مذهب الإمامية:
اذا أعسر الزوج بالمهر يمهل حتى يوسع الله تعالى عليه وليس لزوجته أن تفسخ النكاح بينها وبينه بسبب ذلك وانما لها أن تمتنع من تسليم نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها الحال سواء كان الزوج موسرا أم معسرا.
وربما قيل: اذا كان معسرا ليس لها الامتناع، لمنع مطالبته. وليس لها بعد الدخول بها راضية أن تمنع نفسها من زوجها فى أصح القولين، لاستقرار المهر بالوط ء، وقد حصل تسليمها نفسها برضاها فانحصر حقها فى المطالبة دون الامتناع.
وقيل: لها الامتناع كقبل الدخول، لأن المقصود بالنكاح منافع البضع فيكون المهر فى مقابلها.
ولو كان المهر مؤجلا لم يكن لها الامتناع حتى تقبضه، لأنه لا يجب لها حينئذ شئ فيبقى وجوب حقه عليها بغير معارض.
ولو امتنعت وأقدمت على فعل المحرم - الى أن حل الأجل ففى جواز امتناعها حينئذ الى أن تقبضه وجهان:
أجودهما: أنه ليس لها الامتناع، لاستقرار وجوب تسليم نفسها قبل حلول الأجل فيستصحب.
وقيل: يجوز لها ذلك تنزيلا له منزلة الحال ابتداء (١).
أثر الاعسار فى تقدير
متعة الطلاق
مذهب الحنفية:
اذا طلق الرجل امرأته التى لم يدخل بها ولم يسم لها مهرا فى العقد فالمعتبر فى تقدير المتعة الواجبة لها حينئذ هو حال الرجل اعسارا أو يسارا، لقوله تعالى:
«وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» (٢).
وهو قول أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى.
وقال الكرخى: تعتبر بحال المرأة فى يسارها واعسارها لقيام المتعة حينئذ مقام نصف مهر المثل، ومهر المثل يعتبر بحالها فكذا ما يقوم مقامه.
وقال الخصاف: تعتبر بحالهما معا.
فان كانا معسرين فلها الأدنى من الثياب.
وان كان أحدهما معسرا والآخر موسرا فلها الوسط وهذا هو الأرجح والذى عليه الفتوى.
ومهما بلغ اعسار الرجل أو اعسارهما فان المتعة لا تنقص عن خمسة دراهم بأى حال فى
стр. 5707
جميع الأقوال، لأن أقل المهر عشرة دراهم والمتعة بدل من نصفه (١).
مذهب المالكية:
يستحب فى متعة الطلاق - أى طلاق - أن تكون على قدر حال الزوج من يسار واعسار على المشهور ولا يقضى عليه بها (٢).
مذهب الشافعية:
اذا تنازع الزوجان بعد الطلاق فى قدر المتعة الواجبة فالراجح أن القاضى يقدرها باجتهاده معتبرا حالهما من يسار الزوج واعساره ونسب الزوجة وصفاتها ويجب على الزوج حينئذ ما يقدره القاضى (٣).
مذهب الحنابلة:
اعسار الزوج ويساره هو المعتبر فى تقدير المتعة الواجبة للزوجة التى لم يسم لها مهر فى العقد ان فارقها زوجها قبل الدخول بها بطلاق أو غيره مما ينصف المهر.
وأدنى ما يجب على المعسر منها على الأرجح كسوة تجزى المرأة فى صلاتها وهى درع وخمار أو ثوب تصلى فيه بحيث يستر ما يجب ستره.
فان كان اعساره مما يعجزه عن أدائها بقيت فى ذمته ولا تسقط عنه (٤).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم: المقتر وهو من لا يجد قوت يومه أو لا يجد زيادة على ذلك، لا يكلف شيئا.
وتكون المتعة دينا عليه لا تسقط عنه.
فاذا وجد زيادة على قوته كلف أن يعطى مطلقته ما تنتفع به ولو فى أكلة يوم كما أمر الله اذ يقول:
«وعلى المقتر قدره» (٥).
مذهب الزيدية:
ان أعسر المطلق بمتعة مطلقته التى لم يسم لها مهرا بقيت فى ذمته حتى يوسر فتؤخذ منه،
والمعتبر فى تقديرها هو حال المطلق يسارا وأعسارا.
وقيل: المعتبر هو حال الزوجة، لأن المتعة عوض عن المهر وهو معتبر بحالها (٦).
стр. 5708
مذهب الإمامية:
المعتبر فى متعة المفوضة المطلقة قبل الدخول هو حال الزوج يسارا واعسارا دون حالها فان كان معسرا وجب عليه امتاعها بدينار أو خاتم من ذهب أو فضة معتد به عادة أو ما شاكله من الأموال المناسبة (١).
مذهب الإباضية:
يعتبر فى تقدير المتعة حال الرجل يسارا واعسارا والوقت المعتبر فى اعساره بالمتعة هو يوم انقضاء العدة لا يوم الطلاق ولا يوم الحكم لها بها.
فان كان فى ذلك الوقت معسرا لم تلزمه.
وان أيسر وهى فى العدة لزمته وان لم يوسر الا بعد العدة لم تلزمه.
وان كان حال الطلاق موسرا ثم أعسر فالمتعة دين عليه ان طلقها بائنا وان لم يعلم حاله وقت الطلاق وادعى الاعسار قبل قوله مع يمينه.
وان متعها فى عدتها وهو موسر ثم أعسر قبل انقضائها ردت له ما كان زيادة على متعة المعسر وذلك بشرط أن يظل معسرا بعد انقضاء العدة ولو بساعة. وكذلك الحكم ان أعسر مع الانقضاء وبقى كذلك بعده.
أما ان طرأ عليه الاعسار بعد انقضاء العدة واستمرار يساره بعدها ولو بساعة فلا رد عليها لشئ من المتعة.
وان متعها وهو معسر ثم أيسر فى خلال العدة لزمه أن يزيد لها ما نقصت متعة المعسر على متعة الموسر.
وقيل: الوقت المعتبر فى اعساره بها هو يوم الحكم لها حتى لو انتقل قبل ذلك من حال الى حال أو تبدلت أحواله قبل ذلك مرارا لأن ذلك الوقت هو وقت استحقاقها للمتعة (٢).
أثر الاعسار بالدية
مذهب الحنفية:
اعسار أحد أفراد عاقلة القاتل بما وجب عليه من الدية وهو ثلاثة دراهم أو أربعة لا يزاد على ذلك مقسطة على ثلاث سنين - لا يسقطه عنه بل يفرض عليه ذلك مع اعساره ما دام رجلا بالغا عاقلا لأنه من أهل النصرة وما فرض عليه منها قليل وقد ينقص عن هذا القدر فلا يعسر عليه أداء درهم أو درهم وثلث - على الأكثر - كل سنة من وقت القضاء
стр. 5709
بالدية وكذا اذا أعسر القاتل بالدية الواجبة عليه فى ماله خاصة دون عاقلة باقراره أو صلحه عنها أو بقتله ابنه عمدا فالذى يؤخذ من قواعدهم أنها لا باقية فى ذمته.
قال ابن نجيم فى الأشباه والنظائر ان الدين لا يمنع وجوب الدية (١).
وهذا يفيد أن الاعسار لا يحول دون وجوب الدية.
مذهب المالكية:
الاعسار يسقط وجوب الدية عن المعسر اذا كانت الجناية من غيره فلا يدخل ضمن العاقلة فى تحمل الدية.
أما بالنسبة لجنايته هو على غيره ففى وجوب الدية عليه حالة اعساره قولان.
اختلف فى الترجيح بينهما.
أما اذا طرأ الاعسار بعد وجوب الدية عليه فلا أثر له فى سقوطها عنه.
والمعسر هنا هو الذى لا شئ فى يده ولا يقدر على غير قوته.
والمعتبر فى اعساره ويساره بذلك هو وقت توزيع الدية على العاقلة (٢).
مذهب الشافعية:
ان أعسر الشخص بالدية الواجبة عليه وتخصه هو دون عاقلته سقطت عنه المطالبة بها خلال فترة اعساره وتظل باقية فى ذمته يؤديها متى أيسر.
فان مات معسرا سقطت ولا يطالب بها الورثة.
أما لو مات موسرا فانها تحل عليه كسائر الديون.
أما ان وجبت الدية على عاقلة الجانى فلا يدخل فيهم من كان معسرا منهم ولا يوزع عليه شئ منها.
ولو كان قادرا على الاكتساب، لأن تحمل الدية عن الجانى وجب مواساة له والمعسر ليس من أهل المواساة.
والاعسار هنا يتحقق فى كل من ليس فى ملكه شئ زائد على ربع دينار - وهو أقل ما يتحمله الفرد من العاقلة فى السنة - فاضل فى كفايته وكفاية من تلزمه نفقته على دوام بقية العمر الغالب.
والوقت المعتبر لاعساره أو توسطه أو يساره هو آخر السنة من حين قضاء القاضى بها، لأنه وقت الأداء، فلا يؤثر الاعسار ونقيضه لا قبل ذلك ولا بعده فمن أعسر فى آخر السنة فلا شئ عليه من حصة تلك السنة حتى ولو كان موسرا من قبل أو أيسر بعد ذلك.
ومن كان موسرا فى آخرها ولم يؤد ما
стр. 5710
عليه من الدية حتى أعسر لم يسقط ما عليه ويبقى دينا فى ذمته.
ولو ادعى الاعسار بعد اليسار فالقول قوله مع يمينه ولا يكلف البينة، لأنه انما يتحمل بعد العلم بيساره.
وان أعسرت كل العاقلة بتحمل كل الدية أو بعضها عن الجانى تحملها عنه كلا أو بعضا بيت المال ان وجد وكان الجانى مسلما.
فان فقد بيت المال أو امتنع ناظره من تحملها عنه ظلما فكل الدية أو الباقى منها بعد التوزيع على العاقلة تلزم الجانى فى ماله على الأظهر، وتلزمه مؤجلة كالعاقلة.
فان مات معسرا سقطت عنه كما لو كان حيا معسرا على ما سبق ذكره فى بداية الكلام عنها (١).
مذهب الحنابلة:
لا يجب شئ من الدية على معسر من العاقلة حتى ولو كان مكتسبا، لأن تحميل المعسر شيئا منها يثقل عليه ويجحف بماله، وربما يكون الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه وهذا هو الصحيح.
وروى أبو الخطاب عن أحمد: أن للمعسر مدخلا فى التحمل، لأنه من أهل النصرة فكان من العاقلة كالموسر.
والاعسار هنا - على الصحيح يتحقق فى كل من لا مال له أصلا، أو فيمن لا يملك نصاب الزكاة عند حلول الحول الذى يبدأ من حين وجوب الدية بموت المجنى عليه أو بشفائه من جرحه.
فان كان موسرا ثم أعسر فى أثناء الحول قبل نهايته فانه يسقط عنه قسط ذلك الحول لأنه مال يجب مواساة فيسقط بحدوث المانع قبل تمام الحول كالزكاة.
أما ان أعسر بما وجب عليه من الدية بعد انتهاء الحول لم يسقط عنه بذلك. لأنه حق تدخله النيابة لا يملك اسقاطه فى حياته فأشبه الديون.
وان كان معسرا فى بداية الحول ثم أيسر فى أثنائه.
فقال القاضى أبو يعلى: يلزمه أداء ما كان يلزمه لو كان موسرا جميع الحول، لأنه وجد وقت الوجوب وهو من أهله.
وقيل: يحتمل أن لا يلزمه شئ عن هذا الحول الذى أيسر فيه، لأنه لم يكن من أهل الوجوب حالة السبب فلم يثبت الحكم فيه حالة تحقق الشرط.
وان أعسرت كل عاقلة الجانى بأداء كل الدية أو بعضها.
فان كان الجانى مسلما أخذت الدية كلها أو بعضها من بيت المال دفعة واحدة غير مؤجلة على الأصح، لأنها تؤجل على العاقلة تخفيفا عنهم ولا حاجة الى ذلك فى بيت المال فان تعذر أخذها من بيت المال لأى سبب من
стр. 5711
الأسباب فليس على الجانى شئ منها وتسقط، لأن الدية تلزم العاقلة ابتداء بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر رضاهم بها فلا تجب على غير من وجبت عليه.
وقيل: ان أعسرت العاقلة بها وتعذر أخذها من بيت المال فانها تجب فى مال الجانى.
قال صاحب المغنى: وهذا أولى من اهدار دم الانسان فى أغلب الأحوال فانه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل الى الأخذ من بيت المال فتضيع الدماء.
واختاره أيضا ابن تيميه.
وان كان الجانى ذميا فالدية تجب فى ماله عند اعسار عاقلته بأدائها بدون خلاف، لأن بيت مال المسلمين لا يتحمل الدية عنه (١).
مذهب الظاهرية:
لا يجب شئ من الدية على من أعسر بنصيبه منها، لقوله تعالى:
«لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» فصح يقينا أن المعسرين خارجون مما تكلفه العاقلة (٢).
وان أعسرت العاقلة كلها بالدية وكذلك الغرة تكون على جماعة المسلمين فى سهم الغارمين من الزكاة والصدقات لأنهم مدينون معسرون فحقهم فى سهم الغارمين بنص القرآن.
ولا تؤخذ الدية عند اعسار العاقلة بها من مال الجانى، لأنه لم يأت نص ولا اجماع بأن الجانى يغرم معهم شيئا من الدية فلم يحل أن يخرج من ماله شئ (٣).
وكذلك ان وجبت الدية فى مال الجانى وكان معسرا لا مال له ولا عاقلة فهى فى سهم الغارمين على ما ذكر (٤).
مذهب الزيدية:
لا فرق فى وجوب الدية على العاقلة بين موسرهم ومعسرهم فالمعسر يحمل منها أقل من عشرة دراهم كما يحمل الموسر سواء بسواء ولا يستثنى للمعسر شئ، لأنه ممن يتناصر بهم الجانى والمحمول شئ يسير فعم الوجوب وما لزمه منها فى حالة اعساره يكون من جملة ديونه. ولا يجب عليه التكسب لذلك بل يبقى دينا فى ذمته يؤديه متى أيسر فان تعذر فلا شئ عليه. فاذا لم يكن للجانى عاقلة أو كانت ولم يف ما تحملوه لقلتهم أو لكثرة اللازم وأعسر الجانى بالدية كلها أو بعضها أخذت الدية كلها أو بعضها - من بيت المال مقسطة فى ثلاث سنين. فاذا لم يكن هناك بيت مال تحمل الدية
стр. 5712
عند المسلمون من أهل ناحيته ان كفوا فى ثلاث سنين. وان لم يكفوا انتقل الى أقرب جهة اليها (١).
مذهب الإمامية:
لا يتحمل المعسر من عاقلة الجانى شيئا من الدية. والمعتبر اعساره عند استحقاق المطالبة وهو حلول أجل الدية بحولان الحول الذى يبدأ من حين الموت فى النفس ومن حين الجناية فى الأطراف، ومن حين الاندمال فى الجروح والشجاج، فان كان موسرا وقت الجناية ثم طرأ عليه اعسار عند استحقاق المطالبة فلا شئ عليه، أما اذا حال عليه الحول وهو موسر وجبت مطالبته بما لزمه ولو أعسر بعد ذلك لم يسقط عنه ما لزمه ويثبت فى ذمته الى أن يوسر فيؤديه وان أعسرت العاقلة بالدية أخذت من مال الجانى ان كان موسرا فان كان معسرا أخذت من الامام وقيل: مع اعسار العاقلة تؤخذ من الامام دون الجانى وان كان موسرا. وان أعسر الجانى بالدية الواجبة عليه فى ماله خاصة فقيل: تؤخذ من الأقرب اليه ممن يرث ديته. فان لم يكن فمن بيت المال، وهو الأظهر. ومن الاصحاب من قصرها على الجانى ولو مع اعساره ويمهل بها الى يساره وهذا فى المسلم أما ان أعسر الذمى بدية جنايته فعاقلته ابتداء هو الامام بتحملها عنه عند اعساره بها دون عصبته وان كانوا كفارا، بما وجب عليه من الدية فانه لاعساره فانه يزاد لأنه يؤدى الجزية اليه (٢).
مذهب الإباضية:
ان لم يكن لجان بالغ عاقل أو جان مجنون جن بعد البلوغ مال فالدية وما دونها فى العمد أو شبهة هى دين عليه يؤديها متى أيسر. واذا أعسر أحد أفراد العاقلة بما وجب عليه من الدية فانه يسقط عنه ولا يعد من العاقلة لاعساره فاذا أيسر بعد تقسيطها فلا شئ عليه لأن الحكم مضى (٣). وان لم تتحمل العاقلة من العصبة الدية لاعسارهم يزاد لهم من الفخذ ثم من البطن ثم من الفصيلة ثم من العشيرة ثم من القبيلة. فان أعسرت العاقلة كلها فان الدية تجب فى مال الجانى ولو كان طفلا أو مجنونا. وان كان الجانى غريبا لا عاقلة له ولا هو من أهل الديوان فان الدية ساقطة.
وقيل: الدية فى ماله ان كان له مال. وقيل:
فى بيت المال (٤).
وقال الشيخ أحمد: ان لم يكن فى العاقلة الا الفقراء والمساكين كانت عليهم دينا فمن أستفاد منهم مالا أدى ان لم يكن المال الذى استفاده أقل مما يفلس عليه القاضى (٥).
стр. 5713
أثر الاعسار فى النذر
مذهب الحنفية:
الوجوب بسبب النذر يستوى فيه الفقير والغنى. فلو نذر المعسر أن يتصدق بمال، أو نذر شيئا يتعلق بالمال صح نذره ولزمه المنذور بشرط أن يكون المال المنذور مملوكا له وقت النذر أو يضيفه الى الملك أو الى سبب الملك حتى لو قال: مالى فى المساكين صدقة وهو معسر لا مال له لا يصح نذره ولا يلزمه شئ لقوله ﷺ : «لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم» الا اذا أضافه الى الملك أو سببه بأن قال كل مال أملكه فى المستقبل فهو صدقة أو قال: كل شئ أشتريه أو أرثه فيصح ويلزمه الوفاء به متى أيسر لقوله : «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ»﴾.
«ولو التزم بالنذر أكثر مما يملكه لزمه ما يملكه يوم الحنث فقط على المختار (٢).
مذهب المالكية:
اعسار الناذر بالشئ المنذور - كلا أو بعضا - يسقطه عنه، ويلزمه الاتيان بما قدر عليه منه ان أعسر ببعضه. وهذا كله فى غير نذر البدنة - وهى الواحدة من الابل ذكرا أو أنثى - من الأموال. أما اذا نذر بدنه وأعسر بها لعجزه عنها وعن ثمنها فانه يلزمه - على المشهور - أن يخرج بقرة بدلا منها فان أعسر بالبقرة أيضا فانه يلزمه أن يخرج سبع شياه فى سن الأضحية وصفتها. فان أعسر بالغنم أيضا فانه لا يلزمه شئ من صيام أو اطعام أو غيره بل يصبر لوجود الأصل أو بدله أو بدل بدله. ولو قدر على بعض السبعة من الغنم وأعسر بالبعض فانه لا يلزمه اخراج شئ من ذلك كما هو ظاهر كلام الخليل والمواق وقال البعض: يلزمه اخراج ما قدر عليه ثم يكمل ما بقى متى أيسر. قال الخرشى:
وهو ظاهر، لأنه ليس عليه أن يأتى بها كلها فى وقت واحد. وقال ابن نافع: اذا أعسر ناذر البدنة بها فلا يلزمه الا ما نذر، ولا تجزئه البقرة ولا الشياه. وقال البعض: اذا أعسر ناذر (١) البدائع ج ٥ ص ٦١، ٦٢، ٩٠، الاشباه والنظائر ج ٢ ص ١٠٣ من الرسالة ٣٦ طبعة دار الطباعة العامرة سنة ١٢٩٠
стр. 5714
البدنة بالسبع شياه وما قبلها صام عشرة أيام وقيل: يصوم شهرين (١).
مذهب الشافعية:
اعسار الشخص لا يسقط عنه ما نذره من مال ويبقى المنذور دينا فى ذمته يلزمه أداؤه متى أيسر وفى الجواهر للقمولى: لو نذر الصدقة كل يوم بكذا فمرت أيام وهو معسر ثبتت فى ذمته (٢). وان أعسر الناذر فلم يتمكن من الحج المنذور فى سنة معينة فلا قضاء عليه ويسقط عنه. لأن المنذور حج فى تلك السنة ولم يقدر عليه لاعساره (٣).
مذهب الحنابلة:
ان اعسر الشخص بما أوجبه على نفسه بالنذر من صدقة ونحوها فانه لا يسقط عنه ويبقى فى ذمته يؤديه متى أيسر (٤).
مذهب الظاهرية:
ان نذر المعسر الذى لا يملك شيئا أن يتصدق بشئ كبدنة أو مائة درهم فهو نذر لازم ويكون فى ذمته الى أن يوسر (٥). الا أن يكون قد حدد لذلك وقتا فجاء ذلك الوقت وهو لا يقدر على أدائه لاعساره مثلا فانه لا يلزمه أداؤه لا حينئذ ولا بعد ذلك (٦).
مذهب الإمامية:
لو نذر شخص الصدقة بمال وهو معسر بطل نذره لأنه غير مقدور له (٧).
مذهب الإباضية:
لو نذر ماله كله أو بعضه - فى المساكين بيمين وهو موسر ثم حنث وهو معسر لا يملك شيئا غير لباسه فانه لا يلزمه شئ وعلى العكس وهو أن ينذر وهو معسر ثم يحنث وهو موسر فانه يلزمه أن يخرج كل ماله أو ثلثه أو نصفه أقوال تفصيلها ينظر فى مصطلح «نذر» وان نذر ثلاثين حجة أو أقل أو أكثر لزمته فان أعسر صام لكل حجة شهرين متتابعين وان عجز عن الصوم أطعم عن كل يوم مسكينا.
وقيل: يلزمه الحج لا غير يؤديه متى أيسر.
وقيل: يسقط الحج عنه لاعساره (٨).
стр. 5715
إعفاف
تعريفه عند علماء اللغة:
الاعفاف مصدر أعف متعديا فيقال أعفه الله وأما العفة فهى الكف عما لا يحل ولا يجمل جاء فى شرح غريب المهذب عف عن الحرام يعف عفا وعفافا وعفافة (١) أى كف فهو عف وعفيف.
تعريفه عند علماء الشريعة:
فقهاء الشريعة يستعملون العفة فى ترك نحو الزنا ويستعملون الاعفاف فى أن يعطى الفرع أصله ما به يكون الاعفاف كأن يعطى أصله مهر حرة تعفه ولو كتابية أو يقول له انكح وأنا أعطيك مهر المثل فهم يريدون به معنى أخص من المعنى (٢) اللغوى.
ما يكون به الاعفاف وحكمه:
مذهب الحنفية:
ما اذا احتاج الأصل الى زوجة تعفه وكان الفرع موسرا وجب على الفرع تزويجه أو شراء أمة.
فقد جاء فى الفتاوى الهندية ما نصه ان احتاج الأب الى زوجة والابن (٣) موسع وجب عليه أن يزوجه أو يشترى له جارية.
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن الأب يستحق اعفافه بزوجة واحدة.
فقد جاء فى كتاب الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقى (٤): ما نصه: يجب على الولد الموسر واحدا أو أكثر اعفاف الأب بزوجة واحدة لا أكثر أن أعفته الواحدة.
ولا تتعدد النفقة على الولد لزوجتى الأب ان كانت أحداهما أمه وأولى ان كانتا أجنبيتين.
والقول للأب فيمن ينفق عليها الابن حيث لم تكن احداهما أمه والا تعينت الأم ولو غنية.
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن اعفاف الأب واجب على ولده ذكرا أو أنثى متى كان حرا موسرا.
ويشرط الأب أن يكون حرا معسرا بأن يكون فاقد مهر أو ثمن أمة وأن يكون محتاجا الى النكاح بأن تتوق نفسه الى الوط ء وان لم يخف زنا محتاجا الى نكاح.
ولجد كالأب فيعطيه مهر حرة أو يملكه أمة.
ويجب التجديد اذا ماتت أو انفسخ.
اذ جاء فى مغنى المحتاج (٥): لزم الولد ذكرا أو أنثى أو خنثى اذا كان حرا موسرا ولو كافرا اعفاف الأب الحر المعسر ولو كافرا معصوما.
واعفاف الأجداد من الجهتين اذا كانوا بالصفة المذكورة على المشهور لأن ذلك من حاجاتهم المهمة كالنفقة والكسوة ولئلا يعرضهم للزنا المفضى الى الهلاك وذلك لا يليق بحرمة الابوة وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها.
والثانى وهو مقابل المشهور لا يلزمه كما لا يلزم الأصل اعفاف الفرع فان كان الولد معسرا لا يلزمه اعفاف الأب كما يلزم الموسر اعفاف غير أصل ولا أصل غير ذكر.
стр. 5716
والفرق بين الأصل الذكر والأنثى: أن الغرم بدفع المهر فى اعفاف الذكر عليه فيحمله الفرع.
أما اعفاف الأنثى فلا غرم فيه اذ المهر لها لا عليها ولو اجتمع جدان لزمه اعفافهما ان اتسع مال الفرع والا فأب الأب أولى وان بعد للعصوبة كأبى أبى أب مع أبى أم وان لم يكن لأحدهما عصوبة قدم الأقرب فان استويا كأبى أم الأب وأبى أب أم اقرع بينهما على الأصح ولو بدون رفع الى حاكم.
ولو تعدد الفرع وكان ذكورا فقط، أو كان اناثا فقط كان الاعفاف عليهما أو عليهم أو عليهن بالسوية أو كان ذكورا واناثا كان عليه بحسب الأرث كما فى النفقة على المعتمد.
والاعفاف بأن يعطى الأصل مهر حرة تعفه ولو كتابية أو يقول له انكح وأنا أعطيك مهر المثل فلا يلزمه أزيد منه فان نكح الأب بأزيد منه كان الزائد فى ذمة الأب، أو ينكح له باذنه حرة أو بمهرها أو يملكه أمة تحل له أو ثمنها.
لأن غرض الاعفاف يحصل بكل من هذه الطرق وللابن أن لا يسلمه المهر أو الثمن الا بعد عقد النكاح أو الشراء وبما تقرر علم أنه لا يزوجه ولا يملكه عجوزا سشوهاء أو معيبة لأنها لا تعفه كما أنه ليس له أن يطعمه طعاما فاسدا لا ينساغ وليس له أن يزوجه بأمة لأنه مستغن بمال فرعه فهو مستطيع زواج الحرة بمال فرعه فلا يجوز له زواج الامة عندئذ نعم ان لم يقدر الفرع الا على مهر امة ينبغى أن يزوجها له وعلى الولد مؤونة أصله ومن أعفه بها من حرة أو أمة (١).
ولو كان تحت الأصل من لا تعفه كعجوز وصغيرة لزم الفرع اعفافه فلو أعفه حينئذ لم يلزمه الا نفقة واحدة لا نفقتان وقد قالوا فى باب النفقة لو كان له زوجتان لم يلزم الولد الا نفقة واحدة ويوزعها الأب عليهما.
لكن قال ابن الرفعة هنا يظهر أنها تتعين للجديدة لئلا تفسخ الزواج بنقص ما يخصها عن المد. ولو اتفق الأب والولد على مهر أو ثمن امة فتعيينها للأب لأنه أقرب الى اعفافه ولا ضرر فيه على الولد ويجب التجديد للاعفاف اذا ماتت الزوجة أو الأمة أو انفسخ النكاح بردة منها أو فسخ الزوج النكاح بعيب فى الزوجة أو فسخت هى النكاح بعيب فيه لأنه معذور كالموت.
أما الفسخ بردته أو بردتها فهو كطلاقه بغير عذر فلا يجب عليه اعفافه ان تاب وكردتها الفسخ برضاع كما لو كان تحته صغيرة وأرضعتها زوجته التى أعف بها لأنها صارت أم زوجته.
وكذا ان طلق أو أعتق بعذر كشقاق أو ريبة يجب التجديد له فى الأصح كما فى الموت ومقابل الأصح المنع.
ولو كان قادرا على المهر أو ثمن الامة بالكسب لم يلزم الولد اعفافه كما قال الشيخ أبو على.
وجزم به الرافعى فى الشرح الصغير.
وان قال فى الكبير ينبغى أن يكون فيه الخلاف الذى فى النفقة فلا يكلف الكسب كما فى الصحيح فيها.
ولو قدر على تزوج حرة بدون مهر مثلها أو على شراء أمة بدون ثمن مثلها لم يجب اعفافه.
ولو نكح فى يساره بمهر فى ذمته ثم أعسر قبل الدخول. وامتنعت الزوجة حتى تقبضه.
قال البلقينى يجب على الولد دفعه لحصول الاعفاف بذلك والصرف للموجودة أولى من السعى فى أخرى.
قال: وعليه لو نكح فى اعساره ولم يطالب ولده بالاعفاف ثم طالبه به ينبغى ان يلزم ولده القيام به لا سيما اذا جهلت الاعسار وارادت الفسخ.
стр. 5717
والظاهر انه انما يلزمه جميع ذلك اذا كان قدر مهر مثل من يليق به.
ولو احتاج للنكاح لا للتمتع بل للخدمة لنحو مرض وجب اعفافه وهو صحيح اذا تعينت الحاجة اليه لكى لا يسمى اعفافا (١).
مذهب الحنابلة:
يلزم القريب نفقة زوجة من تلزمه مؤنته لأنه لا يتمكن من الاعفاف الا به.
ويجب أيضا على من وجبت عليه النفقة لقريب اعفاف من وجبت له نفقة من أب وان علا. ومن ابن وان نزل وغيرهم كأخ وعم اذا احتاج الى النكاح لزوجة حرة أو سرية تعفه أو يدفع المنفق اليه مالا يتزوج به حرة أو يشترى به أمة لأن ذلك مما تدعو حاجته اليه ويستضر بفقده فلزم على من تلزمه النفقة.
ولا يشبه ذلك الحلوى فانه لا يستضر بتركها.
والتخيير فيما ذكر للملزوم بذلك لأنه المخاطب به فكانت الخيرة اليه فيه فيقدم تعيينه على تعيين المعفوف وليس له أن يزوجه قبيحة ولا أن يملكه أمة قبيحة لعدم حصول الاعفاف بها.
ولا يزوجه ولا يملكه كبيرة لا استمتاع بها لعدم حصول المقصود بها ولا أن يزوجه أمة لما فيه من الضرر عليه ولاسترقاق أولاده.
ولا يملك القريب استرجاع ما دفع اليه من جارية ولا عوض ما زوجه به اذا أيسر لأنه واجب عليه كالنفقة لا يرجع بها بعد وتقدم تعيين قريب اذا استوى المهر على تعيين زوج لأنه المخاطب به فكانت الخيرة له
ويصدق المنفق عليه اذا أدعى انه تائق بلا يمين لأنه الظاهر بمقتضى الجيلة وان ماتت التى أعفه بها من زوجة أو أمة اعفه ثانيا لأنه لا صنع له فى ذلك الا أن طلق لغير عذر أو أعتق السرية مجانا بان لم يجعل عتقها صداقها فلا يلزمه اعفافه ثانيا لأنه الذى فوت على نفسه.
وان اجتمع جدان ولم يملك ولد ولدهما الا اعفاف أحدهم قدم الأقرب كالنفقة الا أن يكون أحدهما من جهة الأب فيقدم وان بعد على الذى من جهة الأم لامتيازه بالعصوبة.
ويلزمه اعفاف أمه اذا طلبت ذلك وخطبها كفؤ كما يلزمه اعفاف أبيه (٢).
مذهب الزيدية:
لا يلزم الابن اعفاف أبيه كما لا يلزم الأب اعفاف ابنه.
وقال الامام يحيى يلزم الابن اعفاف أبيه لأنه يستضر بفقده وعلى هذا الرأى.
والخيرة للأب فيمن يعفه من تسرى أو نكاح ولا ينكحه أمة ولا شوهاء ولا عجوزا لفوت المقصود واذا أيسر بعد قبضه مالا من ابنه ليتزوج به لم يلزمه رده اذ قبضه مستحقا له كالزكاة.
ومتى طلق أو أعتق لم يلزم الابن التعويض فان ماتت فاحتمالان للامام يحيى أقواهما لزوم التعويض (٣).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: ولا يجب اعفاف من تجب النفقة له (٤).
стр. 5718
إعلان
التعريف فى اللغة (١):
اعلان مصدر فعله أعلن المزيد بالهمزة فأصل مادته (علن) على وزن نصر وضرب وكرم وطرح، يقال علن الأمر اذا ظهر وشاع.
ويقال: أعلن الأمر وأعلن بالأمر أظهره وجهر به وأشاعه فالاعلان هو الاظهار والجهر والاشاعة.
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
بالنظر فى استعمال الفقهاء لكلمة (اعلان) يتبين أنهم لا يكادون يخرجون على الاستعمال اللغوى لها فهى بمعنى الاظهار والمجاهرة والاشاعة.
حكم الاعلان فى النكاح
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن الشهادة شرط فى جواز النكاح (أى صحته) وذلك لما روى عن رسول الله ﷺ من أنه قال:
لا نكاح الا بشهود، وما روى من أنه ﷺ قال: لا نكاح الا بشاهدين.
ولما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: الزانية التى تنكح نفسها بغير بينة.
ولو لم تكن الشهادة شرطا لم تكن هذه المرأة زانية بدونها، ولأن الحاجة مست الى دفع تهمة الزنا عنها، ولا تندفع الا بالشهود، لأنها لا تندفع الا بظهور النكاح واشتهاره والنكاح لا يظهر ولا يشتهر الا بقول الشهود (٢).
قال صاحب فتح القدير: أما اشتراط الشهادة فلقوله ﷺ لا نكاح الا بشهود قال المصنف وهو حجة على مالك فى اشتراط الاعلان دون الاشهاد.
وظاهره أنه حجة عليه فى الأمرين اشتراط الاعلان وعدم اشتراط الاشهاد ولكن المقصود أنه حجة فى أصل المسألة وهو اشتراط الشهادة.
وانما زاد ذكر الاعلان تتميما لنقل مذهبه ونفى اشتراط الشهادة قول ابن أبى ليلى وعثمان البتى (وأبى ثور وأصحاب الظواهر قيل وزوج ابن عمر بغير شهود).
وكذا فعل الحسن وهم محجوجون بقوله ﷺ لا نكاح الا بشهود رواه الدارقطنى قطنى وذلك أن كلمتهم قاطبة فيه على القول بموجب دلائل الاعلان وادعاء العمل بها باشتراط الاشهاد اذ به يحصل الاعلان.
وانما الخلاف بعد ذلك فى أن الاعلان المشترط هل يحصل بالاشهاد حتى لا يضر بعده توصيته للشهود بالكتمان اذ لا يضر بعد الاعلان التوصية بالكتمان أولا يحصل بمجرد الاشهاد حتى يضر فقلنا نعم وقالوا لا.
ولو أعلن بدون الاشهاد لا يصح لتخلف شرط آخر وهو الاشهاد وعنده يصح فالحاصل أن شرط الاشهاد يحصل فى ضمنه الشرط الآخر فكل اشهاد
стр. 5719
اعلان ولا ينعكس كما لو أعلنوا بحضرة صبيان أو عبيد (١).
وأما ما روى عن رسول الله ﷺ من أنه نهى عن نكاح السر فنقول بموجبه لكن نكاح السر ما لم يحضره شاهدان فأما ما حضره شاهدان فهو نكاح اعلان لا نكاح سر اذ السر اذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سرا وكذلك قول رسول الله ﷺ :
أعلنوا النكاح لأنهم اذا أحضر النكاح شاهدين فقد أعلناه، وقوله ﷺ : ولو بالدف «ندب الى زيادة اعلانه، وهو مندوب اليه (٢)».
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل: أن صاحب التوضيح قال: يسحب اعلان النكاح واشهاره، واطعام الطعام عليه، فقد روى الترمذى والنسائى عن رسول الله ﷺ أنه قال: أعلنوا النكاح وأجعلوه فى المساجد، وأضربوا عليه بالدفوف.
وروى أيضا أن النبى ﷺ قال: فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت.
وقال الجزولى: ومن فضائل النكاح الاعلان لأنه روى أن رسول الله ﷺ مر بدار فسمع لعبا فقال ما هذا؟ فقيل له: الوليمة فقال: هذا نكاح وليس بسفاح.
أعقدوه فى المساجد وأضربوا فيه بالدف وقد نص على استحبابه غير واحد من أهل المذهب قال الشيخ زروق فى شرح الارشاد.
ويستحب كتمان الأمر الى العقد (٣). وذكر الدسوقى فى حاشيته على الشرح الكبير أن اعلان النكاح مندوب اليه بخلاف الخطبة - بكسر الخاء - فينبغى اخفاؤها خشية كلام المفسدين (٤).
وقال الحطاب: أن دخل الزوجان بلا أشهاد فسخ الحاكم النكاح بخلاف ما اذا دخلا بعد الاشهاد فانه لا يفسخ ولو كان الاشهاد بعد العقد ألا أن يكون قصد الى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه لنهى النبى ﷺ عن نكاح السر ويؤمر الزوج أن يطلقها طلقة ثم يستأنف العقد. فان دخلا فى الوجهين جميعا وهما النكاح على وجه الاستسرار وعدمه فرق بينهما - وان طال الزمان - بطلقة لاقرارهما بالنكاح وحدا أن أقرا بالوط ء ألا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحدا فيدرأ الحد بالشبهة (٥).
فمذهب المالكية أن أعلان النكاح مندوب والشهادة شرط فى حل الاستمتاع بالزوجة وليس شرطا فى صحة العقد فلو تزوجها بدون شهود صح العقد ولكن لا يحل له الدخول والاستمتاع بها الا بالاشهاد فان دخل بدون اشهاد وجب التفريق بينهما ولزم الحد الا اذا كان قد حصل أعلان للنكاح بوليمة أو ضرب دف أو غير ذلك.
واذا أشهد بعد العقد وقبل الدخول حل الاستمتاع.
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة أن المقصود بوليمة العرس تحقيق الاعلان فى النكاح المنصوص
стр. 5720
عليه فى حديث: أعلنوا هذا النكاح وأضربوا عليه بالدفوف ولو فى المساجد لكنه ضعفه الترمذى.
ولذلك اختلف فى حكم وليمة العرس.
فقيل: هى سنة لثبوتها عن النبى ﷺ قولا وفعلا، فقد أو لم على بعض نسائه بمدين من شعير رواه البخارى وعلى صفية بحيس.
وقيل: هى واجبة لظاهر الأمر فى قول النبى ﷺ لعبد الرحمن بن عوف وقد أعرس: أو لم ولو بشاة متفق عليه والقول الأول يحمل الأمر هنا على الندب.
والاجابة الى وليمة العرس على الأول فرض عين وقيل فرض كفاية وقيل سنة.
والأصل فى ذلك حديث اذا دعى أحدكم الى الوليمة فليأتها متفق عليه.
والثالث يحمله على الندب موافقة للمجاب اليه.
والثانى ينظر الى أن المقصود اظهار النكاح والدعاء الى وليمته وذلك حاصل بحضور البعض.
أما الاجابة اليها على القول بوجوبها فواجبة جزما وجوب عين أو كفاية على الوجهين (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أنه يستحب أعلان النكاح والضرب فيه بالدف، فقد قال الامام أحمد رحمه الله تعالى:
يستحب أن يظهر النكاح ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر ويعرف. وقيل له: ما الدف؟ قال:
هذا الدف، وقال: لا بأس بالغزل فى العرس بمثل قول النبى ﷺ للأنصار:
«أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييم لولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السوداء ما سرت عذاريكم» لا على ما يصنع الناس اليوم، وقال الامام أحمد أيضا: يستحب ضرب الدف والضرب فى الأملاك (٢): فقيل له: ما الصوت؟ قال:
يتكلم ويتحدث ويظهر والأصل فى هذا ما روى عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : فصل بين الحلال والحرام والصوت والدف فى النكاح».
رواه النسائى.
وقال ﷺ : «أعلنوا النكاح - وفى لفظ: أظهروا النكاح» وكان ﷺ يحب أن يضرب عليها بالدف وفى لفظ:
«وأضربوا عليه بالغربال (٣)».
وجاء فى كشاف القناع: أن النكاح لا يبطل بالتواصى بكتمانه، لأنه لا يكون مع الشهادة عليه مكتوما فان كتم النكاح الزوجان والولى والشهود قصدا صح العقد وكره كتمانهم له، لأن السنة اعلان النكاح.
ثم قال صاحب كشاف القناع: ويكفى العدالة ظاهرا فقط فى الشاهدين بالنكاح وذلك بأن لا يظهر فسقهما لأن الغرض من الشهادة اعلان النكاح ولهذا يثبت النكاح بالتسامع، فاذا حضر من يشتهر بحضوره كفى (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٥): ان النكاح لا يتم الا باشهاد
стр. 5721
عدلين فصاعدا أو باعلان عام، فان استكتم الشاهدان لم يضر ذلك شيئا لأن كل من صدق فى خبر فهو ذلك الخبر عادل صادق بلا شك فاذا أعلن النكاح فالمعلنان له به بلا شك صادقان عدلان فيه فصاعدا.
وكذلك الرجل والمرأتان فيهما شاهدا عدل بلا شك.
ولا صحة لما يقال من أنه اذا استكتم الشاهدان فهو نكاح سر وهو باطل.
أولا، لأنه لم يصح قط نهى عن نكاح السر اذا شهد عليه عدلان.
وثانيا: لأنه لا يكون سرا ما علمه خمسة - هم الناكح والمنكح والمنكحة والشاهدان - وقد قال الشاعر: ألا كل سر جاوز اثنين شائع.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: أنه يندب اشاعة النكاح بالطبول وغيرها مما يظهر عن كتمه، اذ المشروع المبالغة فى اظهاره عكس ضده.
قال فى الكافى: ولا خلاف فى أنه يجوز ضرب الطبول والبوق - وهو النفير - والصينج - وهو نحاس على نحاس يضرب به على غير ألحان المعاصى، لا التدفيف المثلث وهو ما يطرب ويدعو الى اللهو والغناء فانهما لا يجوزان عندنا فى عرس ولا غيره سواء كان بدف أو طبل أو مزمار أو نحو ذلك وسماعه كفعله لا سماعه بغير عناية فلا يجب سد الأذنين فأما اذا كان التدفيف على غير ألحان المغنين جاز (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى المختصر النافع نقلا عن تذكرة الفقهاء أنه يستحب الاعلان والاظهار فى النكاح الدائم والاشهاد وليس الاشهاد شرطا فى صحة العقد عند علمائنا أجمع وبه قال عبد الله بن عمر، وابن الزبير وغيرهما (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجب الاعلان بالنكاح والاجهار به لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: فرق ما بين السفاح والنكاح الاعلان ولحديث النهى عن الأسرار وأصل النهى للتحريم وقد اختلفوا فى النهى، هل يدل على الفساد أو أنه يمكن أن يريد بوجوب الاعلان التأكيد على مجرد نفى السر بدون أن يعتبر هنالك غيره.
وأما قول الشيخ: ويجوز عقده سرا وعلانية فمعناه انه يجوز عقد النكاح بلا اشهار بناء على أن نكاح السر المنهى عنه هو ما استكتم فيه الشاهدان.
وأما ما وقع بلا استكتام فلا بأس به ولو لم يشهر وهو قول لبعضهم.
ويجوز أن يكون الشيخ قد أراد بالجواز صحة العقد.
ولو وجب الاعلان، ولم يعلن به وقيل: ينهى عن استكتامه وعن ايقاعه سرا بدون استكتامه، وان استكتم ولو مدة صغيرة فهو المنهى عنه مثل أن يقال للشهود: لا تخبروا اليوم أحدا وأخبروا غدا، أو لا تخبروا فى هذه الساعة وأخبروا بعدها.
стр. 5722
الله تعالى: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح السر. وعنه ﷺ : فرق ما بين السفاح والنكاح الاعلان.
ولا يفسد النكاح بكتمه خلافا لما لك وبعض أصحابنا قال: أبو يعقوب يوسف بن خلفون رحمه وعنه ﷺ : لا نكاح حتى يسمع طنين الدف أو يرى دخان. وعنه ﷺ : فرق ما بين النكاح والسفاح ضرب الدف.
وعنه ﷺ : أعلنوا النكاح واجعلوه فى المساجد، وأشهروه ولو بالدف.
ويكره كتمانه ولو وقع فى ملأ. وجل قول أصحابنا أنه يجوز مع الكراهة، وحملوا ذلك على الكراهه بينما يرى القليل من أصحابنا فساد نكاح السر، والتفريق بينهما وهو كذلك وكان أبو بكر رضى الله عنه لا يجيز نكاح السر - أعنى يبطله ويفرق بينهما وكذا عمر رضى الله تعالى عنه، فقد روى أنه رفع اليه نكاح أشهد عليه رجل واحد فقال، هذا نكاح السر ولا أجيزه وروى عنه أنه قال: لو تقدمت فيه لرجمت. وروى عنه عن عبد الله بن عتبة أنه قال شر النكاح نكاح السر.
وروى عن ابن شهاب أنه أن مسها فى نكاح السر فرق بينهما واعتدت وعوقب الشاهدان.
واختلفوا هل هو نكاح سر اذا لم يشهر أو لا يكون نكاح سر الا ان استكتم قولان. وان استكتموه خوفا من ظالم فالظاهر أنه لا يحرم ولا يفرق بينهما وانما يضرب الدف عند أصحابنا لاشهار النكاح ضربة أو ضربتين لا غير.
وفى رواية أعلنوا النكاح وأضربوا عليه بالدفوف قال أبو الليث: انما هذا كناية عن اظهار النكاح ولم يرد ضرب الدف بعينه.
قال والخلاف انما هو فى ضرب الدف الذى يضرب به فى الزمان المتقدم، وأما ضرب دف الصنجات والجلاجلات فيكره بالاتفاق.
وزعم الشيخ عمر والثلاثى فى أواخر نزهة الأديب أن ضرب الطبل لشهرة النكاح لا يجوز فى زماننا هذا لاستقباحه فيه وكذلك ضرب الدف لتلك الشهرة.
ولا يجوز أيضا لذلك الاستقباح وان جاز لها بشرط عدم الغناء على الدف قديما لعدم استقباحهما فيه. ولكل زمان ومكان حكم. وما زعمه الشيخ عمر والثلاثى ليس صحيحا لأن ضرب الدف لاشهار النكاح ورد به الحديث على الاطلاق لا بنقييد زمان فلا يجوز لأحد الحكم بعدم جوازه فى زمان لعلة نقبيحه (١).
أعلان أهل الذمة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن أهل الذمة يؤخذون باظهار علامات يعرفون بها ولا يتركون يتشبهون بالمسلمين فى لباسهم ومركبهم وهيئتهم فيؤخذ الذمى بأن يجعل على وسطه كشما مثل الخيط الغليظ ويلبس قلنسوة طويلة مضروبة ويركب سرجا على قربوسه مثل الرومانة ولا يلبس طيلسانا مثل طيالسة المسلمين ورداء مثل أردية المسلمين.
والأصل فيه ما روى أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مر على رجال ركوب ذوى هيئة فظنهم مسلمين فسلم عليهم فقال له رجل من أصحابه: أصلحك الله تدرى من هؤلاء فقال: من هم؟ فقال: هؤلاء نصارى بنى تغلب، فلما أتى منزله أمر أن ينادى فى الناس أن لا يبقى نصرانى الا عقد ناصيته وركب الأكاف ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون كالاجماع ولأن السلام من شعائر الاسلام فيحتاج المسلمون الى اظهار هذه الشعائر عند الالتقاء ولا يمكنهم ذلك الا بتميز أهل الذمة بالعلامة ولأنه فى اظهار هذه العلامات اظهار آثار الذلة عليهم وفيه صيانة
стр. 5723
عقائد صفة المسلمين عن التغيير على ما قال «وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ١﴾.
وكذلك يجب أن يتميز نساؤهم عن نساء المسلمين فى حال المشى فى الطريق ويجب التمييز فى الحمامات فى الأزر فيخالف أزرهم أزر المسلمين لما قلنا وكذا يجب أن تميز الدور بعلامات تعرف بها دورهم من دور المسلمين ليعرف السائل المسلم أنها دور الكفرة فلا يدعو لهم بالمغفرة.
ولا يمكنون من اظهار بيع الخمور والخنازير فى دار الاسلام لأنهم مخاطبون بالحرمات وهو الصحيح عند أهل الأصول، فكان اظهار بيع الخمر والخنزير منهم اظهارا للفسق فيمنعون من ذلك وعندهم أن ذلك مباح فكان اظهار شعائر الكفر فى مكان معد لاظهار شعائر الاسلام وهو امصار المسلمين فيمنعون من ذلك.
ولا يمكنون من اظهار صليبهم فى عيدهم لأنه اظهار شعائر الكفر فلا يمكنون من ذلك فى أمصار المسلمين، ولو فعلوا ذلك فى كنائسهم لا يتعرض لهم وكذا لو ضربوا الناقوس فى جوف كنائسهم القديمة لم يتعرض لذلك لأن اظهار الشعائر لم يتحقق، فان ضربوا به خارجا منها لم يمكنوا منه لما فيه من اظهار الشعائر.
ولا يمنعون من اظهار شئ مما ذكرنا من بيع الخمر والخنزير والصليب وضرب الناقوس فى قرية أو موضع ليس من أمصار المسلمين ولو كان فيه عدد كثير من أهل الاسلام وانما يكره ذلك فى أمصار المسلمين - وهى التى يقام فيها الجمع والأعياد والحدود - لأن المنع من اظهار هذه الأشياء لكونه اظهار شعائر الكفر فى مكان اظهار شعائر الاسلام فيختص المنع بالمكان المعد لاظهار الشعائر وهو الجامع.
وأما اظهار فسق يعتقدون حرمته - كالزنا وسائر الفواحش التى هى حرام فى دينهم فانهم يمنعون من ذلك سواء كانوا فى أمصار المسلمين أو فى أمصارهم ومدائنهم وقراهم (٢).
مذهب المالكية:
جاء: فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ان الذمى يلزم بلبس يميزه عن المسلمين يؤذن بذلة كعمامة زرقاء وبرنيطة وطرطور حتى لا يتشبه بهم ويعزر لترك الزنار (٣)، كما يعزر على اظهار السكر بين المسلمين فى مجلس غير خاص بهم فيشمل الأسواق وحواريهم التى يدخلها المسلمون ولو لبيع أو فى بعض الأحيان فيما يظهر.
وأما لو أظهروه فى بيوتهم وعلمنا ذلك برفع أصواتهم فلا يعزرون ويعزر الذمى على اظهار معتقده فى المسيح أو غيره مما لا ضرر فيه على المسلمين وعلى بسط لسانه على مسلم أو بحضرته وتراق الخمر اذا أظهرها - قيل بدون أن تكسر أوانيها.
وقال ابن عرفة تراق وتكسر الأوانى وهو الصواب وكذلك قال المواق وصرح البرزلى فى نوازله - وانما أريقت الخمر دون غيرها من النجاسات لأن النفس تشتهيها.
والظاهر أن كل مسلم له أن يريقها ولا يختص ذلك بالحاكم وكما تراق الخمر اذا أظهرها الذمى تراق اذا حملها من بلد الى آخر فان لم يظهرها وأراقها مسلم ضمن له قيمتها لتعديه عليه.
ويكسر الناقوس ان أظهروه - كما فى الجواهر - ولا شئ على من كسره.
стр. 5724
وكذلك الصليب كما فى المواق وينقض عهده بقتال عام للمسلمين يقتضى خروجه عن الذمة لا ما كان فيه ذب عن نفسه كما ينقضى بمنع الجزية واظهار عدم المبالاة بالأحكام الشرعية ويعزر اذا أظهر الخنزير أو جهر بالقراءة بين المسلمين (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن أهل الذمة يؤمرون وجوبا عند اختلاطهم بنا - وان دخل دارنا لرسالة أو تجارة - بتغيير اللباس كأن يخيط الواحد منهم فوق أعلى ثيابه بموضع لا يعتاد الخياطة عليه كالكتف بما يخالف لونه لونها ويكفى عنه نحو منديل معه كما قالاه والعمامة المعتادة لهم الآن والأولى باليهود الأصفر وبالنصارى الأزرق وبالمجوس الأسود وبالسامرى الأحمر هذا هو المعتاد فى كل بعد الأزمنه المتقدمة ولو أرادوا التميز بغير المعتاد منعوا خشية الالتباس وقد أعتيد فى هذا الزمن بدل العمائم القلانس للنصارى والطزاطير الحمر لليهود.
وتؤمر ذمية خرجت بتخالف لون خفيها ومثلها الخنثى وكذا يؤمرون بالزنار فوق الثياب نعم تشده المرأة والخنثى تحت أزار بحيث يظهر بعضه والا لم يكن له فائدة.
وقول الشيخ أبى حامد: تجعله فوقه مبالغة فى التمييز مردود بأن فيه تشبيها بما يختص بالرجال فى العادة وهو حرام، وبتقدير عدم الحرمة فيه زيادة ازرائها فلا تؤمر به ويمتنع ابداله بنحو منديل أو منطقة والجمع بينهما تأكيد ومبالغة فى الشهرة فاللامام الأمر باحدهما فقط واذا دخل حماما فيه مسلمون أو مسلم أو تجرد عن ثيابه وثم مسلم جعل فى عنقه أو نحوه خاتم أى طوق من حديد أو رصاص وجوبا ليتميز.
وتمنع الذمية من حمام به مسلمة ترى منها ما لا يبدو فى المهنة ويمنع الذمى وجوبا ولو لم يشرط عليه - من أسماعه للمسلمين شركا كثالث ثلاثة.
ويمنع من اظهار منكر بيننا نحو خمر وخنزير وناقوس - وهو ما تضرب به النصارى اعلاما بأوقات الصلوات - وعيد ونحو لطم ونوح وقراءة نحو توراة وانجيل ولو بكنائسهم لأن فى ذلك مفاسد لاظهار شعائر الكفر، فان انتفى الاظهار فلا منع ومتى أظهروا خمرا اريقت ويتلف ناقوس اظهر.
ولو شرط عليهم الامتناع من هذه الأمور التى يمنعون منها وان فعلوا كانوا ناقصين مخالفين مع تدينهم بها لم ينقض العهد اذ ليس فيه كبير ضرر علينا لكن يبالغ فى تعزيرهم حتى يمتنعوا منها (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء المغنى أنه يلزم أهل الذمة بأن يكفوا عن ما فيه اظهار منكر وهو خمسة أشياء.
احداث البيع والكنائس ونحوها، ورفع أصواتهم يكتبهم بين المسلمين واظهار الخمر والخنزير والضرب بالنواقيس وتعلية البنيان على أبنية المسلمين والاقامة بالحجاز ودخول الحرم فيلزمهم الكف عن ذلك سواء شرط عليهم أو لم يشرط كما يميزون عن المسلمين فى أربعة أشياء فى لباسهم وشعورهم وروكوبهم وكناهم أما لباسهم فهو أن يلبسوا ثوبا يخالف لونه لون سائر الثياب فعادة اليهود العسلى وعادة النصارى الأدكن وهو الناختى ويكون هذا فى ثوب واحد لا فى جميعها ليقع الفرق ويضيف
стр. 5725
الى هذا شد الزنار فوق ثوبه ان كان نصرانيا أو علامة أخرى ان لم يكن نصرانيا كخرقة يجعلها فى عمامته أو قلنسوته يخالف لونها ويختم فى رقبته خاتم رصاص أو حديد أو جلجل ليفرق بينه وبين المسلمين فى الحمام.
ويلبس نساؤهم ثوبا ملونا وتشد الزنار تحت ثيابهم وتختم فى رقبتها ولا يمنعون لبس فاخر الثياب ولا العمائم ولا الطيلسان لأن التمييز حصل بالغبار والزنار.
وأما الشعور فانهم يحذفون مقاديم رعوسم ويجزون شعورهم ولا يفرقون شعورهم لأن النبى ﷺ فرق شعره (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن أهل الذمة ممنوعون من أن يظهروا شيئا من كفرهم ولا مما يحرم فى دين الاسلام وهذا من الصغار الذى أشار اليه قول الله ﵎.
«حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» (٢) ولقول الله :
«وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ (٣)» وبنو تغلب وغيرهم سواء لأن الله ﵎ ورسوله ﷺ لم يفرقا بين أحد منهم ويجمع الصغار شروط عمر رضى الله تعالى عنه عليهم التى وردت فيما رواه مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال كتبت لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا فى مدينتهم ولا ما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يظهروا شركا.
ولا يشبهوا بالمسلمين فى شئ من لباسهم فى قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتكلموا بكلام المسلمين ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من السلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية.
ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رءوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم.
ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم فى شئ من طرق المسلمين.
ولا يضربوا ناقوسا الا ضربا خفيفا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة فى كنائسهم فى شئ من حضرة المسلمين.
ولا يخرجوا سعانين (٤). ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ..
فان خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: أن أهل الكتاب الذين يصح صلحهم اذا امتنعوا من الاسلام والتزموا الدخول تحت الذمة وتسليم الجزية فانهم يلزمون سواء كانوا رجالا أو نساء أن يتخذوا زيا يتميزون به عن المسلمين فيه صغار لهم واذلال من زنار - وهى منطقة تربط فى الوسط فوق الثياب غير ما يستعمله المسلمون.
стр. 5726
ويكره مجاورتهم فان جاوروا المسلمين لزم لأبوابهم علامات تتمييز بها لئلا تلتبس للقريب بأبواب المسلمين والأولى سكونهم فى منتزح عن المسلمين واذا لم يستصلح الزنار ألزموا لبس لباس مغاير للباس المسلمين وأولى ما يلييق باليهود الأغبر وبالنصارى الأزرق وبالمجوس الأكهب وهو الأغبر المشرب بسواد.
ولا يلزمون أصفر ولا أحمر لأنهما محظوران على المسلمين ولا يجوز أن تأمرهم بما هو محرم علينا وان شق ذلك فى اللباس لعارض ألزم من طول شعر رأسه منهم جزء وسط الناصية ومنعوا فرق الشعر ولبس العمامة لتظهر تلك العلامة لمن يراهم فالزام أهل الذمة أحد هذه الأمور الثلاثة واجب ليتميزوا بها عن المسلمين.
هذا ويجب ألا يظهروا شعارهم وهو صلبانهم وكتبهم الا فى الكنائس والبيع الا فى شئ من طرق المسلمين ولا أسواقهم.
ولا يضربون ناقوسهم وبوقهم الا ضربا خفيفا.
ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة فى معابدهم ولا يبيعون الخمر ويحدون لشراب المسكر منه لا دونه الا فى بيت المسلم فيعذر شاربه منهم (١).
ولا يظهرون الصلبان فى أعيادهم الا فى البيع.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن من شروط الذمة ان لا يتظاهروا بالمناكير كشرب الخمر والزنا وأكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات.
ولو تظاهروا بذلك نقض العهد وقيل لا ينقض بل يفعل معهم ما يوجبه شرع الاسلام من حد أو تعزيز ومن شروطها كذلك أن لا يضربوا ناقوسا.
ويعزرون لو خالفوا ولو كان تركه مشترطا فى العهد انتقض (٢).
واذا فعل أهل الذمة هو شائع فى شرعهم ولبس بسائغ فى الاسلام لم يتعرضوا وان تجاهرو به عمل بهم ما تقتضيه الجناية بموجب شرع الاسلام (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يلزم أهل الذمة أن يتميزوا فى اللباس عن المسلمين وأن يلبسوا قلانس يميزونها عن قلانس المسلمين بالحمرة ويشدوا الزنار على أوساطهم ويكون فى رقابهم خاتم من نحاس أو رصاص أو جرس يدخلون به الحمام.
وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطيلسانات وأما الورأة فانها تشد الزنار تحت الازار وقيل فوق الازار وهو أولى ويكون فى عنقها خاتم تدخل به الحمام ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض ويمنعون من اظهار المنكر كالخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والانجيل (٤)، وقد أمر عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أن لا يظهر صليب خارج من كنيسة الاكسر على رأس صاحبه وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين (٥).
حكم اعلان الاذن بالتجارة والحجر
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الاذن بالتجارة - بالاضافة الى الناس ضربان.
стр. 5727
اذن أسرار واذن اعلان وهو المسمى بالخاص والعام فى الكتاب.
فالخاص أن يقول أذنت لعبدى فى التجارة لا على وجه ينادى أهل السوق فيقول: بايعوا عبدى فلانا فانى قد أذنت له فى التجارة. ولا خلاف فى أن العلم بالاذن شرط لصحة الاذن فى هذا النوع لأن الاذن هو الاعلام قال الله تعالى:
«وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ» (١) أى اعلام والفعل لا يعرف اعلاما الا بعد تعلقه بالعلم ولأن اذن العبد يعتبر باذن الشرع ثم حكم الاذن من الشرع لا يثبت فى حق المأذون الا بعد علمه به فعلى ذلك اذن العبد.
وأما فى الاذن العام فان العبد يصير مأذونا وان لم يعلم به وذكر فى الزيادات فيمن قال لأهل السوق: بايعوا ابنى فلانا فبايعوه. والصبى لا يعلم بالاذن: أنه لا يصير مأذونا ما لم يعلم باذن الأب (٢).
أما ما يظهر به الاذن بالتجارة من جهة المولى فهو تشهيره الاذن واشاعته بأن ينادى أهل السوق: انى قد أذنت لعبدى فلان بالتجارة فبايعوه لأنه لا شك فيه وذلك لحصول العلم للسامعين بحس السمع من الاذن ولغير السامعين بالنقل بطريق التواتر واذا جاء رجل بعبد الى السوق وقال هذا عبدى أذنت له بالتجارة فبايعوه فبايعه أهل السوق، فلحقه دين ثم استحق أو تبين أنه كان حرا أو مدبرا أو أم ولد فهذا لا يخلو من أحد وجهين:
أما أن يكون الآمر حرا وأما أن يكون عبدا، فان كان الآمر حرا فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدين، وانما وجب أصل الضمان عليه لأنه غرهم بقوله هذا عبدى، فبايعوه حيث أضاف العبد الى نفسه وأمرهم بمبايعته فيلزمه ضمان الغرور.
وهذا لأن أمره اياهم بالمبايعة اخبار منه عن كونه مأذونا فى التجارة واضافة العبد الى نفسه اخبار عن كونه ملكا له والاذن بالتجارة مع عبد الآذن يوجب تعليق الدين برقبته فكان الاذن مع الاضافة دليلا على الكفالة بما يتعلق برقبته التى هى مملوكة له فيؤخذ بضمان الكفالة اذ ضمان الغرور فى الحقيقة ضمان الكفالة وان كان الآمر عبدا فان كان محجورا فلا ضمان عليه حتى يعتق لأن هذا ضمان كفالة وكفالة العبد المحجور لا تنفذ للحال وان كان مأذونا أو مكاتبا وكان الآذن حرا فلا ضمان على الآمر فى شئ.
وكذا لو كان الآمر صبيا مأذونا لأن المأذون والمكاتب لا تنفذ كفالتهما للحال، ولكنها تنعقد، فيؤاخذان به بعد العتق، والصبى لا تنعقد كفالته فلا يؤاخذ بالضمان (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن من أراد أن يحجر على ولده أتى الامام ليحجر عليه ويشهر ذلك فى الجامع والأسواق ويشهد على ذلك فمن باعه أو ابتاع منه بعد ذلك فهو مردود (٤).
واذا أراد الوصى أو الأب اطلاق هذا المجحور من الولاية كان له ذلك ويعقد فى ذلك لما تبين لفلان بن فلان الفلانى رشد محجوره أو ولده
стр. 5728
فلان الذى فى ولايته وحسن نظره لنفسه وضبطه لماله أطلقه من حكم الولاية ورشده وملكه أمر نفسه وماله على العموم والاطلاق والشمول والاستغراق ولم تبق عليه ولاية وقبل ذلك من ترشيده المرشد المذكور قبولا تاما واعترف برشده وانه بالأحوال الموصوفة شهد على أحوال الرشد والمرشد المذكورين بما فيه عنهما فى صحة وجواز وطوع من الرشد مطلقا ومن المرشد من الآن وعرفها فى كذا.
وأن ضمن الشهود معرفة رشد المحجور كأن أتم وان سقط من العقد لم يضره وان طلب المحجور عليه ترشيد نفسه كلفه القاضى اثبات رشده فاذا ثبت ذلك كذلك أعذر للأب ورد فعله (١).
قال فى التوضيح وعلى المشهور أن السيد اذا أذن لعبده فى التجارة وخصه بنوع من أنواع التجارة فانه يلزمه فى جميع أنواع التجارة، لكن بعض الصقليين قيد ذلك بما اذا كان لم يشهر ذلك ولم يعلنه، أما ان أشهره وأعلنه فلا يلزمه وذكر ابن رشد فى المقدمات أنه لا يجوز له أن يتجر الا أن يأذن له سيده فى التجارة فان أذن له فيها جاز أن يتجر بالدين والنقد وان لم يأذن له فى التجارة بالدين ولزمه ما داين به فى جميع أنواع التجارات وان لم يأذن له الا فى نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم فى المدونة اذ لا فرق بين أن يحجر عليه فى التجارة بالدين أو يحجر عليه فى التجاره فى نوع من الأنواع وهو قول أصبغ فى التحجير فى الدين وذهب سحنون الى أنه ليس له أن يتجر بالدين اذا حجر عليه فى التجارة به.
وكذلك يلزم على قوله اذا حجر عليه فى نوع من الأنواع الا أن يشهر ذلك ويعلنه فى الوجهين جميعا فلا يلزمه قال فى المدونة لأنه لا يدرى الناس لأى نوع التجارة أقعده (٢).
وروى الحطاب عن المدونة أن من أراد أن يحجر على وليه فلا يحجر عليه الا عند السلطان فمن باع بعد ذلك منه أو ابتاع فبيعهه مردود.
وكذلك العبد المأذون له فى التجارة لا ينبغى لسيده أن يحجر عليه الا عند السلطان فيواقفه السلطان ويأمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك منه (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أنه يستحب للحاكم اذا أراد أن يحجر على مفلس أن يشهد على الحجر ويشهره بالنداء ليحذر من معاملته فيأمر مناديا ينادى فى البلد أن الحاكم حجر على فلان ابن فلان.
قال الشبراملسى: والأمر بالنداء على سبيل الندب.
وأجرة المنادى ان احتيج اليها من مال المفلس وان لم يكن له شئ ففى بيت المال (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى الشرح الكبير: أنه يستحب اظهار الحجر على الصبى وأن يشهد عليه الحاكم ليظهر أمره فيتجنب معاملته وان رأى أن يأمر
стр. 5729
مناديا ينادى بذلك ليعرفه الناس فعل ولا يشترط الاشهاد لأنه قد ينتشر أمره لشهرته (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن السيد ان أراد أن يبطل فعل العبد فى ماله فليعلن بأنه انتزعه منه، وحينئذ لا يجوز للعبد أن يتصرف فى شئ من ماله (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من أذن لعبده فى التجر فى سلعة أو صنعة معروفة فمأذون له فى الكل يتجر فى جميع السلع ويصنع الصنائع كلها ويعامل بالبيع والشراء ولو للأصل ولو أذن له فى صنعة معروفة ويصنع جميع الصنائع ويتجر فى جميع السلع.
ولو أذن له فى عمل صنعة معروفة ويعامل ولو فى الأصول.
وكذا لو أذن له فى نوع من المعاملات كالسلم فله أن يتعامل فى الكل ووجه ذلك أن الاذن فى واحدة اذن فى الكل لأنه اذا أذن له فى النجارة - بالنون - احتاج الى شراء الآلات والى أجرة من يصلحهن اذا فسدن أو الى عملهن بيده وكذا العكس.
وهناك وجه آخر وهو دفع الحرج والخديعة عمن يراه ينجر فى تلك السلعة أو نوع من المعاملات أو يصنع تلك الصنعة لأنه اذا رأه فى ذلك ظن أنه مأذون له على الاطلاق فيعامله على الاطلاق فى التجر والصنائع أو يطلبه العبد على ذلك فيوافقه لأنه قد رآه فى بعض المعاملات أو الصنائع لأن أصل العبد الحجر، فاذا رئى فى شئ من ذلك لم يعلم رائيه خصوصه بذلك ألا ترى أنه لو اعتبر ما يرى فيه لتوهم رائيه أنه لا يتجر الا فى المسكر ان رآه فيه فقط وهكذا الا أن قال: هو مأذون له فى كذا وشهر ذلك بنداء عليه فيكون كالغرور.
ويرفع السيد مأذونه من السوق بالنداء عليه بأنه قد حجر عليه ويمنعه من التجر لئلا يغتر بذلك أحد اذا أراد التحجير ويشهد العدول على ذلك ويكفى النداء وحده وان نادى عليه وجاء غائب لم يحضر الحجر ولم يسمع به فعامله فقيل: لا يعذر وقيل يعذر وعلى هذا الأخير يتمسك بسيده فى كل ماله عليه أو به وكذا يرفع المأذون من السوق وارث من أذن له ان مات من أذن له أن أراد الوارث التحجير ويشهد بذلك (٣).
حكم الاعلان فى الأذان والإقامة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه يسن أن يجهر المؤذن بالأذان فيرفع صوته به لأن المقصود وهو الاعلام يحصل به ألا ترى أن النبى ﷺ قال لعبد الله بن زيد علمه بلالا فانه أندى وأمد صوتا منك، ولهذا كان الأفضل أن يؤذن فى موضع يكون أسمع للجيران كالمئذنة ونحوها، ولا ينبغى أن يجهد نفسه لأنه يخاف حدوث بعض العلل كالفتق واشباه ذلك دل عليه ما روى أن عمر رضى الله عنه قال لأبى محذوره أو لمؤذن بيت المقدس حين رآه يجهد نفسه فى الأذان أما تخشى أن ينقطع مريطاؤك (٤)؟.
وكذا يجهر بالاقامة لكن دون الجهر بالأذان لأن المطلوب من الاعلام بها دون المقصود من الأذان.
стр. 5730
ولذلك سن أن يسترسل المؤذن فى الأذان ويحدر فى الاقامة لقول النبى ﷺ لبلال رضى الله عنه: اذا أذنت فترسل واذا أقمت فاحدر، وفى رواية فاحذم، وفى رواية فاحذف.
ولأن الأذان لاعلام الغائبين بهجوم الوقت واذا فى الترسل أبلغ والاقامة لاعلال الحاضرين بالشروع فى الصلاة وانه يحصل بالحدر.
ولو ترسل فيهما أو حدر أجزاه لحصول أصل المقصود وهو الاعلام (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل انه يندب فى المؤذن أن يكون مرتفع الصوت لأن المقصود من الأذان الاعلام، واذا كان مرتفع الصوت كان أبلغ فى الأسماع ولذلك يختار للأذان أصحاب الأصوات الندية المرتفعة المستحسنة.
ويكره فى ذلك ما فيه غلظة أو فظاعة أو تكلف زيادة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز أذن أذانا سمحا والا فاعتزلنا وفى التوضيح وروى الدار قطنى أن النبى ﷺ كان له مؤذن يطرب فى أذانه فقال له ﷺ الأذان سهل سمح فان كان أذانك سهلا سمحا فأذن والا فلا، وقال فى النوادر:
والسنة أن يكون الأذان مرسلا معلنا يرفع به الصوت وقال ابن الفكهانى فى شرح الرسالة فى صفات الأذان:
الأولى أن يبالغ فى رفع الصوت به مالم يشق عليه إذا المقصود منه الإعلام فكلما رفع صوته به كان أبلغ فى المقصود.
وقال فى مختصر الوقار. ويجتهد مؤذنوا مساجد الجماعات فى مد أذانهم ورفع أصواتهم (٢).
لانتفاع أهل البيوت ولاقتداء مؤذنى العشائربهم.
وظاهر كلامهم أن المطلوب فى اقامة المنفرد أن يكون سرا قال ابن المسيب وابن المنكدر ومن صلى وحده فليسر الاقامة فى نفسه وقال المغربى:
وظاهر الكتاب: أن الأسرار مطلوب واليه ذهب أبو عمران قائلا: مخافة أن يشوش على من عسى أن يكون قد يصلى هناك.
واختصره ابن يونس فى قوله فلا بأس ان يسر الاقامة فى نفسه قال ابن الحاجب واسرار المنفرد حسن.
قال ابن هارون: هكذا وقع فى المدونة وفيه نظر لاحتمال أن يريد غير الاسرار وهو الجهر أحسن لقول أبى محمد عن أشهب: أحب الى رفع الصوت بالاقامة ولم يحفظه ابن عبد السلام بل قال لو اختير فيها رفع الصوت لكان أحسن لأن الشيطان اذا سمع التثويب أدبر ومباعدة الشيطان مطلوبة لا سيما فى هذه الحال. قلت ظاهره أن أشهب يخالف فى اقامة المنفرد ويرى الجهر بها أولى.
ولم أر من صرح بذلك الا ما يفهم من كلام ابن عرفه قيل لأشهب: أيؤذن على المنار أو فى سطح المسجد؟ قال: أحب الى من الأذان أسمعه للقوم وأحب الى فى الاقامة أن تكون فى صحن المسجد وقرب الامام وكل واسع وأحب الى أن يرفع صوته بالأذان والاقامة.
قال صاحب الطراز: من أقام فى المسجد بعد ما صلى أهله لا يجهر بذلك لما فيه من اللبسة والدلسة ولأنه اذا سمع منه ذلك مرارا يظن به الخروج عن رأى الامام وعما عليه الجماعة وأنه يتعمد أن يصلى وحده.
стр. 5731
وقال الشبيبى فى شرح الرسالة وفى صفة الاقامة أن تكون جهرا للجماعة سرا للفرد (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن المنفرد يرفع صوته ندبا بالأذان فوق ما يسمع نفسه ومن يؤذن لجماعة يرفع صوته فوق ما يسمع واحد منهم ويبالغ كل منهما فى الجهر ما لم يجهد نفسه لما فى صحيح البخارى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة أن أبا سعيد الخدرى قال له: انى أراك تحب الغنم والبادية فاذا كنت فى غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس ولا شئ الا شهد له يوم القيامة.
هذا الا أن يكون بمسجد ونحوه - من مدرسة ورباط من أمكنة الجماعه - وقعت فيه جماعة فلا يرفع صوته به، لأنه ان طال الزمن بين الأذانين توهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى والا توهموا وقوع صلاتهم قبل الوقت لا سيما فى يوم الغيم (٢).
ويسن للأذان مؤذن عالى الصوت لقول النبى ﷺ لرائى الأذان (أى من رآه فى المنام) ألقه على بلال فانه أندى صوتا منك، رواه أبو داود وصححه ابن حبان ولأن حكمة الأذان هى ابلاغ دخول الوقت وهو فى الصيت أكثر (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أن الأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم الا أنه اذا كان يصلى قضاء أو فى غير وقت الأذان لم يجهر به.
وان كان فى الوقت فى البادية أو نحوها استحب له الجهر بالأذان لقول أبى سعيد اذا كنت فى غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس ولا شئ الا شهد له يوم القيامة (٤).
ويستحب أن يكون المؤذن صيتا لقول النبى ﷺ لعبد الله بن زيد ألقه على بلال فانه أندى صوتا منك، واختار أبا محذورة للأذان لكونه صيتا ولأنه أبلغ فى الاعلام المقصود بالأذان (٥).
ويستحب رفع الصوت بالأذان لأنه أبلغ فى الاعلام وأعظم للأجر لما ذكرنا فى خبر أبى سعيد، ولا يجهد نفسه زيادة على طاقته كيلا يضر بنفسه وينقطع صوته. ومتى أذن لعامة الناس جهر بجميع الأذان ولا يجهر بالبعض ويخافت بالبعض لأنه يخل بمقصود الأذان.
وان أذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين فله أن يخافت ويجهر، وأن يجهر بالبعض ويخافت بالبعض الا أن يكون فى غير وقت الأذان فلا يجهر تشئ منه لئلا يغر الناس (٦).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن الصيت فى الأذان أفضل لأن الأذان أمر بالمجئ الى الصلاة فأسماع المأمورين أولى ولقول رسول الله ﷺ لأبى محذورة «ارجع فارفع صوتك» وهذا أمر برفع الصوت.
стр. 5732
فلو تعمد المؤذن أن لا يرفع صوته لم يجزه أذانه، وان لم يقدر على أكثر الا بمشقة لم يلزمه لقول الله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (١) وقال النبى ﷺ : اذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين «فالاجتهاد فى طرد الشيطان فعل حسن» (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه يستحب للمؤذن أن يرسل الأذان ويحدر الاقامة ولا يفسدان بترك الجهر بهما لأن الواجب فى الأذان التلفظ، أما اظهار الصوت فمستحب.
وقال الفقيه يحيى بن أحمد ذكر بعض أصحاب الشافعى انه ان لم يجهر بالأذان لم يعتد به وهذا لا يبعد على مذهب الأئمة لأن الجهر هو المعهود وقت الرسول ﷺ (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يستحب فى الأذان أن يرفع الصوت به اذا كان المؤذن ذكرا وكل ذلك يتأكد فى الاقامة (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل وشفاء العليل: أنه يندب للمؤذن أن يسمع الناس بأذانه وأن يمد صوته به ابتغاء ما عند الله (٥).
وأما الاقامة فيرفع فيها صوته ويعيد ان أسر (٦).
حكم أعلان الجهاد
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن العدو اذا لم تكن الدعوة قد بلغته فيجب على الغزاة المسلمين أن يفتتحوا الوقعة ولقاء العدو بالدعوة الى الاسلام باللسان لقول الله ﵎:
«اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٧».
ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة لأن الايمان وان وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع لكن الله ﵎ حرم قتالهم قبل بعث الرسول ﷺ وبلوغ الدعوة اياهم فضلا منه ومنة قطعا لمعذرتهم بالكلية وان كان لا عذر لهم فى الحقيقة لما أقام من الدلائل العقلية التى لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا حق الله ﵎ عليم لكن تفضل عليهم بارسال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لئلا يبقى لهم شبهة عذر فيقولون:
ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فتتبع آياتك.
وان لم يكن لهم أن يقولوا ذلك فى الحقيقة لما بينا ولأن القتال ما فرض لعينه بل للدعوة الى الاسلام والدعوة دعوتان دعوة بالبنان وهى القتال ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى لأن فى القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال وليس فى دعوة التبليغ شئ من
стр. 5733
ذلك فاذا احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها.
هذا اذا كانت الدعوة لم تبلغهم فان كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة لما بينا من أن الحجة لازمة والعذر فى الحقيقة منقطع وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال الا بعد تجديد الدعوة لرجاء الاجابة فى الجملة.
وقد روى أن رسول الله ﷺ لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم الى الاسلام فيما كان دعاهم غير مرة، فهل أن الافتتاح بتجديد الدعوة أفضل (١). واذا كان الكفرة فى أمان المسلمين أمانا مطلقا وأراد الامام أن ينقضه جاز له ذلك لأن عقد الأمان عقد غير لازم لكن ينبغى أن يخبرهم بالنقض ثم يقاتلهم لئلا يكون من المسلمين غدر فى العهد (٢).
ومثل عقد الأمان عقد الموادعة فى أنه عقد غير لازم محتمل للنقض ما دام الصلح على أن يستبقوا على أحكام الكفر فللامام أن ينبذ اليهم لقول الله :
«وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ٣». فاذا وصل النبذ الى ملكهم فلا بأس للمسلمين أن يغزوا عليهم لأن الملك يبلغ قومه ظاهرا الا اذا استيقن المسلمون أن خبر النبذ لم يبلع قومه ولم يعلموا به فلا أحب أن يغزوا عليهم لأن الخبر اذا لم يبلغهم فهم على حكم الأمان الأول فكان قتالهم منا غدرا وتعزيرا وكذلك اذا كان النبذ من جهتهم بأن أرسلوا الينا رسولا بالنبذ وأخبروا الامام بذلك فلا بأس للمسلمين أن يغزوا عليهم لما قلنا الا اذا استيقن المسلمون ان أهل ناحية منهم لم يعلموا بذلك لما بينا.
ولو وادع الامام على جعل أخذ منهم ثم بدا له أن ينقض فلا بأس به لما بينا أنه عقد غير لازم فكان محتملا للنقض ولكن يبعث اليهم بحصة ما بقى من المدة من الجعل الذى أخذه لأنهم انما أعطوه ذلك بمقابلة الأمان فى كل المدة فاذا فات بعضها لزم الرد بقدر الفائت. هذا اذا وقع الصلح على أن يكونوا مستبقين على أحكام الكفر، فأما اذا وقع الصلح على أنه يجرى عليم أحكام الاسلام فهو لازم لا يحتمل النقض لأن الصلح الواقع على هذا الوجه عقد ذمة فلا يجوز للامام أن ينبذ اليهم.
هذا ولا يخلو عقد الموادعة من أن يكون مطلقا عن الوقت وأن يكون موقتا بوقت معلوم فان كان مطلقا عن الوقت فالذى ينتقض به:
نوعان نص ودلالة.
أما النص فهو النبذ من الجانبين صريحا.
وأما الدلالة فهى أن يوجد منهم ما يدل على النبذ نحو أن يخرج قوم من دار الموادعة باذن الامام ويقطعوا الطريق فى دار الاسلام لأن اذن الامام بذلك دلالة النبذ.
ولو خرج قوم من غير اذن الامام فقطعوا الطريق فى دار الاسلام فان كانوا جماعة لا منعة لهم لا يكون ذلك نقضا للعهد لأن قطع الطريق بلا منعة لا يصلح دلالة للنقض وان كانوا جماعة لهم منعة فخرجوا بغير اذن الامام ولا اذن مملكته فالملك وأهل مملكته على موادعتهم لانعدام دلالة النقض فى حقهم وان كان عقد الموادعة موقتا بوقت معلوم فانه ينتهى بانتهاء الوقت من غير حاجة الى النبذ حتى كان للمسلمين أن يغزوا عليهم لأن العقد المؤقت الى غاية ينتهى بانتهاء الغاية من غير حاجة الى الناقض (٤).
стр. 5734
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى: أن المسلم لا يقاتل المشرك حتى يدعوه الى دين الله جملة من غير تفصيل الشرائع الا أن يسأل عنها فتبين له الدعوة واجبه سواء بعدت دار الكافر عن دار الاسلام أم لا، بلغته الدعوة أم لا.
وأقل الدعوة ثلاثة أيام متوالية كالمرتد، ثم ان أبوا من قبول الاسلام دعوا الى أداء الجزية اجمالا الا أن يسألوا عن تفصيلها.
ومحل الدعوة ما لم يعاجلونا بالقتل والا قوتلوا من غير دعوة لأنها حينئذ حرام.
هذا ولا يدعى المشرك الى الاسلام أو الجزية الا فى محل آمن ولا يكف عنهم اذا أجابوا للاسلام أو الجزية الا ان يكون بمحل يؤمن غولهم وان لم يجيبوا للجزية أو أجابوا لها ولكنهم بمحل لا تنالهم أحكامنا فيه قوتلوا، أى أخذ فى قتالهم واذا قدر عليهم جاز قتلهم الا من نهى عن قتالهم، ومن قتل أحدا ممن لم تبلغه دعوة نبينا ﷺ قبل أن يدعوه الى الاسلام أو الجزية فانه لا شئ عليه غير التوبة ولو فى غير جهاد (١).
وللامام أن يهادن لمصلحة ويلزمنا أن نوفى لهم بما اشترطوا علينا فى تلك المدة الا أن يستشعر الامام منهم الخيانة فانه يجب عليه أن ينبذ عهدهم فيطرحه وينقضه وينذرهم ويعلمهم بأن لا عهد لهم وانه مقاتلهم (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أن عقد الهدنة لمصلحة يجوز من الامام أو نائبه ويجب علينا أن نكف عنهم أذانا أو أذى أهل الذمة الذين ببلادنا فيما يظهر بخلاف أذى أهل الحرب وبعض أهل الهدنة فان خاف الامام أو نائبه خيانتهم بشئ مما ينقض اظهاره بأن ظهرت أمارة بذلك فله أن ينبذ عهدهم اليهم لقول الله :
«وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ٣» فان لم تظهر أمارة حرم النقض لأن عقدها لازم وبعد النبذ ينتقض عهدهم لا بنفس الخوف وبعد النقض واستيفاء ما وجب عليهم من الحقوق يبلغهم مأمنهم حتما وفاء بعهدهم ولا ينبذ عقد الذمة بتهمة لأنه تأكد لتأييده، ومقابلته بمال ولأنهم فى قبضتنا غالبا (٤).
وجاء فى المهذب أن العدو ان كان ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم الى الاسلام لأنه لا يلزمهم الاسلام قبل العلم والدليل على ذلك قول الله :
«وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ٥».
ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم وان بلغتهم الدعوة فالأحب أن يعرض عليهم الاسلام لما روى سهل بن سعد رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ لعلى كرم الله وجهه يوم خيبر: اذا نزلت بساحتهم فادعهم الى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فو الله لأن يهدى الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.
وان قاتلهم من غير أن يعرض عليهم الاسلام جاز لما روى نافع رضى الله تعالى عنه قال:
أغار رسول الله ﷺ على بنى المصطلق وهم غارون وروى وهم غافلون. فان كانوا ممن لا يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا لقول النبى ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله
стр. 5735
إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها.
وان كانوا ممن يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية والدليل عليه قول الله :
«قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ١».
وروى بريدة رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ اذا بعث أميرا على جيش أو سرية قال: اذا أنت لقيت عدوا من المشركين فأدعهم الى احدى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك اليها فأقبل منهم وكف عنهم: أدعهم الى الدخول فى الاسلام فان أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ثم أدعهم الى التحول من دارهم الى دار الهجرة فان فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فان دخلوا فى الاسلام وأبوا أن يتحولوا الى دار الهجرة فأخبرهم (٢) انهم كأعراب المؤمنين الذين يجرى عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم فى الفئ والغنيمة شئ حتى يجاهدوا مع المؤمنين فان فعلوا فأقبل منهم وكف عنهم وان أبوا فأدعهم الى اعطاء الجزية فان فعلوا فأقبل منهم وكف عنهم وان أبوا فأستعن بالله عليهم ثم قاتلهم.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى: أن أهل الكتاب والمجوس يقاتلون من غير أن يدعو قبل القتال لأن الدعوة قد انتشرت وعمت فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة الا نادرا بعيدا أما عبدة الأوثان فان كانت الدعوة لم تبلغهم دعوا قبل أن يحاربوا.
وكذلك أهل الكتاب ان وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال وذلك لما روى بريدة قال: كان النبى ﷺ اذا بعث أميرا على سرية أو جيش أمره بتقوى الله فى خاصته وبمن معه من المسلمين وقال اذا لقيت عدوك من المشركين فأدعهم الى احدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك اليها فأقبل منهم وكف عنهم، أدعهم الى الاسلام فان أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم فان هم أبوا فأدعهم الى اعطاء الجزية فان أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم فان بوأ فاستعن بالله عليهم وقاتلهم رواه أبو داود ومسلم (٣).
واذا عقد الامام أو نائبه الهدنة مع الكفار ثم خاف نقض العهد منهم جاز له أن ينبذ اليهم عهدهم لقول الله ﵎:
«وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» يعنى أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء فى العلم ولا يكفى وقوع ذلك فى قبوله حتى يكون عن أمارة تدل على ما خافه.
ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل اعلامهم بنقض العهد للآية، ولأنهم آمنون منه بحكم العهد فلا يجوز قتلهم ولا أخذ مالهم (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: انه يجب على الامام أن يقدم دعاء الكفار الى الاسلام قبل مقاتلتهم فيما عدا المرتدين ومن قد بلغتهم دعوة الاسلام وعرفوه فانه لا يجب تقديم دعائهم.
стр. 5736
ويجب عليه أيضا تقديم دعاء البغاة الى الطاعة للامام والانخراط فى سلك الطاعة والاتحاد، ندب فى دعاء الكفار الى الاسلام والبغاة الى الطاعة أن يكرر عليهم ثلاثة أيام (١).
مذهب الأمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أن المجاهدين لا يبدأون القتال الا بعد الدعاء الى محاسن الاسلام ويكون الداعى الامام أو من نصبه ويسقط اعتبار الدعوة فيمن عرفها (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يجب أن لا يقاتل الكفار الا بعد أن يدعوا الى الاسلام، فقد قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ بعث عليا فى سرية فقال يا على: لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت وجئ بأسارى من حى من أحياء العرب فقالوا: يا رسول الله ما دعانا أحد ولا بلغنا فقال رسول الله ﷺ :
فقالوا الله. فقال: خلوا سبيلهم، ثم قال: حتى تصل اليهم دعوتى فان دعوتى تامة لا تنقطع الى يوم القيامة ثم تلى رسول الله ﷺ :
«وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ﴾ (٣) .. الآية قال ابن عمر والحسن: أن دعوة رسول الله ﷺ قد تمت فى حياته وانقطعت بعد موته فلا دعوة اليوم. يعنى ابن عمر والحسن بهذا أن الكفار يقاتلون بعد موت النبى ﷺ محمد من غير دعاء الى الاسلام قال أبو عبد الله بن عمرو بن أبى ستة: هذا يشبه قول النكار الحجة فيما لا يسع السماع وان الناس كلهم قد سمعوا، قال الربيع قال أبو عبيدة:
الدعوة غير منقطعة الى يوم القيامة الا من فاجأك بالقتال فلك أن تدفع عن نفسك بلا دعوة.
قلنا وهذا هو الحق (٤).
وان سار قوم بطريقهم فرأوا مخوفا من باغ ونحوه فلهم جمع أموالهم وأصحابهم وأخذ فى هيئة حرب وقتال بلا اشهار سلاح اليه ولا جرى ولا قبيح كلام أو حمية ولا اظهار قتال ولا اظهار ما يدل عليه كصياح القتال والنداء عليه أو قولهم: لا تحسبونا كبنى فلان الذين قاتلتم ويظهرون أمانا وعافية.
ولهم أن يطلبوا أمانا وعافية ولهم أن يسكتوا ولهم أن يرسلوا الى جهته واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو غير ذلك مما لا تهيج به الفتنة ليأتوا بالخبر (٥).
حكم اعلان اللقطة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من أخذ اللقطة فانه يعرفها لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: عرفها حولا حين سئل عن اللقطة وروى أن رجلا جاء الى عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما فقال: أنى وجدت لقطة فما تأمرنى فيها: عرفها سنة. وروينا عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه أمر بتعريف البعير الضال.
وتقول: أن مدة التعريف تختلف تبعا لاختلاف قدر اللقطة فان كانت اللقطة شيئا له قيمة تبلغ عشرة دراهم فصاعدا، فمدة التعريف حول.
стр. 5737
وان كانت شيئا قيمته أقل من عشرة دراهم فمدة التعريف أيام على قدر ما يرى.
وروى الحسن بن زيادة عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال.
التعريف على خطر المال، ان كان مائة ونحوها عرفها سنة وان كان عشرة ونحوها عرفها شهرا وان كان ثلاثة ونحوها عرفها جمعة - أو قال عشرة وان كان درهما ونحوه عرفها ثلاثة أيام وان كان دائقا ونحوه عرفه يوما وان كان ثمرة أو كسرة تصدق بها. وانما تكمل مدة التعريف اذا كان مما لا يتسارع اليه الفساد فان خاف الفساد لم تكمل المدة ويتصدق بها.
ويكون التعريف فى الأسواق وعلى أبواب المساجد لأنها مجمع الناس وممرهم فكان التعريف فيها أسرع الى تشهير الخبر (١). هذا وفى أحكام اللقطة وما يترتب على التعريف وعدمه تفصيلات وفروع تطلب فى بحث (التقاط أو لقطة).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل: أنه يجب على من التقط لقطة أن يعرفها ستة عقب الالتقاط، فلو أخر التعريف يضمن، قال ابن عبد السلام: لا يؤخر التعريف فان من ذلك داعية الى اياس ربها فلا يتعرض الى طلبها، فان ترك تعريفها حتى طال ضمنها واذا أمسك الملتقط اللقطة سنة ولم يعرفها ثم عرفها فى السنة الثانية فهلكت ضمنها وكذلك ان هلكت فى السنة الأولى ضمنها اذا تبين أن صاحبها من الموضع الذى وجدت فيه وان كان من غيره فغاب بقرب ضياعها ولم يقدم فى الوقت الذى ضاعت فيه لم يضمن ويعرف الكثير وما دونه من فوق التافه سنة أما الكثير فلا خلاف فيه، وأما ما دون الكثير وفوق التافه فحكى ابن الحاجب فيه قولين أولهما يعرف أياما مظنة طلبه وثانيهما: يعرف سنة كالكثير.
قال فى المدونة وتعرف اللقطة حيث وجدها وعلى أبواب المساجد وحيث يظن أن ربها هناك وفى سماع أشهب من كتاب اللقطة: سألت مالكا عن تعريف اللقطة فى المساجد فقال: لا أحب رفع الصوت فى المساجد وقد بلغنى أن عمر بن الخطاب أمر أن تعرف اللقطة على أبواب المساجد وأحب الى أن لا تعرف فى المساجد ولو مشى هذا الى الخلق فى المساجد يخبرهم بالذى وجد ولا يرفع صوته لم أر بذلك بأسا. وقال ابن الحاجب: يعرفها فى الجوامع والمساجد قال فى التوضيح ظاهره أن التعريف يكون فيها ولعل ذلك مع خفض الصوت وفى التمهيد التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون الا فى الأسواق وأبواب المساجد ومواضع العامة واجتماع الناس (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: ان الأكثرين من لم يوجبوا تعريف اللقطة الا فى لقطة الحرم وقال الأقلون:
يجب أن يعرفها لئلا يفوت حق المالك بكتمها ورجحه الامام الغزالى رحمه الله تعالى وقواه واختاره فى الروضة وصححه فى شرح مسلم - وهو المعتمد كما قاله الأزرعى لأن المالك قد لا يمكنه انشاؤها لنحو سفر أو مرض ويمكن الملتقط أن يتخلص عن وجوب التعريف بأن يدفعها الى القاضى الأمين ولا يلزم الملتقط مؤنة التعريف فى ماله على القولين وان نقل الغزالى أن المؤنة تابعة للوجوب، ولو بدالة قصد التملك أو الاختصاص عرفها سنة من حينئذ ولا يعتد بما عرفه قبله، أما اذا أخذها للتملك أو الاختصاص فيلزمه التعريف جزما (٣).
ويعرفها الملتقط بنفسه أو نائبه من غير أن
стр. 5738
يسلمها له ويكون المعرف عاقلا غير مشهور (١) بالخلاعة والمجون وأن لم يكن عدلا كما قاله ابن الرفعة ويكون التعريف فى الأسواق عند قيامها وأبواب المساجد عند خروج الناس منها لأنه أقرب الى وجدانها ويكره تنزيها - كما فى المجموع - لا تحريما خلافا لجمع مع رفع الصوت بمسجد كانشاءها فيه الا المسجد الحرام كما قاله الماوردى والشاش لأنه لا يمكن تملك لقطة الحرم فالتعريف فيه محض عبادة بخلاف غيره فان المعرف فيه متهم بقصد التملك، وبه يرد على من ألحق به مسجد المدينة والمسجد الأقصى وعلى تنظير الأذرعى فى تعميم ذلك لغير أيام الموسم.
وكذا يكون التعريف فى نحو الأسواق وأبواب المساجد من المحافل والمجامع ومحال الرجال وليكن أكثره فى محل وجودها.
ولا يجوز له أن يسافر بها بل يدفعها لمن يعرفها باذن الحاكم والا ضمن. نعم لمن وجدها بالصحراء أن يعرفها لمقصده قرب أم بعد استمر أم تغير وقيل: يتعين أقرب البلاد لمحلها وأختير وان جازت به قافلة تبعها وعرفها ويجب فى غير الحقير الذى لا يفسد بالتأخير أن يعرف سنة من وقت التعريف تحديدا للخبر الصحيح فيه، لأن السنة لا تتأخر فيها النوافل غالبا، وتمضى فيها الفصول الأربعة.
ولأنه لو لم يعرف سنة لضاعت الأموال على أربابها ولو جعل التعريف أبدا لامتنع من التقاطها فكانت السنة مصلحة للفريقين. ولا يشترط استيعاب السنة فى التعريف بل يكون على العادة زمنا ومحلا وقدرا يعرف أولا كل يوم مرتين طرفى النهار أسبوعا ثم كل يوم مرة طرفه الى أن يتم أسبوعا آخر ثم كل أسبوع مرة أو مرتين أى الى أن يتم سبعة أسابيع ثم فى كل شهر مرة بحيث لا ينسى أن الأخير تكرار للأول. ولا يكفى فى التعريف سنة متفرقة - كأن يعرف اثنى عشر شهرا من اثنى عشر عاما فى الأصح لأن المفهوم من السنة فى الخبر التوالى قلت الأصح يكفى والله أعلم باطلاق الخبر وكما لو نذر صوم ستة ولو مات الملتقط فى التاء التعريف بنى وارثه كما قاله الزركشى والعراقى رادا قول شيخه أن الأقرب الاستئناف.
ويذكر من يقوم بالتعريف ندبا بعض أوصافها ويحرم عليه استيعابها ولا يلزم مؤنة التعريف ان أخذ لحفظ أولا لحفظ ولا لتملك أو اختصاص لأن المصلحة للمالك بل يرتبها القاضى من بيت المال قرضا (٢). لما قاله ابن الرفعة لكن مقتضى كلامها انه تبرع واعتمده الأذرعى - أو يقترض من الملتقط أو غيره على المالك أو بأمر الملتقط به ليرجع على المالك أو يبيع جزءا منها أن رآه فيجتهد.
ويلزمه أن يفعل الأحظ للمالك من هذه الأربعة فان أنفق على وجه غير ما ذكر فهو متبرع، وسواء فى ذلك أوجبنا أن يعرف أم لم نوجب ذلك على ما اعتمده السبكى والعراقى ونقله عن جمع لكن الذى فى الروضة كأصلها ان أوجبنا فعليه المؤنة، وان لم نوجبه فلا مؤنة عليه.
وان أخذ اللقطة شخص غير محجور عليه قاصدا بذلك التملك أو الاختصاص ابتداء أو فى الاثناء ولو بعد لقطه لحفظ لزمه مؤنة التعريف وان لم يتملك بعد ذلك لأن الحفظ له فى ظنه وقت التعريف، وقيل: ان لم يتملك فالمؤنة على المالك لعود الفائدة له. قال فى الروضة: وهو الأولى ليشمل ظهوره بعد التملك.
أما ان كان الملتقط محجورا عليه فلا يخرج وليه مؤننه من ماله وان رأى أن التملك أحظ له، بل يرفع الأمر الى الحاكم ليبيع جزءا منها لمؤنته، وان نازع الأذرعى فيه.
стр. 5739
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى انه يجب على كل من التقط لقطة أن يعرفها سواء أراد أن يتملكها أو ان يحفظها لصاحبها لأن النبى ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبى بن كعب ولم يفرق ولأن حفظها لصاحبها انما يقيد باتصالها اليه وطريقة التعريف.
أما بقاؤها فى يد الملتقط من غير وصولها الى صاحبها فهو وهلاكها سيان، ولأن أمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها الى موضعها أو القائها فى غيره ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لأن بقاءها فى مكانها اذا أقرب الى وصولها الى صاحبها اما بأن يطلبها فى الموضع الذى ضاعت فيه فيجدها واما بأن يجدها من يعرفها وأخذه لها يفوت الأمرين فيحرم فلما جاز الالتقاط وجب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر، ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها فكذلك على من أراد حفظها فان التمليك غير واجب فلا تجب الوسيلة اليه فيلزم أن يكون الوجوب فى المحل المتفق عليه لصيانتتا عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود فى محل النزاع.
وقدر التعريف سنة، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم وبه قال ابن المسبب والشعبى. وروى عن عمر رواية أخرى أنه قال:
يعرفها ثلاثة أشهر، وعنه يعرفها ثلاثة أعوام، لأن أبى بن كعب روى أن رسول الله ﷺ أمره بتعريف مائة دينار ثلاثة أعوام.
وقال أبو أيوب الهاشمى: ما دون الخمسين درهما يعرفها ثلاثة أيام الى سبعة أيام وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام وقال الثورى فى الدرهم يعرفه أربعة أيام وقال اسحاق ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها وروى أبو اسحاق الجوزجانى باسناده عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : من التقط درهما أو حبلا أو شبه ذلك فليعرفه ثلاثة أيام فان كان فوق ذلك فليعرفه سبعة أيام ويدل لنا حديث زيد بن خالد الصحيح، فإن النبى ﷺ أمره بأن يعرفها عاما واحدا ولأن السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضى فيها الزمان الذى تقصد فيه البلاد من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرا كمدة أجل العنين.
ويكون التعريف فى النهار دون الليل لأن النهار مجمع الناس وملتقاهم دون الليل ويكون ذلك فى اليوم الذى وجدها فيه والأسبوع أكثر لأن الطلب فيه أكثر ولا يجب فيما بعد ذلك متواليا.
ويعرفها فى مكان التعريف وهو الأسواق وأبواب المساجد والجوامع فى الوقت الذى يجتمعون فيه كأدبار الصلوات فى المساجد وكذلك فى مجامع الناس لأن المقصود اشاعة ذكرها واظهارها ليظهر عليها صاحبها فيجب تحرى مجامع الناس ولا ينشدها فى المسجد لأن المسجد لم يبن لهذا وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال: من سمع رجلا ينشد ضالة فى المسجد فليقل لأردها الله اليك فى المساجد لم تبن لهذا «وأمر عمر رضى الله تعالى عنه من وجد القطة بأن يعرفها على باب المسجد».
وللملتقط بأن يتولى التعريف بنفسه وله أن يستنيب فيه فان وجد من يتبرع بذلك كان بها والا فان أحتاج الى أجر فهو على الملتقط لأن هذا أجر واجب على المعرف فكان عليه كما لو قصد تملكها ولانه لو وليه بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها فكذلك اذا استأجر عليه لا يلزم صاحبها شئ ولأنه سبب لملكها فكان على الملتقط كما لو قصد تملكها ويكون التعريف بذكر جنسها لا غيره، فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دنانير أو ثياب ونحو ذلك لقول عمر رضى الله تعالى عنه لمن وجد الذهب بطريق الشام ولا تصفها لأنه لو وصفها لعلم صفتها من يسمعها فلا تبقى صفتها دليلا على ملكها ولأنه لا يأمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها ويذكر صفتها التى يجب
стр. 5740
دفعها بها فيأخذها وهو لا يملكها فتضيع على مالكها (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من وجد مالا فى قرية أو مدينة أو صحراء فى أرض العجم أو فى أرض العرب، العنوه أو الصلح، وجده مدفونا أو غير مدفون إلا أن عليه علامة أنه ضرب مدة الإسلام أو وجد مالا قد سقط أى مال كان فهو لقطة.
وفرض عليه أن يأخذه وأن يشهد عليه عدلا واحدا فأكثر ثم يعرفه ولا يأتى بعلامته لكن تعريفه هو أن يقول فى المجامع سواء التى يرجو أن يجد فيها صاحبه أو لا يرجو: من ضاع له مال فليخبر بعلامته. فلا يزال كذلك سنة قمرية فان كان ما وجد شيئا واحدا كدينار واحد أو درهم واحد أو لؤلؤة واحدة أو ثوب واحد أو أى شئ كان كذلك لا رباط له ولا وعاء ولا عفاص فهو للذى يجده، من حين وجده ويعرفه أبدا طول حياته فان كان ذلك فى حرم مكة حرسها الله تعالى أو فى رفقة قوم ناهضين الى العمرة أو الحج عرف أبدا ولم يحل له تملكه (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب: أن التعريف باللقطة انما يكون فى مظان وجود المالك كالأسواق وأندية القوم وأبواب المساجد ونحو ذلك.
وأن وجده فى مكة عرف به فيها فلو لم يظن وجود المالك سقط عنه وجوب التعريف حتى يظن وجوده فيعرف به ومدة التعريف سنة عندنا من غير فرق بين الحقيرة والكبيرة ولا بد من توالى التعريف وحد التعريف ما جرى به العرف اذ المرجع فى مطلق المعاملات الى العرف فان فرق فلا استئناف الا لعرف ولا يجب الافراط فى التعريف حتى يشغل أوقاته به فان ترك التعريف أثم ولا يصرفها بعد السنة بل لا بد من التعريف سنة غير السنة الأولى الا أن يعرف فى الحال أن المالك لا يعرف قطعا فانه لا يجب التعريف.
وله أن يصرفها كالوديعة اذا أيس من معرفة صاحبها. ويعرف بها مجملة كمن ضاعت له ضالة فان فصل فلا يضمن اذ لا يسلم له بالصفة.
أما الدراهم فلا يجب التعريف بها الا اذا أمكن البينة عليها كأن تكون فى صرة أو نحوها ويجب على الملتقط أن يعرف بنفسه أو بنائب عنه وأجرته على الملتقط لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كوجوبه (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يجب على من التقط لقطة المال أن يعرفه حولا على كل حال، سواء كان قليلا أو كثيرا أخذه بنية الانشاد أم لا وما كان فى غير الحرم يحل منه ما كان من الفضة دون الدرهم أو ما كانت قيمته دونه لو كان من غيرها من غير تعريف ولكن لو ظهر مالكه وعينه باقية وجب رده عليه على الأشهر وفى وجوب عوضه مع تلفه قولان.
وأما ما كان بقدر الدرهم أو أزيد عينا كان أو قيمة فانه يتخير فيه بعد أن يعرفه حولا عقيب الالتقاط مع الامكان تعريفا متتابعا بحيث يعلم السامع أن التالى تكرار لمتلوه وليكن التعريف فى موضع الالتقاط مع الامكان ان كان بلدا، ولو كان
стр. 5741
برية عرف من يجده فيها ثم أكمله اذا حضر فى بلده.
ولو أراد السفر قبل التعريف فى بلد الالتقاط أو اكماله فان أمكنه أن يستنيب فهو أولى والا عرفه فى بلده بحيث يشتهر خبره ثم يكمله فى غيره ولو أخره عن وقت الالتقاط اختيارا أثم، وأعتبر الحول من حين الشروع ويجوز التعريف بنفسه وبغيره لحصول الغرض بهما.
ويجب تعريف اللقطة البالغة درهما فصاعدا حولا كاملا على ما تقدم - ولو كان هذا الحول متفرقا فلا يعتبر وقوع التعريف كل يوم من أيام الحول، بل المعتبر ظهور أن التعريف التالى تكرار لما سبق لا تعريف للقطة جديدة فيكفى التعريف فى الابتداء كل يوم مرة أو مرتين ثم فى كل أسبوع ثم فى كل شهر ولا يختص تكراره أياما بأسبوع وأسبوعا ببقية الشهر وشهرا ببقية الحول وان كان ذلك مجزيا بل المعتبر أن لا ينسى كون التالى تكرار لما مضى لأن الشارع لم يقدره بقدر فيعتبر فيه ما ذكر لدلالة العرف عليه وليس المراد بجواز التعريف متفرقا أن الحول يجوز تلفيقه لو فرض ترك التعريف فى بعضه بل يعتبر اجتماعه فى حول واحد لأنه المفهوم منه شرعا عند الاطلاق خلافا لظاهر التذكرة حيث اكتفى به.
ووجوب التعريف ثابت سواء نوى الملتقط التملك أو لم ينوه فى أصح القولين لاطلاق الأمر به الشامل للقسمين خلافا للشيخ حيث شرط فى وجوبه نية التملك فلو نوى الحفظ لم يجب ويشكل هذا باستلزامه خفاء اللقطة وبأن التملك غير واجب فكيف تجب وسيلته وهى التعريف ولو التقط العبد عرف بنفسه أو بنائبه كالحر فلو أتلفها قبل التعريف أو بعده ضمن بعد عتقه ويساره كما يضمن غيرها من أموال الغير التى يتصرف فيها من غير أذنه ولا يجب على المالك أن يتنزع اللقطة من العبد قبل التعريف وبعده.
وان لم يكن هذا العبد أمينا لاصالة البراءة من وجوب حفظ مال الغير مع عدم قبضه وخصوصا مع وجود يد متصرفة (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن من التقط لقطة لم يعرف صاحبها عليه أن يعرفها بأن يقول: كذا من يأتى بأمارته. ويكون التعريف سنة عربية أو قدر ما يظن وجوده قلت أو كثرت، ولا يظهرها حيث يراها الناس لئلا يأخذوا صفتها فينعتوها له وان أظهرها كذلك لم يجزه الا أن يأتى من يدعيها بشاهدين على دعواه وان أظهرها وأعطاها من رآه ضمنها للفقراء ان لم يجد بيانا وضمنها لصاحبها ان وجد البيان وكذا ان أعطاها من لم يرها لامكان أن يصفها له من رآها ويرجع هو على من أعطأها اياه ان أظهرها وان أظهرها وفيها ما بطن فانه يعطيها من أتى بصفتها الباطنة.
وانما يعرفها فى مواضع اجتماع الناس كالسوق وأبواب المساجد من خارج والعرس ونحو ذلك بحسب ما يليق فان كان العرس لا يجتمع فيه الا النساء لم يلق أن يعرف فيه ما ليس خاصا بالنساء كالسلاح ويقول فى التعريف: من سقط عنه شئ فليأت بعلامته قال فى ارشاد السارى: أنه ينادى من ضاع له شئ فليطلبه عندى ويكون فى الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها لأن ذلك أقرب الى وجود صاحبها.
ولا ينادى بذلك فى المساجد كما لا تطلب اللقطة فيها، نعم يجوز أن تعرف اللقطة فى المسجد الحرام اعتبارا بالعرف، ولأنه مجمع الناس، وقضية التعليل أن مسجد المدينة والمسجد الأقصى كذلك وقيل: يحرم فيهما كذلك وقيل: يكره.
ويجب أن يكون محل التحريم أو الكراهة اذا وقع ذلك برفع الصوت كما أشارت اليه الأحاديث أما
стр. 5742
لو سأل الجماعة فى المسجد بدون رفع الصوت فلا تحريم ولا كراهة، واستدل بعض العلماء على جواز تعريفها فى المسجد الحرام بقول النبى ﷺ : لا تحل لقتطها الا لمنشدها.
ويجب أن يكون التعريف فى محل اللقطة، ولو التقطت فى الصحراء وهناك قافلة تبعها وعرف فيها والا ففى بلد يقصده سواء قرب أو بعد، ويجب التعريف حولا كاملا ان أخذها للتملك بعد للتعريف وتكون أمانة ولو بعد سنة حتى يتملكها لأن القوافل لا تتأخر فى السنة ولأن الأزمنة الأربعة تمضى فيها ولو التقط اثنان لقطة عرف كل منهما سنة. هذا ولا يشترط الفور للتعريف بل المعتبر تعريف سنة متى كان وكذا لا يشترط الموالاة فى التعريف فلو فرق السنة كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا جاز لأنه عرف سنة ولا يجب الاستيعاب للسنة بل يعرف على العادة فينادى فى كل يوم مرتين طرفيه فى الابتداء ثم فى كل يوم مرة ثم فى كل اسبوع مرتين أو مرة ثم فى كل شهر وان عرفها سنة متفرقة لم يجزه مثل أن يعرف فى كل سنة شهرا.
ولا يجب أن يعرفها بنفسه بل يجوز أن يوكل أمينا، قال بعض: أو يوكل من يصدقه لا من لا يصدقه الا ان كان يعرف بحضرته ويقول:
فليطلبها عند فلان ذاكرا اسم من التقطها.
فان قصد الملتقط التملك ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقا فمئونة التعريف الواقع بعد قصده عليه سواء تملك أو لا لأن التعريف سبب تملك ولأن الحفظ له وان قصد الحفظ ولو بعد التقاطه للتملك أو مطلقا فمئنة التعريف على بيت المال ان كان فيه سعة قيل: والا فعلى المالك أن يقترض عليه الحاكم، وانما لم تجب النفقات على الملتقط لأن الحظ للمالك فقط، كذا قيل: والذى عندى أن مئونة التعريف من اللقطة وقيل من عند الملتقط لأن التعريف واجب (١).
حكم الاعلان فى القضاء
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق: أن على القاضى الجديد أن ينظر فى حال المحبوسين فى سجن القاضى فمن لم يقم على بينة ولم يقر هو، أمر مناديا كل يوم فى محلته وقت جلوسه ينادى: من من كان يطلب فلان ابن فلان المحبوس بحق فليحضر حتى نجمع بينه وبينه فان حضر واحد وأدعى بينما المحبوس على انكاره ابتدأ الحكم بينهما وان لم يحضر أحد تأنى فى ذلك أياما على حسب ما يرى القاضى فان لم يحضر أحد بعد ذلك أخذ منه كفيلا وأطلقه اتفاقا فان قال: لا كفيل لى وأبى أن يعطى كفيلا وجب أن يحتاط نوعا آخر من الاحتياط فينادى شهرا فان لم يحضر أحد أطلقه (٢). ثم قال صاحب البحر الرائق.
اذا توارى الخصم فالقاضى يرسل أمينا ينادى على بابه ثلاثة أيام ثم ينصب عنه وكيلا للدعوى وهو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى استحسنه وعمل به (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل (٤): انه يستحب طلب القضاء لمجتهد خفى علمه وأراد اظهاره بولايته القضاء.
ويكره أن يكون سعيه فى طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس فهذا يكره له
стр. 5743
السعى ولو قيل انه يحرم لكان وجهه ظاهرا لقوله تعالى:
«تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ١﴾.
وعلى القاضى الجديد أن يكون أول ما يبدأ به الكشف عن الشهود والموثقين فيعرف حال من لا يعرف حاله منهم ويفحص عن عدالتهم فمن كان عدلا أثبته ومن كان فيه جرحه أسقطه وأراح المسلمين من اذايته.
ولا يحل له أن يترك غير المرضى ينصبه للناس فانها خديعة للمسلمين ووصمة فى شعائر الدين، وعليه أن يصرح بعزل هؤلاء ويسجل على شاهد الزور كتابا مخلدا بعد عقوبته وكذلك يجب عليه أن يكشف عن المحبوسين واذا ولى قضاء غير بلده فنقل فى التوضيح عن المازرى أنه يسئل عن عدول البلد قبل خروجه قال:
وينادى مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءة سجله المكتوب بولايته (٢).
وذكر صاحب التاج والاكليل نقلا عن المتيطى وغيره أن أول ما يبدأ به القاضى النداء عن اذنه أنه حجر على كل يتيم لا ولى له وعلى كل سفيه مستوجب للولاية عليه وان من علم منكم واحدا من هذين فليرفعه الينا لنولى عليه، ومن باع منهما بعد النداء فهو مردود (٣).
قال الامام مالك فى المدونة واذا ظهر الامام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه ويطاف به فى المجالس.
وروى ابن وهب أن محمدا كتب الى عماله بالشام ان أخذتم شاهد زور فاجلدوه أربعين وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويطال حبسه ويحلق رأسه (٤).
وجاء (٥) فى التاج والاكليل أن ابن عرفة قال القضاء على الغائب سمع ابن القاسم فيه قال الامام مالك: أما المدين فانه يقضى عليه، فأما كل شئ فيه حجج فلا يقضى عليه.
قال سحنون والذى تكون فيه الحجج قال ابن رشد: مذهب مالك أن قربت غيبته كمن على ثلاثة أميال كتب اليه وأعذر اليه فى كل حق أما وكل أو قدم فان لم يفعل حكم عليه فى الدين وبيع عليه ماله من أصل أو غيره وفى استحقاق العروض والحيوان والأصول.
وكل الأشياء من طلاق وعتق وغيره وان لم تزج له حجة فى شئ وان بعدت غيبته على عشرة أيام ونحوها حكم عليه فى غير استحقاق الرباع (أى المنازل) والأصول من الديون والحيوان والعروض ورجيت حجته فيه. وذكر ابن رشد أن غيبته ان بعدت وانقطعت كالعدوة من الأندلس ومكة حكم عليه فى كل شئ من حيوان وعروض ودين والرباع والأصول، ورجئت حجته فى ذلك وزاد ابن رشد فى أجوبته:
أن هذا التحديد فى القرب والبعد انما هو مع أمن الطريق وكونها مسلوكة وان لم تكن كذلك حكم عليه وان قربت غيبته.
ولو استعدى شخص على رجل غائب أعداه القاضى على خصم بطابع يعطيه اياه فاذا أتى صاحبه أمر بأخذ الطابع منه أو أعداه عليه برسول قال ابن فتوح ينبغى للقاضى ان كان قريبا أن يأمر غلامه الذى له الاجارة من بيت
стр. 5744
المال بأن يسير معه، فان لم يرتفع المطلوب بالطابع أشهد عليه بعصيانه وتأبيه على المجئ ثم يرسل القاضى اليه أحد أعوانه ويجعل له من رزقه جعلا اذا لم يكن له رزق من بيت المال اذا رفع المطلوب عليه وهو مما يلزمه فان لم يفعل القاضى ذلك فأحسن الوجوه أن يكون الطالب يستأجره على النهوض فى المطلوب ورفعه ويعطى العون ما يتفقان عليه الا أن يتبين أن المطلوب الذى طلبه ودعاه الى الارتفاع الى القاضى فأبى عليه فيكون على المطلوب أجرة شخوص العون اليه ولا يكون على الطالب من ذلك شئ.
قال ابن الحاجب: يجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول أن لم يزد على مسافة العدوى.
فان زاد لم يجلبه ما لم يشهد شاهد. قال سحنون: لا يشخص من البعد خصم ولا شاهد والبعد ستون ميلا.
قال ابن سحنون: فان كان الخصم فى مصر الحاكم أو على الأميال اليسيرة ونفر كتب برفعه قال أصبغ: لا يكتب الا لأهل العدل أجمعوا فلانا وفلانا للتناصف فان أبى فانظروا فان رأيتم للمدعى وجه مطلب ولم يرد المطلوب تعنيته فارفعوه الى والا فلا (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢): انه يندب للامام أو نائبه أن يكتب لمن يوليه كتابا بالتولية وما فوضه اليه وما يحتاج اليه القاضى ولا بد من أن يشهد بما فى الكتاب من التولية شاهدين ان أراد العمل بذلك الكتاب، يخرج هذان الشاهدان معه الى محل التولية وان كان قريبا يخبران بالحال لتلزم طاعته على أهل البلد والاعتماد على ما يشهدان به لا على ما فى الكتاب ولا بد من سماعهما التولية من المولى.
واذا قرئ بحضرته فليعلما أن ما فيه هو الذى قرئ لئلا يقرأ غير ما فيه ثم ان كان فى البلد قاض أديا عنده وأثبت ذلك بشروطه والا كفى اخبارهما لأهل البلد - أى لأهل الحل والعقد منهم - كما هو ظاهر وتكفى الاستفاضة فى الأصح لأنها أكد من الشهادة لا مجرد كتاب فلا يكفى على المذهب لاحتمال التزوير وان حفت القرائن بصدقه ولا يكفى اخبار القاضى لاتهامه فان صدقوه لزمهم طاعته فى أوجه الوجهين.
وينظر القاضى أولا ندبا بعد تسلمه ديوان الحكم من القاضى الأول، وأن ينادى فى البلد نداء متكررا: ان القاضى يريد النظر فى المحبوسين فى يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فى أهل الحبس ان لم يكن ثم من هو أهم منهم هل يستحقونه أولا لأنه عذاب. ويبدأ بقرعة فمن حضرت له أحضر خصمه وفصل بينهما وهكذا، فمن قال حبست بحق أدامه الى وفائه أو ثبوت اعساره وبعد ذلك ينادى عليه لاحتمال ظهور غريم آخر له ولا يحبس حال النداء ولا يطالب بكفيل بل يراقب.
وان كان الحق حدا أقامه عليه وأطلقه أو تعزيرا ورأى اطلاقه فعل، أو قال حبست ظلما فعلى خصمه حجة ان كان حاضرا فان أقامها أدامه والا حلفه وأطلقه بلا كفيل الا أن يراه فحسن فان كان خصمه غائبا عن البلد كتب اليه ليحضر لفصل الخصومة بينهما أو يوكل لأن القصد اعلامه ليلحق بحجته فان علم ولم يحضر ولم يوكل حلف وأطلق لتقصير الغائب حينئذ.
واذا ثبت عند حاكم مال على غائب وحكم به وله مال قضاه الحاكم منه وأن لم يكن له مال فى محل ولايته أو لم يحكم فان سأل المدعى انهاء
стр. 5745
الحال الى قاضى بلد الغائب أو الى كل من يصل اليه الكتاب من القضاة أجابه حتما وان كان المكتوب اليه قاضى ضرورة مسارعة لبراءة ذمة غريمه ووصوله الى حقه فينهى سماع بينة ثبت بها الحق ثم ان عدلها لم يحتج المكتوب اليه الى تعديلها والا احتاج ليحكم بها ثم يستوفى الحق والأوجه جواز كتابته بسماع شاهد واحد ليسمع المكتوب اليه شاهدا آخرا أو يحلفه له، أو ينهى اليه حكما ان حكم ليستوفى الحق لدعاء الحاجة الى ذلك ولا يشترط هنا بعد المسافة ولو شهدا عند غير المكتوب اليه أمضاه اذ الاعتماد على الشهادة.
ولو نادى القاضى قاضى بلد الغائب وهما فى طرفى ولايتهما وقال له: انى حكمت بكذا أمضاه وكذا اذا كان فى بلد قاضيان ولو نائبا ومستنيبا وشافه أحدهما الآخر فيمضيه وان لم يحضر الخصم وان اقتصر القاضى الكاتب على سماع بينة كتب سمعت بينة على فلان ويصفه بما يميزه ليحكم عليه المكتوب اليه ويسميها وجوبا ويرفع فى نسبها ان لم يعدلها ليبحث المكتوب له عن عدالتها وغيرها حتى يحكم بها (١).
واذا كان المدعى عليه حاضرا ببلد القاضى وهو أهل لسماع الدعوى فاستخفى نودى عليه نداء متكررا بباب داره وان لم يحضر الى ثلاثة أيام سمر بابه أو ختم وسمعت الدعوى عليه وحكم بها فان لم يحضر بعدها وسأل المدعى أحدهما وأثبت أنه يأوى الى داره أجابه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أنه اذا جلس الحاكم فى مجلسه فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين لأن الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ الى حبس القاضى الذى كان قبله ثقة يكتب اسم كل محبوس وفيم حبس؟ ولمن حبس فيحمله اليه فيأمر مناديا يناد فى البلد ثلاثة أيام: ألا أن القاضى فلان بن فلان ينظر فى أمر المحبوسين يوم كذا، فمن كان له محبوس فليحضر فاذا حضر ذلك اليوم وحضر الناس ترك الرقاع التى فيها اسم المحبوسين بين يديه ومد يده اليها فما وقع فى يده منها نظر الى اسم المحبوس وقال: من خصم فلان المحبوس فاذا قال خصمه أنا بعث معه ثقة الى الحبس فأخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك فى قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر فيه فى ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فاذا حضر المحبوس وخصمه لم يسأل خصمه لما حبسته لأن الظاهر أن الحاكم انما حبسه بحق لكن يسأل المحبوس بما حبست؟ فان قال حبست ظلما ولا حق على فينادى منادى الحاكم يذكر ما قاله فان حضر رجل فقال: أنا خصمه فأنكره وكانت للمدعى بينة كلف الجواب على ما مضى وان لم تكن له بينة أو لم يظهر له خصم فالقول قوله مع يمينه أنه لا خصم له أو لا حق عليه ويخلى سبيله (٣).
واذا استعدى رجل على رجل الى الحاكم فلا يخلو المستعدى عليه من أن يكون حاضرا أو غائبا، فان كان حضرا فى البلد أو قريبا منه فان شاء الحاكم بعث مع المستعدى عونا يحضر المدعى عليه وان شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين مختوما بخاتمه فاذا بعث معه ختما فعاد فذكر أنه امتنع أو كسر الختم بعث اليه عيونا فان امتنع أنقذ (٤) صاحب المعونة فأحضره فاذا