← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

فى ظاهر الرواية لا تسترق لأن حريتها المتأكدة بالاحراز لم تبطل بنفس الردة وهى دافعة للاسترقاق ولأن دار الاسلام ليست بدار الاسترقاق. وفى النوادر عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انها تسترق لأنا لما جعلنا المرتد بمنزلة حربى مقهور لا أمان له فكذلك المرتدة بمنزلة حربية مقهورة لا أمان لها فتسترق وان كانت فى دارنا فان تصرفت فى مالها بعد الردة نفذ تصرفها ما دامت فى دار الاسلام لأنها تصرفت فى خالص ملكها بخلاف الرجل على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وأشار الى الفرق قال: المرأة لا تقتل والرجل يقتل ومعنى هذا ان عصمة المال تبع لعصمة النفس فبالردة لا تزول عصمة نفسها حتى لا تقتل فكذلك عصمة مالها بخلاف الرجل ولهذا استوت بالرجل فى التصرف بعد اللحوق لأن عصمة نفسها تزول بلحاقها حتى تسترق والاسترقاق اتلاف حكما فكذلك عصمة مالها فان ماتت فى الحبس أو لحقت بدار الحرب قسم مالها بين ورثتها ويستوى (١) فى ذلك كسب اسلامها وكسب ردتها لما بينا ان العصمة باقية بعد ردتها فكان كل واحد من الكسبين ملكها فيكون ميراثا لورثتها ولا ميراث لزوجها منها لأنها بنفس الردة قد بانت منه ولم تصر مشرفة على الهلاك فلا تكون فى حكم الفارة المريضة ولزوجها ان يتزوج بأختها بعد لحاقها قبل انقضاء عدتها لأنها صارت حربية فكانت كالميتة فى حقه وبعد موتها له ان يتزوج أختها ولأنه لا عدة على الحربية من المسلم لأن العدة فيها حق الزوج وتباين الدارين مناف له فان سبيت أو عادت مسلمة لم يضر ذلك نكاح الأخت لأنه بعد ما سقطت العدة عنها لا تعود معتدة ثم ان جاءت مسلمة فلها ان تتزوج من ساعتها لأنها فارغة عن النكاح والعدة وان سبيت أجبرت على الاسلام كما تجبر عليه قبل لحاقها وان ولدت بأرض الحرب ثم سبيت ومعها ولدها كان ولدها فيئا معها لأن ولدها بمنزلتها وهى حربية تسترق فكذلك ولدها ولو مات (٢) مسلم عن امرأته وهى حامل فارتدت ولحقت بدار الحرب فولدت هناك ثم ظهرنا على الدار فانه لا يسترق ويرث اياه لأنه مسلم تبعا لأبيه ولو لم تكن ولدته حتى سبيت وصارت رقيقة ثم ولدته فى دار الاسلام فهو مسلم رقيق مسلم تبعا لأبيه، رقيق تبعا لأمه ولا يرث أباه لأن الرق من أسباب الحرمان اما حكم ولد المرتد فلا يخلو من أن يكون مولودا فى الاسلام أو فى الردة فان كان مولودا فى الاسلام بان ولد للزوجين ولد وهما مسلمان ثم ارتدا لا يحكم بردته مادام فى دار الاسلام لأنه لما ولد وأبواه مسلمان فقد حكم باسلامه تبعا لأبويه فلا يزول بردتهما لتحول التبعية الى الدار اذ الدار وان كانت لا تصلح لاثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين فصلح للابقاء لأنه أسهل من الابتداء فما دام فى دار الاسلام يبقى على حكم الاسلام تبعا للدار ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد وولد له ولد وكبر ثم ظهرنا عليهم فان حكم المرتد والمرتدة

стр. 7667

معلوم وهو ان المرتد لا يسترق ويقتل واما المرتدة فتسترق ولا تقتل وتجبر على الاسلام بالحبس واما حكم الأولاد فالولد الأول يجبر على الاسلام ولا يقتل لأنه كان مسلما باسلام أبويه تبعا لهما فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه والمرتد يجبر على الاسلام الا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الايمان حكما بطريق التبعية لا حقيقة فيجبر على الاسلام لكن بالحبس لا بالسيف اثباتا للحكم على قدر العلة ولا يجبر ولد ولده على الاسلام لأن ولد الولد لا يتبع فى الجد فى الاسلام اذ لو كان لذلك لكان الكفار كلهم مرتدين لكونهم من أولاد آدم ونوح عليهما الصلاة والسّلام فينبغى ان تجرى عليهم أحكام أهل الردة وليس كذلك بالاجماع وان كان الولد مولودا فى الردة بان ارتد الزوجان ولا ولد لهما ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها وهما مرتدان على حالهما فهذا الولد بمنزلة أبوية له حكم الردة حتى لو مات لا يصلى عليه لأن المرتد لا يرث أحدا، ولو لحقا بهذا الولد بدار الحرب فبلغ وولد له أولاد فبلغوا ثم ظهر على الدار وسبوا جميعا يجبر ولد الأب وولد ولده على الاسلام ولا يقتلون كذا ذكر محمد رحمه الله تعالى فى كتاب السير وذكر فى الجامع الصغير أنه لا يجبر ولد ولده على الاسلام ووجه ما ذكر فى السير ان ولد الأب تبع لأبويه فكان محكوما بردته تبعا لأبويه وولد الولد تبع له فكان محكوما بردته تبعا له والمرتد يجبر على الاسلام الا أنه لا يقتل لأن هذه ردة حكمه فيجبر على الاسلام بالحبس لا بالقتل ووجه المذكور فى الجامع ان هذا الولد انما صار محكوما بردته تبعا لأبيه والتبع لا يستتبع غيره واما حكم الاسترقاق فذكر فى السير أنه يسترق الأناث والذكور الصغار من أولاده لأن أمهم مرتدة وهى تحتمل الاسترقاق والولد كما تبع الأم فى الرق يتبعها فى احتمال الاسترقاق واما الكبار فلا يسترقون لانقطاع التبعية بالبلوغ ويجبرون على الاسلام وذكر فى الجامع الصغير ان الولدين فئ اما الأول فلأن أمه مرتدة واما الآخر فلأنه كافر أصلى لأن تبعية الأبوين فى الردة قد انقطعت بالبلوغ وهو كافر فكان كافرا أصليا فاحتمل الاسترقاق ولو ارتدت امرأة وهى حامل ولحقت بدار الحرب ثم سبيت وهى حامل كان ولدها فيئا لأن السبى لحقه وهو فى حكم جزء الأم فلا يبطل بالانفصال من الأم. اما بالنسبة الى أهل الذمة فانهم اذا التحقوا بدار الحرب انتقض عهدهم فقد جاء فى الزيلعى (١): ينتقض عهد الذمى بالالتحاق بدار الحرب أو بغلبتهم على موضع للحراب لأنهم بذلك صاروا حربا علينا فلا يفيد ابقاء العهد بعد ذلك لأن المقصود من عقد الذمة دفع الفساد بترك القتال وصاروا بالتحاقهم بدار الحرب أو بالغلبة كالمرتد فى حل قتلهم ودفع مالهم لورثتهم لأنهم التحقوا بالأموات بتباين الدارين غير انهم يسترقون ولا يجبرون على قبول الذمة بخلاف المرتد حيث لا يسترق ويجبر على الاسلام لأن كفر المرتد أغلظ فأوجب الزيادة فى العقوبة ولأن المقصود من كل واحد منهما ان يرجع الى ما كان عليه فباسترقاق الذمى يحصل المقصود منه وهو دفع فساده وحرابه بذلك بخلاف المرتد لأن المقصود منه الاسلام فلا يحصل الاسلام

стр. 7668

باسترقاقه فصار كمشركى العرب والمال الذى لحق به بدار الحرب يكون فيئا وليس لورثته ان يأخذوه كالمرتد بخلاف ما اذا رجع الى دار الاسلام بعد ما لحق بدار الحرب ومعه بعض ماله حيث يكون لورثته ان يأخذوه لأنه حين التحق بدار الحرب ملكوه فللمالك القديم أن يأخذ ماله مجانا أو بعوض وفى حاشية (١) الشلبى قال الكمال رحمه الله تعالى: ولا يبطل امان ذريته بنقض عهده وتبين منه زوجته الذمية التى خلفها فى دار الاسلام اجماعا ويقسم ماله بين ورثته قال الاتقانى رحمه الله تعالى: اما اذا التحقت هى معه بدارهم ثم عاد الى دارنا فهما على نكاحهما لعدم تباين الدارين وفى فتح (٢) القدير قال: ولو لحق الذمى بدار الحرب ثم عاد الى دار الاسلام وأخذ من ماله وأدخله دار الحرب ثم ظهر على الدار فالورثة أحق به قبل القسمة على الغانمين مجانا وبعد القسمة بالقيمة لأن الملك لهم حين أخذه فان عاد بعد الحكم باللحاق ففى رواية يكون فيئا وفى رواية لا، ولا يبعد ان يقال: انتقاله الى المكان الذى تغلبوا فيه كانتقاله الى دار الحرب ان لم تكن متاخمة لدار الاسلام بالاتفاق وقال فى الهداية (٣) على الفتح قبل ذلك: ولو أن حربيا دخل دارنا بأمان ثم عاد الى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمى أو دينا فى ذمتهم فقد صار دمه مباحا بالعود لأنه أبطل أمانه وما فى دار الاسلام من ماله على خطر فان اسرأ وظهر على الدار فقتل سقطت ديونه وصارت الوديعة فيئا اما الوديعة فلأنها فى يده تقديرا لأن يد المودع كيده فيصير فيئا تبعا لنفسه واما الدين فلأن اثبات اليد عليه بواسطة المطالبة وقد سقطت ويد من عليه أسبق اليه من يد العامة فيختص به فيسقط وان قتل ولم يظهر على الدار فالقرض والوديعة لورثته وكذلك اذا مات لأن نفسه لم تصر مغنومة فكذلك ماله وهذا لأن حكم الأمان باق فى ماله فيرد عليه أو على ورثته من بعده وفى (٤) المبسوط: اذا نقض الذمى العهد مع امرأته ولحقا بأرض الحرب ثم عادا على الذمة فهما على نكاحهما لأنه لم يتباين بهما دين ولا دار ولو ارتد المسلمان ثم أسلما كانا على نكاحهما فالذميان أولى بذلك وان كان خلف فى دار الاسلام امرأة ذمية بانت منه بتباين الدار حقيقة وحكما والتى بقيت فى دارنا من أهل دارنا وكذلك المرتد اذا لحق بدار الحرب وخلف امرأته المرتدة معه فى دار الاسلام انقطعت العصمة بينهما لأن المرأة من أهل دارنا وان كانت مرتدة فقد تباينت بينهما الدار حقيقة وذلك قاطع للعصمة بينهما واذا منع المرتدون دارهم وصارت دار كفر ثم لحقوا بدار الحرب فأصابوا سبايا منهم وأصابوا مالا من أموال المسلمين وأهل الذمة ثم أسلموا كان ذلك كله لهم لأنهم ملكوا ذلك كله بالاحراز بدارهم ومن أسلم على مال فهو له الا أن يكونوا أخذوا من المسلمين أو أهل الذمة حرا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد فعليهم تخلية سبيلهم لأن هؤلاء لا يملكون بالاحراز لتأكد حقيقة الحرية أو حقها فيهم بالاسلام.

стр. 7669

أثر لحوق الوكيل أو الموكل بدار الحرب فى الوكالة جاء فى المبسوط (١): يصح توكيل المسلم أو الذمى أو الحربى المستأمن فى دار الاسلام بخصومة أو بيع أو غير ذلك لأن المسلم والذمى من أهل دار الاسلام وهو يملك الخصومة بنفسه فيملك ان يوكل الحربى المستأمن بها فان كان الحربى الموكل مستأمنا فلحق بدار الحرب وكان موكله مسلما أو ذميا انقضت الوكالة لتباين الدارين حقيقة وحكما وذلك قاطع لأقوى أنواع العصمة وهو النكاح فلأن يقطع الوكالة بالخصومة أولى. واذا كان الذى وكله حربيا من أهل داره ففى القياس تبطل الوكالة أيضا لما قلنا ولكن استحسن عدم بطلان الوكالة لاتفاق الدارين حكما قد انعدم صورة. واذا وكل المستأمن مستأمنا بخصومة ثم لحق الموكل بدار الحرب وبقى الوكيل يخاصم فان كان الوكيل هو الذى يدعى للحربى الحق قبلت الخصومة فيه وان كان الحربى هو المدعى عليه ففى الاستحسان كذلك اعتبارا لأحد الجانبين بالآخر وتحقيقا للتسوية بين الخصمين وفى القياس تنقطع الوكالة حين يلحق بدار الحرب وبالقياس نأخذ لأن المقصود من الخصومة القضاء وانما يكرهه القضاء على الموكل دون الوكيل الا ترى ان فيما يقيم من الحجة عليه يراعى دين الموكل دون الوكيل واذا رجع الموكل الى دار الحرب حربيا لا يبقى لقاضى المسلمين عليه ولاية الزام القضاء فلهذا تبطل الوكالة فاما اذا كان الموكل هو المدعى فانما يوجه القاضى القضاء على الخصم الذى هو فى دار الاسلام لخصومة وكيل الحربى وله هذه الولاية فلهذا بقيت الوكالة ولو وكل المستأمن ذميا ببيع متاع أو بتقاضى دين سوى الخصومة ثم لحق بدار الحرب فهو جائز لأن ابتداء التوكيل وهو فى دار الحرب صحيح فبقاؤه أولى قال وان كان الموكل ذميا والوكيل مستأمنا فلحق المستأمن بدار الحرب بطلت الوكالة لأن الذمى من أهل دارنا كالمسلم ومن هو فى دار الحرب حقيقة وحكما فى حق من هو فى دار الاسلام كالميت فكما لا تبقى الوكالة بعد موت الوكيل فكذلك يعد لحوقه بخلاف ما اذا كان الموكل حربيا لأنه من أهل تلك الدار حكما فلا يصير الوكيل باللحوق بالدار فى حقه كالميت وان وكل المرتد وهو فى دار الحرب وكيلا ببيع شئ من ماله فى دار الاسلام لم يجز لأن بلحوقه بالدار زال ماله عن ملكه وصار فى حكم الميت ولهذا يقضى بالمال لوارثه لأنه انما وكل ببيع مالا يملك بيعه بنفسه فان أسلم بعد ذلك لم تجز الوكالة لأنه لما لم يكن مالكا عند التوكيل تعينت جهة البطلان فى وكالته فلا تنقلب صحيحة بعد ذلك بعود الملك اليه ألا ترى أنه لو باع بنفسه ثم أسلم لم ينفذ ذلك البيع ولو وكله وهو مسلم ثم ارتد ثم أسلم قبل لحاقه بدار الحرب فهو على وكالته فى جميع ذلك لأن ملكه لم يزل قبل لحاقه بل توقف وباسلامه قبل لحاقه يعود ألا ترى أنه لو باع بنفسه ثم أسلم نفذ البيع فكذلك تبقى وكالة الوكيل فى جميع ذلك ما خلا النكاح لأنه بالردة خرج من أن يكون مالكا للنكاح بنفسه فتبطل الوكالة به أيضا ثم لا يعود الا بالتجديد ولو لحق بدار الحرب مرتدا ثم جاء مسلما فالوكيل على وكالته الا أن

стр. 7670

يكون القاضى قضى بلحاقه وقسم ماله بين ورثته فحينئذ ينعزل الوكيل ثم لا يعود وكيلا وان جاء مسلما لأن اللحوق بدار الحرب اذا لم يتصل به قضاء القاضى فهو غيبة واذا اتصل به قضاء (١) القاضى فهو كالموت. واذا وكل رجلان أن يشترى لهما جارية بعينها ثم ارتد أحدهما ولحق بدار الحرب ثم اشتراها الوكيل لزم الوكيل نصفها والموكل الثانى نصفها لأن كل واحد منهما وكله بشراء النصف له ففى نصف الذى لحق بدار الحرب يكون الوكيل مشتريا لنفسه وفى نصيب الذى بقى الوكيل مشتريا له. فان قال ورثة المرتد اشتريتها قبل أن يرتد صاحبها وكذبهم الوكيل فالقول قوله مع يمينه لأن الورثة يدعون الارث فيما لم يثبت الملك لمورثهم فيه ولأن الشراء حادث فيحال بالحدوث الى أقرب الأوقات وهم يدعون فيه تاريخا سابقا ولأن الظاهر أن المرء يكون متصرفا لنفسه حتى يقوم الدليل على أنه يتصرف لغيره ولو كان الوكيل نقد من مال المرتد فالقول قول الورثة لأن الظاهر شاهد لهم فان الانسان فى تصرفه لنفسه لا ينقد من مال غيره فان أقاما البينة فالبينة بينة الورثة أيضا لأنهم يثبتون الملك لمورثهم وسبق التاريخ فى العقد الذى باشره الوكيل وعلى (٢) هذا لو كان المرتد هو الموكل وحده فالجواب لا يختلف ولو قال الوكيل اشتريتها قبل لحاقه بدار الحرب وكذبه الورثة فالقول قول الوكيل اذا كان الثمن مدفوعا اليه من مال الموكل وان لم يكن الثمن مدفوعا اليه فالقول قول الورثة لأنه يدعى عليهم وجوب ثمن المشترى وهم ينكرون ذلك وكذلك ان كان الثمن المدفوع اليه عينا فى يده أو فى يد البائع لأن ملكهم للعين ثابت أصلا وهو بادعائه العقد قبل اللحاق يبطل ملكهم واذا وكل الرجل رجلا أن يخلع امرأته على مال أو يطلقها بتا بغير مال ثم ارتد الزوج ولحق بدار الحرب أو مات وخلعها الوكيل أو طلقها فقالت المرأة فعل ذلك بعد موت زوجى أو بعد لحاقه وقال الوكيل والورثة كان ذلك فى حياته واسلامه فالقول قول المرأة والطلاق باطل ومالها مردود عليها ولها الميراث لأن الخلع والايقاع من الوكيل حادث والورثة يدعون فيه سبق التاريخ وهو ينكر فالقول قولها الا أن تقوم البينة فحينئذ يثبت التاريخ ببينة الورثة ولو وكل وكيلا بعتق عبد له على مال أو غير مال أو مكاتبته ثم ارتد الموكل ولحق بدار الحرب أو مات فقال الوكيل فعلت ذلك فى اسلامه وكذبه الورثة فالقول قول الورثة لأن سبب ملكهم فى العبد ظاهر فالوكيل مخبر بما يبطل ملكهم عن العين وهو لا يملك انشاءه فى الحال فلا يقبل قوله بخلاف ما تقدم فان الورثة لا يخلفونه فى ملك المرأة نكاحا فلهذا جعلنا القول قولها هناك وفى الحقيقة لا فرق وفى الموضعين جميعا يجعل تصرفه محالا به على أقرب الأوقات لأنه لم يثبت فيه سبق التاريخ ولهذا لو قامت لهم جميعا البينة أخذ ببينة الوكيل والعبد لأن فيها اثبات سبق التاريخ ولو دفع الى (٣) رجل ألف درهم فقال تصدق بها أو أقضها فلانا عنى ثم ارتد الآمر ولحق بدار الحرب فقال الوكيل فعلت ذلك فى اسلامه فالقول قوله لأنه أمين مسلط أخبر بما

стр. 7671

سلط عليه فيوجب قبول قوله اذا لم يكن كذبه ظاهرا وان أقاموا البينة فالبينة بينة أيضا لأنه يثبت سبق التاريخ فى تصرفه ببينة، وكذلك لو وكله ببيع عبد بعينه فقال قد بعته فى اسلامه ودفعت اليه الثمن فان كان مستهلكا فالقول قوله والبينة بينته لما بينا وان كان العبد قائما بعينه لم يصدق الوكيل لأنه يخبر بزوال ملك الورثة عنه بتصرف لا بملك انشاءه فى الحال وكذلك هذا كله فى المرتدة اللاحقة بالدار لأن بعد اللحوق حال الرجل والمرأة فيه سواء وان كان الموكل قد عاد مسلما من دار الحرب ثم اختلف هو والوكيل فالقول فيه مثل الأول كاختلاف الوكيل مع الورثة لما قلنا قال ولو وكله ان يزوجه امرأة بعينها ثم ارتد الأمر ولحق بالدار فقال الوكيل زوجته اياها فى اسلامه وكذبه الورثة والموكل بعد جاء مسلما فانه لا يقبل قول الوكيل أو المرأة لأن الوكيل يخبر بما لا يملك استئنافه فقد انعزل بردة الآمر ولم يعد وكيلا بعد ما جاء مسلما وليس فى كلامه نفى ضمان عن نفسه بل فيه ايجاب الحق لها فى تركته أو فى ذمته اذا جاء مسلما وأن أقاموا البينة فالبينة بينة المرأة لأنها تثبت الحق لنفسها ببينتها وتثبت سبق التاريخ والورثة ينفون ذلك وان لم يكن بينهما بينة يستحلف الورثة على علمهم لأنهم لو أقروا بما ادعت لزمهم فان قضى القاضى لهم بالميراث بعد وأحلفوا ثم رجع المرتد مسلما فارادت المرأة أن تستحلفه أيضا فلها ذلك لأنها تدعى الصداق دينا فى ذمته واستحلاف الورثة لا يسقط اليمين عنه لأنهم ما كانوا - نائبين عنه فالنيابة فى الايمان لا تجرى قال وتوكيل المرتدة بالتصرفات التى تملك مباشرتها بنفسها صحيحة سواء وكلت بذلك مرتدة مثلها أو مسلما وكذلك ان كان التوكيل قبل ردتها يبقى بعد الردة لأنها تبقى مالكة للتصرف بنفسها الا أن توكل بتزويجها وهى مرتدة فان ذلك باطل لأنها لا تملك أن تتزوج بنفسها فلا يصح توكيلها بذلك. ولو (١) وكلت المرتدة وكيلا بخصومة أو بقضاء دين أو تقاضيه ثم لحقت بالدار انتقضت الوكالة لأن الحاقها بمنزلة ردتها حكما كلحاق الرجل لأنها باللحاق صارت مستحقة لأن تسترق ففيه اتلاف حكما فلهذا تبطل الوكالة فان قال الوكيل فعلت فى حياتها أو قبل لحاقها فهو مصدق فى المستهلك غير مصدق فى القائم بعينه لأنه صار مملوكا لورثتها ولو قال قبضت دينا لها من فلان لم يصدق على ذلك الا ببينة وان كان قائما بعينه لأن الورثة قاموا مقامها فى الدين فى ذمة الغريم والوكيل يخبر بتحول حقهم الى العين فى حال تملك انشائها فلا يصدق فى ذلك الا ببينة وان قال قد قبضت المال الذى أعطتنى فلانة وقد كانت أمرته بذلك فهو مصدق اذا كان المال عينا قائما بعينه لأنه يخبر بما كان مسلطا عليه ويقصد بذلك نفى الضمان عن نفسه فكان القول قوله قال واذا وكلت المرتدة وكيلا (٢) يقبض وديعة لها ثم ماتت فقال الوكيل قد قبضتها ودفعتها اليها وقالت الورثة قبضتها بعد موتها فالقول قول الوكيل لأنه أخبر بما كان مسلطا عليه والوديعة ما كانت مضمونة وهذا بخلاف الدين فانه كان

стр. 7672

مضمونا فى ذمة الغريم فلا يقبل قول الوكيل فى قبضه اذا كان لا يملك انشاء القبض فى الحال لأن فيه اسقاط الضمان عن الغريم ولو وهب لها هبة أو تصدق عليها بصدقة فوكلت وكيلا يقبضها ثم ماتت فقال الوكيل قد قبضتها ودفعتها اليها فالقول قول الوكيل لأنه يخبر بما جعل مسلطا عليه أمينا فيه وان قال الواهب قبضتها بعد موتها فالقول قول الوكيل أيضا لأن الواهب يدعى الضمان لنفسه عليه فلا يصدق الا بحجة. ولو وهبت هبة فوكلت بدفعها وكيلا ثم ماتت ودفعها الوكيل فقال دفعتها فى حياتها فصدقه الموهوب له فلا ضمان على الوكيل لأنه كان أمينا فى الدفع ولكن ان كانت قائمة فى يد الموهوب له فللورثة أن يأخذوها لأن الظاهر يشهد لهم فانه انما يحال بالدفع على أقرب الأوقات وهو ما بعد موتها والوكيل يبطل ملك الورثة باختياره بتصرف لا يملك انشاءه فان أقاموا البينة أخذت ببينة الموهوب له لأنه يثبت الملك لنفسه فى الموهوب وسبق التاريخ فى دفع الوكيل اليه. واذا رهنت المرتدة رهنا أو ارتهنته مع التسليط على البيع عند حلول الأجل فهو جائز وللوكيل أن يبيعه وان ماتت أو لحقت بدار الحرب لأنه ان كانت رهنت فلقيام حق المرتهن وان كانت ارتهنت فلقيام حق ورثتها وبقاء الوكيل والموكل جميعا واذا وكل المكاتب المرتد وكيلا ببيع أو شراء فهو جائز بخلاف الحر. على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى لأن المكاتب بعد الردة يملك التصرف بنفسه لقيام الكتابة فيوكل به غيره بخلاف الحر وهذا لأن كسب المكاتب دائر بينه وبين مولاه والمولى راض بتصرفه بخلاف مال الحر فانه يوقف على حق ورثته وهم لا يرضون بتصرفه والمستسعى كالمكاتب فى قول أبى حنيفة فان لحق المكاتب بدار الحرب مرتدا كان الوكيل على وكالته وكذلك لو أسر أو سبى لأن عقد الكتابة باق بعد لحاقه ألا ترى أن لحاقه لا يكون أعلى من موته وموته عن وفاء لا يبطل الكتابة وكذلك لحاقه فلهذا بقى الوكيل على وكالته. أثر اللحوق بدار الحرب فى الكفالة: جاء فى المبسوط للسرخسى (١): وكفالة المرتد موقوفة عند أبى حنيفة ﵀ بنفس كانت أو بمال كسائر تصرفاته وكفالة المرتدة جائزة وان ماتت على الردة كسائر تصرفاتها فانها لا تقتل بخلاف الرجل وهذا فرق ظاهر فى السير فان لحقت بدار الحرب وسبيت بطلت الكفالة بالنفس دون المال لأنها لما لحقت وسبيت فكأنها ماتت ألا ترى أن مالها لورثتها وموت الكفيل يبطل الكفالة بالنفس دون المال. ولو كفل مسلم بنفس مرتدا فى دين عليه فلحق بدار الحرب أو كفل مسلم بنفس فارتد المكفول أو ارتد بعد الكفالة ولحق كان الكفيل على كفالته، فان كانت امرأة فسبيت بطلت الكفالة عنها بالنفس دون المال لأنها حين سبيت فقد سقطت عنها المطالبة بالحضور فيسقط عن الكفيل ما التزم عن الاحضار وتوضيحه انها لما تبدلت نفسها بالاسترقاق فكأنها ماتت وموت المكفول عنه بنفسه يبطل

стр. 7673

الكفالة ولكن الكفيل مأخوذ بقضاء الدين فاذا أداه رجع به فيما تركت فى دار الاسلام لأنه دين مؤجل كان له عليها بمنزلة سائر ديونها فان لم تترك مالا وأدى الكفيل ذلك من ماله ثم اعتقت يوما لم يتبعها الكفيل من ذلك لأن الدين حين وجب لم يكن شاغلا لشئ سوى الذمة وقد تعذر ابقاؤه بتلك الصفة فلهذا سقط عنها وكذلك الذمى والذمية اذا انقضى عهد الذمة بسبب من أسباب انقضائه ولحق بدل الحرب ولم يتركا مالا وقد كفل رجل عنهما بنفس أو مال فان الكفيل يؤخذ بذلك فان ماتا أو سبيا بطلت الكفالة بالنفس دون المال فان أداه ثم عتقا لم يرجع عليهما به لما بيناه فى المرتدة ولو كفل مسلم لمرتد بنفس أو مال ثم لحق المرتد بدار الحرب كان ورثته على حقه من الكفالة لأنهم يخلفونه فى حقوقه بعد لحاقه كما يخلفونه فى أملاكه فان رجع ثانيا كان له أن يأخذ الكفيل بالنفس والمال لأن ما كان قائما من حقوقه يعود اليه اذا رجع ثانيا بمنزلة ما هو قائم من أملاكه وان كان ورثته قد استوفوا بقضاء القاضى فالكفيل من ذلك برئ بمنزلة ما هلك من ماله وهذا لأن الأداء الى وارثه بقضاء القاضى بمنزلة الأداء اليه فيبرأ الكفيل به وكفالة المستأمن والكفالة له بمال أو نفس جائزة لأنه من المعاملات وانما دخل دارنا بأمان ليعاملنا ففى المعاملات يستوى بنا فان لحق بداره ثم خرج مستأمنا فالكفالة بحالها لأنه باللحاق صار من أهل دار الحرب حقيقة بعد أن كان من أهلها حكما فلم يتغير حاله باللحاق، وان أسر بطلت الكفالة فيما له لأن نفسه قد تبدلت بالأسر وذلك مبطل لحقوقه ولا ورثة له تخلفه فى ذلك بخلاف المرتدة (١) على ما بيننا فأما فيما عليه فتبطل الكفالة بالنفس لتبدل نفسه بالأسر كما فى المرتدة وبالمال كذلك هنا لأن فى المرتدة المال يتحول الى ما خلفت وليس هنا محل هو خلت عنه فلهذا بطلت الكفالة بالمال أيضا. لحوق رب مال المضارب بدار الحرب: جاء فى المبسوط (٢) للسرخسى لو ارتد رب مال المضاربة أو كان مرتدا ثم اشترى المضارب وباع فربح أو خسر ثم قتل المرتد أو مات أو لحق بدار الحرب فان القاضى يجيز البيع والشراء على المضاربة والربح له ويضمنه رأس المال فى قياس قول أبى حنيفة ﵀ وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله هو على المضاربة لأبى حنيفة أن رب المال حين ارتد فقد توقفت نفسه وصار بحيث لا يملك التصرف بنفسه فكذلك لا يملك المضارب التصرف له ولكن ينفذ تصرفه فى الشراء والبيع على نفسه ويضمن ما نقد من مال المضاربة وعند أبى يوسف ومحمد تصرفه نافذ على المضاربة ثم على قول أبى حنيفة ﵀ نفاذ شرائه على نفسه غير مشكل ولكن الاشكال فى تنفيذ بيعه وانما ينفذ بيعه لأن ردة رب المال بعد ما صار المال عروضا كموته وقد بينا أنه يملك البيع بعد موت رب المال فلا بد من تنفيذ بيعه لذلك ثم شراؤه بعد ذلك بالمال على نفسه ولو لم يدفع ذلك الى القاضى حتى رجع المرتد مسلما جاز جميع ذلك على

стр. 7674

المضاربة كما اشترطا وهذا بخلاف الوكالة فان رب المال فى المضاربة اذا ارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلما جاز جميع ذلك على ربه كما اشترطا بخلاف الوكالة فان الموكل اذا ارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلما لم يعد الوكيل على وكالته لأنه اذا لم يتصل قضاء القاضى بلحاقه كان هذا بمنزلة الغيبة فلا يوجب عزل الوكيل ولا بطلان المضاربة وأما بعد الالتحاق والقضاء به فالوكيل انما ينعزل بخروج محل التصرف عن ملك الموكل الى ملك ورثته وذلك مبطل للوكالة والوكالة بعد ما بطلت لا تعود الا بالتجديد وهو غير مبطل للمضاربة لمكان حق المضارب كما لو مات حقيقة وهذا الفرق فيما ينشأ من التصرف بعد عود رب المال فأما ما كان من التصرف قبل ذلك فان كان قد قضى القاضى بلحاقه لا ينفذ ذلك التصرف على المضاربة بعد ما نفذ على المضارب نفسه كما لو مات حقيقة وان كان لم يقض القاضى بلحاقه فهو كما لو غاب ثم رجع قبل اللحوق بدار الحرب وأسلم فينفذ جميع ذلك على المضاربة. ولو كان رب المال امرأة مرتدة كان جميع ذلك جائز على المضاربة ان أسلمت أو لم تسلم لأنها تملك التصرف بعد الردة فكذلك ينفذ تصرف المضارب لها بعد ردتها. واذا دفع الرجل الى الرجل مالا مضاربة بالنصف فارتد رب المال ولحق بدار الحرب فلم يقض فى ماله بشئ حتى رجع مسلما وقد اشترى المضارب بالمال أو باع ورب المال فى دار الحرب فذلك كله جائز على المضاربة لأن اللحوق بدار الحرب اذا لم يتصل به قضاء القاضى بمنزلة الغيبة ولو كان المضارب هو الذى ارتد ولحق بدار الحرب واشترى به فى دار الحرب وباع ثم رجع بالمال مسلما فان له جميع ما اشترى وباع من ذلك ولا ضمان عليه فى المال لأنه لما لحق بدار الحرب ومعه المال فقد تم استيلاؤه عليه لأنه حربى أدخل مال المسلم دار الحرب بغير رضاه وهذا الاستيلاء يوجب الملك له فى المال فتصرفه بعد ذلك لنفسه لا للمضاربة ولا ضمان عليه فى المال لأنه صار مستوليا مخالفا بعد الاحراز بدار الحرب ولو استهلك بعد ذلك لم يكن عليه ضمان لأن الموجب للتقوم فى هذا المال كان هو الاحراز بدار الاسلام وقد انقطع ذلك ألا ترى أنه لو لحق مرتدا ثم عاد فأخذ المال فاستهلكه لم يكن عليه ضمان فكذلك اذا أدخله مع نفسه فى دار الحرب. واذا دفع الرجل الى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى بها ثم ارتد رب المال ولحق بدار الحرب أو قتل مرتدا ثم باع المضارب العرض جاز بيعه على المضاربة لأنه لو مات رب المال حقيقة كان للمضارب بيع العروض بعد ذلك فكذلك اذا قتل أو مات مرتدا وان كان المال فى يده دراهم لم يكن له أن يشترى بها شيئا اعتبارا للموت الحكمى بالموت الحقيقى. واذا دخل الحربى الينا بأمان فدفع اليه مسلم مالا مضاربة بالنصف فأودعه الحربى مسلما ثم رجع الى دار الحرب ثم دخل الينا بعد ذلك بأمان وأخذ المال من المستودع فاشترى به وباع فهو عامل لنفسه

стр. 7675

ويضمن لرب المال رأس ماله لأنه لما عاد الى دار الحرب التحق بحربى لم يكن فى دارنا قط وذلك ينافى عقد المضاربة بينه وبين المسلم لأن ما هو أقوى من المضاربة وهو عصمة النكاح منقطع بتباين الدارين حقيقة وحكما فانقطاع المضاربة بهذا السبب أولى. وجاء فى الهداية على فتح القدير (١): أنه لو كان المضارب هو المرتد فالمضاربة على حالها لأن له عبارة صحيحة ولا توقف فى ملك رب المال فبقيت المضاربة، قال قاضى (٢) زاده فى هذا احتمالان عقليان أحدهما أن يكون قول صاحب الهداية هذا ناظرا الى قوله وان ارتد رب المال ولحق بدار الحرب بطلت المضاربة فيكون المعنى. ولو كان المضارب هو المرتد اللاحق بدار الحرب فالمضاربة على حالها أى هى غير باطلة وثانيهما أن يكون قوله هذا ناظرا الى قوله: وقبل لحوقه يتوقف تصرف مضاربه عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيكون المعنى ولو كان المضارب هو المرتد قبل لحوقه فالمضاربة على حالها أى لا يتوقف تصرفه عند أبى حنيفة أيضا بل يجوز جميع تصرفاته عندهم جميعا وقد ذهب الى المعنى الأول صدر الشريعة فى شرح الوقاية حيث قال فى شرح قول صاحب الوقاية وتبطل بموت أحدهما ولحاق المالك مرتدا بخلاف لحاق المضارب بدار الحرب مرتدا حيث لا تبطل المضاربة لأن له عبارة صحيحة واقتضى أثره من المتأخرين صاحب الدرر والغرر وصاحب الاصلاح والايضاح وهو الظاهر من نفس عبارة الوقاية أيضا حيث أضيف فيها الموت المبطل الى أحدهما مطلقا واللحاق المبطل الى المالك فقط فدلت على أن لحاق المضارب لا يبطل بناء على أن تخصيص الشئ بالذكر فى الروايات يدل على نفى الحكم عما عداه بالاتفاق كما نصوا عليه قال قاضى زاده ذلك المعنى ليس بصحيح عندى اذ تقرر فى باب أحكام المرتدين أن المرتد لحق بدار الحرب وحكم الحاكم بلحاقه صار من أهل الحرب وهم أموات فى حق أحكام الاسلام. مذهب المالكية: جاء فى (٣) الخرشى المشهور أن الذمى اذا خرج من دار الاسلام لدار الحرب لغير مظلمة لحقته ناقضا للعهد وأخذناه فانه يسترق على المشهور وقال أشهب رحمه الله تعالى أنه لا يسترق لأن الحر لا يعود الى الرق أبدا ووجه المشهور أن الحرية لم تثبت له بعتاق من رق متقدم حتى لا تنقض وانما ترك على حالة من الجزية التى كانت عليه آمنا على نفسه وماله بين ظهرانى المسلمين لما بذله من الجزية فان امتنع عن أداء الجزية لم يحصل له الغرض وكان للمسلمين الرجوع فيه وكان كالصلح ينعقد بين المسلمين وأهل الحرب على شروط فان لم يوفوا بها انتقض الصلح وأما

стр. 7676

ان خرج لأجل الظلم الذى لحقه ولو بشك ثم أخذ فانه لا يسترق كما اذا حاربنا بدار الاسلام غير مظهر للخروج عن الذمة فان حكمه حكم المسلم المحارب. وجاء فى التاج والأكليل (١): نقلا عن ابن شاس رحمه الله تعالى أنه لو قتل المرتد فى ردته حرا عمدا ولحق بدار الحرب لم يكن لولاة المقتول فى ماله شئ ولا ينفق على ولده ولا على عياله منه بل يوقف فان مات فهو فئ ولابن رشد رحمه الله تعالى لا خلاف اذا لحق المرتد بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال ثم أخذ فأسلم أنه يهدر عنه جميع ما أصاب كالحربى اذا أسلم وهذا اذا لم يكفر مجنونا وفاسقا ولو ارتد وأصاب الدماء والأموال فى بلد الاسلام ثم أسلم انهدرت عنه حقوق الله تعالى من الزنا والسرقة وحد الحرابة وأخذ بحقوق الناس من الأموال والدماء والجراح على مذهب ابن القاسم رحمه الله تعالى. وأما اذا أخذ على ارتداده فلا خلاف فى أنه يقتل ولا يستتاب وسواء كانت حرابته فى أرض الشرك أو فى أرض الاسلام. حكم المسلم اذا ارتد ولحق بدار الحرب - وله عبيد وأمهات أولاد: جاء فى المدونة (٢) أرأيت لو أن مسلما ارتد ولحق بدار الحرب وله عبيد قد دبرهم وأمهات أولاد فى دار الاسلام أيعتقون عليه حين لحق بدار الحرب كافرا قال مالك رحمه الله تعالى فى الأسير يتنصر أنه لا يقسم ماله الذى فى دار الاسلام بين ورثته فهذا يدلك على أن أمهات أولاد المرتد لا يعتقن عليه بلحاقة بدار الحرب لأن من لا يقسم ماله بين ورثته لا يعتق عليه أمهات أولاده فلما كان الأسير اذا تنصر لا يقسم ماله بين ورثته فكذلك المرتد اذا ارتد فى دار الاسلام ولحق بدار الحرب فهو بمنزلة الأسير الذى تنصر فان رجع الى دار الاسلام فتاب ثم مات كان ميراثه بين ورثته وعتق عليه أمهات أولاده ومدبروه وان مات على الارتداد كان ماله لجميع المسلمين وأما مدبروه فانهم يعتقون وليس هى وصية استحدثها لأنه أمر عقده فى الصحة ولم يكن يستطيع أن ينقضه وهو مسلم فلذلك جاز عليه وأما كل وصية لو شاء أن يردها وهو مسلم ردها فانها لا تجوز اذا ارتد وكذلك الأسير اذا تنصر ولو جاز له ما أوصى به وهو مسلم ولو شاء أن يرده رده لجاز له أن يحدث فى ارتداده وصية فهذا وجه ما سمعته قلت أرأيت المرتد اذا ارتد وله أمهات أولاد أيحر من عليه فى حال ارتداده فى قول مالك

стр. 7677

قال نعم قلت فهل يعتقن عليه اذا وقعت الحرمة فقال لا أحفظ قول مالك رحمه الله تعالى فى العتق ولكنى لا أرى أن يعتقن عليه لأن الحرمة التى وقعت هاهنا من قبل ارتداده ليست كحرمة النكاح لأن النكاح عصمة تنقطع منه بارتداده وهذه ليس لها من عصمة تنقطع وهذه تحل له ان رجع عن ارتداده الى الاسلام فأراها موقوفة ان أسلم كانت أم ولده بحال ما كان قبل أن يرتد. حكم ارتداد المدبر ثم لحق بدار الحرب: جاء فى المدونة (١): أرأيت العبد اذا دبره سيده ثم ارتد العبد ولحق بدار الحرب فظفر المسلمون به ما يصنع به فى قول مالك رحمه الله تعالى قال يستتاب فان تاب والا قتل قلت فان تاب أيباع فى المقاسم قال لا ويرد الى سيده عند مالك ولا يباع فى المقاسم اذا عرفوا سيده عينه قلت فان لم يعلموا حتى اقتسموا كيف يصنع به فى قول مالك وقد جاء سيده بعد ما قسم قال يخير سيده فان أفتكه كان على تدبيره وان أبى أن يفتكه خدم العبد فى الثمن الذى اشترى به فى المقاسم فاذا استوفى ثمنه المشترى وسيده حى رجع الى سيده على تدبيره وان هلك السيد قبل ذلك فكان الثلث يحمله خرج حرا وأتبع بما بقى من الثمن وان لم يحمله الثلث أعتق منه بقدر ما يحمل الثلث وكان ما بقى منه رقيقا لمن اشتراه لأن السيد كان قد أسلمه اليه وليس للورثة فيه شئ وقال غيره ان حمله الثلث عتق ولا يتبع بشئ وان لم يحمله الثلث فحاصل منه الثلث يعتق ولم يتبع العتيق منه بشئ وكان ما بقى رقيقا لمن اشتراه لأنه قد اشترى عظم رقبته. حكم الحاق أحد الزوجين بدار الحرب: جاء فى المدونة (٢): اذا كان الرجل عنده ثلاث نسوة فى دار الاسلام فخرج الى دار الحرب تاجرا فتزوج امرأة فخرج وتركها فى دار الحرب فليس له أن يتزوج فى دار الاسلام الخامسة لأنه وان خرج وتركها لم تنقطع العصمة فيما بينهما. الحاق الذمى: جاء فى المدونة (٣): اذا هرب الذميون ونقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب ثم ظفر بهم المسلمون فان كان ذلك عن غير ظلم لحقهم فانهم يكونون فيئا وان كان ذلك من ظلم ركبوا به فانهم يردون الى ذمتهم ولا يكونون فيئا. ولاء عبيد أهل الحرب يسلمون بعد ما أعتقهم ساداتهم ثم يلحق بهم ساداتهم: جاء فى المدونة (٤): ولو أن رجلا من النصارى من أهل الذمة أعتق عبيدا له نصارى

стр. 7678

ثم أسلم العبيد الذين أعتقهم فهرب السيد الى دار الحرب ونقض العهد ثم ظهر عليه أهل الاسلام بعد ذلك فسبوه ثم أسلم فانه يرجع اليه ولاء عبيده الذين أعتقهم وهو عبد الا أنه قد أسلم ولا يرثهم الا أن يعتق ولا يرث هؤلاء الموالى سيدهم مادام العبد فى الرق. حكم النصرانى اذا لحق بدار الحرب: جاء فى المدونة (١): والنصرانى اذا أعتقه رجل من المسلمين فهرب النصرانى الى دار الحرب فسبى بعد ذلك يكون رقيقا فى قول مالك لأن كل من نصب الحرب على أهل الاسلام ممن لم يكن على دين الاسلام فهو فئ فان سبى بعد ذلك فأعتقه الذى صار فى سهمانه يكون ولاؤه للثانى فان كان قبل أن يلحق بدار الحرب مراغما لأهل الاسلام كأن أعتق عبيدا له نصارى فى بلاد المسلمين قبل لحاقه فلحق بعد ما أعتقهم أو كان تزوج نصرانية حرة فولدت له أولادا ثم أسلموا يكون ولاء مواليه أولئك وولاء ولده للمولى الأول ولا يكون المولى الثانى من ذلك الولاء شئ لأن ذلك قد ثبت لمولاه الأول قبل أن يلحق النصرانى بدار الحرب فلا ينتقض ذلك الولاء بلحاقه الى دار الحرب لأن الولاء ثبت وانما ينتقض ولاؤه نفسه لأنه قد عاد فى الرق وليس ذلك الولاء مما يجره اذا وقع فى الرق ثانية فاعتق لأن مواليه أولئك أعتقهم وهو حر وولده أولئك ولدوا وهو حر فثبت ولاؤهم لمولاه الأول انما يجر الولاء اذا كان عبدا فتزوج امرأة حرة فما ولد له فى حال العبودية من ولد فهو يجر ولاءهم اذا أعتق وان تداوله موال وكانت امرأة هذه تلد منه وهو فى ملك أقوام شتى يتداولونه فاشتراه رجل فأعتقه فهذا يجر ولاء ولده كلهم الذين ولدوا له من هذه الحرة لأنهم ولدوا له وهو فى حال الرق وما ولد له فى حال الحرية أو أعتقهم ثم مسه الرق بعد ذلك فانه لا يجر ولاءهم لأن ولاءهم قد ثبت للمولى الأول. مذهب الشافعية: جاء فى الأم (٢): قال الشافعى رحمه الله تعالى: اذا لحق الذمى بدار الحرب فعلينا أن نؤدى اليه ماله وليس لنا ان نغنمه بردته عن شرك الى شرك لما سبق له من الأمان فان كانت له زوجة وولد كبار وصغار لم يبدلوا اديانهم أقرت الزوجة والأولاد الكبار والصغار فى بلاد الاسلام وأخذ من ولده الكبار الجزية وان ماتت زوجته أو أم ولده ولم تبدل دينها وهى على دين يؤخذ من أهله الجزية أقر ولدها الصغار وان كانت بدلت دينها وهى حية معه أو بدلته ثم ماتت أو كانت وثنية وله ولد صغار منها ففيهم قولان: الأول: أن يخرجوا لأنه لا ذمة لأبيهم ولا لأمهم يقرون بها فى بلاد الاسلام.

стр. 7679

الثانى: لا يخرجون لما سبق لهم من الذمة وان بدلوا - قال الشافعى رحمه الله تعالى: واذا قلت فى زوجته وولده الصغير وجاريته وعبده ومكاتبه ومدبره أقره فى بلاد الاسلام فأراد اخراجهم وكرهوه فليس ذلك له فيمن يجوز له بيعه من رقيقه ان يوكل به أو يبيعه وأوقف ماله ان وجد له مال وأشهد عليه انه ملكه للنفقة على أولاده الصغار وزوجته ومن تلزمه النفقة وان لم أجد له شيئا فلا ينشأ له وقف ونفيته بكل حال عن بلاد الاسلام ان لم يسلم أو يرجع الى دينه الذى أخذت عليه منه الجزية واذا مات قبل اخراجه ورثت ماله من كان يرثه قبل أن يبدل دينه لأن الكفر كله ملة واحدة. وجاء فى نهاية (١) المحتاج: انه اذا بطل أمان رجال حصل بجزية أو غيرها لم يبطل أمان ذراريهم من نحو نسائهم والصبيان فى الأصح لانتفاء جناية منهم ناقضة أمانهم وانما تبعوا فى العقد دون النقض تغليبا للعصمة فيهما ومقابل الأصح يبطل تبعا لهم كما تبعوهم فى الأمان ولو طلبوا دار الحرب أجيب النساء دون الصبيان اذ لا اختيار لهم واذا اختار ذمى نبذ العهد واللحوق بدار الحرب بلغ المأمن وهو المحل الذى يأمن فيه على نفسه وماله من أقرب بلادهم لعدم ظهور جناية منه قال البندنيجى وغيره والمراد أقرب بلاد الحرب من دارنا قال الأذرعى هذا فى النصرانى ظاهر واما اليهودى فلا مأمن له نعلمه بالقرب من ديار الاسلام بل ديار الحرب كلهم نصارى فيما أحسب وهم أشد عليهم منا فيجوز ان يقال لليهودى اختر لنفسك مأمنا واللحوق بأى ديار الحرب شئت. ويجوز ارقاق زوجة ذمى بمعنى انها ترق بنفس الأسر وينقطع نكاحه اذا كانت حربية حادثة بعد عقد الذمة أو خارجة عن طاعتنا حين عقدها وكذا عتيقة الصغير والكبير والعاقل والمجنون فى الأصح يجوز استرقاقه اذا لحق بدار الحرب لكونه جائزا فى سيده لو لحق بها فهو أولى والثانى المنع لئلا يبطل حقه من الولاء لا عتيق مسلم حال أسره ولو كان كافرا قبله فلا يجوز ارقاقه اذا حارب لما مر ان الولاء لا يرتفع بعد ثبوته ولا زوجته الحربية فلا يجوز ارقاقها أيضا على المذهب وهذا هو المعتمد خلافا لمقتضى كلام الروضة وفى قول من طريق يجوز الفسخ. وجاء فى المهذب (٢): اذا دخل الحربى دار الاسلام بأمان فى تجارة أو رسالة ثبت له الأمان فى نفسه وماله ويكون حكمه فى ضمان النفس والمال وما يجب عليه من الضمان والحدود حكم المهادن لأنه مثله فى الأمان فكان مثله فيما ذكرناه وان عقد الأمان ثم عاد الى دار الحرب فى تجارة أو رسالة فهو على

стр. 7680

الأمان فى النفس والمال كالذمى اذا خرج الى دار الحرب فى تجارة أو رسالة وان رجع الى دار الحرب بنية المقام وترك ماله فى دار الاسلام انتقض الأمان فى نفسه ولم ينتقض فى ماله فان قتل أو مات انتقل المال الى وارثه وهل يغنم أم لا. فيه قولان قال فى سير الواقدى رحمه الله تعالى ونقله المزنى انه يغنم ماله وينتقل الى بيت المال فيئا وقال فى المكاتب يرد الى ورثته فذهب أكثر أصحابنا رحمهم الله تعالى الى انها على قولين. الأول: أنه يرد الى ورثته وهو اختيار المزنى رحمه الله تعالى والدليل على ان المال لوارثه ومن ورث مالا ورثه بحقوقه وهذا الأمان من حقوق المال فوجب أن يورث. الثانى: أنه يغنم وينتقل الى بيت المال فيئا ووجهه أنه لما مات انتقل ماله الى وارثه وهو كافر لا أمان له فى نفسه ولا فى ماله فكان غنيمة وقال أبو على ابن خيران رحمه الله تعالى المسألة على اختلاف حالين فالذى قال يغنم اذا عقد الأمان مطلقا ولم يشرط لوارثه والذى قال لا يغنم اذا عقد الأمان لنفسه ولوارثه. واما اذا مات فى دار الاسلام فقد قال فى سير الواقدى أنه يرد الى ورثته واختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى فيه فمنهم من قال هو أيضا على قولين كالتى قبلها والشافعى نص على أحد القولين ومنهم من قال يرد الى وارثه قولا واحدا والفرق بين المسألتين انه اذا مات فى دار الاسلام مات على أمانه فكان ماله على الأمان واذا مات فى دار الحرب فقد مات بعد زوال أمانه فبطل فى أحد القولين أمان ماله فان استرق زال ملكه عن المال بالاسترقاق وهل يغنم فيه قولان أحدهما يغنم فيئا لبيت المال والقول الثانى أنه موقوف لأنه لا يمكن نقله الى الوارث لأنه حى ولا الى مسترقه لأنه مال له أمان فان عتق دفع المال بملكه القديم وان مات عبدا ففى ماله قولان حكاهما أبو على ابن أبى هريرة رحمه الله تعالى أحدهما أنه يغنم فيئا ولا يكون موروثا لأن العبد لا يورث والثانى أنه لوارثه لأنه ملكه فى حريته وجاء فى (١) قليوبى وعميرة. وجاء فى موضع آخر: أنه لو كاتب عبده مرتدا حال ردته بطلت ولم يصح وان كاتبه وهو مسلم ثم ارتد لم تبطل جزما وان التحق بدار الحرب ويعتد بما أخذه من النجوم ويدفع العبد ما بقى منها للحاكم ويعتق فان طلب المكاتب التعجيز عجزه الحاكم ولا يبطل هذا التعجيز بعود السيد ولو مسلما وكتابة العبد المرتد صحيحة لتشوف الشارع للعتق ويعتق بالأداء.

стр. 7681

زوال ملك المرتد بسبب الردة سواء التحق أم لا مذهب الحنابلة: قال فى المغنى (١): ان المرتد لا يحكم بزوال ملكه بمجرد ردته فى قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، فعلى هذا ان قتل أو مات زال ملكه بموته وان راجع الاسلام فملكه باق له. وقال أبو بكر يزول ملكه بردته وان راجع الاسلام عاد اليه تمليكا مستأنفا لأن عصمة نفسه وماله انما تثبت باسلامه فزوال اسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولأن المسلمين ملكوا اراقة دمه بردته فوجب ان يملكوا ماله بها. ولنا أنه سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه كزنا المحصن وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزانى المحصن والقاتل فى المحاربة وأهل الحرب فان ملكهم ثابت مع عصمتهم. ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب ثم قال فى موضع (٢) آخر. وان لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذى يحتاج الى النفقة وغيره وأجاره ما يرى ابقاءه والمكاتب يؤدى الى الحاكم فاذا أدى عتق لأنه نائب عنه ثم قال فى موضع (٣) آخر. وان لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه كالحكم فيمن هو فى دار الاسلام الا ان ما كان معه من ماله يصير مباحا لمن قدر عليه كما أبيح دمه وأما أملاكه وماله الذى فى دار الاسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه لأنه حى فلم يورث كالحربى الأصلى وحل دمه لا يوجب توريث ماله وانما حال ماله الذى معه لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربى الذى فى دار الحرب واما الذى فى دار الاسلام فهو باق على العصمة كمال الحربى الذى مع مضاربه فى دار الاسلام أو عند مودعه. الرق بالنسبة للمرتد: أما لحوق الزوجين بدار الحرب فقال (٤) فى المغنى واذا ارتد الزوجان ولحق بدار الحرب لم يجر عليهما ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق. وجملة ذلك ان الرق لا يجرى على المرتد سواء كان رجلا أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الاسلام وذلك لقول النبى ﷺ من بدل دينه فاقتلوه «ولأنه لا يجوز اقراره على كفره فلم يجز استرقاقه» ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر كانوا أسلموا ولم يثبت لهم حكم الردة فان قيل فقد روى عن على أن المرتدة تسبى قلنا هذا الحديث ضعيف ضعفه

стр. 7682

أحمد (١) ثم قال: واذا وقع المرتد فى الأسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل دار الحرب وان كان فى دار الاسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقه بدار الحرب لم يقر بها لأنه انتقل الى الكفر بعد نزول القرآن. فأما من كان حملا حين ردته فظاهر كلام الخرقى انه كالحادث بعد كفره لأن أكثر الأحكام انما تتعلق به بعد الوضع فكذلك هذا الحكم. الحد بالنسبة للمرتد اذا لحق بدار الحرب: ومن (٢) أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم أقيم عليه حده وبهذا قال الشافعى سواء لحق بدار الحرب فى ردته أو لم يلحق بها وقال قتاده فى مسلم أحدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه ان كان ارتد درئ عنه الحد وان لم يكن ارتد أقيم عليه لأن ردته أحبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك فى حال شركه ولأن الاسلام يجب ما قبله. ولأنه حق عليه فلم يسقط بردته كحقوق الآدميين. وفارق ما فعله فى شركه فانه لم يثبت حكمه فى حقه. واما ما فعله فى ردته فقد نقل مهنا عن أحمد قال سألته عن رجل ارتد عن الاسلام فقطع الطريق وقتل النفس ثم لحق بدار الحرب فأخذه المسلمون فقال تقام فيه الحدود ويقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلما ثم رجع تائبا وقد أسلم فأخذه وليه أيكون عليه القصاص؟ فقال قد زال عنه الحكم لأنه انما قتل وهو مشرك وكذلك ان سرق وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول فى هذا شيئا وقال القاضى ما أصاب فى ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان فى منعة وجماعة أو لم يكن لأنه التزم حكم الاسلام باقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده والصحيح ان ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه فى جماعة ممتنعة لا يضمنه وما فعله قبل هذا أخذ به اذا كان مما يتعلق به حق آدمى كالجناية على نفس أو مال لأنه فى دار الاسلام فلزمه حكم جنايته كالذمى والمستأمن. وأما ان ارتكب حدا خالصا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فانه ان قتل بالردة سقط ما سوى القتل من الحدود لأنه متى اجتمع مع القتل حد اكتفى بالقتل وان رجع الى الاسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لأنه من أهل دار الاسلام فأخذ بهما كالذمى والمستأمن وأما حد الخمر فيحتمل أن لا يجب عليه لأنه كافر فلا يقام عليه حد خمر كسائر الكفار ويحتمل أن يجب لأنه أقر بحكم الاسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط (٣) بجحده بعده والله أعلم. وأما بالنسبة لأهل الذمة (بالنسبة للحوق): قال وان نقض أهل الذمة العهد أو أخذ رجل الأمان لنفسه وذريته ثم نقض العهد فانه يقتل

стр. 7683

رجالهم ولا تسبى ذراريهم الموجودون قبل النقض لأن العهد شملهم جميعا ودخلت فيهم الذرية والنقض انما وجد من رجالهم فتختص اباحة الدماء بهم، ومن الممكن أن ينفرد الرجل بالعهد والأمان دون ذريته وذريته دونه فجاز أن ينتقض العهد فيه دونهم والنقض انما وجد من الرجال البالغين دون الذرية فيجب أن يختص حكمه بهم قال أحمد قالت امرأة علقمة لما ارتد ان كان علقمه ارتد فأنا لم أرتد وقال الحسن فيمن نقض العهد ليس على الذرية شئ فأما من ولد فيهم بعد نقض العهد جاز استرقاقه لأنه لم يثبت له أمان بحال وسواء فيما ذكرنا أن الحقوا بدار الحرب أو أقاموا بدار الاسلام. فأما نساؤهم فمن لحقت منهم بدار الحرب طائفة أو وافقت زوجها فى نقض العهد جاز سبيها لأنها بالغة عاقلة نقضت العهد فأشبهت الرجل ومن لم تنقض العهد لم ينتقض عهدها بنقض زوجها (١). حكم الوكالة بالنسبة للمرتد اذا لحق بدار الحرب جاء فى المغنى ان كل (٢) مسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه صح توكيله سواء كان ذميا أو مستأمنا أو حربيا أو مرتدا لأن العدالة غير مشترطة فيه وكذلك الدين كالبيع وان وكل مسلما فارتد لم تبطل الوكالة سواء لحق بدار الحرب أو أقام لأنه لا يصح تصرفه لنفسه فلم تبطل وكالته كما لو لم يلحق بدار الحرب ولأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته فلم تمنع استدامتها كسائر الكفر وان ارتد الموكل لم تبطل فيما له التصرف فيه فأما الوكيل فى ماله فينبنى على تصرفه نقضه فان قلنا يصح تصرفه لم يبطل توكيله وان قلنا هو موقوف فوكالته موقوفة وان قلنا يبطل تصرفه بطل توكيله وان وكل فى حال ردته ففيه الوجوه الثلاثة أيضا. الكفالة بالنسبة للمرتد اذا لحق بدار الحرب وجاء فى المغنى (٣): اذا كانت الكفالة بالنفس مؤجلة فلم يلزم الكفيل باحضار المكفول قبل الأجل كالدين المؤجل فاذا حل الأجل فأحضره وسلمه برئ وان كان المكفول غائبا أو مرتدا لحق بدار الحرب لم يؤخذ الكفيل باحضاره بالحق حتى يمضى زمن يمكن للكفيل الى المكفول واحضاره. حكم المرتد وماله ونكاحه عند لحوقه: جاء فى المغنى (٤) ان ارتداد الزوجين معا كارتداد أحدهما فى فسخ نكاحهما وعدم ميراث أحدهما من الآخر سواء لحقا بدار الحرب أو أقاما بدار الاسلام لانهما مرتدان فلم يتوراثا كما لو كانا فى دار الاسلام ولو ارتدا جميعا ولهما أولاد صغار لم يتبعوهم فى ردتهم

стр. 7684

ولم يرثوا منهم شيئا ولم يجز استرقاقهم سواء لحقوهم بدار الحرب أو لم يلحقوهم واما من ولد بعد ردتهم بستة أشهر فذكر الخرقى رضى الله عنه ما يدل على أنه يجوز استرقاقه واذا لحق المرتد بدار الحرب وقف ماله فان أسلم دفع اليه وان مات صار فيئا. لأنه حر من أهل التصرف ويبقى ملكه بعد اسلامه فلم يحكم بزوال ملكه كما لو لم يرتد ويجب رد ما أخذ من ماله منه أو أتلفه عليه كغيره. حكم لحوق المدبر وسيده: قال فى المغنى: وان (١) ارتد المدبر ولحق بدار الحرب لم يبطل تدبيره لأن ملك سيده باق عليه ويصح تصرفه فيه بالعتق والهبة والبيع ان كان مقدورا عليه فان سباه المسلمون لم يملكون لأنه مملوك لمعصوم ويرد الى سيده ان علم به قبل قسمه ويستتاب فأن تاب والا قتل وان لم يعلم به حتى قسم لم يرد الى سيده فى احدى الروايتين. والرواية الأخرى ان اختار سيده أخذه بالثمن الذى حسب به على أخذه أخذه وان لم يختر أخذه بطل تدبيره ومتى عاد الى سيده بوجه من الوجوه عاد تدبيره وان لم يعد الى سيده بطل تدبيره كما لو بيع وكان رقيقا لمن هو فى يده وان مات سيده قبل سبيه عتق فان سبى بعد هذا لم يرد الى ورثة سيده لأن ملكه زال عنه بحريته فصار كأحرار دار الحرب ولكن يستتاب فان تاب وأسلم صار رقيقا يقسم بين الغانمين وان لم يتب قتل ولم يجز استرقاقه لأنه لا يجوز اقراره على كفره، وقال القاضى لا يجوز استرقاقه اذا أسلم لأن فى استرقاقه ابطال ولاء المسلم الذى أعتقه. ولنا ان هذا لا يمنع قتله واذهاب نفسه وولائه فلان لا يمنع تملكه أولى ولأن المملوك الذى لم يعتقه سيده يثبت الملك فيه للغانمين اذا لم يصرف مالكه بعينه ويثبت فيه اذا قسم قبل العلم بمالكه والملك أكد من الولاء فلان يثبت مع الولاء وحده أولى فعلى هذا لو كان المدبر ذميا فلحق بدار الحرب ثم مات سيده أو أعتقه ثم قدر عليه المسلمون فسبوه ملكوه وقسموه وعلى قول القاضى لا يملكونه فان كان سيده ذميا جاز استرقاقه فى قول القاضى. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٢) الظاهرى: من أصاب حدا ثم لحق بالمشركين أو ارتد قال أبو محمد رحمه الله تعالى حدثنا عبد الله بن ربيع رحمه الله تعالى حدثنا محمد بن معاوية رحمهما الله تعالى حدثنا أحمد بن شعيب رحمه الله تعالى حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حميد عن جرير ابن عبد الله البجلى عن أبيه عن أبى اسحاق السبيعى قال: قال رسول الله ﷺ : اذا أبق العبد الى الشرك فقد حل دمه قال أبو محمد رحمه الله تعالى فبهذا نأخذ والعبد هاهنا كل حر وعبد فكلنا عبيد الله تعالى ومن لحق بأرض الشرك بغير ضرورة فهو محارب هذا أقل أحواله ان سلم من الردة بنفس فراقه جماعة المسلمين وانحيازه الى

стр. 7685

أرض الشرك ولا يسقط عن اللاحق بالمشركين لحاقه بهم شيئا من الحدود التى أصابها قبل لحاقه ولا التى أصابها بعد لحاقه لأن الله تعالى أوجب الحدود فى القرآن على لسان رسوله ﷺ ولا أرسلها ولم يسقطها وكذلك لم يسقطها عن المرتد ولا عن المحارب ولا عن الممتنع ولا عن الباغى اذا قدر على اقامتها عليهم «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١)» ونحن نشهد بشهادة الله تعالى ان الله لو أراد أن يستثنى أحدا من هؤلاء لما سكت عن ذلك أعتاتا لنا ولا أهمله ولا أغفله فاذا لم يعلمنا بذلك فنحن نقسم بالله تعالى ان الله تعالى ما أراد قط اسقاط حد أصابه لاحق بالشرك قبل لحاقه أو أصابه بعد لحاقه بهم أو أصابه مرتد قبل ردته أو بعدها وان من خالف هذا فمخطئ عند الله تعالى بيقين لا شك فيه ومن صار مختارا الى أرض الحرب شاقا للمسلمين أمرتد هو بذلك أم لا. ومن اعتضد بأهل الحرب على أهل الاسلام وان لم يفارق دار الاسلام أمرتد هو بذلك أم لا قال أبو محمد: حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا محمد بن قدامه عن جرير عن مغيره عن الشعبى قال. كان جرير يحدث عن النبى ﷺ إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة وان مات كافرا فابق غلام لجرير فأخذه فضرب عنقه وروى عن رسول الله ﷺ انه قال: (اذا أبق العبد الى الشرك فقد حل دمه) والاباق الذى يكفر به هو اباقه الى أرض الشرك والعبد واقع على كل أحد لأن كل أحد عبد الله تعالى وقد علمنا ان من خرج عن دار الاسلام الى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى وعن امام المسلمين وجماعتهم وبين هذا حديثه ﷺ انه برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين وهو ﵇ لا يبرأ الا من كافر قال الله تعالى «الْمُؤْمِنُونَ ٢ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» فصح بهذا ان من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدر عليه ومن اباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم وأما من فر الى أرض الحرب لظلم خلفه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم ولم يجد فى المسلمين من يجيره فهذا لا شئ عليه لأنه مضطر مكره وقد ذكرنا ان الزهرى محمد بن مسلم بن شهاب كان عازما على أنه ان مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم لأن الوليد بن يزيد كان قد نذر دمه ان قدر عليه وهو كان الوالى بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين فان كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور فان كان هنالك محاربا للمسلمين معينا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر وان كان انما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمى لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر وما ترى (٣) له عذرا.

стр. 7686

الحاق المرتد مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (١) أن عقود المرتدين الواقعة بعد الردة وقبل اللحوق بدار الحرب هى لغو فى القرب كالوقف والنذر والصدقة ونحو ذلك الا العتق فانه وان كان قربة فهو يقع من الكافر وينفذ لسرعة نفوذه وأما جنابة الخطأ الواقعة حال ردته فتؤخذ من ماله وسواء عاد الى الاسلام أو مات على الردة ولا شئ على عاقلته وان لحق بدار الحرب فذلك دين متعلق بالتركة قبل الميراث واذا لم تتناول عقودهم القرب فى حال الردة فهى صحيحة فى غير القرب كالبيوع والهبات والاجارات والوصايا والعاريات والرهون فيصح ما فعل من أى هذه الأمور ونحوها لكنها موقوفة غير نافذة فى الحال بل كعقد الفضولى فان أسلم ذلك العاقد نفذ عقده وان هلك أو لحق بدار الحرب بطل عقده. وتلغو عقودهم هذه جميعا اذا فعلوا شيئا منها بعد اللحوق لأن المال قد خرج عن ملكهم ولو كان عتقا لعدم صدوره عن مالك الا الاستيلاد الواقع بعد لحوقه فانه يثبت فلو وطئ المرتد أمته فولدت منه صارت أم ولد وسواء كان الذى وقع منه بعد اللحوق مجرد الدعوة مع تقدم الوط ء أو وقع منه الوط ء بعد اللحوق وادعى الولد فانه يصح ذلك لقوة شبهته وترجيح ثبوت النسب، واذا (٢) ارتد المسلم وامرأته حامل منه من قبل الردة فانه يحكم بأن ذلك الحمل مسلم ان ارتد أبواه معا لأنه قد ثبت اسلامه باسلامها عند العلوق فلا يبطل حكم اسلامه بكفرهما فان حكى الكفر بعد بلوغه كان ردة ويحكم لمن حمل به فى الكفر من أبويه بالكفر لأن أمه علقت به وهى كافرة وأبوه كافر، والولد يلحق بأبويه فى الكفر والاسلام فلو أتت به لستة أشهر من الوط ء بعد الردة أو لثلاثة أشهر قبلها وثلاثة أشهر بعدها حكمنا بكفر الولد حينئذ فان أتت به لدون ستة أشهر أو التبس عدة الشهور حكمنا باسلامه، ثم قال (٣) فى موضع آخر ان لحق الزوج بدار الحرب بعد الردة فان الزوجة بلحوقه بدار الحرب أو بموته بعد الردة ترثه حيث هى باقية فى العدة لم تنقض بعد ردته وهى مدخولة فأما لو ارتد ومات أو لحق وقد انقضت عدتها أو هى غير مدخولة فانها لا ترثه بموته أو لحوقه بعد الردة وكذا يرثها ان ارتدت ولحقت بدار الحرب أو ماتت فى مدة العدة وهى مدخول بها وباللحوق من المرتد بدار الحرب تعتق أم ولده من رأس المال ويعتق من الثلث مدبره كما يعتقان بموته ويرثه ورثته المسلمون عند لحوقه بدار الحرب اذ اللحوق بها كالموت فاذا لحق ورثه ورثته المسلمون ولا فرق بين ماله الحاصل قبل الردة وبعدها قبل اللحوق، وأما ماله المكتسب بعد اللحوق وما حمله من ماله وأدخله دار الحرب فحكمه حكم أموال الحرب فان عاد المرتد الى

стр. 7687

الاسلام فورا والمراد بالعود أن يرجع الى الاسلام ولو لم يخرج عن دار الحرب الى دار الاسلام استحق ماله ان لم يقسم بين ورثته فان كان قد قسم رد له من ماله وفوائده الأصلية والفرعية ما كان باقيا لم يستهلك حسا أو حكما فأما ما قد استهلكوه فلا حق له فيه اذ قد ملكه الوارث بالاستهلاك بعد القسمة لماله. والمراد بالاستهلاك الحكمى هنا هو المقرر فى الغصب وهو ازالة الاسم ومعظم المنافع لا مازال اسمه بالاستهلاك فقط فانه يكون للمسلم بعد الردة (١). الوكالة بالنسبة للمرتد اذا لحق بدار الحرب قال فى التاج (٢) المذهب: اذا ارتد الموكل انعزل الوكيل بردته مع اللحوق بدار الحرب فان لم يلحق كان تصرف الوكيل موقوفا كتصرف الموكل حيث ارتد فاما لو ارتد الوكيل ولحق بدار الحرب فان الوكالة تبطل فان ارتد ولم يلحق لم تبطل فيما يصح توكيل الكافر فيه فلو ارتدا فى حالة واحدة لم تبطل الوكالة بل تبقى موقوفة فان لحقا بدار الحرب بطلت ولا يتصرف الوكيل بعد الانعزال بأحد الامور الثلاثة وهى الموت وزوال العقل والردة مع اللحوق الا فى حق قد كان تعلق به نحو ان يكون قد باع ما وكل بيعه ثم انعزل قبل قبض الثمن فانه لا يبطل بالانعزال توليه لقبض الثمن ويكفى خبر الواحد بأن موكله قد عزله أو مات أو زال عقله أو ارتد ولحق بدار الحرب فلا يصح تصرفه بعد ذلك سواء كان المخبر رجلا أو امرأة عدلا أم لا وسواء حصل الوكيل ظن بصدقه أم لا ما لم يغلب فى الظن كذب المخبر، واذا تصرف الوكيل قبل العلم وبعد العزل فان تصرفه يكون موقوفا لا فيما يتعلق به حقوقه وهو الصلح. بالمال والاجارة والبيع حيث لم يضف واما اذا أضاف لم ينفذ العقد لأنه باع وقد انعزل اذا كان العزل باللفظ لا بموت الموكل أو ردته مع اللحوق أو بيعه لذلك الشئ أو وقفه أو نحوه فلا حكم لتصرف الوكيل بعد ذلك وان جهله. الكفالة بالنسبة للمرتد اذا لحق بدار الحرب قال فى التاج (٣) المذهب: اذا مات المكفول بوجهه سقطت الكفالة بموته لا بردته مع اللحوق ولا جنونه لأنها تصح على الكافر ببدنه وبرئ الكفيل هذا مذهبنا. وكذا اذا مات الكفيل واذا فر المكفول به فعلى الكفيل احضاره وألا حبس حيث يمكنه احضاره ولو بعد مكانه أو دخل دار الحرب أو كان فى يد ظالم أو فى حبسه فانه يتخلص منه بما أمكنه فان لم يمكنه قط أو لم يعلم موضعه خلى الكفيل واذا أمكنه التسليم بعد ذلك لزمه.

стр. 7688

مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام (١): ان الذمى اذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فأما أمواله باق فان مات ورثه وارثه الذمى والحربى واذا انتقل الميراث الى الحربى زال الأمان عنه وأما الأولاد الأصاغر فهم باقون على الذمة ومع بلوغهم يخيرون بين عقد الذمة لهم بأداء الجزية وبين الانصراف الى مأمنهم واذا قتل المرتد مسلما عمدا فللولى قتله فورا ويسقط قتل الردة ولو عفا الولى قتل بالردة ولو قتل خطأ كانت الدية فى ماله مخففة مؤجلة لأنه لا عاقلة له على تردد، ولو قتل أو مات حلت كما تحل الأموال المؤجلة، واذا تاب المرتد فقتله من يعتقد بقاءه على الردة قال الشيخ يثبت القود لتحقق قتل المسلم ظلما ولأن الظاهر أنه لا يطلق الارتداد بعد توبته وفى القصاص تردد لعدم القصد الى قتل المسلم، والمرتد هو (٢) الذى يكفر بعد الاسلام وله قسمان: الأول: من ولد على الاسلام، وهذا لا يقبل اسلامه لو رجع ويتحتم قتله وتبين منه زوجته وتعتد منه عدة الوفاة وتقسم أمواله بين ورثته وان التحق بدار الحرب أو اعتصم بما يعول بين الامام وبين قتله ويشترط فى الارتداد البلوغ وكمال العقل والاختيار - فلو أكره كان نطقه بالكفر لغوا، ولو ادعى الاكراه مع وجود الامارة قبل قوله ولا تقتل المرتدة بل تحبس دائما وان كانت مولودة على الفطرة وتضرب أوقات الصلوات. الثانى: من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب فان امتنع قتل واستتابته واجبة وكم يستتاب؟ قيل ثلاثة أيام وقيل القدر الذى يمكن معه الرجوع والأول مروى وهو حسن لما فيه من الثانى لازالة عذره ولا يزول عنه أملاكه بل تكون باقية عليه وينفسخ العقد بينه وبين زوجته ويقف نكاحها على انقضاء العدة وهى كعدة المطلقة وتقضى من أمواله ديونه وما عليه من الحقوق الواجبة ويؤدى منه نفقة الأقارب - ولو قتل أو مات كانت تركته لورثته المسلمين فان لم يكن له وارث مسلم فهو للامام وولده بحكم المسلم فان بلغ مسلما فلا بحث فان اختار الكفر بعد بلوغه استتيب فان تاب والا قتل ولو قتله قاتل قبل وصفه بالكفر قتل به سواء قتله قبل بلوغه أو بعد بلوغه ولو ولد بعد الردة وكانت أمه مسلمة كان حكمه كالأول وان كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادها كان بحكمهما ولا يقتل المسلم بقتله وهل يجوز استرقاقه. تردد الشيخ أبو جعفر الطوسى فتارة يجيز لأنه كافر بين كافرين

стр. 7689

وتارة يمنع لأن أباه لا يسترق لتحرمه بالاسلام وكذا الولد وهذا أولى ويحجر الحاكم على أمواله لئلا يتصرف فيها بالاتلاف فان عاد فهو أحق بها وان التحق بدار الكفر بقيت على الاحتفاظ ويباع منها ما يكون له الغيطة فى بيعه كالحيوان واذا صلى بعد ارتداده لم يحكم بعوده سواء فعل ذلك فى دار الحرب أو دار الاسلام وكل ما يتلفه المرتد على المسلم يضمنه فى دار الحرب أو دار الاسلام حالة الحرب وبعد انقضائها وليس كذلك الحربى. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): ان انفرد بدار مرتدون فهى دار شرك وفى جواز سبيهم - وغنمهم قولان وكذا المرتد والمرتدان فصاعدا والمشهور أن لا سبى ولا غنم. «التزام - والزام» المعنى اللغوى: يقال: لزم الشئ لزوما ثبت ودام - ولزم الشئ فلانا وجب عليه - ولزم فان العمل داوم عليه ولم يفارقه من باب سمع - وألزم فلانا العمل أو المال أوجبه عليه - والتزم الشئ أو الأمر أوجبه على نفسه - والتزم فلان لفلان بمال تعهد بأن يؤديه اليه - وألزمه المال أو العمل فألتزمه - والتزمته اعتنقته (٢). الاستعمال فى لسان الفقهاء: لم يكن لكلمة الالتزام فى الفقه الاسلامى مدلول خاص اصطلح عليه الفقهاء حتى كان ذلك يقتضيهم أن يعنوا ببيانه بيانا تتميز به حقيقته ويتميز به عن مدلوله لغة وتتحدد به مواضع استعماله وتطبيقه وآثاره ومصادره وانما كان أساس استعمالهم هذه الكلمة فيما يبدو حين استعملوها دلالتها اللغوية معتمدين فى تحديد معناها على موضعها من الكلام ومقامها فيه - أما كلمة (الزام) فقد كان استعمالهم اياها استعمالا لغويا. وقد استعمل الفقهاء على اختلاف مذاهبهم هاتين الكلمتين فى مواضع عديدة وفى موضوعات مختلفة استعمالا لغويا ومن المفيد أن نعرض لبعض استعمالاتهم فقد يعين ذلك على تعرف

стр. 7690

منهجهم فى استعمالهما وبيان ما اذا كان مدلولهما فيه أو فى بعض مواضعه أخص من مدلولهما اللغوى أو مرادفا له - ولقد كان ذلك أساس ما ذهب اليه بعض الفقهاء المتأخرين من محاولتهم تحديد ما لكلمة التزام من مدلول اصطلاحى دون أن يحاولوا ذلك فى كلمة. الزام وذلك دليل على اختلاف منهجهم فى استعمال الكلمتين فكان استعمالهم كلمة الزام استعمالا لغويا محضا لم يخرجوا فيه عن معناها اللغوى وكان استعمالهم كلمة التزام يدل على تقيد مدلولها اللغوى واستعمالها فى مدلول أخص منه ولذا حاول الحطاب الفقيه المالكى (١) وضع تعريف للالتزام فعرفه فى مؤلفه الذى وضعه فى الالتزام وسماه تحرير الكلام فى مسائل الالتزام: بأنه الزام الشخص نفسه شيئا من المعروف مطلقا ومقيدا أو معلقا على شئ، فهو بمعنى العطية ثم قال: وقد يطلق فى العرف على ما هو أخص من ذلك وهو التزام المعروف بلفظ الالزام، وهو الغالب فى عرف الناس أو الظاهر أنه يريد عرف فقهاء المغرب، لأنه مغربى. ولكن استعمال الفقهاء الآخرين اياها يدل على أنهم قد استعملوها فيما هو أعم من هذا المعنى، ففى مذهب الحنفية نجد السرخسى يقول فى مبسوطه: العبد فى التزام ضمان المال كالحر، وفى التزام ضمان الجناية على النفس كالمحجور عليه (٢). ويقول أيضا فى زيادة المريض المهر على مهر المثل أنه التزام بالتسمية، ولا نظر له فى هذا الالتزام، فلا تثبت هذه الزيادة (٣). ويقول الكاسانى فى ضمان الغرور: أنه ضمان التزام فى الحقيقة (٤). ويقول المرغينانى فى الهداية: اذا امتنع المدين عن وفاء الدين يحبس فى كل دين لزمه بدلا عن مال حصل فى يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والدين المكفول. فان اقدامه على الالتزام دليل يساره (٥). ويقول قاضيخان فى الفتاوى الخانية فى المحجور عليها: انها لا تملك التزام المال وفى الأمة: انها أهل للالتزام، وفى الصبى: ليس أهلا للالتزام فلا يصح التزامه بخلاف العبد فهو أهل للالتزام (٦). ويقول قاضى سماوية فى جامع الفصولين: المودع اذا دل اللص على الودائع فسرقها ضمن لالتزامه بالحفظ (٧). ويقول أيضا: لا ضمان فى الالتزام المتبوع به (٨). ويقول الميدانى فى شرحه اللباب - حين يذكر التزام المقر: أن التزمه باقراره ص ٢٨٩ ويقول الحموى فى تعريف الفقه: أمر شرعى مقدر المحل يقبل الالزام والالتزام (٩).

стр. 7691

مذهب الشافعية: نجد المعز بن عبد السّلام يقول فى كتابه قواعد الأحكام فى البيع اذا كان العوضان من الديون: أنه مقابلة التزام دين بالتزام دين - ويقل وفى البيع اذا كان المبيع عينا: أنه التزام الدين فى مقابلة تلك العين (١). مذهب الحنابلة: نجد ابن قدامه يقول فى الضمان: ضم ذمة الضامن على ذمة المضمون فى التزام الحق، وفى ضمان العين: أنه ضمان استنقاذها وردها والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلقيها - وفى ضمان العهدة - أنه التزام الثمن أو عوضه ان ظهر بالبيع عيب أو استحقاق (٢) - ويقول ابن قدامه صاحب الشرح الكبير فى ضمان الدين المجهول: أنه التزام حق فى الذمة من غير معاوضة، فصح المجهول كالنذر والاقرار (٣). هذه الاستعمالات كما تراها دليل على أن كلمة التزام قد استعملها الفقهاء فيما هو أعم مما ذكره الحطاب من أنه التزم بالبر والعطية وأن استعمالهم فيها استعمال لغوى وفى الامكان أن تستمد منه تعريف الالتزام فنعرفه: بأنه وجوب أمر على الانسان، وذلك بايجابه على نفسه اما باختباره وارادته كما فى الالتزام بالعقد سواء كان من جانبين كالاجارة أو من جانب واحد كالوقف، واما بايجاب الشارع وذلك لما له من الولاية العامة كما فى التكاليف الشرعية وذلك نتيجة للخطاب التكليفى وقد يكون الالزام نتيجة للخطاب الوضعى كما فى الالتزام بأمر ترتب على حصول سببه - والزام الانسان نفسه يعد منه التزاما. أركان الالتزام صلته بالتكليف - أثره - أنواعه: لا يتحقق الالتزام الا بوجود ملزم، له ولاية الالزام وملزم أو ملتزم وجه اليه الالزام وملتزم له وملتزم به وهو موضوع الالتزام وعبارة تدل على الالزام أو الالتزام لأن الالتزام أثر للالزام والالزام انما يكون ممن له ولاية الالزام والايجاب اذ أنه ايجاب أمر على من وجه اليه هذا الايجاب وهو الشخص الملزم بما كلف به: ولما يدل عليه الالزام من معنى الايجاب كان ضربا من التكليف لأن التكليف طلب يتعلق بفعل أمر أو تركه أو تخيير بين فعله وتركه وذلك هو مقتضى خطاب التكليف أو معنى الكم التكليفى - غير أن معنى الالزام فى التكليف بما هو فعل أو ترك على وجه الحتم ظاهر لما فى ذلك من معنى الايجاب الذى يدل عليه لفظ الالزام لغة وأما فيما يتعلق بالتخيير بين الفعل والترك فلا يظهر به معنى الالزام فان التخيير لا الزام فيه ولا ايجاب كما أنه لا يظهر معنى الالزام فيما يتعلق بالطلب أو الترك لا على وجه الحتم بل على وجه الاستحسان والندب لعدم الايجاب فى ذلك. ومقتضاه أن الالزام لا يتحقق الا حيث يكون

стр. 7692

الطلب باتا لا خيرة فيه لمن الزم به ولا مسوغ له فى تركه وذلك ما يستوجب أن الالزام لا يكون الا باتا وهذا مقتضى العقود اللازمة التى لا تقبل الفسخ من عاقدها ويكون مطالبا بموجبها على سبيل الوجوب والحتم. ولكن عبارات بعض الفقهاء حين استعمالهم هذه المادة لا تؤيد ذلك اذ أنهم قد عبروا بالالتزام فيما يترتب على العقود غير اللازمة التى يجوز لعاقدها أن يفسخها كما فى عقد الوديعة وقد ذكرنا بعض هذه العبارات فيما سبق، فقد قالوا: ان الوديع ملزم أو ملتزم بالحفظ، ورتبوا على ذلك تضمينه المودع اذا دل السارق عليه فسرقه، لأن فى ذلك نقضا لالتزامه الحفظ. وكذلك جاء فى جامع الفصولين (١). أن من الالتزام ما هو متبرع به ولا ضمان فيه ورتبوا على ذلك أن الراعى اذا اشترط عليه ذبح الشاة عند الخوف على هلاكها فهلكت شاة ولم يذبحها لم يضمن لأن هذا التزام متبرع به فلا يترتب عليه الضمان بتركه لأن عقد الوديعة لا يتناوله. وهذا ما قد يفيد أن الالتزام فى العقود غير اللازمة التزام يجب الوفاء به ما دامت قائمة لم تفسخ وعلى ذلك فلا يؤدى عدم لزومها الى منافاة فيها دين ضمنه الالتزام فيها حين قيامها. وهى حتمية تنتهى بفسخها والى الايجاب الدينى والخلقى أقرب وهذا ما يتسق مع ما جاء فى جامع الفصولين وبخلاف ما يدل عليه تعبير كثير من الفقهاء حين يقولون: التزام التبرعات كالتزام انسان الانفاق على أجنبى والتزامه بأن يعطى فلانا مبلغا من المال عطية فهذه التزامات غير ملزمة عند الجمهور والوفاء بها غير واجب قضاء خلافا لما ذهب اليه بعض المالكية من عدم جواز فسخه والعدول عنه مع الالزام به قضاء وعلى ذلك يتبين أن الالتزام فى الفقه الاسلامى نوعان: التزام بات والتزام غير بات كالتزام المتبرع مثبتين أيضا ان الفقهاء قد عبروا بلفظ التزام فى أحوال أخرى لا يكون فيها الالتزام باتا مثل الكفالة بالدين الموعود به وذلك لجواز الرجوع فيها قبل ثبوت الدين عند الحنفية والحنابلة (٢) والكفالة بالجعل فى الجعالة فان الالتزام فيها غير (٣) بات وقد جاء فى الشرح الكبير للدردير: الالتزام فى الجعالة غير بات. ولا شك أن اطلاق اسم الالتزام على هذا النوع الأخير من باب التوسع فى دلالات الألفاظ واستعمالها. وجملة القول أن الالزام ضرب من التكليف اذ من التكليف يكون بمالا يعد الزاما كما فى التخيير وأن أركانه هى أركان التكليف مع اختلاف فى الأسماء بسبب اختلاف مادة التكليف مع مادة الالزام وأن أثره هو الالتزام أى الوجوب المحتم سلبا أو ايجابا غير أنه قد يكون وجوبا قضاء وقد يكون وجوبا ديانة والأول يلزم به القضاء والثانى لا يلزم به القضاء وذلك ما يدل عليه استعمال الفقهاء شروط الملزم وفيما يأتى بيان لهما. شروط الالتزام: لما كان الالتزام أثرا للالزام الذى هو

стр. 7693

التكليف اشترط فيه ما يشترط فى التكليف فيشترط فى الملزم المكلف بكسر اللام المشددة - أن تكون له ولاية الالزام وتتمثل فى ولاية الشارع العامة فله الزام الناس جميعا بما كلفهم به وذلك أساس التشريع ولقد تفضل الشارع أن تكون ولايته فى ذلك مراعى فيها صلاح الناس وصلاح مجتمعهم على الوضع الذى يراه وهو العليم الحكيم الذى يقول فى كتابه «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ١» ويقول: «يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ ٢ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» ويقول: «وَما جَعَلَ ٣ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» وقد دل استقرار الأحكام الشرعية على أنها لم تشرع الا لمصلحة الناس ومصلحة مجتمعهم وكان ذلك من الأمور القطعية غير أن مرد ذلك الى النصوص وثبوتها وأساس الالزام فى ذلك قوله تعالى فى سورة النساء «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٤ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» وكذلك تتمثل فى ولاية الانسان على نفسه فكان له أن يلزم نفسه لأن ذلك تصرف فى حقه وهى ولاية ثابتة بالكتاب لقوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ ٥ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً» وقوله فى سورة المائدة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٦ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ولأنها ولاية شرعية لا تتناول كل ما كان محظورا لأن الله لا يأمر بالفحشاء وكذلك تتمثل ولاية الالزام فى ولاية أولى الأمر لقوله تعالى «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ٧» وهم أمراء المسلمين ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم ممن له حق الأمر والارشاد كالأزواج بالنسبة للزوجات والآباء بالنسبة الى الأولاد وغيرهم. وانما تثبت لهم هذه الولاية فيما ليس بمعصية وذلك لقوله ﷺ : لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وفى رواية لأبى شيبة عن على كرم الله وجهه لا طاعة لبشر فى معصية الله تعالى وأخرج أحمد والشيخان عنه أيضا قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار يسمى علقمة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه فى شئ فقال لهم اجمعوا لى حطبا فجمعوا له. قال فأوقدوا نارا فأوقدوا نارا قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لى وتطيعوا قالوا بلى قال فأدخلوها فنظر بعضهم الى بعض وقالوا انما قررنا إلى رسول الله ﷺ من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك فقال ﷺ لو دخلوها ما خرجوا منها انما الطاعة فى المعروف. قيل وهل تتناول طاعتهم المباح فيه خلاف. فقال فريق لا لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما أحله الله ولا أن يحلل ما حرمه الله وقال فريق أنها تتناوله وقال بعض محققى

стр. 7694

الشافعية تجب طاعة ولى الأمر فى الأمر والنهى ما لم يأمر بمحرم. وقال فريق ثالث الذى يظهر أن ما يأمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله الا ظاهرا فقط بخلاف ما فيه هذه المصلحة فانما الطاعة فيه واجبة ظاهرا وباطنا وكذا يقول فى المباح الذى فيه ضرر بالمأمور (١). ويشترط فى الملتزم ما يشترط فى كل مكلف: من العقل والبلوغ. كما يشترط فيه أن يكون مختارا. فلا يصح التزام المكره اتفاقا فيما عدا اليمين والطلاق والرجعية والنكاح ففى ذلك خلاف بين الفقهاء، وأن يكون قاصدا فيما ألزم به نفسه فان كان هازلا فلا يلزم بشئ عدا ما ورد فى الحديث «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد» الحديث وهو ظاهر كلام المالكية والإمامية اذا ما تبين ذلك. وكذا لا يصبح التزام الناس والمخطئ عند الشافعية والزيدية وكذلك لا يصبح أيضا التزام المغمى عليه والنائم. وكذلك لا يصح التزام السكران بطريق غير محظور اتفاقا (٢). ويرى الحنفية: أن حكم التزام الناس والمخطئ هو حكم التزام المتذكر والقاصد، وذلك بناء على أن كلا من الخطأ والنسيان أمر باطنى لا سبيل الى معرفته الا من جهة من يدعيه، وليس يلتفت الى ادعائه اذ قد يتخذه وسيلة الى تضييع الحقوق فوجب لذلك أن لا يصدق وأن يعتبر بلوغه وكمال عقله واختياره أمارة على قصده وعدم خطئه أو نسيانه قصدا الى استقرار المعاملات وأن يعامل على هذا الأساس فيكون حكم الناسى حكم المتذكر، وحكم المخطئ حكم القاصد، ولكن اذا صدقهما فى ادعائهما الملتزم له فان الالتزام حينئذ يكون فاسدا أخذا باقرار صاحب الحق وهو صاحبه الذى يحق له المطالبة به وحده (ينظر مصطلح نسيان وخطأ) وكذلك لا يصح التزام المكره، سواء أكان الاكراه ملجئا أم غير ملجئ. والملجئ ما كان بقتل النفس أو باتلاف عضو أو باتلاف جميع المال، أو بالضرب المبرح الذى يخشى منه التلف … وغير الملجئ هو ما يكون بما يشق على من أكره احتماله وذلك باختلاف حال الناس ومنازلهم. ووجه ذلك أن الاكراه بقسميه ينعدم معه الرضى بأثر الالتزام، فلا يكون للملتزم ارادة ولا قصد … وقصده الى التلفظ بالعبارة انما لدفع الأذى عن نفسه واذن يكون قد تلفظ بها على اعتبار أنها لدفع الأذى لا على أنها ترتب أثرا فى ذمته ومع ذلك لا يكون لالتزام المكره أثر لانعدام ارادته. وهذا هو مذهب كثير من الفقهاء ومنهم من ذهب الى ذلك مستثنيا النكاح والطلاق والرجعية واليمين والعتق، وذلك لأنها تنشأ عن غير قصد الى أثرها بدليل صحتها من الهازل بناء على حديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» النكاح والطلاق والرجعية وفى رواية واليمين وفى أخرى والعتق. واذا صحت من الهازل بمجرد نطقه بالعبارة الدالة عليها

стр. 7695

وان لم يقصد اليها ولا الى أثرها صحت كذلك من المكره ولا يكون عدم قصده مفسدا لها. ويرى الحنفية مع هذا أن فساد الالتزام عند الاكراه عليه، فساد يرتفع بزوال سببه فاذا أجازه الملتزم بعد زوال الاكراه صح دون حاجة الى تجديده خلافا لما ذهب اليه كثير من الفقهاء كالحنابلة وجمهور الشافعية اذ ذهبوا الى أنه باطل لا يقبل تصحيحا. ووجه ما ذهب اليه الحنفية أن المكره وان لم يقصد بعبارته تحقيق أثرها الشرعى، الا أنه قصد التلفظ بالعبارة فصدرت منه صحيحة لأنها صادرة من أهلها فى محلها ولا ينقصها الا الرضى بأثرها وليس ما يمنع من أن يتحقق الرضى بعد صدورها فيصححها اذا تحقق وهذا خلاف ما ذهب اليه سائر المذاهب من أن التزام المكره باطل لا يقبل تصحيحا (ينظر مصطلح اكراه). وكذلك لا يصح التزام السكران لعدم قصده مطلقا ذهب الى ذلك فريق من المالكية وآخرون من الحنابلة وفرق الجمهور بين أن يكون قد سكر بمحرم فيلزمه ما التزم به وحكمه فى هذه الحال حكم العاصى المتعقل لاقدامه على السكر وهو يعلم عاقبة أمره من زوال عقله فكان بذلك راضيا وقاصدا لما يصدر منه - وبين أن يكون سكر بما ليس بمحظور - كتناوله المسكر للتداوى أو لازالة غصة أو نحو ذلك حيث لا يجد خلافه فيكون حكمه فى هذه الحال حكم المجنون لا يصح منه التزام. وذهب الظاهرية الى أن التزام السكران مطلقا غير صحيح (١) (ينظر مصطلح سكران). وكذلك يشترط فى الملزم - أى من وجه اليه الالزام وهو ما ينتهى أمره الى أن يكون ملتزما - لما يلزم به والقدرة عليه وذلك نظرا الى ما فى الالزام من معنى الايجاب والتكليف ولا تكليف الا مع القدرة والمراد بالقدرة ما يتمكن بها الملتزم من أداء ما لزمه وهى شرط فى وجوب الأداء عليه لا شرط فى أصل الوجوب وشغل الذمة الذى هو أثر للالزام اذ أن التزام الشخص يكون بشغل ذمته بما التزم به وذلك يستلزم ذمته أيضا بأدائه عند توافر شروطه - وقدرة الملتزم انما شرطت فى وجوب الأداء لا فى أصل الوجوب فالمدين الميسر مشغولة ذمته بالدين وليست مشغولة بالأداء لقوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى ٢ مَيْسَرَةٍ» فاذا أيسر شغلت ذمته بالأداء أيضا. كما أن الكفيل على القول الأرجح عند الحنفية مشغولة ذمته بالأداء دون الوجوب لأن الكفالة على هذا الرأى ضم ذمة الى ذمة فى المطالبة بالدين والمطابلة انما هى أثر لوجوب الأداء. ولذا صدر الالتزام من جانب واحد بأن ألزم شخص نفسه بشئ اعتبر ذلك من قبيل التبرع كما فى العقد من جانب واحد اذ يتم الالتزام بايجابه دون توقف على قبول

стр. 7696

من أحد ودون أن يستوجب شيئا للملتزم فى مقابلة التزامه فيشترط فى الملتزم حينئذ ما يشترط فى المتبرع وهى أهلية المتبرع شرعا بأن يكون غير محجور عليه لسفه أو (لدين) دية ان كان الملتزم به مالا أو اسقاطا. وعلى هذا فلا التزام ممن لا يعقل كالمجنون والطفل ونحوهما اتفاقا ولا من الصبى المميز لقصور عقله ولا المعتوه والنائم حال نومه اتفاقا والمغمى عليه - والتزام الصغير والمجنون بالزكاة فى أمر لهما على ما يراه أكثر الفقهاء من قبيل خطاب الوضع لا من قبيل خطاب التكليف وكذلك الوضع فى الزامهما بضمان المتلفات وعلى ذلك فيكون أثر ذلك حقا فى المال يلزم الولى بأدائه منه. وكذلك لا يصح التزام السفيه بمال ولا يصح كذلك الزام المحجور عليه بالدين كذلك بمال لآخر ولا يصح ابراؤهما بدينا لهما مادام الحجر قائما وفى ذلك تفصيل (انظر مصطلح حجر). ويشترط فى الملتزم به أن يكون معلوما للملتزم علما يمكنه من أداء ما التزم به على الوجه المطلوب، والمراد بذلك أن يكون فى امكانه العلم به والوصول الى معرفته، اذ لو شرط العلم به فعلا لما استقام التكليف وذلك لاتساع المجال للاعتذار بعدم العلم وبناء على ذلك جوزوا الالزام بأحد أمور معلومة بحيث يكون للملتزم حق الخيار فيها كما جوزا بيع سلفه من ثلاثة يكون للمشترى حق تعيينها أو للبائع على ما ذهب اليه الكرخى من الحنفية خلافا للشافعية حيث لم يجوزوا البيع على هذا الوضع وكذلك جوزوا الكفالة بما سينشأ لشخص من دين لدى (١) آخر بمبايعته كأن يقول له ما بيعت فلانا فأنا كفيل بثمنه وكذلك جوزوا بيع انسان ما فى صندوقه لآخر، وان لم يكن معلوما له عند العقد وصحة الكفالة لما زاب لفلان على آخر، وعلى هذا الأساس جواز الالزام التحييد فى الملتزم به كما فى كفارة الايمان اذ خير الملتزم فيها بين الاطعام والكسوة وتحرير الرقبة لقوله تعالى: «لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ ٢ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» كما جوزوا البيع مع خيار التعيين فى عدد من السلع لا يزيد على الثلاثة عند الحنفية ويصح اشتراطه للمشترى اتفاقا وللبائع عند الكرخى فيكون تعيين المبيع لمن اشترط له الخيار وخالف فى ذلك باقى المذاهب، وأن يكون الملتزم به مما يستطيع من وجه اليه الالتزام أن يفعله وأن يتركه فاذا كان من الأفعال التى لا قدرة له عليها لم يصح الالتزام. وينبنى على ذلك أنه لا يصح الالتزام بالمستحيل سواء أكان مستحيلا بالنظر الى ذاته وهو المستحيل عقلا، أو بالنظر الى غيره ويسمى بالمستحيل عادة كالطيران بغير طيارة فكل مالا يمكن وجوده لا يصح الالزام

стр. 7697

به وذلك محل اتفاق (١) ومما يتفرع على ذلك عدم صحة الالزام بما هو معدوم فى وقته وليس محتملا لأنه يوجب بعده، فلا يصح الالزام بازالة جدار لا وجود له لزواله من قبل كما لا يصح الالزام لتسليم ثمارات بستان جلت أشجاره لعدم احتمال وجودها فيما بعد، ولكن يصح الالزام بتسليم منزل ثم التعاقد على بنائه ويستفاد مما تقدم أن الملتزم به لا بد أن يكون ممكنا ولذلك قرر الفقهاء عدم انعقاد اليمين بالنسبة لمن حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه غير أنه قد لوحظ فى بعض فروعهم ما يفيد أن الشرط فى انعقاد الالتزام جواز حصول تنفيذه فمن حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبا انعقدت يمينه ومن كفل دينا تبلغ آلافا من الدنانير وهو فقير معدم لا يتصور منه الوفاء به انعقدت كفالته ذلك ما ذهب اليه الحنفية أما الشافعية فقد اختلفوا فمنهم من اشترط ولو حكما لانعقاد الالتزام امكان تنفيذه ومنهم من لم يشترط ذلك وعلى الأول لو نذر صيام أيام عديدة لا يطيق صومها لم يصح نذره (٢). أو مبيع ليس لدى البائع كما فى السلم والاستصناع وذلك لتوقع وجوده مستقبلا عند التنفيذ ويشترط فى الملتزم له أن يكون من أهل الاستحقاق فلا يصح الالتزام لدابة ولا لحجر ولكن يصح للمسجد وبجهات الخير على العموم لأنها فى حكم حر يملك ويشترط أيضا أن يكون قابلا لحكمه شرعا فلا ينشأ الالتزام بمبيع أرض موقوفة ولا يشترط فى الملتزم له أن يكون متعينا ابتداء أى عند نشوء الالتزام بل يكفى تعيينه عند استحقاق تنفيذ الالتزام. ومقتضى ذلك صحة الالتزام لمجهول فى البداية ومن ذلك صحة الجعالة فيمن التزم بجائزة أو جعل لمن يجد ضالته ويأتيه بها … وصحة الاقرار لمجهول كما اذا قال شخص لجماعة معينين لأحدكم على كذا، ومن الفقهاء من صحح الكفالة لدائن مجهول كأن يقول شخص لآخر أنا كفيل بما عليك من الدين. شروط صيغة الالزام: ويشترط فى الايجاب الصادر من الملتزم بالتزامه أن يكون دالا عليه دلالة قاطعة غير محتملة سواء أكان عبارة أو كتابة. فاذا كان الملتزم أخرس اكتفى باشارته (المفهمة الدالة على التزامه) ان كان لا يعرف الكتابة على الأرجح. وقيل لا يشترط ذلك مثال ذلك أن يقول: لله على نذر أن أتصدق بكذا، أو أسقطت حتى فى الشفعة، أو أجزت ذا العقد ونحو ذلك. ومثله أن يكتب ذلك أو أن يشير بما يدل على ذلك ان كان أخرس. ويشترط فى العبارة أن تكون بصوت من شأنه أن يسمع، وان لم يسمعه الملتزم لضعف فى سمعه مثلا. والى هذا ذهب بشير ابن غياث الريس الحنفى ومن تبعه من الفقهاء واذا كان الايجاب بالكتابة وجب أن تكون كتابة مستبينة مرسومة فالمستبينة هى التى تبقى بعد الانتهاء منها فالكتابة على الماء لا اعتداد بها. والمراد بالمرسومة أن تكتب على النحو الذى تعارفه الناس فى مثلها فان كانت على غير ذلك كالكتابة على الجدران وأوراق الشجر فلا اعتداد بها.

стр. 7698

واذا كان اشارة وجب أن تكون اشارة دالة مفهمة لا احتمال فى دلالتها ويرى بعض الفقهاء أن يشترط للاعتداد بها أن يكون صاحبها عاجزا عن النطق والكتابة ويرى آخرون أنه لا يشترط الا العجز عن النطق .. ومن الفقهاء من لم يشترط عجزا عن أحدهما كبعض المالكية، والأول أرجح. صيغة الالتزام وأحوالها: ذكرنا فيما سبق أن الالتزام أثر للالزام وان الالزام قد يكون من الملتزم نفسه وذلك بأن يلزم نفسه بماله من الولاية على ذمته وعلى أمواله وقد يكون من غيره بماله من ولاية الزامه فاذا كان من الملتزم لنفسه كان ذلك بعبارته الدالة على ارادته واعتزامه التزام ما الزم به نفسه مثل قوله ألزمت نفسى بكذا أو التزمت بكذا أو العهد منى لك أن أؤدى كذا أو كفلت مالك من الدين فى ذمته ونحو ذلك من كل ما يدل على الالتزام ومن ذلك صيغ الايمان والنذر وان كان من غيره فقد يكون ممن له ولاية الالزام وهو الشارع أو ولى الأمر فيما تجب طاعته فيه وفى هذه الحال يتحقق الالتزام بعبارة الملزم فاذا قال الشارع كلفتك بكذا أو أمرتك بكذا التزم من وجه اليه الخطاب بما أمر به ومن ذلك أوامر الشارع المتعلقة بالعبارات والنفقات والديات والأروش والزكاة وغير ذلك مما أمر به الشارع أو أمر ولى الأمر كأمره بالزام الناس بدفع وظيفة مالية معينة سد الحاجة ضرورية أصبحت الأمة فى حاجة شديدة اليها وليس فى الأموال العامة ما يقوم بسدادها وما الى ذلك وقد يكون الالتزام نتيجة اتفاق بين الملزم والملتزم له وذلك كما فى العقود فان الالزام فى العقود ليس من العاقد وحده وانما هو نتيجة اتفاق طرفى العقد عليه وأثره التزام كل من العاقدين بما يلزمه به العقد وفى هذه الحال تكون صيغة الالزام هى صيغة العقد ويشترط فيها ما يشترط فى صيغة العقد اذ أنها ليست الا كذلك. وللصيغة الدالة على الالزام أحوال أربعة: التنجيز والاضافة والتعليق والاقتران بالشرط - وقد رأى بعض الفقهاء ان الاقتران بالشرط يتناول التعليق والاضافة لأن الشرط ليس الا التزاما أضيف الى الالتزام الأصلى فصار جزءا منه والمسألة لا تعدو أن تكون مجرد اصطلاح اذ أن ذلك لا يخرج كلا من الاضافة والتعليق عن معناهما. وتكون الصيغة منجزة اذا لم تكن مضافة أو معلقة. وعندئذ يترتب عليها أثرها اثر صدورها أو اثر تمامها وذلك بصدور الايجاب فى العقود الانفرادية التى تصدر من جانب واحد أو مع اقترانه بالقبول فى العقود التى تنشأ بين طرفين كأن يقول انسان وقفت أرضى هذه على الفقراء أو نذرت لله أن أتصدق بعشرة جنيهات على هذا الفقير اذ يلزمه ما التزم به من وقف أو صدقة بمجرد انتهاء عبارته فتصير الأرض وقفا وتشغل ذمته بعشرة جنيهات صدقة لفلان الفقير - وكأن يقول انسان لآخر بعتك أرضى هذه بألف جنيه فيقبل من وجه اليه الايجاب اذ يصير كل منهما ملتزما بما يتضمنه هذا العقد. وقد يكون الايجاب مضافا الى زمن مستقبل معين كأن يقول شخص لآخر كفلت لك دينك الذى لك فى ذمة فلان ابتداء من الشهر الآتى أو وقفت هذه الأرض على الفقراء

стр. 7699

بعد وفاتى ففى ذلك وأشباهه تكون الصيغة مضافة وتنعقد سببا لالتزام الدين عند الحنفية أو سببا لوقف الأرض ولكن أثرها - وهو التزام الدين فى الصورة الأولى ووقف الأرض فى الصورة الثانية - يرجأ الى الزمن الذى أضيف اليه وهو الزمن المبين فى الايجاب فلا يصير كفيلا ملتزما بالدين الا من أول يومه من الشهر الآتى ولا تصير الأرض وقفا الا بعد وفاة الواقف وقد يكون الايجاب معلقا على شرط بأداة من أدوات التعليق أى رتب وجوده على وجود شرط محتمل الوجود فاذا وجد الشرط وجد الايجاب وتحقق الالتزام بتحقق سببه واذا لم يوجد لم يتحقق السبب ولم يوجد الالتزام - ولذا يشترط أن يكون الشرط الذى رتب عليه الالتزام شرطا معدوما جائزا وجوده وليس ارادة للملتزم كما يشترط فيه أن لا يكون محظورا جعل الالتزام سبيلا الى ارتكابه فاذا كان مستحيلا لم يتحقق الالتزام وكان الايجاب مجرد عبارة تدل على الرغبة فى عدم الالتزام - واذا كان موجودا عند صدوره كان الايجاب منجزا وكان الالتزام منجزا وكان التعليق صوريا لا أثر له. واذا كان مشيئة للملتزم لم يتحقق الالتزام وذلك كأن يقول شخص أنا كفيل لك بهذا المال ان شئت ذلك أو رغبت فيه اذ لا تتحقق بذلك ارادة الملتزم ولهذا اذا قال شخص ان ربحت تجارتى هذه ألف جنيه فأنا كفيل لك بدينك الذى لك قبل فلان فلا تتحقق هذه الكفالة الا اذا ربح هذا المبلغ من تجارته واذا قال لآخر أنا كفيل لك بدينك قبل فلان ان كانت ثروتى تبلغ ألفى جنيه وهى تصل الى هذا المقدار وقت الايجاب صار الايجاب منجزا وكان كفيلا فى الحال واذا قال أوصيت لك بكذا ان قتلت فلانا أو ضربته لم تصح الوصية لأنها أخذت وسيلة الى تحقيق أمر محظور - وهذا بخلاف ما اذا قال شخص لآخر أوصيت لك بكذا ان تلفت زراعة فلان اذا لم تتخذ الوصية وسيلة الى اتلاف الزراعة وان رتب على حدوث تلفها بأى سبب آخر هذا وقد يكون الشرط المعلق عليه أمرا ايجابيا وقد يكون أمرا سلبيا فاذا علق شخص كفالته لدين على أن يربح فى تجارته فى نوع كذا ١٠٠ جنيها فى شهر كذا كان الشرط أمرا ايجابيا هو ربحه ١٠٠ جنيه فى شهر كذا واذا علق كفالته للدين على أن لا تصيبه خسارة من تجارته فى شهر كذا كان الشرط أمرا سلبيا هو عدم لحوق خسارة له فى ذلك الشهر ولا يكاد يكون لهذا التنويع أثر من ناحية الحكم المبين وانما يظهر الأثر فى تحديد الوقت الذى يتحقق فيه الشرط فاذا أوصى لامرأة معلقا وصية على أن تكون زوجة لأبنه روعى ذلك عند وفاته فاذا توفى وهى زوجة لابنه كانت لها الوصية واذا أوصى لامرأة عزبة ان لم تتزوج من بعده أبدا روعى فى تحقيق الشرط أن تكون عزبة عند وفاته وأن تستمر هذه حالتها طيلة حياتها وذلك لتصريح الموصى بالتأييد فاذا تزوجت بعد وفاته بطلت الوصية واسترد منها ما أعطى لها (١) منها غير أنه لما لم يكن من المتصور ان يوصى انسان لآخر بعد وفاته فقد ذهبوا الى ان المراد ان تكون عند وفاة الموصى عليه غير متزوجة فاذا توفى وهى كذلك كانت لها الوصية ولكن اذا تزوجت بعد ذلك استرد ما أعطى لها أو قيمته لظهور بطلان الوصية بعدم تحقق الشرط ففى الشرط الايجابى يكفى

стр. 7700

مجرد تحققه وفى الشرط السلبى يراعى تحققه مدة الوقت الذى جعله المعلق - مدة له - ويرى الحنفية أن الايجاب فى حال التعليق لا ينعقد سببا الا عند تحقق الشرط ولذا لا يستند أثره الى وقت صدوره بخلاف الايجاب المضاف اذ ينعقد سببا عندهم لأثره فى الحال ولكن الأثر يكون مرجأ الى الزمن الذى أضيف اليه الايجاب وهذا هو الفرق بين التعليق والاضافة وقد رتبوا على ذلك ان الوفاء بالالتزام قبل مجئ الوقت المضاف اليه مبرئ للذمة لأنه وفاء بعد تحقق سبب الالتزام فاذا وفى بنذره المضاف الى الزمن المستقبل قبل مجئ الوقت برئت ذمته وذلك كما اذا تصدق بالصدقة المنذورة قبل وقتها المضافة اليه بخلاف الوفاء قبل تحقق الشرط المعلق عليه الالتزام بالصدقة لنذوره فان الذمة لا تبرأ به لأنه وفاء قبل وجود الالزام ووجود سببه وليس يتصور سقوط قبل الوجود فلا براءة من دين لم يوجد ولم يوجد سببه وانما جاز ذلك بناء على أنهم أقاموا وجود السبب مقام وجود المسبب فى حال الاضافة وخالف فى ذلك الشافعية فلم يفرقوا بين الاضافة والتعليق الا من ناحية ان الاضافة تكون الى زمن معين محقق الوجود وان التعليق اضافة الى زمن غير معين قد يتحقق وجوده بوجود الشرط الذى جعل علامة عليه وقد لا يتحقق وعلى ذلك ينعقد الالتزام بالايجاب فى الحالين عند صدور العبارة فى حال التعليق وحال الاضافة وبناء على ذلك يكون الوفاء بالالتزام بعد تحقيق سببه مبرئا للذمة فى الحالين لحصوله بعد وجود الالتزام فعلا وان تأخر الأداء بسبب الاضافة والتعليق. وفى الواقع ان ما ذهب اليه الحنفية من التفرقة بين المعلق والمضاف - من حيث عدم تحقق السبب فى التعليق الا عند وجود الشرط وتحققه فى الاضافة من وقت الايجاب - فرق اعتبارى غير بين فى الحقيقة وخاصة اذا كان التعليق على حلول وقت معين كما اذا كان الالتزام على حلول وقت كذا اذ لا فرق بين أن يقول وقفت ارضى غدا وبين أن يقول ان جاء الغد فقد وقفت أرضى حتى تنعقد الصيغة الأولى سببا فى الحال ويصح بها الوقف كما قالوا لأنها مضافة ولا تنعقد الصيغة الثانية سببا فى الحال ولا يصح بها الوقف لأنها معلقة وهو لا يقبل التعليق ولهذا ذهب ابن تيمية الى أن التعليق بحلول وقت معين اضافة فى المغنى ولا فارق بينه وبين الاضافة الا من حيث اللفظ والى هذا ما رأى بعض الحنفية كما فى حاشية الشلبى على تبيين الحقائق للزيلعى. والتعليق ينافى التنجيز ولا ينافى الاضافة فالالتزام لا يمكن أن يكون منجزا معلقا كما لا يمكن أن يكون منجزا مضافا ولكن يمكن أن يكون مضافا معلقا وذلك بين من ملاحظة معنى كل من هذه الأحوال ففى التنجيز تترتب الآثار على العبارة عند صدورها وفى الاضافة والتعليق نرجأ الآثار الى وقت مستقبل غير أن حدوث الآثار عند مجئ الوقت الذى أضيفت اليه فى حال الاضافة قد يكون مطلقا وقد يكون مقيدا حدوثها بوجود أمر آخر علقت عليه فاذا لم يوجد هذا الأمر المعلق عليه لم يوجد الالتزام أصلا ومن ثم كان التعليق غير مناف للاضافة مثال ذلك أن يقول شخص لآخر ان بلغ ما أملكه فى هذا الشهر عشرة آلاف جنيه فقد كفلت لك دينك قبل فلان ابتداء من الشهر التالى ومعنى هذا اذا تحقق ان بلغت ثروتى

стр. 7701

عشرة آلاف جنيه فى هذا الشهر فقد التزمت بدينك ابتداء من الشهر الذى يلى هذا الشهر. والالتزام قد يكون مع ذلك غير مقيد بشرط وقد يكون مقيدا اذا ما اقترن بصيغته شرط من الشروط سواء أكان ذلك فى حال التنجيز أم فى حال الاضافة أم فى حال التعليق فاذا اقترنت صيغة بشرط أصبح ذلك الشرط عنصرا من عناصر الالتزام ذلك لأن الاقتران بالشرط يكون بزيادة التزام آخر فى الالتزام الأصلى تتضمنه صيغة الالتزام وذلك ما يتصور تحققه فى كل حالة من هذه الأحوال مع ملاحظة أن لا يكون محظورا والا كان شرطا باطلا. أما التأجيل فهو ارجاء التنفيذ الواجب حالا الى وقت مستقبل وذلك ما يخالف الاضافة من ناحية أنها تعد أرجاء الالتزام لم يجب فى الحال الى وقت مستقبل ففى الكفالة المضافة لا يكون الكفيل كفيلا فعلا الا عند حلول الوقت المعين حتى لو توفى قبله بطلت الكفالة ولا رجوع فى تركته بخلاف حال التأجيل فانه يعد كفيلا ارجئ الزامه الى وقت الحلول ولذا فان التأجيل يبطل بالموت وتصبح الكفالة منجزة ومعنى ذلك ان التأجيل ارجاء لتنفيذ الوفاء لا ارجاء للالتزام كما هو الحال عند الاضافة وان شئت قلت ان التأجيل اسقاط لحق المطالبة مدة من الزمن الى وقت حلول الأجل مع بقاء شغل الذمة بخلاف الكفالة المضافة اذ لا تشغل الذمة فيها الا عند حلول الوقت المضاف اليه ذلك هو مذهب الحنفية. (وارجع الى مصطلح أجل ومصطلح اضافة) ذلك ما ذهب اليه الحنفية فى بيان أحوال صيغة الالتزام لكن ذلك ليس فى كل صيغة تفيد الالتزام بل تختلف صيغ الالتزام فى قبولها تبعا لما تدل عليه فمن الالتزام مالا تقبل صيغته التعليق فتبطل اذا علقت ومن الالتزام ما تقبل صيغته التعليق على شروط خاصة ومنه ما تقبل صيغته التعليق مطلقا وكذلك الحكم بالنسبة للاضافة فمن صيغ الالتزام ما يقبلها ومنها مالا يقبلها على أساس ما جوز الشارع اضافته وما لم يجوز اضافته ومنها ما هو مضاف بطبيعته كالوصية وكذلك الحال بالنسبة للاقتران بالشرط فمن الالتزام ما يقبل التقيد بأى شرط تتجه اليه رغبة الملتزم ما لم يكن محظورا ومنه مالا يقبل الا نوعا خاصا من الشروط والخلاف فى ذلك بين المذاهب خلاف عظيم متشعب وذلك بالنسبة الى ما يعد شرطا صحيحا يصح اشتراطه وما يعد غير صحيح لا يصح اشتراطه وقد يترتب على اشتراطه بطلان الالتزام وقد يصح معه الالتزام ولكن مع بطلانه والغائه وكذلك الحكم بالنظر الى التوقيت وقبول الالتزام له فمن الالتزام مالا يقبله وتوقيته يبطله أو يصح الالتزام ويلغو معه هذا التوقيت ومنه ما يقبله وهكذا تختلف الأحكام بالنظر الى اختلاف الالتزام أنواعا واختلاف الشروط وتنوعها وفى بيان أحكام ذلك على وجه التفصيل فى جميع المذاهب يرجع الى مصطلح (عقد) ومصطلح (اشتراط) ومصطلح (تعليق واضافة). الغرض من الالتزام تبين مما ذكر فى شروط الالتزام أنه لا يصح الالتزام بما هو محظور وأن الالتزام به باطل لا ينعقد وأنه لذلك يجب أن لا يتخذ وسيلة الى محظور ويكفى لثبوت ذلك سلامة عبارته عند جمهور الفقهاء خلافا للحنابلة الذين

стр. 7702

اعتدوا فى ذلك بما يحف به من القرائن وجملة القول فى ذلك أن جمهور الفقهاء لم يعتدوا بما استتر فى النفس من غرض أو قصد باطن اذا كان محظورا اذ لا تصلح بواطن النفوس أساسا للحكم وانما مناط الأحكام بصدور العبارة الدالة على الالتزام صحيحة سليمة. وخلاصة ما ذهب اليه كثير من الفقهاء فى هذا الموضوع: ان الملتزم اذا اتجهت ارادته من انشاء التزامه الى جعله وسيلة لتحقيق غرض لم يكن مقصودا للشارع من شرعه، فقد يكون هذا الغرض مباحا غير محظور وقد يكون محظورا حرمه الشارع. فاذا كان مباحا يؤثر ذلك فى صحة الالتزام اتفاقا، ذلك بأن الغرض فى هذه الحال حاجة للملتزم غير محظور عليه تحقيقها سداد العوذة ومنفعة له ومؤسسة عليه دون ضرر بأحد، وذلك مطلوب له وجائز شرعا وقد رأى التزامه طريقا الى ذلك فجعله وسيلة الى تحصيله فلا حرج عليه فى ذلك، ولمثل هذا شرعت الالتزامات على العموم. واذا كان غرضا محظورا حرمه الشارع فان ضمن عبارته ما يدل عليه كان التزاما فاسدا باتفاق بين جميع الفقهاء لاقترانه بشرط محظور محرم. اذ يصير بذلك هذا الالتزام أمرا محظورا حرمه الشارع وكل محرم باطل فاسد وان لم يضمن الملتزم عبارته ما يدل عليه فقد اختلف رأى الأئمة فى ذلك فمنهم فريق سوى بين هذه الحال والتى قبلها فصحح الالتزام، ذاهبا الى أن العقود والالتزامات تعتمد دلالة العبارة دون نظر الى نيات المتعاقدين، ذلك لأن صدور عبارتها على وضعها الصحيح من أهل لاصدارها يدل ظاهرا على أن ارادة صاحبها ونيته قد اتجهت الى تحقيق الغرض الشرعى الذى قصده الشارع من شرعها، اذ أن اقدام الانسان على مباشرة ما جعله الشارع سببا ووسيلة الى مسبب معين دليل على ارادة تحقيق ذلك المسبب، فلا يحكم عليه بأنه أراد خلافه الا اذا تضمنت عبارته ما يدل على ذلك وعنئذ يكون ما تضمنه شرطا فى العقد جزءا من الالتزام فيفسد به. وعلى رأس هذا الفريق كما تقدم الشافعية والحنفية. ومما ينبغى التنبيه اليه أن اعتدادهم بالباعث المحظور ليس متصورا على ما يكون مشرحا به فى عبارة الالتزام بل يتجاوز ذلك الى الحالات التى يكون فيها محل الالتزام دالا عليه معينا له، فاذا كانت طبيعة المحل تدل على أن السبب الذى دفع الى الالتزام غير مشروع كان العقد باطلا كما سيأتى بيانه. ومما يؤيد البيان السابق من مذهب أبى حنيفة ما جاء فى الزيلعى وجاء فى مختصر (١) الطحاوى: ومن كان له عصير فلا بأس عليه فى بيعه وليس عليه أن يقصد بيعه على من يأمنه أن يتخذه خمرا لأن العصير حلال، فبيعه حلال، وليس على بائعه الكشف عما سيفعله المشترى به … وانما يجوز هذا العقد اذا لم يذكر فيه صراحة ولا ضمنا أن يتخذه المشترى خمرا، والا كان فاسدا وجاء فى الأم وهو أوضح دلالة من غيره .. أصل ما أذهب اليه: أن كل عقد كان صحيحا فى الظاهر لم أبطله بتهمة أو بعادة وبين المتبايعين. وأجزته لصحة الظاهر وأكره لهما النية اذا كانت بحيث لو ظهرت أفسدت البيع. وكذلك أكره للرجل أن يشترى السيف على أن يقتل به .. ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يرى أنه يقتل به ظلما لأنه قد لا يقتل به،

стр. 7703

فلا أفسد عليه هذا البيع .. وكذلك أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يرى أنه يعصره خمرا ولا أفسد عليه البيع اذا باعه أياه .. لأنه قد باعه حلالا .. وقد يمكن ألا يجعله خمرا أبدا كما يمكن فى صاحب السيف ألا يقتل به أحدا (١) أبدا ومن الفقهاء فريق آخر لم يسو بين هذه الحال والتى قبلها متى صحب العبارة من الظروف والقرائن ما يدل على ارادة المحظور وعلى رأس هؤلاء الحنابلة ومما يدل على ذلك ما حكاه ابن القيم من أن: الحنابلة قد ذهبوا الى ابطال كل عقد تبين أن الباعث عليه أمر محظور سواء تضمنت صيغته ما يدل عليه أم لم تتضمنه وكان أمرا باطنيا معنويا وان جاز ألا يكون لأنه قد اتخذ وسيلة الى أمر غير مشروع ولم يجعله الشارع وسيلة الى محظور وفى تصحيحه اعانة على المعصية والاعانة عليها بأى طريق أمر محظور، ولا يحتج بسلامة العبارة وخلوها مما يدل عليها، فان الوصول اليها بطريق الغش والخديعة وعلى وجه الخفاء قد يكون أشد نكرا وأعظم أثما من الوصول اليها بطريق ظاهر علنى؛ لأن الأمر المعلق الظاهر قد يمكن تداركه وتلافيه والحذر منه بخلاف الأمر الخفى وقد تضافرت أدلة الشريعة وقواعدها على أن القصور فى العقود معتبرة وأنها تؤثر فى صحة العقد وفساده وفى حله وحرمته، كما أثرت فى الفعل الذى ليس بعقد ولا الزام فيكون حلالا أو حراما تبعا لاختلاف النية والقصد منه، كما قد يعد صحيحا تارة وفاسدا تارة أخرى بناء على ذلك كذبح الحيوان يكون حلالا اذا ذبح باسم الله ويحرم اذا ذبح باسم الصنم وغير ذلك مما يماثله كثير، وقد قال ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى وهذا عام يعم العبادات والمعاملات والأقوال والأفعال، وهو دليل على ان من نوى بالبيع ربا قارف الربا، وليس يعصمه منه صورة البيع .. ومن نوى بالزواج التحليل كان تيسا مستعارا كما دل على ذلك الحديث، ولا يبعده عن ذلك صورة عقد الزواج .. اذ ليس الشأن للأسماء وصور العقود وانما الشأن لحقائقها ومقاصدها وما عقدت لأجله، وما مثل من وقف عند الظواهر والصور والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعانى الا كمثل رجل أمر بألا يسلم على صاحب بدعة فذهب اليه فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه (٢). أما مذهب مالك: فيدل عليه فى المدونة - قال مالك: لا يعجبنى أن يبيع الرجل داره ممن يتخذها كنيسة، ولا أن يؤجرها منه ولا أن يبيع شاته من مشرك اذا علم أنه انما يشتريها ليذبحها لوثنه - وقال أيضا اذا أجر المسلم داره الى نصرانى ليبيع فيها الخمر فالاجارة باطلة، وقال الاجارة على القتل أو على الضرب أو على ما لا يجوز شرعا غير جائزة (٣). وفى الحطاب: ويحرم بيع الحربين آلة الحرب من سلاح ونحوه مما يتعودن به فى الحرب، ويحرم بيع الدار وشرائها ممن يتخذها كنيسة أو ممن يجعل فيها الخسر.

стр. 7704

وفى الشرح الكبير للدردير: ويمنع بيع كل شى علم أن المشترى قصد به أمرا لا يجوز كبيع جارية لأهل الفساد، وبيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة، وبيع العنب لمن يعصره خمرا والنحاس لمن يتخذه ناقوسا، والفروع من ذلك كثيرة (انظر مصطلح عقد). انعقاد الالتزام ونفاذه اذا كان الالتزام نتيجة للارادة المنفردة كما فى الوقف والنذر ونحوها انعقد بصدور العبارة الدالة عليه وهى الايجاب متى صدرت من أهل الالتزام فى موضوع مستطاع غير محظور. واذا كان نتيجة لعقد نشأ بين طرفين انعقد بصدور الايجاب والقبول من ذى الأهلية فى محل استوفى شرائطه وترتبت على انعقاده على هذا الوجه آثاره والتزام منشئه بها وذلك مع مراعاة ما بيناه فيما سبق من أنه يجب أن لا يتخذ وسيلة الى محظور كأن يدل الايجاب الصادر به على ذلك على ما اختاره كثير من الفقهاء أو تدل عليه القرائن والظروف المحيطة به على ما ذهب اليه الحنابلة ومن ذهب مذهبهم وبناء على ذلك فان ذمة الملتزم تشغل به فيصير واجبا عليه مطلوب الأداء منه للملتزم له كما يعد حقا له يثبت له به حق المطالبة وهذا ما يتمثل فى موضوع الالتزام. موضوع الالتزام: وموضوع الالتزام قد يكون ايجابيا وقد يكون سلبيا: فاذا كان التزاما بفعل كأداء الدين وتسليم البيع وقيام الأجير بعمله كان الموضوع ايجابيا وهو الكثير من أحوال الالتزام. واذا كان التزاما بامتناع عن فعل كالتزام المضارب بأن لا يعمل فى غير بلد العقد، والتزام مستأجر الدابة بأن لا يخرج بها من البلد كان موضوع الالتزام سلبيا - وكثيرا ما تكون الالتزامات السلبية ثابتة بحكم الشارع كمبدأ عام أريد به صيانة الحقوق والأموال ومنع الاعتداء عليها، كما تكون نتيجة لاشتراط أضيف الى العقد مثل أن يشترط على المضارب مثلا أن لا يتجر فى بلد معين أو أن لا يتجر فى نوع معين من السلع، ومثل أن يشترط على المستأجر أن لا يؤجر العين لغيره ونحو ذلك من الشروط التى تحقق مصلحة لمن اشترطها ولا تتنافى مع مقتضى العقد. وقد يرى أن قواعد الفقهاء تقضى بأن لا يكون محل العقد الذى ينشأ بين طرفيه مجرد امتناع عن عمل كالتعاقد على أن لا يقوم أحد المتعاقدين بفتح محل تجارى فى مكان معين لأن ذلك عدم والعدم لا يقابل بالمال فيما تقضى به أصولهم وانما المطالب أن يكون الامتناع لازما من لوازم العقد وآثاره غير المباشرة وذلك مثل الامتناع عن استعمال الوديعة اذ أنه لازم من لوازم العقد. هذا وان الالتزام فى الفقه الاسلامى قد يكون التزاما بتسليم عين كما فى الكفالة بتسليم الأعيان المضمونة على ذى اليد، وقد يكون التزاما بالمحافظة عليها كما فى عقد الوديعة، وقد يكون التزاما بدين كما فى الكفالة بالدين، وقد يكون التزاما بعمل كما فى اجارة الأجير، وقد يكون التزاما باسقاط كما فى الابراء، وقد يكون التزاما بتوثيق كما فى البيع

стр. 7705

بأجل يشترط فيه تقديم رهن بالثمن أو تقديم كفيل. وفى الالتزام بالدين قد يكون الدين نتيجة قرض أو حوالة أو كفالة أو شراء بأجل أو نتيجة سلم وقد يكون نتيجة اتلاف لمال الغير وقد يكون مصدره مجرد حكم الشارع كما فى النفقات الواجبة. أما الالتزام بالعمل فانه يكون أثرا لاجارة أجير خاص أو مشترك، أو لعقد مضاربة أو مزارعة أو مساقاة أو استصناع. غير أن الالتزام فى هذا العقد التزام بعمل وبعين أما الالتزام بالاسقاط فيكون فى نحو الابراء والاعتاق. وهكذا يرى أن الالتزامات فى الفقه الاسلامى كثيرة متعددة ومن استعراضها يرى أن الالتزام فى الشريعة لا يحمل معنى الزام صاحبه التزاما دائما يتعلق بتركته بعد وفاته بل قد ينقضى بوفاته فى بعض الأحوال كما فى الالتزام بالزكاة والنفقات أو بالحفظ فى الوديعة والعارية. كما يرى أن محل الالتزام قد يكون مالا كما فى الالتزام بالعين وبالدية وقد يكون غير مال كما فى اسقاط حق الشفعة وحق الكفالة، كذلك يلاحظ أن الالتزام فى الفقه الاسلامى قد يكون لشخص معين كما فى الالتزام بالدية وقد لا يكون كذلك كما فى الالتزام الناشئ عن الجعالة والالتزام فى بعض أحوال النذر. أنواع الالتزام والالتزام نوعان: قسرى واختيارى، فالقسرى ما كان نتيجة لالزام ممن له حق الالزام، وذلك كما فى المطلوبات الدينية التى ألزم الله بها عباده من زكاة وصدقات وحج وصلاة ونفقات وجزى (١) وغير ذلك من المطلوبات الشرعية، ومثلها المؤن المالية التى جعل لولى الأمر حق فرضها على الرعية كالخراج (٢) وجميع الوظائف المالية التى تقضى مصالح الدولة العامة بفرضها على أصحاب الأموال سياسة شرعية. والاختيارى ما كان بارادة الانسان واختياره، ويكون بالزام الانسان نفسه بأمر لم يكن مطلوبا منه من قبل وهو نوعان: النوع الأول: ينتج عن تعاقد وارتباط بين الانسان وغيره، وهذا التعاقد قد يكون لازما لا يستقل أحد طرفيه بفسخه كما فى الاجارة والكفالة (٣) بالنسبة للكفيل والرهن بالنسبة للراهن وما أشبه ذلك، وقد يكون غير لازم فيستقل أحد طرفيه بفسخه كما فى الهبة والوكالة والشركة. والمضاربة (٤) والعارية والقرض. النوع الثانى من الالتزام الاختيارى: هو ما صدر عن عهد قطعه الانسان على نفسه بارادته المنفردة وهو ثلاثة أنواع:
следующие страницы →