← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

برية عرف من يجده فيها ثم أكمله اذا حضر فى بلده. ولو أراد السفر قبل التعريف فى بلد الالتقاط أو اكماله فان أمكنه أن يستنيب فهو أولى والا عرفه فى بلده بحيث يشتهر خبره ثم يكمله فى غيره ولو أخره عن وقت الالتقاط اختيارا أثم، وأعتبر الحول من حين الشروع ويجوز التعريف بنفسه وبغيره لحصول الغرض بهما. ويجب تعريف اللقطة البالغة درهما فصاعدا حولا كاملا على ما تقدم - ولو كان هذا الحول متفرقا فلا يعتبر وقوع التعريف كل يوم من أيام الحول، بل المعتبر ظهور أن التعريف التالى تكرار لما سبق لا تعريف للقطة جديدة فيكفى التعريف فى الابتداء كل يوم مرة أو مرتين ثم فى كل أسبوع ثم فى كل شهر ولا يختص تكراره أياما بأسبوع وأسبوعا ببقية الشهر وشهرا ببقية الحول وان كان ذلك مجزيا بل المعتبر أن لا ينسى كون التالى تكرار لما مضى لأن الشارع لم يقدره بقدر فيعتبر فيه ما ذكر لدلالة العرف عليه وليس المراد بجواز التعريف متفرقا أن الحول يجوز تلفيقه لو فرض ترك التعريف فى بعضه بل يعتبر اجتماعه فى حول واحد لأنه المفهوم منه شرعا عند الاطلاق خلافا لظاهر التذكرة حيث اكتفى به. ووجوب التعريف ثابت سواء نوى الملتقط التملك أو لم ينوه فى أصح القولين لاطلاق الأمر به الشامل للقسمين خلافا للشيخ حيث شرط فى وجوبه نية التملك فلو نوى الحفظ لم يجب ويشكل هذا باستلزامه خفاء اللقطة وبأن التملك غير واجب فكيف تجب وسيلته وهى التعريف ولو التقط العبد عرف بنفسه أو بنائبه كالحر فلو أتلفها قبل التعريف أو بعده ضمن بعد عتقه ويساره كما يضمن غيرها من أموال الغير التى يتصرف فيها من غير أذنه ولا يجب على المالك أن يتنزع اللقطة من العبد قبل التعريف وبعده. وان لم يكن هذا العبد أمينا لاصالة البراءة من وجوب حفظ مال الغير مع عدم قبضه وخصوصا مع وجود يد متصرفة (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن من التقط لقطة لم يعرف صاحبها عليه أن يعرفها بأن يقول: كذا من يأتى بأمارته. ويكون التعريف سنة عربية أو قدر ما يظن وجوده قلت أو كثرت، ولا يظهرها حيث يراها الناس لئلا يأخذوا صفتها فينعتوها له وان أظهرها كذلك لم يجزه الا أن يأتى من يدعيها بشاهدين على دعواه وان أظهرها وأعطاها من رآه ضمنها للفقراء ان لم يجد بيانا وضمنها لصاحبها ان وجد البيان وكذا ان أعطاها من لم يرها لامكان أن يصفها له من رآها ويرجع هو على من أعطأها اياه ان أظهرها وان أظهرها وفيها ما بطن فانه يعطيها من أتى بصفتها الباطنة. وانما يعرفها فى مواضع اجتماع الناس كالسوق وأبواب المساجد من خارج والعرس ونحو ذلك بحسب ما يليق فان كان العرس لا يجتمع فيه الا النساء لم يلق أن يعرف فيه ما ليس خاصا بالنساء كالسلاح ويقول فى التعريف: من سقط عنه شئ فليأت بعلامته قال فى ارشاد السارى: أنه ينادى من ضاع له شئ فليطلبه عندى ويكون فى الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها لأن ذلك أقرب الى وجود صاحبها. ولا ينادى بذلك فى المساجد كما لا تطلب اللقطة فيها، نعم يجوز أن تعرف اللقطة فى المسجد الحرام اعتبارا بالعرف، ولأنه مجمع الناس، وقضية التعليل أن مسجد المدينة والمسجد الأقصى كذلك وقيل: يحرم فيهما كذلك وقيل: يكره. ويجب أن يكون محل التحريم أو الكراهة اذا وقع ذلك برفع الصوت كما أشارت اليه الأحاديث أما

стр. 5742

لو سأل الجماعة فى المسجد بدون رفع الصوت فلا تحريم ولا كراهة، واستدل بعض العلماء على جواز تعريفها فى المسجد الحرام بقول النبى ﷺ : لا تحل لقتطها الا لمنشدها. ويجب أن يكون التعريف فى محل اللقطة، ولو التقطت فى الصحراء وهناك قافلة تبعها وعرف فيها والا ففى بلد يقصده سواء قرب أو بعد، ويجب التعريف حولا كاملا ان أخذها للتملك بعد للتعريف وتكون أمانة ولو بعد سنة حتى يتملكها لأن القوافل لا تتأخر فى السنة ولأن الأزمنة الأربعة تمضى فيها ولو التقط اثنان لقطة عرف كل منهما سنة. هذا ولا يشترط الفور للتعريف بل المعتبر تعريف سنة متى كان وكذا لا يشترط الموالاة فى التعريف فلو فرق السنة كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا جاز لأنه عرف سنة ولا يجب الاستيعاب للسنة بل يعرف على العادة فينادى فى كل يوم مرتين طرفيه فى الابتداء ثم فى كل يوم مرة ثم فى كل اسبوع مرتين أو مرة ثم فى كل شهر وان عرفها سنة متفرقة لم يجزه مثل أن يعرف فى كل سنة شهرا. ولا يجب أن يعرفها بنفسه بل يجوز أن يوكل أمينا، قال بعض: أو يوكل من يصدقه لا من لا يصدقه الا ان كان يعرف بحضرته ويقول: فليطلبها عند فلان ذاكرا اسم من التقطها. فان قصد الملتقط التملك ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقا فمئونة التعريف الواقع بعد قصده عليه سواء تملك أو لا لأن التعريف سبب تملك ولأن الحفظ له وان قصد الحفظ ولو بعد التقاطه للتملك أو مطلقا فمئنة التعريف على بيت المال ان كان فيه سعة قيل: والا فعلى المالك أن يقترض عليه الحاكم، وانما لم تجب النفقات على الملتقط لأن الحظ للمالك فقط، كذا قيل: والذى عندى أن مئونة التعريف من اللقطة وقيل من عند الملتقط لأن التعريف واجب (١). حكم الاعلان فى القضاء مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق: أن على القاضى الجديد أن ينظر فى حال المحبوسين فى سجن القاضى فمن لم يقم على بينة ولم يقر هو، أمر مناديا كل يوم فى محلته وقت جلوسه ينادى: من من كان يطلب فلان ابن فلان المحبوس بحق فليحضر حتى نجمع بينه وبينه فان حضر واحد وأدعى بينما المحبوس على انكاره ابتدأ الحكم بينهما وان لم يحضر أحد تأنى فى ذلك أياما على حسب ما يرى القاضى فان لم يحضر أحد بعد ذلك أخذ منه كفيلا وأطلقه اتفاقا فان قال: لا كفيل لى وأبى أن يعطى كفيلا وجب أن يحتاط نوعا آخر من الاحتياط فينادى شهرا فان لم يحضر أحد أطلقه (٢). ثم قال صاحب البحر الرائق. اذا توارى الخصم فالقاضى يرسل أمينا ينادى على بابه ثلاثة أيام ثم ينصب عنه وكيلا للدعوى وهو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى استحسنه وعمل به (٣). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل (٤): انه يستحب طلب القضاء لمجتهد خفى علمه وأراد اظهاره بولايته القضاء. ويكره أن يكون سعيه فى طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس فهذا يكره له

стр. 5743

السعى ولو قيل انه يحرم لكان وجهه ظاهرا لقوله تعالى: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ١﴾. وعلى القاضى الجديد أن يكون أول ما يبدأ به الكشف عن الشهود والموثقين فيعرف حال من لا يعرف حاله منهم ويفحص عن عدالتهم فمن كان عدلا أثبته ومن كان فيه جرحه أسقطه وأراح المسلمين من اذايته. ولا يحل له أن يترك غير المرضى ينصبه للناس فانها خديعة للمسلمين ووصمة فى شعائر الدين، وعليه أن يصرح بعزل هؤلاء ويسجل على شاهد الزور كتابا مخلدا بعد عقوبته وكذلك يجب عليه أن يكشف عن المحبوسين واذا ولى قضاء غير بلده فنقل فى التوضيح عن المازرى أنه يسئل عن عدول البلد قبل خروجه قال: وينادى مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءة سجله المكتوب بولايته (٢). وذكر صاحب التاج والاكليل نقلا عن المتيطى وغيره أن أول ما يبدأ به القاضى النداء عن اذنه أنه حجر على كل يتيم لا ولى له وعلى كل سفيه مستوجب للولاية عليه وان من علم منكم واحدا من هذين فليرفعه الينا لنولى عليه، ومن باع منهما بعد النداء فهو مردود (٣). قال الامام مالك فى المدونة واذا ظهر الامام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه ويطاف به فى المجالس. وروى ابن وهب أن محمدا كتب الى عماله بالشام ان أخذتم شاهد زور فاجلدوه أربعين وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويطال حبسه ويحلق رأسه (٤). وجاء (٥) فى التاج والاكليل أن ابن عرفة قال القضاء على الغائب سمع ابن القاسم فيه قال الامام مالك: أما المدين فانه يقضى عليه، فأما كل شئ فيه حجج فلا يقضى عليه. قال سحنون والذى تكون فيه الحجج قال ابن رشد: مذهب مالك أن قربت غيبته كمن على ثلاثة أميال كتب اليه وأعذر اليه فى كل حق أما وكل أو قدم فان لم يفعل حكم عليه فى الدين وبيع عليه ماله من أصل أو غيره وفى استحقاق العروض والحيوان والأصول. وكل الأشياء من طلاق وعتق وغيره وان لم تزج له حجة فى شئ وان بعدت غيبته على عشرة أيام ونحوها حكم عليه فى غير استحقاق الرباع (أى المنازل) والأصول من الديون والحيوان والعروض ورجيت حجته فيه. وذكر ابن رشد أن غيبته ان بعدت وانقطعت كالعدوة من الأندلس ومكة حكم عليه فى كل شئ من حيوان وعروض ودين والرباع والأصول، ورجئت حجته فى ذلك وزاد ابن رشد فى أجوبته: أن هذا التحديد فى القرب والبعد انما هو مع أمن الطريق وكونها مسلوكة وان لم تكن كذلك حكم عليه وان قربت غيبته. ولو استعدى شخص على رجل غائب أعداه القاضى على خصم بطابع يعطيه اياه فاذا أتى صاحبه أمر بأخذ الطابع منه أو أعداه عليه برسول قال ابن فتوح ينبغى للقاضى ان كان قريبا أن يأمر غلامه الذى له الاجارة من بيت

стр. 5744

المال بأن يسير معه، فان لم يرتفع المطلوب بالطابع أشهد عليه بعصيانه وتأبيه على المجئ ثم يرسل القاضى اليه أحد أعوانه ويجعل له من رزقه جعلا اذا لم يكن له رزق من بيت المال اذا رفع المطلوب عليه وهو مما يلزمه فان لم يفعل القاضى ذلك فأحسن الوجوه أن يكون الطالب يستأجره على النهوض فى المطلوب ورفعه ويعطى العون ما يتفقان عليه الا أن يتبين أن المطلوب الذى طلبه ودعاه الى الارتفاع الى القاضى فأبى عليه فيكون على المطلوب أجرة شخوص العون اليه ولا يكون على الطالب من ذلك شئ. قال ابن الحاجب: يجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول أن لم يزد على مسافة العدوى. فان زاد لم يجلبه ما لم يشهد شاهد. قال سحنون: لا يشخص من البعد خصم ولا شاهد والبعد ستون ميلا. قال ابن سحنون: فان كان الخصم فى مصر الحاكم أو على الأميال اليسيرة ونفر كتب برفعه قال أصبغ: لا يكتب الا لأهل العدل أجمعوا فلانا وفلانا للتناصف فان أبى فانظروا فان رأيتم للمدعى وجه مطلب ولم يرد المطلوب تعنيته فارفعوه الى والا فلا (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (٢): انه يندب للامام أو نائبه أن يكتب لمن يوليه كتابا بالتولية وما فوضه اليه وما يحتاج اليه القاضى ولا بد من أن يشهد بما فى الكتاب من التولية شاهدين ان أراد العمل بذلك الكتاب، يخرج هذان الشاهدان معه الى محل التولية وان كان قريبا يخبران بالحال لتلزم طاعته على أهل البلد والاعتماد على ما يشهدان به لا على ما فى الكتاب ولا بد من سماعهما التولية من المولى. واذا قرئ بحضرته فليعلما أن ما فيه هو الذى قرئ لئلا يقرأ غير ما فيه ثم ان كان فى البلد قاض أديا عنده وأثبت ذلك بشروطه والا كفى اخبارهما لأهل البلد - أى لأهل الحل والعقد منهم - كما هو ظاهر وتكفى الاستفاضة فى الأصح لأنها أكد من الشهادة لا مجرد كتاب فلا يكفى على المذهب لاحتمال التزوير وان حفت القرائن بصدقه ولا يكفى اخبار القاضى لاتهامه فان صدقوه لزمهم طاعته فى أوجه الوجهين. وينظر القاضى أولا ندبا بعد تسلمه ديوان الحكم من القاضى الأول، وأن ينادى فى البلد نداء متكررا: ان القاضى يريد النظر فى المحبوسين فى يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فى أهل الحبس ان لم يكن ثم من هو أهم منهم هل يستحقونه أولا لأنه عذاب. ويبدأ بقرعة فمن حضرت له أحضر خصمه وفصل بينهما وهكذا، فمن قال حبست بحق أدامه الى وفائه أو ثبوت اعساره وبعد ذلك ينادى عليه لاحتمال ظهور غريم آخر له ولا يحبس حال النداء ولا يطالب بكفيل بل يراقب. وان كان الحق حدا أقامه عليه وأطلقه أو تعزيرا ورأى اطلاقه فعل، أو قال حبست ظلما فعلى خصمه حجة ان كان حاضرا فان أقامها أدامه والا حلفه وأطلقه بلا كفيل الا أن يراه فحسن فان كان خصمه غائبا عن البلد كتب اليه ليحضر لفصل الخصومة بينهما أو يوكل لأن القصد اعلامه ليلحق بحجته فان علم ولم يحضر ولم يوكل حلف وأطلق لتقصير الغائب حينئذ. واذا ثبت عند حاكم مال على غائب وحكم به وله مال قضاه الحاكم منه وأن لم يكن له مال فى محل ولايته أو لم يحكم فان سأل المدعى انهاء

стр. 5745

الحال الى قاضى بلد الغائب أو الى كل من يصل اليه الكتاب من القضاة أجابه حتما وان كان المكتوب اليه قاضى ضرورة مسارعة لبراءة ذمة غريمه ووصوله الى حقه فينهى سماع بينة ثبت بها الحق ثم ان عدلها لم يحتج المكتوب اليه الى تعديلها والا احتاج ليحكم بها ثم يستوفى الحق والأوجه جواز كتابته بسماع شاهد واحد ليسمع المكتوب اليه شاهدا آخرا أو يحلفه له، أو ينهى اليه حكما ان حكم ليستوفى الحق لدعاء الحاجة الى ذلك ولا يشترط هنا بعد المسافة ولو شهدا عند غير المكتوب اليه أمضاه اذ الاعتماد على الشهادة. ولو نادى القاضى قاضى بلد الغائب وهما فى طرفى ولايتهما وقال له: انى حكمت بكذا أمضاه وكذا اذا كان فى بلد قاضيان ولو نائبا ومستنيبا وشافه أحدهما الآخر فيمضيه وان لم يحضر الخصم وان اقتصر القاضى الكاتب على سماع بينة كتب سمعت بينة على فلان ويصفه بما يميزه ليحكم عليه المكتوب اليه ويسميها وجوبا ويرفع فى نسبها ان لم يعدلها ليبحث المكتوب له عن عدالتها وغيرها حتى يحكم بها (١). واذا كان المدعى عليه حاضرا ببلد القاضى وهو أهل لسماع الدعوى فاستخفى نودى عليه نداء متكررا بباب داره وان لم يحضر الى ثلاثة أيام سمر بابه أو ختم وسمعت الدعوى عليه وحكم بها فان لم يحضر بعدها وسأل المدعى أحدهما وأثبت أنه يأوى الى داره أجابه (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أنه اذا جلس الحاكم فى مجلسه فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين لأن الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ الى حبس القاضى الذى كان قبله ثقة يكتب اسم كل محبوس وفيم حبس؟ ولمن حبس فيحمله اليه فيأمر مناديا يناد فى البلد ثلاثة أيام: ألا أن القاضى فلان بن فلان ينظر فى أمر المحبوسين يوم كذا، فمن كان له محبوس فليحضر فاذا حضر ذلك اليوم وحضر الناس ترك الرقاع التى فيها اسم المحبوسين بين يديه ومد يده اليها فما وقع فى يده منها نظر الى اسم المحبوس وقال: من خصم فلان المحبوس فاذا قال خصمه أنا بعث معه ثقة الى الحبس فأخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك فى قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر فيه فى ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فاذا حضر المحبوس وخصمه لم يسأل خصمه لما حبسته لأن الظاهر أن الحاكم انما حبسه بحق لكن يسأل المحبوس بما حبست؟ فان قال حبست ظلما ولا حق على فينادى منادى الحاكم يذكر ما قاله فان حضر رجل فقال: أنا خصمه فأنكره وكانت للمدعى بينة كلف الجواب على ما مضى وان لم تكن له بينة أو لم يظهر له خصم فالقول قوله مع يمينه أنه لا خصم له أو لا حق عليه ويخلى سبيله (٣). واذا استعدى رجل على رجل الى الحاكم فلا يخلو المستعدى عليه من أن يكون حاضرا أو غائبا، فان كان حضرا فى البلد أو قريبا منه فان شاء الحاكم بعث مع المستعدى عونا يحضر المدعى عليه وان شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين مختوما بخاتمه فاذا بعث معه ختما فعاد فذكر أنه امتنع أو كسر الختم بعث اليه عيونا فان امتنع أنقذ (٤) صاحب المعونة فأحضره فاذا

стр. 5746

حضر وشهد عليه شاهدان بالامتناع عزره ان رأى ذلك بحسب ما يراه تأديبا له أما بالكلام وكشف رأسه أو بالضرب أو بالحبس فان اختبأ بعث الحاكم من ينادى على بابه ثلاثا فانه ان لم يحضر سمر بابه وختم عليه ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على أعزاره فان لم يحضر وسأل المدعى أن يسمر عليه منزله ويختم عليه وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله سمره أو ختمه فان لم يحضر بعث الحاكم من ينادى على بابه بحضرة شاهدى عدل أنه ان لم يحضر مع فلان أقام عنه وكيلا وحكم عليه فان لم يحضر أقام عنه وكيلا وسمع البينة عليه وحكم عليه كما يحكم على الغائب وقضى حقه من ماله أن وجد له مالا. وان استعدى على غائب نظرت فان كان الغائب فى غير ولاية القاضى لم يكن له أن يعدى عليه وان كان فى ولايته وله فى بلده خليفة فان كانت له بينة ثبت الحق عنده وكتب به الى خليفته ولم يحضره وان لم تكن له بينة حاضره نفذه الى خصمه ليخاصمه عند خليفته وان لم يكن له فيه خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء أذن له فى الحكم بينهما وان لم يكن فيه من يصلح للقضاء قيل له: حرر دعواك لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمة الكلب أو خمر الذمى فلا يكلفه الحضور لما لا يقضى عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضر فانه لا مشقة فى حضوره فاذا تحررت بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت لأنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فاذا لم يكن الا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فانه يؤدب ويعزر. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن للحاكم أن ينفذ حكم غيره فاذا كتب اليه أنى قد حكمت بكذا نفذه سواء وافق اجتهاده أم خالف نحو أن يكون فمن يحكم بالنكول ثم يكتب الى من لا يحكم به، واذا قامت دعوى عند حاكم وكملت حتى لم يبق الا الحكم كان للحاكم الآخر أن يتولى الحكم بعد دعوى كانت قد قامت عند غيره وهو الحاكم الأول ولا يحتاج الى اعادة الدعوى والشهادة وانما يكون له ذلك بشروط منها أن يكون قد كتب اليه بذلك قال فى الحاشية: وكذا لو لم يكتب اليه القاضى مع الشاهدين بل أشهدهما على ما صح له فأمرهما بنقل ذلك عنه الى الثانى وانه أمره بالحكم فيصح عندنا مع تكامل شروطه. قال فى شرح الأبانة: اذا التقى القاضيان فى موضع واحد وأخير أحدهما صاحبه من غير كتاب ولا رسول فانه ينظر فان كان الموضع من عمل أحدهما دون الآخر لم يعمل به وان كان من عملهما فان أخبره بأنه قد حكم بذلك نفذه وأن أخبره بثبوت الشهادة فان كان موضع الشهود بعيدا جاز وأن كان قريبا لم يجز عند الناصر (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن من أداب القاضى المستحبة أن ينادى بقدومه أن كان البلد واسعا لا ينتشر خبره فيه الا بالنداء. وأن يجلس للقضاء فى موضع بارز مثل رحبة أو فضاء ليسهل الوصول اليه وأن يبدأ بأخذ ما فى يد الحاكم المعزول من حجج الناس وودائعهم لأن نظر الأول سقط بولايته ثم يستحب له أن يسأل عن أهل السجون ويثبت أسماءهم وينادى فى البلد بذلك ليحضر الخصوم ويجعل لذلك وقتا فاذا اجتمعوا أخرج اسم واحد ويسأله عن موجب حبسه وعرض قوله على خصمه فان ثبت لحبسه موجب أعاده والا شاع حاله بحيث أن لم يظهر له خصم أطلقه وقيل: يحلفه مع ذلك (٢).

стр. 5747

واذا أراد قاض أن ينهى الى قاض ما حكم به فان كان ذلك بالكتابة لم يصح لأن الكتابة لا عبرة بها لامكان التشبيه وان كان بالقول مشافهة بأن يقول للآخر حكمت بكذا أو أنفذت أو أمضيت ففى القضاء به تردد ونص الشيخ أنه لا يقبل، وان كان الانهاء بالشهادة فان شهدت البينة بالحكم وبالشهادة اياهما على حكمه تعين القبول لأنه ذلك مما تمس الحاجة اليه اذ احتاج أرباب الحقوق الى اثباتها فى البلاد المتباعدة غالب وتكليف شهود الأصل التنقل متعذر أو متعسر فلا بد من وسيلة الى استيفائها مع تباعد الغرماء. ولا وسيلة الا رفع الأحكام الى الحكام وأتم ذلك احتياطا ما صورناه (١). هذا واذا كان ما ينهى من الحاكم حكما وقع بين المتخاصمين فان حضر شاهدان لانهاء خصومة الخصمين وسمعا ما حكم به الحاكم وأشهدهما على حكمه ثم شهدا بالحكم عند الآخر ثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم وأنفذ ما ثبت عنده واذا كان ما ينهى من الحاكم اثبات دعوى المدعى فان حضر الشاهدان الدعى واقامة الشهادة والحكم بما شهدا به وأشهدهما على نفسه بالحكم وشهدا بذلك عند الآخر قبلها وأنفذ الحكم ولو لم يحضرا الواقعة وأشهدهما بما صورته أن فلان بن فلان الفلانى ادعى على فلان بن فلان الفلانى بكذا وشهدا له بدعواه فلان وفلان ويذكر عدالتهما أو تزكيتهما - فحكمت أو أمضيت ففى الحكم به تردد مع أن القبول ارجع خصوصا مع احضار الكتاب المتضمن للدعوى وشهادة الشهود، أما لو أخبر حاكما آخر بأنه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثانى (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أنه يندب للقاضى أن يجلس فى بارز من الأرض ليصل اليه كل أحد ويكون فى وسط البلد وينبغى أن يجعل لجلوسه ساعة يعرفها الناس ليأتوه فيها (٣). واذا كان الخصم حاضرا فى بلد القاضى أرسل اليه أحد خدامه ليرفعه الى مجلس الحكم ان أبى وان كان على يسير الأميال كفى فيه أن يكتب اليه وان بعد أو كان هناك خوف أمر من يلى أمر بلد هو فيه بأن يصلح بينهما أو أن يعزم على الشخص المطلوب فى أن يصل لمحل الحكم. وقيل: يرسل اليه اذا كان فى البلد مطلقا الا أن تبين كذبه وأجرة الرسول عندنا من بيت المال وقال قومنا: هى من مال من له الحق (٤). وينبغى للقاضى اذا ظهر عنده شاهد الزور أن يشهره فى ذلك المنزل ويحذر الناس منه. وذكر فى الكتاب: أن شاهد الزور يسحم وجهه ويطاف به وقيل: يعزره الحاكم: وقيل أنه ينكل به، وذكر عن شريح والله أعلم - انه اذا ظهر عنده شاهد الزور بعث به الى سوقه ان كان له سوق أو الى منزله ان كان غير ذى سوق فيقول رسوله للناس: ان شريحا يقرئ لكم السلام ويقول لكم: انا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس منه وقيل: يجلد شاهد الزور، ويطاف به ويطال حبسه حتى يحدث توبة وكتب عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى شاهد زور: ان اجلدوه أربعين جلدة ويحلق رأسه ويطاف به ويطال سجنه (٥).

стр. 5748

حكم اعلان الصدقات ذكر القرطبى فى تفسير قول الله : «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ١﴾. أن جمهور المفسرين ذهبوا الى أن هذه الآية فى صدقة التطوع لأن الاخفاء فيها أفضل من الاظهار وكذلك سائر العبادات الاخفاء أفضل فى تطوعها لانتفاء الرياء عنها وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: اظهار الزكاة أحسن واخفاء التطوع أفضل لأنه أدل على انه يراد الله به وحده قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها بل يقال بسبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل فى الأشياء كلها قلت: مثل هذا لا يقال من وجهة الرأى وانما هو توقيف وفى صحيح مسلم عن النبى ﷺ أنه قال: أفضل صلاة المرء فى بيته الا المكتوبة، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك. وروى النسائى عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: ان الذى يجهر بالقرآن كالذى يجهر بالصدقة والذى يسر بالقرآن كالذى يسر بالصدقة وفى الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب). قال ابن العربى: «وليس فى تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الاجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها فى السر أفضل منها فى الجهر، بيد أن علماءنا قالوا: ان هذا على الغالب مخرجه والتحقيق فيه أن الحال فى الصدقة تختلف بحال المعطى لها والمعطى اياها والناس الشاهدين لها. أما المعطى بكسر الطاء - فله فيها فائدة اظهار السنة وثواب القدوة قال القرطبى: هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل. وأما المعطى اياها فان السر له أسلم من احتقار الناس له أو نسبته الى أنه أخذها مع الغنى وترك التعفف. وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغاء، ولهم فيها تحريك القلوب الى الصدقة لكن هذا اليوم قليل. وقال يزيد بن حبيب: انما نزلت هذه الآية فى الصدقة على اليهود والنصارى وكان يأمر بقسم الزكاة فى السر وقال المهدوى: المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به فكان الاخفاء أفضل فى مدة النبى ﷺ ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء اظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع. وقال ابن عطية: يشبه فى زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض فقد كثر المانع لها. وصار اخراجها عرضة للرياء (٢). أما الفقهاء سار أكثرهم على التفريق بين الفرض والتطوع.

стр. 5749

مذهب الحنفية: جاء فى فتاوى قاضيخان أن الرجل اذا أراد أداء الزكاة الواجبة قالوا: الأفضل هو الاعلان والاظهار أما فى التطوعات فان الأفضل هو الاخفاء والأسرار (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل نقلا عن عياض فى قواعده أن من أداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، قال وقد قيل: الاظهار فى الفرائض أفضل قال شارحه: قال ابن بطال: لا خلاف بين أئمة العلم أن اعلان صدقة الفرض أفضل من اسرارها وأن الاسرار بصدقة النوافل أفضل من اعلانها ثم ذكر عن ابن عطية وغيره خلافا فى صدقة الفرض، لكن ضعف القول باسرارها ثم قال: وما بدأ به المؤلف هو القول المرجوح المطعون عليه وانما قدمه لأنه مذهب مالك وقال الشيخ زروق فى شرح القرطبية: فأما سترها فمستحب لما يعرض من الرياء الا أن يكون الغالب على الناس تركها فيستحب الاظهار للاقتداء وهذا عكس ما قال ابن عطية على ما نقل القباب، فانه قال: كثر المانع لها وصار اخراجها عرضة للرياء. وهذا والله أعلم يختلف باختلاف الأحوال فمن أيقن بسلامته من الرياء وحسن قصده فى الاظهار استحب له ذلك ومن غلب عليه خوف الرياء استحب له الاسرار ومن تحقق وقوع الرياء وجب عليه الاخفاء والاستنابة (٢). مذهب الشافعية: جاء فى حاشيتى قليوبى وعميرة على شرح جلال الدين المحلى أن دفع صدقة التطوع سرا وعدم اطلاق غيره عليه أفضل من دفعها جهرا الا لنحو اقتداء به وخلو عن نحو رياء وسمعة والا أن يكون من دفع الامام الزكاة للفقراء فى المال الظاهر والباطن فجهرا أفضل فيهما وكذلك الأمر اذا دفعها المالك فى المال الظاهر فقط (٣): مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لقول الله ﵎: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ٤». وروى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ أنه قال: سبعة يظلهم الله فى ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله وذكر منهم رجلا - تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (متفق عليه). وروى عن النبى ﷺ : «ان صدقة السر تطفئ غضب الرب (٥). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (٦) ان اظهار الصدقة من غير أن ينوى به رياء حسن سواء فى ذلك صدقة الفرض

стр. 5750

وصدقة التطوع وان اخفاء كل ذلك أفضل وهو قول أصحابنا، اذ التفريق بين صدقة الفرض والتطوع لا برهان على صحته. قال الله : «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ». مذهب الزيدية: جاء فى حواشى شرح الأزهار أنه يستحب فى صدقة التطوع الإسرار والاعلان لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: صدقة السر تطفئ غضب الرب وصدقة العلانية تقى ميتة السوء (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن صدقة السر أفضل من الجهر الا أن يتهم فى ترك المواساة فيظهرها دفعا للتهمة (٢). مذهب الإباضية: جاء فى قناطر الخيرات أن الاختلاف فى حكم اعلان الصدقة ليس اختلافا فى المسئلة بل هو اختلاف فى الحال لأنا لا نحكم حكما بتا بأن الاخفاء أفضل فى كل حال أو الاظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف النيات وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص فينبغى للانسان أن يكون مراقبا لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور وينخدع بمكر الشيطان والمكر والخداع له دخل فى كل من الاظهار والاخفاء (٣). أعمى التعريف فى اللغة: العمى ذهاب البصر من العينين كلتهما، والفعل منه: عمى يعمى ويقال رجل أعمى وامرأة عمياء، ولا يقع هذا الوصف على العين الواحدة بل يقال: عميت عيناه (٤). وقيل أن كلمة «الأعمى» مأخوذة من أصل مادتها وهو «العماء» والعماء هو الضلالة (٥). الأعمى والاجتهاد فى أوانى المياه للطهارة مذهب المالكية: الأعمى كالبصير فى أحكام المياه التى يتطهر بها، الا على القول بالاجتهاد فاختلف فيه: أهو كالبصير أم لا؟ قولان ذكرهما القرافى فى الذخيرة (ينظر مصطلح مياه) (٦). مذهب الشافعية: الأعمى كالبصير فى الاجتهاد فى مياه الطهارة، لتمكنه من الوقوف على المقصود بالشم والذوق والسمع واللمس. نعم لو فقد الأعمى تلك الحواس امتنع عليه الاجتهاد. وهناك قول ثان: هو أن الأعمى لا يجتهد، لفقد البصر الذى هو عمدة الاجتهاد بل يقلد.

стр. 5751

فان تحير الأعمى قلد بصيرا أو أعمى أقوى منه. فان لم يجد من يقلده أو وجده فتحير يتمم. وان اشتبه عليه بول - أو نحوه - انقطعت رائحته لم يجتهد فيهما على الصحيح، لأن الاجتهاد يقوى ما فى النفس من الطهارة الأصلية، والبول لا أصل له فى الطهارة فامتنع العمل به سواء أكان أعمى أم بصيرا. والقول الثانى يجتهد كالماءين (١). وفى حاشية البجيرمى: يجوز للأعمى أن يجتهد فى الأوانى لأنه يدرك الامارة باللمس وغيره كالشم والذوق. وان اشتبه على الأعمى ماء وبول، فتحبر فعليه التقليد ولو لأعمى أقوى ادراكا منه، ولو بأجرة لا تزيد على ماء الطهارة ان قدر على الزيادة ويجب على من قصده الاجتهاد ولو بأجرة وتجب له الأجره ان لم يرض مجانا (٢). وفى الأشباه والنظائر للسيوطى: فى اجتهاد الأعمى فى الأوانى قولان: أظهرها يجتهد، لأنه يمكنه الوقوف على الأمارات، باللمس والشم واعوجاج الأناء واضطراب الغطاء وغير ذلك. والثانى لا لأن للنظر أثرا فى حصول الظن بالمجتهد فيه لكنه فى الوقت مخير بين الاجتهاد والتقليد (٣). وفى الأوانى لا يجوز له التقليد والفرق أن الاجتهاد فى الأوقات انما يتأتى بأعمال مستغرقة للوقت وفى ذلك مشقة ظاهرة، بخلافه فى الأوانى. فان تحير فى الأوانى قلد. أما البصير فلا يقلد غيره عند التحير بل يتيمم وأما اجتهاده فى الثياب ففيه القولان الواردان فى الأوانى كما ذكره ابن الرفعة فى الكفاية (٤). وفى المجموع للنووى: لا يجتهد الأعمى فى الأوانى والثياب فى قول (٥). مذهب الحنابلة: جاء فى كتاب المغنى: اذا أخبر شخص غيره أن كلبا ولغ فى هذا الأناء لزم قبول خبره، سواء أكان هذا الشخص بصيرا أم ضريرا لأن للضرير طريقا الى العلم بذلك بالخبر والحس. وأن أخبره أن كلبا ولغ فى هذا الاناء، ولم يلغ فى هذا. وقال آخر: لم يلغ فى الأول، وانما ولغ فى الثانى وجب اجتنباهما، فيقبل قول كل واحد منهما فى الاثبات دون النفى لأنه يجوز أن يعلم كل واحد منهما ما خفى على الآخر الا أن يفينا وقتا معينا وكلبا واحدا يضيق الوقت عن شربه منها، فيتعارض قولاهما، ويسقطان ويباح استعمال كل واحد منهما. فان قال أحدهما شرب من هذا الأناء وقال الآخر نزل ولم يشرب قدم قول المثبت الا أن

стр. 5752

يكون المثبت لم يتحقق شربه مثل الضرير الذى يخبر عن حسه فيقدم قول البصير لأنه أعلم (١). مذهب الأمامية: جاء فى كتاب الخلاف: اذا كان مع غير البصير اناءان وقع فى أحدهما نجاسة واشتبها وجب عليه اراقتهما ويتيمم لأن البصير لا يجوز له التحرى، ولا الرجوع الى غيره فحكم الأعمى حكمه سواء (٢). أجتهاد الأعمى فى القبلة مذهب الحنفية: جاء فى الدرومتنه ويتحرى عاجز عن معرفة القبلة فان ظهر خطؤه - أى بعد ما صلى - لم يعد لأن الطاعة بحسب الطاقة. وان علم به أى بخطئه - فى صلاته - أو تحول رأيه: بأن غلب على ظنه أن الصواب فى جهة أخرى، استدار وبنى ولا يلزمه قرع أبواب ومس جدران. وجاء فى حاشية ابن عابدين. لا يلزم الأعمى مس جدران المسجد اذا جهل القبلة، ولو صلى الأعمى ركعة الى غير القبلة فجاء رجل فسواه الى القبلة واقتدى به فان وجد الأعمى وقت الشروع فى الصلاة من يسأله فلم يسأله، لم تجز صلاتهما، والا جازت صلاة الأعمى دون المقتدى، لأن عنده أن امامه بنى صلاته على الفاسد، وهو الركعة الأولى. ومفادة أن الأعمى لا يلزمه امساس المحراب اذا لم يجد من يسأله وأنه لو ترك السؤال مع أمكانه وأصاب القبلة جازت صلاته والا فلا (٣). وجاء فى الفتاوى الهندية. امرأة مكفوفة لا تجد من يوجهها الى القبلة، فان ضاق الوقت ولم تجد أحدا فانها تتحرى وتصلى (٤). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى. اذا تبين للأعمى خطأ فى استقباله القبلة - وهو فى الصلاة فانه يتحول ويستقبلها فى أثناء الصلاة، ثم يتم. واذا تبين له الخطأ بعد انتهاء الصلاة فانه لا يعيد الصلاة (٥). وفى الشرح الكبير. ولا يقلد مجتهد وهو العارف بأدلة القبلة - مجتهدا غيره، لأن القدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد فالاجتهاد واجب ولا يقلد المجتهد أيضا محرابا، الا أن يكون لمصر من الأمصار التى يعلم أن محاربيها انما نصبت باجتهاد العلماء هذا اذا كان المجتهد بصيرا، بل وان كان أعمى واذا لم يجز له التقليد سأل عن الأدلة ليهتدى بها الى القبلة وان لم يكن مجتهدا قلد مكلفا عدلا عارفا بطريق الاجتهاد أو محرابا ولو لغير مصر فان لم يجد من يقلده ولا محرابا يختر جهة من الجهات الأربع وصلى (٦) وفى مواهب الجليل.

стр. 5753

للأعمى العاجز أن يقلد فى الاتجاه الى القبلة شخصا مكلفا عارفا بأدلة القبلة، لأن الأعمى غير مجتهد (١). مذهب الشافعية: فى المجموع للنووى: قال أصحابنا: الأعمى يعتمد المحراب بمس اذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير، وكذا البصير فى الظلمة، وفيه وجه: أن الأعمى انما يعتمد محرابا رآه قبل العمى، ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر حتى يجد من يخبره، فان خاف فوت الوقت صلى على حسب حاله، وتجب الاعادة (٢). وفيه أيضا: لا يجتهد الأعمى فى القبلة (٣) وفى الاشباه والنظائر. لا يجتهد الأعمى فى القبلة، ولا خلاف فى أنه لا يجتهد فيها لأن غالب أدلتها بصرية (٤). مذهب الحنابلة: فى المغنى لابن قدامه: اذا صلى الأعمى فى حضر بلا دليل وأخطأ القبلة أعاد صلاته لأنه يقدر على الاستدلال بالخبر والمحاريب فان الأعمى اذا لمس المحراب وعلم أنه محراب وأنه متوجه اليه فهو كالبصير، وكذلك اذا علم أن باب المسجد الى الشمال أو غيرها من الجهات جاز له الاستدلال به، ومتى أخطأ فعليه الاعادة وحكم المقلد حكم الأعمى فى هذا. وان كان الأعمى أو المقلد مسافرا، ولم يجد من يخبره، ولا مجتهدا يقلده، فظاهر كلام الخرفى أنه يعيد سواء أصاب أو أخطأ لأنه صلى من غير دليل فلزمته الاعادة وان أصاب كان كالمجتهد اذا صلى من غير اجتهاد. وقال أبو بكر الخلال يصلى على حسب حاله. وفى الاعادة روايتان سواء أصاب أم أخطأ أحداهما يعيد لما ذكرنا والثانية لا اعادة عليه لأنه أتى بما أمر به فأشبه المجتهد، ولأنه عاجز عن غير ما أتى به، فسقط عنه كسائر العاجزين عن الاستقبال، ولأنه عادم للدليل فأشبه المجتهد فى الغيم والحبس. وقال ابن حامد. ان أخطأ أعاد. وان أصاب فعلى وجهين (٥). وجاء فى المغنى. أيضا اذا اختلف مجتهدان فى القبلة، ومعهما أعمى قلد أوثقهما فى نفسه وهو أعلمهما عنده وأصدقهما قولا، وأشدهما تحريا لأن الصواب اليه أقرب (٦). والمجتهد فى القبلة هو العالم بأدلتها، وان كان جاهلا بأحكام الشرع فان كل من علم أدلة شئ كان من المجتهدين فيه وأن جهل غيره، لأنه يتمكن من استقبالها بدليله فكان مجتهدا فيها كالفقيه ولو جهل الفقيه أدلتها أو كان أعمى فهو مقلد وان علم غيرها (٧).

стр. 5754

مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: أنه اذا كان الأعمى يقدر على معرفة جهة القبلة، وترك ذلك عامدا أو ناسيا بطلت صلاته، ويعيد ما كان فى الوقت ان كان عامدا، ويعيد أبدا ان كان ناسيا. واذا خفيت على الأعمى الدلائل - اذ لا دليل له - فانه يصلى الى أى جهة أمكنه (١). مذهب الزيدية: يجب على غير المعاين للكعبة، ومن فى حكمه، وهو الذى لا يتمكن من مشاهدة الكعبه بأن يكون أعمى .. التحرى لجهة الكعبة لا لعينها (٢). واذا صلى الأعمى الى جهة بقول غيره ثم رجع اليه بصره فى حال الصلاة فان حصل له العلم بصحة قوله أتمها. وان لم يحصل له واحتاج الى التحرى أعادها والمذهب أنه يتحرى ويبنى. واذا خالف المصلى جهة أمامه جاهلا كما فى ظلمة أو ما فى حكمها كالأعمى فانه يعيد فى الوقت لا بعده ان تيقن الخطأ (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية. من شروط الصلاة التوجه الى القبلة: وهى عين الكعبة للمشاهد لها أو من فى حكمه وهو من يقدر على التوجه الى عينها بغير مشقة كثيرة، وجهتها هى السمت الذى يحتمل كونها فيه، ويقطع بعدم خروجها عنه لأمارة شرعية لغير المشاهد ومن بحكمه كالأعمى (٤). مذهب الإباضية: من الخصال التى يسقط بها فرض القبلة أن يكون أعمى ولا يجد من يدله ويعرفه ثقة أو تكون ظلمة وهو بصير أو غابت عنه الدلالة أو كان فى موضع يجهل فيه الدلالة فيبقى مجتهدا، يجتهد ويصلى ويقلد الأعمى البصير، والجاهل العارف (٥). وان تحير فى القبلة فانه يجتهد ويصلى. وأما الأعمى ففرضه التقليد وأنه يقلد شخصا عالما بأدلة القبلة مسلما مكلفا وأن عدم من يقلده فليجتهد ويصلى الصلاة أربع مرات الى أربع جهات والله أعلم (٦). اجتهاد الأعمى فى أوقات الصلاة مذهب الشافعية: يلزم أن يجتهد الأعمى كالبصير - عند اشتباه وقت الصلاة - لأنه يشارك البصير فى العلامات التى يستدل بها كالدرس والأوراد والأعمال وشبهها، بخلاف القبلة. وانما يجتهد الأعمى كالبصير فى وقت الصلاة اذا لم يخبرهما ثقة بدخول الوقت عن مشاهدة فان أخبر عن مشاهدة بأن قال: رأيت الفجر طالعا، أو الشفق غاربا،

стр. 5755

لم يجز الاجتهاد ووجب العمل بخبره وكذا لو أخبر ثقة عن أخبار ثقة عن مشاهدة وجب قبوله فان أخبر عن اجتهاد جاز للأعمى تقليده لأن الأعمى يجوز له تقليد المجتهد. واذا وجب الاجتهاد فصلى بغير اجتهاد لزمه اعادة الصلاة وان صادف الوقت لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب (١). وجاء فى الأشباه والنظائر. لا خلاف فى أن الأعمى يجتهد فى أوقات الصلاة، لأن مدركها الأوراد والأذكار وشبهها وهو يشارك البصير فى ذلك (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى. أن الأعمى اذا شك فى دخول وقت الصلاة لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك. وان أخبره ثقة عن علم عمل به. وان أخبره عن اجتهاد لم يقلده، واجتهد لنفسه حتى يغلب على ظنه .. والبصير والأعمى والمطمور الموجود فى مكان مرتفع أو منخفض على ما فى اللسان القادر على التوصل الى الاستدلال سواء لاستوائهم فى امكان التقدير بمرور الزمان (٣). أذان الأعمى مذهب الحنفية: يجوز أذان الأعمى بلا كراهة، لأن قوله مقبول فى الأمور الدينية فيكون ملزما فيحصل به الاعلام (٤). مذهب المالكية: يجوز أذان الأعمى (٥). وفى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى: جاز أذان الأعمى ان كان تبعا لغيره فيه أى ان كان تابعا لغيره فى أذانه أو قلد فى دخول الوقت ثقة (٦). مذهب الشافعية: يكره أن يكون الأعمى مؤذنا راتبا الا مع البصير، كابن أم مكتوم مع بلال (٧). وفى الأشباه والنظائر: يكره كون الأعمى مؤذنا راتبا وحده. وهل يجوز اعتماد صوت المؤذن العارف فى الغيم والصحو؟ فيه أوجه. أصحها الجواز للبصير والأعمى. وثانيها: عدم الجواز لهما. وثالثها يجوز للأعمى دون البصير. ورابعها يجوز للأعمى مطلقا وللبصير فى الصحو دون الغيم، لأن فرض البصير الاجتهاد، والمؤذن فى الغيم مجتهد فلا يقلده من فرضه الاجتهاد، وصححه الرافعى (٨) وفى المجموع. يجوز للأعمى فى الصحو والغيم أن يعتمد أذان المؤذن الثقة العارف بالمواقيت (٩).

стр. 5756

مذهب الظاهرية: فى مذهب الظاهرية (١) ما يفيد جواز الأذان من الأعمى لأنهم استشهدوا بالحديث، اذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وابن أم مكتوم كان أعمى. مذهب الزيدية: فى نيل الأوطار للشوكانى أورد الحديث الذى يقول: فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ثم قال وفى الحديث دليل على جواز أذان الأعمى قال ابن عبد البر وذلك عند أهل العلم اذا كان معه مؤذن آخر يهديه للأوقات وقد نقل عن ابن مسعود وابن الزبير كراهة أذان الأعمى، وعن ابن عباس كراهة اقامته (٢). مذهب الإمامية: يستحب فى المؤذن أن يكون عدلا مبصرا بصيرا بأوقات الصلاة (٣). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب الايضاح كل من تصح منه الصلاة يصح منه الأذان الا المرأة (٤). الأعمى وصلاة الجماعة مذهب الحنفية: لا تجب الجماعة فى الصلاة على الأعمى ولو وجد قائدا (٥). مذهب الشافعية: ورد فى المجموع أن الصحيح فى مذهب الشافعية: أن صلاة الجماعة فرض على الكفاية (٦). ثم ذكر سقوط الجماعة بأعذار هى المطر والوحل والريح الشديدة فى الليلة المظلمة ولم يذكر العمى ضمن هذه الأعذار (٧). مذهب الظاهرية: فى المحلى لأبن حزم عن أبى هريرة قال: أتى النبى ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لى قائد يقودنى الى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلى فى بيته فرخص له فلما ولى دعاه وقال له هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال رسول الله ﷺ فأجب. ويفهم من هذا ان الأعمى مأمور باجابة النداء (٨). مذهب الزيدية: فى نيل الأوطار: ذكر الشوكانى حديثا رواه مسلم والنسائى وفيه أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لى قائد يقودنى الى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلى فى بيته فرخص له فلما ولى، دعاه فقال هل تسمع النداء قال: نعم. قال فأجب (٩). ثم ذكر حديثا آخر رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وفيه عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت يا رسول الله أنا ضرير شاسع الدار، ولى قائد لا يلائمنى (أى لا يوافقنى) فهل تجد لى رخصة أن أصلى فى بيتى؟ قال: أتسمع

стр. 5757

النداء؟ قلت نعم. قال: ما أجد لك رخصة. ثم قال الشوكانى: أن الترخيص فى أول الأمر اجتهاد منه ﷺ والأمر بالاجابة لوحى من الله. وقيل: الترخيص مطلق مقيد بعدم سماع الندا. وقيل أن الترخيص باعتبار العذر، والأمر للندب فكأنه قال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب. ثم ذكر أن حضور الجماعة يسقط بالعذر باجماع المسلمين. ومن جملة العذر العمى اذا لم يجد قائدا لحديث ابن عباس رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطنى أن النبى ﷺ قال: من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له الا من عذر (١). مذهب الإباضية: فى الايضاح: روى حديث ابن أم مكتوب السابق الذى جاء فيه قوله: هل تسمع النداء: قال نعم قال فأجب وهذا يدل على وجوب الاستجابة على من سمع النداء. ولكن الشماخى علق بعد ذلك بقوله: ويؤيد هذا القول ما روى أنه ﷺ قال: من سمع النداء فليجب، ومن لم يجب فلا صلاة له الا من عذر قيل وما العذر يا رسول الله قال: خوف أو مرض فهذا عندى فى زمان الناس فيه كلهم صالحون والمسلمون هم الغالبون للناس والحاكمون عليهم يأمرون بالمعروف علانية وينهون عن المنكر علانية لا يخافون فى الله لومة لائم فعند ذلك ينبغى للمسلم لا يعتزل المسلمين ولا يغيب عن جماعتهم، لأن المسلمين يومئذ كلمتهم مجتمعة ودينهم واحد، وان كان فيهم من لا يخاف الله فهو مقهور ذليل (٢). امامة الأعمى مذهب الحنفية: جاء فى حاشية ابن عابدين: تكره امامة الأعمى الا أن يكون اعلم القوم (٣). وجاء فى شرح فتح القدير: وجاء فى شرح فتح القدير يكره تقديم الأعمى فى الامامة لأنه لا يتوقى النجاسة (٤). مذهب المالكية: فى حاشية الدسوقى: جاز بمرجوحية اقتداء بأعمى اذ امامة البصير المساوى فى الفضل للأعمى أفضل لأنه أشد تحفظا من النجاسات، وهذا هو المعتمد. وقيل أن امامة الأعمى المساوى فى الفضل للبصير أفضل لأنه أخشع لبعده عن الاشتغال. وقيل انهما سيان (٥). وعبارة الشرح الصغير على أقرب المسالك: وجائز بمعنى - خلاف الأولى - امامة أعمى. ثم ذكر القول الآخر ثم قال: والمعول عليه الأول (٦). وجاء فى مواهب الجليل:

стр. 5758

ما نصه: وجائز أذان الأعمى وامامته وكان الامام مالك لا يرى بأسا فى اتخاذ الأعمى اماما راتبا لأن حاسة البصر لا تعلق لها بشئ من فرائض الصلاة ولا سنتها ولا فضائلها (١). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: وان اجتمع بصير وأعمى فالمنصوص أنهما سواء لأن فى الأعمى فضيلة، وهى أنه لا يرى ما يلهيه وفى البصير فضيلة وهى أنه يجتنب النجاسة. وقال أبو اسحاق المروزى: الأعمى أولى وعندى أن البصير أولى لأنه يجتنب النجاسة التى تفسد الصلاة والأعمى يترك النظر الى ما يلهيه ويفسد الصلاة به. ثم ذكر النووى فى شرحه لعبارة المهذب. ان المسألة فيها ثلاثة أوجه: الأول ان الأعمى أولى. والثانى أن البصير أولى. والثالث أنهما سواء. ثم قال: أن الصحيح أن البصير والأعمى سواء كما نص عليه الشافعى وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون، واتفقوا على انه لا كراهة فى امامة الأعمى للبصراء (٢). وجاء فى كتاب الأم. روى الأمام الشافعى أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى وقال وسمعت عددا من أهل العلم يذكرون أأن رسول الله ﷺ كان يستخلف ابن أم مكتوم وهو أعمى فيصلى فى عدد غزوات له وقال: «وأحب امامة الأعمى والأعمى اذا سدد الى القبلة كان أحرى ألا يلهو بشئ تراه عيناه ومن أم - صحيحا كان أو أعمى - فأقام الصلوات أجزأت صلاته. ولا أختار امامة الأعمى على الصحيح لأن أكثر من جعله رسول الله ﷺ اماما بصير، ولا امامة الصحيح على الأعمى لأن رسول الله ﷺ كان يجد عددا من الأصحاء يأمرهم بالامامة أكثر من عدد من أمر بها من العمى (٣). وجاء فى الأشباه والنظائر. أن امامة الأعمى فيها أوجه قيل: البصير أولى لأنه أشد تحفظا من النجاسات. وقيل الأعمى أولى لأنه أخشع والأصح أنهما سواء (٤). مذهب الحنابلة: فى المغنى: امامة الأعمى جائزة ولا نعلم فى صحة امامته خلافا، الا ما حكى عن أنس والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤم وهو أعمى وكذلك عتبان بن مالك وقتادة وجابر واستخلف النبى ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى ولأن العمى فقد حاسة لا يخل بشئ من أفعال الصلاة، ولا بشروطها فأشبه فقد الشم. وقال أبو الخطاب: والبصير أولى من الأعمى لأنه يستقبل القبلة بعلمه ويتوقى النجاسات ببصره. وقال القاضى: هما سواء لأن الأعمى أخشع، لأنه لا يشتغل فى الصلاة بالنظر الى ما يلهيه، فيكون ذلك فى مقابلة فضيلة البصر عليه، فيتساويان. والأول أصح لأن البصير لو أغمض عينه كان مكروها، ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحيا لأنه يحصل بتغميضه ما يحصاه الأعمى ولأن البصير اذا غض بصره مع امكان النظر كان له الأجر فيه، لأنه

стр. 5759

يترك المكروه مع امكانه اختيارا والأعمى يتركه اضطرارا فكان أدنى حالا وأقل فضيلة (١). مذهب الظاهرية: فى كتاب المحلى: الأعمى والبصير والخصى والفحل والعبد والحر، وولد الزنى والقرشى سواء فى الامامة فى الصلاة كلهم جائز أن يكون اماما راتبا، ولا تفاضل بينهم الا بالقراءة والفقه وقدم الخير والسن فقط (٢). وفيه عن سفيان الثورى عن حماد بن أبى سليمان قال: سألت ابراهيم عن ولد الزنى والأعرابى والعبد والأعمى، هل يؤمون؟ قال نعم اذا أقاموا الصلاة (٣). مذهب الزيدية: ذكر الشوكانى جواز امامة الأعمى وساق حديث أنس الذى رواه أحمد وأبو داود وفيه أن النبى ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلى بهم وهو أعمى ثم حديث عتبان بن مالك الذى رواه البخارى والنسائى وفيه أنه كان يؤم قومه وهو أعمى وساق خبر عبد الله بن عمر الخطمى، وفيه أنه كان يؤم قومه بنى خطمة وهو أعمى على عهد رسول الله ﷺ (٤). مذهب الإمامية: فى الروضة البهية: وتكره امامة الأبرص والأجذم والأعمى بغيرهم ممن لا يتصف بصفتهم للنهى عنه المحمول على الكراهية جمعا بين الدليلين (٥). مذهب الإباضية: فى شرح النيل: أن البصير فى الامامة أولى من الأعمى فيها. وجاء فيه: ندب كون الامام أقرأ القوم للكتاب وأعلمهم بالسنة وأورعهم وأكبرهم سنا وأقدمهم اسلاما فان استووا اختاروا فالمقيم والمتأهل والبصير والمرتدى والمغتسل أولى من مقابلاتها. ومنع أبو عبد الله امامة الأعشى ليلا بمن ليس مثله (٦). الأعمى وفريضة الجمعة مذهب الحنفية: فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين: يشترط لوجوب الجمعة وجود بصر، فتجب على الأعور وكذلك ضعيف البصر فيما يظهر. وأما الأعمى فلا تجب عليه الجمعة، وان قدر على قائد متبرع أو بأجرة، وعندهما ان قدر على ذلك تجب وتوقف فى البحر: فيما لو أقيمت وهو حاضر فى المسجد. وأجاب بعض العلماء: بأنه ان كان متطهرا فالظاهر الوجوب لأن العلة الحرج: وهو منتف. واستظهر ابن عابدين وجوب الجمعة على بعض العميان وهو الأعمى الذى يمشى فى الأسواق ويعرف الطريق بلا قائد. ولا كلفة ويعرف أى مسجد أراده بلا سؤال أحد، لأنه حينئذ كالمريض

стр. 5760

القادر على الخروج بنفسه بل ربما تلحقه مشقة أكثر من هذا (١). مذهب المالكية: العمى لا يكون عذرا يبيح التخلف عن الجمعة والجماعة، اذا كان من قام به العمى ممن يهتدى للجامع بلا قائد أو كان عنده من يقوده اليه فلو وجد قائدا بأجرة وجبت عليه الجمعة حيث كانت تلك الأجرة أجرة المثل وكانت لا تحجف به (٢). وفى الشرح الصغير (٣): من الأعذار المسقطة لوجوب الجمعة عدم وجود قائد لأعمى ان كان لا يهتدى بنفسه والا وجب عليه السعى أى حيث اهتدى بنفسه أو وجد قائدا ولو بأجرة حيث لم تزد على أجرة المثل وكانت لا تجحف به. مذهب الشافعية: فى المجموع اذا حضر الأعمى الذى لا يجد قائدا صلاة الجمعة لزمته ولا خلاف لزوال المشقة (٤). والأعمى ان وجد قائدا متبرعا أو بأجرة المثل وهو او اجدها لزمته الجمعة لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد، ولا يخافه مع القائد هكذا بالاطلاق (٥). وقال القاضى حسين والمتولى تلزمه ان أحسن المشى بالعصى بلا قائد. فى المجموع أيضا: لا جمعة فى الأعمى اذا لم يجد قائدا (٦). مذهب الحنابلة: لا تجب الجمعة على الأعمى الا اذا وجد قائدا أو ما يقوم مقام القائد، كمد الحبل من منزله الى مكان الصلاة أما اذا لم يجد ذلك فلا تجب وان أمكنه الوصول الى المسجد دون مشقة (٧). مذهب الزيدية: ذكر الشوكانى فى نيل الأوطار: أن رسول الله ﷺ قال: الجمعة على من سمع النداء، وأن ابن أم مكتوم أراد أن يرخص له الرسول ﷺ فى ترك الجماعة وهو أعمى فقال له: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. فقال النبى ﷺ فأجب. ثم قال الشوكانى فاذا كان هذا فى مطلق الجماعة فالقول به فى خصوصية الجمعة أولى (٨). مذهب الإمامية: يجب فى صلاة الجمعة السلامة من العمى (٩). وفى المختصر النافع اشترط الشيعة الإمامية لوجوب الجمعة أن يكون الانسان سليما من العمى (١٠). مذهب الإباضية: لا تجب الجمعة على الأعمى، وقيل: ان لم يوجد قائد (١١).

стр. 5761

الأعمى والحج مذهب الحنفية: لا حج على الأعمى وان وجد قائدا (١). مذهب المالكية: يجب الحج على القادر على المشى كأعمى زجل له قائد، ولو بأجرة وله مال يوصله والا فلا يجب عليه. ولا يجب الحج على المرأة العمياء ولو قدرت على المشى مع قائد، بل يكره ذلك لها (٢). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: ان كان الشخص أعمى لم يجب عليه الحج فان وجد له زاد وراحلة ومن يقوده ويهديه عند النزول، ويركبه وينزله، وقدر على الثبوت على الراحلة بلا مشقة شديدة لزمه الحج، لأن الأعمى من غير قائد كالزمن (صاحب العاهة والمرض) ومع القائد كالبصير. ولا يجوز للأعمى عند توافر ما سبق له الاستئجار للحج عنه. وقال الرافعى: القائد فى حق الأعمى كالمحرم فى حق المرأة يعنى فيكون فى وجوب استئجاره وجهان أصحهما الوجوب وهو مقتضى كلام الجمهور (٣). مذهب الحنابلة: من شروط وجوب الحج وجود القائد للأعمى فان لم يجد قائدا فلا يجب عليه الحج بنفسه ولا بغيره. مذهب الظاهرية: فى المحلى: يقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٥) فكان هذا عموما لكل استطاعة بمال أو جسم فلا يخص من ذلك مقعد ولا أعمى ولا أعرج اذا كانوا مسطيعين الركوب ومعهم سعة، وليس هذا من الحرج الذى أسقطه الله عنهم، لأنه لا حرج فيه عليهم وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ٦﴾، انما نزلت فى الجهاد وهو الذى يحتاج فيه الى الشد والتحفظ والجرى وكل هذا حرج طاهر على الأعرج والأعمى. وأما الحج فليس فيه شئ من ذلك أصلا (٧). مذهب الزيدية: لا يجب الحج على الأعمى الا اذا وجد أجرة القائد فان وجدها وجب عليه الحج. قالوا: وقائد الأعمى وخادمه شرط فى الوجوب لأن الأعمى يتعذر عليه الحج من دون قائد (٨). مذهب الإباضية: الأعمى يلزمه الحج اذا استطاعه ووجد من يقوده أو يقود دابته، من ولد له، أو لغيره ولو بأجرة يقوم بها ماله. وقيل لا يلزمه (٩).

стр. 5762

الأعمى والبيع مذهب الحنفية: بيع الأعمى وشراؤه جائز وله الخيار اذا اشترى ولا خيار رؤية له فيما باعه، وتقليبه وجسه بمنزلة النظر من الصحيح فيما يجس، وفى المشموم يعتبر الشم، وفى المذوق يعتبر الذوق، ولا يشترط بيان الوصف فان كان ثوبا فلا بد من صفة طوله وعرضه ورقته مع الجس، وفى الحنطة لا بد من اللمس والصفة. ولو اشترى ثمارا على رءوس الأشجار فانه يعتبر فيه الوصف لا غير. ولا يسقط خياره فى العقار حتى يوصف له وكذا الدابة والعبد والأشجار وجميع ما لا يعرف بالجس والشم والذوق وان وجد هذه الأسباب قبل العقد فلا خيار. ولو وصف له ثم رضى به ثم أبصر لا يعود الخيار. ولو اشترى البصير ثم عمى انتقل الخيار الى الوصف. ولو قال الأعمى قبل الوصف: رضيت، لم يسقط خياره (١). وفى حاشية ابن عابدين: لا بد فى الوصف للأعمى من كون المبيع على ما وصف له ليكون فى حقه بمنزلة الرؤية فى حق البصير. والخيار ثابت للأعمى لجهله بصفات المبيع، فاذا زال ذلك بأى وجه كان يسقط خياره ليسقط خياره يجس المبيع وشمه وذوقه فيما يعرف بذلك ووصف عقاره وشجر وعبد، وكذا كل ما لا يعرف يجس وشم وذوق، أو بنظر وكيله ولو أبصر بعد ذلك فلا خيار له. اذا اشترى الأعمى قبل أن يوجد منه الجس ونحوه، لا يسقط خياره بوجوده بل يثبت باتفاق الروايات ويمتد الى أن يوجد منه ما يدل على الرضا من قول أو فعل. ولو اشترى البصير ثم عمى انتقل الخيار الى الوصف. وفى حاشيه ابن عابدين أيضا: أنه يصح عقد الأعمى ولو لغيره كأن يكون وصيا أو وكيلا (٢). وفى بدائع الصنائع للكسانى: ما يفيد أن شراء الأعمى وبيعه جائز عندهم وأن له خيار الشرط أيضا فقد روى عن عمر أن النبى ﷺ قال لحبان بن منقذ: اذا بايعت فقل: لا خلابة ولى الشرط ثلاثة أيام وكان حبان ضريرا. والاجماع منعقد على جواز بيع الأعمى وشرائه فان العميان فى كل زمان من لدن رسول الله ﷺ لم يمنعوا من بياعاتهم وأشريتهم، بل بايعوا فى سائر الأعصار من غير انكار واذا جاز شراؤه وبيعه فله الخيار فيما اشترى ولا خيار رؤية له فيما باع فى أصح الروايتين كالبصير (٣). مذهب المالكية: جاز البيع والشراء من الأعمى سواء ولد أعمى أم طرأ عليه العمى فى صغره أو كبره، ويعتمد فى ذلك على أوصاف المبيع هذا اذا كان المبيع غير جزاف (٤) لأن الجزاف تعتبر فيه الرؤية فتذكر له الأوصاف ليعتمد عليها فى البيع والشراء.

стр. 5763

وهذا فيما لا يمكن فيه معرفته للمبيع بغير وصف وأما ما يمكن معرفته للمبيع بدون وصف فيجوز شراؤه، وان لم يوصف له المبيع كالسمن فى الشاة وكالأدهان والمشمومات، لأنه يدركها باللمس والذوق والشم. وانما يجوز البيع من الأعمى اذا كان المبيع غير جزاف لأن الجزاف تعتبر فيه الرؤية (١). مذهب الشافعية: فى المجموع للنووى: يقاس بيع الأعمى على بيع ما لم يره البصير: أيصح أم لا يصح؟ قالوا اذا لم يجوز بيع الغائب وشراءه لم يصح بيع الأعمى ولا شراؤه. واذا جوزناه فوجهان: أصحهما لا يجوز أيضا، لأنه لا طريق له الى رؤيته، فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار. والثانى يجوز فيقام وصف غيره له مقام رؤيته. فان صححناه قال المتولى وغيره: يثبت له الخيار عند وصف السلعة له ويكون الوصف بعد العقد كرؤية البصير (٢). ثم جاء فى المجموع: لا يصح بيع الأعمى وشراؤه واجارته ورهنه وهبته ومساقاته ونحوها من المعاملات. على المذهب الصحيح (٣). وجاء مثل ذلك فى الأشباه والنظائر وأضاف أنه لا يصح قبضه ما ورث أو وهب له أو اشتراه سلما، أو قبل العمى، أو دينه. نعم يصح أن يشترى نفسه أو يؤجرها، لأنه لا يجهلها، أو يشترى ما رآه قبل العمى ولم يتغير (٤). ويجوز للعبد أن يقبل الكتابة على نفسه لعلمه بنفسه (٥). واذا أسلم (٦) الأعمى فى شئ أو أسلم اليه فان كان عمى بعد بلوغه سن التمييز صح السلم بلا خلاف لأنه يعرف الأوصاف ثم يوكل من يقبض عنه ولا يصح قبضه لنفسه على أصح الوجهين، لأنه لا تمييز بين المستحق وغيره. فان خلق أعمى، أو عمى قبل التمييز فوجهان أحدهما لا يصح وهو الأصح عند المتولى وأصحها عند العراقيين والجمهور من غيرهم الصحة وهو المنصوص أو ظاهر النص لأنه يعرف بالسماع، فعلى هذا انما يصح اذا كان رأس المال موصوفا وعين فى المجلس فان كان معينا فى العقد فهو كبيعه العين والمذهب بطلانه (٧). واذ ملك الأعمى شيئا بالسلم أو الشراء - حيث صححناه لم يصح قبضه ذلك بنفسه بل يوكل بصيرا يقبض له بتلك الأوصاف فلو قبضه الأعمى لم يعتد به. قال المتولى: ولو اشترى البصير شيئا ثم عمى قبل قبضه وقلنا لا يصح شراء الأعمى فهل ينفسخ هذا البيع؟ فيه وجهان كما اذا اشترى الكافر كافرا فأسلم العبد قبل القبض. الأصح لا يبطل (٨). وفى مكاتبة الأعمى وجهان حكاهما المتولى وآخرون أصحهما جوازه وصححه المتولى تغليبا للعتق والثانى لا يجوز وبه قطع البغوى (٩). وكل ما لا يصح من الأعمى من التصرفات فطريقه أن يوكل وتحتمل صحة وكالته للضرورة (١٠). مذهب الظاهرية: بيع الأعمى وابتياعه بالصفة جائز كالصحيح ولا فرق لأنه لم يأت قرآن ولا سنة بالفرق بين شئ وشئ من ذلك.

стр. 5764

وأحل الله البيع فدخل فى ذلك الأعمى والبصير (١). مذهب الزيدية: البيع والشراء يصحان من الأعمى سواء أكان العمى طارئا بعد معرفة المبيع أم كان أصليا فلو عاد اليه نظره فلا خيار له فى الضياع وغيرها، لأن الوصف قائم مقام الرؤية. وقيل يصح شراء الأعمى وبيعه اذا كان العمى طارئا لا أصليا (٢). مذهب الإمامية: فى الروضة البهية يقول العاملى عن الشئ المبيع الذى يراد طعمه كالدبس (عسل التمر وعسل النحل) وريحه كالمسك. فان خرج معيبا تخير المشترى بين الرد والأرش ان لم يتصرف فيه تصرفا زائدا على اختياره، ويتعين الأرش لو تصرف فيه كما فى غيره من أنواع المبيع، وان كان المشترى المتصرف أعمى، لتأول الأدلة له (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: بيع الأعمى وشراؤه الشئ الذى يتوقف على نظر ولا يتغير فى عينه ولونه وعرفه قبل العمى: قيل صحيح ولو لم يحضر، وقيل فاسد ولو حضر وكان لا يتغير لأن حضوره كعدم حضوره ولو لمسه. لأنه لا يراه وهو قول من لا يجيز بيع الغائب ولو عرف قبل وان كان بين رؤيته وعماه قدر ما يتغير فيه لم يجز وهو اختيار ظاهر الديوان. وقيل يجوز بيعه أيضا ما لم يتغير ان عرفه قبل العمى ولم تمضى عليه مدة التغير. وقيل يجوز ان وصف له أو قيل له هو باق على ما عرفته قبل فيكون فيه ما فى البصير. وأما ما لا يتوقف على نظر كبيع الماء باليوم والليلة أو بتسمية كربع يوم - فجائز على الصحيح. وقيل لا يصح بيع الأعمى، وعرف قبل أم لا، أصلا أو عرضا، يتغير أم لا، يتوقف على نظر أم لا. وقيل اذا باع ما يتوقف عليه ولم يره قبل العمى وكان نفعا له ولم ينقضه جاز. وقيل لا وهو حرام وان نقض ما لا يبصر جاز نقضه لمن شاء. وان مات ولم يرجع وارثه قال بعض: وكذا ان مات المشترى. وقيل: يجوز بيعه ما خف ولو لم يبصره. والشراء كالبيع فى الخلاف. وجاز بيعه وبيع المريض مال غيرهما ان علمه الأعمى أو ووصف له على ما مر أو علمه صاحبه فباعه الأعمى بلا علم والشراء كالبيع. وينبغى للأعمى أن يوكل من يبيع له أو يشترى ممن علم ويرى (٤).

стр. 5765

أثر العمى فى الخلوة مذهب الحنفية: لا تتم الخلوة مع وجود الأعمى ثالثا للزوجين لأن الأعمى يحس (١). وفى الاختيار: لا ينعقد الخلوة الصحيحة بين الزوج والزوجة اذا كان معهما رجل مكفوف البصر (٢). مذهب الحنابلة: اذا تزوج المكفوف المرأة فأدخلت عليه فأرخى الستر وأغلق الباب، فان كان لا يعلم بدخولها عليه فلها نصف الصداق. واذا نشزت عليه أو كانت كبيرة ومنعته نفسها لا يكمل صداقها لأنه لم يوجد التمكين من جهتها فأشبه ما لو لم يخل بها (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: لا تمنع الزوجة نفسها عن زوجها عند حضور الأعمى فى بعض الأحوال، وفى حكم العمى الظلمة مع عدم ملاصقة الحاضر للخاليين، ما لم يفطن الأعمى تفصيل ما هما فيه (٤). أثر العمى فى الشهادة مذهب الحنفية: فى حاشية ابن عابدين لا يصلح الأعمى لتحمل الشهادة ولا لأدائها لأن من شرائط تحمل الشهادة وأدائها البصر (٥). وجاء فى تكملة الحاشية المذكورة: لا يصح تحمل الشهادة من الأعمى لأنه يشترط فيها البصر (٦). ثم جاء فى حاشية ابن عابدين: لا تقبل الشهادة من أعمى، أى لا يقضى بها مطلقا وهو يعم ما لو عمى بعد الأداء قبل القضاء وما تجوز الشهادة فيه بالتسامح خلافا لأبى يوسف الذى أجاز شهادة الأعمى فيما تجوز فيه الشهادة بالتسامع، لو عمى بعد التحمل، وفى رواية لزفر عن أبى حنيفة يقضى بشهادة الأعمى فيما تجوز الشهادة فيه بالسامع لأن الحاجة فيه الى السماع، ولا خلل فيه (٧). وجاء فى تكملة الحاشية المذكورة: لا يقبل القاضى شهادة من أعمى - أى لا يقضى بها - فى شئ من الحقوق دينا أو عينا، منقولا، أو عقارا، والعلة فيه أن الأداء يفتقر الى التمييز بالاشارة بين المشهود له والمشهود عليه ولا يميز الأعمى الا بالنغمة (الصوت) فيخشى عليه التلقين من الخصم اذ النغمة تشبه النغمة، ولو قضى القاضى بها صح قضاؤه (٨). وجاء فى حاشية ابن عابدين: اشترط الحنفية وجود شاهدين فى عقد الزواج ولو كان

стр. 5766

الشاهدان أعميين. وهذا يفيد جواز شهادة الأعمى فى عقد النكاح كما يجوز فى عقد النكاح شهادة ابنى الزوجين وان لم يثبت النكاح بهما (١). مذهب المالكية: فى حاشية الدسوقى: ان كان الشاهد أعمى تقبل شهادته فى الأقوال مطلقا، سواء تحملها قبل العمى أم لا، لضبطه الأقوال بسمعه. وتجوز شهادته فيما عدا المرئيات من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات، حيث ان هذه الأشياء يستوى فيها الأعمى وغيره. ولا تقبل شهادة الأعمى الأصم (٢). وجاء فى كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبى عن تفسير قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ٣» ما نصه: قوله «من رجالكم: دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة لكن اذا علم يقينا، مثل ما روى عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة فقال: ترى هذه الشمس فأشهد على مثلها، أو دع. وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذى يجوز أن يخطئ. وقال أيضا مذهب مالك فى شهادة الأعمى على الصوت جائزة فى الطلاق وغيره، اذا عرف الصوت قال ابن قاسم: قلت لمالك: فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت؟ قال: قال مالك: شهادته جائزة (٤). مذهب الشافعية: لا تقبل شهادة الأعمى الا فيما تحمله قبل العمى أو بالاستفاضة أو على من تعلق به (٥). وفى الأشباه والنظائر لا تقبل شهادة الأعمى الا فى أربع مسائل: الترجمة والنسب وما تحمل وهو بصير واذا أقر فى أذنه رجل فتعلق به حتى شهد عليه عند الحاكم. وفى قبول شهادته الاستفاضة وجهان: الأصح نعم، اذا كان المشهود به وله وعليه معروفين لا يحتاج واحد منهم الى الاشارة (٦). مذهب الحنابلة: جاء فى كتاب المغنى تجوز شهادة الأعمى اذا تيقن الصوت لقوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» وسائر الآيات فى الشهادة ولأنه رجل عدل مقبول الرواية فقبلت شهادة كالبصير وفارق الصبى فانه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية ولأن السمع أحد الحواس التى يحصل بها اليقين، وقد يكون المشهود عليه من ألفه الأعمى وكثرت صحبته له، وعرف صوته يقينا، فيجب أن تقبل فيما يتقنه كالبصير ولا سبيل الى انكار حصول اليقين فى بعض الأحوال .. والأقوال مدركها السمع والأعمى يشارك البصير فى السمع وربما زاد عليه. فان تحمل الشهادة على فعل ثم عمى جاز أن يشهد به، اذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه لأن العمى فقد حاسة لا تخل بالتكليف، فلم يمنع قبول الشهادة. فان لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه لكن يتبين صوته لكثرة ألفه له صح أن يشهد به أيضا. وان شهد عند الحاكم ثم عمى قبل الحكم بشهادته جاز الحكم بها لأن العمى طرأ

стр. 5767

بعد أداء الشهادة وهو معنى لا يورث تهمة فى حالة الشهادة، فلم يمنع قبولها كالموت (١). واذا كان الشهود على الزنى عميانا، أو بعضهم جلدوا فلا تقبل شهادتهم، لأن العميان معلوم كذبهم، لأنهم شهدوا بما لم يروه يقينا والأعمى ليس من أهل الشهادة على الأفعال (٢). مذهب الظاهرية: شهادة الأعمى مقبولة كالصحيح .. ولا يجوز لمبصر ولا أعمى ان يشهد الا بما يوقن ولا يشك فيه ولو لم يقطع الأعمى بصحة اليقين على من يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته، اذ لعلها أجنبية، ولا يعطى أحدا دينا عليه اذ لعله غيره، ولا أن يبيع من أحد ولا أن يشترى، وقد قبل الناس كلام أمهات المؤمنين من خلف الحجاب. وقد أمر الله تعالى بقبول البينة ولم يشترط أعمى من مبصر. وما كان ربك نسيا (٣). مذهب الزيدية: لا تصح شهادة من أعمى فيما يفتقر فيه الى تجديد الرؤية عند الأداء وتحصيل المذهب ان ما شهد به الأعمى لا يخلو أما أن يكون مما يحتاج الى المعاينة عند أداء الشهادة أولا فالأول لا تقبل شهادته فيه كتوب أو عبد. قيل ألا أن يكون الثوب أو العبد فى يده باذنهما معا على وجه الأمانة من قبل ذهاب بصره. وأما الثانى فان كان مما يثبت بطريق الاستفاضة كالنكاح والنسب والوقف والولاء والموت، فانها تقبل شهادته فيه بكل حال، سواء أثبته قبل ذهاب البصر أم بعده وان كان مما لا يثبت بطريق الاستفاضة فان كان قد أثبته يعنى تحمل الشهادة - بعد ذهاب بصره، فانها لا تقبل شهادته فيه. قيل: وهذا مبنى على أن الشهادة على الصوت لا تصح فلو قلنا بصحتها مع العلم قبلت. والصحيح أن الأعمى اذا عرف الصوت وأفاد العلم قبلت شهادته والا لم تقبل. وعند البعض تقبل شهادة الأعمى فى العقود ان حصل علم، والاقرار اذا عرف الصوت. واذا صاح رجل فى أذن الأعمى بالاقرار بشئ للغير، فضمه وتعلق به حتى أوصله الى الحاكم وشهد عليه باقراره، ففى قبول شهادته وجهان: تقبل وهو الأصح لحصول اليقين. ولا تقبل حسما لهذا الباب لأنه يعسر ضبط درجات التعلق (٤). وفى شرح الأزهار أيضا: لو كان الشاهدان - فى عقد النكاح - أعميين فان شهادتهما تكفى ولو لم يصح الحكم بها (٥) أى أن النكاح يصح بشهادتهما ولو لم يصح الحكم بشهادتهما لأنهما لا يعرفان الصوت. مذهب الإمامية: الأعمى تقبل شهادته فى العقد قطعا لتحقق الآله الكافية فى فهمه فان انضم الى شهادته معرفان جاز له الشهادة على العاقد مستندا الى تعريفهما كما يشهد المبصر على تعريف غيره ولو لم يحصل ذلك وعرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه. قيل: لا يقبل لأن الأصوات تتماثل والوجه أنها تقبل فان الاحتمال يندفع باليقين لانا نتكلم على تقديره.

стр. 5768

وبالجملة فان الأعمى تصح شهادته متحملا ومؤديا عن علمه وعن الاستفاضة فيما يشهد به بالاستفاضة. ولو تحمل شهادة وهو مبصر ثم عمى فان عرف نسب المشهور أقام الشهادة فان شهد على القين وعرف الصوت يقينا جاز أيضا. أما شهادته على المقبوض فماضية قطعا وتقبل شهادته اذا تزاحم للحاكم عبارة حاضر عنده (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: لا يشترط فى الشاهد أن يكون سميعا بصيرا، بالنسبة الى كل ما يشهد فيه بل أن توقف ما يشهد فيه على السمع أو البصر اشترط ذلك والا فيشهد الأعمى فى الأقوال والأصم فى الأفعال. وقد قيل بجواز شهادة الأعمى فى كل ما يعقل فيه صوت المتكلم ويميزه عن غيره لو جاء فى جملة ناس عرفه بكلامه. وفى الديوان وشهادة الأعمى جائزة فيما يدرك علمه بالصفة علمه قبل ذهاب بصره أو بعد ذهابه، مثل النكاح والطلاق والعتق والنسب والاقرار فى الأنفس وما دونها، والاقرار فى الأموال بالمعاملات. والتعديات. وقيل: شهادة الأعمى جائزة فيما علمه قبل ذهاب بصره. وأما ما علم بعد ذهاب بصره فلا تجوز شهادته فيه. وأما الصحيح البصر ان استشهد بالليل فانه يشهد بما تبين له من ذلك، لا بما لم يتبين. وفى الأثر: وجازت يعنى الشهادة فيما يستدل عليه بالخبر المشهور كالموت والنسب والنكاح مما لا شك فيه اذا كان فى أهل بيت نشأ فيه حتى كان كأحدهم ولم يتهم واذا شهد وهو يبصر وأداها عند الحاكم وهو أعمى جازت. وقيدها أبو الحوارى بما اذا شهد بأرض أو نخلة ووصفها بحدودها بعد أن يشهد عدلان أنها التى شهد بها الأعمى. وجوزت فى النسب اذا شهد أن فلانا ابن فلان، لا ان قال: هذا فلان ابن فلان، ولا على زنى أو سرقة ونحوها من الحدود ولو قال أنه شهد بها قبل أن عمى. وتجوز الشهادة على شهادة الأعمى والمعتوه اذا شهدا فى صحتهما. وجازت من أعمى فى رضاع ونكاح ومراجعة (٢). حكم ذبح الأعمى وصيده مذهب الحنفية: فى حاشية ابن عابدين ينبغى أن يكره ذبح الأعمى (٣). مذهب الشافعية: فى المجموع للنووى يكره ذكاة الأعمى لأنه ربما أخطأ المذبح فان ذبح حل لأنه لم يفقد فيه الا النظر وذلك لا يوجب التحريم (٤). وفيه أيضا: تكره ذكاة الأعمى كراهة تنزيه بلا خلاف، ولا يحل صيده بارساله كلبا أو سهما فى أصح الوجهين (٥).

стр. 5769

وفى المجموع: أيضا تحل ذكاة الأعمى بلا خلاف، ولكن تكره كراهة تنزيه. وفى حل صيده بالكلب والرمى وجهان مشهوران فى كتب الخراسانيين أصحهما التحريم لأنه لا يرى الصيد، فلا يصح أرساله. والثانى يحل كذكاته وقطع بكل واحد من الوجهين طائفة وممن قطع بالتحريم صاحب الشامل وصححه الرافعى فى كتابيه. وقال امام الحرمين عندى أن الوجهين مخصوصان بما اذا أدرك حسن الصيد، وبنى أرساله عليه. وقال الرافعى: الأشبه أن الخلاف مخصوص بما اذا أخبره بصير بالصيد، فأرسل الكلب أو السهم، وكذا صورهما البغوى، وأطلق كثيرون الوجهين (١). وقال السيوطى فى الأشباه والنظائر: ويحرم صيد الأعمى برمى أو كلب فى الأصح (٢). مذهب الزيدية: فى الروض النضير: تجزئ ذبيحة الأعمى (٣). مذهب الإمامية: ان تصور فى الأعمى قصد الصيد حل صيده، والا فلا (٤). مذهب الإباضية: يجوز ذبح الأعمى ونحوه ان أحسن الذبح والنحر (٥). وتصح ذكاة الموحد العاقل وان كان أعمى. وقيل لا يجوز ذبح الأعمى (٦). حكم الأعمى فى الولاية العامة والقضاء مذهب الحنفية: وفى بدائع الصنائع: الصلاحية للقضاء لها شرائط منها العقل ومنها البلوغ ومنها الاسلام ومنها الحرية ومنها البصر ومنها النطق ومنها السلامة عن حد القذف، فلا يجوز تقليد المجنون والصبى والكافر والعبد والأعمى والأخرس والمحدود فى القذف، لأن القضاء من باب الولاية، بل هو أعظم الولايات وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات وهى الشهادة، فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى (٧). وفى الدار المختار ولو فسق القاضى أو ارتد أو عمى ثم صلح أو أبصر فهو على قضائه، وما قضى فى نسقه ونحوه باطل (٨). مذهب المالكية: فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى: ما يفيد أنه يجب أن يكون الحاكم ذا بصر وكلام وسمع فلا يجوز تولية الأعمى أو الأبكم أو الأصم وان وقع نفذ حكم أعمى وأبكم وأصم أى لا ينقض لأن عدم هذه الأمور ليس بشرط فى صحة ولايته ابتداء ولا فى صحة دوامها بل هو واجب غير شرط فى الابتداء والدوام فلا تجوز تولية القاضى ابتداء ولا استمرار ولايته الا اذا اتصف بعدم هذه الثلاث العمى والبكم والصم فان اتصف بواحدة منها فلا يجوز توليه ابتداء ولا استمرارا مع صحة ما وقع منه من الحكم والمعنى انه ينفذ حكم من اتصف بواحدة فقط من هذه الصفات الثلاث

стр. 5770

فان اتصف باثنين منها أو بالثلاثة فلا تنعقد ولايته. وتجوز تولية الأعمى فى الفتوى (١). مذهب الشافعية: لا يلى الأعمى الأمانة العظمى ولا القضاء (٢) ولا يكون الأعمى سلطانا (٣)، ويجوز للأعمى أن يكون مفتيا (٤). ولا يكون الأعمى وليا فى النكاح فى وجه (٥) وفى الأشباه والنظائر: فى كونه وليا فى النكاح وجهان الأصح (٦): يلى. ولا يجوز أن يكون وصيا فى وجه (٧). مذهب الحنابلة: ينبغى أن يكون الحاكم صحيح السمع والبصير (٨). وجاء فى الشرح الكبير لأبن قدامة المقدسى على هامش المغنى: يشترط فى القاضى شروط منها أن يكون بصيرا لأن البصر احدى الحواس التى تؤثر فى الشهادة فيمنع فقدها ولاية القضاء فاذا لم تقبل منه الشهادة فالقضاء أولى (٩). وجاء فى المغنى. يجوز فى ولى النكاح أن يكون أعمى، لأن شعيبا ﵇ زوج ابنته وهو أعمى، ولأن المقصود فى النكاح يعرف بالسماع والاستفاضة فلا يفتقر الى النظر (١٠). مذهب الزيدية: يشترط لتولى الرجل القضاء السلامة من العمى، فلا يصح أن يكون القاضى أعمى (١١). مذهب الإمامية: من الشروط اللازمة للقضاء والافتاء البصر على الأشهر (١٢). مذهب الإباضية: لا تنعقد ولاية الأصم والأبكم والأعمى ويجب عزلهم ولو طرأ عليهم لعدم المقصود من الفهم والافهام وقيل يجوز الأعمى اذا ولى فصل القضاء وغيره. فى الديوان. لا ينبغى لهم أن يجعلوا القاضى أعمى أو ضعيفا لا يقوم بأمر المسلمين الا أن يجدوا غيرهما (١٣). ويقول العاصمى فى شروط الوالى: وأن يكون ذكرا حرا سلم «من فقد رؤية وسمع وكلم (١٤). الأعمى والحضانة مذهب الحنفية: فى حاشية ابن عابدين: أما حضانة الأعمى فان أمكنه حفظ المحضون كان أهلا والا فلا (١٥). مذهب المالكية: من شروط الحاضن ذكرا كان أو أنثى الكفاية أى القدرة على القيام بشأن المحضون فلا حضانة لعاجز عن ذلك والعمى من أسباب العجز (١٦). مذهب الشافعية: جاء فى الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطى: هل للأعمى حضانة؟ قال ابن الرفعة:

стр. 5771

لم أر لأصحابنا فيه شيئا غير أن فى كلام الامام (امام الحرمين). ما يؤخذ منه أن العمى مانع فانه قال: أن حفظ الأم للولد الذى لا يستقل ليس مما يقبل القرائن، فان المولود فى حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظا من مراقب لا يسهو ولا يغفل لأوشك أن يهلك ومقتضى هذا أن العمى يمنع فان الملاحظة معه كما وصف لا تتأتى. قال الأذرعى فى القوت: ورأيت فى فتاوى ابن البرزى أنه سئل عن حضانة العمياء، فقال: لم أر فيها مسطورا، والذى أراه أنه يختلف باختلاف أحوالها فان كانت ناهضة يحفظ الصغير وتدبيره وللنهوض بمصلحته وأن تقيه من الأسواء والمضار فلها الحضانة والا فلا. وأفتى قاضى قضاة حماة بأن العمى ليس بقادح فى الحضانة بشرط أن يكون الحاضن قائما بمصالح المحضون أما بنفسه أو بمن يستعين به. وفى فتاوى عبد الملك بن ابراهيم المقدسى الهمدانى شارح المفتاح من اقران ابن الصباغ: أنه لا حضانة لها. قال الأذرعى ولعله أشبه (١). مذهب الزيدية: فى شرح الأزهار: مما يسقط حق الحضانة الجنون ونحوه وكذلك كل منفر كالجذام والعمى وتنتقل الحضانة من الشخص اذا كان فيه منفر كالعمى (٢). الأعمى والجهاد مذهب الحنفية: لا يجب الجهاد على الأعمى لعجزه ولقول الله ﵎: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ» فانها نزلت فى أصحاب الأعذار (٣). مذهب المالكية: يسقط الجهاد عن الأعمى (٤). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: الأعمى ليس من أهل القتال بخلاف الحج (٥). وفى الأشباه والنظائر: لا جهاد على الأعمى (٦). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: يشترط لوجوب الجهاد السلامة من الضرر ومنها السلامة من العمى لقوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ». ومن المعروف أن العمى عذر يمنعه من الجهاد (٧). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: يشترط فيمن يجب عليه الجهاد البصر فلا يجب على الأعمى وان

стр. 5772

وجد قائدا ومطية وهذا فى جهاد المشركين ابتداء لدعائهم الى الاسلام. وأما جهاد من يدهم على المسلمين من الكفار بحيث يخافون استيلاءهم على بلادهم وأخذ مالهم وما أشبه - وان قل - فيجب الدفع على القادر سواء الذكر والأنثى، والسليم والأعمى والمريض والعبد وغيرهم (١). وفى كتاب المختصر النافع: من شروط وجوب الجهاد أن لا يكون أعمى (٢). إغاثة التعريف فى اللغة: اغاثة مصدر فعله أغاث المزيد بالهمزة فى أوله للتعدية فأصل مادته غاث. جاء فى لسان العرب (٣): الغوث الاعانة. يقال غاث الله فلانا يغيثه اذا أعانه على شدة وتعديته بنفسه بهذا المعنى قليل. وانما المعدى بنفسه من الغيث وهو المطر. يقال غاث الله البلاد يغيثها غيثا اذا أنزل بها الغيث. ومنه ما روى فى الحديث الشريف «فأدع الله يغيثنا» بفتح الياء. فاذا كان بمعنى الاعانة فالكثير تعديته بالهمزة يقول من وقع فى بلية اللهم أغثنى أى فرج عنى. ومنه ما روى عن رسول الله ﷺ «اللهم أغثنا». ويقال: استغثت فلانا أى طلبت اعانته إياى. قال تعالى: «وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ٤ يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ». قال فى التهذيب، والغياث ما أغاثك الله به. وحكى ابن الأعرابى: أجاب الله غياثه. والغواث بالضم - الاغاثة. والاسم الغوث.

стр. 5773

والغواث بضم الغين وفتحها. وفى حديث هاجر أم اسماعيل: فهل عندك غواث. والغواث كالغياث بالكسر من الاغاثة. التعريف فى اصطلاح الفقهاء: لا يكاد الفقهاء يخرجون فى استعمالهم لكلمة اغاثة عن المعنى اللغوى الذى سبق ذكره وهذا عند استعمالهم لنفس مادة غوث. هذا بالاضافة الى أن الفقهاء كثيرا ما يعبرون بألفاظ أخرى مقصود بها الاغاثة والاعانة كتعبيرهم بلفظ الانجاد أو الانقاذ أو الاستنجاد أو غير ذلك من الألفاظ التى تلتقى كلها عند معنى الاعانة فى وقت الخطر. على أن الاغاثة قد تكون نتيجة الاستغاثة من الغير. وقد تكون بدون استغاثة كأن تكون لازمة لانقاذ الغير فردا كان أو جماعة من مهلكة وقع فيها أو ضرر يتوقع حدوثه. وفى كلتا الحالتين يختلف حكم الاغاثة وجوبا أو ندبا أو عدمهما حسب توقع الضرر أو عدمه كما يتبين ذلك فى أثناء البحث. مذهب الحنفية: أولا: حكم اغاثة المصلى لغيره وهو فى الصلاة: جاء فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه: أنه يجب قطع الصلاة لاغاثة ملهوف وغريق وحريق. قال ابن عابدين والظاهر من الوجوب الافتراض. ثم قال نقلا عن الامداد: وسواء استغاث الملهوف وغيره بالمصلى أو لم يعين أحدا فى استغاثته اذا قدر على ذلك. ومثله خوف تردى أعمى فى بئر مثلا اذا غلب على ظنه سقوطه. وقال صاحب الدر: ولا يجب قطع الصلاة لنداء أحد أبويه بلا استغاثة الا فى النفل، فان علم انه يصلى فلا بأس أن لا يجيبه وان لم يعلم أجابه. قال ابن عابدين: المراد بالأبوين الأصول وان علوا. وظاهر سياقه انه نفى لوجوب الاجابة فيصدق مع بقاء الندب والجواز. لكن ظاهر ما فى فتح القدير انه نفى للجواز وبه صرح فى الامداد بقوله: أى لا يجوز قطعها بنداء أحد أبويه من غير استغاثة وطلب اعانة لأن قطعها لا يجوز الا بضرورة. وقال الطحاوى: هذا فى الفرض، فان كان فى نافلة فان علم أحد أبويه أنه فى الصلاة وناداه فلا بأس أن لا يجيبه وان لم يعلم فانه يجيبه. قال ابن عابدين: ان كان يصلى النفل فانه يجيبه وجوبا وان لم يستغث لأنه ليم عابد بنى اسرائيل على تركه الاجابة. وقد قال النبى ﷺ ما معناه: لو كان فقيها لأجاب أمه. وهذا ان لم يعلم أنه يصلى. فان علم لا تجب الاجابة لكنها أولى كما يستفاد من قوله: لا بأس أن لا يجيبه وقد يقال أن لا بأس هنا لدفع ما يتوهم أن عليه بأسا فى عدم الاجابة وكونه عقوقا فلا يفيد أن الاجابة أولى.

стр. 5774

وذكر الرحمتى (١) ما معناه: أنه لما كان بر الوالدين واجبا وكان مظنة أن يتوهم أنه اذا ناداه أحداهما يكون عليه بأس فى عدم اجابته دفع ذلك بقوله لا بأس ترجيحا لأمر الله تعالى بعدم قطع العبادة لأن نداءه له مع علمه بأنه فى الصلاة معصية ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق فلا تجوز اجابته. بخلاف ما اذا لم يعلم أنه فى الصلاة فأنه يجيبه لما علم فى قصة جريج الراهب ودعاء أمه عليه وما ناله من العناء لعدم اجابته لها. فليس كلمة لا بأس هنا لخلاف الأولى لأن ذلك غير مطرد فيها بل قد تأتى بمعنى يجب والظاهر أن هذا منه. ثانيا: حكم اغاثة المستمع لخطبة الجمعة لغيره: نقل ابن عابدين فى حاشيته عن البحر أن المستمع لخطبة (٢) الجمعة لو رأى رجلا عند بئر فخاف وقوعه فيها أو رأى عقربا يدب الى انسان فانه يجوز له أن يحذره وقت الخطبة. قال ابن عابدين: وهذا حيث تعين الكلام اذ لو أمكن بغمز أو لكز لم يجز الكلام. وقال صاحب الدر المختار: وكل ما حرم فى الصلاة حرم للحاضر فى خطبة الجمعة بل يجب عليه أن يستمع ويسكت بلا فرق بين قريب وبعيد. ولا يرد تحذير من خيف هلاكه لأنه يجب لحق آدمى وهو محتاج اليه، والانبعاث والانصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة. ثالثا: حكم خروج المعتكف من المسجد لاغاثة غيره: جاء فى تبين الحقائق للزبلعى انه يفسد اعتكاف (٣) من خرج من المسجد بلا عذر ساعة أو أكثر من نصف يوم على أحد القولين فى ذلك. فلو خرج المعتكف لانجاء الغريق أو الحريق أو للجهاد اذا كان النفير عاما أو لأداء شهادة فكل ذلك وفسد للاعتكاف. أما لو خاف على نفسه أو ماله من المكابرين فخرج فلا يفسد اعتكافه. رابعا: حكم اعلان الناس بطريق الأذان وقت الخطر: ذكر ابن عابدين (٤) فى حاشيته عند الكلام على الأذان لغير الصلاة أنه يندب الاذان عند مزدحم الجيش وعند الحريق. خامسا: حكم التخلف عن الجماعة لانقاذ نفسه أو ماله أو مال غيره: جاء فى حاشية ابن عابدين أن الجماعة لا تجب (٥) على من خاف على ماله من لص ونحوه اذا لم يمكنه غلق الدكان أو البيت مثلا ومنه خوفه على تلف طعام فى قدر أو خبز فى تنور. قال ابن عابدين وهل التقييد بماله للاحتراز عن مال غيره؟ والظاهر عدمه لأن له قطع الصلاة له ولا سيما ان كان أمانة عنده كوديعة أو عارية أو رهن بما يجب عليه حفظه.

стр. 5775

ثم قال (١): ولا تجب الجماعة على خائف من ظالم يخافه على نفسه أو ماله. وكذا قيامه بمريض يحصل له بغيبته المشقة والوحشة. كذا فى الامداد. سادسا: حكم إغاثة المجاهدين لحفظ الوطن وإنقاذ الأسرى: قال ابن عابدين فى حاشيته نقلا عن البدائع (٢): أن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا اليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال. لما ذكر من أن الجهاد فرض على الناس كلهم ممن هو من أهل الجهاد ولكن سقط الفرض عنهم لحصول الكفاية بالبعض فما لم يحصل لا يسقط. قال ابن عابدين: وحاصل ذلك أن كل موضع خيف هجوم العدو منه فرض على الامام أو على أهل ذلك الموضع حفظه. وان لم يقدروا فرض على الأقرب اليهم اعافتهم الى حصول الكفاية بمقاومة العدو. وفى الدر المختار أن الجهاد فرض عين أن هجم العدو على ثغر من ثغور الاسلام فيصير فرض عين على من قرب منهم وهم يقدرون على الجهاد. ونقل صاحب النهاية عن الذخيرة أن الجهاد اذا جاء النفير اثما يصير فرض عين على من يقرب من العدو فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه اذا لم يحتج اليهم. فان عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فانه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه ثم وثم الى أن يفترض على جميع أهل الاسلام شرقا وغربا على هذا التدريج. ونقل صاحب البحر الرائق (٣) عن الذخيرة أنه اذا دخل المشركون أرضا فأخذوا الأموال وسبوا الذرارى والنساء فعلم المسلمون بذلك وكان لهم عليهم قوة كان عليهم أن يتبعوهم حتى يستنقذوهم من أيديهم ما داموا فى دار الاسلام. فاذا دخلوا فى أرض الحرب فكذلك فى حق النساء والذرارى ما لم يبلغوا حصونهم وجدرهم ويسعهم أن لا يتبعوهم فى حق المال. وذرارى أهل الذمة وأموالهم فى ذلك بمنزلة ذرارى المسلمين وأموالهم. وفى البزازية لو أن امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر ما لم تدخل دار الحرب لأن دار الاسلام كمكان واحد. ومقتضى ما فى الذخيرة أنه يجب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وجدرهم. وفى الذخيرة: ويستوى أن يكون المستنفر عدلا أو فاسقا يقبل خبره فى ذلك لأنه خبر يشتهر بين المسلمين فى الحال وكذلك الجواب فى منادى السلطان يقبل خبره عدلا كان أو فاسقا. وجاء فى بدائع الصنائع (٤) أن الغزاة اذا جاءهم جمع من المشركين لا طاقة لهم به وخافوهم

стр. 5776

ان يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا الى بعض أمصار المسلمين أو الى بعض جيوشهم. والحكم فى هذا الباب لغالب الرأى وأكبر الظن دون العدد. فان غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وان كانوا أقل عددا منهم. وان كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا الى المسلمين ليستعينوا بهم وان كانوا أكثر عددا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح أو مع واحد منهم من الكفرة ومعه سلاح لا بأس أن يولى دبره متحيزا الى فئة. والأصل فيه قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وكذلك قال النبى ﷺ للذين فروا الى المدينة وهم فيها: أنتم الكرارون، أنا فئة كل مسلم فقد أخبر النبى ﷺ أن المتحيز الى فئة كرار وليس بفرار من الزحف فلا يلحقه الوعيد. سابعا: الاغاثة من قاطع الطريق ونحوه: جاء فى بدائع الصنائع أنه يشترط لتحقيق قطع الطريق وما يترتب (١) عليه من اقامة الحد أن يكون ذلك فى مكان لا يلحق فيه الغوث وذلك بأن يكون فى غير مصر فان كان فى مصر لا يجب الحد سواء كان القطع ليلا أو نهارا وسواء كان بسلاح أو غيره، وهذا استحسان وهو قولهما. والقياس انه يجب الحد وهو قول أبى يوسف. ووجه القياس أن سبب الوجوب قد تحقق وهو قطع الطريق فيجب الحد كما لو كان فى غير مصر. ووجه الاستحسان أن القطع لا يحصل بدون الانقطاع والطريق لا ينقطع فى الأمصار وفيما بين القرى، لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة فلم يوجد السبب. وقيل: انما أجاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى على ما شاهده فى زمانه لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم فى المصر، والآن ترك الناس هذه العادة فمكنهم المغالبة فيجرى عليهم الحد. وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيمن قطع الطريق بين الحيرة والكوفة أنه لا يجرى عليه الحد لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع فى زمانه لاتصاله بالمصر والآن صار ملتحقا بالبرية فلا يلحق الغوث فيتحقق قطع الطريق. ويشترط كذلك أن يكون بين قطاع الطريق وبين المصر مسافة سفر فان كان أقل من ذلك لم يكونوا قطاع الطريق وهذا على قولهما. فأما على قول أبى يوسف فليس بشرط ويكونون قطاع الطريق. والوجه ما بينا فيجب الحد. وروى عن أبى يوسف فى قطاع الطريق فى المصر انهم أن قاتلوا نهارا بسلاح يقام عليهم الحد. وان خرجوا بخشب لهم لم يقم عليهم الحد، لأن السلاح لا يلبث فلا يلحق الغوث - أى يأتى

стр. 5777

عليه قبل أن يلحقه الغوث - والخشب يلبث فالغوث يلحق. وان قاتلوا ليلا بسلاح أو بخشب يقام عليهم الحد لأن الغوث قلما يلحق بالليل فيستوى فيه السلاح وغيره. ثم قال: ولو أشهر على رجل سلاحا نهارا أو ليلا فى غير مصر أو فى مصر فقتله المشهور عليه عمدا فلا شئ عليه. وكذلك ان شهر عليه عصا ليلا فى غير مصر أو فى مصر. وان كان نهارا فى مصر فقتله المشهور عليه يقتل به. والأصل فى هذا أن من قصد قتل انسان لا ينهدر دمه ولكن ينظر ان كان المشهور عليه يمكنه دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل. وان كان لا يمكنه الدفع الا بالقتل يباح له القتل لأنه من ضرورات الدفع. وان شهر عليه سيفه يباح له أن يقتله لأنه لا يقدر على الدفع الا بالقتل. ألا ترى أنه لو استغاث بالناس لقتله قبل أن يلحقه الغوث اذ السلاح لا يلبث فكان القتل من ضرورات الدفع فيباح قتله فاذا قتله فقد قتل شخصا مباح الدم فلا شئ عليه. وكذا اذا أشهر عليه العصا ليلا لأن الغوث لا يلحق بالليل عادة سواء كان فى المغازة أو فى المصر. وان أشهر عليه نهارا فى المصر لا يباح قتله لأنه يمكنه دفع شره بالاستغاثة بالناس. وان كان فى المغازة يباح قتله لأنه لا يمكنه الاستغاثة فلا يندفع شره الا بالقتل فيباح له القتل. وجاء فى المبسوط (١) أن المنتهبين لو بيتوا على مسافرين فى منازلهم فى غير مصر ولا فى مدينة فكابروهم وأخذوا المال فالحكم فيهم كالحكم فى الذين قطعوا الطريق لأن السبب قد تحقق منهم وهو المحاربة وقطع الطريق اذ لا فرق فى ذلك بين أن يفعلوا ذلك بهم فى مشيهم أو فى حال نزولهم، لأنهم فى حفظ الله تعالى فى الحالتين فأنما يتمكن هؤلاء منهم لمنعتهم وشوكتهم فى الحالتين. فان نزل المسافرون منزلا فى قرية ففعلوا ذلك بهم لم يلزمهم حد قطاع الطريق لأن الذين نزلوا القرية بمنزلة أهل القرية فى أن بعضهم يغيث البعض فلا يتحقق قطع الطريق بما فعل بهم. وكذلك أن أغار بعض النازلين فى القرية على البعض فقتلوا وأخذوا المال فالحكم فيهم كالحكم فى الذى فعل ذلك فى جوف المصر. وجاء فى المبسوط (٢) فى موضع آخر: ولو كابر انسانا ليلا حتى سرق متاعه فعليه القطع لأن سرقته قد تمت حين كابره ليلا فان الغوث بالليل قل ما يلحق صاحب البيت وهو عاجز عن دفعه بنفسه فيكون تمكنه من ذلك بالناس والسارق استخفى فعله من الناس. بخلاف ما اذا كابره فى المصر نهارا حتى أخذ منه مالا فانه لا يلزمه القطع استحسانا لأن الغوث فى المصر بالنهار يلحقه عادة فالآخذ مجاهرا بفعله غير مستخفف له وذلك يكون نقصانا فى السرقة قال ﷺ : لا قطع على مختلس ولا منتهب ولا خائن.

стр. 5778

ونقل ابن عابدين (١) عن الفتح أنه لو أخذ اللصوص متاع قوم فاستغاثوا بقوم فخرجوا فى طلبهم فان كان أرباب المتاع معهم أو غابوا لكن يعرفون مكانهم ويقدرون على رد المتاع عليهم حل لهم قتال اللصوص وان كانوا لا يعرفون مكانهم ولا يقدرون على الرد لا يحل. ثامنا: حكم الاغاثة فى حال البغى: جاء فى البحر الرائق أن البغاة ان (٢) أظهروا ما يبيح لهم القتال كأن ظلمهم الامام أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه لا يكونون بغاة. ولا يجوز معاونة الامام عليهم حتى يجب على المسلمين أن يعينوهم حتى ينصفهم الامام ويرجع عن جورهم بخلاف ما اذا كان الحال مشتبها أنه ظلم مثل تحميل بعض الجبايات التى للامام أخذها والحاق الضرر بهذه الجماعة لدفع ضرر أعم منه. ونقل صاحب البحر الرائق عن البدائع أنه يجب على كل من دعاهم الامام الى قتالهم أن يجيب ولا يسعهم التخلف اذا كان له غنى وقدرة لأن طاعة الامام فيما ليس بمعصية فرض فكيف فيما هو طاعة. وما روى عن أبى حنيفة من الاعتزال فى الفتنة ولزوم البيت فمحمول على ما اذا لم يدعه الامام أما اذا دعاه الامام فالاجابة فرض. وأما تخلف بعض الصحابة رضى الله تعالى عنهم عنها فمحمول على أنه لم يكن لهم قدرة وربما كان بعضهم فى تردد من حل القتال. تاسعا - حكم اغاثة المحتاج: جاء فى الفتاوى الهندية: قال محمد رحمه (٣) الله تعالى فى كتاب الكسب: يفترض على الناس اطعام المحتاج فى الوقت الذى يعجز عن الخروج والطلب وهذه المسألة تشتمل على ثلاثة فصول: أحدها أن المحتاج اذا عجز عن الخروج يفترض على كل من يعلم حاله أن يطعمه مقدار ما يتقوى به على الخروج وأداء العبادات اذا كان قادرا على ذلك حتى اذا مات ولم يطعمه أحد ممن يعلم حاله اشتركوا جميعا فى المأثم. وكذلك اذا لم يكن عند من يعلم بحاله ما يطعمه ولكنه قادر على أن يخرج الى الناس ليخبر بحاله فيواسوه فيفرض عليه ذلك فاذا امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا فى المأثم ولكن اذا قام به البعض سقط عن الباقين. الفصل الثانى: اذا كان المحتاج قادرا على الخروج ولكن لا يقدر على الكسب فعليه أن يخرج ومن يعلم بحاله ان كان عليه شئ من الواجبات فليؤده اليه حتما. وان كان المحتاج يقدر على الكسب فعليه أن يكتسب ولا يحل له أن يسأل. وفى الاختيار لتعليل المختار بعد أن ذكر مثل ما جاء فى الفتاوى استدل بقول الرسول ﷺ ما آمن بالله من بات شبعان وجاره الى جنبه طاو.

стр. 5779

وقال ﵊: أيما رجل مات ضياعا بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله. وان أطعمه واحد سقط عن الباقين. وكذا اذا رأى لقيطا أشرف على الهلاك أو أعمى كاد أن يتردى فى البئر وصار هذا كانجاء الغريق. الفصل الثالث: اذا كان المحتاج عاجزا عن الكسب ولكنه قادر على أن يخرج ويطوف على الأبواب فانه يفرض عليه ذلك حتى اذا لم يفعل ذلك وقد هلك كان أثما عند الله تعالى. ثم قال والمعطى أفضل من الآخذ وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المعطى مؤديا للواجب والآخذ قادرا على الكسب ولكنه محتاج فهاهنا المعطى أفضل بالاتفاق. والثانى: أن يكون المعطى والأخذ كل واحد متبرعا أما المعطى فظاهر وأما الآخذ بأن يكون قادرا على الكسب وفى هذا الوجه المعطى أفضل. والثالث: أن يكون المعطى متبرعا والآخذ مفترضا بأن يكون عاجزا عن الكسب وفى هذا الوجه المعطى أفضل عند أهل الفقه كذا فى المحيط مذهب المالكية: أولا - حكم اغاثة المصلى لغيره وهو فى الصلاة: جاء فى حاشية الدسوقى (١): أنه اذا كان شخص يصلى وقد ناداه أحد أبويه فان كان أحد أبويه أعمى أصم وكان وهو يصلى نافلة وجب عليه اجابته وقطع تلك النافلة لأنه قد تعارض معه واجبان فيقدم أوكدهما وهو اجابة الوالدين للاجماع على وجوبها. والخلاف فى وجوب اتمام النافلة. واما ان كان المنادى له من أبويه ليس أعمى ولا أصم أو كان يصلى فى فريضة فليخفف ويسلم ويكلمه. وأما اذا وجب لاجابته ﵇ فى حال حياته أو بعد موته فهل تبطل به الصلاة أو لا تبطل قولان. والمعتمد منهما عدم البطلان. واذا ترك المصلى الكلام لانقاذ الأعمى وهلك ضمن ديته. وكما يجب الكلام لانقاذ الأعمى وأن أبطل الصلاة يجب أيضا لتخليص المال اذا كان يخشى بذهابه هلاكا أو شديد أذى سواء كان قليلا أو كثيرا ويقطع الصلاة سواء كان الوقت متسعا أولا. وأما اذا كان لا يخشى بذهابه هلاكا للمال ولا شديد أذى فان كان يسيرا فلا يقطع وان كان كثيرا قطع أن اتسع الوقت والكثرة والقلة بالنسبة للمال فى حد ذاته. ثانيا - حكم التخلف عن صلاة الجماعة أو الجمعة لاغاثة الغير: جاء فى حاشية (٢) الدسوقى: أنه يجوز للانسان أن يتخلف عن الجمعة والجماعة لتمريضه

стр. 5780

لأجنبى وليس له من يقوم به وخشى عليه وبتركه لضيفه أو لقريب خاص كولد ووالد وزوج بعذر مطلقا وغير الخاص كالأجنبى فلا بد من القيدين فيه وهما أن لا يكون له من يقوم به وأن يخشى عليه الضيعة لو ترك. لو ترك. وجعل القريب غير الخاص كالأجنبى وهو ما لابن عرفة وهو المعتمد. خلافا لابن الحاجب حيث جعل تمريض القريب مطلقا سواء كان خاصا أو غير خاص عذرا من غير اعتبار شئ من القيدين المعتبرين فى تمريض الأجنبى. ثم قال: وخوف على مال له بال وان لغيره سواء كان الخوف من لص أو نار. وقوله له بال أى وهو الذى يجحف بصاحبه. ومثل الخوف على المال المذكور الخوف على العرض أو الدين كأن يخاف قذف أحد من السفهاء له أو الزام قتل الشخص أو ضربه ظلما أو الزام بيعه ظالم لا يقدر على مخالفته بيمين يحلف للظالم أنه لا يخرج عن طاعته ولا من تحت يده. ثالثا - حكم الاغاثة فى أثناء الحرب: جاء فى التاج (١) والأكليل: ان الجهاد يتعين بفجأ العدو. قال ابن عرفه قد يعرض لغرض الكفاية ما يوجبه على الأعيان. وفى التلقين قد يتعين فى بعض الأوقات على من يفجؤهم العدو وقال سحنون أن نزل أمر يحتاج فيه الى الجميع كان عليهم فرضا. وينفر من بسفاقس (٢) لغوث سوسة (٣) ان لم يخف على أهله لرؤية سفن أو خبر عنها وان على امرأة. ومن النوادر يخرج لمتعينه مطيقة ولو كان صبيا أو امرأة. قال أبو عمر يتعين على كل أحد أن حل العدو بدار الاسلام محاربا لهم فيخرج اليه أهل تلك الدار خفافا وثقالا شبانا وشيوخا ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكتر. وان عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة. وكذلك من علم أيضا بضعفهم وأمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج فالمسلمون كلهم يد على من سواهم. قال ابن بشير اذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فان عجزوا تعين على من قرب منهم نصرتهم. قال المازرى اذا عصى الأقرب وجب على الأبعد. قال سحنون ومن عليه دين قد حل وعنده قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضى دينه وان كان دين لم يحل أولا وفاء له به فله أن ينفر. قال ابن شاس للابوين منع ولدهما من ركوب البحر والبرارى المخطرة للتجارة. قال سحنون ولا أحب لمن له والدان أن ينفر الا باذنهما الا أن ينزل بمكانة من العدو ما لا طاقة لمن حضر بدفعه فلينفر بغير اذنهما. ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عنهم أو كان الغوث بعيدا منهم فلينفر بغير اذن الأبوين لا جد.
следующие страницы →