ويستحب الاقتصار فى الغسل على المد والصاع، لأن الرفق مطلوب (١).
مذهب الحنابلة:
الوضوء مرة مرة يجزئ، والثلاث أفضل، وان غسل بعض أعضائه مرة وغسل بعضها أكثر من مرة جاز لأنه اذا جاز ذلك فى الكل جاز فى البعض.
ويكره الاسراف فى ماء الوضوء، والزيادة الكثيرة فيه، للآثار المروية فى ذلك.
واستدلوا على ذلك بأن الرسول عليه الصلاة السّلام مر على سعد وهو يتوضأ فقال له النبى ﷺ :
ما هذا السرف؟ فقال: أفى الوضوء سرف؟ فقال: نعم وان كنت على نهر جار.
كما استدلوا بقول الرسول ﵊: ان للوضوء شيطانا يقال له:
ولهان، فاتقوا وسواس الماء (٢).
وكذلك جاء فى كشاف القناع أنه يكره الاسراف فى الماء، ولو على نهر جار لحديث ابن عمر فى شأن وضوء سعد (٣).
وأورد ابن قدامة قول أحمد: لا يزيد على الثلاث الا رجل مبتلى (٤).
كما ذكر أنه كان يقال من قلة فقه الرجل ولوعه بالماء (٥).
مذهب الظاهرية:
يكره الاكثار من الماء فى الغسل والوضوء والزيادة على الثلاث فى غسل أعضاء للوضوء ومسح الرأس ولم يأت عن رسول الله ﷺ أكثر من ذلك (٦).
واستدلوا على ذلك بأن عليا رضى الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ وبأن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما توضأ ثلاثا يسند ذلك إلى رسول الله ﷺ وعن عثمان رضى الله عنه مثل ذلك: وعلق ابن حزم على ذلك بقوله: فلم يخص فى هذه الآثار رأسا من غيره (٧).
مذهب الزيدية:
الواجب فى الوضوء مرة لأن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة فى رواية ابن عباس رضى الله عنهما وهذا الحديث يدل على أن الواجب فى الوضوء مرة فقط ولهذا اقتصر عليه النبى ﷺ ولو كان الواجب مرتين أو ثلاثا لما اقتصر على مرة.
стр. 2627
ويرون أن تثليث الغسل فى الوضوء سنة، فاذا كانت المرة تجزئ، فان الثلاث هى الكمال.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين والاختلاف دليل على ذلك كله (١).
وجاء فى شرح الأزهار أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم ولا يسن التثليث فى الرأس (٢).
وجاء فى نيل الأوطار (٣) ولا خلاف فى كراهة الزيادة على ثلاث. وذكر حديثا يدل على أن مجاوزة الثلاث الغسلات من الاعتداء فى الطهور. ونقل ما رواه أحمد وابن ماجه ومسلم والترمذى عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يغسل بالصاع، ويتطهر بالمد وعلق عليه بأن الحديث يدل على كراهة الاسراف فى الماء للغسل والوضوء واستحباب الاقتصاد وأن العلماء أجمعوا على النهى عن الاسراف فى الماء ولو كان على شاطئ النهر.
وقال بعضهم: أنه حرام.
وقال بعضهم أنه مكروه كراهة تنزيه.
ثم ذكر أن القدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، وسواء كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ فى النقصان الى حد لا يسمى مستعمله مغتسلا أو الى مقدار فى الزيادة يدخل فاعله فى حد الاسراف.
وهكذا الوضوء: القدر المجزئ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ فى الزيادة الى حد السرف، أو فى النقصان الى حد لا يحصل به الواجب (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف أن الفرض فى غسل الأعضاء مرة واحدة والسنة اثنتان والثالثة بدعة، وفى الأصحاب من قال أن الثانية بدعة وليس بمعول عليه.
ومنهم من قال: الثالثة تكلف ولم يصرح بأنها بدعة.
والصحيح الأول والدليل قوله تعالى «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ»﴾.
ومن غسل دفعة واحدة وجهه ويديه فقد أدى الفرض فمن ادعى أكثر منه فرضا أو سنة فعليه الدليل.
стр. 2628
وعن يونس بن عمار: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الوضوء للصلاة فقال (١): مرة مرة.
وفى المختصر النافع: أنه لا تكرار (٢) فى المسح.
وفى الروضة البهية: من سنن الوضوء تثليث المضمضة والاستنشاق بأن يفعل كل واحد منهما ولو بغرفة واحدة وبثلاث أفضل.
ومن سننه أيضا تثنية الغسلات الثلاث فى الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين بعد تمام الغسلة الأولى فى المشهور (٣).
مذهب الإباضية:
المستحب فى الوضوء أن يكون ثلاثا ثلاثا لكل جارحة، فان اقتصر على واحدة أجزأت اذا عم الجارحة الماء (٤).
وجاء فى كتاب شرح النيل: أن من سنن الوضوء تقليل صب الماء والمراد بالتقليل ما دون الاسراف لأنه ﷺ توضأ بمد وكره الاكثار من صب الماء فى الوضوء ولو كان على بحر أو نهر ولو كان الماء يرجع فى ذلك البحر أو النهر. لئلا يعتاد الاكثار فى غير ذلك ولئلا يدخله الوسواس اذا لم يكثر، ولأنه اذا كثر فقد كثر الماء المستعمل. مع أن اكثار استعماله مكروه فى نفسه فالاسراف يحصل مطلقا.
وتكره الزيادة على الثلاث فى المغسول وان شك فى الثالثة زادها لعدم اليقين.
وقيل: لا، لئلا يكون قد زاد على الثلاث، وقد يرجح الأول استصحابا للأصل وقد يرجح الثانى احتياطا (٥).
الاسراف فى الكفن
مذهب الحنفية:
السنة فى الكفن هى أن يكفن الرجل فى ثلاثة أثواب: ازار وقميص ولفافة، لأن كفن النبى ﷺ كان ثلاثة أثواب سحولية (نسبة الى قرية فى اليمن (٦) ولأنه أكثر ما يلبسه الانسان عادة فى حياته، فكذلك بعد مماته.
стр. 2629
وتكفن المرأة فى خمسة أثواب: درع وازار وخمار ولفافة وخرقة تربط فوق ثدييها، وهذا بيان كفن السنة (١).
وفى حاشية ابن عابدين أنه لا بأس بالزيادة على الثلاثة الى خمسة، لما روى أن ابن عمر كفن ابنه واقدا فى خمسة أثواب والزيادة على ذلك فى كل من الرجل والمرأة اسراف (٢).
مذهب المالكية:
غاية الرجل فى الكفن خمسة أثواب وفى المرأة سبعة ويجوز أن يخفف فى أكفان الصغار فيمن راهق وأما الصغير الذى لم يراهق فالخرقة تكفيه (٣).
وفى حاشية الدسوقى أن الزيادة على سبعة أثواب فى كفن المرأة سرف (٤).
مذهب الشافعية:
فى المجموع للنووى أنه تكره المغالاة فى الكفن لحديث: لا تغالوا فى الكفن فانه يسلب سريعا (٥) وفيه أيضا أن الكفن اذا كان أكثر من ثلاثة أثواب لم يكره ولم يستحب وان كفن فى زيادة عن خمسة فقال
الأصحاب يكره لأنه سرف ولم يقولوا ان الزيادة حرام مع أنها اضاعة مال غير مأذون فيه ولو قال به قائل لم يبعد (٦).
وفى نهاية المحتاج أن الأفضل للرجل فى الكفن ثلاثة أثواب والاقتصار عليها أفضل مما زاد على ذلك. فان زاد فهو خلاف الأولى والزيادة مكروهة لا محرمة والأفضل للمرأة والخنثى خمسة أثواب لزيادة الستر فى حقها وتكره الزيادة عليها (٧).
وقال الشافعى فى الأم: وما كفن فيه الميت أجزأه ان شاء الله ويجزئ ما وارى العورة، ولا أحب أن يجاوز بالميت خمسة أثواب فيكون اسرافا (٨).
(انظر مصطلح كفن).
مذهب الحنابلة:
فى كتاب المغنى لابن قدامة الحنبلى أنه تكره الزيادة على ثلاثة أثواب فى الكفن لما فيه من اضاعة المال وقد نهى عنه النبى ﷺ ويحرم ترك شئ مع الميت من ماله، لغير حاجة لما ذكرنا، الا مثل ما روى عن النبى ﷺ أنه ترك تحته
стр. 2630
قطيفة فى قبره، فان ترك نحو ذلك فلا بأس (١).
وفى كشاف القناع: أن الواجب فى الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن لأن العورة الغليظة يجزئ فى سترها ثوب واحد فكفن الميت أولى.
وان أوصى الميت أن يكفن فى أثواب ثمينة لا تليق به لم تصح الوصية، لأنها بمكروه (٢).
وتكره الزيادة على الأثواب الثلاثة لما فيها من اضاعة المال المنهى عنها (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى كتاب المحلى: أن أفضل الكفن للمسلم ثلاثة أثواب بيض للرجل، يلف فيها لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل ولا قطن والمرأة كذلك وثوبان زائدان. وان كفن الرجل والمرأة بأقل أو أكثر فلا حرج (٤). (أنظر مصطلح كفن).
مذهب الزيدية:
جاء فى كتاب شرح الأزهار أن الميت يكفن بثلاثة أثواب والمستحب حسن الكفن واكماله
لحديث: (اذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) واذا كان للميت ورثة صغار فالأولى أن يكفن بأقل الأكفان ومفهومه أن لا يزاد على واحد.
والمشروع فى عدد الكفن أن يكون من واحد الى سبعة لا يتعداها.
وقيل: لا يزاد للرجل على ثلاثة قميص وازار ولفافة، والمرأة لا يزاد لها على خمسة قميص وازار وخرقة على صدرها وخمار ولفافة (٥).
وجاء فى نيل الأوطار أن الهادى قال أن المشروع فى الكفن الى سبعة أثواب واستدل على ذلك بالحديث المروى عن ابن الحنفية عن على وهو أن النبى ﷺ كفن فى سبعة أثواب، وأورد الكتاب بين يدى ذلك الحديث الذى رواه أبو داود من حديث على مرفوعا:
لا تغالوا فى الكفن فانه يسلب سريعا (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الروضة البهية يراعى فى جنس ثياب الكفن القصد بحسب حال الميت (٧).
стр. 2631
مذهب الإباضية:
فى كتاب شرح النيل: استحب بعضهم تحسين الكفن ما أمكن.
وكره بعض المغالاة فيه.
وقيل انما ينظر فى كفنه الى حاله فى الشرف وما يحتمل ماله.
وقيل: لا يجاوز فيه قيمة دينار ان وجدوه بدونه (١).
الاسراف فى المهر
مذهب الحنفية:
فى بدائع الصنائع أن أدنى المهر عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم (٢).
وجاء فى الدر المختار ويجب الأكثر منها ان سمى (٣).
مذهب المالكية:
فى حاشية الدسوقى أنه تكره المغالاة فى الصداق (المهر) والمراد بالكثرة هنا ما خرجت عن عادة أمثالها اذ هى تختلف باختلاف الناس، اذ المائة قد تكون كثيرة جدا بالنسبة لامرأة وقليلة جدا بالنسبة لامرأة أخرى (٤).
ولا حد لأكثر المهر والنكاح يجوز بالقليل والكثير (٥).
وجاء فى بلغة السالك أن أقل المهر ربع دينار وأكثره لا حد له (٦). واستدلوا على أن أكثر المهر لا حد له بقول الله تعالى فى سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٧). ومن معانى القنطار: المال الكثير (٨).
مذهب الشافعية:
قال الشافعى: القصد فى الصداق (٩) أحب الينا وأحب أن لا يزاد فى المهر على ما أصدق رسول الله ﷺ نساءه وبناته، وذلك خمسمائة درهم طلبا للبركة فى موافقة كل أمر فعله رسول الله ﷺ (١٠).
وفى نهاية المحتاج يسن فى المهر ترك المغالاة فيه وأن لا يزيد على خمسمائة درهم فضة خالصة. وصح أن عمر ابن الخطاب قال: لا تغالوا بصدق (١١) النساء (أى بمهورهن) فانها لو كانت
стр. 2632
مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله كان أولى بها رسول الله ﷺ . والمغالاة هى التشديد على الأزواج بطلب الزيادة على مهور أمثالهن (١).
مذهب الحنابلة:
فى كتاب المغنى: أنه يستحب أن لا يغلى الصداق للحديث القائل: أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة. ولقد سئلت السيدة عائشة عن صداق رسول الله ﷺ فقالت: اثنتا عشرة أوقية ونش، والنش نصف الأوقية والأوقية أربعون درهما (فالجملة خمسمائة درهم) فلا تستحب الزيادة على هذا، لأنه اذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر فى الدنيا والآخرة (٢).
وفى كشاف القناع أنه يسن تخفيف المهر، وذكر الحديث السابق وقال فيه:
ضعف كما استشهد بقول عمر السابق ونقل تصحيحه عن الترمذى (٣).
ثم ذكر أنه يسن أن يكون المهر من أربعمائة الى خمسمائة درهم لا يزيد على ذلك واستدل بصداق نساء النبى ﷺ .
ثم ذكر أنه ان زاد المهر على ذلك فلا بأس به لأن النجاشى زوج النبى أم حبيبة وأمهرها أربعة آلاف. وجهزها من عنده وبعث بها من الحبشة مع شرحبيل بن حسنة فلم يبعث اليها رسول الله ﷺ بشئ ولو كره ذلك لأنكره (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى: ان الله تعالى لم يحد فى الصداق حدا الا ما تراضيا به (٥).
ونقل عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: ليس على أحد جناح أن يتزوج بقليل ماله أو كثيره اذا استشهدوا وتراضوا (٦).
مذهب الزيدية:
فى البحر الزخار: لا حد لأكثر المهر:
واستدل بآية «وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» والتخفيف فى المهر أولى لحديث أعظم النساء بركة أخفهن مئونة. واستدلوا بعدة أحاديث، منها ما رواه أحمد وأبو داود أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه طعاما كانت
стр. 2633
حلالا، والأفضل هو الزواج مع قلة المهر وأن الزواج بمهر قليل مندوب اليه (١).
مذهب الإمامية:
فى الروضة البهية: لا تقدير لقلة المهر، ما لم تقصر عن التقويم كحبة حنطة ولا كثرة على المشهور لقوله تعالى: «وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» وهو المال العظيم.
وعن الرضا ﵇ لو أن رجلا تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفا ولأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزا والذى جعله لأبيها فاسدا.
ويكره أن يتجاوز مهر السنة وهو ما أصدقه النبى ﷺ لأزواجه وهو خمسمائة درهم قيمتها خمسون دينارا.
ومنع المرتضى الزيادة عليها وحكم برد ما زاد عنها اليه محتجا بالاجماع وبه خبر ضعيف لا يصلح حجة، والاجماع ممنوع، وترد عليه جميع التفسيرات الواردة فى كلمة (القنطار) والخبر الصحيح حجة بينة نعم يستحب الاقتصار عليه للخبر الذى اعتمده السيد المرتضى (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب شرح النيل: يكره السرف فى المهر اذ روت السيدة عائشة عن النبى ﷺ خير نساء أمتى أصبحهن وجها وأقلهن مهرا.
وروى عن النبى ﷺ اليسر فى الصداق دليل يمنه أى يمن النكاح المدلول عليه بذكر الصداق أو يمن الصداق بمعنى أنه صداق مبارك تستقيم به المرأة باذن الله وينتفع بها.
وروى اليسر فى النكاح دليل يمنه أى السهولة فيه بقلة الصداق.
وروى أنه ﷺ ما تزوج امرأة ولا زوج بنتا بأكثر من اثنتى عشرة أوقية ونصف (٣).
الاسراف فى النفقة كالمأكل
والمشرب والملبس والزينة
مذهب الحنفية:
فى حاشية ابن عابدين: اتخاذ الأطعمة سرف، الا اذا قصد قوة الطاعة أو دعوة الأضياف قوما بعد قوم. وكذا وضع الخبز فوق الحاجة اسراف (٤).
стр. 2634
مذهب المالكية:
فى بلغة السالك: يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطعام والشراب على قدر لا يترتب عليه ضرر ولا كسل عن عبادة فقد يكون الشبع سببا فى عبادة واجبة فيجب (أى الشبع) وقد يترتب عليه ترك واجب فيحرم أو ترك مستحب فيكره وان لم يترتب عليه شئ فمباح (١).
مذهب الشافعية:
فى المجموع للنووى تحرم اطالة الثوب والأزار والسراويل على الكعبين للخيلاء، ويكره لغير الخيلاء نص عليه الشافعى فى البويطى، وصرح به الأصحاب للاحاديث الصحيحة المشهورة مثل:
«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة» والاسبال فى العمامة وهو ارسال طرفها ارسالا فاحشا - كاسبال الثوب، ويستحب تقصير الكم (٢).
وفى نهاية المحتاج نفقة القريب هى الكفاية لقول الرسول ﷺ لامرأة أبى سفيان: خذى من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف.
ونفقة القريب حدها أن تدفع عنه ألم الجوع لاتمام الشبع - كما قال الغزالى - أى المبالغة فيه،
وأما اشباعه فواجب (٣). فتكون المبالغة فى ذلك سرفا.
مذهب الحنابلة:
فى كشاف القناع: السنة أن البطن يكون أثلاثا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس لقول النبى ﷺ : بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فان كان ولا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويجوز أكله أكثر من ثلثه بحيث لا يؤذيه وان أكل كثيرا مع خوف أذى أو تخمة يحرم وقيل:
يكره.
وفى المنتهى وكره أكله كثيرا بحيث يؤذيه لحديث ابن جعفر «من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» رواه ابن ماجه من حديث أنس مرفوعا، ومن أذهب طيباته فى حياته الدنيا واستمتع بها نقصت درجاته فى الآخرة للاحاديث الصحيحة وقال الامام أحمد: يؤجر فى ترك الشهوات ومراده ما لم يخالف الشرع (٤) ويكره القران فى التمر ونحوه مما جرت العادة بتناوله أفرادا لما فيه من الشره (٥).
стр. 2635
مذهب الظاهرية:
فى كتاب المحلى: السرف حرام وهو النفقة فيما حرم الله تعالى قلت أو كثرت، ولو أنها جزء من قدر جناح بعوضة وكذلك التبذير فيما لا يحتاج اليه ضرورة مما لا يبقى للمنفق بعده غنى وكذلك اضاعة المال - وان قل برميه عبثا وما عدا هذه الوجوه فليس سرفا وهو حلال وان كثرت النفقة فيه (١).
مذهب الإمامية:
فى مذهب الإمامية أنه يكره التملى من المأكل قال الصادق ان البطن ليطغى من أكلة، وأقرب ما يكون العبد من الله تعالى اذا خف بطنه وأبغض ما يكون العبد الى الله اذا امتلأ بطنه وربما كان الافراط فى التملى (٢) حراما اذا أدى الى الضرر فان الأكل على الشبع يورث البرص، وامتلاء المعدة رأس الداء والأكل على الشبع واليسار اختيارا مكروهان، والجمع بين كراهة الامتلاء والشبع تأكيد للنهى عن كل منهما بخصوصه فى الاخبار، أو يكون الامتلاء أقوى (٣).
وفى شرائع الاسلام ويكره التملى من الأكل وربما كان الافراط حراما، لما
يتضمن من الاضرار ويكره الاكل على الشبع (٤).
مذهب الإباضية:
الزيادة على قدر الحاجة فى الأكل أمر ممنوع فى الشرع والعقل، لأن تناول ما زاد على الكفاية نهم وشره مضر كما كان قدر الكفاية مندوبا اليه فى العقل والشرع ولأنه قيل: الرغب لؤم والنهم شؤم (٥).
الاسراف فى القصاص
مذهب الحنفية:
مبنى القصاص على المساواة والاسراف خارج على المساواة (٦).
مذهب المالكية:
اذا سلم الحاكم القاتل لولى الدم ليقتله نهى الحاكم والولى عن التمثيل بالقاتل والتشديد عليه فى قتله وفى المجموعة لا يمكن الولى من قتله بيده خوف أن يتعدى (٧) ويدعى للقصاص أرفق من يقدر عليه من أهل البصر فيقتص بأرفق ما يقدر عليه.
стр. 2636
مذهب الشافعية:
يلزم ولى الأمر تفقد آلة الاستيفاء فى القصاص، والأمر بضبطه فى قود غير النفس حذرا من الزيادة واضطرابه (١).
وجاء فى القصاص فى السن أنه متى أمكن استيفاء المثل بلا زيادة ولا صدع فى الباقى فعل (٢).
وجاء فى القصاص فى الموضحة أنه لو زاد المقتص عمدا فى موضحة على حقه لزمه قصاص الزيادة لتعمده (٣).
مذهب الحنابلة:
يشترط لوجوب القصاص فى الجراح ثلاثة أشياء منها امكان الاستيفاء بغير حيف ولا زيادة لأن الله تعالى يقول: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» ويقول: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» ولأن دم الجانى معصوم الا فى قدر جنايته فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص لأنها من لوازمه، فلا يمكن المنع منها الا بالمنع منه وهذا لا خلاف فيه نعلمه (٤).
وفى كشاف القناع: أن من شروط استيفاء القصاص أن يؤمن فى الاستيفاء التعدى الى غير الجانى لقوله تعالى «فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» واذا اقتضى الى التعدى ففيه اسراف.
ولا يستوفى القصاص - ولو فى النفس الا بحضرة السلطان أو نائبه وجوبا.
لأنه يفتقر الى اجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفى، ولا تجوز الزيادة أيضا على ما أتى به الجانى ولا قطع شئ من أطرافه (٥).
وفى الشرح الكبير ولا تقتل الحامل حتى تضع الولد وتسقيه اللبن فقتل الحامل قتل لغير الحامل، فيكون اسرافا، والحديث يقول: اذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما فى بطنها ان كانت حاملا وحتى تكفل ولدها (٦).
مذهب الظاهرية:
جاء فى كتاب المحلى (٧): انه اذا اختار ولى القصاص القود فليقتل القاتل ولا يحل له أن يسرف فيقتل غيره لقول الله : «فَقَدْ جَعَلْنا﴾
стр. 2637
﴿لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (١)».
مذهب الزيدية:
ليس لولى المقتول أن يفعل بالجانى مثل ما فعل من طعن أو رضخ (٢) أو خنق أو نحو ذلك لأن المستحق له هو ازهاق الروح، لكن بلا تعذيب لأن التعذيب منهى عنه لقول الرسول ﷺ : «لا تعذبوا خلق الله (٣)».
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يمنع من استيفاء القصاص بالآلة الكالة تجنبا للتعذيب ولو فعل أساء ولا شئ عليه ولا يجوز التمثيل به بل يقتصر على ضرب عنقه ولا يضمن المقتص سراية القصاص ولكن لو تعدى ضمن فان قال تعمدت اقتص منه فى الزائد، وان قال: أخطأت أخذت منه دية العدوان (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب النيل أن القصاص هو المتابعة بالمثل (٥). والمماثلة لا تحتمل اسرافا.
الاسراف فى تناول المحرم من
ميتة وغيرها عند الاضطرار
مذهب الحنفية:
يفرض على الانسان أن يأكل ولو من حرام أو ميتة بقدر ما يندفع به الهلاك عن نفسه اذ لا بقاء للبنية بدونه (٦).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح منح الجليل: المعتمد فى المذهب أن أكل المضطر من الميتة وشبهها مباح حتى الشبع والتزود الى أن يجد غيرها ونص الموطأ قال مالك رضى الله تعالى عنه: من أحسن ما سمعت فى الرجل يضطر الى الميتة أنه يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها فان وجد عنها غنى طرحها (٧).
مذهب الشافعية:
فى المجموع: ومن اضطر الى أكل الميتة أو لحم الخنزير، فله أن يأكل منه ما يسد الرمق لقوله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (٨) وهل يجوز أن يشبع منه فيه قولان:
стр. 2638
أحدهما لا يجوز وهو اختيار المزنى، لأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلا يجوز له أكل الميتة كما لو أراد أن يبتدئ بالأكل وهو غير مضطر.
والثانى: يحل لأن كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال (١).
وفى نهاية المحتاج: من لم يجد طعاما حلالا ووجد طعاما محرما وهو مضطر الى الأكل لدفع الجوع، فان توقع طعاما حلالا يجده قريبا ولم يخش محذورا قبل وصوله لم يجز غير سد الرمق (أى بقية الروح) وان لم يتوقع فان له أن يشبع فى قول حيث يكسر سورة الجوع (٢)، بحيث لا يسمى جائعا لا أن لا يجد للطعام مساغا، أما ما زاد على ذلك فحرام قطعا.
ولو شبع فى حالة امتناعه، ثم قدر على الحلال لزمه - ككل من تناول محرما - التقيؤ ان أطاقه، بأن لم يحصل له منه مشقة لا تحتمل عادة.
والأظهر سد الرمق فقط لانتفاء الاضطرار بعده نعم أن توقف قطعه لبادية مهلكة على الشبع وجب (٣).
مذهب الحنابلة:
يحرم الأكل من الميتة حال الاختيار لقوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (٤) ومن اضطر الى الميتة فلا يأكل منها الا ما يأمن معه الموت، فيباح له أكل ما يسد الرمق، ويحرم ما زاد على الشبع.
وليس للمضطر فى سفر المعصية الأكل من الميتة (٥).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: لا يحل شئ من أكل الخنزير أو الصيد الحرام أو الميتة أو الدم أو لحم السبع الطائر أو ذى الأربع أو الحشرة أو الخمر أو غير ذلك مما حرم الله من الماكل والمشارب الا عند الضرورة - حاشا لحوم بنى آدم وما يقتل من تناوله فلا يحل من ذلك شئ أصلا - لا بضرورة ولا بغيرها فمن اضطر الى شئ مما ذكر قبل ولم يجد مال مسلم أو ذمى فله أن يأكل حتى يشبع، ويتزود حتى يجد حلالا فاذا وجده عاد الحلال من ذلك حراما كما كان عند ارتفاع الضرورة.
وحد الضرورة أن يبقى يوما وليلة لا يجد فيها ما يأكل أو يشرب، فان خشى الضعف المؤذى الذى ان تمادى أدى
стр. 2639
الى الموت أو قطع به عن طريقه وشغله حل له الأكل والشرب فيما يدفع به عن نفسه الموت بالجوع أو العطش لقوله تعالى: «إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ»﴾. (١)
مذهب الزيدية:
فى البحر الزخار: لا يحل للمضطر مما يحرم بنفسه أكثر من سد الرمق لزوال الضرر بسده لقول الله تعالى: غير باغ (٢)، أى غير متلذذ ولا مجاوز لدفع الضرورة (٣).
مذهب الإمامية:
يجوز عند الاضطرار تناول المحرم من الميتة والخمر وغيرهما عند خوف التلف بدون التناول أو حدوث المرض أو زيادته أو الضعف المؤدى الى التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارات العطب على تقدير التخلف وهذا فى غير الخمر موضع وفاق.
وأما الخمر فقيل بالمنع مطلقا سواء قام مقام الخمر غيره من المحرمات أم لا.
وقيل بالجواز مع عدم قيام غيرها مقامها.
وانما يجوز من تناول المحرم ما يحفظ الرمق - وهو بقية الروح - والمراد وجوب الاقتصار على حفظ نفسه من التلف.
ولا يجوز التجاوز الى الشبع مع الغنى عنه (٤).
اسقاط
التعريف به فى اللغة:
فى مختار الصحاح وتاج العروس:
سقط الشئ من يده وقع على الأرض.
وأسقطه أوقعه وأسقطت الناقة وغيرها ألقت ولدها. وأسقط الفارس اسمه من الديوان رفعه وأزاله (٥).
تعريفه فى الاصطلاح:
وفى اصطلاح الفقهاء: ازالة الملك أو الحق لا الى مالك أو مستحق، كالطلاق ازالة ملك النكاح، والعتق ازالة ملك الرقبة، والعفو عن القصاص ازالة حق القصاص، وفى الكل يزول الملك والحق لا الى مالك ولا الى مستحق بل ينته
стр. 2640
ويتلاشى، فهو مأخوذ من الاسقاط بمعنى الرفع والازالة من أسقط الفارس اسمه من الديوان رفعه وأزاله.
الفرق بين الاسقاط والتمليك
والترك والنفى (١)
لا بد لتحقق معنى الاسقاط من قيام الملك والحق الذى يرد عليه بالفعل قبل وروده. ولا يكفى قيام السبب كالزوجية بالنسبة للنفقة لا تبرر اسقاط نفقة مستقبلة لم تتقرر ولم يثبت الحق فيها بالفعل، وهذا محل اتفاق بين العلماء ضرورة أن الاسقاط يتعلق بمسقط.
ومن ثم قالوا: ان الحقوق التى لم تجب بالفعل والملك الذى لم يتقرر بعد لا تقبل الاسقاط كما سيأتى.
ويسمى ترك الحقوق التى لم تجب بعد امتناعا لا اسقاطا، وهو غير لازم اذ هو مجرد وعد ومن ثم يجوز الرجوع عنه والعود الى المطالبة بالحق المتروك كترك الزوجة حقها فى القسم فى المستقبل للزوجة الأخرى يجوز لها أن ترجع فيه وتعود الى المطالبة بالحق الذى تركته، واذا هى رجعت وطالبت بعود حقها فى المستقبل فقط جاز لها ذلك على ما سيأتى تفصيله وبيان مذاهب الفقهاء فيه.
وازالة الملك الى مالك ليس اسقاطا، وانما هو تمليك كما فى البيع والهبة والاجارة والوصية وسائر التصرفات الناقلة للملكية فانها وان اقتضت ازالة ملك المتصرف عما تصرف فيه الا أنها تقتضى مع ذلك ادخاله فى ملك شخص آخر.
وحين يفرق بين الاسقاط والتمليك ينظر الى الاسقاط المحض كالطلاق المجرد، والعتق المجرد، والعفو المجرد، والتمليك المحض كالأرث.
وقد يجتمع الاسقاط والتمليك كما فى الابراء من الدين وهبة الدين ممن عليه الدين أو التصدق به عليه.
فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والزيدية والإمامية الى أن هذا التصرف يحمل معنيين.
معنى الاسقاط بالنسبة الى الدائن اذ قد تخلى عن الدين الذى كان له وسقط حقه
стр. 2641
فى المطالبة به ولم يبق معتبرا من عناصر ثرائه.
ومعنى التمليك بالنسبة الى المدين اذ قد دخل الدين فى ملكه وزاد شراؤه بمقدار قيمته فقد كان واجبا عليه الوفاء به واقتطاع قدره من ملكه واعطاؤه للدائن. وبتصرف الدائن استبقى له ذلك.
وهذا هو معنى تملكه الدين الموهوب.
وهذا التصرف فيه تمليك من وجه، واسقاط من وجه باتفاق هؤلاء الفقهاء ولكنهم اختلفوا فى تغليب أى الجانبين.
فذهب بعضهم الى تغليب جانب التمليك ورتب عليه بعض أحكام التمليك.
وذهب آخرون الى تغليب جانب الاسقاط ورتب عليه بعض أحكام الاسقاط.
وسيأتى لذلك مزيد ايضاح عند ذكر المسائل والتطبيق عليها.
أما الحنابلة: فقد اعتبروا هذا التصرف اسقاطا ورتبوا عليه أحكام الاسقاط
وقد يصاحب التمليك الاسقاط كما فى الطلاق على مال يسقط حق المطلق فى ملك النكاح ويثبت ملكه فى العوض المالى ..
وقد اتفق الفقهاء على أن مثل هذا التصرف اسقاط ورتبوا عليه أحكام الاسقاط ولم ينظروا فيه الى جانب التمليك.
وقول الشخص: لا ملك لى فى هذه العين. أو لا حق لى على فلان يريد به مجرد الاخبار لا انشاء اسقاط لحق قائم عليه بالفعل - ليس اسقاطا وانما هو نفى وكذلك رد الاقرار فى الأحوال التى يرتد فيها بالرد كما اذا كان فيه تمليك مال ولو من وجه يعتبر تكذيبا للمقر فيما أقر به ونفيا له .. ولا يعتبر اسقاطا لأن الحق لم يثبت بمجرد الاقرار حتى يكون الرد اسقاطا.
ركن الاسقاط
مذهب الحنفية:
ركن الاسقاط عند الحنفية ما يدل عليه ويحقق معناه من قول أو فعل أو سكوت ويلحق بالقول ما يقوم مقامه من كتابة أو اشارة مفهمة.
القول:
من الاسقاطات ما له ألفاظ خاصة، وصيغ معينة لا يتحقق معناه ولا يثبت حكمه ألا بها كالطلاق والعتق كل منهما اسقاط، ولكل منهما ألفاظ وصيغ محددة، منها الصريح، ومنها الكناية الذى يحتاج فى الدلالة على المعنى الى نية أو قرينة على ما هو مفصل ومبسوط فى الأبواب الخاصة بهما فى كتب الفقه فى المذاهب المختلفة (راجع طلاق وعتق).
стр. 2642
وقد ذكر الفقهاء ألفاظا وصيغا قالوا: انها تدل على الاسقاط، وتحقق معناه كأسقطت وأبطلت وتركت وحططت وأبرأت فى براءة الاسقاط.
أما براءة الاستيفاء فليست من الاسقاط وهبة الدين ممن عليه الدين والتصدق به عليه اسقاط للدين ولو أنه تمليك من وجه فى رأى الأكثرين كما أشرنا اليه سابقا.
والابراء كما يكون من حق ثابت فى الذمة يكون من حق قائم بنفسه وليس ثابتا فى الذمة كحق الدعوى والكفالة يصح الابراء منهما، ولكنه لا يكون دائما الا من حق قائم ثابت للمبرئ قبل شخص آخر.
أما الاسقاط فانه يتعلق بحق ثابت للمسقط سواء كان قبل شخص آخر كحق الدين والدعوى والكفالة وما ماثلها، أو لم يكن قبل شخص معين، كحق الشفعة، وحق السكنى لمن أوصى له بسكنى دار، فان حق الشفعة مقرر للشفيع قبل من يشترى العقار الذى يطلب الشفعة فيه أيا كان هذا المشترى، وحق السكنى يثبت للموصى له قبل من يملك العين الموصى بسكناها سواء ورثة الموصى أو غيرهم.
فبين الاسقاط والابراء عموم وخصوص من وجه، يجتمعان فى الابراء من الدين براءة اسقاط - وينفرد الاسقاط فى مثل حق الشفعة وحق السكنى الموصى بها معا ليس ثابتا قبل شخص معين.
وينفرد الابراء فى الابراء من الدين براءة استيفاء، كالزوجة تبرئ زوجها من مؤخر صداقها ونفقة عدتها نظير الطلاق (انظر ابراء).
وذكر الفقهاء أن قول الشخص: لا حق لى يقصد به انشاء الاسقاط يقتضى اسقاط كل حق هو مال كالدين أو ليس بمال كالكفالة بالنفس والقصاص وما هو دين وجب بدلا عن مال كالثمن والأجر، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر وما هو مضمون كالغصب، وما هو أمانة كالعارية والوديعة، لأن قوله لا حق لى نكرة فى سياق النفى فتعم كل حق، وقوله. قبل فلان: تشمل الأمانات والمضمونات.
ولو قال: لا حق لى عند فلان كان اسقاطا للأمانة لا للمضمون، لأن «عند» تستعمل فى الأمانات دون المضمونات.
ولو قال فلان برئ مما لى عليه كان اسقاطا للمضمونات دون الأمانات لأن كلمة عليه تشعر بالضمان ..
ولو قال الدائن: برئت من دينى على فلان كان اسقاطا للدين عن المدين كما لو أضاف البراءة الى نفس المدين فقال:
هو برئ من دينى عليه.
стр. 2643
ولو قال المغصوب منه العين للغاصب.
حللتك من كل حق هو لى قبلك كان هذا اسقاطا لما هو واجب فى الذمة ولا يتعلق بالعين المغصوبة ومن ثم لا يؤثر فى وجوب الضمان على الغاصب (١).
الاشارة المفهمة:
وتقوم مقام العبارة فى الدلالة على الاسقاط من فاقد النطق لخرس أو اعتقال لسان اذا استمر على ذلك أما الناطق فلا تعتبر اشارته مطلقا.
وفى الدر المختار وتكملة ابن عابدين أن الايماء بالرأس من الناطق ليس باقرار بمال وعتق وطلاق، أما الأخرس فان اشارته المعهودة قائمة مقام عبارته فى كل شئ من بيع وطلاق وعتاق وابراء واقرار وقصاص الا فى الحدود.
ولو كان قادرا على الكتابة على المعتمد ..
وأما معتقل اللسان فالفتوى على أنه اذا دامت العقلة الى الموت يجوز اقراره بالاشارة.
وكذلك الكتابة المعنونة المرسومة تقوم مقام العبارة.
فى الدر المختار. الاقرار كما يكون باللسان يكون بالبنان.
وفى حاشية ابن عابدين عليه - رجل أملى على انسان ليكتب حقا على نفسه
بحضرة قوم ثم قال: اشهدوا على بهذا لفلان كان اقرارا.
وفيها: ادعى المدين أن الدائن كتب على قرطاس أن الدين الذى لى على فلان ابن فلان قد أبرأته منه صح وسقط الدين ان ثبت ذلك لأن الكتابة المرسومة المعنونة كالنطق به. وان لم يكن كذلك لا يصح، ولا فرق بين أن تكون الكتابة بطلب أو بدون طلب (٢).
الفعل:
وقد يحصل الاسقاط نتيجة فعل يصدر من المسقط يقتضيه كما اذا اشترى عبدا ذا رحم محرم منه فانه يعتق عليه ويسقط ملكه فى رقبته بهذا الشراء.
أو نتيجة تصرف يقع من المسقط يتضمنه كمن أوصى له بسكنى دار وباع ورثة الموصى هذه الدار وأجاز الموصى له هذا البيع ورضى به، فان هذا الرضى يتضمن اسقاط حقه فى السكنى (٣).
ولو أوصى رجل لرجل بسكنى داره فمات الموصى وباع الوارث الدار ورضى به
стр. 2644
الموصى له جاز البيع وسقط حق السكنى.
أو نتيجة فعل يصدر من المسقط يدل على الاسقاط كمن يشترى بشرط الخيار ثم يتصرف فى المبيع أو يعمل فيه عملا لا يجوز ولا يحل الا فى الملك كتقبيله الجارية المشتراة بشرط الخيار أو اعتاقها أو هدمه الدار المشتراة بالشرط أو رمها أو نحو ذلك فان ذلك كله يعتبر اسقاطا للخيار.
السكوت:
وقد يحصل الاسقاط بالسكوت كالبكر الصغيرة اذا زوجها الولى غير الأب والجد من كفء وبمهر المثل جبرا عنها حيث يكون لها الخيار عند البلوغ تختار نفسها وتطلب من القاضى فسخ عقد الزواج أو تختار زوجها ويبقى العقد.
فقد قالوا انها اذا بلغت وسكتت سقط حقها فى الخيار بخلاف الثيب والغلام فان سكوتهما لا يعتبر رضا ولا يسقط حقهما فى الخيار ولا بد من صريح الرضا اذ السكوت لا يعتبر رضا، ولا يسقط به الحق دائما بل فى بعض المواضع ومنها ما ذكرنا.
وكذلك فى الشفعة اذا علم الشفيع بالبيع وسكت سقط حقه فى الشفعة.
وكذلك لو رأت الزوجة زوجها يبيع عينا من الأعيان وسكتت أو رأى القريب قريبه يبيع العين وسكت فان سكوت الزوجة والقريب وعدم اعتراضهما على التصرف يسقط حقهما فى ادعاء ملكية هذه العين ولا تسمع منهما الدعوى بملكيتها بعد ذلك.
أما الاجنبى ولو جارا فلا يعتبر سكوته رضا يسقط حقه فى دعوى الملك الا اذا سكت عند البيع والتسليم وتصرف المشترى فى العين (١).
وقد يجئ الاسقاط ضمن عقد الصلح وان لم ينص فيه صراحة على الاسقاط والابراء.
ففى الهداية من باب الصلح فى الدين «وكل شئ وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة. وأنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه كمن له على آخر ألف درهم فصالحه على خمسمائة وكمن له على آخر ألف جياد فصالحه على خمسمائة زيوف جاز، وكأنه أبرأه عن بعض حقه وهذا لأن تصرف العاقل يتحرى تصحيحه ما أمكن ولا وجه لتصحيحه معاوضة لافضائه الى الربا فجعل اسقاطا للبعض فى المسألة الأولى وللبعض والصفة فى الثانية.
стр. 2645
وان كان له عليه ألف بيض فصالحه على خمسمائة سود جاز ويكون اسقاطا لبعض حقه فى قدر الدين ووصفه.
ولو كان له عليه ألف درهم ومائة دينار فصالحه على مائة درهم حالة أو الى شهر صح الصلح ويكون اسقاطا للدنانير كلها والدراهم الا مائة وتأجيلا للباقى فلا يجعل معاوضة تصحيحا للعقد أو لأن معنى الاسقاط فيه الزم.
وفى الخانية: والصلح ينبئ عن الاسقاط ولو صالح من الجياد على النبهرجة جاز ولا يكون صرفا بل يكون اسقاطا لصفة الجودة.
ومن عليه الدين المؤجل اذا صالح صاحب دينه على ان يجعله حالا ان لم يكن ذلك بعوض جاز، لأن الأجل حقه فيملك اسقاطه.
والصلح كما هو مقرر عند الحنفية على ثلاثة أضرب.
صلح مع اقرار المدعى عليه بالحق المدعى به.
وصلح مع سكوت وهو أن لا يقر المدعى عليه بالحق ولا ينكره.
وصلح مع انكار المدعى عليه لهذا الحق.
وكل ذلك جائز.
والاسقاط المعتبر فى ضمن الصلح ليس معناه سقوط نفس الحق بالنسبة للصلح مع الانكار وانما معناه سقوط حق المطالبة والادعاء به. أما نفس الحق فيبقى ثابتا على من هو عليه. ويجب عليه أن يؤديه لصاحبه رغم الصلح فيما بينه وبين الله تعالى. وهذا ما يعبر عنه بالسقوط قضاء لا ديانة، وهذا ما لم ينص فى الصلح على الابراء من الباقى، فان نص فيه على الابراء من الباقى.
سقط الحق قضاء وديانة.
واذا بطل عقد الصلح بطل ما تضمنه من اسقاط وابراء ولو كان منصوصا عليه صراحة.
وكذلك اذا جاء الاسقاط ضمن عقد آخر كالبيع اذا تضمن ابراء البائع من كل دعوى تتعلق بالمبيع أو ابراء المشترى من كل دعوى تتعلق بالثمن ثم بطل البيع لأى سبب كاستحقاق المبيع فأنه يبطل الاسقاط والابراء الذى تضمنه ولا يكون له أثر فى استحقاق المشترى الثمن ومطالبة البائع برده اليه.
وبطلان الاسقاط ببطلان العقد الذى تضمنه مقيد بما اذا كان الاسقاط خاصا بموضوع النزاع الذى جرى الصلح فيه.
أما اذا كان اسقاطا عاما من كل حق أو من كل دعوى فلا يبطل ببطلان العقد الذى تضمنه.
стр. 2646
فقد جاء فى ابن عابدين من باب الصلح. أنه لو أقر اقرارا عاما أو ابرأ ابراء عاما من كل حق ودعوى يصح ذلك ويعمل به مستقلا عن الصلح وان لم يذكر فى التعبير قوله - غير داخل تحت الصلح - حتى لو ظهر فساد الصلح لا يفسد الاقرار ولا الابراء لكونه غير خاص بتلك الدعوى التى وقع عليها الصلح. بخلاف ما اذا لم يكن عاما بأن ادعى أحدهما على الآخر عينا مثلا ثم تصالحا على شئ وأقر أحدهما بأن العين لصاحبه أو أبرأ كل منهما الآخر عن دعواه ثم ظهر فساد الصلح فسد كل من الاقرار والابراء لابتنائه على الصلح. فله العود الى دعواه الأولى التى جرى عليها الصلح (١).
وقد اختلفت عبارات كتب الحنفية فى حصول الاسقاط بعبارة الاقرار كالمستحق فى وقف اذا أقر بأنه لا حق له فى ربع هذا الوقف وأن المستحق للريع هو فلان دونه هل يعتبر هذا القول منه اسقاطا لحقه فى الريع ولو كان كتاب الوقف على خلاف ما أقر به، ويسقط الحق بناء على ذلك أو يعتبر أنه محض اقرار يتضمن أنه مبطل فى
دعواه فيؤاخذ به وحده دون من يستحق بعده أو معه من الذرية .. ؟
خلاف، غير أنه اذا دلت قرائن الأحوال على أن المقصود بعبارة الاقرار هو انشاء اسقاط لحق ثابت يكون اسقاطا بالاتفاق، كالواقف يحتفظ لنفسه فى شروط وقفه بالشروط العشرة المعروفة، ثم يعمل اشهادا بالتغيير فى مصارف الوقف المذكور بمقتضى ماله من الحق فى ذلك، ثم يقول فى هذا الاشهاد أنه لا حق له فى تلك الشروط العشرة ولا فى شئ منها بعد ذلك - فان السياق وقرائن الأحوال تدل على أن المقصود بهذه العبارة انشاء اسقاط حقه فى استعمال الشروط العشرة المقرر له بمقتضى اشهاد الوقف الأصلى - بعد هذا التغيير - ولا خلاف لأحد فى ذلك.
هذا هو مذهب الحنفية فى ركن الاسقاط وما يحقق معناه.
وذهب غيرهم الى أن للاسقاط أركانا متعددة هى المسقط صاحب الحق، والعبارة التى يحصل بها الاسقاط، وهى الايجاب الذى يدل عليه.
أما القبول فمختلف فى أنه لا بد منه لتمام الاسقاط أو أنه يتم بدونه على ما يأتى بيانه، والحق الذى يرد عليه الاسقاط ويتعلق به، والمسقط عنه الذى تقرر الحق قبله.
стр. 2647
والعبارة الموجبة للاسقاط قد تكون محددة بصيغ وألفاظ معينة كما فى الطلاق والعتق على ما أشير اليه فى الكلام على مذهب الحنفية، وقد تكون غير محددة الا بما تؤديه وتحققه من معنى الاسقاط.
ومن ألفاظه عندهم أسقطت وأحللت وأبرأت وتركت ونحو ذلك مما يدل على ازالة الحق والملك.
ويرى ابن حزم صحة الاسقاط بكل ما يدل على ازالة الحق وتلاشيه، وعدم صحته بما يدل على التمليك.
غير أنه أجاز اسقاط الدين بلفظ التصدق وان كان يدل على التمليك لورود النص بذلك. فقد قال الله تعالى «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا .. » (١) وتصدقهم بالدية انما يكون بالابراء منها والتنازل عنها.
وروى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أنه قال: أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ فى ثمار أبتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ «تصدقوا عليه» وهو خطاب لغرمائه، وتصدق الغرماء على المدين يكون بابرائه من ديونهم وتنازلهم عنها.
شروط الاسقاط
للاسقاط شروط كثيرة منها ما يرجع الى المسقط صاحب الحق، ومنها ما يرجع الى صيغة الاسقاط، ومنها ما يرجع الى المسقط عنه الذى عليه الحق، ومنها ما يرجع الى الحق الذى يرد عليه الاسقاط ويتعلق به.
فأما ما يرجع الى المسقط صاحب الحق: فهو أن يكون أهلا للتصرف والتبرع، بأن يكون بالغا عاقلا غير محجور عليه لسفه أو غفلة. أو دين، وأن يكون مختارا وذا ولاية فى التصرف، لأن الاسقاطات منها تصرفات وأفعال تستلزم الأهلية للتصرف والولاية فيه كالطلاق والعتق والعفو عن القصاص وترك حق الشفعة واسقاط النفقة والمهر وحق الحضانة.
ومنها تبرعات تستلزم أهلية التبرع كالابراء من الدين والتصدق به على المدين. ولا يتم ذلك كله الا اذا توفر الاختيار وتوفرت الولاية والصفة.
جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢) أن اسقاط الزوجة المهر عن زوجها كله أو بعضه صحيح اذا كانت
стр. 2648
بالغة عاقلة رشيدة غير مريضة مرض الموت. والا فلا يصح من الصغيرة والمجنونة وغير الرشيدة لعدم صحة الاسقاط من هؤلاء. وينفذ من الثلث فقط اذا كانت مريضة مرض الموت اعتبارا بالوصية على تفصيل فى ذلك.
وفى حاشية ابن عابدين (١): لو أسقطت الصغيرة المهر عن زوجها لا يسقط لعدم صحة الاسقاط منها.
وفى الظهيرية لو قال لزوجته الصغيرة ان غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك بعد أن تبرئينى من المهر فوجد الشرط فأبرأته وطلقت نفسها لا يسقط المهر ويقع الطلاق رجعيا.
وانما يصح اسقاط المهر اذا كان دينا أو يثبت فى الذمة وهو ما لا يتعين بالتعيين كالنقدين وسائر المكيلات والموزونات الغير المتعينة.
أما اذا كان مما لا يثبت فى الذمة بأن كان عينا كالدار المعينة والحيوان المعين والمكيلات والموزونات المقصودة بذاتها عند التسمية من غير النقدين فانه لا يقبل الاسقاط ولا الابراء منه.
واذا حصل اسقاط فى مثل ذلك فانه لا يتعلق بنفس العين أو ما ألحق بها
اذ الأعيان لا تقبل الاسقاط ولا يتعلق بذاتها بمعنى أن العين لا تصير بهذا الاسقاط ملكا للمسقط عنه الذى هى فى يده ويبقى على ملك المسقط صاحب الحق ويجب على المسقط عنه أن يسلمه العين كما سيأتى.
وانما يفيد براءة المسقط عنه من الضمان اذا كانت يده عليها يد ضمان أو انقلبت كذلك أو يفيد البراءة من الدعوى بها.
فاذا كان المهر حليا معينا مثلا وأبرأت الزوجة زوجها منه ابراء صحيحا لا يسقط ملك الزوجة عن الحلى بهذا الاسقاط ولا يصير ملكا للزوج ويبقى واجبا عليه أن يسلمه اليها، ولكن يفيد الابراء عدم ثبوت الضمان على الزوج بحيث اذا هلك الحلى فى هذه الحالة قبل التسليم فلا ضمان عليه لحصول الابراء من الزوجة.
وجاء فى الحاشية من الموضع المذكور ولا بد من رضاها بالاسقاط. ففى هبة الخلاصة - خوفها بضرب حتى وهبت مهرها لم يصح لو قادرا على الضرب.
وفى تنقيح الفتاوى الحامدية (٢) اذا كان رجل عليه دين لأبيه فطلب من أبيه أن يبرئه من الدين فامتنع فهدده بالقتل ان لم يفعل وهو قادر على ذلك
стр. 2649
وتحقق الأب من ايقاع ما هدد به ان لم يفعل فأبرأه وثبت ذلك يكون الاسقاط غير صحيح وللأب مطالبة الابن بالدين.
وفى موضع آخر (١) أن الاسقاط لا يصح مع الاكراه فلو أكره الدائن على اسقاط دينه عن مدينه لم يصح ولا يسقط الدين.
وعدم الحجر للدين شرط نفاذ عند الحنفية، لأن ابراء المحجور عليه بسبب الدين لمدينه صحيح عندهم، ولكن يتوقف نفاذه على اجازة الدائنين، لأن منعه من التصرف والتبرع انما هو لمصلحة الدائنين والمحافظة على حقوقهم، فاذا أجازوا تصرفاته وتبرعاته فقد أسقطوا حقهم، وينفذ التصرف والتبرع هذا مع ملاحظة أن الامام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يرى الحجر للدين ولا يجيزه.
وانما يراه الصاحبان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، وأثره عندهما هو المنع من التصرف فى ماله الذى تعلق به حق الدائنين والتبرع بشئ منه محافظة على حقوق هؤلاء الدائنين ولا أثر مطلقا لهذا الحجر على أهلية المدين المحجور عليه.
أما عند من يرى أن الحجر للدين يمس أهلية المحجور عليه ويؤثر فيها
من الفقهاء فان عدم الحجر للدين يعتبر شرط صحة فى الاسقاط لا شرط نفاذ.
ويشترط فى المسقط أن يكون ذا ولاية وصفة فى الاسقاط الذى يصدر منه بأن يكون هو صاحب الحق الذى يرد عليه الاسقاط أو يكون وصيا عليه وفى هذه الحالة يقول الحنفية: اذا كان للصغير دين فصالح الوصى على بعضه وحط البعض فان كان الدين قد وجب بعقد باشره الوصى بنفسه بصفته صح الصلح ويضمن الوصى القدر الذى حطه من الدين للصغير عند أبى حنيفة ومحمد.
ولا يصح عند أبى يوسف لأنه تبرع بالقدر المحطوط وهو لا يملكه.
وان كان الدين قد وجب بعقد لم يباشره الوصى بل باشره غيره لا يصح الصلح عند الكل، لأنه بمنزلة الوكيل بالقبض حينئذ وهو لا يملك الاسقاط (٢).
واذا كان لأيتام مبلغ معلوم من الدراهم بذمة عمهم، ولهم أم وصى عليهم من قبل القاضى، فأسقطت عن عمهم المبلغ المذكور الذى بذمته، والحال أن المبلغ المذكور لم يجب بعقد الأم لا يصح هذا
стр. 2650
الاسقاط وفاقا، لأن الأم الوصية بمنزلة الوكيل بالقبض، وهو لا يملك الاسقاط، ولأنه تبرع فى حق الصغير فلا يجوز (١).
وكذلك اذا أبرأ الوصى مدين الصغير أو أجل دينه أو حط منه شيئا عنه.
وفى فتاوى أبى الليث: صلح الوصى على مال الصغير لا يجوز الا اذا ثبت ببينة المدعى ولم يفحش الغبن.
واذا أبرأ الوصى المباشر للعقد المستأجر من أجرة دار الصغير صح قضاء فلا يكون لأحد أن يدعى على المستأجر بالأجرة، ولا أن يقاضيه بشأنها، بل تبرأ ذمة المستأجر منها، لكن يضمن الوصى الأجرة المبرأ منها للصغير (٢).
وأما ما يرجع إلى الصيغة: فهو أن تكون دالة على الاسقاط دلالة ظاهرة بحسب الوضع كما فى الالفاظ الصريحة الموضوعة لمعنى الاسقاط أو التى تحقق معناه بحسب اصطلاح الفقهاء بنفسها أو بواسطة القرينة ودلالة الحال كما فى ألفاظ الكنايات والألفاظ والعبارات التى تستعمل عرفا أو لغة فى معنى آخر واستعملت فى ازالة الملك أو الحق لا الى مالك أو مستحق بمقتضى القرينة.
واذا كان من الممكن حصر الألفاظ الصريحة والكناية بالنسبة لبعض أنواع الاسقاطات
فليس من الميسور ذلك بالنسبة لسائر أنواعها ومن ثم يترك الأمر فى الاستعمال للعرف والاصطلاح.
وأما ما يرجع الى المسقط عنه الذى عليه الحق أو تقرر الحق قبله فهو أن يكون غير مجهول، بأن يكون معلوما على التعيين كما فى اسقاط الدين عن مدين معين بالذات أو بالوصف، وتطليق زوجة معينة كذلك، أو يمكن معرفته والاحاطة به كاسقاط الدين عن بنى فلان أو قبيلة كذا وهم محصورون، فان كان مجهولا لم يصح الاسقاط كما لو قال: كل مدين لى أو كل مدين لمورثى برئ من الدين الذى عليه أو قال: أبرأت أحد هذين من دينى عليه وكان كل منهما مدينا له فلا يصح الاسقاط فى ذلك كله ويبقى حقه الذى تناوله الاسقاط قائما كما كان .. لكن اذا كان المسقط عنه الحق أو المبرأ من الدين كثيرين ولكنهم محصورون كما اذا قال أبرأت قبيلة فلان وهم يحصون أو أبرأت هؤلاء المدينين وأشار الى جماعة محصورين صح الاسقاط وبرئ هؤلاء مما عليهم.
نقل فى المحيط عن الامام محمد رحمه الله تعالى: لو قال: كل من لى عليه دين فهو برئ منه لا يبرأ غرماؤه من ديونه الا أن يقصد رجلا بعينه فيقول هذا برئ مما عليه ويشير اليه أو يقول: قبيلة فلان وهم يحصون.
стр. 2651
ونقل عن الفقيه أبى الليث أن ابراء جميع الغرماء صحيح (١).
وفى الدر المختار وتكملة ابن عابدين أن جهالة المقر له تضر اذا كانت فاحشة كقوله لأحد من الناس على كذا أما ان كانت يسيرة كقوله لأحد هذين على كذا فلا تضر ويصح الاقرار وكذا الابراء ويطلب الى المقر والمبرئ البيان (٢).
وهذا الشرط معتبر عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
ويعلل بعضهم عدم صحة الابراء فى هذه الحالة بعدم امكان تمليك المجهول وهؤلاء هم من يرون أن معنى التمليك غالب فى الابراء.
وقد أشرنا فيما سبق الى أن الابراء اسقاط فيه تمليك والخلاف فى المعنى الغالب فيه.
وفى الاشباه (٣) والنظائر فى فقه الشافعية - الابراء هل هو اسقاط أو تمليك قولان، والترجيح مختلف فى الفروع.
ومنها ابراء المبهم كقوله لمدينيه: أبرأت أحدكما والأصح فيه التمليك فلا يصح
كما لو كان له فى يد كل واحد عبد فقال: ملكت أحدكما العبد الذى فى يده لا يصح.
وفى المحلى لابن حزم (٤) أن الصدقة تقتضى موجودا أو معروفا والتصدق لمن لا يدرى ولمن لم يخلق باطل.
وأما ما يرجع الى الحق الذى يرد عليه الاسقاط فهو أن يكون موجودا وقائما بالفعل عند الاسقاط لأن الحق قبل وجوده وتقرره ساقط بالفعل فلا يتصور ورود الاسقاط عليه.
وقد تقدم أن ترك الحق الذى لم يجب بعد كحق الزوجة فى القسم مستقبلا وحق الحاضنة فى الحضانة مستقبلا لا يسمى اسقاطا وانما يسمى امتناعا، وأنه غير لازم يجوز الرجوع فيه، والعود الى المطالبة بالحق.
وليس من اسقاط ما لم يجب بعد التطليق والعتق المضافان الى الملك عند الحنفية كقوله لأجنبية ان تزوجتك فأنت طالق. وقوله لعبد مملوك للغير ان ملكتك فأنت حر لأن الاسقاط بالفعل فيهما لم يحصل الا عند تحقق ملك النكاح بالتزوج وملك الرقبة بملك العبد فهو اسقاط فى الملك المحقق الثابت.
стр. 2652
أما عند غير الحنفية فهو اسقاط فى غير الملك الثابت ومن ثم بطل التعليق والاصافة فيه.
وكذلك يشترط فى الحق الذى يرد عليه الاسقاط أن يكون قابلا للاسقاط شرعا كالحقوق التى ذكرناها وذكرنا العديد من أمثلتها.
فان كان الحق غير قابل للاسقاط بحكم الشرع كحق الارث والرجوع فى الهبة، وولاية الأب والجد على الصغير، وملك الأعيان، أو لأنه ملك الغير، كالحدود التى هى حق لله تعالى، أو يغلب فيها حق الله تعالى والعدة ونسب الصغير، أو لتعلق حق الغير بها أو نحو ذلك، فأنه لا يصح فيها الاسقاط ولا تسقط به، وسيأتى تفصيل لذلك عند الكلام على ما يقبل الاسقاط وما لا يقبله وهل يشترط فى الحق الذى يرد عليه الاسقاط أن يكون معلوما أو يصح الاسقاط ولو مع جهالة المسقط؟ خلاف يرجع فى أساسه الى وجود معنى التمليك فى الابراء وهل هو غالب أولا.
ويبدو من ذلك أن الاسقاطات المحضة التى ليس فيها تمليك كأسقاط حق القصاص وحق الشفعة وحق الدعوى لا يجرى فيها هذا الخلاف.
ومن ثم قالوا لو أبرأه ابراء عاما من كل الحقوق التى له عليه أو قبله تدخل هذه الحقوق وتسقط بهذا الاسقاط العام.
أما الابراء الذى فيه معنى التمليك فهو الذى يجرى فيه الخلاف على الوجه الآتى:
مذهب الحنفية:
قال الحنفية انه لا يشترط لصحة الاسقاط أن يكون الحق المبرأ منه معلوما بل يصح الابراء من المجهول أيضا.
جاء فى تكملة ابن عابدين اذا قال المدين للدائن (١) حاللنى من كل حق لك على ففعل الدائن صح ذلك وسقط عن المدين ما علم وما لم يعلم. وذلك لأن اسقاط المجهول للمعلوم صحيح وبه يفتى.
وفى الجزء الأول من هذه (٢) التكملة اذا أسقط الدائن دينه عن المدين اجمالا بأن أسقط عنه ماله عليه وقد كان فى ظنه أنه عشرة دراهم فتبين أنه مائة درهم مثلا سقطت المائة عن المدين قضاء اعتمادا على اطلاق البراءة وكذا ديانة عند أبى يوسف.
وقال محمد لا يسقط فى الديانة الا عشرة دراهم.
وقال فى المحيط: هبة الدين ممن عليه الدين ابراء واسقاط حقيقة فالجهالة فى الدين لا تمنع صحة الابراء.
ولو حلله من كل حق له عليه ولم يعلم بما عليه برئ حكما لا ديانة عند محمد.
стр. 2653
وقال أبو يوسف برئ ديانة أيضا وهو الأصح كما لو علم به .. وعلل ذلك بأن الابراء اسقاط لا تفتقر صحته الى القبول.
وجهالة الساقط لا تمنع صحة الاسقاط، لأنه متلاش فلا يرد عليه التسلم والتسليم ليفضى الى المنازعة كالمشترى اذا أبرأ البائع من العيوب صح وأن لم يبين العيوب.
مذهب المالكية:
وفى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه فى فقه (١) المالكية: ان أبرأ فلانا مما له قبله أو من كل حق أو أبرأه وأطلق برئ مطلقا من الحقوق المالية معلومة أو مجهولة، وبرئ أيضا من الحقوق البدنية مثل حد القذف ما لم يبلغ الامام.
وقال الدسوقى فى الحاشية: ويدخل فى الحقوق المالية المعينات كدار على الصواب فيسقط بالبراءة الطلب بقيمتها اذا فاتها المبرأ والطلب برفع اليد عنها ان كانت قائمة.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢): لا يصح الابراء من دين مجهول لأنه ازالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع والهبة.
وفى الاشباه والنظائر للسيوطى (٣): الابراء هل هو اسقاط أو تمليك .. قولان .. والترجيح
مختلف فى الفروع فمنها الابراء مما يجهله المبرئ والاصح فيه التمليك فلا يصح، ومنها اشتراط القبول والأصح فيه الاسقاط فلا يشترط.
غير أن الشافعية أجازوا الابراء من المجهول فى صورتين.
الأولى: فى الابراء من الدية فأنه يجوز الابراء منها ولو مع جهالة قدرها.
الثانية: أن يذكر المبرئ الذى لا يعلم قدر دينه غاية يتحقق أن حقه أقل منها كأن يقول: أبرأتك من دينى عليك البالغ مائة جنيه وهو يعلم أن دينه أقل من هذا القدر فانه يصح الابراء لتأكد شموله الحق الذى له على المبرأ (٤) حينئذ.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٥): نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الابراء عن المجهول فيصح على المشهور لقطع النزاع، وظاهر هذا أنه لا فرق بين الدين والعين قال فى المبدع: وقيل لا يصح عن أعيان مجهولة لأنه ابراء.
وفى موضع آخر: اذا (٦) أبرأ غريم غريمه من دينه صح ولو كان الدين المبرأ منه
стр. 2654
مجهولا لأحدهما أولهما ويصح الابراء من المجهول ولو لم يتعذر علمه لأنه اسقاط حق فينفذ مع العلم والجهل لكن اذا كان المبرئ لا يعلم بالدين والمدين يعلمه ولكنه كتمه عن الدائن خوفا من أنه اذا علمه يطالبه به ولا يبرئه منه. وأبرأ الدائن المدين فى هذه الحالة فان الابراء لا يصح لأن فيه ظلما للدائن وهضما لحقه. وابراؤه هذا ليس صادرا عن ارادة معتبرة وانما هو ضرب من الهزل.
اذ هو يعتقد أن لا دين له.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١) لابن حزم: ومن كان له عند آخر حق فى الذمة دراهم أو دنانير أو غير ذلك أو أى شئ كان فقال له: قد وهبت لك مالى عندك أو قال قد أعطيتك مالى عندك … فلا يلزم شئ من ذلك لأن الهبة والعطية والصدقة تقتضى موهوبا له ومعطى له، موجودا ومعروفا وتقتضى موهوبا ومعطى معلوما. وهنا لا يدرى ذلك الحق الذى له عند فلان فى أى جوانب الدنيا هو. ولعله فى ملك غيره الآن. وانما يجوز هذا بلفظ الابراء أو العفو أو الاسقاط أو الوضع.
ويجوز أيضا بلفظ الصدقة لحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: أصيب رجل فى عهد رسول الله ﷺ فى ثمار أبتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه فهذا عموم للغرماء
وغيرهم وهذا صريح فى جواز الابراء من الدين مع جهالته وكذا اسقاطه.
مذهب الزيدية:
ذهب الزيدية الى عدم جواز الابراء من الدين مع جهالته لأن الغالب عندهم فيه معنى التمليك وتمليك المجهول غير جائز.
جاء فى شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار أنه لو قال الدائن للمدين أسقطت عنك مالى عليك ولم يعينه لم يصح هذا الاسقاط اذا علم من حاله أنه لو عين له مقدار الدين لم يسقطه عنه.
وذهب الهادى والمؤيد بالله والقاسم الى جواز اسقاط المجهول (٢).
وقال الزيدية انه لا يصح الابراء مع التدليس كأن يبرئ الدائن مدينه بناء على تفهيم المدين اياه أنه فقير أو أن الدين تافه ثم يظهر خلاف ذلك لما فيه من التغرير وعدم تحقق ارادة الابراء (٣).
مذهب الإمامية:
ويرى الإمامية (٤) صحة الابراء مع جهالة المبرأ منه لأنه اسقاط وليس معاوضة حتى يعتبر فيه ما يعتبر فيها.
стр. 2655
أنواع الاسقاط
الاسقاطات كثيرة منها ما تميز فى اصطلاح الفقهاء باسماء معينة وذكرت أبحاثه وفروعه وأحكامه فى أبواب خاصة وفصول مستقلة كالطلاق لاسقاط ملك منافع البضع، والعتق لاسقاط ملك رقبة المملوك، والابراء لاسقاط الحق الثابت فى الذمة أو المقرر قبل شخص آخر والعفو عن القصاص لاسقاط حق القصاص.
جاء فى فتح القدير للكمال بن الهمام من أول كتاب (١) العتق: اشترك كل من الطلاق والاعتاق فى أنه اسقاط الا أن العتق اسقاط ملك الرقبة والطلاق اسقاط ملك منافع البضع - وأما اسقاط ملك ما فى الذمة فيسمى ابراء. واسقاط القصاص يسمى عفوا، فقد ميزت أنواع الاسقاطات بأسماء لينسب اليها مع اختصار.
وهناك أنواع كثيرة لم تميز باسماء معينة.
والاسقاطات. منها ما هو اسقاط محض ليس فيه تمليك كالطلاق والعتق والعفو عن القصاص اذا وقعت مجردة ولم تكن فى مقابلة مال أو بدل، وما هو اسقاط من وجه وتمليك من وجه كالابراء من الدين وهبة الدين أو التصدق به ممن عليه الدين.
ذكر الفقهاء أن هناك اسقاطا محضا ومثلوا له بالامثلة المذكورة وأن هناك اسقاطا فيه معنى تمليك، أو هو اسقاط من وجه وتمليك
من وجه ومثلوا له بالابراء من الدين ولم يذكروا كلاما واضحا واقعا يظهر منه الفرق بين النوعين، وقد أشرنا فيما سبق عند الكلام على الفرق بين التمليك والاسقاط الى أن الفقهاء قالوا: ان الابراء من الدين وهبة الدين ممن عليه الدين فيه معنيان، معنى الاسقاط بالنسبة للدائن بتخليته عن دينه وعن المطالبة به وسقوطه من عناصر ثرائه، ومعنى التمليك بالنسبة للمدين، لأن الدين الذى كان مطالبا به دخل فى ملكه وزاد ثراؤه بمقداره بعد أن كان واجبا عليه الوفاء به واقتطاع قدره من ملكه واعطاؤه للدائن، وهذا أقصى ما يمكن أن يفرق به بين الاسقاطات المحضة والتى فيها معنى التمليك.
ومنها ما يقتضى البراءة من كل وجه ويسقط فيه الحق نفسه قضاء وديانة كالاسقاط الحاصل بالصلح أو ضمن الصلح اذا كان الصلح عن اقرار أو كان عن انكار وصاحبه ابراء خاص من باقى الحق المصالح عنه أو ابراء عام من كل الحقوق.
ومنها ما لا يقتضى البراءة من كل وجه ويسقط فيه الحق قضاء لا ديانة، أى يسقط به حق الدعوى والمطالبة بالحق عند القاضى، أما نفس الحق فلا يسقط بل يبقى قائما فيما بين المسقط عنه وبين الله تعالى، ومن ثم يجب عليه شرعا أن يؤدى هذا الحق الى صاحبه فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك كما فى حالة الصلح عن انكار اذا لم يصاحبه ابراء من الحق أو ابراء عام.
стр. 2656
ومنها ما لا يتجزأ فيثبت أثره ومقتضاه فى كل المحل.
ومنها ما يتجزأ فيثبت أثره ومقتضاه فى بعض المحل حسبما تدل عليه الصيغة ويقتضيه عبارة الاسقاط.
ومنها ما يتوقف تمامه وحصول أثره على قبول المسقط عنه ويرتد برده.
ومنها ما يتم ويثبت أثره دون توقف على قبول المسقط عنه ولا يرتد بالرد.
ومنها ما يصح مقابلته بالمال وأخذ عوض عنه.
ومنها ما لا يصح أخذ عوض فيه.
ومنها ما هو اسقاط عام.
ومنها ما هو اسقاط خاص وسنتكلم عن بعض هذه الأنواع ونذكر أقوال الفقهاء فى فروعها وأحكامها على التفصيل الآتى:
قبول الاسقاط
الحق والملك الذى يرد عليه الاسقاط حق خالص لصاحبه واقدام صاحبه على إسقاطه تصرف منه فى خالص حقه دون أن يمس ذلك حقا لغيره ودون أن يترتب عليه أثر يتعلق بالغير أو يستوجب تكليفا عليه، ومن ثم كان الأصل فى الاسقاط أن يتم بارادة المسقط وحده، وينفذ بصدور ما يحقق معناه منه من قول أو فعل أو سكوت كما ذكرنا، ولا يتوقف على قبول المسقط عنه ولا يرتد برده، كالطلاق يتم بارادة المطلق والعتق يتم بارادة المعتق والعفو عن القصاص يتم بارادة صاحب الحق فيه شرعا. وتسليم الشفعة يتم بارادة الشفيع دون توقف على قبول أو ارادة الطرف الآخر. وهذا هو الحكم فى الاسقاط المحض الذى ليس فيه تمليك ولو من وجه ولا يقابله عوض.
فى الاشتباه والنظائر لابن نجيم الحنفى:
أن الابراء لا يتوقف على القبول الا الابراء من بدل الصرف والسلم.
وفى الحموى: أن الابراء لا يحتاج الى القبول وأنه اذا سكت المبرأ جاز.
ثم نقل عن الدبوسى فى شرح الوهبانية:
الصدقة بالواجب فى الذمة اسقاط كالصدقة بالدين على الغريم وهبة الدين له فيتم بغير قبول وكذا سائر الاسقاطات تتم بغير القبول، وانما توقف الابراء عن بدل الصرف والسلم على القبول، لأن هذا الابراء يوجب انفساخ عقدهما، لأنه يوجب فوات القبض المستحق بالعقد وفوات القبض يوجب بطلان العقد، فلا ينفرد به أحد المتعاقدين، ويتوقف على قبول الآخر حتى يتم الفسخ برأيهما معا بخلاف الابراء عن سائر الديون، لأنه ليس فيه معنى عقد ثابت يتأثر به وانما فيه معنى التمليك من وجه والاسقاط من وجه.
وقد نص فقهاء الحنفية على أن الطلاق أو العتق على مال يتوقف كل منهما على القبول، فان لم يحصل القبول لا يتم
стр. 2657
ولا يقع طلاق ولا يتحقق عتق وان حصل القبول صح ووقع الطلاق وتحقق العتق، وعللوا ذلك بأنه يكون حينئذ معاوضة فيتوقف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطرف الآخر اذ المعاوضة لا تتم الا برضا الطرفين.
وكذلك قالوا فى الصلح عن دم العمد نظير بدل.
ولا يكاد يخالف أحد من الفقهاء فى أن الاسقاطات المحضة التى ليس فيها معنى التمليك والتى لم تقابل بعوض تتم بارادة المسقط وحده، ولا تتوقف على قبول المسقط عنه مع استثناء بدل الصرف والسلم عند الحنفية لما فيه من معنى الفسخ كما ذكرنا.
والخلاف انما هو فى الاسقاطات التى فيها معنى التمليك كالابراء من الدين.
ومناط الخلاف فى ذلك هو اعتبار أى المعنيين من التمليك والاسقاط غالبا فى هذا التصرف.
وقد تضمنت النصوص الفقهية المنقولة عن الاشباه والحموى أن الحنفية يرون أن الابراء من الدين يعتبر من الاسقاطات ولا يتوقف على قبول المبرأ.
وقد خالف فى ذلك الامام زفر فذهب الى أن الابراء من الدين يتوقف على القبول نظرا لجانب التمليك فيه.
وهو قول لبعض الشيعة الجعفرية.
وذهب الشافعية والحنابلة وجمهور الشيعة الجعفرية الى أن الابراء من الدين يتم بارادة المبرئ ولا يتوقف على قبول المبرأ نظرا لجانب الاسقاط فيه.
ولأنه تصرف يتعلق بخالص حق المبرئ ولا يتعلق به حق للغير.
وللمالكية والزيدية فى ذلك قولان:
أحدهما أنه يتوقف على القبول مراعاة لجانب التمليك فيه وهو الأرجح.
والثانى أنه لا يتوقف على القبول بل ويتم مع رد المبرأ مراعاة لمعنى الاسقاط فيه كالطلاق والعتق.
ويجوز أن يتراخى القبول عن مجلس الايجاب عند من يقول باشتراط القبول من المالكية كما يجوز للمبرئ الدائن أن يرجع عن الابراء قبل حصول القبول.
وقد ذهب بعض من الحنفية غير الامام زفر الى أن الابراء من الدين اذا كان بهبة الدين للمدين أو التصدق به عليه فانه لا يتم الا بقبول المبرأ لأن معنى التمليك فيه أظهر.
ولكن المشهور عند الحنفية أن الابراء من الدين فى جميع صوره.
ومنها هبته للمدين يتم دون توقف على القبول وأنه ينفذ مع سكوت المدين فى مجلس الايجاب نظرا لجانب الاسقاط فيه.
وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة.
стр. 2658
وذهب آخرون الى أن هبة الدين للمدين تتوقف على القبول لظهور معنى التمليك فيها.
بل ان المالكية يرون أنها نص فى التمليك فتتوقف على القبول وترتد بالرد.
والابراء من الحوالة والكفالة من الاسقاطات المحضة عند الحنفية ومن ثم اتفقوا على أنه لا يتوقف على القبول.
أما الحوالة فلأن المحتال لم يملك الدين بالحوالة اذ لو ملكه لكان تمليك الدين من غير من عليه الدين وهو لا يجوز شرعا، وانما ملك المطالبة بالدين من المحتال عليه، فاذا أبرأه يكون ابراء مما ملكه بالحوالة وهو المطالبة بالدين، والابراء من المطالبة اسقاط محض ومن ثم لم يتوقف على القبول قولا واحدا.
وأما الكفالة فان الطالب اذا أبرأ الكفيل من المطالبة بالدين فلا يحق له أن يعود لمطالبته به مرة أخرى فهو ابراء مؤبد وبالتالى هو اسقاط محض فلم يتوقف على القبول قولا واحدا كذلك (١).
رد الاسقاط
يكاد الكلام فى رد الاسقاط وما يرتد منه بالرد وما لا يرتد - يرتبط بالكلام على قبول الاسقاط وما يتوقف منه على القبول وما لا يتوقف، وتكاد الآراء هنا تستمد أساسها من الآراء هناك … فالاسقاطات المحضة التى قلنا أن الفقهاء متفقون على أنها لا تتوقف على القبول قد اتفق الفقهاء هنا أيضا على أنها لا ترتد بالرد، لأنها بتمامها دون توقف على القبول يسقط الملك والحق ويتلاشى ولا يؤثر فيه الرد، اذ المقرر أن الساقط لا يعود.
جاء فى فتح القدير للكمال بن الهمام الحنفى وشرح العناية على الهداية (٢):
أن الطلاق والعتق لازمان لا يقبلان الفسخ.
وأن الاسقاط المحض كاسقاط الخيار لا يحتمل الرد لتلاشى الساقط.
وفى الحموى على الأشباه نقلا عن الدبوسى أن الاسقاط اذا كان فيه تمليك مال من وجه يقبل الارتداد بالرد وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل الرد كأبطال حق الشفعة والطلاق وان هذا ضابط جيد يجب حفظه ..
وفى الأشباه أن الابراء يرتد بالرد الا فى مسائل.
стр. 2659
الأولى اذا أبرأ المحتال المحتال عليه فرده لم يرتد بالرد.
الثانية: اذا قال المدين: أبرئنى فرده لا يرتد.
والثالثة: اذا أبرأ الطالب الكفيل فرده لم يرتد وقيل يرتد.
الرابعة: لو قبله ثم رده لم يرتد.
وهذه المسائل الأربعة ليست مستثنيات فى الواقع، لأن الأولى والثالثة - الحوالة والكفالة قد تقدم أنهما من الاسقاط المحض وليستا من الابراء، وأما الثانية والرابعة، فلأن المدين قد قبل الابراء فعلا فى الرابعة، وبذلك سقط حقه فى الرد فلا يملك أن يعود اليه، وكذلك فى الثانية بطلبه الابراء يكون قد قبله ورضى به فأسقط حقه فى الرد والساقط لا يعود وكذلك الحكم فى المذاهب الأخرى بالنسبة للاسقاطات المحضة.
أما الاسقاط الذى فيه معاوضة كالطلاق والعتق والعفو نظير بدل فانه يرتد بالرد ما لم يسبق قبول أو طلب ولا خلاف فى ذلك أيضا.
بقى الابراء من الدين بالاسقاط أو بهبته للمدين وقد اختلف الفقهاء فى ذلك.
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية الى أنه يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك وهل يشترط لصحة الرد وترتب أثره عليه أن يكون الرد فى مجلس الابراء فلو رد بعد انتهاء المجلس لا يصح ولا يؤثر. أو لا يشترط ذلك فيصح الرد ولو كان بعد المجلس؟ خلاف.
نقل ابن عابدين عن الشرنبلالى أن المشايخ قد اختلفوا فى اشتراط الرد لصحة الابراء. واتفقوا على أنه يشترط لصحة الرد أن لا يسبقه قبول من المبرأ للابراء ولا طلب كذلك فلو قبل الابراء أو طلبه من الدائن ثم رده بعد ذلك لا يصح ولا يقبل منه ولو كان فى مجلس الابراء لما أوضحناه فيما سبق.
ويصح عند الحنفية ابراء المدين بعد موته. واختلفوا هل يرتد برد الوارث أولا.
ذهب أبو يوسف الى أن للوارث رد الابراء كما كان للمورث لأنه خليفة عنه فيما يتعلق بالتركة. وهذا الحق ثابت للمورث بالاتفاق فيثبت للوارث كذلك بالخلافة.
وذهب محمد الى أنه ليس للوارث حق الرد لأنه يثبت للمورث باعتبار ما فيه من معنى التمليك. والابراء بعد الموت ليس فيه تمليك لأحد اذ هو للتركة ويلزمه العفو عن الميت (١).
стр. 2660
مذهب المالكية:
ذهب المالكية الى أن الابراء يرتد بالرد لغلبة معنى التمليك فيه ومن ثم ذهبوا فى الأصح عندهم الى أنه يتوقف على القبول كما تقدم بل قالوا فى هبة الدين للمدين أنها نص فى التمليك. فاذا رد المدين الابراء بطل وبقى الدين (١).
مذهب الشافعية والحنابلة:
وذهب الشافعية والحنابلة الى أن الابراء لا يرتد بالرد تغليبا لمعنى الاسقاط فيه ولذا قالوا انه لا يتوقف على القبول (٢).
مذهب الزيدية:
ذهب الزيدية الى أن الابراء يرتد بالرد لغلبة معنى التمليك فيه، ولذا قالوا انه يتوقف على القبول من المدين، فان خلا من التمليك وكان اسقاطا محضا كالإبراء من الشفعة لم يتوقف على القبول ولم يرتد بالرد
ومنهم من ذهب الى أن الابراء بجميع صوره وأحواله يغلب فيه معنى التمليك، ومن ثم يتوقف على القبول ويرتد بالرد (٣).
ويصح الابراء من الفضولى عند الحنفية والزيدية ويتوقف نفاذه على أجازة الدائن صاحب الحق فان أجازه نفذ وان لم يجزه لم ينفذ.
ويصح عند الحنفية اسقاط الدائن دينه عن مديونه الذى مات قبل قضاء الدين بهبته لورثته كلهم أو بعضهم، ويسقط بذلك الدين عن المدين، سواء أكانت التركة مستغرقة بالدين أم لا، لأن هذا من هبة الدين ممن عليه الدين فى المعنى اذ هو ابراء للتركة، والورثة يملكون التركة ان لم تكن مستغرقة بالدين، ولهم فيها حق ان كانت غير مستغرقة (٤).
واذا أسقط الدائن الدين عن المدين وأبرأه ابراء عاما من كل حق سقط الدين بذلك، فان أقر المدين بعد ذلك بالدين لا يلزمه شئ بهذا الاقرار، لأن الدين وصف، وقد سقط وتلاشى بالاسقاط، فلا يعود مرة أخرى، بخلاف ما اذا أقر بالعين بعد الابراء العام، فانه يؤاخذ باقراره ويؤمر بدفع العين التى أقر بها للمقر له مؤاخذة له باقراره، وتصحيحا لكلامه على طريق الاقتضاء، اذ الملك فى العين يتجدد والعين قابلة لذلك فيفترض أنه ملك متجدد (٥).
стр. 2661
الاسقاط بعوض
مذهب الحنفية:
نص فقهاء الحنفية على أنه يصح الخلع والطلاق والعتق على مال، ويقع الطلاق ويحصل العتق ويجب المال، وعلى أنه يجوز لولى الدم فى القتل العمد الذى موجبه القصاص أن يصالح عن حق القصاص نظير مال، وأنه يصح الصلح ويسقط حق القصاص ويجب المال.
ونصوا أيضا على أن الشفيع لو صالح عن حقه فى الشفعة نظير مال سقط حقه فى الشفعة، ولكن لا يجب المال، لأن قبوله الاسقاط نظير عوض تسليم منه بالحق، وهو الاسقاط وبذلك يزول الحق ويتلاشى ولا يعود، ولا حق له فى العوض لأن حق الشفعة لا يقبل التمليك لأحد فلا تصح مبادلته بشئ ..
ونصوا على أن المدين بدين مؤجل اذا صالح الدائن على اسقاط الأجل جاز اذا لم يكن نظير عوض، فان كان نظير عوض بطل.
وقد اختلفوا فى الأصل الذى يعتمد عليه فى معرفة الاسقاطات التى يصح الاعتياض عنها والتى لا يصح ..
والحق عند الحنفية على ضربين.
حق متقرر فى المحل الذى تعلق به، وحق غير متقرر فيه، وهو الذى يعبر عنه عادة بالحق المجرد ومجرد الحق.
والحق المتقرر تارة يكون ملكا فى المحل، كحق الزوج فى النكاح بالنسبة للاستمتاع، وحق السيد فى العبد وهو ملك رقبته، وتارة لا يكون ملكا كحق القصاص.
والفرق بين المتقرر وغيره أن ما يتغير بالصلح عما كان قبله فهو متقرر كحق القصاص، فان نفس القاتل كانت مباحة وغير معصومة فى حق ولى الدم الذى له حق القصاص وبالصلح حصلت له العصمة فى دمه ونفسه فكان الحق فى ذلك متقررا.
أما ما لا يتغير بالصلح عما كان قبله فهو حق غير متقرر كحق الشفعة اذا صالح الشفيع على اسقاط حقه فيها، فلا أثر لهذا الصلح بالنسبة للحق الا سقوطه به، والمشترى يملك الدار المشفوع فيها قبل الصلح وبعده على وجه واحد بطريق البيع بكل أوضاعه وشروطه وآثاره فلم يكن حقا متقررا.
والمقرر أنه لا يصح الاعتياض بالمال الا عن المال أو ما يؤول الى المال، وأن الانسان كما يجوز له أن يلتزم العوض ليثبت له الملك، يجوز أن يأخذ العوض، ليبطل ملكه أو حقه المتقرر، وأنه لا يحل
стр. 2662
له أخذ العوض عن الحق اذا لم يكن ملكا، ولا حقا متقررا.
أما الحق الذى ليس بمتقرر فلا يجوز الاعتياض عنه.
هذا رأى الأكثرين من الحنفية وعلى رأسهم المتقدمون وأكثر المتأخرين.
وذهب بعض المتأخرين الى أن الحقوق التى أثبتها الشارع للانسان اما أن يكون القصد منها دفع الضرر عنه، وحماية مصالحه المشروعة، كحق الشفعة أعطاه الشارع للشفيع لدفع الضرر الذى قد يلحقه بمخالطة المشترى السئ فى الشركة، أو مجاورته فى الجوار، وكحق الخيار أعطاه الشارع للمتصرف لدفع الضرر الذى قد ينجم من البيع أو الشراء.
وفى مثل هذه الحقوق لا يجوز الاعتياض عنها سواء كان متقررا أو مجردا، لأن من يثبت له اذا رضى باسقاطها بالعوض يتبين أنه لا ضرر يلحقه من زوالها فتسقط وتزول دون عوض.
واما أن يكون الشارع قد أثبت الحق للانسان أصالة لا على وجه رفع الضرر عن صاحبها كحق القصاص. وملك النكاح والعتق فانه يصح الاعتياض عنها مجردا كان الحق أو متقررا.
والحق ما ذهب اليه الأكثرون، لأنه الذى يتفق مع ما قرره فقهاء الحنفية، ونصوا على أحكامه فى الفروع المختلفة.
فقد نصوا على أنه يصح الخلع والطلاق والعتق على مال، ويقع الطلاق ويحصل العتق ويجب المال، ولو اصطلح الولى عن دم العمد على مال صح، وسقط القصاص ووجب المال، وان صالح الشفيع عن شفعته على عوض بطلت الشفعة ولم يجب العوض، وكذا لو باع شفعته بمال كان تسليما ولا يجب المال لأن البيع تمليك مال بمال وحق الشفعة لا يحتمل التمليك فيصير كلامه عبارة عن الاسقاط.
أما الصلح عن دعوى الشفعة على مال فيجوز ويجب المال ويكون افتداء اليمين، لأن الأصل أنه متى توجهت اليمين على شخص فى أى حق كان فافتدى اليمين بمال، فانه يجوز على الأصح، واذا أبرأ المكفول له الكفيل بالنفس عن هذه الكفالة بمال يشترطه عليه فى مقابلة البراءة لا يجب المال، واذا أداه اليه الكفيل كان له أن يرجع فيه لأن الكفالة بالنفس ليست مالا ولا تؤول الى المال أصلا. وهى مجرد حق.
ثم هل تسقط الكفالة فى هذه الصورة أو لا تسقط؟ روايتان أصحهما أنها تسقط.
стр. 2663
ومن عليه دين مؤجل اذا صالح الدائن على اسقاط الأجل وجعل الدين حالا ان لم يكن ذلك نظير عوض جاز ..
ولو قال الزوج لزوجته المخيرة اختارى بألف أو قال العنين لزوجته اختارى ترك الفسخ بألف ورضيت هذه وتلك بما عرض عليها. سقط الخيار ولا يثبت العوض.
هذه الفروع كلها وغيرها كثير يدل دلالة واضحة على أن الحق ما ذهب اليه الأكثرون من الحنفية لان الأساس فيها كون الحق مجردا أو متقررا وليس كونه ثبت أصالة أو لدفع الضرر كما يقول الآخرون.
وقد اختلف المتأخرون من الحنفية فى الفراغ عن النظر على الوقف بعوض والنزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها المتنازل، هل يجوز ذلك أو لا يجوز.
وقد أخذ الكثيرون بصحة النزول.
وذهب البعض الى عدم صحة هذا النزول أصلا لا بعوض ولا بدون عوض.
واختلف من رأى صحة النزول فى جواز أخذ العوض عنه.
فذهب ابن نجيم فى الاشباه الى عدم جواز الاعتياض عنه لانه من الحقوق المجردة وهى لا يجوز الاعتياض عنها كحق الشفعة.
ثم قال: قد تعارف الفقهاء فى مصر النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها فينبغى الجواز اعتبارا للعرف. وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك (١).
وأفتى خير الدين الرملى فى الفتاوى الخيرية بعدم جواز أخذ العوض فى ذلك، لانه اعتياض عن حق مجرد، وهو لا يجوز كما صرحوا به قاطبة، ومن أفتى بخلافه فقد أفتى بخلاف المذهب، لبنائه على اعتبار العرف الخاص وهو خلاف المذهب.
ثم قال ان للمنزول له أن يرجع بما بذل استنادا الى ما جاء فى البزازية: له عطاء فى الديوان مات عن ابنين فاصطلحا على أن يكتب فى الديوان اسم أحدهما ويأخذ العطاء ولا شئ للآخر من العطاء، ولكن يؤخذ ممن كتب اسمه وأخذ العطاء مالا معلوما، فالصلح باطل ويرد بدل الصلح، والعطاء الذى جعل الامام العطاء له.
كما نقل الخير الرملى عن المقدسى أن الفتوى على عدم جواز الاعتياض عن الوظائف على أساس أنها حقوق مجردة.
وذهب البعض الى أن المال الذى يؤخذ نظير الفراغ عن الوظائف رشوة وهى حرام بالنص.
وذهب ابن عابدين الى جواز أخذ العوض عن النزول عن الوظائف وقال: انه كلام وجيه يندفع به ما قيل من أن المال
стр. 2664
رشوة، وهى حرام، لأنه صلح عن حق، كما فى نظائره والرشوة لا تكون بحق.
وقد نزل الحسن بن على رضى الله عنهما لمعاوية رضى الله عنه عن الخلافة بعوض.
ونقل أن المفتى أبا السعود أفتى بجواز أخذ العوض فى حق القرار والتصرف وعدم صحة الرجوع. وقال ان الجواز أولى مما فى الخيرية من عدم الجواز وأن للمفروغ له الرجوع بالبدل (١).
وقد جاء فى حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢) وفى تنقيح الفتاوى الحامدية له أيضا: أن شيخ الاسلام زكريا من الشافعية والشيخ نور الدين الدميرى من المالكية. والشبيبى من الحنابلة: أفتى كل منهم بجواز وحل النزول عن الوظائف فى الوقف نظير ما يأخذه النازل من مال عوضا عن نزوله عن الوظيفة، وفى هذا اشارة الى جواز أخذ العوض عن اسقاط الحق عندهم.
تجزؤ الاسقاط
نص فقهاء الحنفية على أن الطلاق وهو اسقاط بالاتفاق - لا يتجزأ لأن محله لا يتجزأ فى قبول حكمه وهو زوال الحل أو الملك ابتداء أو انتهاء، فلا يتصور أن يكون بعض الزوجة حلالا للزوج محرما على غيره، وبعضها الآخر محرما عليه حلالا لغيره، فلو طلق جزءا شائعا منها كنصفها أو ثلثها طلقت، لأن الجزء الشائع محل لسائر التصرفات كالبيع والاجارة والهبة وغير ذلك فيكون محلا للطلاق، الا أنه لا يتجزأ فى حق الطلاق لما ذكرنا فيثبت فى الكل ضرورة.
وكذا اذا طلقها نصف تطليقة أو ثلث تطليقة وقعت عليها طلقة كاملة واحدة، لأن الطلاق لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله صيانة للكلام عن الالغاء وتغليبا للمحرم على المبيح واعمالا للدليل بقدر الامكان، لأنه اذا قام الدليل على البعض وهو مما لا يتجزأ وجب اكماله وألا لزم ابطال الدليل.
ونصوا على أن العفو عن القصاص لا يتجزأ فلو عفا ولى الدم عن البعض سقط الحق وسقط القصاص كله ولم يبق له حق فى القود مطلقا.
وعللوا بأنه لا يتصور اسقاط نصف الحق فى القتل وابقاء النصف الآخر فأن القتل انما ثبت للولى نتيجة اثبات الشرع الحق له فى القصاص كاملا، ومع
стр. 2665
نصف هذا الحق الباقى بعد الاسقاط لا يمكن أن يثبت له القتل وهذا هو معنى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه، وحق السيد فى استيلاد أمته لا يتجزأ، لعدم التصور أيضا، اذ لا يمكن أن يكون نصف الأمة مستولدا ونصفها الآخر غير مستولد، أما الاعتاق فأنه يتجزأ عند أبى حنيفة رضى الله عنه، لأن موجبه أولا وبالذات عنده هو زوال الملك عن الرقيق والملك يتجزأ قطعا وزوال الملك يتبعه زوال الرق، غير أن زوال الرق لا يثبت ولا يتحقق الا عند زوال الملك عن الكل ضرورة أن العتق قوة شرعية هى قدرة على التصرفات الشرعية من الولايات كالشهادة والقضاء والبيع وانكاح نفسه وبنته، ولا يتصور ثبوت هذه القوة فى بعض شائع منه، فاذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر عند أبى حنيفة بمعنى أن ملك المولى زال عن هذا البعض. لكن يتوقف زوال الرق وثبوت القوة الشرعية فى المملوك على زوال الملك عن الباقى.
أما الصاحبان فان الاعتاق عندهما لا يتجزأ لأن موجبه أولا وبالذات عندهما هو ازالة الرق واثبات القوة الشرعية للمملوك. وهما لا يتجزآن. فلو أعتق السيد بعض عبده كالنصف أو الثلث عتق كله وزال الرق عن جميعه وثبتت القوة الشرعية له كاملة.
فلا خلاف بين الامام وصاحبيه فى أن الملك وزواله يتجزآن ولا فى أن الرق وزواله لا يتجزآن.
وانما الخلاف فى حكم الاعتاق وموجبه أولا وبالذات فهو يرى أنه زوال الملك ولذا قال بالتجزى. وهما يريان أنه زوال الرق. ولذا قالا أنه لا يتجزأ.
والابراء من الدين يقبل التجزئة فله أن يسقط الدين كله وأن يسقط بعضه.
ولا يسقط الا ما أسقطه .. واسقاط حق الشفعة يقبل التجزئة فاذا قيل للشفيع أن المشترى هو فلان فسلم الشفعة ثم علم أن المشترى هو فلان مع غيره فله أن يأخذ نصيب هذا الغير لأن التسليم لم يوجد فى حقه .. ولو صالح الشفيع المشترى على أن يأخذ نصف المبيع بحصته من الثمن جاز الصلح.
وظاهر أن هذا الصلح أخذ بالشفعة فى النصف واسقاط لها فى النصف الآخر وكذا فى ظهور مشتر آخر والأخذ فى نصيبه وترك المشترى الذى أخبر به أولا وسلم بالنسبة هو أخذ بالشفعة فى البعض واسقاط لها فى البعض الآخر.
ومن هذا يتبين أن حق الشفعة يقبل التجزئة.
ولو جعل أرضه صدقة موقوفة وشرط غلتها لجماعة عينهم. فقال أحدهم لا أقبل غلة هذه السنة خاصة وأقبل ما كان من