصت. فان نهاه المالك عن علفها وسقيها فلا ضمان عليه على الصحيح وان أثم كما لو أذن له فى الاتلاف (٥). ومن هذه العوارض ما اذا انتفع بها بعد أخذها لابنية ذلك بأن يلبس نحو الثوب أو يجلس عليه مثلا أو يركب الدابة أو يطلع فى الكتاب خيانة - أى لا لعذر - فيضمن لتعديه (٦).

стр. 2600

ولو خلط العين المودعة سواء كان ذلك عمدا أو سهوا كما بحثه الأذرعى - بماله أو مال غيره ولو أجود ولم تتميز بأن عسر تمييزها كبر بشعير كما بحثه الزركشى ضمن ضمان المغصوب، لأن المودع لم يرض بذلك أما لو تميزت بنحو سكة فلا يضمنها الا ان نقصت بالخلط فيضمن النقص (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع ان الوديعة أمانة لقول الله تعالى: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾. (٢) وعلى ذلك فالوديعة لا ضمان فيها على المودع، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال: من أودع وديعة فلا ضمان عليه، ولأن المستودع يحفظها لمالكها، فلو ضمنت لامتنع الناس من الدخول فيها وذلك مضر لما فيه من مسيس الحاجة اليها الا أن يتعدى الوديع أو يفرط فى حفظ الوديعة فيضمنها لأن المتعدى متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير ايداع. والمفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها. وان شرط رب الوديعة على الوديع ضمانها لم يصح الشرط ولم يضمنها الوديع، لأنه شرط ينافى مقتضى العقد فلم يصح. ولو قال الوديع أنا ضامن للوديعة، لم يضمن ما تلف بغير تعد أو تفريط لأن ضمان الأمانات غير صحيح (٣). وان تعدى الوديع فى الوديعة بانتفاعه بها كأن ركب الوديع الدابة المودعة لغير نفعها من علف وسقى، أو لبس الثوب المودع لا لخوف عليه من عث ونحوه، أو كسر ختم كيسها، أو كانت الوديعة مشدودة فحل الوديع الشد، أو جحدها الوديع ثم أقر بها، ضمن فى كل ذلك لأنها بجحدها خرج عن الاستئمان عنها فلم يزل عنه الضمان بالاقرار بها، لأن يده صارت يد عدوان، وكذا لو منعها بعد طلب طالبها شرعا بأن طلبها مالكها أو وليه أو وكيله الثابتة وكالته بالبينة وبعد التمكن من دفعها الى ذلك الطالب ضمن، لأن يده عادية اذن بمنعها. ومثل ما تقدم ما لو خلطها بما لا تتميز منه كزيت بزيت أو شيرج ودراهم بدراهم بطلت الوديعة وضمن المستودع، لأنه صيرها فى حكم التالف وفوت على نفسه ردها، أشبه ما لو ألقاها فى بحر، وسواء خلطها بماله أو مال غيره بمثلها أو دونها أو أجود منها (٤)

стр. 2601

مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه فرض على من أودعت عنده وديعة أن يحفظها ويردها الى صاحبها اذا طلبها منه لقول الله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ (١)» ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» (٢) ومن البر حفظ مال المسلم أو الذمى وقد صح نهى رسول الله ﷺ عن اضاعة المال (٣). فان تلفت من غير تعد منه ولا تضييع لها فلا ضمان عليه فيها، لأنه اذا حفظها ولم يتعد ولا ضيع فقد أحسن والله تعالى يقول: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» (٤) ولقول رسول الله ﷺ : «أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (٥)». فان تعدى المودع فى الوديعة أو اضاعها فتلفت لزمه ضمانها. ولو تعدى على بعضها دون بعض لزمه ضمان ذلك البعض الذى تعدى فيه فقط لأنه فى الاضاعة أيضا متعد لما أمر به (٦). مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب أن الوديعة أمانة فلا تضمن اذا تلفت عند الوديع وان ضمن الا لتعد منه كاستعمال نحو أن يلبس الثوب أو يركب الدابة فيضمن ما تلف، لأنه قد صار غاصبا ما لم يجر عرف بذلك أو يظن الرضا. وكذا اذا أعار الوديع العين المودعة أو أجرها أو رهنها فانه يصير ضامنا بذلك لأجل التعدى. ومن التعدى ما اذا منع الوديع من رد العين المودعة بعد طلبها من مالك الوديعة فانه يضمن ما تلف لأنه قد صار غاصبا (٧). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أنه يجب على الوديع حفظ العين المودعة ولا يلزمه دركها لو تلفت من غير تفريط وأخذت منه قهرا. والذى يوجب الضمان على الوديع تفريطه أو تعديه. أما التفريط فذلك بأن يطرحها فيما ليس بحرز أو يترك سقى الدابة أو علفها، أو نشر الثوب الذى يفتقر الى النشر، أو يودعها من غير ضرورة ولا اذن، أو يسافر بها كذلك مع خوف الطريق ومع أمنه،

стр. 2602

وطرح الأقمشة فى المواضيع التى تعفنها، وكذا لو ترك سقى الدابة، أو علفها مدة لا تصبر عليها فى العادة فماتت به (١). وأما التعدى فذلك بأن يلبس الثوب أو يركب الدابة، أو يخرجها من حرزها لينتفع بها. ولو طلبت منه فامتنع من الرد مع القدرة ضمن، وكذا لو جحدها ثم قامت عليه بينة أو اعترف بها. ويضمن لو خلطها بماله بحيث لا يتميز. وكذا لو أودعه مالا فى كيس مختوم ففتح ختمه. ولو أعاره ومزجه بالباقى ضمن ما أخذه ولو أعاد بدله ومزجه ببقية الوديعة مزجا لا يتميز ضمن الجميع (٢). استهلال التعريف فى اللغة: استهلال مصدر أصل فعله هل. وجاء فى القاموس المحيط: هل المطر اشتد انصبابه كانهل واستهل وهل الهلال ظهر كأهل وأهل واستهل بضمهما. وهل الشهر ظهر هلاله (٣). وجاء فى المعجم الوسيط وأهل الذابح بالضحية رفع صوته ذاكرا اسم من تقدم الضحية قربانا له. وفى التنزيل الحكيم ﴿(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ)﴾ (٤) وأهل فلان الهلال رفع صوته عند رؤيته. واستهل الصبى رفع صوته بالبكاء وصاح عند الولادة، واستهل الشهر أهل ويقال: استهللنا الشهر ابتدأناه أو رأينا هلاله. والمصدر منه الاستهلال - وبراعة الاستهلال أن يقدم المصنف فى ديباجة كتابه أو الشاعر فى أول قصيدته جملة من الألفاظ والعبارات يشير بها اشارة لطيفة الى موضوع كتابه أو قصيدته (٥).

стр. 2603

فمادة الاستهلال تدور حول اشتداد الانصباب والظهور، ورفع الصوت. ويبدو أن الأصل فيها جميعا البدو والظهور. وهو ما يدور حوله المعنى الاصطلاحى لكلمة استهلال. التعريف فى اصطلاح الفقهاء يكاد الفقهاء يجمعون على أن معنى الاستهلال هو ما يدل على ظهور المولود متلبسا بالحياة وخروجه من بطن أمه حيا. ما يكون به الاستهلال مذهب الحنفية: قال صاحب البحر الرائق من الحنفية الاستهلال فى الشرع أن يكون منه - أى المولود - ما يدل على حياته من رفع صوت أو حركة عضو ولو أن يطرف بعينه (١). مذهب المالكية: يذهب المالكية الى أن الاستهلال يكون باستقرار الحياة بأن تحققت حياة المولود بعد ولادته ولو لحظة بأن استهل صارخا أو قامت به أمارة الحياة (٢). مذهب الشافعية: الاستهلال عند الشافعية يكون بالصياح أو البكاء أو بظهور امارة الحياة كاختلاج أو تحرك لاحتمال الحياة بهذه القرينة الدالة عليها (٣). مذهب الحنابلة: قال صاحب كشاف القناع من الحنابلة: يثبت الاستهلال بالصراخ أو العطاس. ويثبت كذلك اذا بكى أو ارتضع أو تحرك حركة طويلة أو تنفس وطال زمن التنفس ونحو ذلك مما يدل على حياته كسعال، لأن هذه الأشياء دالة على الحياة المستقرة فيثبت له أحكام الحى. ولا يثبت بحركة يسيرة أو اختلاج يسير أو تنفس يسير، لأنها لا تدل على حياة مستقرة، ولو علمت الحياة اذن لأنه لا يعلم استقرارها لاحتمال كونها كحركة المذبوح (٤). مذهب الظاهرية: يثبت الاستهلال بما يدل على الحياة من حركة عين أو يد أو نفس أو صراخ (٥). مذهب الزيدية: الاستهلال عند الزيدية بأحد أمور اما بعطاس أو بصياح ولا خلاف فى هذين

стр. 2604

أو بحركة تدل على أنه خرج حيا وفى هذا خلاف. قال فى الكافى عند زيد بن على والقاسمية والفريقين أنه استهلال (١). مذهب الإمامية: يثبت الاستهلال اذا علم أنه حى حين ولادته بصياح أو حركة أو اختلاج أو عطاس، ولا اعتبار بالتقلص الطبيعى وتكفى الحركة الدالة على الحياة (٢). مذهب الإباضية: يثبت الاستهلال أن خرج حيا وأن حياته تعلم بالصراخ أو بالحركة ومنها خروج النفس ومنها حركة عرق تحت كعب. قال أيوب بن اسماعيل تثبت حياته بتحرك بعض أعضائه وان لم يصرخ (٣). ما يثبت به الاستهلال مذهب الحنفية: اختلف صاحبا أبى حنيفة معه فى الذى يثبت به الاستهلال فقد روى صاحب البحر الرائق نقلا عن المجتبى والبدائع - أنه اختلف فى الاستهلال. فعن أبى حنيفة: لا يقبل فيه الا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فى غير الأمور الدينية لأن الصياح والحركة يطلع عليها الرجل. أما هما فقالا: يقبل قول النساء فيه منفردات الا الأم فلا يقبل قولها فى الميراث اجماعا لأنها متهمة لجرها المغنم الى نفسها. وانما قبل قول النساء منفردات عندهما لأن هذا المشهد لا يشهده الرجال. وقول القابلة مقبول فى حق الصلاة - فى قولهم - وأمه كالقابلة كما فى البدائع، لكن قيد بالعدالة فقال: لأن خبر الواحد فى الديانات مقبول اذا كان عدلا (٤). وقال صاحب البدائع: لو شهدت القابلة أو الأم على الاستهلال تقبل فى حق الغسل والصلاة عليه (٥). مذهب المالكية: وعد المالكية الاستهلال فى ضمن الأمور التى لا يطلع عليها الرجال فقبلوا فيه شهادة امرأتين. فقد ذكر صاحب الشرح الصغير أن الشهادة تكون فيما لا يطلع عليه الرجال

стр. 2605

بامرأتين عدلين كالاستهلال لمولود أو عدمه (١). مذهب الشافعية: حكى أبو اسحاق الشيرازى أن الشافعية يختلفون فيمن تقبل شهادته فى ذلك. فقال: وتقبل شهادة النساء منفردات على استهلال الولد وأنه بقى متألما الى أن مات. وفى مغنى المحتاج أن نصاب الشهادة فيما تقبل فيه شهادة النساء منفردات أربع نسوة عدول. وكل ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات تقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين بالأولى (٢). وقال الربيع رحمه الله تعالى: فيه قول آخر أنه لا يقبل الا شهادة رجلين. والصحيح هو الأول لأن الغالب أنه لا يحضرها الرجال (٣). مذهب الحنابلة: وعد الحنابلة الاستهلال فى ضمن ما لا يطلع عليه الرجال فقد ذكر صاحب كشاف القناع أنه يقبل فيما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء وكالاستهلال ونحوه شهادة امرأة واحدة عدل لما روى أبو حذيفة أن النبى ﷺ أجاز شهادة القابلة وحدها. والأحوط اثنتان خروجا من الخلاف (٤). مذهب الظاهرية: أما الظاهرية فيشترطون فى اثبات الاستهلال شهادة أربع قوابل عدول، فقد ذكر أبو محمد فى حكم من ضرب حاملا فأسقطت جنينا: أنه ان كان بعد تمام الأربعة الأشهر وتيقنت حركته بلا شك وشهد بذلك أربع قوابل عدول فان فيه غرة (٥). مذهب الزيدية: ويرى الزيدية أن الولادة مما يتعلق بعورات النساء فيقبلون فيها شهادة امرأة فقد جاء فى التاج المذهب أن ما يتعلق بعورات النساء كالولادة فانه يقبل فيه امرأة عدلة فى غير ما يوجب القصاص (٦). مذهب الإمامية: ذكر صاحب الخلاف أنه تقبل شهادة النساء على الانفراد فى الولادة والاستهلال بلا خلاف. ثم قال ان كل موضع تقبل فيه شهادة النساء على الانفراد لا يثبت الحكم فيه الا بشهادة أربع منهن، فان كانت شهادتهن

стр. 2606

فى الاستهلال أو فى الوصية لبعض الناس قبل شهادة امرأة فى ربع الميراث وربع الوصية، وشهادة امرأتين فى نصف الوصية ونصف الميراث، وشهادة ثلاث فى ثلاثة أرباع الوصية وثلاثة أرباع الميراث، وشهادة أربع فى جميع الوصية وجميع الميراث (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: وتقبل شهادة النساء فيما لا يباشره الرجال، كبيان حمل وحياة مولود وموته عند ولادته (٢). ما يترتب على الاستهلال من أحكام مذهب الحنفية: يرتب الحنفية على استهلال الجنين تسميته وغسله والصلاة عليه وتوريثه فقد جاء فى بدائع الصنائع أنه من شرائط وجوب التغسيل أن يكون ميتا مات بعد الولادة. روى عن أبى حنيفة أنه قال اذا استهل المولود سمى وغسل وصلى عليه وورث وورث عنه واذا لم يستهل لم يسم ولم يغسل ولم يرث. وعن محمد أيضا أنه لا يغسل ولا يسمى ولا يصلى عليه. وهكذا ذكر الكرخى لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال: اذا استهل المولود غسل وصلى عليه وورث وان لم يستهل لم يغسل ولم يصل عليه، ولأن وجوب الغسل بالشرع، وأنه ورد باسم الميت، ومطلق اسم الميت فى العرف لا يطلق على من ولد ميتا، ولهذا لا يصلى عليه وهذا اذا لم يستهل. فأما اذا استهل بأن حصل منه ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو أو طرف أو غير ذلك فانه يغسل بالاجماع لما روينا، ولأن الاستهلال دلالة الحياة فكان موته بعد ولادته حيا فيغسل. وروى عن أبى يوسف أنه اذا لم يستهل يغسل ويسمى ولا يصلى عليه. هكذا ذكر الطحاوى (٣). والعبرة بخروج أكثره حيا لما فى المحيط. قال أبو حنيفة اذا خرج بعض الولد وتحرك ثم مات فان كان خرج أكثره صلى عليه، وان كان أقله لم يصل عليه. وفى آخر المبتغى: الولد اذا خرج رأسه وهو يصيح ثم مات قبل أن يخرج لم يرث ولم يصل عليه ما لم يخرج أكثر بدنه حيا (٤).

стр. 2607

ومن ضرب بطن حامل فألقت جنينا فان كان حرا وألقته ميتا ففيه الغرة وهى نصف عشر دية الرجل وعشر دية المرأة وكل منهما خمسمائة درهم سواء كان الجنين ذكرا أم أنثى. والغرة واجبة استحسانا ووجهه ما روى عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: كنت بين جاريتين فضربت احداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا وماتت فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين. والقياس أن لا يجب شئ فى الجنين، لأنه لم يتيقن بحياته والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق وانما ترك القياس بالنص، وان ألقت جنينين ميتين ففى كل واحد منهما غرة. وان ألقته حيا فدية كاملة لأنه أتلف آدميا خطأ أو شبه عمد فتجب فيه الدية كاملة. وان ألقت جنينين حيين ثم ماتا ففى كل واحد منهما دية. وان ألقت أحدهما ميتا والآخر حيا ثم مات فعليه فى الميت الغرة وفى الحى الدية، هذا اذا كان الجنين حرا. فاذا كان رقيقا فان ألقته ميتا ففيه نصف عشر قيمته ان كان ذكرا وعشر قيمته ان كان انثى. وروى عن أبى يوسف أن فى جنين الأمة ما نقص الأم. ولو ألقته حيا ثم مات فقيمته لو كان حيا (١). مذهب المالكية: وأوجب المالكية غسله والصلاة عليه فقد ذكر صاحب الشرح الصغير أن من استهل صارخا وتحققت حياته أو وقعت منه أمور لا تكون الا من حى فانه يجب تغسيله وتجب الصلاة عليه. أما من لم يستهل صارخا فانه يكره غسله وتكره الصلاة عليه ولو تحرك أو بال أو عطس ان لم تتحقق حياته. فان تحققت وجب الغسل والصلاة (٢). وكذلك يرتبون على الاستهلال الارث له والارث عنه فقد جاء فى الشرح الصغير أنه يثبت الارث عند ثبوت الاستهلال وكذلك يثبت النسب بالاستهلال، فان استهل فانه يرث من مات قبل ذلك واذا استهل ومات عن مال ثبت الارث عليه بشهادة المرأتين، فيرثه الحى بعده بلا يمين من المدعى فيما لا يظهر للرجال (٣).

стр. 2608

كما يرتبون عليه كذلك ان يلزم من تسبب فى موته ديته. قال صاحب الشرح الصغير: ومن ضرب امرأة حاملا وانفصل عنها الجنين فان استهل فالدية لازمة فيه ان مات وأقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجانى، فان لم يقسموا فلا غرة ولا دية، لأنه يحتمل موته بغير فعل الجانى، فان ماتت أمه وهو مستهل ومات فديتان. وان تعمد الجانى الجنين بضرب بطن أمه فنزل مستهلا ومات فالقصاص بالقسامة وهذا هو الراجح من الخلاف. وأما من تعمد الجنين بضرب رأس أمه فالراجح الدية. وتعدد الواجب بتعدد الجنين من عشر أو غرة إن لم يستهل ودية ان استهل (١). مذهب الشافعية: ويرتب الشافعية على استهلال الجنين غسله والصلاة عليه وارثه. قال أبو اسحاق الشيرازى فى المهذب: اذا استهل السقط أو تحرك ثم مات غسل وصلى عليه لما روى أبن عباس أن النبى ﷺ قال: اذا استهل السقط غسل وصلى عليه وورث وورث عنه، ولأنه قد ثبت له حكم الدنيا فى الاسلام والميراث والدية فغسل وصلى عليه كغيره. وان لم يستهل ولم يتحرك فان لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة ودفن وان تم له أربعة أشهر ففيه قولان. قال فى القديم: يصلى عليه لأنه نفخ فيه الروح فصار كمن استهل. وقال فى الأم: لا يصلى عليه. وهو الأصح، لأنه لم يثبت له حكم الدنيا فى الارث وغيره، فلم يصل عليه. فان قلنا يصلى عليه غسل كغير السقط، وان قلنا لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد. وقال فى الأم: يغسل لأن الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما تقول فى الكافر (٢). وحكى صاحب المهذب أن ابن المرزبان قال: اذا انفصل الحمل واستهل ورث. لما روى سعيد بن المسيب رحمة الله عليه عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: أن من السنة أن لا يرث المنفوس ولا يورث حتى يستهل صارخا، فان تحرك حركة حى أو عطس ورث، لأنه عرفت حياته فورث كما لو استهل. وان خرج ميتا لم يرث لأنا لا نعلم أنه كان وارثا عند موت مورثه. وان تحرك حركة

стр. 2609

مذبوح لم يرث لأنه لم يعرف حياته. وان خرج بعضه وفيه حياة ومات قبل خروج الباقى لم يرث لأنه لا يثبت له حكم الدنيا قبل انفصال جميعه (١). وفى حكم الجناية على الجنين المستهل يقول الشيرازى: وان ضرب بطنها - يعنى المرأة - فألقت جنينا فاستهل أو تنفس أو شرب اللبن ومات فى الحال أو بقى متألما الى أن مات وجبت فيه الدية كاملة. وقال المزنى: ان ألقته لدون ستة أشهر ومات ضمن بالغرة ولا يلزمه دية كاملة لأنه لم يتم له حياة، وهذا خطأ، لأنا تيقنا حياته، والظاهر أنه تلف من جناية فوجب عليه دية كاملة، وان ألقته حيا وجاء آخر وقتله فان كان فيه حياة مستقرة كان الثانى هو القاتل فى وجوب القصاص والدية الكاملة والأول ضارب فى وجوب التعزير. وان قتله وليس فيه حياة مستقرة فالقاتل هو الأول وتلزمه الدية والثانى ضارب وليس بقاتل، لأن جنايته لم تصادف حياة مستقرة. وان ضرب بطن امرأة فألقت جنينا وبقى زمانا سالما غير متألم ثم مات لم يضمنه لأن الظاهر أنه لم يمت من الضرب ولا يلزمه ضمانه. وان ضربها فألقت جنينا فاختلج ثم سكن وجبت فيه الغرة دون الدية، لأنه يجوز أن يكون اختلاجه للحياة ويجوز أن يكون بخروجه من مضيق، لأن اللحم الطرى اذا حصل فى مضيق انقبض فاذا خرج منه اختلج فلا تجب فيه الدية الكاملة (٢). مذهب الحنابلة: ذكر صاحب كشاف القناع أنه اذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلى عليه نص عليه فى رواية حرب وصالح لقوله ﷺ : والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ولو لم يستهل أى يصوت عند الولادة. ويستحب تسميته ولو ولد قبل أربعة أشهر (٣). وفيما يتعلق بميراثه قال: اذا وضع المولود حيا فانه يرث ويورث وتعلم حياته اذا استهل بعد وضع كله صارخا لحديث أبى هريرة مرفوعا: اذا استهل المولود صارخا ورث. رواه أحمد وأبو داود فان خرج بعضه حيا فاستهل أى صوت ثم انفصل ميتا لم يرث وكان كما لو لم يستهل.

стр. 2610

وان جهل مستهل من توأمين ذكر أو أنثى وارثهما مختلف بأن كانا من غير ولد الأم عين المستهل بقرعة وقال الخيرى ليس فى هذا عن السلف نص، وقال بعض الفرضيين تعمل المسألة على الحالين ويعطى كل وارث اليقين ويوقف الباقى حتى يصطلحوا عليه (١). وان ادعت امرأة على آخر أنه ضربها وقالت سقط الولد حيا لوقت يعيش لمثله ففيه دية كاملة وقال الجانى سقط ميتا ففيه غرة فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل براءته من الدية. وان أقامت المرأة بينة باستهلاله وأقام الجانى بينة بخلافها قدمت بينتها لأنها ثبتت ومعها زيادة علم. وان قالت مات الولد عقب الاسقاط. وقال الجانى: عاش مدة ثم مات بعد ذلك بغير الجناية فقولها بيمينها اعتبارا بالسبب الظاهر. ومع التعارض بأن أقام كل منهما بينة بدعواه تقدم بينته لأنها معها زيادة علم وان ثبت أنه عاش مدة فقالت المرأة بقى متألما حتى مات فأنكر فقوله بيمينه، لأن الأصل عدم التألم ومع التعارض تقدم بينتها. ويقبل فى استهلال الجنين وفى سقوطه وفى ابقائه متألما أو ابقاء أمه متألمة قول امرأة عدل لأنه مما لا يطلع عليه الرجال غالبا. وان اعترف الجانى باستهلاله أو ما يوجب فيه دية كاملة فالدية فى مال الجانى. وان انفصل من المرأة جنينان ذكر وأنثى فاستهل أحدهما ومات وسقط الآخر ميتا واتفقوا على استهلال أحدهما واختلفوا فى المستهل فقال الجانى: هو الأنثى وقال وارث الجنين هو الذكر فقول الجانى بيمينه، لأن الأصل براءته مما زاد عن دية الأنثى، وان كان لأحدهما بينة قدم بها، لأن البينة تظهر الحق وتبينه، وان كان لهما بينتان وجبت دية الذكر لثبوت استهلاله والبينة المعارضة لها نافية ولم تجب دية الأنثى لعدم ادعاء وارثها اياها. وان لم تكن بينة واعترف الجانى باستهلال الذكر فأنكرت العاقلة استهلاله فقولهم لأن الأصل براءتهم، فاذا حلفوا كان عليهم دية الأنثى لاعترافهم باستهلالها، وعلى الجانى تمام دية الذكر وهو نصف الدية مؤاخذة له باعترافه. وان اتفقوا على أن أحدهما استهل ولم يعرف لزم العاقلة دية أنثى لأنها اليقين وما زاد مشكوك فيه. وتجب الغرة فى الذى لم يستهل منهما بكل حال (٢). مذهب الظاهرية: ولا يفرق الظاهرية بين من ولد حيا ثم مات استهل أو لم يستهل فى استحباب الصلاة عليه. قال صاحب المحلى:

стр. 2611

وتستحب الصلاة على المولود يولد حيا ثم يموت استهل أو لم يستهل. وليس الصلاة عليه فرضا ما لم يبلغ. أما الصلاة عليه فانها فعل خير لم يأت عنه نهى. أما ترك الصلاة عليه فلما روينا من طريق أبى داود عن عائشة أم المؤمنين قالت: مات ابراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ . وهذا خبر صحيح، ولكن انما فيه ترك الصلاة وليس فيه نهى عنها، وقد جاء أثران مرسلان بأنه ﵇ صلى عليه. حدثنا عبد الله بن ربيع عن المغيرة بن شعبة أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: الراكب خلف الجنازة والماشى حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه، وروينا عن قتادة عن سعيد بن المسيب فى السقط لأربعة أشهر يصلى عليه قال قتادة: ويسمى فانه يبعث ويدعى يوم القيامة باسمه. وقال الحسن وابراهيم: يصلى عليه اذا استهل (١). ومن ضرب حاملا فأسقطت جنينا فإن كان قبل الأربعة الأشهر قبل تمامها فلا كفارة فى ذلك لكن الغرة واجبة فقط لأن رسول الله ﷺ حكم بذلك، وإن كان بعد تمام الأربعة الأشهر وتيقنت حركته بلا شك وشهد بذلك أربع قوابل عدول فان فيه غرة عبدا أو أمة فقط، لأنه جنين قتل فهذه هى ديته (٢). والكفارة واجبة بعتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لأنه قتل مؤمنا خطأ. مذهب الزيدية: ويرى الزيدية أن الاستهلال يوجب غسل المسلم والصلاة عليه وتسميته وارثه. قال صاحب البحر الزخار. يجب كفاية غسل المسلم والصلاة عليه ولو سقطا استهل بامارة حياة لقوله ﷺ : اذا استهل السقط صلى عليه، فان لم يستهل فلا يغسل ولا يصلى عليه لقوله ﷺ فان لم يستهل لم يصل عليه. وحكى فى الانتصار عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اذا استهل الصبى صلى عليه وسمى وورث، وان لم يستهل لم يصل عليه ولم يسم ولم يورث (٣). وجاء فى التاج المذهب أنه يلزم فيما خرج حيا بسبب العلاج ثم هلك

стр. 2612

بسبب الخروج الدية على عاقلة المخرج له. وان خرج ميتا وقد كان علم نفخ الروح فيه وجب فيه الغرة على الجانى وسواء كثرت المدة التى وقف فيها فى بطن أمه كتسعة أشهر أم قلت كأربعة أشهر (١). وذكر صاحب البحر الزخار أن ما خرج وفيه امارة حياة - صوت أو حركة حى أو تنفس ففيه الدية ولو لدون ستة أشهر، فإن خرج وفيه حياة مستقرة ثم قتله آخر فالقود عليه، إذ هو المباشر وعلى الآخر أرش ضرب الأم والتعزير ومجرد الحركة لا تدل على الحياة اذ قد يختلج اللحم بعد تقطيعه فان ضرب حاملا فخرج منها يد جنين أو رجله ثم خرج ناقصا بعد ذلك قبل برئها من الضرب ففيه الغرة وتدخل اليد فيها، إذ الظاهر سقوطها بالضرب فان خرج حيا فالدية كاملة وتدخل اليد فيها، وان عاش لزم أرش اليد فقط، وإن خرج بعد البرء من الضرب ضمن اليد لا الجنين، كمن قطع يد رجل ثم اندملت ثم مات بعلة أخرى، فان خرج ميتا فنصف الغرة لأجل اليد وأن خرج حيا ثم مات فنصف الدية (٢). مذهب الإمامية: واختلف رأى الإمامية فى حكم الصلاة على من استهل، فقد روى صاحب مفتاح الكرامة عن الجعفى أنه لا يصلى على صبى حتى يعقل. وعن الحسن بن عيسى أنه لا يصلى عليه ما لم يبلغ. وعن الكاتب ايجابها على المستهل. ويستحب على من نقص سنه عن ذلك ان ولد حيا، ولا صلاة ان سقط ميتا وان ولجته الروح، فلا يصلى على الذى خرج بعضه فاستهل ثم سقط ميتا. وصرح فى المعتبر والمنتهى ونهاية الأحكام والتذكرة بالاستحباب لو خرج بعضه واستهل ثم مات ولو كان البعض الخارج أقله (٣). وجاء فى شرائع الاسلام: الحمل يرث بشرط انفصاله حيا، ولو سقط ميتا لم يكن له نصيب ولو مات بعد وجوده حيا كان نصيبه لوارثه، ولو سقط بجناية اعتبر بالحركة التى لا تصدر الا من حى دون التقلص الذى يحصل طبعا لا اختيارا (٤).

стр. 2613

واذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا حرا مسلما واستهل أى صاح وصرخ ثم مات فعليه الدية كاملة بلا خلاف. وان لم يستهل بل كان فيه حياة مثل أن تنفس أو شرب اللبن فالحكم فيه كما لو استهل (١). مذهب الإباضية: ذهب الإباضية الى أن أهل العلم أجمعوا على أن الطفل اذا عرفت حياته واستهل صلى عليه واختلفوا فيه اذا لم تعرف حياته. قال قوم: اذا لم يستهل لم يصل عليه. وقال قوم: يصلى عليه ولو لم يستهل (٢). وجاء فى النيل أن من شروط الارث تحقق حياة الوارث حياة مستقرة أو الحاقه بالاحياء تقديرا فى الجنين الذى انفصل حيا حياة مستقرة لوقت يظهر وجوده عند الموت (٣). واذا ألقت المرأة جنينا ميتا ثم ألقت بعده آخر وصرخ فانه يرث فى الأول ويورث عنه، وان كان الأول هو الذى صرخ فلا يرث فى الثانى (٤). واذا ألقت المرأة الجنين بعد موتها بضربة على الجانى الدية أو القصاص، ولا شئ فى الجنين، وقيل فيه الغرة. واذا ألقته واستهل صارخا وكانت الجناية خطأ ومات بفوره ففيه الدية بلا قسامة، وزعم قوم أن فيه قسامة. وان مات بعد ما طال فالدية بقسامة وان كانت الجناية عمدا فالقصاص والدية، وقيل: تتعين الدية. وان تحرك ولم يستهل فالغرة. وقيل الدية، وكذا ان رضع أو عطس. والمذهب أن فيه الدية سواء فى الضارب الأب والأم ان ضربت نفسها أو ضربها غيرها (٥). استيلاء يلاحظ فى أساليب رجال القانون أنهم يستعملون لفظ استيلاء ولفظ حيازة وهما لفظان لا يكادان يختلفان معنى ودلالة فى اللغة العربية. ففى القاموس والمعجم الوسيط: استولى على الأمر ظهر عليه وتمكن منه وصار

стр. 2614

فى يده وبلغ الغاية فى ذلك وحاز الشئ ضمه وملكه وجمعه كاحتازه. وهذه المعانى متلاقية لا اختلاف بينها. والشرعيون يستعملون اللفظين استعمالا واحدا فى وضع اليد على الشئ والظهور عليه مع التمكن منه. والأموال بالنظر الى ما يكون للاستيلاء فيها من أثر نوعان. أموال مباحة وأموال مملوكة. فالمباحة هى التى تملك بالاستيلاء عليها فيتشابه الملك فيها ويكتسب امتلاكها به. أما المملوكة فالاستيلاء عليها وان شئت قلت حيازتها حق لمالكها وأثر من آثار ملكه اياها ولا يكون لغير مالكها الا عن طريقه. ولما كانت جميع الأموال قد خلقها الله للناس لينتفعوا بها كانت مباحة لهم - هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا - وكان لهم أن ينتفعوا بها وذلك عن طريق استيلائهم عليها وتمكنهم منها على أوضاع وصور أدت فى كثير من الأحوال الى اختصاصهم بها والاستئثار بمنافعها استئثارا سمى ملكا وامتلاكا وعد المصدر والأساس لوجوه الانتفاع وصوره ومن ثم كان الاستيلاء سببا من أسباب الملك وكان السبب الوحيد لتملك المال المباح وكان الملك الناشئ به مصدر كل ملك وجد بعده. فالمال المباح قبل الاستيلاء عليه لم يكن ملكا لأحد فاذا استولى عليه أصبح ملكا له ينتقل عنه الى ورثته بعد وفاته أو الى من يملكه اياه بعقد من العقود أو بأى سبب من الأسباب الناقلة للملك وهذا ما اقتضته طبيعة حياتنا الاجتماعية وأقرته الشريعة الاسلامية فيما أثر عن رسول الله ﷺ . فقد روى أن أسمر بن مغرس قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته فقال من سبق الى ما لم يسبق اليه أحد فهو له، قال فخرج الناس يتعادون ويتخاطون رواه أبو داود أى يسرعون فى السير ويعملون على الأرض علامات بالخطوط وهى تسمى الخطط واحدتها خطة ليثبتوا سبق أيديهم على ما حازت من الأرض. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ من أحاط حائطا على أرض فهى له رواه أحمد وأبو داود وفى رواية من أحيا أرضا ميتة فهى له رواه أحمد والترمذى وصححه والأرض الميتة هى التى لم تعمر شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت واذا كان هذا هو حكم العقار فالمنقول به أولى لكمال الحيازة والاستيلاء فيه ولظهور الاستئثار به ظهورا لا يكون فى العقار.

стр. 2615

وانما يتحقق الاستيلاء ويترتب عليه أثره وهو الملك اذا كان بفعل يؤدى الى التمكن ووضع اليد، فاذا لم يكن فعل لم يتحقق الاستيلاء ولم يثبت ملك. وعلى هذا لو حظر انسان السمك فى حظيرة فان أمكن بذلك أخذه من غير صيد كان هذا استيلاء وتملكه بهذا الفعل ولذا يجوز له بيعه على هذا الوضع وان لم يمكن أخذه من الحظيرة الا بصيد لم يملكه، لأنه لا يعد مستوليا عليه بوجوده فى الحظيرة على هذا الوضع. وكذلك الحكم فى سائر المباحات كالطيور اذا باضت أو فرخت فى أرض انسان فانه لا يخرج بذلك عن اباحته ويكون لكل من يسبق الى أخذه سواء فى ذلك صاحب الأرض أو غيره. ولا يختلف الحكم اذا ما كان صاحب الأرض قد أعد فى أرضه وكرا لذلك فاحتله الطير دون عمل من صاحب الوكر. ومن الفقهاء المتأخرين من ذهب الى أن اتخاذ الوكر يعد عملا يتحقق به الاستيلاء فاذا حل فيه الصيد صار مملوكا لصاحب الوكر. ويقول صاحب البدائع أن هذا الرأى غير سديد، لأن هذا لا يعد أخذا والرسول ﷺ يقول فهو لمن أخذه ولأن الملك فى المباح انما يثبت بالاستيلاء عليه واذا أخذه من الوكر انسان غير صاحب الوكر كان هو المستولى عليه دون صاحب الوكر. وكذلك الحكم فى صيد التجأ الى أرض رجل أو الى داره فلا يعد ذلك استيلاء من صاحب الأرض أو الدار ولذا لو أخذه من الأرض أو الدار انسان كان له ولكن لو رد صاحب الدار عليه الباب بعد التجائه ملكه بذلك ان أمكنه أخذه من غير صيد لتحقق الاستيلاء عليه بفعله مع امكان أخذه. وكذلك لو نصب شبكة فتعقل بها صيد على وضع ليس له خلاص فيها فانه يكون لناصب الشبكة سواء أكانت ملكا له أم لغيره. وكذلك من أرسل بازى انسان بغير اذنه على صيد فأخذه أو أغرى كلبا لانسان على صيد فأخذه فانه يكون للمرسل أو المغرى لا لصاحب البازى أو الكلب. ولكن لو نصب فسطاطا فالتجأ اليه صيد لم يملكه، لأن نصب الفسطاط لم يكن لهذا الغرض بل لغرض آخر فلم يكن نصبه عملا يراد به الاستيلاء بخلاف نصب الشبكة (١). ولو حفر حفرة فوقع فيها صيد فان كان قد حفرها ليجتمع فيها الماء لم يملكه بوقوعه فيها وكان لمن

стр. 2616

أخذه منها وان حفرها للاصطياد ملكه بوقوعه فيها (١). وعلى هذا لو ترك انسان طستا تحت قبة السماء فنزل المطر فملأه لم يحرزه بذلك ولم يملكه ولو وضعه لهذا الغرض أحرزه بذلك وملكه وكان له بيعه ومنعه. وحاصل القول فى ذلك أن الاستيلاء المفيد للملك نوعان: حقيقى وحكمى. فالحقيقى يكون بوضع اليد فعلا أو بالقوة كالأشجار المباحة تقطعها والأثمار فيها تجنيها والماء تملأ منه اناءك والصيد تمسكه بيدك فتملك كل ذلك للاستيلاء عليه استيلاء حقيقيا. وكذلك اذا قصدت الى الشجرة المباحة أو الى ثمرتها أو الى كلأ أو الى صيد قد وقع فى حفرة وحرث قريبا من هؤلاء بحيث لو مددت يدك لأخذت ذلك فانك تملكه لأنك قد استوليت عليه ووضعت يدك عليه بالقوة. أما الاستيلاء الحكمى: فانه يكون باستعمال الآلات وتهيئة المباح لأن توضع اليد عليه فعلا أو بالقوة كتجمع ماء المطر فى طست على الأرض لذلك أو فى حفرة حفرت لهذا الغرض وكتعلق صيد فى شبكة نصبت أو رمية بمقذوف خرج به عن امتناعه وتأبده. وترتب الملك على الاستيلاء الحقيقى لا يحتاج الى نية وقصد فهو سبب فعلى لا يشترط فى ترتب أثره على نية التملك ولذا يعتبر من كل من يصدر منه فلو كان غير أهل للالتزام والارادة كالمجنون والصغير الذى لا يميز فاذا تناول أحدهما مالا مباحا تملكه بتناوله لأن النية فى هذا النوع من الاستيلاء ليست شرطا. أما الاستيلاء الحكمى: فلا تترتب عليه الملكية الا اذا قصد به الاحراز فان لم يقصد به الاحراز لم تترتب عليه ملكيته وذلك كما يرى فى ماء تجمع فى طست ترك تحت قبة السماء لا لهذا الغرض وفى حيوان التجأ الى أرض شخص أو دار انسان كما فى الخيرية. ورأى (٢) مالك والشافعى (٣) وأحمد (٤) كرأى الحنفية فى الاستيلاء الحقيقى. وللشافعى وأحمد روايتان فى الاستيلاء الحكمى. احداهما أنه كالحقيقى. والأخرى كرأى الحنفية فقد جاء فيما روى عنهما أن الاستيلاء على الصيد ان كان بآلة من الآلات التى تستعمل فى العادة للصيد وتتخذ للاستيلاء عليه ملكه وان كان بما لا يتخذ عادة.

стр. 2617

لذلك لم يترتب عليه الملك على أصح القولين الا اذا قصد به التملك فان لم يقصد به التملك لم يملكه وان صار به أحق من غيره عند الشافعية. وعلى هذا ففى الصيد يقع فى أرض انسان وصار مقدورا عليه بسبب توحله أو انكسار عضو منه لم يملكه صاحب الأرض فى الأصح عند الشافعية والحنابلة اذ لا يقصد بالأرض الاصطياد. ولو وقع فى شبكة أعدت للصيد ملكه عندهم بمجرد وقوعه فيها لوجود القصد الى الاصطياد (١). أما المالكية: فانهم كالحنفية فى الاستيلاء الحكمى لا يترتب فيه الملك الا بالقصد ويدل عليه استعمال الآلات المعدة للصيد فى الاستيلاء خلافا لابن رشد فانه يرى أن الاستيلاء الحكمى كالاستيلاء الحقيقى يترتب فيه الملك وان لم يكن هناك قصد. فقد جاء فى منح الجليل (٢) دار لانسان طرد اليها شخص آخر صيدا أراد اصطياده فدخلها كان الصيد لطارده سواء أمكنه أخذه بدونها أم لا ولا شئ عليه لربها فيما خفف به على نفسه من التعب خلافا لابن رشد وانما كان للطارد لأنها لم تبن للصيد ولم يقصد بانيها تحصيله بها واذا لم يطرده الطارد اليها فدخلها كان الصيد لربها اذا لم يتحقق الطارد أخذه بغيرها والا كان له واذا كانت الدار خالية أو خرابا فما فرخ فيها أو وجد بها من الصيد فلواجده وكذلك ما يوجد بالبساتين المملوكة لأنها لم يقصد بها ذلك. والاستيلاء الحكمى كما ذكرنا يكون باستعمال الآلات غير أن هذه الآلات اذا كانت للصيد كان اقتناؤها واتخاذها واستعمالها انما هو للصيد ولذا لم يشترط فى ترتب الملكية على الاستيلاء بها القصد الى الاحراز وانما الشرط ألا يكون قد استعملها لغرض آخر اذا ما تعلق بها صيد. ومن ثم قالوا: اذا وضع الصائد شبكته للتجفيف فتعلق بها صيد لم يملكه بمجرد تعلقه بها ذلك لأن عمله قصد به شئ آخر خلاف الاحراز ولا يملكه الا اذا حضر اليها فأمسك الصيد أو كان بحيث لو مد يده اليه لأخذه لوجود الاستيلاء الحقيقى حينئذ ولكن اذا كان قد وضعها بقصد الاحراز أو بلا قصد فتعلق بها صيد ملكه من وقت تعلقه بها وان كان هذا الملك غير مستقر لاحتمال زواله بانتقاض الاستيلاء بتخلص الصيد من الشبكة وفراره.

стр. 2618

واذا استعمل آلات ليست للصيد فلا يترتب على الاستيلاء بواسطتها التملك الا اذا قصد من استعمالها احراز الصيد. ولذا جاء فى المبسوط لو تكسر صيد فى أرض انسان فصار لا يستطيع براحا أو رمى صيد فوقع فى أرض رجل ولا يدرى من رماه فأخذه رجل آخر فهو للذى أخذه لأنه قد أحرزه بأخذه ولم يوجد من صاحب الأرض احراز وان عجز الصيد عن الطيران بما أصابه لأن المباح يملك بالاحراز (١). وعلى ذلك مسألة الحفرة يتردى فيها صيد وقد سبقت. وجاء فى الهندية اذا اتخذ النحل مكانا فى أرض رجل فعسل فيه لم يملكه صاحب الأرض لعدم استيلائه عليه ولكن يملك عسله لاستيلائه عليه استيلاء حكميا ووجه ذلك ان عادة أصحاب الأرض والزراع قد جرت باتخاذ كورات النحل فى أرضهم لطلب عسله وشاع ذلك حتى صار العسل كأنه من ثمار الأرض ولأجله تطلب كما تطلب للزرع فأصبحت بذلك كأنها آلة لأخذ العسل فاذا وجد فيها العسل ملكه صاحبه لتحقق الاستيلاء الحكمى عليه ووجود النية حكما وهو اتخاذ الأرض عادة لحين العسل (٢) مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى: ان كل من نصب فخا أو حبالة أو حفر زبية للصيد فكل ما وقع فى شئ من ذلك كان ملكا له ولا يحل لأحد سواه فاذا فعل ذلك لا يقصد أخذ الصيد فوقع فيها الصيد فأخذه آخر فهو لمن أخذه ويملك كل ما أستولى عليه من المباح مما قصد تملكه واذا لم ينو التملك لم يملك وبقى الصيد على حاله لكل من تملكه وكذلك ما عشش فى شجرة أو جدار فى دار لا يكون ملكا لمالك الشجرة أو الدار الا أن يحدث له تملكا، ويملك الصيد بتذكيته وبأن يقدر عليه قبل موته بأن يفقد به امتناعه وتأبده وقدرته على الفرار (٣) مذهب الزيدية: ويرى الزيدية أن المباح يملك بالاستيلاء ولا يشترط فى ذلك نية التملك ولذا يملك المجنون والصبى باستيلائه على المباح غير انهم يشترطون فى ثبوت الملك القصد الى الفعل فوقوع ماء المطر واجتماعه فى طست وضع للحفظ فوق سطح مثلا لا يصير به الماء مملوكا واذا أحرق شجرا فى قطعة من فلاة يريد احياءها ملكها بهذا الاحراق لأنه استيلاء ولكن اذا امتدت النار أو انتقلت بفعل الريح الى قطعة أخرى فأحرقت شجرها لم يملكها (٤).

стр. 2619

وفيه أيضا لو سقى رجل أرضه فتوحل فيها ظبى وخرج عن امتناعه ملكه صاحب الأرض لأنه يعد حائزا له حينئذ ولوجود الفعل منه ولو كان ذلك نتيجة لتنفيره فالأقرب أنه لمالك الأرض لا لمن نفره. ومثل ذلك فى الحكم الطير يدخل دار رجل لا يأخذه الا بمحاولة ولا يمكنه أن يطير الا فى الدار ولا يؤخذ الا بمشقة فانه يكون له ولو كانت الأرض مستأجرة فالطير للمستأجر (١). مذهب الإباضية: ويرى الإباضية أن المال المباح يملك بالاستيلاء عليه باليد أو بواسطة آلة من الآلات كالشباك أو الحبالة أو الحفر تحفر لذلك فان انفلت المتعلق فى الشبكة أو خرج الواقع فى الحفرة انتقض ملكه وما أخذ باليد ففر بعد ذلك لم يكن لغيره أن يتملكه بأخذه وعليه أن يرده اذا أخذه وكذلك يملكه صاحب البيت اذا دخله حيوان فأغلق بابه عليه ولا يكون لغيره أن يتملكه بعد ذلك فان لم يغلق الباب عليه لم يملكه ولا ينتقض ملك ما يسقط من شبكة الصياد أو وعائه بعد امساكه بخلاف شبكة الأرض اذا انفلت ما فيها قبل امساك الصائد له واذا نفر السمك فوقعت سمكة فى سفينة مارة فهى لآخذها. وقيل هى لصاحب السفينة لأن سفينته قد حبستها ولا تطيق الخروج منها لفراقها الماء وان أطاقت الوثوب فهى لمن أخذها (٢). وخلاصة ما سبق أن الاستيلاء على المباح كسبب لتملكه يمتاز عن سائر أسباب التمليك بثلاثة أمور: الأول: أنه سبب منشئ للملكية بخلاف غيره من الأسباب الشرعية فانه ناقلة لها لا منشئة ولا خلاف فى ذلك. الثانى: أنه خاص بالأموال المباحة فلا يفيد ملكا فى الأموال المملوكة عقارا كانت أم منقولا ولو طالت مدة الحيازة فيه. وبناء على ذلك لا يتملك مال مملوك بوضع اليد عليه وان تقادم عهده كما لا يسقط حق بتركه وان طالت مدة الترك وذلك خلافا لما جرى عليه التشريع الوضعى فانه يجعل وضع اليد على المال المملوك مدة معينة تختلف باختلاف الأحوال سببا من أسباب تملكه متى تحققت به حيازة هذا المال حيازة استأثر فيها بمنافعه وبالتصرف فيه. وبعبارة أخرى متى تحققت به حيازة هذا المال حيازة فعلية مقرونة بنية التملك له كما جعل مضى مدة معينة على الحق

стр. 2620

مع ترك المطالبة به سببا مسقطا له ويختلف مقدار المدة باختلاف الحقوق وما يلابسها ولسنا بصدد هذا الموضوع وانما يكون تفصيل أحكامه اكتساب الملك بمضى المدة وسقوط الدعوى بالحق لمضى المدة. الثالث: انه سبب فعلى ولذا يعتبر من كل من يستطيعه ولو كان غير أهل للالتزام بالقول كالمجنون والصبى كما أشرنا الى ذلك فيما سبق. والمال المباح اما أن يكون منقولا أو عقارا فان كان منقولا كانت حيازته والاستيلاء عليه بوضع اليد عليه وضعا حقيقيا ويكون ذلك فى كل منقول كالصيد والكلأ والمعادن والأشجار اذا كان على وجه الأرض على تفصيل سبق وسيأتى عند الكلام على تملك كل نوع منه. وان كان عقارا كان حيازته والاستيلاء عليه بعمارته كما سنبين ذلك عند الكلام على الأرض الموات. وقد ذكرنا ان الاستيلاء على الأموال المباحة المنقولة لا يشترط فيه القصد الى التملك اذا كان حقيقيا. أما اذا كان حكميا فقد ذكرنا فيما سبق اختلاف الفقهاء فى اشتراط القصد اليه. والكلام على تملك الكلأ يرجع اليه فى مصطلح كلأ. وعلى تملك الصيد يرجع اليه فى مصطلح صيد. وعلى تملك العقار يرجع اليه فى مصطلح أرض موات - احياء. وعلى المعادن يرجع اليه فى مصطلح ركاز. وعلى تملك الكنز يرجع اليه فى مصطلح كنز. وعلى استيلاء المسلمين على أموال المحاربين واستيلاء المحاربين على أموال المسلمين يرجع اليه فى مصطلحى غنيمة، وسير. استيلاد التعريف بالاستيلاد: الاستيلاد لغة هو طلب الولد وشرعا هو تصيير الجارية أم ولد. وأم الولد فى اصطلاح الفقهاء هى التى ولدت من سيدها فى ملكه (١). وهو مشروع لقوله تعالى ﴿(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)﴾ دلت الآية الكريمة على حل وط ء الزوجة والمملوكة ملك يمين وهى الأمة سواء أكان الوط ء معقبا للولد أم غير

стр. 2621

معقب للولد وقد فعله بعض الصحابة وأجمع المسلمون عليه. أحكام أم الولد أولا - اخراجها عن ملكه. يرى الحنفية (١). أنه لا يجوز اخراج أم الولد عن ملك سيدها ببيع أو هبة وهو مذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وابن حزم الظاهرى (٥) على تفصيل فى كتبهم. وذهب الشيعة (٦) الإمامية الى أنه لا يجوز بيعها الا اذا كان على سيدها دين لا جهة لقضائه غير ثمنها. وذهبوا أيضا الى أنه اذا مات ولدها جاز بيعها. ثانيا: أنها تعتق بعد موت سيدها من جميع المال ولو لم يترك سواها وهو مذهب جمهور الفقهاء. وذهب الشيعة الإمامية (٧) الى أنها تعتق من نصيب ولدها فى التركة على تفصيل فى ذلك وهو قول عند الإباضية. ثالثا: تزويجها لغيره: يرى الحنفية (٨) جواز تزويجها لغيره وهو مذهب الحنابلة (٩). وهو الأصح عند الشافعية (١٠). وعند المالكية (١١) يجوز برضاها مع الكراهة ولا يجوز بغير رضاها. رابعا: ثبوت النسب: مذهب الحنفية (١٢). يثبت نسب ولدها عندهم اذا ادعاه ولا يكفى لو أقر بوطئها. وذهب الأئمة الثلاثة (١٣) الى أنه يثبت نسبه اذا أقر بالوط ء فاذا أتت بولد ثان ثبت نسبه من غير دعوة، لأنها لما صارت أم ولد قوى فراشها فأشبهت الزوجة المنكوحة. استيلاد الأب جارية ابنه: مذهب الحنفية (١٤). اذا وطئ الأب جارية ابنه التى لم تكن أم ولد له فجاءت بولد فادعاه الأب

стр. 2622

ثبت نسبه منه وصارت أم ولد له وعليه قيمتها. وهو مذهب المالكية (١) والحنابلة (٢) والشافعية (٣). ولأحكام الاستيلاد تفصيلات تنظر فى مصطلح أم ولد. أسر انظر أسير إسراف معنى الاسراف فى اللغة: يذكر ابن فارس فى «معجم مقاييس اللغة» أن مادة سرف لها أصل واحد يدل على تعدى الحد والاغفال للشئ أيضا. تقول: فى الأمر سرف، أى مجاوزة للحد. ويقال: مر بهم فسرفهم أى أغفلهم ومما يعود الى أصل المادة أيضا استعمال السرف بمعنى الجهل أو الضراوة (٤) أى الشدة. وفى لسان العرب: أن السرف والاسراف مجاوزة القصد، وأسرف فى ماله عجل من غير قصد، وأسرف فى الكلام وفى القتل أفرط والسرف الخطأ بمعنى وضع الشئ فى غير حقه. والسرف اللهج بالشئ، والسرف ضد القصد، وأكله سرفا أى فى عجلة (٥). ونقل النووى عن الأزهرى أن السرف هو مجاوزة الحد المعروف لمثله (٦). استعمال الاسراف فى لسان الفقهاء والاسراف فى استعمال الفقهاء لا يخرج عن أحد معانيه اللغوية. الاسراف فى الوضوء والغسل مذهب الحنفية: من سنن الوضوء عندهم تكرار الغسل الى الثلاث، وتكره الزيادة على ذلك، لأن النبى ﷺ توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة الا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين. وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم. قالوا والوعيد فى الحديث لمن لم يره سنة فاذا زاد على الثلاث لطمأنينة

стр. 2623

القلب عند الشك، أو بنية وضوء آخر فلا بأس به فان الوضوء على الوضوء نور على نور. وقد أمر بترك ما يريبه الى ما لا يريبه (١). وقالوا ان الغسل الأول فرض، والثانى سنة والثالث اكمال السنة. وقيل ان الثانى والثالث سنة. وقيل ان الثانى سنة، والثالث نفل. وقيل على عكسه (٢). وفى كل الأحوال قالوا: ان ما زاد على المرة الثالثة فهو مكروه. ونص ابن عابدين على أن الزيادة على المرات الثلاث بلا عذر حكمه المنع. وذكر أن فى التاترخانية عن الناطفى أنه لو زاد على الثلاث فهو بدعة. وأنه جاء فى السراج: لو تكرر الوضوء فى مجلس واحد مرارا لم يستحب بل يكره لما فيه من الاسراف. لأن الوضوء لم يشرع لذاته وانما شرع لأداء عبادة. فاذا لم تؤد به عبادة كان اسرافا (٣). وقد جاء فى حاشية ابن عابدين أيضا أن الاسراف المكروه فى الوضوء هو أن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية. ومن الاسراف الزيادة على الغسلات الثلاث مع اعتقاد أن ذلك هو السنة. والكراهة هنا كراهة تحريمية. واذا كان الوضوء من ماء موقوف على من يتطهر به كماء المدارس الذى فى صهريج أو حوض أو نحو ابريق - فان الزيادة على الثلاث تكون حراما، لأن الزيادة غير مأذون بها لأنه انما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعى. ولم يقصد اباحتها لغير ذلك (٤). واستدلوا على كراهة الاسراف فى ماء الوضوء ولو كان من نهر جار بحديث سعد حين صب الماء صبا فاحشا فقال له النبى ﷺ اياك والسرف فقال: أو فى الوضوء سرف؛ قال: نعم، ولو كنت على ضفة نهر جار (٥). وفيما يتعلق بالغسل ذكروا أن من سنن الغسل أن يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا (٦). ويفهم من هذا أن حد السنة ثلاث مرات فما زاد عليه فهو مخالف للسنة.

стр. 2624

وذكروا فى سنن الوضوء أنه يمسح رأسه مرة واحدة، وأن التثليث مكروه. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد (١). وذكر ابن عابدين أنه يكره تثليث المسح بماء جديد (٢). مذهب المالكية: من مستحبات الوضوء - تقليل الماء من غير تحديد فى ذلك. وكذلك الغسل يستحب فيه تقليل الماء من غير تحديد، والسنة فى الوضوء والغسل احكام الغسل مع قلة الماء. وفى الرسالة: قلة الماء مع احكام الغسل سنة، والسرف فيه غلو وبدعة. وقد أنكر مالك قول من قال فى الوضوء، حتى يقطر الماء أو يسيل. فالسيلان من العضو غير مطلوب، لأن المقصود ايصال الماء الى البشرة واستيعابها به، اما أن يقطر الماء أو يسيل عنها فلا اعتبار به، ويراعى القدر الكافى فى حق كل واحد فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعة، وان اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدى السنة. فالسرف هو ما زيد بعد تيقن الواجب، وهو مكروه (٣). ويستحب أن يكون الماء الذى يجعل على العضو قليلا وان كان يتوضأ أو يغتسل من البحر، ولا تحديد لمقدار القليل، لاختلاف الأعضاء والناس، بل بقدر ما يجرى على العضو، وان لم يتقاطر منه (٤). وانما يكره اكثار الماء على العضو لأنه من السرف والغلو فى الدين الموجب للوسوسة. ويكره الزائد على الثلاث فى المغسول. وكذلك يكره المسح الثانى فى الممسوح. وقيل يمنع الزائد، وهو ضعيف. وكذلك تكره الزيادة على محل الفرض، لأنها من الغلو (٥). وجاء فى حاشية الدسوقى أن كراهية المرة الرابعة بعد الثلاث هو الراجح فى المذهب (٦).

стр. 2625

مذهب الشافعية: ان زاد الوضوء على الثلاث كره كراهة تنزيه ولا يحرم هكذا صرح به الأصحاب. وقال امام الحرمين أن الغسلة الرابعة وان كانت مكروهة فليست بمعصية وفسر الاساءة والظلم فى الحديث القائل: فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم بأن معنى أساء، ترك الأولى وتعدى السنة، وأن معنى ظلم: وضع الشئ فى غير موضعه. وقال الغزالى فى التعليق أن الشافعى رضى الله عنه قال فى الأم: أحب ألا يتجاوز الثلاث، فان جاوزها لم يضره وأراد بقوله: «لم يضره» أى لا يأثم وأصحابنا يقولون: تحرم الزيادة قال: وليس ظاهر المذهب. هذا والمراد بالاساءة فى الحديث غير التحريم لأنه يستعمل أساء فيما لا اثم فيه. وقال الماوردى الزيادة على الثلاث لا تسن، وفى كراهيتها وجهان. فأبو حامد الاسفرايينى يقول لا تكره. وسائر أصحابنا يقولون تكره، وهو الأصح. يقول النووى بعد ذكره ما تقدم: فحصل ثلاثة أوجه. أحدها: تحرم الزيادة. والثانى: لا تحرم لكنها خلاف الأولى. والثالث: وهو الصحيح بل الصواب - تكره كراهة تنزيه، فهذا هو الموافق للأحاديث وبه قطع جماهير الأصحاب (١). وقال النووى: اتفق أصحابنا وغيرهم على ذم الاسراف فى الماء، فى الوضوء والغسل. وقال البخارى فى صحيحه كره أهل العلم الاسراف به. والمشهور أنه مكروه كراهة تنزيه. وقال البغوى والمتولى: حرام. ومما يدل على ذمه: الحديث «أنه سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء (٢). ومن سنن الوضوء تثليث الغسل والمسح. ويكره كل من الزيادة على الثلاث والنقص عنها بنية الوضوء. وكذلك يكره الاسراف فى الماء ولو على الشط، الا فى ماء موقوف فتحرم الزيادة عليها لكونها غير مأذون فيها (٣).

стр. 2626

ويستحب الاقتصار فى الغسل على المد والصاع، لأن الرفق مطلوب (١). مذهب الحنابلة: الوضوء مرة مرة يجزئ، والثلاث أفضل، وان غسل بعض أعضائه مرة وغسل بعضها أكثر من مرة جاز لأنه اذا جاز ذلك فى الكل جاز فى البعض. ويكره الاسراف فى ماء الوضوء، والزيادة الكثيرة فيه، للآثار المروية فى ذلك. واستدلوا على ذلك بأن الرسول عليه الصلاة السّلام مر على سعد وهو يتوضأ فقال له النبى ﷺ : ما هذا السرف؟ فقال: أفى الوضوء سرف؟ فقال: نعم وان كنت على نهر جار. كما استدلوا بقول الرسول ﵊: ان للوضوء شيطانا يقال له: ولهان، فاتقوا وسواس الماء (٢). وكذلك جاء فى كشاف القناع أنه يكره الاسراف فى الماء، ولو على نهر جار لحديث ابن عمر فى شأن وضوء سعد (٣). وأورد ابن قدامة قول أحمد: لا يزيد على الثلاث الا رجل مبتلى (٤). كما ذكر أنه كان يقال من قلة فقه الرجل ولوعه بالماء (٥). مذهب الظاهرية: يكره الاكثار من الماء فى الغسل والوضوء والزيادة على الثلاث فى غسل أعضاء للوضوء ومسح الرأس ولم يأت عن رسول الله ﷺ أكثر من ذلك (٦). واستدلوا على ذلك بأن عليا رضى الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ وبأن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما توضأ ثلاثا يسند ذلك إلى رسول الله ﷺ وعن عثمان رضى الله عنه مثل ذلك: وعلق ابن حزم على ذلك بقوله: فلم يخص فى هذه الآثار رأسا من غيره (٧). مذهب الزيدية: الواجب فى الوضوء مرة لأن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة فى رواية ابن عباس رضى الله عنهما وهذا الحديث يدل على أن الواجب فى الوضوء مرة فقط ولهذا اقتصر عليه النبى ﷺ ولو كان الواجب مرتين أو ثلاثا لما اقتصر على مرة.

стр. 2627

ويرون أن تثليث الغسل فى الوضوء سنة، فاذا كانت المرة تجزئ، فان الثلاث هى الكمال. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين والاختلاف دليل على ذلك كله (١). وجاء فى شرح الأزهار أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم ولا يسن التثليث فى الرأس (٢). وجاء فى نيل الأوطار (٣) ولا خلاف فى كراهة الزيادة على ثلاث. وذكر حديثا يدل على أن مجاوزة الثلاث الغسلات من الاعتداء فى الطهور. ونقل ما رواه أحمد وابن ماجه ومسلم والترمذى عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يغسل بالصاع، ويتطهر بالمد وعلق عليه بأن الحديث يدل على كراهة الاسراف فى الماء للغسل والوضوء واستحباب الاقتصاد وأن العلماء أجمعوا على النهى عن الاسراف فى الماء ولو كان على شاطئ النهر. وقال بعضهم: أنه حرام. وقال بعضهم أنه مكروه كراهة تنزيه. ثم ذكر أن القدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، وسواء كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ فى النقصان الى حد لا يسمى مستعمله مغتسلا أو الى مقدار فى الزيادة يدخل فاعله فى حد الاسراف. وهكذا الوضوء: القدر المجزئ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ فى الزيادة الى حد السرف، أو فى النقصان الى حد لا يحصل به الواجب (٤). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب الخلاف أن الفرض فى غسل الأعضاء مرة واحدة والسنة اثنتان والثالثة بدعة، وفى الأصحاب من قال أن الثانية بدعة وليس بمعول عليه. ومنهم من قال: الثالثة تكلف ولم يصرح بأنها بدعة. والصحيح الأول والدليل قوله تعالى «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ»﴾. ومن غسل دفعة واحدة وجهه ويديه فقد أدى الفرض فمن ادعى أكثر منه فرضا أو سنة فعليه الدليل.

стр. 2628

وعن يونس بن عمار: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الوضوء للصلاة فقال (١): مرة مرة. وفى المختصر النافع: أنه لا تكرار (٢) فى المسح. وفى الروضة البهية: من سنن الوضوء تثليث المضمضة والاستنشاق بأن يفعل كل واحد منهما ولو بغرفة واحدة وبثلاث أفضل. ومن سننه أيضا تثنية الغسلات الثلاث فى الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين بعد تمام الغسلة الأولى فى المشهور (٣). مذهب الإباضية: المستحب فى الوضوء أن يكون ثلاثا ثلاثا لكل جارحة، فان اقتصر على واحدة أجزأت اذا عم الجارحة الماء (٤). وجاء فى كتاب شرح النيل: أن من سنن الوضوء تقليل صب الماء والمراد بالتقليل ما دون الاسراف لأنه ﷺ توضأ بمد وكره الاكثار من صب الماء فى الوضوء ولو كان على بحر أو نهر ولو كان الماء يرجع فى ذلك البحر أو النهر. لئلا يعتاد الاكثار فى غير ذلك ولئلا يدخله الوسواس اذا لم يكثر، ولأنه اذا كثر فقد كثر الماء المستعمل. مع أن اكثار استعماله مكروه فى نفسه فالاسراف يحصل مطلقا. وتكره الزيادة على الثلاث فى المغسول وان شك فى الثالثة زادها لعدم اليقين. وقيل: لا، لئلا يكون قد زاد على الثلاث، وقد يرجح الأول استصحابا للأصل وقد يرجح الثانى احتياطا (٥). الاسراف فى الكفن مذهب الحنفية: السنة فى الكفن هى أن يكفن الرجل فى ثلاثة أثواب: ازار وقميص ولفافة، لأن كفن النبى ﷺ كان ثلاثة أثواب سحولية (نسبة الى قرية فى اليمن (٦) ولأنه أكثر ما يلبسه الانسان عادة فى حياته، فكذلك بعد مماته.

стр. 2629

وتكفن المرأة فى خمسة أثواب: درع وازار وخمار ولفافة وخرقة تربط فوق ثدييها، وهذا بيان كفن السنة (١). وفى حاشية ابن عابدين أنه لا بأس بالزيادة على الثلاثة الى خمسة، لما روى أن ابن عمر كفن ابنه واقدا فى خمسة أثواب والزيادة على ذلك فى كل من الرجل والمرأة اسراف (٢). مذهب المالكية: غاية الرجل فى الكفن خمسة أثواب وفى المرأة سبعة ويجوز أن يخفف فى أكفان الصغار فيمن راهق وأما الصغير الذى لم يراهق فالخرقة تكفيه (٣). وفى حاشية الدسوقى أن الزيادة على سبعة أثواب فى كفن المرأة سرف (٤). مذهب الشافعية: فى المجموع للنووى أنه تكره المغالاة فى الكفن لحديث: لا تغالوا فى الكفن فانه يسلب سريعا (٥) وفيه أيضا أن الكفن اذا كان أكثر من ثلاثة أثواب لم يكره ولم يستحب وان كفن فى زيادة عن خمسة فقال الأصحاب يكره لأنه سرف ولم يقولوا ان الزيادة حرام مع أنها اضاعة مال غير مأذون فيه ولو قال به قائل لم يبعد (٦). وفى نهاية المحتاج أن الأفضل للرجل فى الكفن ثلاثة أثواب والاقتصار عليها أفضل مما زاد على ذلك. فان زاد فهو خلاف الأولى والزيادة مكروهة لا محرمة والأفضل للمرأة والخنثى خمسة أثواب لزيادة الستر فى حقها وتكره الزيادة عليها (٧). وقال الشافعى فى الأم: وما كفن فيه الميت أجزأه ان شاء الله ويجزئ ما وارى العورة، ولا أحب أن يجاوز بالميت خمسة أثواب فيكون اسرافا (٨). (انظر مصطلح كفن). مذهب الحنابلة: فى كتاب المغنى لابن قدامة الحنبلى أنه تكره الزيادة على ثلاثة أثواب فى الكفن لما فيه من اضاعة المال وقد نهى عنه النبى ﷺ ويحرم ترك شئ مع الميت من ماله، لغير حاجة لما ذكرنا، الا مثل ما روى عن النبى ﷺ أنه ترك تحته

стр. 2630

قطيفة فى قبره، فان ترك نحو ذلك فلا بأس (١). وفى كشاف القناع: أن الواجب فى الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن لأن العورة الغليظة يجزئ فى سترها ثوب واحد فكفن الميت أولى. وان أوصى الميت أن يكفن فى أثواب ثمينة لا تليق به لم تصح الوصية، لأنها بمكروه (٢). وتكره الزيادة على الأثواب الثلاثة لما فيها من اضاعة المال المنهى عنها (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى كتاب المحلى: أن أفضل الكفن للمسلم ثلاثة أثواب بيض للرجل، يلف فيها لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل ولا قطن والمرأة كذلك وثوبان زائدان. وان كفن الرجل والمرأة بأقل أو أكثر فلا حرج (٤). (أنظر مصطلح كفن). مذهب الزيدية: جاء فى كتاب شرح الأزهار أن الميت يكفن بثلاثة أثواب والمستحب حسن الكفن واكماله لحديث: (اذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) واذا كان للميت ورثة صغار فالأولى أن يكفن بأقل الأكفان ومفهومه أن لا يزاد على واحد. والمشروع فى عدد الكفن أن يكون من واحد الى سبعة لا يتعداها. وقيل: لا يزاد للرجل على ثلاثة قميص وازار ولفافة، والمرأة لا يزاد لها على خمسة قميص وازار وخرقة على صدرها وخمار ولفافة (٥). وجاء فى نيل الأوطار أن الهادى قال أن المشروع فى الكفن الى سبعة أثواب واستدل على ذلك بالحديث المروى عن ابن الحنفية عن على وهو أن النبى ﷺ كفن فى سبعة أثواب، وأورد الكتاب بين يدى ذلك الحديث الذى رواه أبو داود من حديث على مرفوعا: لا تغالوا فى الكفن فانه يسلب سريعا (٦). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب الروضة البهية يراعى فى جنس ثياب الكفن القصد بحسب حال الميت (٧).
следующие страницы →