عشرة آلاف جنيه فى هذا الشهر فقد التزمت بدينك ابتداء من الشهر الذى يلى هذا الشهر.
والالتزام قد يكون مع ذلك غير مقيد بشرط وقد يكون مقيدا اذا ما اقترن بصيغته شرط من الشروط سواء أكان ذلك فى حال التنجيز أم فى حال الاضافة أم فى حال التعليق فاذا اقترنت صيغة بشرط أصبح ذلك الشرط عنصرا من عناصر الالتزام ذلك لأن الاقتران بالشرط يكون بزيادة التزام آخر فى الالتزام الأصلى تتضمنه صيغة الالتزام وذلك ما يتصور تحققه فى كل حالة من هذه الأحوال مع ملاحظة أن لا يكون محظورا والا كان شرطا باطلا.
أما التأجيل فهو ارجاء التنفيذ الواجب حالا الى وقت مستقبل وذلك ما يخالف الاضافة من ناحية أنها تعد أرجاء الالتزام لم يجب فى الحال الى وقت مستقبل ففى الكفالة المضافة لا يكون الكفيل كفيلا فعلا الا عند حلول الوقت المعين حتى لو توفى قبله بطلت الكفالة ولا رجوع فى تركته بخلاف حال التأجيل فانه يعد كفيلا ارجئ الزامه الى وقت الحلول ولذا فان التأجيل يبطل بالموت وتصبح الكفالة منجزة ومعنى ذلك ان التأجيل ارجاء لتنفيذ الوفاء لا ارجاء للالتزام كما هو الحال عند الاضافة وان شئت قلت ان التأجيل اسقاط لحق المطالبة مدة من الزمن الى وقت حلول الأجل مع بقاء شغل الذمة بخلاف الكفالة المضافة اذ لا تشغل الذمة فيها الا عند حلول الوقت المضاف اليه ذلك هو مذهب الحنفية.
(وارجع الى مصطلح أجل ومصطلح اضافة) ذلك ما ذهب اليه الحنفية فى بيان أحوال صيغة الالتزام لكن ذلك ليس فى كل صيغة تفيد الالتزام بل تختلف صيغ الالتزام فى قبولها تبعا لما تدل عليه فمن الالتزام مالا تقبل صيغته التعليق فتبطل اذا علقت ومن الالتزام ما تقبل صيغته التعليق على شروط خاصة ومنه ما تقبل صيغته التعليق مطلقا وكذلك الحكم بالنسبة للاضافة فمن صيغ الالتزام ما يقبلها ومنها مالا يقبلها على أساس ما جوز الشارع اضافته وما لم يجوز اضافته ومنها ما هو مضاف بطبيعته كالوصية وكذلك الحال بالنسبة للاقتران بالشرط فمن الالتزام ما يقبل التقيد بأى شرط تتجه اليه رغبة الملتزم ما لم يكن محظورا ومنه مالا يقبل الا نوعا خاصا من الشروط والخلاف فى ذلك بين المذاهب خلاف عظيم متشعب وذلك بالنسبة الى ما يعد شرطا صحيحا يصح اشتراطه وما يعد غير صحيح لا يصح اشتراطه وقد يترتب على اشتراطه بطلان الالتزام وقد يصح معه الالتزام ولكن مع بطلانه والغائه وكذلك الحكم بالنظر الى التوقيت وقبول الالتزام له فمن الالتزام مالا يقبله وتوقيته يبطله أو يصح الالتزام ويلغو معه هذا التوقيت ومنه ما يقبله وهكذا تختلف الأحكام بالنظر الى اختلاف الالتزام أنواعا واختلاف الشروط وتنوعها وفى بيان أحكام ذلك على وجه التفصيل فى جميع المذاهب يرجع الى مصطلح (عقد) ومصطلح (اشتراط) ومصطلح (تعليق واضافة).
الغرض من الالتزام
تبين مما ذكر فى شروط الالتزام أنه لا يصح الالتزام بما هو محظور وأن الالتزام به باطل لا ينعقد وأنه لذلك يجب أن لا يتخذ وسيلة الى محظور ويكفى لثبوت ذلك سلامة عبارته عند جمهور الفقهاء خلافا للحنابلة الذين
стр. 7702
اعتدوا فى ذلك بما يحف به من القرائن وجملة القول فى ذلك أن جمهور الفقهاء لم يعتدوا بما استتر فى النفس من غرض أو قصد باطن اذا كان محظورا اذ لا تصلح بواطن النفوس أساسا للحكم وانما مناط الأحكام بصدور العبارة الدالة على الالتزام صحيحة سليمة.
وخلاصة ما ذهب اليه كثير من الفقهاء فى هذا الموضوع: ان الملتزم اذا اتجهت ارادته من انشاء التزامه الى جعله وسيلة لتحقيق غرض لم يكن مقصودا للشارع من شرعه، فقد يكون هذا الغرض مباحا غير محظور وقد يكون محظورا حرمه الشارع. فاذا كان مباحا يؤثر ذلك فى صحة الالتزام اتفاقا، ذلك بأن الغرض فى هذه الحال حاجة للملتزم غير محظور عليه تحقيقها سداد العوذة ومنفعة له ومؤسسة عليه دون ضرر بأحد، وذلك مطلوب له وجائز شرعا وقد رأى التزامه طريقا الى ذلك فجعله وسيلة الى تحصيله فلا حرج عليه فى ذلك، ولمثل هذا شرعت الالتزامات على العموم.
واذا كان غرضا محظورا حرمه الشارع فان ضمن عبارته ما يدل عليه كان التزاما فاسدا باتفاق بين جميع الفقهاء لاقترانه بشرط محظور محرم. اذ يصير بذلك هذا الالتزام أمرا محظورا حرمه الشارع وكل محرم باطل فاسد وان لم يضمن الملتزم عبارته ما يدل عليه فقد اختلف رأى الأئمة فى ذلك فمنهم فريق سوى بين هذه الحال والتى قبلها فصحح الالتزام، ذاهبا الى أن العقود والالتزامات تعتمد دلالة العبارة دون نظر الى نيات المتعاقدين، ذلك لأن صدور عبارتها على وضعها الصحيح من أهل لاصدارها يدل ظاهرا على أن ارادة صاحبها ونيته قد اتجهت الى تحقيق الغرض الشرعى الذى قصده الشارع من شرعها، اذ أن اقدام الانسان على مباشرة ما جعله الشارع سببا ووسيلة الى مسبب معين دليل على ارادة تحقيق ذلك المسبب، فلا يحكم عليه بأنه أراد خلافه الا اذا تضمنت عبارته ما يدل على ذلك وعنئذ يكون ما تضمنه شرطا فى العقد جزءا من الالتزام فيفسد به.
وعلى رأس هذا الفريق كما تقدم الشافعية والحنفية. ومما ينبغى التنبيه اليه أن اعتدادهم بالباعث المحظور ليس متصورا على ما يكون مشرحا به فى عبارة الالتزام بل يتجاوز ذلك الى الحالات التى يكون فيها محل الالتزام دالا عليه معينا له، فاذا كانت طبيعة المحل تدل على أن السبب الذى دفع الى الالتزام غير مشروع كان العقد باطلا كما سيأتى بيانه. ومما يؤيد البيان السابق من مذهب أبى حنيفة ما جاء فى الزيلعى وجاء فى مختصر (١) الطحاوى: ومن كان له عصير فلا بأس عليه فى بيعه وليس عليه أن يقصد بيعه على من يأمنه أن يتخذه خمرا لأن العصير حلال، فبيعه حلال، وليس على بائعه الكشف عما سيفعله المشترى به … وانما يجوز هذا العقد اذا لم يذكر فيه صراحة ولا ضمنا أن يتخذه المشترى خمرا، والا كان فاسدا وجاء فى الأم وهو أوضح دلالة من غيره ..
أصل ما أذهب اليه: أن كل عقد كان صحيحا فى الظاهر لم أبطله بتهمة أو بعادة وبين المتبايعين. وأجزته لصحة الظاهر وأكره لهما النية اذا كانت بحيث لو ظهرت أفسدت البيع.
وكذلك أكره للرجل أن يشترى السيف على أن يقتل به .. ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يرى أنه يقتل به ظلما لأنه قد لا يقتل به،
стр. 7703
فلا أفسد عليه هذا البيع .. وكذلك أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يرى أنه يعصره خمرا ولا أفسد عليه البيع اذا باعه أياه .. لأنه قد باعه حلالا .. وقد يمكن ألا يجعله خمرا أبدا كما يمكن فى صاحب السيف ألا يقتل به أحدا (١) أبدا ومن الفقهاء فريق آخر لم يسو بين هذه الحال والتى قبلها متى صحب العبارة من الظروف والقرائن ما يدل على ارادة المحظور وعلى رأس هؤلاء الحنابلة ومما يدل على ذلك ما حكاه ابن القيم من أن: الحنابلة قد ذهبوا الى ابطال كل عقد تبين أن الباعث عليه أمر محظور سواء تضمنت صيغته ما يدل عليه أم لم تتضمنه وكان أمرا باطنيا معنويا وان جاز ألا يكون لأنه قد اتخذ وسيلة الى أمر غير مشروع ولم يجعله الشارع وسيلة الى محظور وفى تصحيحه اعانة على المعصية والاعانة عليها بأى طريق أمر محظور، ولا يحتج بسلامة العبارة وخلوها مما يدل عليها، فان الوصول اليها بطريق الغش والخديعة وعلى وجه الخفاء قد يكون أشد نكرا وأعظم أثما من الوصول اليها بطريق ظاهر علنى؛ لأن الأمر المعلق الظاهر قد يمكن تداركه وتلافيه والحذر منه بخلاف الأمر الخفى وقد تضافرت أدلة الشريعة وقواعدها على أن القصور فى العقود معتبرة وأنها تؤثر فى صحة العقد وفساده وفى حله وحرمته، كما أثرت فى الفعل الذى ليس بعقد ولا الزام فيكون حلالا أو حراما تبعا لاختلاف النية والقصد منه، كما قد يعد صحيحا تارة وفاسدا تارة أخرى بناء على ذلك كذبح الحيوان يكون حلالا اذا ذبح باسم الله ويحرم اذا ذبح باسم الصنم وغير ذلك مما يماثله كثير، وقد قال ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى وهذا عام يعم العبادات والمعاملات والأقوال والأفعال، وهو دليل على ان من نوى بالبيع ربا قارف الربا، وليس يعصمه منه صورة البيع .. ومن نوى بالزواج التحليل كان تيسا مستعارا كما دل على ذلك الحديث، ولا يبعده عن ذلك صورة عقد الزواج .. اذ ليس الشأن للأسماء وصور العقود وانما الشأن لحقائقها ومقاصدها وما عقدت لأجله، وما مثل من وقف عند الظواهر والصور والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعانى الا كمثل رجل أمر بألا يسلم على صاحب بدعة فذهب اليه فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه (٢).
أما مذهب مالك: فيدل عليه فى المدونة - قال مالك: لا يعجبنى أن يبيع الرجل داره ممن يتخذها كنيسة، ولا أن يؤجرها منه ولا أن يبيع شاته من مشرك اذا علم أنه انما يشتريها ليذبحها لوثنه - وقال أيضا اذا أجر المسلم داره الى نصرانى ليبيع فيها الخمر فالاجارة باطلة، وقال الاجارة على القتل أو على الضرب أو على ما لا يجوز شرعا غير جائزة (٣).
وفى الحطاب: ويحرم بيع الحربين آلة الحرب من سلاح ونحوه مما يتعودن به فى الحرب، ويحرم بيع الدار وشرائها ممن يتخذها كنيسة أو ممن يجعل فيها الخسر.
стр. 7704
وفى الشرح الكبير للدردير: ويمنع بيع كل شى علم أن المشترى قصد به أمرا لا يجوز كبيع جارية لأهل الفساد، وبيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة، وبيع العنب لمن يعصره خمرا والنحاس لمن يتخذه ناقوسا، والفروع من ذلك كثيرة (انظر مصطلح عقد).
انعقاد الالتزام ونفاذه
اذا كان الالتزام نتيجة للارادة المنفردة كما فى الوقف والنذر ونحوها انعقد بصدور العبارة الدالة عليه وهى الايجاب متى صدرت من أهل الالتزام فى موضوع مستطاع غير محظور. واذا كان نتيجة لعقد نشأ بين طرفين انعقد بصدور الايجاب والقبول من ذى الأهلية فى محل استوفى شرائطه وترتبت على انعقاده على هذا الوجه آثاره والتزام منشئه بها وذلك مع مراعاة ما بيناه فيما سبق من أنه يجب أن لا يتخذ وسيلة الى محظور كأن يدل الايجاب الصادر به على ذلك على ما اختاره كثير من الفقهاء أو تدل عليه القرائن والظروف المحيطة به على ما ذهب اليه الحنابلة ومن ذهب مذهبهم وبناء على ذلك فان ذمة الملتزم تشغل به فيصير واجبا عليه مطلوب الأداء منه للملتزم له كما يعد حقا له يثبت له به حق المطالبة وهذا ما يتمثل فى موضوع الالتزام.
موضوع الالتزام:
وموضوع الالتزام قد يكون ايجابيا وقد يكون سلبيا: فاذا كان التزاما بفعل كأداء الدين وتسليم البيع وقيام الأجير بعمله كان الموضوع ايجابيا وهو الكثير من أحوال الالتزام. واذا كان التزاما بامتناع عن فعل كالتزام المضارب بأن لا يعمل فى غير بلد العقد، والتزام مستأجر الدابة بأن لا يخرج بها من البلد كان موضوع الالتزام سلبيا - وكثيرا ما تكون الالتزامات السلبية ثابتة بحكم الشارع كمبدأ عام أريد به صيانة الحقوق والأموال ومنع الاعتداء عليها، كما تكون نتيجة لاشتراط أضيف الى العقد مثل أن يشترط على المضارب مثلا أن لا يتجر فى بلد معين أو أن لا يتجر فى نوع معين من السلع، ومثل أن يشترط على المستأجر أن لا يؤجر العين لغيره ونحو ذلك من الشروط التى تحقق مصلحة لمن اشترطها ولا تتنافى مع مقتضى العقد.
وقد يرى أن قواعد الفقهاء تقضى بأن لا يكون محل العقد الذى ينشأ بين طرفيه مجرد امتناع عن عمل كالتعاقد على أن لا يقوم أحد المتعاقدين بفتح محل تجارى فى مكان معين لأن ذلك عدم والعدم لا يقابل بالمال فيما تقضى به أصولهم وانما المطالب أن يكون الامتناع لازما من لوازم العقد وآثاره غير المباشرة وذلك مثل الامتناع عن استعمال الوديعة اذ أنه لازم من لوازم العقد.
هذا وان الالتزام فى الفقه الاسلامى قد يكون التزاما بتسليم عين كما فى الكفالة بتسليم الأعيان المضمونة على ذى اليد، وقد يكون التزاما بالمحافظة عليها كما فى عقد الوديعة، وقد يكون التزاما بدين كما فى الكفالة بالدين، وقد يكون التزاما بعمل كما فى اجارة الأجير، وقد يكون التزاما باسقاط كما فى الابراء، وقد يكون التزاما بتوثيق كما فى البيع
стр. 7705
بأجل يشترط فيه تقديم رهن بالثمن أو تقديم كفيل. وفى الالتزام بالدين قد يكون الدين نتيجة قرض أو حوالة أو كفالة أو شراء بأجل أو نتيجة سلم وقد يكون نتيجة اتلاف لمال الغير وقد يكون مصدره مجرد حكم الشارع كما فى النفقات الواجبة.
أما الالتزام بالعمل فانه يكون أثرا لاجارة أجير خاص أو مشترك، أو لعقد مضاربة أو مزارعة أو مساقاة أو استصناع.
غير أن الالتزام فى هذا العقد التزام بعمل وبعين أما الالتزام بالاسقاط فيكون فى نحو الابراء والاعتاق.
وهكذا يرى أن الالتزامات فى الفقه الاسلامى كثيرة متعددة ومن استعراضها يرى أن الالتزام فى الشريعة لا يحمل معنى الزام صاحبه التزاما دائما يتعلق بتركته بعد وفاته بل قد ينقضى بوفاته فى بعض الأحوال كما فى الالتزام بالزكاة والنفقات أو بالحفظ فى الوديعة والعارية.
كما يرى أن محل الالتزام قد يكون مالا كما فى الالتزام بالعين وبالدية وقد يكون غير مال كما فى اسقاط حق الشفعة وحق الكفالة، كذلك يلاحظ أن الالتزام فى الفقه الاسلامى قد يكون لشخص معين كما فى الالتزام بالدية وقد لا يكون كذلك كما فى الالتزام الناشئ عن الجعالة والالتزام فى بعض أحوال النذر.
أنواع الالتزام
والالتزام نوعان:
قسرى واختيارى، فالقسرى ما كان نتيجة لالزام ممن له حق الالزام، وذلك كما فى المطلوبات الدينية التى ألزم الله بها عباده من زكاة وصدقات وحج وصلاة ونفقات وجزى (١) وغير ذلك من المطلوبات الشرعية، ومثلها المؤن المالية التى جعل لولى الأمر حق فرضها على الرعية كالخراج (٢) وجميع الوظائف المالية التى تقضى مصالح الدولة العامة بفرضها على أصحاب الأموال سياسة شرعية.
والاختيارى ما كان بارادة الانسان واختياره، ويكون بالزام الانسان نفسه بأمر لم يكن مطلوبا منه من قبل وهو نوعان:
النوع الأول: ينتج عن تعاقد وارتباط بين الانسان وغيره، وهذا التعاقد قد يكون لازما لا يستقل أحد طرفيه بفسخه كما فى الاجارة والكفالة (٣) بالنسبة للكفيل والرهن بالنسبة للراهن وما أشبه ذلك، وقد يكون غير لازم فيستقل أحد طرفيه بفسخه كما فى الهبة والوكالة والشركة. والمضاربة (٤) والعارية والقرض.
النوع الثانى من الالتزام الاختيارى:
هو ما صدر عن عهد قطعه الانسان على نفسه بارادته المنفردة وهو ثلاثة أنواع:
стр. 7706
الأول: ما يظهر أثره بمجرد صدور العبارة كالعتق والنذر والكفالة عند بعضهم والوقف والوصية واليمين والاسقاط عند بعضهم والطلاق والاجازة وغيرها.
الثانى: ما يتوقف ظهور أثره على علم من التزم له كالتوكيل والعزل والايجاب الملزم والفسخ بخيار الشرط والوعد والتفويض بالطلاق.
الثالث: مالا يترتب عليه أثر الا بالقبض كالهبة والعارية. والالتزام له صور مختلفة وأحكام تختلف باختلاف صوره، فان كان معاوضة اشترط فيه شروط المعاوضة، وان كان تبرعا وجب أن تتوافر فيه شروط التبرع وهكذا ما هو مفصل فى موضعه فليرجع اليه من شاء.
وكذلك يلاحظ أن من الالتزام ما يتوقف تمامه على القبض كما فى العارية والهبة والقرض عند جمهور الفقهاء وأن منه ما يتم بصدور العبارة الدالة عليه كما فى الكفالة والاسقاط وأن منه ما يكون باتا ملزما للملتزم وذلك فى أكثر أحواله ومنه مالا يكون باتا ملزما للملتزم وهو الزام التبرع عند الجمهور وكذلك يلاحظ أن منه ما يعد تخبيريا كما فى الالتزام بأداء شئ من عدة أشياء كما فى الالتزام باعطاء مبلغ كذا من المال أو سيارة أو قطعة من الأرض وقد يكون التزاما بدليا كما فى الالتزام باعطاء مبلغ كذا من المال على أنه ملزم باستبداله بسيارة ان لم يتيسر له المبلغ عند الأجل كما قد يكون موضوعه واحدا كما سبق. (أنظر تفصيل ذلك فى مصطلحاته الخاصة).
تعدد موضوع الالتزام
الغالب فى أحوال الالتزام أن يكون موضوعه أمرا واحدا متعينا كما فى الالتزام بكفالة مبلغ معين أو بكفالة تسليم عين ونحو ذلك وقد يتعدد موضوعه وذلك عند التخير فيه ومن صور ذلك بيع شئ من شيئين أو من ثلاثة أشياء فيكون للمشترى الخيار فى تعين واحد منها وفى بيان أحكامه ومذاهب الفقهاء فيه يرجع الى (مصطلح بيع وخيار).
ومن صور ذلك أيضا الالتزام بأمر من عدة أمور يقوم بها الملتزم كما اذا التزم شخص لآخر بكفالة دينه قبل فلان ان شاء أو بكفالة تسليمه العين المغصوبة عند فلان غاصبها أو بأداء مبلغ كذا من المال (عند من يرى الالتزام بهذا) وما ألزم به الشارع فى كفارة الايمان، وفى هذه الحال تبرأ ذمة. الملتزم بأدائه أو بقيامه بواحد من هذه الأمور ويكون الخيار فى تعيين الملتزم به اما للملتزم كما فى كفارة اليمين وأما للملتزم له وذلك بحسب ما يتم الاتفاق عليه بين الملتزم والملتزم له.
ومن صور ذلك أيضا أن يلتزم الشريك بأن يقدم حصته فى الشركة مبلغا من النقود أو عرضا هو قماش أو نحوه مما تم الاتفاق على الاتجار فيه عند من يرى صحة الاشتراك فى رأس مال الشركة بالعروض وفى هذه الحال يكون خيار التعيين للشريك عادة وهو الملتزم ومحل الالتزام فى هذه الحال هو واحد مبهم من هذه الأمور المعينة فى صيغة الالتزام وليس هو مجموعها ولا واحد معين منها وعلى ذلك يرى أن التعدد فيها صورى فقط لا حقيقى
стр. 7707
ولهذا يتحقق الوفاء بالقيام بأمر منها وان كان كل واحد منها قبل الاختيار صالحا لأن يكون محلا للطلب واذا أصبح القيام بأمر معين من هذه الأمور مستحيلا سقط الطلب بالنسبة له كما اذا تلف أحدها أو خرج عن ملكه بالتصرف فيه وكان الخيار فيما بقى حتى اذا لم يبق ممكنا الا أمر واحد تعين للوفاء بلا اختيار واذا توفى من له حق التعيين قبل أن يختار انتقل ذلك الحق الى ورثته لأن حق تعيين الدين المطلوب الى صاحبه والدين محل للوراثة وبعد حدوث الاختيار يتعلق حق الملتزم له به:
(ارجع فى ذلك الى مصطلح شركة ومصطلح كفارات).
آثار الالتزام
يترتب على الالتزام شغل ذمة الملتزم بما التزم به من فعل أو امتناع عن عمل فان كان فعلا وجب عليه الوفاء به بأدائه متى كان التزاما منجزا حالا وكان للملتزم له حق مطالبته بالوفاء وله حق اجباره عليه بواسطة القضاء وان كان امتناعا عن عمل وجب عليه الوفاء بذلك وكان للملتزم له الزامه بذلك بواسطة القضاء وتحمل تبعة مخالفته لهذا الالتزام اذا تسبب عن ذلك ضرر مالى فالمضارب اذا اتجر بالمال فى البلد الذى التزم بعدم الاتجار فيه يصبح ضامنا لهذا المال فاذا تلف ولو بغير تعد أو تقصير كانت يده على المال يد ضمان فيكون ضامنا له واذا ربح كان الربح له عند الحنفية لا لصاحب المال ولكنه غير طيب (١) له، فيتصدق به لأنه يعد ربح مال مغصوب ولبيان رأى سائر المذاهب فيه (راجع مصطلح غصب ومضاربة).
مصادر الالتزام:
المراد بمصدر الالتزام: هو السبب المباشر بشغل الذمة بالملتزم به وهو عبارة عن واقعة رتب عليها الشارع حكما فوصفت بناء على ذلك بأنها واقعة شرعية. وهذه الواقعة قد تكون راجعة الى ارادة الانسان وقد لا يكون لارادته فيها دخل فهبوب العواصف وانفجار البراكين وحدوث الزلازل ونحو ذلك من القوى القاهرة التى تسبب حالة اضطرار رتب عليها الشارع فى بعض أحوالها نقض بعض التزاماته المتوقعة على الامكان كما اذا حالت دون امكان انتفاع المستأجر بالعين المستأجرة اذ تسقط عندئذ الاجرة وينفسخ العقد أو حالت دون قيام الوديع بحفظ الوديعة فهلكت بناء على ذلك اذ لا يكون عليه حينئذ ضمان.
وهذه الواقعة قد تكون من عمل انسان لا ارادة له كالمجنون يتلف مالا لغيره فانه يلزمه الضمان. وقد تكون من عمل انسان له ارادة ولكن ليس لارادته دخل فيها كالولادة اذ يترتب عليها حقوق للمولود قبل أبويه وكالموت اذ ثبتت به للورثة حقوق فى تركة مورثهم.
ومنها ما يرجع الى ارادة الانسان وما يرجع الى ارادة الانسان أكثره أعمال مادية قد يريد عند احداثها أثارها التى رتبها الشارع عليها وقد لا يقصد ذلك فى احداثها ولكن لا يحول ذلك دون ترتب أثرها عليها.
стр. 7708
وفى هذه الأعمال ما يرجع الى ارادة الشخص وحده كالوقف والوصية فى بعض أحوالها وهو العقد من جانب واحد.
ومنها ما يرجع الى ارادته مرتبطة بارادة طرف آخر وهو العقد من جانبين.
وبناء على ما تقدم نستطيع أن تقرر أن الوقائع الشرعية بجميع أنواعها هى مصادر الروابط والحقوق وعلى ذلك تنحصر مصادر الالتزام فيما يأتى:
أولا - العقد:
بمدلوله العام وهو الالتزام الشرعى المبرم سواء كان من طرفين كالبيع والاجارة والرهن ونحوها أم كان من جانب واحد كالوقف والنذر والوصية لجهات البر ونحوها - واستعماله فيما يتم بين طرفين هو الكثير الغالب فى عبارات الفقهاء وعندئذ يكون سببا فى التزامات متبادلة بين طرفيه تترتب عليها حقوق لكل منهما قبل الآخر - أما اذا كان من جانب واحد فلا يترتب عليه الالتزام من ذلك الجانب يترتب عليه حق لغيره وهو من تم الالتزام له دون أن يكون له فى نظير ذلك أى جزاء ومن ثم كان من قبيل التبرع.
ويعرفه الفقهاء بالنظر الى مدلوله كثير الاستعمال بأنه ما يتم به الارتباط بين شخصين متعاقدين من كلام أو ما يقوم مقامه أو هو الربط بين كلامين - أو ما يقوم مقامهما صادرين من شخصين على وجه يترتب عليه أثره الشرعى اما بالنظر الى مدلوله الآخر فهو الكلام الصادر من شخص واحد كاشف عن ارادته فى انشاء التزام شرعى فترتب عليه أثاره من الزامه بما التزم به وثبوت ذلك حقا لمن التزم له وذلك بناء على ارادته المنفردة وللارادة المنفردة من حيث انشاء الالتزام وترتب الآثار الشرعية المختلفة عليها مجال واسع وهو فى مذهب مالك أوسع منه فى المذاهب الأخرى ومثله فى ذلك مذهب الشيعة الجعفرية ويلاحظ ان الالتزام المترتب على العقد قد يكون أثرا مباشرا له مقصودا من انشائه كما فى الكفالة وغيرها بالنظر الى النتائج المباشرة وقد يكون أثرا غير مباشر ولكنه مكمل لآثارها كما فى عقد البيع بالنظر الى الالتزام بتسليم المبيع وسلامته وتسليم الثمن فى موعده وهكذا والناظر الى التصرفات الشرعية يتجلى لنظره وجود طوائف ثلاثة من الالتزامات أو التصرفات.
الأولى: لا تتم ولا يترتب عليها الالتزام الا بالايجاب والقبول المرتبطين ويدخل فيها البيع والاجارة والشركة والمزارعة ونحوها.
الثانية: تنشأ وتتم بارادة واحدة يكشف عنها كلام صاحبها فيترتب عليه التزامه بمجرد صدوره ويدخل فيها الوقف والنذر والوصية لجهات البر والعتق والطلاق والوعد على ما ذهب اليه كثير المالكية من القول يترتب الالزام عليه خلاف لجمهور الفقهاء الذين ذهبوا الى أن الالتزام فيه تفضل من الملتزم له أن يعدل ويرجع عنه.
الثالثة: تحل محلا وسطا بين الطائفتين السابقتين ذلك لأنها تنشئ التزاما من جانب واحد لا يقابله التزاما من الجانب الآخر فهى من جانب الملتزم تصرف فى خالص حقه ومن
стр. 7709
مقتضى ذلك عدم توقفه على القبول ولكن هذا الالتزام لا يتم ولا يترتب عليه أثره الا بقبول من وجه اليه الالتزام ويدخل فى ذلك التبرعات كالهبة والرهن وما فى معناهما وفى تفصيل أحكام ذلك فى المذاهب يرجع الى مصطلح (عقد ووعد وتصرف).
ومما يتصل بسببه العقد الالتزام بالمعروف من صدقة أو حبس أو هبة جائزة أو قرض على وجه الصلة وطلب البر وما أشبه ذلك من الوجوه المعروفة بين الناس فى احتسابهم وحسن معاشرتهم فانه فيما يرى المالكية لازم لصاحبه لا يقبل منه الرجوع عنه ولصاحب الحق فيه اذا ما كان معينا أن يطالب به ويخاصم الملتزم فيه أمام القضاء فيقضى عليه بما التزمه. أما اذا كان غير معين كالفقراء فالمشهور من مذهب مالك ان الملتزم بذلك يؤمر بالوفاء ديانة ولا يقضى عليه به لعدم تعين صاحبه ولأن القضاء به يخرجه عما قصد اليه به من الثواب لاخراجه بعد القضاء به كارها والقربة يجب أن تخرج عن اختيار وطواعية حتى يثاب عليها.
ومن المالكية من ذهب الى أن الحاكم يجبره على التنفيذ اذا علم بذلك دون حاجة الى مخاصمة أو ادعاء والقولان فى المدونة وعلى هذا الرأى يكون هذا من قبيل العقد الانفرادى الذى ينشأ من جانب واحد وأساس ما ذهب اليه المالكية الاحتجاج بقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ ١ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ»﴾. غير انهم قد ذهبوا الى أنه اذا كان شئ مما تقدم قد صدر على وجه الحلف والتعليق قصدا الى فعل شئ أو امتناع عن شئ فانه لا يقضى به اذا تحقق الشرطو انما يجب الوفاء ديانة سواء كان الملتزم له معينا أم غير معين وهذا هو المشهور من مذهب مالك ووجه هذا ان الحالف انما قصد أن يمتنع عما حلف الا يفعله والمنازع انما قصدا للحاجة وتحقيق المنازع فيه وليس لأحدهما قصد الى صدقة وهذا بخلاف الصدقة المسبلة الى الله تعالى من غير تعليق فانها ان كانت لمعين حكم بها باتفاق والا ففى الحكم بها خلافهم.
ومن المالكية من ذهب الى أنه يقضى على الملتزم فى هذه الحال - قال ابن دينار:
اذا قال شخص لامرأته ان تسريت عليك فالسرية صدقة عليك لزمه ذلك ان تحقق الشرط وكانت صدقة لها حتى اذا أعتقها لم ينفذ عتقه وقال ابن نافع اذا باع رجل لآخر سلعة وقال له ان خاصمتك فيها فلك كذا ثم خاصمه لزمه ما التزم به وعلى هذا الرأى يمكن تخريج ما يسمى بالشروط الجزائية.
وكذلك ذهبوا الى أن الالتزام اذا حدث على سبيل المخاطرة لم يكن ملزما عندهم كما اذا قال أحد الخصمين للآخر لان لم آتك ببينة أو بمستند على دعواى فى وقت كذا فدعواى باطلة فمثل ذلك لا يلزمه وخالف الجمهور فى ذلك فذهبوا الى أن مثل هذا الالتزام فى جميع صوره لا يلزم صاحبه وله الرجوع عنه متى شاء لأنه التزام بتبرع وما على المحسنين من سبيل.
стр. 7710
ومما يدخل تحت الالزام بناء على العقد الزام المدين بأداء ما فى ذمته الى من أداه عنه لا على سبيل التبرع وذلك بناء على أنه انما قام بما هو نفع للمدين دون أن يستوجب عليه ضررا جديدا ومثل ذلك مما يحمد وما يحمد يعد مأذونا به فكان حكمه فى ذلك كالوكيل بوكالة يوجبها العرف (١).
ثانيا - الزام الشارع:
وهذا مثل الالزام بالديات والأروش وقيمة صيد الحرم عند الاعتداء عليه أو الصيد مطلقا عند الاعتداء عليه من محرم وكفارات الايمان والظهار والافطار عمدا فى رمضان والالزام بما أوجبه الشارع فى الأموال من زكاة وعشر حلى وغيرها والالزام بما يجب من النفقات بوجه عام فان الذمة فى جميع هذه الأحوال تشغل بما يجب أداؤه شرعا من مال لالزام الشارع به اما عقوبة زاجرة عن عمل حرمه أو معونة فرضها لتكون ركيزة من ركائز التعاون الذى يتطلبه بناء المجتمع وبخاصة فى أعضاء الأسرة الواحدة أو بين ذوى القربى.
ثالثا: الفعل الضار بمال الغير:
ونعنى به كل فعل ترتب عليه ضرر مالى لشخص آخر كتلف أو نقص أو تعييب أو ذهاب بعض منافعه أو تغييره أو خلطه بمال الغير أو حيلولة بين المال وصاحبه ويشمل ذلك الاتلاف والتفويت والتعييب والتغيير والغصب وخلط المال بمال آخر على وجه يمنع الانتفاع به ومنع صاحب المال من الانتفاع به ونحو ذلك من كل ما يترتب عليه ذهاب المال أو نقص قيمته أو رفع يد المالك عنه وسواء فى ذلك أن يقع ذلك على سبيل الاعتداء كما اذا حدث من مكلف مع القصد اليه فى مال مملوك لغيره بغير اذن من مالكه وان يقع لا على سبيل الاعتداء كما اذا حدث ذلك من مجنون أو طفل لا يميز أو من نائم حال نومه اذ أن ما يحدث من هؤلاء ومن هم فى حكمهم لا يعد اعتداء لأن الاعتداء لا يكون الا عند المخالفة لما تجب طاعته من الأوامر ولا وجوب عند عدم التكليف ولذا كان ترتب الالتزام والضمان فى هذه الأحوال من قبل الحكم الوضعى أى ترتب المسبب على سببه الشرعى.
فكل هذه الأفعال تستوجب الزام من أحدثها بضمان ما ترتب عليها من الضرر فيلزم بقيمة ما أتلفه من المال كلا أو بعضا أو بقيمة ما انتقصه وذلك على أساس جبران النقص وذلك بالزامه بالفرق بين القيمتين قيمته قبل أن يصيبه الضرر وقيمته بعد ذلك وانما تجب القيمة اذا كان المال التالف قيميا اما اذا كان مثليا فالالزام يكون بالمثل.
وسواء فى الالتزام بذلك ان تحدث تلك الأعمال المسببة للضرر فى مال مملوك لغير من أحدثها أو فى مال مملوك له اذا تسبب عنها ضرر بغيره كما اذا حدثت فى مال تعلق به حق الغير فمس الضرر هذا الحق ومثال ذلك الرهن يعتدى عليه الراهن فيلزم بالتعويض محافظة على حق المرتهن - وهو محل اتفاق بين جميع المذاهب غير أنه فيما يجب ملاحظته فى هذا المقام ان ما يحدث من هذه الأفعال
стр. 7711
من ضرر يتعلق بمنافع الأعيان لا يترتب عليه التزام بالتعويض عنها عند الحنفية وذلك بناء على أنها ليست بأموال عندهم ولا تعويض الا فى الأموال لأن أساس التعويض المبادلة بين العوض والمعوض عنه ولا مبادلة جائزة بين مال وما ليس بمال وعلى ذلك لا تضمن المنافع ولا يلزم متلفها أو المفوت لها بعوض عنها ولو كان ذلك فى سبيل مصلحته وانتفاعه وقد استثنوا من ذلك منافع الأموال الموقوفة وأموال اليتيم والمعد للاستقلال استحسانا للمصلحة.
وخالف ذلك جمهور الفقهاء فذهبوا الى تضمين المنافع والزام متلفها بالضمان.
وقد اتفقت جميع المذاهب الاسلامية على عدم الزام من أحدث ضررا أدبيا بأى تعويض عنه بناء على ما ذكرنا من أن أساس التعويض المعاوضة ولا معاوضة الا من مال وغير مال والمنافع الأدبية لا تعد مالا باتفاق. وفى تفصيل أحكام ذلك يرجع إلى (مصطلح منافع ومصطلح ضمان أو تضمين).
الضرر المباشر والضرر غير المباشر:
تبين مما سبق ذكره ان مناط الالزام بالضمان هو تحقق الضرر المالى فعلا نتيجة لفعل ضار غير أن هذا الضرر قد يحدث نتيجة مباشرة لما باشره المعتدى من فعل دون أن يتوسط بينهما فعل آخر وقد يحدث مع توسط فعل آخر بينهما وفى هذه الحال الأخيرة يجب أن نفرق بين حالين.
حال يكون الفعل المتوسط هو السبب المباشر للضرر بحيث يقطع نسبة الضرر عادة الى الفعل السابق عليه على الرغم من أن له دخلا فى حدوث الضرر ولولاه ما حدث.
وحال لا يكون توسط الفعل واتصاله بحدوث الضرر وترتبه مانعا من نسبة الضرر الى الفعل الأول ففى الحال الأولى يقتصر الالزام بالتعويض على من أحدث الفعل الثانى المتوسط لانتفاء نسبة الضرر الى الفعل الأول وعلى هذا قيل اذا اجتمع المباشر والمتسبب فى أحداث الضرر قدم المباشر على المتسبب وذلك كمن حفر بئرا فى طريق عام فأسقط انسان آخر حيوانا فيه فأتلفه فان الالتزام بالضمان يكون على من أسقط الحيوان لا على من حفر البئر لما ذكرنا اما اذا وقع فيها حيوان بدون أن يدفعه الى ذلك فعل من آخر فان الالزام بالضمان يكون على الحافر أما اذا حفر بئرا فى أرضه فتردى فيها حيوان فلا ضمان عليه لعدم اعتدائه.
وفى استيفاء أحكام هذه الحال فى جميع المذاهب يرجع الى (مصطلح ضمان).
رابعا - تلف المال تحت يد ضمان:
اليد على مال الغير قد تكون يد أمانة وقد تكون يد ضمان فهى يد أمانة اذا وضعت على المال بمسوغ شرعى كاذن من مالكه أو اذن من الشارع ولم يرد دليل من الشارع على تضمين صاحبها وهى يد ضمان فى غير هذه الأحوال - وذلك اذا وضعت اعتداء أو وضعت بغير اعتداء ولكن ورد عن الشارع ما جعلها يد ضمان.
стр. 7712
وحكم يد الأمانة: عدم الزام صاحبها بتعويض ما يتلف من مال تحتها الا اذا كان تلفه نتيجة اعتداء أو تقصير فى حفظها وذلك كيد الوديع ويد المستأجر على العين المستأجرة.
وحكم يد الضمان هو الزام صاحبها بضمان ما يتلف تحت يده بأى سبب من الأسباب وان لم يكن له يد فيه وذلك كمن وضع يده على مال لغيره بدون اذن من صاحبه فاذا أصاب هذا المال تلف أو نقص تحت يده كان ضامنا لما تلف أو لما نقص تحت يده وذلك بضمان قيمته ان كان قيميا أو بمثله ان كان مثليا ومثل ذلك يد المستعير فانها يد ضمان عند الشافعية والحنابلة ويد أمانة عند الحنفية والمالكية وأساس ذلك ورود ما يدل على تضمين المستعير فيما يرى الأولون وعدم صحة ذلك عند الآخرين ومن ايدى الضمان يد القابض على سوم الشراء أو النظر عند الشافعية والمالكية والحنابلة وعلى سوم الشراء عند الحنفية دون يد القابض على سوم النظر عندهم فانها يد أمانة وأساس رأى الأولين كما قالوا انها يد وضعت لتكون وسيلة الى شراء العين أى الى دخولها فى ضمان المشترى فألحق بذلك ما كان وسيلة اليه مادام ذلك هو الغرض من وضع اليد حتى لا يصاب مالك العين بضرر يلحقه من جراء وضع اليد عليها بأن تفوته فرصة ببيعها أو عرضها للبيع اما الحنفية فقد اعتبروا حال القبض على سوم الشراء بحال المشترى مع اشتراط الخيار له. اذا قبض المبيع فانه يقبضه على ضمانه بجامع سبق الاتفاق على اجراء العقد وعلى الثمن اما فى حال سوم النظر فان القابض قد قبض العين باذن من مالكها ليتروى فى أمره فكان حكمها حكم الوديعة. وفى تفصيل ذلك وبيان أحكامه، يرجع الى (مصطلح اعارة ويد وبيع).
خامسا - الحيلولة:
جاء ذكر الحيلولة بين المال وصاحبه كسبب من أسباب الالتزام بالضمان يلزم به من أحدثها فيتعلق بذمته ضمان ذلك المال وان كان لا يزال قائما موجودا على حاله وذلك فى كتب الشافعية والمالكية والحنابلة عند بيانهم لأسباب الضمان فى بعض المسائل فذكر فى هذه الكتب ان التضمين فى هذه المسائل سببه الحيلولة بين المال وصاحبه وذلك بناء على أنها فى حكم الاتلاف لما يترتب عليها من عدم انتفاع المالك بماله الذى حيل بينه وبين ماله فكان مثله مثل المال التالف لا ينتفع به - والحيلولة فى أكثر مسائلها لا تكون الا مع سبق يد الحائل الى المال وقد يكون وضع يده عليها بحق كالوديع الذى يتسبب فى اعطاء الوديعة لآخر يمنعها عن صاحبها فانه يضمن قيمتها له للحيلولة وقد يكون بغير حق كأن يضع انسان يده على مال لغيره ويمنعه عن صاحبه قوة منه واقتدارا.
ومن صورها أن يكون المال فى يد انسان فيقر به لفلان ثم يقربه لفلان آخر ويقضى به للثانى فانه فى هذه الحال يضمن المال للمقر له الأول للحيلولة بينه وبين ماله (باقراره به للثانى).
والحيلولة تعد سبب للالتزام بالضمان بمعنى شغل الذمة بالضمان فقط مادام
стр. 7713
المال الذى حيل بينه وبين مالكه قائما ميسور الرد اذ الواجب حينئذ هو رد المال الى صاحبه باتفاق المذاهب وليس لصاحبه ان يطالب بقيمته واذا أعطيت القيمة فى هذه الحال ملكها صاحب المال ملك قرض وانتفع بها انتفاع القرض وعليه ردها اذا رد اليه المال وان حل له أخذها منعا للضرر عنه بسبب عدم انتفاعه بماله - واما اذا تعذر رد المال الى صاحبه بسبب من الأسباب مع بقائه فانها عندئذ تكون سببا لتضمين والزام الحائل بأداء القيمة الى صاحب المال (١) وفى تفصيل أحكامها يرجع اليها فى (مصطلح حيلولة).
سادسا: الغرر
ويريد به الفقهاء الحمل على قبول مالا خير فيه بوسيلة كاذبة ترغب فيه ويظهر منها أن فيه المصلحة ولو عرفت حقيقته ما قبل.
والغرر قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل فيكون فى العقود فيقبل الانسان عقدا يحسب ان مصلحته فى انشائه أو قبوله فانه خال من الغبن ثم يتبين له أنه قد خدع فيه وأنه على خلاف ما ظن وما كان يرغب فيه ويكون فى الأفعال كما فى الحمل على سلوك طريق على ظن أنه أمن أو على مباشرة فعل ظن أنه غير محظور ثم يتبين أنه على خلاف ذلك.
والذى يقينا من الغرر ما يؤدى بالمغرور الى اتلاف مال على ظن أن له حق اتلافه أو الى احداث ما يتسبب عنه تلف مال لشخص لآخر أو الى قبول المغرور أن يوجد فى مركز يعرضه للالتزام بضمان تلف لم يكن يلزمه لولا وجوده فى هذا المركز استجابة لغروره. ومن أمثلة ذلك:
١ - أن يأمر حائز لشاة غيره بذبحها لحاجة الى لحمها فيذبحها المأمور على ظن أنه مالكها بناء على وضع يده عليها ثم يتبين أنها ليست له.
٢ - أن يستأجر شخص أجيرا لبناء جدار فى فناء داره فيسقط الجدار بعد الفراغ من بنائه على حيوان الانسان فيتلفه ثم تبين أن المؤجر لم تكن له الدار ولا فناؤها - وفى هذه الصورة يرجع الأجير على مؤجره بما غرم.
٣ - أن يودع شخص مالا عند آخر فيتلف المال تحت يد الوديع ثم يظهر ان المال لم يكن لمودعه. ففى هذه الصورة يرجع الوديع على المودع بما ضمن.
٤ - أن يقول انسان لآخر اسلك هذا الطريق بمالك فانه طريق آمن لا خوف فيه فيسلكه فتسطوا اللصوص عليه ويغتصبوا ماله - وفى هذه الصورة اذا ضمن له المال ضمنه عند تلفه فى الطريق والا لم يضمنه اذ لم يكن عليه أن يصدقه.
واختلف الفقهاء فى تضمين الغار قيمة ما تلف بسبب غروره فذهب الحنفية الى تضمينه فى ثلاث حالات:
(أ) أن يكون فى مال مقبوض يرجع نفعه الى القبض كالمال لدى الوديع، يتبين أن مودعه غير مالك له.
стр. 7714
(ب) ان يتضمن الغرور اشتراطا كما اذا زوجه امرأة على أنها حرة ثم تبين أنها رقيقة فان المغرور يرجع على الغار بما يغرمه لمالكها من قيمة ولدها.
(ج) أن يكون الغرور ضمن عقد معاوضة فاذا باع شخص أرضا فبنى فيها المشترى ثم استحقت الأرض رجع المشترى على البائع بقيمة البناء قائما، وفروع الحنفية تدل على أن الغرور القولى لا يستوجب الضمان الا اذا كان فى حال يغلب فيها الصدق عادة حتى يكون المباشر للاتلاف مغرورا له حق الرجوع على الغار والا فلا رجوع اذ أنه لا يجب عليه تصديقه ويرى المالكية فى الغرور القولى رأيين فى ايجابه الضمان على الغار والمشهور عندهم عدم ايجابه الضمان بخلاف الفعلى فانه موجب للضمان والى ذلك ذهب الشافعية وفى تفصيل أحكام الغرور وبيان أراء المذاهب يرجع الى مصطلح غرور (١).
الالتزام وصلته بالذمة
ما تقدم أن الالزام ايجاب وأثره الالتزام وينبنى على ذلك ثبوت الملتزم به فى الذمة أى شغل ذمة الانسان بما ألزم به، فان كان فعلا مطلوبا منه شغلت ذمته بطلب أدائه.
وان كان أمرا محظورا شغلت ذمته بطلب الكف عنه وان كان تخييرا لم تشغل ذمته بطلب ولا بترك اذ لا الزام ولا تكليف فى التخيير.
ولما كان الأصل فى الذمة براءتها وعدم شغلها ابتداء بفعل أو بترك فان الالتزام لا يكون الا أثرا لسبب ترتب عليه وذلك ما تبين عند الكلام على مصادر الالتزام.
الالتزام والحق
لما كان الالتزام لا يكون الا بفعل أو بترك تشغل بهما ذمة الملتزم لمصلحة الملتزم له وذلك ما يعنى اختصاص الملتزم له بما التزم له به اختصاصا أقره الشارع، فأنه يبين من ذلك أن ما يلتزم به يعد حقا للملتزم له، لأن الحق لا يعدو أن يكون اختصاصا بشئ يقره الشارع لشخص سواء أكان اختصاصا بطلب أم بترك، ولا معنى للحق عند تصوره أنه مصلحة منحها الشارع لصاحبها ومنعها عن غيره وكانت فى الواقع تكليفا وعهدة بالنسبة الى من يطالب به ونتيجة ذلك أن الالتزام لا يكون الا بحق وان الملتزم به أخص من الحق اذ ان من الحقوق مالا يعد أمرا ملتزما به ثابتا فى ذمة شخص لشخص آخر كما فى حق الحضانة للحاضنة وحق الملكية وحق الشفعة وحق الانتفاع بالأعيان وجملة القول أن ما تشغل به الذمة اذا نظر اليه من ناحية الملتزم به سمى التزاما واذا نظر اليه من ناحية الملتزم له سمى حقا من قبيل تسمية الشئ باسم متعلقه اذ ليس الالتزام هو الحق ولكن الحق هو موضوع الالتزام ومتعلقه.
ومن الحقوق ما يطلب فتكون محلا لالتزام ما تطلب منه وذلك مطرد فى حقوق الله تعالى فهى دائما مطلوبة من عباده المكلفين بها الذين وجب عليهم أداؤها نتيجة لالزامهم بها.
стр. 7715
أما حقوق العباد فمنها ما يعد قدرة وصلاحية أو مكنة لأصحابها فلا تقتضى مطالبة من غيرهم بأدائها لأنها لا تتعلق بذممهم وانما يقوم عليها نشاط أصحابها وتصرفاتهم وسعيهم كحق الملكية وحق التملك وحق التصرف وحق الانتفاع وحق التعاقد وحق الشفعة وحق الولاية بأنواعها وحق أرباب الوظائف فى وظائفهم وحق الادعاء وحق المالك فى اجازة التصرف وحق الواهب فى الرجوع فى هبته وحق الموصى فى الرجوع فى وصيته ونحو ذلك من كل حق لا يتمثل فى مطالبة من الغير بأداء.
ومنها ما يعد من قبيل الواجب المطلوب من الغير أداؤه أثرا لالتزامه وهى كل حق ترتب على التزام صدر من انسان لغيره نتيجة لالزامه نفسه أو لالزام من له الولاية عليه وجملة القول ان فقهاء الشريعة كثيرا ما يطلقون اسم الحق على الالتزام اذا ما نظر اليه من ناحية طالبه وهو لملتزم له ويطلقون عليه اسم الواجب اذا ما نظر اليه من ناحية الملتزم وقد يطلقون عليه اسم الحق فى الناحيتين فيقولون حق له وحق عليه.
وأظهر ما يتمثل فيه الالتزام فى الفقه هو الالتزام بالدين وذلك ما يعنى الالتزام بأدائه ويعده الحنفية مالا حكما له أكثر أحكام المال ويعده غيرهم مالا حقيقة.
وفى جريان أحكام المال جميعها عليه اختلفت الآراء وذلك ما يرجع فيه الى (مصطلح دين).
انتقال الالتزام
اذا كان الالتزام (١) التزاما بعمل أو بكف عن عمل فانه يكون التزاما شخصيا لا يقبل الانتقال من ذمة الى أخرى اما اذا كان التزاما بمال فانه يقبل الانتقال بالحوالة وذلك بنقل الدين من ذمة المدين الى ذمة شخص آخر وبناء على هذا النقل تبرأ ذمة المدين وتشغل بالمال ذمة من انتقل المال الى ذمته وهو المحال عليه فيحل محل المدين ويصير مدينا ملتزما للدائن المحال بالدين وذلك بناء على ما ذهب اليه الحنفية من أن الحوالة عقد ينتقل به الدين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه وهو مذهب الشافعية والحنابلة اذ عرفوها بأنها نقل دين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه وهو مذهب اليه المالكية من أنها بيع دين بدين (٢) وهذه الحوالة هى ما تعرف بحوالة الدين، أما انتقال الالتزام بالدين الى ذمة أخرى بواسطة البيع ونحوه فيرجع فى بيان أحكامه الى مصطلح دين.
ومما يلاحظ فى الالتزام بالمال أو الالتزام بالدين ان الفقهاء من الحنفية قد ميزوا بين أمرين يتضمنهما هذا الالتزام وهما شغل الذمة بأصل الدين وهذا ما يعبر عنه بوجوب الدين فى الذمة وشغل الذمة بالأداء وهو التزام بفعل وليسا بمتلازمين فيجتمعان فى مدين بدين حال وينفرد بشغل الذمة بالدين دون شغلها بالأداء فى مدين بدين مؤجل وفى مدين لا يعقل كالمجنون والصبى الذى لا يميز اذ ليس أحدهما أهلا لتكليفه والزامه
стр. 7716
بأداء المال وينفرد شغل الذمة بالأداء فى الوكيل عن المدين بالوفاء وفى الوصى على المدين والقيم عليه فذمة هؤلاء مشغولة بالأداء بحكم ولايتهم مع أموال المدين وليست مشغولة بالدين وفى بيان ذلك تفصيل يرجع الى (مصطلح دين).
الالتزام بعد طروء الأعذار
سبق أن من الالتزام مالا يقبل معه من الملتزم عدولا عنه أو رجوعا فيه وهو الالتزام البات وان منه ما يقبل من الملتزم عدولا عنه وهو غير البات كالتزام التبرعات ونحوها على ما ذهب اليه الجمهور وليس طروء العذر على الالتزام غير البات أثر كما هو بين أما مع الالتزام البات فالعذر الطارئ قد يترتب عليه عدم التمكن من القيام به وقد يكون القيام به مع العذر ممكنا ولكن مع الضرر.
فان ترتب على العذر عدم تمكن الملتزم من القيام بالتزامه بطل التزامه اذ لا وجوب ولا الزام مع عدم الاستطاعة ومن ذلك عذر المؤجر بتلف الدابة التى استؤجرت بعينها وعذر الأجير بمرض عضال يحول بينه وبين العمل وعذر المستأجر بتلف محل العمل كما فى استئجار عامل لهدم جدار فسقط الجدار أو هدمه شخص آخر قبل الشروع فى العمل وكما فى استئجار طبيب لقلع ضرس ذهب ألمه واستغنى بذلك عن خلعه وكما فى استئجار دار هدمتها الأمطار قبل ابتداء مدة الاجارة وكما فى بيع دابة نفقت عند بائعها قبل تسليمها أو ضلت هى عنده فلم يعثر لها على مكان وكما فى انقراض المسلم فيه من الأسواق قبل موعد تسليمه وهذا مبدأ عام اتفق عليه الفقهاء ومسائله المتفرعة عليه فى أبواب الفقه عديدة (١).
وان ترتب على العذر الطارئ ضرر بالملتزم اذا مضى فى تنفيذه وكان ضررا غير متوقع فان طروء العذر يجعل للملتزم حق الفسخ وبذلك يستحيل التزامه الى التزام غير بات جاء فى الدر المختار تفسخ الاجارة اذا لزم من المضى فيها ضرر لم يستحق بالعقد وذلك بناء على طلب المتضرر وجاء فى جامع الفصولين كل فعل سبب نقص مال أو تلفه فهو عذر يبيح طلب الفسخ كما اذا استأجر شخصا ليخيط له ثوبا أو ليقطعه ثم بدا له أن يعدل فله طلب الفسخ وفى الفتاوى الهندية:
الاجارة تنقض بالاعذار عندنا وذلك على وجوه.
اما أن يكون العذر من قبل أحد العاقدين أو من قبل المعقود عليه واذا تحقق العذر ذكر فى بعض الروايات أن الاجارة لا تنقض وفى بعضها انها تنقض ووفق مشايخنا فقالوا ان كانت الاجارة لغرض وقد فات ذلك الغرض أو وجد عذر يمنع من الجرى على موجب العقد شرعا انتقضت الاجارة من غير نقض وكل عذر لا يمنع من المضى فى موجب العقد شرعا ولكن يترتب على المضى فيه ضرر لا تنفسخ الاجارة به وانما يكون لصاحب العذر حق الفسخ - وثبوت حق الفسخ يستحيل معه الالتزام من التزام بات الى التزام غير بات ومما فرع على ذلك ما جاء فى المزارعة من انها عقد لازم الا بالنسبة لمن
стр. 7717
شرط عليه البذر قبل القائه فى الأرض فان له حينئذ أن يستقل بفسخها حتى لا يجبر على اتلاف ماله وهو البذر ببذره فى الأرض وقد ينبت وقد لا ينبت وقد تصبه آفة فلا يأتى بمحصول - وراجع مصطلح اجارة لتفصيل أحكام ذلك الموضوع فى مذاهب الفقهاء (١).
انقضاء الالتزام
ينقضى الالتزام بسبب من الأسباب الآتية:
الأول: الوفاء يكون الوفاء بأداء الملتزم به ذلك لأن محل الالتزام هو محل الوفاء فاذا كان الالتزام بأداء مال كان الوفاء بأداء هذا المال واذا كان بتسليم عين كان الوفاء بتسليمها وهكذا ولما كان الوفاء اتفاقا بين الملتزم والملتزم له على مبادلة بين الحق الملتزم به وبدل يدفعه الملتزم نظير ذلك الحق فيملك بها الملتزم ما التزم به ويملك الملتزم له ذلك البدل لزم أن يكون الموفى أهلا للتصرف ومالكا لما أوفى به كما لزم فى الملتزم له أن يكون أهلا كذلك للتصرف واذا كان الملتزم به مالا جاز لطرفى الالتزام الاتفاق على الوفاء بما يقابل به ذلك المال من حيوان أو عرض يعطى بدلا عنه - والوفاء كما يكون باعطاء الحق كاملا يكون باعطاء بعضه واسقاط الباقى ويتم بأداء الملتزم أو بأداء نائبه أو بأداء متبرع عنه (راجع مصطلح وفاء).
الثانى: الابراء: وهو اسقاط الملتزم له ما التزم له به ويكون ذلك فيما يقبل الاسقاط كالديون والحقوق ويكون بكل لفظ يدل على الاسقاط كاسقطت وأبرأت ولا يصح فيما لا يقبل الاسقاط كالأعيان وعلى ذلك يبرأ المشترى من التزامه بالثمن اذا أبرأه منه البائع اذا كان الثمن دينا ثابتا فى الذمة ولا يبرأ البائع من التزامه بتسليم المبيع الى المشترى اذا أبرأه المشترى منه وكان عينا لأن الأعيان لا تقبل الاسقاط - والابراء فيما يقبله من الحقوق لا يتوقف نفاذه على القبول ولكن يرتد بالرد وهذا ما ذهب اليه الجمهور وذهب بعض الفقهاء الى أن نفاذه يتوقف على القبول والى هذا مال كثير من المالكية واليه ذهب زفر من الحنفية وفى بيان أحكامه وتفصيله (يراجع مصطلح ابراء واسقاط).
الثالث: انقضاء مدة الالتزام - وهذا اذا كان الالتزام مؤقتا كما فى الاجارة فينقضى التزام كل من طرفيها بانتهاء مدتها نتيجة لانتهاء العقد بانتهاء مدته وكما فى الكفالة المؤقتة فاذا كفل شخص آخر دينه لمدة شهرين فقط من وقت العقد ثم مضت هذه المدة انتهى التزام الكفيل ولم يجز مطالبته بالدين بعدها
стр. 7718
(وراجع فى ذلك مصطلح كفالة) وكذلك حكم كل التزام وقته الملتزم وكان توقيته صحيحا فانه ينقضى التزامه بانتهاء وقته وذلك كما فى الجعالة والمزارعة والمساقاة والشركة والمضاربة والاعارة والوديعة عند توقيتها اذ ينقضى الالتزام فيها بانتهاء وقتها لانتهائها به (وارجع فى تفصيل هذه الأحكام الى مصطلح جعالة ومزارعة ومساقاة وشركة ومضاربة واعارة ووديعة).
الرابع: استحالة التنفيذ - قدمنا انه يشترط فى الملتزم به أن يكون غير مستحيل لأن الغرض من الالتزام التنفيذ والمستحيل غير قابل للتنفيذ وهذا بين فيما لا يتصور وجوده وهو المستحيل عقلا أما المستحيل عادة فقد اختلف فى انعقاد الالتزام به نظر الفقهاء فمنهم من سوى بينه وبين المستحيل عقلا كزفر والشافعى ومنهم من فرق بينهما فذهب الى انعقاده بالمستحيل عادة - وكذلك الحكم فى بقائه فمن ذهب الى اشتراط امكانه عادة فى انعقاده ذهب الى انقضائه اذا استحال التنفيذ عادة ومن ذهب الى اشتراط امكانه عقلا لاعادة ذهب الى عدم انقضائه باستحالة التنفيذ عادة والى انقضائه باستحالة التنفيذ عقلا (١).
ومما يتصل بهذا فوات محل الالتزام بهلاكه اذ ينقضى الالتزام بذلك لاستحالة التنفيذ فى هذه الحال عقلا ومثل ذلك فى الحكم فوات بعض العقود عليه وعلى ذلك اذا استأجر سقيفة فانهدمت السقيفة قبل انقضاء مدة الاجارة بزلزال أو مطر انفسخت الاجارة فيما بقى من المدة وكذلك لو حلف ليكلمن فلانا اليوم فتوفى فلان أثناء اليوم قبل أن يكلمه انحلت اليمين.
وكذلك اذا حلف ليفعلن كذا يوم كذا فحبس ومنعه الحبس حتى مضى اليوم انحلت (٢) اليمين.
الخامس: اتحاد الذمة: بحلول المدين محل دائنه فى الدين كله أو بعضه ومثال ذلك يظهر فى الوراثة فاذا كان المورث دائنا لوارثه بألف جنيه ولم يكن له وارث سواه فان الدين ينتقل بالوراثة عند الوفاة الى هذا الوارث ويحل فيه محل مورثه وبذلك يصبح دائنا لنفسه بهذا المبلغ وعندئذ يسقط التزامه بالدين اذ لا يلتزم الانسان لنفسه واذا كان الوارث للدائن أكثر من واحد فان الدين ينتقل اليهم جميعا بحسب أنصبائهم فى الميراث فاذا كان الورثة ثلاثة بنين وما لمورثهم من الدين ثلاثة آلاف جنيه فان الدين ينتقل اليهم أثلاثا لكل منهم ألف فاذا كان أحدهم مدينا لمورثه بألف من هذا الدين فقد اتحدت الذمة بالنسبة لألف فقط وسقط الالتزام بالنسبة اليه وهذا بخلاف ما اذا كان المورث مدينا لوارثه فان التركة
стр. 7719
تصير محملة بهذا الدين بعد وفاته باعتباره حقا لوارثه الدائن وعلى هذا اذا جرينا على القول المشهور عند الحنفية وهو أنه لا تركة الا بعد سداد الديون وان الدين على التركة يمنع انتقالها الى الوارث وان كان هو الدائن فانه يرى أن الذمة فى هذه الحال له تتحد لأن الدين لا يزال على التركة أو فى ذمة المتوفى الى أن يسدد وهو لذمة أخرى هى ذمة الوارث أما اذا جرينا على قول آخر عند الحنفية وهو أن الدين اذا كان للوارث لم يمنع انتقالها اليه فان الوارث حينئذ باعتباره قد أصبح مالكا لتركة محملة بدين هو له وهو باعتباره مالكا يكون مطالبا بأدائه والطلب لا يكون الا منه فعلى هذا الاعتبار يكون الطالب والمطالب شخصا واحدا ولذا تمتنع المطالبة اذ لا يطالب الانسان نفسه غير أنه يلاحظ أن الذمة مع ذلك لم تتحد اذ أن الوارث لا يعد مدينا فى هذه الحال وانما يطالب بأداء الدين بمقتضى ولايته والدين له وعلى هذا الوضع يكون الحكم بالنظر الى من يرى أن الدين مطلقا لا يمنع انتقال التركة الى الورثة اذ تكون الورثة مطالبين بأدائه بالنظر الى ولايتهم على التركة وتملكهم لها كما يطالب بذلك الوصى على التركة ويلاحظ أن اتحاد الذمة لا يترتب عليه سقوط الالتزام نهائيا واعتباره معدوما بل انه ليرى وجوب اعتباره قائما موجودا وذلك فى بعض الأحوال مثل حال تعيين الثلث الذى تنفذ فيه الوصية فاذا كانت التركة مدينة والدائن هو الوارث فان الثلث الذى تنفذ فيه الوصية هو ثلثها بعد اعتبار الدين مسددا وكذلك اذا كانت التركة دائنة والوارث هو المدين فأن ثلثها الذى تنفذ فيه الوصية هو ثلث التركة مضافا اليها قيمة الدين الثابت فى ذمة للوارث وعلى هذا الأساس يكون نفاذ وصية المورث الدائن أو المورث المدين - والكفيل بالدين مدين به للدائن ومطالب له به فاذا كان وارثا للدائن فمات الدائن وحل الكفيل محله فى الدين باعتباره وارثا له سقط التزامه ولم يسقط الدين وأصبح الدين للكفيل فى ذمة المدين ولكن اذا اتحدت ذمة المدين والدائن سقط الدين وبرأ الكفيل.
السادس - المقاصة: وهى تساقط دينين متساويين متماثلين لشخصين يدين كل منهما الآخر بأحدهما ويعرفها المالكية بأنها اسقاط مالك من دين على غريمك نظير ماله من دين عليك وهى فى الواقع الطريقة التى تسقط بها الديون عند وفائها فان الدائن بوفاء الدين اليه أى باعطائه مثل دينه يصير مدينا للمدين الموفى بما أعطاه اياه نتيجة ذلك أن يصبح كل منهما مدينا للآخر بمثل ما للآخر عليه من دين فيتساقط الدينان بسبب ذلك وان شئت قلت تمتنع مطالبة كل منهما الآخر بدينه لأنه اذا طالب أحدهما صاحبه بدينه عارضه بطلب مماثل لطلبه فلا يكون لأى من الطلبين فائدة أو نتيجة ولكل دائن حق المقاصة بين
стр. 7720
ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له عليه اذا تماثل الحقان وكان كل منهما نقدا أو مثليا متحد النوع والصفة والجودة والحلول مع الآخر وتقع جبرية دون طلب من أحد فيتساقط الدينان ان كانا متساويين فى المقدار فان تفاوتا فيه سقط من الأكثر بقدر الأقل منهما وبقيت الزيادة.
وسقوط الدينين بالمقاصة هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة فتبرأ الذمة عندهم بالمقاصة براءة اسقاط لا براءة مطالبة أما الحنفية فيرون:
أن أثر المقاصة هو سقوط المطالبة لا نفس الدين الذى يبقى معها شاغلا للذمة عندهم اذ لا سبب لسقوط الدين وتلاشيه وثبوت حق للمدين لا يقتضى فراغ ذمته مما ثبت فى ذمته لدائنه. (ينظر مصطلح مقاصة).
السابع - الحوالة: وقد عرفها بعض فقهاء الحنفية بأنها نقل الدين من ذمة المدين المحيل الى ذمة المحال عليه - وعرفها بعض المالكية بأنها نقل الدين من ذمة بمثله الى ذمة أخرى وحكمها براءة ذمة المدين المحيل مما كان يشغلها من الدين وصيرورة ذمة المحال عليه مشغولة بهذا الدين بسبب نقله اليها والى هذا ذهب جمهور الحنفية وجمهور الحنابلة وجمهور الزيدية وهو رأى عند الشافعية ورأى الشيعة الجعفرية وأهل الظاهر أما جمهور المالكية فانهم يرون أنها مبايعة وهذا رأى لبعض الشافعية ولذا يعرفها هؤلاء بأنها بيع دين بدين أى بيع دين للمحال فى ذمة المحيل بدين للمحيل فى ذمة المحال عليه يحل به المحال فى هذا الدين محل المحيل ولذا اشترطوا لصحتها أن يكون المحال عليه مدينا للمحيل بمثل ما أحال به عليه من الدين خلافا للحنفية فانهم لا يشترطون هذا الشرط.
والنتيجة المترتبة على هذه الآراء هى سقوط الدين المحال به عن ذمة المحيل وصيرورة ذمة المحال عليه مشغولة بدين للمحال بدلا عما كان له فى ذمة المحيل وبناء على ما ذكر تكون الحوالة سببا يسقط ما تشغل به ذمة المحيل من دين للمحال وعلى هذا يبين كونها سببا من أسباب انقضاء الالتزام بالدين القابل للحوالة ولا تتم عند الحنفية الا بقبول المحال عليه أيضا ليتحقق رضاه بشغل ذمته اذ أنها تصبح مشغولة بدين جديد ولا يشترط المالكية والحنابلة والشافعية هذا الشرط وذلك لاشتراطهم فى صحتها أن يكون المحال عليه مدينا بمثل ما أحيل به عليه وليس يترتب عليها عندهم شغل ذمته بدين جديد وانما الذى يترتب عليها صيرورة ما تشغل به ذمته من دين للمحال بعد أن كان للمحيل ولبيان جميع الأحكام والآراء يرجع الى مصطلح حوالة.
الثامن - الموت: للالتزام صور متعددة مختلفة فى أحكامها وانما يسقط بالموت فى بعضها دون بعضها الآخر فاذا كان التزاما تكليفيا كانت أنواعه أربعة:
الأول: ما يكون النظر فيه ابتداء الى الفعل المطلوب لا الى ما فيه من مالية ان كان فيه مال ذلك لأن القصد منه الابتلاء والاختبار ولذا يغلب فيه معنى العبادة
стр. 7721
ويندرج تحت هذا النوع الزكاة وصدقة الفطر والكفارات بأنواعها وفدية الصيام والحج وجزاء الصيد فى الاحرام وما الى ذلك.
الثانى: ما يكون النظر فيه الى الصلة والبر بالأهل والأقارب ويندرج تحته النفقات.
الثالث: ما يكون النظر فيه الى عقوبة المكلف جزاء له على جرم ارتكبه كالكفر أقام عليه ويندرج تحت الجزية.
الرابع: ما يكون النظر فيه الى معنى المؤونة والمال فيفرض فى الأموال كأجرة أو كوظيفة ويندرج تحته العشر والخراج وجميع الوظائف والضرائب المالية التى يفرضها الامام على الرعية لمصلحة ضرورية اقتضت ذلك.
والأنواع الثلاثة:
الأولى تسقط بالموت عند الحنفية فلا يؤخذ شئ من تركة المتوفى لأجلها الا بوصية منه فتجب حينئذ فى تركته وصية منه فى حدود ثلثها الا اذا أجازها الورثة.
أما سقوط النوع الأول فلغلبة معنى العبادة فيه ومن شروطها الطواعية والاختيار وذلك لا يتحقق الا اذا باشرها الانسان بنفسه أو بنائبه أو بايصاء منه فاذا مات ولم يصدر منه ذلك سقط لأن الميت ليس أهلا للابتلاء ولا يعد الوارث نائبا عنه فيها بحكم الشرع اذ تكون نيابته حينئذ جبرية والجبر ينافى العبادة.
وأما سقوط النوع الثانى فلعدم امكان قصد الصلة من المتوفى ولذا تسقط النفقات المتجمدة عن المدة الماضية سواء كانت للزوجة أم للأقارب ولا تؤخذ من تركته بعد وفاته الا اذا فارقها معنى الصلة فأصبحت التزاما بحكم قضائى أو بالتراضى بالنسبة الى نفقة الزوجة وأذن باستدانتها.
وأما سقوط النوع الثالث فلأن المتوفى ليس أهلا للعقوبة بعد وفاته حتى تؤخذ الجزية من تركته.
أما النوع الرابع وهو ما يغلب فيه معنى المؤونة فلا يسقط بالموت كالعشر والخراج وجميع الضرائب لأنها فرضت حقا فى المال والموت لا يذهب بالحقوق.
(راجع مصطلح عشر وخراج).
ذلك ما ذهب اليه الحنفية. وخالف فى ذلك الشافعية والحنابلة (١) اذ يرون ان جميع ما يلزم الانسان بتكليف لا يسقط بالموت سواء كان فيه معنى العبادة أم لا.
لأنها حقوق مالية تعلق بها حق الكافة أو حق الفقراء فلا يسقط بالموت وفى تعرف أحكام ذلك فى جميع المذاهب (يرجع الى مصطلحات زكاة وكفارة وفدية والى مصطلح نفقة وجزية ومصطلح خراج وعشر).
واذا كان التزاما ناشئا عن تعاقد لازم فان منه مالا يسقط بالموت كالالتزام الناشئ عن البيوع بما فيها السلم والناشئ عن القرض والناشئ عن الكفالة والحوالة والرهن. ذلك لأن الالتزام الناشئ عنها يتمثل فى حقوق
стр. 7722
للغير والموت لا يذهب بحقوق الناس ومنه ما يسقط بالموت وذلك فى العقود الآتية:
١ - الاجارة فعقد الاجارة يقتضى الزام المؤجر بتسليم العين المستأجرة والزام الأجير بأن يقوم بالعمل الذى استؤجر له.
ويرى الحنفية ان وفاة كل من المؤجر والأجير والمستأجر تنهى التزامه سواء أبدأ فى الوفاء به أم لم يبدأ فينفسخ عقد الاجارة بالموت ويبطل ما ترتب عليه من التزام ان لم يبدأ فى الوفاء، أو ما بقى منه ان بدأ به ثم حصلت الوفاة قبل انتهائه وأساس ذلك أن عقد الاجارة ينعقد ساعة فساعة على حسب وجود المنافع عند استيفائها فاذا توفى أحد المتعاقدين انتهى العقد لعدم صلاحية المتوفى للاستمرار فى العقد بعد وفاته وذلك عند بعض الفقهاء كالحنفية خلافا لبعضهم كالشافعية وفى بيان ذلك تفصيل وأحكامه «يرجع الى مصطلح (١) اجارة».
٢ - المزارعة والمساقاة: فان من نتيجتهما التزام صاحب الأرض بتسليمها الى المزارع وتمكينه من العمل فيها والتزام المزارع بالقيام بما وجب عليه بالعقد والتزام صاحب الشجر والنخل بتمكين المساقى من العمل فيها والتزام المساقى بما وجب عليه بالعقد وهما عقدان لازمان عند الحنفية الا المزارعة بالنظر الى من شرط عليه البذر وذلك قبل بذره فى الأرض وقد ذكر الحنفية أن القياس يقضى ببطلان هذا التعاقد بوفاة أحد طرفيه سواء كان صاحب الأرض أو الشجر أم كان المزارع أو المساقى والى هذا ذهب ابن حزم ذلك لأن العقد انما يفيد حكمه بالنسبة الى عاقديه لا بالنسبة الى غيرهما اذ لا الزام بدون التزام وأثر العقد قاصر على من عقده فاذا توفى عاقده بطل العقد غير أن الحنفية قد خالفوا القياس فيهما لأن المصلحة قضت بذلك كما خالفوه فى الاجارة عند وجود العذر القاضى ببقائها بعد الوفاة فذهبوا الى أن هذا التعاقد سواء أكان مزارعة أم مساقاة لا يبطل بوفاة أحد طرفيه جملة ولكن على تفصيل يقضى بأنه اذا مات المزارع والزرع بقل لم يدرك ولم يستغن عن الماء ورغب ورثته فى القيام مقامه الى ادراك الزرع وحصاده كان لهم ذلك وبقيت المزارعة على شروطها الى انتهاء مدتها أو حصاد الزرع والا لم يجبروا على العمل لأنهم لم يلتزموه وكذلك الحكم فى المساقاة اذا مات المساقى والشجر فى حاجة الى العمل فيه حتى ينضج ثمره فلورثته اذا أرادوا أن يقوموا مقام مورثهم فى العمل الى ادراك الثمر.
وفى تفصيل أحكام ذلك وبيان رأى المذاهب فيه (يرجع الى مصطلح مزارعة ومصطلح مساقاة (٢).
стр. 7723
واذا كان الالتزام فى عقد لم يتم بسبب عدم قبض محله كالهبة قبل القبض والاعارة قبل قبض العارية والرهن قبل قبض المرهون والقرض قبل اقباض المال المقترض - فان وفاة أحد العاقدين قبل التمام تبطله عند الحنفية ويتبع ذلك انقضاء التزام كل من العاقدين عندهم فوفاة كل من الواهب والموهوب له تبطل الهبة اذا حدثت قبل القبض ووفاة كل من المقرض والمقترض تبطل التزام المقرض اذا كانت قبل القبض وكذلك الحكم فى الاعارة اذا توفى المعير أو توفى المستعير وفى الرهن اذا توفى الراهن أو المرتهن وذلك هو مذهب الحنفية اذ يرون اشتراط بقاء العاقدين فى جميع هذه العقود حيين الى تمامها اما اذا توفى أحدهما فان العقد يبطل بذلك لأن القبض من تمامه ولا يبقى له وجود بعد وفاة أحد عاقديه حتى يتصور تمامه بعد عدمه وخالف فى ذلك المالكية فذهبوا الى الزام الواهب والمقرض والراهن والمعير بما التزم به بمجرد صدور العبارة الملزمة منه وفى بيان أحكام ذلك وتفصيله فى المذاهب المختلفة (يرجع الى مصطلح هبة وقرض واعارة ورهن).
واذا كان الالتزام: ناشئا عن عقد غير لازم كالوكالة والشركة والمضاربة والجعالة والوصية فان ما يترتب على الوكالة من الزام الوكيل بما التزم به والزام الموكل بنتيجة تصرف الوكيل يبطل بموت أحدهما وكذلك الحكم فى الشركة اذا توفى أحد الشركاء انتهى التزامه فيها ولا يحل ورثته فيها محله الا بعقد جديد بينهم وبين سائر الشركاء الأحياء وفى المضاربة ينتهى عقدها بوفاة المضارب أو رب رأس المال عند الحنفية وفى بيان أحكام ذلك وتفصيله فى جميع المذاهب (يراجع مصطلح شركة ومضاربة ووكالة).
أما الجعالة فانها تنتهى بوفاة الجاعل قبل اتمام العمل عند من يرى صحتها وهم غير الحنفية اذ يرى الحنفية بطلانها وفى بيان أحكام ذلك من حيث وفاة الجاعل بعد الشروع فى العمل أو بعد الانتهاء من العمل (يرجع الى مصطلح جعالة).
وأما الوصية فانها مضافة الى وفاة الموصى ولذا كانت وفاة الموصى شرطا فى نفاذها وانما تبطل بوفاة الموصى له حال حياة الموصى باتفاق وفى تفصيل ذلك (يرجع اليه فى مصطلح وصية).
واذا كان الالتزام ناشئا بارادة الملتزم المنفردة غير مقابل بشئ من المال أو العمل فاما أن يضيفه الملتزم الى ما بعد وفاته وهو الوصية وقد سبق الحكم فيها واما أن يلتزمه حال حياته منجزا غير مضاف الى الموت ويتمثل هذا فى النذر وفى التزام المعروف والصلة وفى الوعد أو العدة وفيما يلى بيان الحكم فيه:
النذر:
النذر هو التزام قربة لله تعالى بصيغة تدل على ذلك كنذرت لله كذا من صوم أو حج أو أن أتصدق بمبلغ كذا ونحو ذلك ويجب الوفاء به متى استوفى شروط صحته ويسقط بموت الناذر عند الحنفية فلا يؤخذ من تركته شئ من المال لأجله الا أن يوصى فيكون
стр. 7724
ذلك وصية وقد يكون لمعين وقد يكون لجهة من جهات البر وفى بيان أحكام ذلك تفصيلا فى مذاهب الفقهاء (يرجع الى مصطلح نذر).
الزام المعروف أو الصلة:
يفترق هذا الالتزام عن النذر بأن النذر كما ذكر التزام قربة لله تعالى فاذا لم يكن ذلك الالتزام مقصودا به القربة الى الله تعالى لم يكن نذرا وأطلق عليه اسم الالتزام بالمعروف أو بالصلة، فاذا كان الملتزم به ليس معروفا بأن كان أمرا منكرا فالالتزام به باطل (١) اتفاقا.
والالتزام بالمعروف هو الالتزام بما لا يلزم شرعا وليس منكرا.
وحكمه أنه غير ملزم قضاء وان طلب الوفاء به ديانة وذلك ما ذهب اليه الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية وأهل الظاهر لأن الملتزم فى هذه الحال يلتزم لا فى مقابلة عوض من الملتزم له فكان لذلك متبرعا والمتبرع لا يلزمه الوفاء قضاء بما تبرع به لقوله تعالى:
«ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ٢».
وذهب المالكية الى أن الزام شخص نفسه شيئا من المعروف سواء أكان ذلك مطلقا أو معلقا على شرط كان ذلك منه فى حكم العطية ويتم ذلك بصيغة تدل على الالزام وأركانه أربعة كأركان الهبة.
الملتزم والملتزم له، والملتزم به والصيغة ويشترط فى كل ركن من هذه الأركان ما يشترط فى أركان الهبة (راجع مصطلح هبة).
غير أن الركن الثالث وهو الملتزم به لا يشترط فيه أن يكون عينا كما هو الحاصل فى الهبة بل قد يكون بكل ما فيه منفعة واذا كان الالتزام بغير عوض فلا يتم الا بالحيازة ويبطل بالموت والفلس قبلها كما فى سائر التبرعات.
ويصح الالتزام مع جهالة الملتزم به متى كان فى الامكان العلم به عند التنفيذ كما لو التزم شخص لآخر بربحه فى بيع سلعة معينة فانه يقضى عليه به بعد البيع اذا كان لمعين والا لم يقض به وانما يؤمر بالوفاء ديانة
والالتزام بالمعروف فيما يرون يتناول الصدقة والهبة والحبس والعارية والعمرة والرقبى والعرية والمنحة والارفاق والاخدام والاسكان وهذا بمعناه الأعم.
أما بالمعنى الأخص المعروف فلا يراد به الالتزام بمال يعطى على وجه التبرع على وضع لا يعد شيئا مما ذكر والواقع أن الفرق
стр. 7725
بين هذه الحقائق انما هو أمر اعتبارى اعتبره الفقهاء فى كل باب وهو لازم للملتزم به يقضى به عليه ما لم يفلس أو يمت أو يمرض مرض الموت ان كان الملتزم له معينا ولا خلاف فى ذلك عند المالكية الا على القول بأن الهبة لا تلزم بالقول وهو خلاف المعروف من المذهب وقد نقل ابن رشد الاتفاق على لزوم الهبة بالقول وفى المدونة أن من أشهد على نفسه بأنه ضامن بما قضى به لفلان على فلان لزمه ما أوجبه على نفسه من الكفالة وان لم يقبل المكفول له لأن ذلك معروف أوجبه الملتزم على نفسه وفيها أيضا من ضمن لرجل ماله من دين على ميت لزمه ذلك ولم يكن له أن يرجع وعلى ذلك من التزم بالانفاق على شخص مدة معينة أو مدة حياة المنفق أو المنفق عليه أو الى أن يقدم فلان من سفر لزمه ذلك.
واذا كان الملتزم له غير معين كالفقراء والمساكين فالمشهور من مذهب مالك أن الملتزم يؤمر بالوفاء ديانة ولا يقضى عليه به لعدم تعين صاحب الحق، ومن المالكية من ذهب الى أن الحاكم يجبره على التنفيذ اذا علم بذلك دون حاجة الى مخاصمة أو ادعاء والقولان مدكوران فى المدونة واذا كان الالتزام على وجه الحلف أو التعليق قصدا الى فعل شئ أو الى امتناع عن فعل شئ فلا يقضى به ولو تحقق الشرط وانما يجب الوفاء به ديانة سواء أكان الملتزم له معينا أم غير معين وهذا هو المشهور فى المذهب ذلك لأن الملتزم انما قصد بالتزامه أن يفعل شيئا أو أن يمتنع عن فعله وهذا ما يخرج الالتزام عن معنى قصد البر من الملتزم ومن المالكية من ذهب الى أنه يقضى عليه بذلك فقد نقل عن ابن دينار أنه قال من التزم لأمرأته بأنه ان تسرى عليها فالسرية ملك لها فتسرى كانت ملكا لها حتى اذا أعتقها لم ينفذ عتقه والمذهب لا يلزمه ذلك وعن ابن نافع قال اذا باع الرجل سلعة من رجل ثم قال له ان خاصمتك فيها فلك كذا ثم خاصمه لزمه ما التزم به وقد ذكروا ان الالتزام اذا حدث على سبيل المخاطرة لم يكن ملزما كما اذا قال أحد الخصمين للآخر اذا لم آت ببينة أو بمستند على دعواى فى مدة كذا فدعواى باطلة فمثل هذا الالتزام لا يلزم صاحبه.
ومن مسائل الالتزام التى نصوا عليها أيضا ما يأتى:
١ - اذا التزم شخص لآخر بما يخسره ذلك الشخص فى بيعه سلعة معينة لزمه ذلك.
٢ - اذا التزم الموصى بعدم الرجوع فى الوصية لزمه ذلك على الأصح وقيل لا يلزمه وكذلك الحكم اذا التزم الواهب عدم الاعتصار فى هبته والموكل عدم عزل وكيله والمراد بالاعتصار: رجوع الأب فيما وهبه لابنه.
٣ - اذا التزم أربعة أخوة يعملون ٨ التجارة لأخ حاضر عاجز عن الكسب بخمس ربحهم لزمهم ذلك.
стр. 7726
٤ - اذا قال رجل لزوجته ان ولدت غلاما فلك كذا فولدت غلاما لزمه ما التزم به وقضى به عليه (١).
٥ - اذا التزمت الحاضنة نفقة محضونها ان خرجت به من غير اذن أبيه فخرجت لزمها ذلك على الأرجح.
٦ - من التزم لآخر بان يدفع اليه كذا ان سافر من البلد الذى هو فيه لم يلزمه ذلك على المشهور وقيل يلزمه ان خرج.
٧ - لو التزم الانسان بمال لآخران دله على من يشترى منه داره، لزمه المال ان دله وتفصيل القول فى الالتزام اذا كان معلقا أنه على سبعة أنواع لأن الفعل المعلق عليه اما أن يكون اختياريا أو غير اختيارى والاختيارى اما أن يكون واجبا أو حراما أو مباحا جائزا والمباح اما أن يكون لا منفعة فيه أو فيه منفعة وما فيه المنفعة قد تكون منفعته للملتزم وقد تكون للملتزم له وقد تكون لغيرهما فان علق على فعل ليس باختيارى كقول الملتزم لزوجته ان ولدت غلاما فلك كذا فهو صحيح لازم يقضى به اذا ما تحقق الشرط لأنه لمعين وان كان (٢) معلقا فان كان على فعل اختيارى واجب على الملتزم له مثل ان جئتنى بمتاعى الضائع فلك عندى كذا والمتاع عند الملتزم له أو يعلم مكانه فهو التزام لغو اذ لا يجوز ان يعطى شيئا نظير فعل واجب عليه والمراد بالواجب الواجب العينى أما ان كان واجبا كفائيا فان الالتزام يكون صحيحا وعن ابن رشد اذا كان الملتزم يعلم ان ذلك الفعل واجب على الملتزم له فانه يلزمه ويحمل على ارادة حمله وترغيبه فى الاتيان بالفعل ولذا قالوا فيمن قال لكافر ان أسلمت فلك كذا أنه التزام صحيح لازم وان كان معلقا على فعل اختيارى هو حرام على الملتزم له مثل ان قتلت فلانا فلك كذا فهو التزام باطل وان كان معلقا على فعل اختيارى فيه منفعة للملتزم فهو على أربعة أوجه:
الأول: أن يكون بدل مال من الملتزم له للملتزم أو لغيره فهو من باب هبة الثواب وذلك صحيح عند توافر شرطها (راجع مصطلح هبة).
الثانى: ان يكون معلقا على بدل منفعة من الملتزم له وذلك من باب الاجارة وهو صحيح عند توافر شرطها (راجع مصطلح اجارة).
الثالث: أن يكون معلقا على فعل يقوم به الملتزم له وذلك من قبيل الجعالة وهو صحيح عند توافر شرطها (راجع مصطلح جعالة).
الرابع: أن يكون المعلق عليه اسقاط الملتزم له حقا من حقوقه وحكمه كالثالث.
стр. 7727
ويلاحظ أنه اذا كان الالزام مقابلا بعوض لم يبطل بالموت أو الفلس بل ينظر فيه الى حكم ما الحق به من العقود.
وان كان الالزام معلقا على فعل فيه منفعة للملتزم له مثل ان بعت بيتك فلك كذا وكذلك اذا كان معلقا على فعل شخص أجنبى فهو التزام صحيح اذا تحقق شرطه.
وان كان الالتزام معلقا على فعل منفعة لغير الملتزم والملتزم له مثل ان وهبت عبدك لفلان فلك كذا فهو من قبل هبة الثواب أو الجعل أو الاجارة حسب اختلاف العوض وان كان معلقا على فعل لغير الملتزم والملتزم له فحكمه حكم الالتزام المطلق فيقضى به اذا وجد المعلق عليه وكان الملتزم معينا والا لا.
هذا والالتزام اذا كان باسقاط حق لم يجب فهو التزام باطل اذ لا يقبل السقوط الا الحق الموجود فعلا.
الوعد أو العدة:
يراد بالوعد أو العدة ما يفرضه الانسان على نفسه من المال لغيره حال حياته على سبيل التبرع فى غير تعاقد بعبارة لا تفيد الالتزام ويرجع فى بيان ما تدل عليه عبارته من افادتها الالتزام وعدمها الى العرف والقرائن ويجب الوفاء به دينا وخلقا باتفاق وقد دل على ذلك الكتاب والسنة ولكن لا يجب الوفاء به قضاء عند الجمهور وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر والشيعة والزيدية وقال عبد الله ابن شبرمة الوعد لازم كله ويقضى به على الواعد ويجب عليه تنفيذه وهذه رواية عن أحمد ذكرها ابن تيمية فى كتابه الاختيارات أما المالكية فقد ذكر ابن عرفة ان الوعد عندهم أمر مطلوب الوفاء به ولكنهم اختلفوا فى لزومه بالقضاء عند الامتناع على أربعة أقوال:
١ - أنه لا يلزم مطلقا.
٢ - أنه لازم مطلقا.
٣ - لازم ان قرن بشرط يعد سببا له.
٤ - لازم ان قرن بسبب يترتب عليه وشرع فيه فعلا.
وهو على كل حال يبطل بموت الملتزم.
نص على ذلك الحطاب فى كتابه أحكام الالتزامات والرهونى فى حاشيته على الزرقانى وعلى هذا اذا توفى الواعد بطل وعده اتفاقا عند المالكية ولا يرجع عليه بشئ فى تركته وهذا ما لم يقضى به (١).
стр. 7728
أم
التعريف اللغوى (١):
جاء فى «المعجم الوسيط» أن الأم أصل الشئ للحيوان والنبات والأم الوالدة وتطلق على الجدة يقال حواء أم البشر، والأم الشئ يتبعه ما يليه ومنه أم الكتاب فاتحته وأم النجوم المجرة، وأم الطريق الطريق الأعظم بجانبيه طرق أخرى وأم القرى مكة وكل مدينة هى أم ما حولها من القرى وأم الرأس الدماغ، وأم الخبائث الخمر، والأم العلم فى مقدمة الجيش.
وجمع الأم أمات وأمهات، وقال بعضهم الأمهات فيمن يعقل والأمات بغير (ها) فيمن لا يعقل فالأمهات للناس والأمات للبهائم قال ابن برى: وربما جاء بعكس ذلك كما قال السفاح اليربوعى فى الأمهات بغير الآدميين.
قوال معروف وفعاله … عقار مثنى أمهات الرباع
وقال جرير فى الأمات للآدميين:
لقد ولد الأخيطل أم سوء … مقلدة من الأمات عارا
ويقال هو من أمهات الخير يعنى من أصوله ومعاونه، وأصل الكلمة أم. يقال أمت المرأة تؤم أمومة اذا صارت أما وأمت المرأة ولدا صارت له كالأم ويقال أم الشئ وأم الى الشئ أما بمعنى قصده يقال خرجوا يؤمون البلد.
وتستعمل الأم مؤنثة فيقال الأمة، والأمة الوالدة، والأمة جماعة من الناس أكثرهم من أصل واحد وتجمعهم صفاة موروثة ومصالح وأمانى واحدة أو يجمعهم أمر واحد من دين أو مكان أو زمان يقال الأمة المصرية والأمة العربية.
والأمة كل جنس من الحيوان والأمة الجيل والأمة الرجل الجامع لخصال الخير قال الله فى كتابه العزيز «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً» (٢) والأمة الدين قال الله فى كتابه الكريم «إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ» (٣) والأمة الطريقة والأمة الحين والمدة قال الله ﵎ فى كتابه الكريم «وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ» (٤) وينسب الى الأم أو الأمة فيقال أمى، والأمى من لا يقرأ ولا يكتب.
تعريف (أم) فى اصطلاح الفقهاء:
لا يكاد الفقهاء يخرجون فى تعريفهم لأم على ما جاء فى المعنى اللغوى - فقد جاء فى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ان الأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة من جهة الأم أو من جهة الأب (٥) وذكر فى (القرطبى) أن الأم اسم لكل انثى لها عليك ولادة فيدخل فى ذلك الأم دنية (٦) أى لاصقة النسب، وأمهاتها
стр. 7729
وجداتها، وأم الاب وجداته وان علون (١) ويقول أبو حامد الغزالى «وأمك كل أنثى ينتهى اليها نسبك بالولادة ولو بوسائط وكل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت من يرجع نسبك اليه فهى أمك».
وجاء فى (كشاف القناع عن متن الاقناع) (٢) أن أمهاتك كل من انتسبت اليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهى التى ولدتك أو مجازا وهى التى ولدت من ولدك وان علت وارثة كانت أو غير وارثة فقد ذكر أبو هريرة هاجر أم اسماعيل فقال رسول الله ﷺ «تلك أمكم يا بنى ماء السماء» وفى الدعاء المأثور: اللهم صلى على أبينا آدم وأمنا حواء.
وجاء فى (الروضة البهية) ان أمك من الرضاعة هى كل امرأة أرضعتك أو رجع نسب من أرضعتك أو صاحب اللبن اليها أو أرضعت من يرجع نسبك اليه ذكرا أو أنثى وان علا (٣).
وعلى هذا فالأم اما نسبية وهى التى ينتهى اليها نسبك بالولادة ولو بوسائط واما رضاعية وهى التى أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت من يرجع نسبك اليه ولكل منهما أحكامه الخاصة به.
أحكام الأم
لبحث أحكام الأم علينا أن نفصل أحكام الأم النسبية عن أحكام الأم الرضاعية تبعا لآراء الأئمة فى كل منهما.
أولا: أحكام الأم النسبية
الأم وارضاع الطفل
مذهب الحنفية:
جاء فى «الهداية شرح بداية المبتدى» أن نفقة الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه فى نفقة الزوجة أحد لقول الله «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» (٤) والمولود له هو الأب.
وان كان الصغير رضيعا فليس على أمه أن ترضعه لما بينا أن الكفاية على الأب وأجرة الرضاع كالنفقة ولأن الأم عساها لا تقدر على الرضاع لعذر بها فلا معنى للجبر عليه وقيل فى تأويل قوله «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها» (٥) بالزامها الارضاع مع كراهتها.
وهذا الذى ذكرنا بيان الحكم وذلك اذا كان يوجد من ترضعه.
أما اذا كان لا توجد من ترضعه تجبر الأم على الارضاع صيانة للصبى عن الضياع ويستأجر الأب - لأن الأجر عليه - من ترضعه عندها اذا أرادت ذلك لان الحجر لها
стр. 7730
وان استأجرها وهى زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز لأن الارضاع مستحق عليها ديانة. قال الله «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ» (١) الا انها عذرت لاحتمال عجزها فان أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها فكان الفعل واجبا عليها فلا يجوز أخذ الأجر عليه وهذا فى المعتدة عن طلاق رجعى رواية واحدة لان النكاح قائم وكذا فى المبتوتة فى رواية لأن النكاح باق فى بعض الأحكام وفى رواية أخرى جاز استئجارها لأن النكاح قد زال ولو استأجرها وهى منكوحته أو معتدته لارضاع ابن له من غيرها جاز لانه غير مستحق عليها وان انقضت عدتها فاستأجرها لارضاع ولدها جاز لأن النكاح قد زال بالكلية وصارت كالأجنبية.
فان قال الأب لا استأجرها وجاء بغيرها فرضيت الأم بمثل أجر الأجنبية أو رضيت بغير أجر كانت هى أحق لأنها أشفق فكان نظرا للصبى فى الدفع اليها.
وان التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها دفعا للضرر عنه واليه الاشارة بقول الله «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» (٢) أى بالزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى «المدونة الكبرى» أنه يلزم الأم ارضاع ولدها على ما أحبت أو كرهت الا أن تكون ممن لا تكلف ذلك وهى المرأة ذات الشرف واليسار الكثير التى ليس مثلها ترضع وتعالج الصبيان فان ذلك على أبيه، وان كان لها لبن. فان كانت الأم لا تقدر على لبن وهى ممن ترضع لو كان لها لبن فعلى الأب.
وكل ما أصابها من مرض يشغلها عن صبيها أو ينقطع به درها فالرضاع على الأب يغرم أجر الرضاع ولا تغرم هى قليلا ولا كثيرا:
وان كانت ممن ترضع أو كان لها لبن فانها لا تأخذ أجر ارضاعها من زوجها وعليها أن ترضع ولدها على ما أحبت أو كرهت.
فان مات الأب وهى ترضعه يسقط عنها ما كان يلزمها للصبى من الرضاع ان كان له مال، والا أرضعته ان لم يكن له مال وذلك فى الرضاع وحده.
والنفقة مخالفة للرضاع فى هذا فان كان ابنها رضيعا ولا مال للابن يلزمها ارضاع ابنها على ما أحبت أو كرهت، ولا تلزمها النفقة وانما يلزمها الرضاع، فان كان للصبى مال فلما مات الأب قالت لا أرضعه فان ذلك لها ويستأجر للصبى من ترضعه من ماله الا أن يخاف على الصبى ان لا يقبل غيرها. فتجبر على رضاعه وتعطى أجر رضاعه.
ويرى ابن القاسم انه كان قد طلقها تطليقة يملك الرجمة بها فانه ما دامت نفقة المرأة على الزوج فان الرضاع عليها اذا كانت ممن ترضع فاذا انقطعت نفقة الزوج عنها كان رضاعه على أبيه.
وان طلقها البتة فان أجر الرضاع على الأب وهو قول الامام مالك رحمه الله تعالى.
стр. 7731
وان طلقها تطليقة فاذا انقضت عدتها كان رضاع الصبى على الأب فى قول مالك والأم احق بالرضاع بما ترضع غيرها من الأجر فان أبت أن ترضع بذلك فلا حق لها وان أرادت أن ترضعه بما ترضع الأجنبية فذلك للأم وليس للأب أن يفرق بينهما اذا رضيت أن ترضعه بما ترضع به غيرها من النساء فان كان ذلك ضررا على الصبى بأن يكون قد علق بأمه لا صبر له عنها أو كان لا يقبل المراضع أو خيف عليه فأمه أحق به بأجر رضاع مثلها وتجبر الأم اذا خيف على الصبى اذا لم يقبل المراضع أو علق بأمه حتى يخاف عليه الموت اذا فرق بينهما أجبرت الأم على رضاعة صبيها باجر رضاع مثلها.
فان كان رجلا معدما لا شئ له وقد طلق امرأته البتة فوجد من ذوات قرابته أخته أو أمه أو ابنته أو عمته أو خالته من ترضع بغير أجر فقال لأمه أما أن ترضعيه بلا أجر فانه لا شئ عندى واما أن تسلميه الى هؤلاء اللاتى يرضعنه لى بلا أجر أى مجانا كان له ذلك عليها اما أن ترضعه بلا أجر واما أن تسلمه الى من ذكر.
ولو كان قليلا ذات يده لا يقوى من الرضاع الا على الشئ اليسير الذى لا يشبه ان يكون رضاع مثلها ووجد امرأة ترضع له بدون ذلك كان ذلك اما أن ترضعه بما وجد، واما أن أسلمته الى من وجد.
وان كان موسرا فوجد من ترضع به بلا أجر لم يكن له أن يأخذه منها لما وجد من يرضعه باطلا - بلا أجر - وعليه اذا أرضعته الأم بما ترضعه غيرها أن يجبر الأب على ذلك.
قال سحنون وقد روى أن الأب اذا وجد من يرضع ابنه باطلا - بلا أجر - وكان الأب موسرا كان ذلك له ويقال للأم ان شئت فأرضعيه باطلا - بلا أجر - والا فلا حق لك فيه (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى «الأنوار» أنه يجب على الأم أن ترضع ولدها اللبأ، وكذا الارضاع بعده ان لم توجد مرضعة أجنبية وان وجدت غيرها ولم ترغب الأم لم تجبر سواء كانت فى نكاحه أو بائنة ممن ترضع فى العادة أم لا.
وان رغبت فان كانت فى نكاحه فله منعها من الارضاع للاستمتاع بها وقيل لا. فان قلنا به أو توافقا عليه وأرضعت متبرعة فذاك ولا يزاد فى نفقتها وان طلبت أجرة فلها ذلك ولها الأجرة مع النفقة ان لم يمنع الارضاع الاستمتاع ولم ينقصه وان منع أو نقص فلا نفقة.
وان لم تكن فى نكاحه وتبرعت به فلا منع وان لم تتبرع فان طلبت أكثر من أجرة مثلها فله منعها واسترضاع أجنبية بأجرة المثل وان غلبت أجرة مثلها فهى أولى من الأجنبية بأجرة المثل وان وجدت أجنبية تتبرع أو ترض بدونها وهى تطلب أجرة المثل فله المنع.
ولو قال أجد متبرعة أو راضية بدونها وأنكرت صدق بيمينه.
وللسيد اجبار أمته ومستولدته على ارضاع
стр. 7732
ولده منها وليس له تسليم ولدها الى غيرها وهى ترضعه للتفريق، ولا ان يكلفها ارضاع غير ولدها معه بأجرة ودونها الا أن يفضل عن رى ولدها أو مات أو استغنى عن اللبن وله اجبارها على فطامه قبل الحولين اذا اكتفى بغير اللبن وعلى الارضاع بعد الحولين وان اكتفى بغيره الا اذا تضررت به وليس لها الاستقلال بالارضاع ولا بالفطام.
وللحرة حق التربية فليس لواحد من الأبوين الاستقلال بالفطام قبل الحولين ويجوز بالاتفاق اذا لم يتضرر الولد به وبعد الحولين جاز لكل منهما اذا اجتزأ بالطعام ويجوز ان يزاد على الحولين ان اتفقا (١).
مذهب الحنابلة:
يقول «صاحب كشاف القناع» (٢) يجب نفقة ظئر أى مرضعة الصغير ذكرا كان أو أنثى فى ماله ان كان، كنفقة الكبير.
فان لم يكن للصغير مال فعلى من يلزمه نفقته من أب أو غيره.
ويختص وجوبها بالأب وحده ان كان لقوله «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (٣).
وجاء فى عمدة الفقه فان لم يكن له أب ولا مال فعلى ورثته أجر رضاعه على قدر ميراثهم منه (٤).
وجاء فى «كشاف القناع» ولا يلزمه نفقة الظئر لما فوق الحولين لقول الله «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (٥) ولا يفطم قبلها للآية الا باذن أبويه فيجوز، الا أن ينضر الصغير فلا ولو رضيعا لحديث رسول الله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار».
وفى «الرعاية» هنا يحرم رضاعه بعدها ولو رضيا.
وظاهر «عيون المسائل» اباحته مطلقة قاله فى «المبدع».
وقال فى «تحفة الودود فى أحكام المولود» ويجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين الى نصف الثالث أو أكثره.
وللأب منع امرأته من خدمة ولدها منه لأنه يفوت عليه حقه من الاستمتاع بها ويقدرها، ولا ينافى ذلك أنها أحق بحضانته اذ لا يلزم منه مباشرة الخدمة بنفسها بل تخدمه خادمها ونحوها عندها ولا يمنع الأب أم الرضيع من رضاعه اذا طلبت ذلك وان طلبت أجرة مثلها ووجد الأب من يتبرع له برضاعه فالأم أحق سواء كانت فى حبال الزوج أو مطلقة لقول
стр. 7733
الله ﵎ «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ». وهو خبر يراد به الأمر وهو عام فى كل والدة لقوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (١) ولأنها أشفق وأحق بالحضانة ولبنها أمرأ.
فان طلبت أكثر من أجرة مثلها ولو بيسير لم تكن أحق به مع من يتبرع بالرضاعة أو يرضع بأجرة المثل لقول الله ﵎ «وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى» (٢) الا أن لا يوجد من يرضعه الا بمثل تلك الزيادة فتكون الأم أحق من الأجنبية لشفقتها ولو كانت أم الرضيع مع زوج آخر وطلبت رضاعه بأجرة مثلها ووجد من يتبرع برضاعه فأمه أحق اذا رضى الزوج الثانى بذلك للآية - وقد رضى الزوج باسقاط حقه فأشبهت غير المزوجة واذا أرضعت الزوجة ولدها وهى فى حبال والده فاحتاجت الى زيادة نفقة لزمه ذلك اذ كفايتها واجبة عليه لحق الزوجة ولرضاعة ولده واذا امتنعت الأم الحرة من رضاع ولدها لم تجبر ولو كانت فى حبال الزوج لقول الله ﵎ «وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى» واذا اختلفا فقد تعاسرا، وقول الله ﵎ «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ» محمول على حال الاتفاق وعدم التعاسر الا أن يضطر الصغير اليها أو يخشى عليه بأن لا يوجد مرضعة سواها أولا يقبل الصغير الارتضاع من غيرها فيجب عليها ارضاعه لأنه حال ضرورة وحفظ النفس كما لو لم يكن له أحد غيرها ولكن يجب عليها أن تسقيه اللبأ لتضرره بعدمه بل يقال لا يعيش الا به وللزوج منع امرأته من ارضاع ولد غيرها ومن ارضاع ولدها من غيره من حين العقد لأن عقد النكاح يقتضى تمليك الزوج من الاستمتاع فى كل الزمان سوى أوقات الصلوات فالرضاع يفوت عليه الاستمتاع فى بعض الأوقات فكان له منعها منه كالخروج من منزله الا أن يضطر اليها الطفل بأن لا يوجد من يرضعه غيرها أو لا يقبل الارتضاع من غيرها فيجب التمكين من ارضاعه لانه حال ضرورة وحفظ فقدم على حق الزوج كتقديم المضطر على المالك اذا لم يكن به مثل ضرورته أو تكون المرأة قد اشترطت الرضاعة على الزوج عند العقد فلا يمنعها منه نصا لحديث رسول الله ﷺ «المؤمنون على شروطهم» (٣).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم: الواجب على كل والدة حرة كانت أو أمة فى عصمة زوج أو فى ملك سيد أو كانت خلوا منهما لحق ولدها بالذى تولد من مائه أو لم يلحق أن ترضع ولدها أحبت أم كرهت ولو أنها بنت الخليفة فتجبر على ذلك الا أن تكون مطلقة فان كانت مطلقة لم تجبر على ارضاع ولدها من الذى طلقها الا أن تشاء هى ذلك فلها ذلك أحب أبوه أم كره أحب الذى تزوجها بعده أم كره.
стр. 7734
فان تعاسرت هى وأب الرضيع أمر الوالد بأن يسترضع لولده امرأة أخرى ولا بد الا أن لا يقبل الولد غير ثديها فتجبر حينئذ أحبت أم كرهت، أحب زوجها إن كان لها أم كره.
فان مات أب الرضيع أو أفلس أو غاب بحيث لا يقدر عليه أجبرت الأم على ارضاعه الا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به فانه يسترضع له غيرها. ويتبع الأب بذلك ان كان حيا وله مال.
فان لم تكن مطلقة لكن فى عصمته، أو منفسخة النكاح منه أو من عقد فاسد يجهل فاتفق أبوه وهى على استرضاعه وقبل غير ثديها فذلك جائز.
فان أراد أبوه ذلك فأبت هى الا ارضاعه فلها ذلك فان أرادت هى أن تسترضع له غيرها وأبى الوالد لم يكن لها ذلك وأجبرت على ارضاعه قبل غير ثديها أو لم يقبل غير ثديها الا أن لا يكون لها لبن أو كان لبنها يضر به فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع لولده غيرها فان لم يقبل فى كل ذلك الا ثدى أمه أجبرت على ارضاعه ان كان لها لبن لا يضر به فان كان لا أب له اما بفساد الوط ء بزنا أو اكراه أو لعان أو بحيث لا يلحق بالذى تولد من مائه واما قد مات أبوه فالأم تجبر على ارضاعه الا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به أو ماتت أمه أو غابت بحيث لا يقدر عليها فيسترضع له غيرها سواء فى كل ذلك كان للرضيع مال أو لم يكن.
فان كان له أب وأم فأراد الأب فصاله دون رأى الأم أو أرادت الأم فصاله دون رأى الأب فليس ذلك لمن أراده منهما قبل تمام الحولين كان فى ذلك ضرر بالرضيع أو لم يكن.
فان أرادا جميعا فصاله قبل الحولين فان كان فى ذلك ضرر على الرضيع لمرض به أو اضعف بنيته أو لأنه لا يقبل الطعام لم يجز ذلك لهما فان كان لا ضرر على الرضيع فى ذلك فلهما ذلك فان أرادا التمادى على ارضاعه بعد الحولين فلهما ذلك.
فان أراد أحدهما بعد الحولين فصاله وأبى الآخر منهما فان كان فى ذلك ضرر على الرضيع لم يجز فصاله.
وكذلك ولو اتفقا على فصاله وان كان لا ضرر على الرضيع فى فصاله بعد الحولين فأى الأبوين أراد فصاله بعد تمام الحولين فله ذلك.
هذا حق الرضيع والحق على الأب والأم فى ارضاعه.
واما الواجب للأم فى ذلك فان كان الولد لا يلحق نسبه بالذى تولد من مائه أو كان أبوه ميتا أو غائبا حيث لا يقدر عليه ولا وارث للرضيع فالرضاع على الأم ولا شئ لها على أحد من أجل ارضاعه.
فان كانت فى عصمته بزواج صحيح أو ملك يمين صحيح فعلى الوالد نفقتهما وكسوتهما فقط كما كان قبل ذلك ولا مزيد.
وان كانت فى غير عصمته فان كانت أم ولده فأعتقها أو منفسخة النكاح بعد صحته بغير طلاق لكن بما ينفسخ به النكاح بعد صحته أو موطوءة بعقد فاسد بجهل يلحق فيه الولد بوالده أو طلقها طلاقا رجعيا وهو رضيع فلها
стр. 7735
فى كل ذلك على والده النفقة والكسوة فقط ولا مزيد فان كان فقيرا كلفت ارضاعه ولا شئ لها على الأب الفقير.
فان غاب وله مال وامتنع اتبع بالنفقة والكسوة متى قدر له على مال.
فان كانت مطلقة ثلاثا أو أتمت عدتها من الطلاق الرجعى بوضعه فلها على أبيه الأجرة فى ارضاعه فقط فان رضيت بأجرة مثلها فان الأب يجبر على ذلك أحب أم كره ولا يلتفت الى قوله أنا واجد من ترضعه بأقل أو بلا أجرة فان لم ترض هى الا بأكثر من أجرة مثلها وأبى الأب الا أجرة مثلها فهذا هو التعاسر وللأب حينئذ أن يسترضع غيرها لولده الا أن لا يقبل غير ثديها أو لا يجد الأب الا من لبنها مضر بالرضيع أو كان الأب لا مال له فتجبر الأم حينئذ على ارضاعه وتجبر هى والوالد على أجرة مثلها ان كان له مال والا فلا شئ عليه.
وكل ما ذكر انه يجب على الوالد فى الرضاعة من أجرة أو رزق أو كسوة فهو واجب عليه كان للرضيع مال أو لم يكن، كانت صغيرة زوجها أبوها أو لم تكن بخلاف النفقة على الفطيمة أو الفطيم.
فان مات الأب فكل ما ذكر أنه يجب على الوالد من كسوة أو نفقة أو أجرة وللرضيع وارث فهو على وارث الرضيع على عددهم لا على مقادير مواريثهم منه والأم من جملتهم والزوج ان كان زوجها أبوها من جملتهم سواء كان للرضيع مال أو لم يكن بخلاف كسوته ونفقته اذا أكل الطعام.
فان لم يكن وارث فرضاعه على الأم وارثة كانت أو غير وارثة ولا شئ لها من أجل ذلك فى مال الرضيع بخلاف وجوب نفقتها فى ماله ان كان له مال ولا مال لها.
فان كانت مملوكة وولدها عبدا لسيدها أو لغير سيدها فرضاعه على الأم، بخلاف كسوته ونفقته اذا استغنى عن الرضاعة.
فان كانت مملوكة وولدها حر فان كان له أب أو وارث فالنفقة والكسوة أو الأجرة على الأب أو على الوارث كما تقدم.
فان لم يكن له أب ولا وارث فرضاعه على أمه.
فان ماتت أو مرضت أو أضر به لبنها أو كانت لا لبن لها ولا مال لها فعلى بيت مال المسلمين، فان منع فعلى الجيران يجبرهم الحاكم على ذلك (١).
قال أبو محمد: برهان كل ما ذكرنا منصوص فى قوله «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ، فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٢) وفى قول الله
стр. 7736
تبارك وتعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً، فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (١).
فهذه صفة الطلاق الرجعى بلا شك ثم ذكر الله العدة بالاقراء والمشهور، ثم قال : «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى، لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى «شرح الأزهار»: يجوز للأم الامتناع من ارضاع ولدها وترك حقها فى حضانته ان قبل غيرها ولو أجنبية أو أمة.
فان امتنع من غيرها وخشى عليه التلف أو الضرر صارت الحضانة حقا للطفل فيجبر من عليه الحضانة من أم أو غيرها ولو أمة بأجرة حيث خشى عليه التلف أو الضرر.
بخلاف ما اذا لم يخش ما ذكر، ولو كثرت حيث لم تكن من مال الصبى والا فأجرة المثل ولو صغيرة مزوجة.
ويجوز للأم طلب الأجرة على حضانة ولدها لغير أيام اللبأ وهى ثلاثة أيام بعد الولادة فلا تستحق عليها أجرة لانه يجب عليها ارضاع الولد فى هذه الأيام.
وقال أبو جعفر بل تستحق عليها الأجرة فأما اذا طلبت لغير تلك الأيام وجبت على الأب ما لم تتبرع بارضاعه وتقوم به من غير أمر وليه، وهو حاضر غير ممتنع فان تبرعت لم تستحق أجرة وانما تستحق اذا كان غائبا أو ممتنعا وفعلت ذلك بنية الرجوع بالأجرة وهكذا ما أنفقت وفى اعتبار الحاكم خلاف.
المختار لا يعتبر. ولا فرق فى استحقاق الأم الأجرة على ارضاع ولدها بين أن تكون الزوجية باقية بينها وبين الأب أو لا.
وقيل ان الأم لا تستحق الأجرة مع بقاء الزوجة بينهما ولا خلاف فى جواز ذلك بعد الطلاق البائن ويتفقون على جواز استئجارها على ارضاع ولده من غيرها مع بقاء الزوجية.
ويجوز للأب نقل الولد من الأم الى حضانة غيرها بشرطين:
أحدهما: أن يكون ذلك الغير مثلها تربية للولد أى يفعل مثل فعلها فى القيام به حسب ما تحتاج ولو لم تكن مثلها فى الحنو عليه.
والشرط الثانى: ان يحصل له ذلك بدون
стр. 7737
ما طلبت الأم من الأجرة وألا تكن الحاضنة الأخرى مثل الأم فى التربية أو مثلها لكن أجرتها مثل أجرة الأم أو أكثر أو استويا بكونهما بلا أجرة معا فالأم أقدم، فلا يجوز له نقله الى غيرها والبينة عليه فى أن الحاضنة الأخرى مثل الأم فى التربية وأن أجرتها دون ما طلبت الأم.
وليس للزوج الآخر المنع من الحضانة ان كانت الحاضنة ذات زوج ولم يكن للولد من هو أولى منها فاذا كان له أولى منها فهى أحق به.
ويجوز لها نقل الطفل الى مقرها ترضعه هناك ان لم يشترط عليها أن ترضعه فى منزلها غالبا احتراز من أن يكون مقرها دار حرب أو دار فسق أو يخاف على الولد فيه أو تكون فيه غريبة ليست بين أهلها فليس لها أن تنقله وقيل الا أن تنقله من دار الحرب الى دار الاسلام جاز ولو كانت غريبة.
ولا خلاف أنه يجوز لها ذلك فيما دون البريد، ولا خلاف أنه لا يجوز لها الانتقال فى الصور التى احترز منها واختلفوا فيما عدا ذلك.
فالمذهب ان لها نقله الى مقرها وسواء وقع عقد الحضانة وقيل عقد النكاح فى بلدها أم لا وسواء كان بلدها مصرا أم سوادا (١).
مذهب الأمامية:
جاء فى «المختصر النافع»: أفضل ما ينفع الطفل لبن أمه ولا تجبر الحرة على ارضاع ولدها ويجبر الأمة مولاها وللحرة الأجرة على الأب ان اختارت ارضاعه وكذا لو أرضعته خادمتها ولو كان الأب ميتا فمن مال الرضيع ومدة الرضاعة حولان ويجوز الاقتصار على واحد وعشرين شهرا لا أقل، والزيادة بشهر أو شهرين لا أكثر، ولا يلزم الوالد أجرة ما زاد عن حولين والأم أحق بارضاعه اذا تطوعت أو قنعت بما تطلب غيرها ولو طلبت زيادة عن ما قنع به غيرها فللاب نزعه واسترضاع غيرها (٢).
وجاء فى كتب «الخلاف» ليس للرجل أن يجبر زوجته على الرضاع لولدها منه شريفة كانت أو مشروفة، موسرة كانت أو معسرة دنية كانت أو نبيلة.
والدليل أن الأصل براءة الذمة والاجبار يحتاج الى دليل والآية محمولة على الاستحباب (٣).
وجاء فى كتاب الخلاف أيضا: البائن اذا كان لها ولد يرضع ووجد الزوج من يرضعه تطوعا وقالت الأم أريد أجرة المثل كان له نقل
стр. 7738
الولد عنها والدليل قول الله «وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى» (١) وهذه اذا طلبت الأجرة وغيرها يتطوع فقد تعاسرا (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى «كتاب شرح النيل»: ولا يلزم المرأة التى تضع ولدا لزوجها ارضاع ولدها أن امتنعت وقبل الرضاع من غيرها ولو من حيوان حلال كنعجة لا حرام كخنزيرة، ولكن يغلظ لها بالقول وتجبر بضرب بلا عدد ان لم يتقبل غيرها حتى ترضعه ولو كانت بعصمتها.
وقيل يلزمها ارضاعه اذا كانت مع أبيه ولو قبل غيرها حتى يتم حولان كما ذكره إبن جعفر ولا تفصله قبل حولين الا اذا رضى أبوه ولا يضر الصبى وقيل يجب عليها ارضاعه ولو فارقته ما كانت فى عصمته وان كانت ممن لا ترضع لشرفها فلا ارضاع عليها ان كان العرف كذلك، والعرف كالشرط ان لم يقبل على غيرها أو مات الأب أو أعسر ولم يكن للولد مال والا أرضعت أو استأجرت من ترضعه ان لم يكن له وارث أو كان ولا مال له.
والخلف فى غير الأم ان لم يقبل غيرها هل تجبر أم لا؟
قولان والصحيح الأول ولها الأجرة.
وأمه لها أجرة على رضاعه كأجرة مثلها ان طلبتها عند الزوج ولو كانت فى عصمته ولم تطلق أولها عند ولدها ان كان له مال فليعطها الأجرة من ماله أو مال ولده على الراجح، مقابله أنه لا أجرة لها ما دامت فى العصمة وانه لا تدركها فى مال ولدها.
وتجبر على ارضاع ولدها من غير أب شرعى وفى أجرتها فى ماله قولان وان استرضعته غيرها جاز (٣).
وللأم نفقة رضيع حتى يفطم زيادة على نفقتها فى نفسها فى العدة بقدر ما تمونه به.
ولا حد فى نفقة الرضيع ولا الطفل ولا الزوجة ولا المطلقة بل ذلك لنظر العدول لاختلاف أحوال الناس والأزمنة والأمكنة (٤).
ومن وهب عبدا رضيعا أو باعه أو أخرجه بوجه، لزم أمه ارضاعه ان لم يقبل غيرها (٥).
الأم وحضانة الطفل
مذهب الحنفية:
جاء فى كتاب «الهداية»: واذا وقعت
стр. 7739
الفرقة بين الزوجين فالأم أحق بالولد لما روى أن امرأة قالت يا رسول الله ان ابنى هذا كان بطنى له وعاء وحجرى له حواء وثدى له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه منى فقال ﵊ «أنت أحق به ما لم تتزوجى» ولأن الأم أشفق وأقدر على الحضانة فكان الدفع اليها أنظر.
واليه أشار الصديق بقوله: ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر - قاله حين وقعت الفرقة بينه وبين امرأته والصحابة حاضرون متوافرون.
والنفقة على الأب ولا تجبر الأم عليها لأنها عست تعجز عن الحضانة. فان لم تكن له أم فأم الأم أولى من أم الأب وان بعدت لأن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات فان لم تكن أم الأم فأم الأب أولى من الأخوات لأنها من الأمهات ولهذا تحرز ميراثهن السدس ولأنها أوفر شفقة للولاد. فان لم تكن له جدة فالأخوات من العمات والخالات لأنهن بنات الأبوين ولهذا قدمن فى الميراث وفى رواية الخالة أولى من الأخت لأب لقوله ﵊ (الخالة والدة) وقيل فى قول الله «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ» (١) انها كانت خالة.
وتقدم الأخت لأب وأم لأنها أشفق ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب لان الحق لهن من قبل الأم ثم الخالات أولى من العمات ترجيحا لقرابة الأم وينزلن كما نزل الأخوات معناه ترجيح ذات قربتين ثم قرابة الأم ثم العمات ينزلن كذلك.
وكل من تزوجت من هؤلاء يسقط حقها الا الجدة اذا كان زوجها الجد لأنه مقام أبيه فينظر له.
وكذلك كل زوج هو ذو رحم محرم منه لقيام الشفقة نظرا الى القرابة القريبة.
ومن سقط حقها بالتزوج يعود اليها اذا ارتفعت الزوجية لأن المانع قد زال والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ويستنجى وحده.
وفى الجامع الصغير حتى يستغنى فيأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده والمعنى واحد لأن تمام الاستغناء بالقدرة على الاستنجاء.
ووجهه انه اذا استغنى يحتاج الى التأدب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقهم والأب أقدر على التأديب والتثقيف.
والخصاف قدر الاستغناء بسبع سنين اعتبارا للغالب والأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض لأن بعد الاستغناء تحتاج الى معرفة آداب النساء والمرأة على ذلك أقدر وبعد البلوغ تحتاج الى التحصين والحفظ والأب فيه أقوى وأهدى.
وعن محمد: أنها تدفع الى الأب اذا بلغت حدة الشهورة لتحقيق الحاجة الى الصيانة.
ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدا تشتهى.
وفى الجامع الصغير حتى تستغنى لأنها لا تقدر على استخدامها ولهذا لا تؤاجرها
стр. 7740
للخدمة، فلا يحصل المقصود بخلاف الأم والجدة لقدرتهما عليه شرعا.
والأمة اذا أعتقها مولاها وأم الولد اذا أعتقت كالحرة فى حق الولد لانهما حرتان أو أن ثبوت الحق.
وليس لها قبل العتق حق فى الولد لعجزهما، عن الحضانة بالاشتغال لخدمة المولى.
والذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان أو أن يخاف أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده.
ولا خيار للغلام والجارية لأنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر وقد صح أن الصحابة لم يجبروا.
واذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك لما فيه من الأضرار بالأب الا أن تخرج به الى وطنها وقد كان الزوج تزوجها فيه لأنه التزم المقام فيه عرفا وشرعا قال ﵊ «من تأهل ببلدة فهو منهم» ولهذا يصير الحربى به ذميا (١).
مذهب المالكية:
يقول «المالكية» الأصل فى الحضانة كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ واجماع الأمة. فأما كتاب الله فقوله «وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً» (٢).
وفى الأمهات يقول :
«وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» (٣).
فالأم أحق برضاعة ابنها وكفالته الى أن يستغنى عنها بنفسه وأما السنة فمنها قوله ﷺ للمرأة المطلقة من أبى الطفيل حين قالت له: «ان ابنى هذا كان بطنى له وعاء وثديى له رواء وحجرى له حواء وأنا له الفداء، وزعم أبوه أن ينتزعه منى» فقال:
«أنت أحق به ما لم تنكحى» وقضاؤه لابنة حمزة لجعفر لموضع خالتها أسماء ابنة عميس.
واما الاجماع فلا خلاف بين أحد من الأمة فى ايجاب كفالة الأطفال الصغار لأن الانسان خلق ضعيفا مفتقرا الى من يكفله ويربيه حتى ينفع نفسه ويستغنى بذاته فهو من فروض الكفاية لا يحل أن يترك الصغير دون كفالة ولا توفية حق حتى يهلك ويضيع، واذا قام به قائم سقط عن الناس ولا يتعين ذلك على أحد سوى الأب وحده ويتعين على الأم فى حولى رضاعه اذا لم يكن له أب ولا مال تستأجر له منه فان كان لا يقبل ثدى سواها تجبر على رضاعه (٤).
والمقدم فى الحضانة هو من يعلم بمستقر