← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

قلت وطاع الزوج بحضانة ابن الزوجة أو تطوعت الزوجة بحضانة ابن الزوج فإن التزم الزوج مع ذلك إجراء النفقة قلت وبإجراء النفقة بطول الزوجية إلى سقوط ذلك شرعا وذلك لازم للزوج وإن مات الابن سقط الطوع وإن كان لمدة معلومة وبقى من المدة شئ لأنها هبة لم تقبض وإن كان الطوع لمدة الزوجية فإنما يلزم الزوج الإِنفاق على الربيب ما دام صغيرا لا يقدر على الكسب. قال ابن عرفة نقلا عن ابن زرب: من تزوج امرأة وله ولد صغير من غيرها فأراد إمساكه بعد البناء وأبت ذلك نظر فإن كان له من يدفعه إليه من أهله يحضنه له ويكفله أجبر على إخراجه وإلا أجبرت على بقائه ولو بنى بها والصبى معها ثم أرادت إخراجه لم يكن لها ذلك، وكذلك الزوجة إن كان لها ذلك، وكذلك الزوجة إن كان لها ولد صغير مع الزوج حرف بحرف (١). وذكر صاحب التاج والإكليل نقلا عن المدونة: أن مالكا رضى الله تعالى عنه قال: تجبر ذات الزوج على رضاع ولدها بلا أجر إلا أن تكون ممن لا ترضع لشرفها فذلك على الزوج، قال والرضاع عليها إن كانت طلقت فيه طلاقًا رجعيا إذا كانت ممن يرضع مثلها ما لم تنقض العدة، فإذا انقضت العدة أو كان الطلاق بائنا وإن لم تنقض العدة فعلى الأب أجر الرضاع، قال اللخمى رحمه الله تعالى: لذات الشرف رضاع ولدها بأجر. قال مالك رضى الله تعالى عنه: وإن مات الأب وللصبى مال فللأم أن لا ترضعه، ويستأجر له ما يرضعه من ماله إلا أن لا يقبل غيرها إرضاعه فتجبر على أن ترضعه بأجر من ماله. قال مالك وإن لم يكن للصبى مال لزمها رضاعه يريد وإن كان غيرها يقبل، بخلاف النفقة فإنه لا يقضى بها عليها، قال في غير المدونة: وكذلك إذا لم يكن لليتيم مال ولا لأمه فإن عليها إرضاعه بخلاف النفقة. قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: عليها رضاع ولدها منه ما لم يكن مثلها لا يرضع لشرفها أو لمرضها أو لقطع لبنها. وإن قالت بعد ما طلقها البتة: لا أرضعه إلا بمائة ووجد الزوج من يرضعه بخمسين. قال مالك رضى الله تعالى عنه: الأم أحق به بما يرضع به غيرها، يريد بأجر مثلها لا بخمسين، قاله بعض القرويين، وقال ابن يونس رحمه الله تعالى: وهو الصواب (٢). قال ابن القاسم رحمه الله تعالى سمعت مالكا رضى الله تعالى عنه قال في امرأة طلقها زوجها وله منها ولد فردته عليه استثقالا له ثم طلبته لم يكن ذلك لها، قال ابن رشد رحمه الله تعالى: وهذا كما قال إنها إذا ردته إليه استثقالا له فليس لها أن تأخذه لأنها قد أسقطت حقها في حضانته إلا على القول بأن الحضانة من حق المحضون وهو قول ابن الماجشون رحمه الله تعالى، ولو كان إنما ردته إليه من عذر مرض أو انقطاع لبنها لكان لها أن تأخذه إذا صحت أو عاد إليها اللبن علي ما وقع لمالك في سماع أشهب، ولو تركته بعد أن زال العذر حتى طال الأمد السنة وشبهها لم يكن لها أن تأخذه، واختلف إن مات هل لها أن تأخذه ممن تصير إليه الحضانة بعده؟ قال في آخر رسم من سماع

стр. 8472

أشهب: ليس لها أن تأخذه لأنه رأى تركها إياه عند أبيه إسقاطا منها لحقها في حضانته، وقد قيل إن لها أن تأخذه إذا مات لأن تركها له عند أبيه إنما يحمل منها على إسقاط حضانتها للأب خاصة. وقال ابن نافع رحمه الله تعالى: لها أن تأخذ، وروى مثله لابن القاسم في المدونة أن لها أن تأخذه إلا أن يكون عرض عليها فأبت من أخذه، وهذا على الاختلاف في السكوت هل هو كالإِقرار والإِذن أم لا؟ وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم رضى الله تعالى عنه (١). مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج أن على الأم إرضاع ولدها اللبأ (٢) لأن الولد لا يعيش بدونه غالبا، وغيرها لا يغنى كما قاله في الكافى، والمراد كما قاله الرافعى رضى الله تعالى عنه أنه لا يعيش بدونه غالبا، أو أنه لا يقوى وتشتد بنيته إلا به، قال وإلا فإننا نشاهد من يعيش بلا لبأ. ولها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما لا يلزم بدل الطعام للمضطر إلا بالبدل. ثم بعد إرضاع اللبأ لم يوجد إلا الأم أو أجنبية وجب على الموجود منهما إرضاعه إبقاء للولد، ولهما طلب الأجرة من ماله إن كان، وإلا فممن تلزمه نفقته. وإن وجدت الأم والأجنبية لم تجبر الأم وإن كانت في نكاح أبيه على إرضاعه لقول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (٣) وإذا امتنعت حصل التعاسر، فإن رغبت في إرضاعه وهى منكوحة أبى الرضيع فله منعها مع الكراهة من إرضاعه في الأصح لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع، وهذا أقوى الوجهين في الشرحين، قلت الأصح ليس له منعها مع وجود غيرها، وصححه الأكثرون لأن فيه إضرارا بالولد لأنه عليه أشفق ولبنها له أصلح، ولا تزاد نفقتها للإرضاع، وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء لأن قدر النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها. ومثل المنكوحة البائن، فإن تبرعت لم ينزع الولد منها وإن طلبت أجرة فهى كالتى في نكاحه إذا توافقا وطلبت الأجرة. أما إذا كانت منكوحة غير أبى الرضيع فإن له منعها إلا أن تكون مستأجرة للإرضاع قبل نكاحه فليس له منعها كما قاله ابن الرفعة رضى الله تعالى عنه، وهذا كله كما قال الأذرعى في الزوجة والولد الحرين، أما لو كان رقيقا والأم حرة فله منعها كما لو كان الولد من غيره، ولو كانت رقيقة والولد حر أو رقيق قال فقد يقال من وافقه السيد منهما فهو المجاب ويحتمل غيره، والأول أوجه. فإن اتفقا على أن الأم ترضعه وطلبت أجرة مثل له أجيبت لقوله تعالى: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤). وكانت أحق به لما مر فاستئجار الزوج لها لذلك جائز، وقال العراقيون لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدا آخر يمنع استيفاء الحق، وأجاب الأول بأن

стр. 8473

الاستئجار منه رضى بترك الاستمتاع. وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإِرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة وإلا فلا. فإن طلبت الأم فوق أجرة المثل فلا تلزمه الإجابة لتضرره له وله استرضاع أجنبية، وكذا إن تبرعت أجنبية بإرضاعه أو رضيت بأقل من أجرة المثل ولو بشئ يسير لا يلزمه إجابة الأم إلى أجرة المثل في الأظهر لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة أو الزيادة على ما رضيت إضرارا، وقد قال الله : "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم" والسؤال الثاني المقابل للأظهر: تجاب الأم لوفور شفقتها. هذا إذا استمرأ الولد لبن الأجنبية إما إذا لم يستمرئ لبنها فإنه يجب عليه إجابة الأم إلى إرضاعه بأجرة المثل قطعا كما قال بعض المتأخرين لما في العدول عنها من الإِضرار بالرضيع (١). ويجوز للسيد إجبار أمته على إرضاع ولدها منه أو من غيره لأن لبنها ومنافعها له بخلاف الزوجة فإن الزوج لا يملك ذلك منها. ولو أراد تسليم ولدها منه إلى غيرها وأرادت إرضاعه لم يجز له منعها لما فيه من التفريق بينهما، لكن له ضمه في وقت الاستمتاع إلى غيرها إلى الفراغ، أما إذا كان الولد حرا من غيره أو مملوكا لغيره فله منعها من إرضاعه ويسترضعها غيره لأن إرضاعه على والده أو مالكه كما نقله ابن الرفعة وغيره عن الماوردى رضى الله تعالى عنهم وأقروه. وكذا غير ولدها يجبرها على إرضاعه أيضا إن فضل لبنها عن رى ولدها إما لاجتزائه بغيره وإما لقلة شربه، وإما لغزارة لبنها، فإن لم يفضل فلا إجبار لقول الله تعالى: "لا تضار والدة بولدها" (٢) ولأن طعامه اللبن فلا يجوز أن ينقص من كفايته كالقوت. ويجبرها أيضا على فطمه قبل مضى حولين إن لم يضر الولد الفطم بأن اكتفى بغير لبنها ولم يضرها أيضا، ويجبرها على إرضاعه بعد الحولين إن لم يضرها ولم يضره أيضا، فليس لها استقلال برضاع ولا فطم لأنه لا حق لها في التربية بخلاف الحرة. وللحرة حق التربية وحينئذ فليس لأحد الأبوين الحرين فطم الولد قبل مضى حولين إلا برضا الآخر لأن مدة الرضاع لم تتم. ولهما فطمه قبل حولين إن لم يضره الفطم لاتفاقهما وعدم الضرر بالطفل، فإن ضره الفطم فلا، ويجوز لأحدهما فطمه إن اجتزأ بالطعام بعد حولين من غير رضا الآخر لأنها مدة الرضاع التام، فإن كان ضعيف الخلقة لا يجتزئ بغير الرضاع لم يجز فطامه، وعلى الأب بذل الأجرة حتى يبلغ حدا يجتزئ فيه بالطعام، وإذا امتنعت الأم من إرضاعه أجبرها الحاكم عليه إن لم يجد غيرها كما قاله المتولى وغيره (٣). مذهب الحنابلة: جاء في المغنى أن رضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه، دنيئة كانت أو شريفة، سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة، ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافا، فأما إن كانت مع الزوج

стр. 8474

فكذلك عندنا وبه يقول الثورى والشافعى وأصحاب الرأى رضى الله تعالى عنهم، وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح رضى الله تعالى عنهما: له إجبارها على رضاعه، وهو قول أبى ثور ورواية عن مالك لقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (١)، والمشهور عن مالك أنها إن كانت شريفة لم تجر عادة مثلها بالرضاع لولدها لم تجبر عليه، وإن كانت ممن ترضع في العادة أجبرت عليه. ويدل لنا قول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (٢)، وإذا اختلفا فقد تعاسرا، ولأن الإِجبار على الرضاع لا يخلو إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج أو لهما؛ لا يجوز أن يكون لحق الزوج فإنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به، ولا يجوز أن يكون لحق الولد فإن ذلك لو كان له للزمها بعد الفرقة، ولأنه ما يلزم الوالد لولده، فلزم الأب على الخصوص كالنفقة أو كما بعد الفرقة، ولا يجوز أن يكون لهما لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض، ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة، والآية محمولة على حال الإِنفاق وعدم التعاسر وإذا طلبت الأم إرضاع الولد بأجر مثلها فهى أحق به، سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها، وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد، وقال أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم: إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من إرضاعه لأنه يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان، وإن استأجرها على رضاعه لم يجز لأن المنافع حق له فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له، وإن أرضعت الولد فهل لها أجر المثل؟ على وجهين، وإن كانت مطلقة وطلبت أجر المثل فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من ترضعه بأجر المثل أو أكثر لم يكن له ذلك وإن وجد متبرعة أو من ترضعه بدون أجر المثل فله انتزاعه منها في ظاهر المذهب لأنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: إن طلبت الأجر لم يلزم الأب بذلها لها ولا يسقط حقها من الحضانة، وتأتى المرضعة ترضعه عندها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز الإخلال بأحدهما. ويدل لنا على جواز الاستئجار أنه عقد إجارة يجوز من غير الزوج إذ أذن فيه فجاز مع الزوج كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة، وقولهم إن المنافع مملوكة له غير صحيح فإنه لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه، ولكانت الأجرة له، وإنما امتنعت إجارة نفسها لأجنبى بغير إذنه لما فيها من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات ولما جاز بإذنه، وإذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبى، وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة فقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)، وقوله سبحانه: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤) ولأن الأم أحنى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها، كما

стр. 8475

لو طلبت الأجنبية رضاعة بأجر مثلها، ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة وإضرارا بالولد ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق الله تعالى على الأب، وقول أبى حنيفة يفضى إلى تفويت حق الولد من لبن أمه، وتفويت حق الأم في إرضاعه لبنها، فلم يجز ذلك كما لو تبرعت برضاعه، فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها لأنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها، فدخلت في عموم قولة تعالى: "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى"، وإن لم يجد مرضعة إلا بمثل تلك الأجرة فالأم أحق لأنهما تساوتا في الأجر فكانت الأم أحق، كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها (١). مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن الواجب على كل والدة حرة كانت أو أمة في عصمة زوج أو في ملك سيد أو كانت خلوا منهما لحق ولدها تولد من مائه أو لم يلحق .. الواجب عليها أن ترضع ولدها أحبت أم كرهت ولو أنها بنت الخليفة، وتجبر على ذلك إلا أن تكون مطلقة، فإن كانت مطلقة لم تجبر على إرضاع ولدها من الذي طلقها إلا أن تشاء هي ذلك فلها ذلك أحب أبوه أم كره، أحب الذي تزوجها بعده أم كره، فإن تعاسرت هي وأبو الرضيع أمر الوالد بأن يسترضع لولده امرأة أخرى ولا بد إلا أن لا يقبل الولد غير ثديها فتجبر حينئذ أحبت أم كرهت، أحب زوجها إن كان لها زوج أم كره، فإن مات أبو الرضيع أو أفلس أو غاب بحيث لا يقدر عليه أجبرت الأم على إرضاعه إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضُر به فإنه يسترضع له غيرها، ويتبع الأب بذلك إن كان حيا وله مال. فإن لم تكن مطلقة لكن في عصمته أو منفسخة النكاح منه أو من عقد فاسد بجهل فاتفق أبوه وهى على استرضاعه وقبل غير ثديها فذلك جائز، فإن أراد أبوه ذلك فأبت هي إلا إرضاعه فلها ذلك، فإذا أرادت هي أن تسترضع له غيرها وأبى الوالد لم يكن لها ذلك وأجبرت على إرضاعه سواء قبل غير ثديها أو لم يقبل غير ثديها إلا أن لا يكون لها لبن، أو كان لبنها يضر به فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع لولده غيرها، فإن لم يقبل في كل ذلك إلا ثدى أمه أجبرت على إرضاعه إن كان لها لبن لا يضر به، فإن كان لا أب له إما بفساد الوطء بزنا أو إكراه أو لعان أو بحيث لا يلحق بالذي تولد من مائه وإما بموت أبيه فالأم تجبر على إرضاعه إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به. أما إجبار الأم على إرضاع ولدها دون تفريق في ذلك بينا شريفة ووضيعة فلقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (٢). وهذا عموم لا يحل لأحد أن يخص منه شيئا إلا ما خصه نص ثابت، وأما استثناء المطلقة من الإِجبار على إرضاع ولدها من الذي طلقها فلقول الله في سورة

стр. 8476

الطلاق بعد ذكر المعتدات: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (١) فلم يخص ذات زوج من غيرها، ولا جعل في ذلك خيارا للأب ولا للزوج، بك جعل الإِرضاع إلى الأمهات. وأما إجبار الأم على إرضاع ولدها إذا لم يقبل غير ثديها فلقول الله : "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم" (٢) وقوله : "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان" (٣)، وقوله : "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك" (٤). وهذه هي المضارة حقا، وصح عن رسول الله ﷺ : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" (٥). فإن كان الولد لا يلحق نسبه بالذي تولد من مائه أو كان أبوه ميتا أو غائبا حيث لا يقدر عليه ولا وارث للرضيع فالرضاعة على الأم ولا شئ لها على أحد من أجل الرضاعة لقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (٦) وليس هاهنا مولود له ولا وارث فهو عليها فقط. وإن كانت في غير عصمته فإن كانت أم ولد فأعتقها أو منفسخة النكاح بعد صحته بغير طلاق لكن بما يفسخ به النكاح بعد صحته، أو كانت موطوءة بعقد فاسد بجهل يلحق فيه الولد بوالده، أو طلقها طلاقا رجعيا وهو رضيع فلها في كل ذلك على والده النفقة والكسوة بالمعروف فقط وهو للمطلقة مدة عدتها، فإن كان فقيرا كلفت إرضاع الولد ولا شئ لها على الأب الفقير، فإن غاب وله مال اتبع بالنفقة والكسوة متى قدر عليه أو على مال له، وكذلك إن امتنع وله مال لقول الله : "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٧) وإذا أوجب الله تعالى ذلك لها فهو دين عليه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فلقول الله : "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" (٨)، وإذا لم يكلف شيئا فلا يجوز أن يتبع إن أيسر بما لم يكلفه قط لكن إن أيسر والرضاع متماد كلف من حين يوسر. فإن رضيت هي بأجرة مثلها فإن الأب يجبر على ذلك أحب أم كره، ولا يلتفت إلى قوله أنا أجد من يرضعه بأقل أو بلا أجرة لقول الله "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (٩) "فأوجب الله تعالى لهن الأجرة إلا مع التعاسر والتعاسر في لغة العرب التي نزل بها القرآن فعل من فاعلين، فإذا قنعت هي بأجرتها التي أوجبها الله تعالى لها بالمعروف فلم تعاسره وإذا لم تعاسره فهى على حقها في الأجرة المؤتمرة بالمعروف. فإن لم ترض إلا بأكثر من أجرة مثلها وأبى الأب إلا أجرة مثلها فهذا هو التعاسر وللأب حينئذ أن يسترضع لولده غيرها بأجرة مثلها أو بأقل أو بلا أجرة إن وجد. فإن لم يقبل الولد غير ثديها أو لم يجد الأب إلا من لبنها مضر بالرضيع أو من تضيعه أو كان الأب

стр. 8477

لا مال له أجبرت الأم حينئذ على إرضاعه، وتجبر هي والوالد حينئذ على أجرة مثلها إن كان له مال وإلا فلا شئ عليه لما ذكرنا من قول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا" (١)، ولما ذكرنا من قوله تعالى: "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولد" (٢) ولما ذكرنا من وجوب الرحمة. فإن كانت الأم مملوكة وولدها عبد لسيدها أو لغيره فرضاعه على الأم بخلاف نفقته وكسوته بعد الفطام لقول الله : "لا تضار والدة بولدها"، وقوله تعالى "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين"، فإن كانت مملوكة وولدها حر فإن كان له أب أو وارث فالنفقة لها والكسوة والأجرة على الأب أو على الوارث، فإن لم يكن له وارث فرضاعه على أمه وإن ماتت أو مرضت أو أضر به لبنها أو كانت لا لبن لها ولا مال لها فإرضاعه على بيت المال فإن منع فعلى الجيران يجبرهم الحاكم على ذلك لقول رسول الله ﷺ : "من ترك دينا أو ضياعا فإلى أو على"، ولقول الله : "وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب" (٣)، وهذا من الإحسان المفترض المأمور به (٤). مذهب الزيدية: جاء في البحر الزخار أن على الأم أن ترضع ولدها اللبأ ثلاثة أيام أو سبعا، ولا أجرة لها على ذلك إذ لا يعيش من دونه، ولا قيمة له، ولا يلزمها ما زاد على ذلك إلا بالأجرة، ولا تجبر قال الإِمام يحيى ﵇: إجماعا. وعلى منفقه أجرة استرضاعه كالنفقة. والعترة على أن الأم لا تتعين للرضاع لقول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (٥)، قال الإِمام يحيى: وندب أن لا يمنعها الأب إذ هي أشفق، ويزيد على نفقتها أجرة حتما لقول الله : "وعلى المولود له رزقهن" وهى قدر ما يراه الحاكم (٦). وللأم الامتناع إن قبل غيرها لقول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" ولها الأجرة كما ذكرنا إلا أيام اللبأ لتعينها عليها (٧). وتجبر الأم إن لم يقبل غيرها لقول الله : "لا تضار والدة بولدها"، وللأب نقله إلى مثلها تربيه بدون ما طلبت لقول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى"، وإلا فلا، لقول النبي ﷺ : "الأم أحق بحضانة ولدها" (٨)، قال المؤيد بالله والهادى: وإن امتنعت الأم من الحضانة بطل حق أمهاتها كبقية الأولياء مع عضل الأقرب (٩).

стр. 8478

مذهب الإِمامية: جاء في الروضة البهية أنه يجب على الأم إرضاع اللباء - بكسر اللام، وهو أول اللبن في النتاج - ولم أقف على تحديد مقدار ما يجب منه، وربما قيده بعض بثلاثة أيام، وظاهر ما نقلناه عن أهل اللغة أنه حلبة واحدة، وإنما وجب عليها ذلك لأن الولد لا يعيش بدونه، ومع ذلك لا يجب عليها التبرع به، بل بأجرة على الأب إن لم يكن للولد مال، وإلا ففى ماله جمع بين الحقين، ولا منافاة بين وجوب الفعل واستحقاق عوضه كبذل المال في المخمصة للمحتاج وبذلك يظهر ضعف ما قيل بعدم استحقاقها الأجرة عليه لوجوبه عليها لما علم من عدم جواز أخذ الأجرة على العمل الواجب، والفرق أن الممنوع من أخذ أجرته هو نفس العمل لا عين المال الذي يجب بذله، واللباء من قبيل الثاني لا الأول. نعم يجئ على هذا أنها لا تستحق أجرة على إيصاله إلى فمه لأنه عمل واجب، وربما منع من كونه لا يعيش بدونه فينقدح حينئذ عدم الوجوب. ويستحب للأم أن ترضعه طول المدة المعتبرة في الرضاع وهى حولان كاملان لمن أراد أن يتم الرضاعة. فإن أراد الاقتصار على أقل المجزئ فواحد وعشرون شهرا، ولا يجوز نقصانه عنها، ويجوز الزيادة على الحولين شهرا وشهرين خاصة، لكن لا تستحق المرضعة على الزائد أجرة، وإنما كان إرضاع الأم مستحبا لأن لبنها أوفق بمزاجه لتغذيه في الرحم دما. وهى أولى بإرضاعه ولو بالأجرة إذا قنعت بما يقنع به الغير أو أنقص أو تبرعت بطريق أولى فيهما، ولو طلبت زيادة عن غيرها جاز للأب انتزاعه منها وتسليمه إلى الغير الذي يأخذ أنقص أو يتبرع وللمولى إجبار أمته على الإِرضاع لولدها وغيره لأن منافعها مملوكة فله التصرف فيها كيف شاء، بخلاف الزوجة حرة كانت أو مملوكة لغيره، معتادة لإِرضاع أولادها أو غير معتادة لأنه لا يستحق بالزوجية منافعها وإنما استحق الاستمتاع (١). وأما الحضانة فلا شبهة في كونها حقا لمن يستحقها. ولكن هل تجب عليه مع ذلك أم له إسقاط حقه منها؟ الأصل يقتضى ذلك، وهو الذي صرح به صاحب اللمعة في قواعده فقال: لو امتنعت الأم من الحضانة صار الأب أولى به، قال ولو امتنعا معا فالظاهر إجبار الأب، ونقل عن بعض الأصحاب وجوبها وهو حسن حيث يستلزم تركها تضييع الولد إلا أن حضانته حينئذ تجب كفاية كغيرة من المضطرين، وفى اختصاص الوجوب بذى الحق نظر، وليس في الأخبار ما يدل على غير ثبوت أصل الاستحقاق (٢). حكم الامتناع من تسليم المبيع مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أن من أحكام البيع ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن وهذا

стр. 8479

عندنا، وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه قول يسلمان معا، وفى قول يسلم المبيع أولا ثم يسلم الثمن، أما قوله الأول فبناء على أصله الذي ذكرنا وهو أن الثمن والمبيع من الأسماء المترادفة عنده ويتعين كل واحد منهما بالتعيين فكان كل ثمن مبيعا وكل مبيع ثمنا، وأما قوله الثاني وهو أن في تقديم تسليم المبيع صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع وليس ذلك في تقديم تسليم الثمن لأنه لو هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد وإن قبض الثمن فكان تقديم تسليم المبيع أولى صيانة للعقد عن الانفساخ ما أمكن. ويدل لنا قول النبي ﷺ : "الدين مقضى"، وصف ﷺ الدين بكونه مقضيا عاما أو مطلق، فلو تأخر تسليم الثمن عن تسليم المبيع لم يكن هذا الدين مقضيا وهذا خلاف النص، وروى عن النبى ﷺ أنه قال ثلاث لا يؤخرن، "الجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفأ، والدين إذا وجدت ما يقضيه" وتقديم تسليم المبيع تأخير الدين، وهو منفى بظاهر النص، ولأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة ولا تتحقق المساواة إلا بتقديم تسليم الثمن لأن المبيع متعين قبل التسليم، والثمن لا يتعين إلا بالتسليم على أصلنا فلا بد من تسليمه أولا تحقيقا للمساواة. ثم الكلام في هذا الحكم في موضعين أحدهما بيان شرط ثبوت هذا الحكم، والثانى في بيان ما يبطل به بعد ثبوته. أما شرط ثبوته فشيئان أحدهما أن يكون أحد البدلين عينا والآخر دينا فإن كانا عينين أو دينين فلا يثبت حق الحبس بل يسلمان معا، والثانى: أن يكون الثمن حالا فإن كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس لأن ولاية الحبس تثبت حقا للبائع لطلبه المساواة عادة لما بنينا ولما باع بثمن مؤجل نقد أسقط حق نفسه فبطلت الولاية. ولو كان الثمن مؤجلا في العقد فلم يقبض المشترى المبيع حتى حل الأجل فله أن يقبضه قبل نقد الثمن، وليس للبائع حق الحبس لأنه أسقط حق نفسه بالتأجيل، والساقط متلاش، فلا يحتمل العود، وكذا لو طرأ الأجل على العقد بأن أخر الثمن بعد العقد فلم يقبض البائع حتى حل الأجل له أن يقبضه قبل نقد الثمن، ولا يملك البائع حبسه لما قلنا، ولو باع بثمن مؤجل فلم يقبض المشترى حتى حل الأجل هل له أجل آخر في المستقبل ينظر إن ذكرا أجلا مطلقا بأن ذكرا سنة مطلقة غير معينة فله أجل آخر هو سنة أخرى من حين يقبض المبيع عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وعند أبى يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهما الثمن حال وليس له أجل آخر وإن ذكرا أجلا بعينه بأن باعه إلى رمضان فلم يقبضه المشترى حتى مضى رمضان صار الثمن حالا بالإِجماع، وجه قولهما أن السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل فإذا مضت انتهى الأجل كما لو عين الأجل نصا، ولأبى حنيفة رضى الله تعالى عنه أن الأصل في الثمن شرع نظرا للمشترى لينتفع بالمبيع في الحال مع تأخير المطالبة بالثمن ولن يحصل هذا الغرض له إلا وأن يكون اعتبار الأجل من وقت قبض المبيع فكان هذا تأجيلا من هذا الوقت دلالة بخلاف ما إذا عين الأجل لأنه نص على تعينه فوجب اعتبار المنصوص عليه إذ لا دلالة مع النص بخلافها. ولو كان في البيع خيار لشرط لهما أو لأحدهما والأجل مطلق فابتداء من حين وجوب العقد وهو وقت سقوط الخيار لا من حين وجوده لأن تأجيل الثمن هو تأخيره عن وقت وجوبه، ووقت وجوبه هو وقت وجوب العقد وانبرامه لا قبله إذ لا وجوب للثمن قبله. وأما بيان ما يبطل حق الحبس بعد ثبوته وما لا يبطل فنقول وبالله التوفيق إذا أخر

стр. 8480

الثمن بعد العقد بطل حق الحبس لأنه أخر حق نفسه في قبض الثمن فلا يتأخر حق المشترى في قبض المبيع، وكذا المشترى إذا نقد الثمن كله أو أبرأه البائع عن كله بطل حق الحبس لأن حق الحبس لاستيفاء الثمن واستيفاء الثمن ولا ثمن محال. ولو نقد الثمن كله إلا درهما كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقى لأن المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا يتجزأ فكان كل المبيع محبوسا بكل جزء من أجزاء الثمن، وكذلك لو باع شيئين صفقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمنا فنقد المشترى حصة أحدهما كان للبائع حبسهما حتى يقبض حق الآخر لما قلنا، ولأن قبض أحدهما دون الآخر تفريق الصفقة الواحدة في حق القبض والمشترى لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق القبول بأن يقبل الإيجاب في أحدهما دون الآخر فلا يملك التفريق في حق القبض أيضا لأن للقبض شبها بالعقد، وكذلك لو أبرأه من حصة أحدهما فله حبس الكل لاستيفاء الباقى لما ذكرنا، وكذلك لو باع من اثنين فنقد أحدهما حصته كان له حق حبس المبيع حتى يقبض ما على الآخر، وروى عن أبى يوسف رضى الله تعالى عنه في النوادر أنه إذا نقد أحدهما نصف الثمن يأخذ نصف المبيع، ووجهه أن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن، فإذا أدى النصف فقد أدى ما وجب عليه، فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على أداء صاحبه، ولأنه لو توقف وصاحبه في الأداء قد يؤدى وقد لا يؤدى فيفوت حقه أصلا ورأسا وهذا لا يجوز، ولهذا جعل التخلية والتخلى تسليما وقبضا في الشرع. ووجه ظاهر الرواية على نحو ما ذكرنا أن المبيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا يحتمل التجزئ فكان استحقاق بعضه كاستحقاق كله، وما ذكرنا أن الصفقة واحدة فلا تحتمل التفريق في البعض كما لا تحتمله في القبول، فإن غاب أحدهما لم يجبر الآخر على تسليم كل الثمن لأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن لا كله فلا يؤاخذ بتسليم كله، فإن اختار الحاضر ذلك ونقد كل الثمن وقبض المبيع هل يكون متبرعا فيما تقدم أم لا؟ اختلف فيه، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو متبرع في حصته لأنه قضى دين غيره بغير أمره فكان متبرعا كما في سائر الديون وقال أبو جنيفة ومحمد رضى الله تعالى عنهما: لا يكون متبرعا فيما نقد، وله أن يحبسه عن الشريك الغائب حتى يستوفى ما نقد عنه لأنه قضى دين صاحبه بأمره ودلالة فلا يكور متبرعا كما لو قضاه بأمره نصا ودلالة ذلك أنه لما غاب قبل نقد الثمن مع علمه أن صاحبه استحق قبض نصيبه من المبيع بتسليمه حصته من الثمن ولا يمكنه الوصول إليه إلا بتسليم كل الثمن كان إذنا له بتسليم حصته من الثمن فكان قاضيا دينه بأمره دلالة فلم يكن متطوعا وصار هذا كمن أعار ماله إنسانا ليرهنه بدينه فرهن ثم افتكه الغير من مال نفسه لا يكون متبرعا ويرجع على الراهن لأن الراهن لما علم أنه علق مال الغير بدينه ولا يزول العلوق إلا بانفكاكه فكان إذنا له بالفكاك دلالة كذا هذا، وله حق حبس العبد إلى أن يستوفى ما نقد عنه كما لو نقد بأمره نصا، ولو أدى جميع الثمن وقبض العبد ثم هلك في يده قبل الحبس يرجع على شريكه بنصف الثمن لأنه أدى عنه بأمره دلالة على ما ذكرنا. والرهن بالثمن والكفالة به لا يبطلان حق الحبس لأنهما لا يسقطان الثمن عن ذمة المشترى ولا حق المطالبة به فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة فيبقى حق الحبس لاستيفائه. وأما الحوالة بالثمن فهل تبطل حق الحبس؟ قال أبو يوسف رضى الله تعالى

стр. 8481

عنه: تبطل سواء كانت الحوالة من المشترى بأن أحال المشترى البائع بالثمن على إنسان وقبل المحال عليه الحوالة، أو كانت الحوالة من البائع بأن أحال البائع غريما له على المشترى وقال محمد رضى الله تعالى عنه: إن كانت الحوالة من المشترى لا تبطل وللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المحال عليه، وإن كانت من البائع فإن كانت مطلقة لا تبطل أيضا، وإن كانت مقيدة بما عليه تبطل، فأبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشترى وذمته برئت من دين المحيل بالحوالة فيبطل حق الحبس، ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة لبقاء حق الحبس، وحق المطالبة لم يبطل بحوالة المشترى، ألا ترى أن له أن يطالب المحال عليه فلم يبطل حق الحبس وبطلت حوالة البائع إذا كانت مقيدة بما على المحال عليه فبطل حق الحبس، والصحيح اعتبار محمد لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن لا مع قيام الثمن في ذاته بدليل أن الثمن إذا كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس والثمن في ذمة المشترى قائم، وإنما سقطت المطالبة، دل أن حق الحبس يتبع حق المطالبة بالثمن لا قيام الثمن في ذاته وحق المطالبة في حوالة المشترى وحوالة البائع إذا كانت مطلقة فكان حق الحبس ثابتا، وفى حوالة البائع إذا كانت مقيدة ينقطع فلم ينقطع حق الحبس وعلى هذا الخلاف إذا أحال الراهن المرتهن بدينه على رجل أو أحال المرتهن غريما له بدينه على الراهن حوالة مطلقة أو مقيدة فإنه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن عند أبى يوسف، وعند محمد لا يبطل في حوالة الراهن وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة وإن كانت مقيدة تبطل، ولو أعار البائع المبيع للمشترى أو أودعه بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف أنه لا يبطل وللبائع أن يسترده، وجه هذه الرواية أن عقد الإعارة والإِيداع ليس بعقد لازم فكان له ولاية الاسترداد كالمرتهن إذا أعار الرهن من الراهن أو أودعه إياه له أن يسترده لما قلنا، كذا هذا ووجه ظاهر الرواية أن الإعارة والإيداع أمانة في يد المشترى وهو لا يصلح نائبا عن البائع في اليد لأنه أصل في الملك فكان أصلا في اليد، فإذا وقعت العارية أو الوديعة في يده وقعت بجهة الأصالة وهى يد الملك ويد الملك يد لازمة فلا يملك إبطالها بالاسترداد وبخلاف الرهن فإن المرتهن في اليد الثابتة بعقد الرهن بمنزلة الملك فيمكن تحقيق معنى الإنابة ويد النيابة لا تكون لازمة فملك الاسترداد، ولو قبض المشترى المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد لأنه أبطل حقه بالإِذن بالقبض، ولو قبض بغير إذنه لم يبطل وله أن يسترده لأن حق الإِنسان لا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه، ولو كان المشترى تصرف فيه نظر في ذلك إن كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والهبة والرهن والإِجارة والإِمهار فسخه واسترده لأنه تعلق به حقه، وإن كان تصرفا لا يحتمل الفسخ كالإِعتاق والتدبير والاستيلاء لا يملك الاسترداد لأن الاسترداد والإعارة إلى الحبس، إما أن يكون مع نقض هذه التصرفات، وإما أن يكون مع قيامها، لا سبيل إلى الأول لأن هذه التصرفات لا تحتمل النقض ولا سبيل إلى الثاني لأنها إذا بقيت كانت الإعادة إلى الحبس حبس الجزء من كل وجه أو من وجه دون وجه، وكل ذلك لا يجوز، فبطل حق الحبس أصلا. ولو نقد المشترى الثمن فوجده البائع زيوفا أو ستوفا أو مستحقا أو وجد بعضه كذلك فهذا لا يخلو أما أن يكون المشترى قبض المبيع وإما

стр. 8482

أن يكون لم يقبض، فإن كان لم يقبضه كان له حق الحبس في الفصول كلها لأنه تبين أنه ما استوفى حقه. وإن كان قبضه المشترى ينظر إن كان قبضه بغير إذن البائع فللبائع أن يسترده في الفصول كلها لما قلنا، وكذلك إن كان المشترى تصرف في المبيع فللبائع أن يفسخ تصرفه ويسترد المبيع إلا إذا كان تصرفا لا يحتمل الفسخ فلا يفسخ ويطالب المشترى بالثمن فلو نقد المشترى الثمن قبل أن يفسخ التصرف الذي يحتمل الفسخ لا يفسخ لأنه لما نقد الثمن فقد بطل حقه في الحبس فبطل حق الفسخ والاسترداد وإن كان قبضه بإذن البائع ينظر إن وجده زيوفا فردها لا يملك استرداد المبيع عند أصحابنا الثلاثة رضى الله تعالى عنهم، وعند زفر له أن يسترده وهو قول أبى يوسف - وجه قول زفر رضى الله تعالى عنه أن البائع مارضى بزوال حق الحبس إلا بوصول حقه إليه وحقه في الثمن السليم لا في المعيب فإذا وجده معيبا فلم يسلم له حقه فكان له أن يسترد المبيع حتى يستوفى حقه كالراهن إذا قضى دين المرتهن وقبض الرهن ثم إن المرتهن وجد المقبوض زيوفا كان له أن يرده ويسترد الرهن لما قلنا كذا هذا. ويدل لنا أن البائع يسلم المبيع بعد استيفاء جنس حقه فلا يملك الاسترداد بعد ما استوفى حقه دلالة ذلك أن الزيوف جنس حقه من حيث الأصل وإنما الفائت صفة الجودة بدليل أنه لو تجوز به في الصرف والسلم جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز لأنه يكون استبدالا ببدل الصرف والسلم وأنه لا يجوز وإذا كان المقبوض جنس حقه فتسلم المبيع بعد استيفاء جنس الحق يمنع من الاسترداد بخلاف الرهن لأن الارتهان استيفاء لحقه من الرهن والافتكاك إيفاء من مال آخر، فإذا وجد زيوفا تبين أن ما استوفى حقه فكان له ولاية الاسترداد، والدليل على التفرقة بين الرهن والبيع أنه لو أعار المبيع المشترى بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده، ولو أعار المرهون الراهن لا يبطل حتى الحبس وله أن يسترده فإن وجده ستوقا أو رصاصا أو مستحقا وأخذ منه له أن يرده بخلاف الزيوف لأن البائع إنما أذن للمشترى بالقبض على أنه أستوفى حقه وتبين أنه لم يستوف أصلا ورأسا لأن الستوق والرصاص ليسا من جنس حقه ألا ترى أنه لو تجوز بها في الصرف والسلم لا يجوز وإن كان الإِذن بالقبض على تقدير استيفاء الحق وقد تبين أنه لم يستوف فتبين أنه لم يكن آذنا له بالقبض ولا راضيا به فكان له ولاية الاسترداد ولو كان المشترى تصرف فيه فلا سبيل للبائع عليه سواء كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والرهن والإِجازة ونحوها أو لا يكون كالإعتاق ونحوه بخلاف ما إذا قبضه بغير إذن البائع قبل نقد الثمن وتصرف فيه تصرفا يحتمل الفسخ أنه يفسخ ويسترد لأن هناك لم يوجد الإِذن بالقبض، فكان التصرف في المبيع إبطالا لحقه فسيرد عليه إذا كان محتملا للرد. وهاهنا وجد الإذن بالقبض فكان تصرف المشترى حاصلا عن تسليط البائع فنفذ وبطل حقه في الاسترداد كالمقبوض على وجه البيع الفاسد إذا تصرف فيه المشترى أنه يبطل حق البائع في الفسخ (١) ولو شرط رب السلم التسليم في بلد أو قرية فحيث سلمه إليه في ذلك الموضع فهو جائز وليس لرب السلم أن يتخير مكانا لأن المشروط هو التسليم في مكان منه مطلقا وقد وجده وإن سلم في غير المكان المشروط.

стр. 8483

مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن رشد رضى الله تعالى عنه أن من حق البائع أن لا يدفع ما باع منه ولا يزنه له ولا يكيله له إن كان مكيلا أو موزونا حتى يقبض ثمنه. هذا متفق عليه في المذهب، ويختلف في غير هذا، قيل يجبر البائع على دفع السلعة، وكيل: يجبر المبتاع أولا على دفع الثمن، وقيل يقول الحاكم لهما من أحب منكما أن أقضى له على صاحبه فليدفع الله ثم ذكر قولين آخرين. قال ابن عرفة رضى الله تعالى عنه: إذا اختلف العاقدان في التبدئة بالدفع فقال المازرى لا أعرف فيه نصا جليا لمالك وأصحابه رضى الله تعالى عنهم، وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفس جبر المشترى على البدء أو يقال لهما أنتما أعلم إما أن يتطوع أحدكما بالبدء أو كونا على ما أنتما عليه وأن يجبر المشترى أولا وهو قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه. وقال الحطاب: هذا في غير الصرف، أما في الصرف فلا يجبر واحد منهما، قال صاحب الطراز: المعقود عليه ثمن ومثمن فالثمن الدنانير والدراهم وما عداها مثمنات، فإذا وقع العقد في شئ من المثمنات بشئ من الأثمان فقال ابن القاسم رضى الله تعالى عنه يلزم المبتاع تسليم الثمن أولا. وقال قبله إنه إذا وقع العقد على دنانير بدنانير أو على دراهم بدراهم وقال كل واحد لا أدفع حتى أقبض لم يتعين على واحد منهما وجوب التسليم، وقيل له إن تراخى قبضكما فسخ الصرف، وإن كان بحضرة حاكم ففى الدنانير والدراهم بالدراهم يوكل القاضي من يحفظ علاقة الميزان ويأمر كل واحد أن يأخذ عين صاحبه، وفى الدراهم بالدنانير يوكل عدلا يقبض منهما ويسلم لهما فيقبض من هذا في وقت قبض هذا، وإن وقع العقد على شئ من المثمنات كعرض بعرض وتشاحا في الإِقباض فعلى ما تقدم في الذهب والورق إلا أن العقد لا ينفسخ بتراضى القبض عنه ولا بافتراقهما من مجلسه، وذكر في التوضيح عن المازرى أنه قال لا أعلم في هذه المسألة نصا لمالك ولا للمتقدمين، ثم ذكر كلام الزواوى أنه قال في المدونة ما هو نص أو كالنص على تبرئة المشترى، ففى كتاب العيوب: ومن اشترى عبدا فللبائع أن يمنعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن. وبحث في ذلك ابن عرفة رضى الله تعالى عنه فقال: كان يجرى لنا في البحث دفع دلالة لفظها على تبدئة المبتاع أنها تدل على عدم تبدئة البائع وعدم المقايضة والإِقراع والتسليم لعدل وذلك أعم من تبدئة المبتاع أو القول لها إما أن يتطوع أحدكما أو كونا على ما أنتما عليه. قلت: لفظها المتقدم نص في المسألة إذا ضم لقاعدة مقررة وهى أن مقتضى العقد المناجزة في الثمن والمثمن والتأخير فيهما أو في أحدهما لا يكون إلا بشرط أو عادة كما نقل ذلك في التوضيح عن المتأخرين في الكلام على بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فإذا طلبا المناجزة أو أحدهما وقلنا إن مقتضى عقد البيع الحكم بها في الثمن والمثمون كان نصا في تبدئة المبتاع فتأمله منصفا (١). وذكر صاحب التاج والإكليل نقلا عن المدونة أن المبتاع لو لم يقبض الأمة في

стр. 8484

البيع الصحيح حتى ماتت عند البائع أو حدث بها عنده عيب وقد قبض ثمنها أم لا فضمانها من المبتاع وإن كان البائع احتبسها بالثمن كالرهن، قال ابن رشد رضى الله تعالى عنه: المشهور من قول ابن القاسم رضى الله تعالى عنه أن السلعة المبيعة المحبوسة بالثمن رهن به تكون مصيبتها من المشترى إن قامت بينة بتلفها وإن لم تقم بينة لم يصدق البائع في ذلك ولزمه غرم قيمتها. قال ابن بشير رحمه الله تعالى: وفى معنى احتباسه بالثمن احتباسه حتى يشهد، قال: وما بيع نسيئة فليس لبائعه احتباسه بالثمن لأنه قد رضى بتسليمه دون أن يأخذ عوضا لكن يحبسه للإِشهار (١). قال المقيطى بعد أن ذكر صفة وثيقة تكتب فيما إذا تعاقدا السلم على الصحة ثم امتنع المسلم من الدفع أو المسلم إليه من القبض حتى حل أجل السلم ما نصه: فإذا ظفر الطالب منهما بالفار وأثبت هذا العقد على عينه أو لم يظفر به وأثبته في مغيبه قضى السلطان عليه بإمضاء الصفقة إن كان الفار من المسلم إليه بعد الإِعذار إليه وعجزه عن الدفع وأخذه ذلك منه في حضوره للمسلف بعد حلول الأجل وفى مغيبه يقضى بذلك عليه في ماله وترجى له الحجة إلى حضوره، وإن كان المسلم إليه هو الطالب للمسلف فلا يقضى على المسلف بشئ ويفسخ السلف وإن كان المسلف هو الفار ثم جاء يصلب المسلم إليه وأبى المسلم إليه من إمضاء السلف لم يقض عليه بذلك، وإذا وقع بين المتصارفين مثل هذا أوقر أحدهما لزم الفار منهما الصرف متى ظفر به (٢). ولا يلزم المسلم إليه دفع المسلم فيه بغير محله ولو خف حمله إلى المسلم إذا طلبه ويريد إلا العين، وعكس هذا إذا طلب المسلم إليه أن يدفع المسلم فيه إلى المسلم وهو كذلك، وهنا في غير العين، قال ابن رشد رضى الله تعالى عنه في أواخر السلم الأول من التنبيه: وإذا لقى المسلم المسلم إليه في غير البلد الذي اشترط فيه القضاء فإن كان عينا وجب على كل واحد منهما الرضا بالأخذ إذا طلبه الآخر، فإن كان عروضا لها حمل ومؤنة لم يجبر كل واحد منهما بالقضاء إلا بالتراضى، فإن كان عروضا لا حمل لها كالجواهر مثلا فهل تكون كالعين أو كالنوع الآخر؟ فيه فولان وهما خلاف في حال، فإن كان الأمن في الطريق فلا شك في كونها كالعين أو كان غيره فلا شك في كونها كالعرض، وينبغى أيضا أن يكون كالعروض مع الخوف. ونقله عنه ابن عرفة رضى الله تعالى عنه، فلو ظفر به في غيره وكان في الحمل مؤنة لم يلزمه القضاء - على ما تقدم - وطلب المشترى من البائع أن يدفع له المسلم فيه فإن كان له حمل ومؤنة لم يلزم البائع ما طلبه به المشترى وإن لم يكن له حمل فقولان والمشهور أنه مثل الأول. وقال في التوضيح: فإن ظفر من عليه الدين بالطالب وأراد المديان التعجيل فامتنع الطالب ويحتمل عكسه فعلى الأول قال ابن بشير وغيره رحمهم الله تعالى: المسألة على ثلاثة أقسام إن كان الدين عينا وجب القبول، قال في أنواره إلا أن يتفق أن للطالب فائدة في التأخير كما لو حصل في الزمن خوف أو فيما بين البلدين، وإن كان الدين عروضا لها حمل أو طعاما فلا يجبر على قبوله، وإن لم يكن لها حمل كالجواهر فقولان، والمشهور أنها كالعرض، وقيل كالعين على ما تقدم ذكره، وهذا إذا كان من البيع، وأما القرض فيجبر على قبوله مطلقا وعلى الثاني

стр. 8485

معنى الاحتمال الثاني في كلام ابن الحاجب رحمه الله تعالى، فنص محمد وغيره على أنه ليس جبر المطلوب مطلقا، قال اللخمى: ولأشهب عن محمد ما يفهم منه أنه إذا كان سعر البلدين سواء أو هو في البلد الذي لقيه فيه أرخص أنه يجبر المسلم إليه على القضاء في البلد الذي لقيه فيه. قال الحطاب: وما نقله في الإيماء بأنه عارية الفروج، فإن تغير بنقص التوضيح مخالف لقول الشيخ رضى الله تعالى عنه في آخر فصل القرض: ولم يلزم رده إلا بشرط أو عادة كأخذه بغير محله إلا العين. ولقول ابن الجلال. ومن أقرض رجلا شيئا إلى معروفه عليه بالقرض، ووجوب قضائه بمحل أجل فليس له مطالبته به قبل الأجل ولو رده المقرض قبل أجله لزمه قبوله عرضا كان أو عينا إذا رده إليه في المكان الذي اقترضه منه فيه أورده في غير الموضع الذي أخذه فيه لم يلزم ربه قبوله. ونحوه في الإِرشاد، وعكسه في القرض أعنى إذا طلب المقرض حقه من المقرض في غير محل السلف، قال في الجلاب: ومن اقترض قرضا لم يشترط للقضاء موضعا فإنه يلزم المقرض القضاء في الموضع الذي أقرضه فيه فطالبه بالقضاء لم يلزمه ذلك ويلزمه أن يوكل من يقضيه عنه في البلد الذي ابن القاسم في رواية محمد لا يجبر، وإما اقترضه منه، ولو اصطلحا على القضاء في البلد الذي هما فيه وهو غير البلد الذي تقارضا فيه كان ذلك جائزا إذا كان بعد حلول الأجل، وإن كان قبل حلوله لم يجز. وأجاز في الجلاب هذا مطلقا وأبقاه التلمسانى والقرافى على إطلاقه وهو مقيد بغير العين، وأما العين فله أخذه حينما لقيه بعد الأجل (١). قال صاحب التاج والإَكليل نقلا عن المدونة: إذا كان لك على رجل دين دنانير أو دراهم إلى أجل فعجلها لك قبل الأجل جبرت على أخذها سواء كانت من بيع أو قرض. وقال صاحب مواهب الجليل قال في المسائل الملقوطة: وإذا وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك لأنه إسقاط لازم للحق، سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك. وقال ابن عرفة: وللمقرض فواضح عدم القضاء بقبوله، ولو تغير بزيادة رد عين القرض ما لم يتغير وبه اتضح منعه في فالأظهر وجوب القضاء بقبوله، قبل أجله وهو عرض لانتفاء المنة عن المقرض فيهما لتقدم قبضه وهو غير عين، ويجوز بغيره تراضيا الخلاف إن حل أجله وإلا فلا، قال ابن عتاب عن المشاور: من أقرض طعاما ببلد فخرب وانجلى أهله وأيس من عمارته بعد طول فله أخذ قيمته في موضع السلف وإن رجى قرب عمارته تربص إليها وإن كان من سلم خير في الإياس بين تربصة أو أخذ ماله. قال ابن ناجي: اختلف المذهب إذا أراد المديان دفع بعض ما عليه وهو موسر هل يجبر رب إلمال علي قبضه أم لا؟ روى محمد في رواية أبى زيد أنه يجبر، وقال المعسر فيجبر اتفاقا. وعزا الجزولى القول الأول لمالك وعطف الثاني بقيل، واقتصر الشيخ يوسف بن عمر على الثاني، وفى كتاب المديان من ابن يونس نقل ابن المواز عن مالك قوله: ومن كان له علي رجل حق فجاءه ببعضه فقال لا أقبل إلا كله فأري أن يجبر علي أخذ ما جاء به قال ابن يونس رحمه الله تعالى: إن كان الغريم موسرا لم يجبر رب الحق على أخذ ما جاء به (٢). قال ابن القاسم رحمه الله تعالى:

стр. 8486

ومن اشترى لك سلعة بأمرك وأسلفك الثمن من عنده فليس له حبسها بالثمن لأنها عنده كالوديعة لا كالرهن إلا أن يقول أنقد عنى فيها واحبسها حتى أدفع إليك الثمن فإنها تكون بمنزلة الرهن (١). مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج أن من باع مال نفسه بثمن حال في الذمة بعد لزوم العقد إذا قال لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشترى لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع وترافعا إلى حاكم أجبر البائع على الابتداء بالتسليم لأن حق المشترى في العين وحق البائع في الذمة فيقدم ما يتعلق بالعين كأرش الجناية مع غيره من الديون، وفى قول يجبر المشترى على الابتداء بالتسليم لأن حقه متعين في المبيع وحق البائع غير متعين في الثمن فيؤمر بالتعيين ليتساويا في تعيين الحق. وفى قول يجبران لأن التسليم واجب عليهما فيلزم الحاكم كلا منهما بإحضار ما عليه إليه أو إلى عدل، فإذا فعل سلم الثمن للبائع والمبيع للمشترى يبدأ بأيهما شاء. فإن كان الثمن معينا سقط القولان الأولان سواء أكان الثمن نقدا أم عرضا كما صرح به في الشرح الصغير وزوائد الروضة وأجبرا في الأظهر لاستواء الجانبين لأن الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين، أما ذا كان نائبا عن غيره كالوكيل وناظر الوقف والحاكم في بيع أموال المفلس وعامل القراض فإنه لا يجبر على التسليم بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن فلا يأتى إلا إجبارهما أو إجبار المشترى، ولا يأتى قول الأعراض عنهما لأن الحال لا يحتمل التأجيل، قال الإمام رضى الله تعالى عنه: ولو تبايع وليان أو وكيلان لم يأت سوى إجبارهما. وإذا أسلم البائع المبيع بإجبار أو بدون إجبار أجبر المشترى على تسليم الثمن في الحال إن حضر الثمن في المجلس لأن التسليم واجب عليه ولا مانع منه، وإذا أصر المشترى على الامتناع لا يثبت للبائع حق الفسخ - والمراد بحضور الثمن حضور عينه إن كان معينا أو نوعه الذي يقضى منه إن كان في الذمة فإن ما في الذمة قبل قبضه لا يسمى ثمنا إلا مجازا - وإن لم يحضر الثمن فإن كان المشترى معسرا بالثمن فهو مفلس فللبائع أن يفسخ بالفلس وأخذ المبيع وحينئذ فيشترط فيه حجر القاضي، وفى افتقار الرجوع بعد الحجر إلى إذن الحاكم وجهان أشهرهما كما قال الرافعى رضى الله تعالى عنه: أنه لا يفتقر، وإن كان موسرا وماله بالبلد أو بمسافه قريبة وهو دون مسافة القصر حجر عليه في المبيع وفى جميع أمواله وإن كانت وافية بدينه حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في ذلك بما يبطل حق البائع وهذا يسمى بالحجر الغريب، قال السبكى رضى الله تعالى عنه: والفرق بينه وبين حجر الفلس حيث اعتبر فيه نقص ماله مع المبيع عن الوفاء أن المفلس سلطه البائع على المبيع باختياره ورضى بذمته بخلافه هنا، هذا إذا لم يكن محجورا علمه بفلس وإلا لم يحجر عليه أيضا هذا الحجر لعدم فائدته لأن حجر الفلس يتمكن فيه من الرجوع في عين ماله بشرطه، وهذا الحجر يخالفه في ذلك وفى كونه لا يتوقف على ضيق المال ولا يتوفف على فك القاضي، بل ينفك بمجرد التسليم كما جزم به الإمام وتبعه البلقينى، وإن خالف في ذلك الأسنوى وجعله كحجر الفلس. فإن كان ماله بمسافة القصر فأكثر لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره لتضرره بذلك، والأصح أن له الفسخ ولا يحتاج هنا إلى حجر خلافا لبعض المتأخرين لتعذر

стр. 8487

تحصيل الثمن كالإِفلاس به، والقول الثاني المقابل للأصح: ليس له الفسخ بل يباع المبيع ويؤدى حقه من الثمن كسائر الديون، فإن صبر البائع إلى إحضار المال فالحجر يضرب على المشترى كما ذكرنا في المبيع وفى جميع أمواله حتى يسلم الثمن. وللبائع أن يحبس مبيعه حتى يقبض ثمنه كله الحال أصالة إن خاف فوته بلا خوف، وكذا للمشترى حبس الثمن المذكور إن خاف فوت المبيع بلا خوف، وإنما الأقوال السابقة إذا لم يخف البائع فوت الثمن وكذا لم يخف المشترى فوت المبيع وتنازعا في مجرد الابتداء بالتسليم لأن الإجبار عند خوف الفوت بالهرب أو تمليك المال أو نحو ذلك فيه ضرر ظاهر أما الثمن المؤجل فليس للبائع حبس المبيع به وإن حل قبل التسليم كما مر لرضاه بتأخير (١). وجاء في المهذب أنه لو باع رجل من رجل عينا فأحضر المشترى نصف الثمن ففيه وجهان أحدهما لا يجبر البائع علي تسليم شئ من المبيع لأنه محبوس بدين فلا سلم شئ منه بحضور بعض الدين كالرهن، والثانى أنه يجبر على تسليم نصف المبيع لأن كل واحد منهما عوض عن الآخر وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن، فإذا سلم بعض الثمن وجب تسليم ما في مقابلته ويخالف الرهن في الدين، فإن الرهن ليس بعوض من الدين: إنما هو وثيقة به فجاز له حبسه إلى أن يستوفى جميع دينه، وإن باع من اثنين عبدا بثمن أحدهما نصف الثمن وجب تسليم حصته إليه لأنه أحضر جميع ما عليه من الثمن فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع كما لو اشترى عينا وأحضر ثمنها (٢) قال صاحب مغنى المحتاج: والمبيع قبل قبضه من ضمان البائع، بمعنى انفساخ البيع بتلفه وثبوت الخيار بتعييبه وبإتلاف الأجنبى له لبقاء سلطنته عليه، سواء أعرضه على المشترى فلم يقبله أم لا، نعم إن وضعه بين يديه عند امتناعه برئ في الأصح كما في الروضة وأصلها، لكن لو خرج مستحقا ولم يقبضه المشترى لم يكن للمستحق مطالبته، وكذا لو باعه قبل نقله فنقله المشترى الثاني فليس للمستحق مطالبة المشترى الأول، قال الإمام: وإنما يكون الوضع بين يدى المشترى قبضا في الصحيح دون الفاسد، وكذا تخلية الدار ونحوها إنما تكون قبضا في الصحيح دون الفاسد (٣). ولا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه كالبر عن الشعير، وغير نوعه كالتمر البرنى عن المعتقلى؛ لأن الأول اعتياض عن المسلم فيه وهو ممتنع، والثانى يشبه الاعتياض عنه، وقيل يجوز أن يستبدل عن المسلم فيه غير نوعه لأن الجنس يجمعهما فكان كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة، ولهذا يحرم التفاضل بينهما ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، ولكن لا يجب قبوله لاختلاف الأغراض باختلاف الأنواع، ويجوز إعطاء أردأ من المشروط لأنه من جنى حقه، ولكن لا يجب قبوله لأنه دون

стр. 8488

حقه، ويجوز إعطاء أجود من المشروط صفة ويجب قبوله في الأصح لأن الامتناع من قبوله عناد، ولأن بذله يشعر بأنه لم يجد سبيلا إلى براءة ذمته بغيره وذلك يهون أمر المنة التي يعلل بها الثاني، والقول الثاني المقابل للأصح: لا يجب قبوله لما فيه من المنة كما لو سلم إليه في خشبة خمسة أذرع فجاء بها ستة فإنه لا يجب عليه قبولها، وفرق الأول بأن الجودة والرداءة لا يمكن فصلها لأنها تابعة، بخلاف زيادة الخشبة، نعم إن كان على المسلم ضرر في قبوله كما أو أسلم إليه في عبد أو أمة فجاء بفرعه أو أصله أو زوجته أو زوجها لم يجب قبوله، وإن جاء بأخيه أو عمه فوجهان، وجه المنع وهو الظاهر أن من الحكام من يحكم بعتقه عليه ذكره الماوردى رضى الله تعالى عنه. هذا وتفاوت الرطب والتمر تفاوت نوع لا تفاوت وصف، وكذا ما سقى بماء السماء وبماء الأرض، والعبد الهندى فلا يجب عليه قبول الآخر ولا يجوز ولا يصح أن يقبض ما أسلمه فيه كيلا بالوزن ولا عكسه ولا بكيل أو وزن غير الذي وقع عليه العقد كأن باع صاعا فاكتاله بالمد ولا يزلزل المكيال ولا يضع الكف على جوانبه بل يملؤه ويصب على رأسه بقدر ما يحمل ويسلم التمر جافا ولو في أول جفافه لأنه قبل جفافه لا يسمى تمرا ولا يجزئ ما تناهى جفافه حتى لم يبق فيه نداوة لأن ذلك نقص كما ذكره ابن الرفعة والسبكى وغيرهما، ويسلم الرطب غير مشدخ - وهو البسر يعالج بالغمر ونحوه حتى يتشدخ أي يترطب وهو المسمى بالمعمول في بلاد مصر - وتسلم الحنطة ونحوها نقية من التراب والذرة والشعير ونحو ذلك وقليل التراب ونحوه يحتمل في الكيل لأنه لا يظهر فيه، لا في الوزن لظهوره فيه، ومع احتماله في الكيل إن كان لإخراج التراب ونحوه مؤنة لم يلزمه قبوله كما حكاه في الروضة وأقره. ولو أحضر المسلم فيه المؤجل قبل وقت حلوله فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح كأن كان حيوانا يحتاج إلى مؤنة لها وقع كما قيده في المحرر بذلك فلو قصرت المدة لم يكن له الامتناع، أو كان وقت إغارة، أو كان تمرا أو لحما يريد أن يأكله عند وقت الحلول طريا، أو كان مما يحتاج إلى مكان له مؤنة كالحنطة الكثيرة لم يجبر على قبوله لتضرره وإن كان للمؤدى غرض صحيح في التعجيل. وإن لم يكن للمسلم غرض صحيح في الامتناع، فإن كان للمؤدى غرض صحيح في التعجيل نحو فك رهن أو براءة ضامن أجبر المسلم على القبول لأن امتناعه حينئذ تعنت، وكذا يجبر عليه لخوف انقطاع الجنس عند الحلول أو لمجرد غرض براءة ذمة المسلم إليه في الأظهر، وكذا لا لغرض كما اقتضاه كلام الروض لأن الأجل حق المدين وقد أسقطه فامتناعه من قبوله محض تعنت. فإن قيل قد ذكروا في باب المناهى: أن المدين إذا أسقط الأجل لا يسقط حتى لا يتمكن المستحق من مطالبته أجيب بأن الإِسقاط هنا وسيلة إلى الطلب المؤدى للبراءة والدفع محصل لها نفسها فكان أقوى مع أن الأجل لم يسقط في الموضعين، والقول الثاني المقابل للأظهر: لا يجبر للمنة، وعلم مما تقرر أنه لو تعارض غرضاهما فالمرعى جانب المستحق على الأصح فإن لم ينظر إلى غرض المؤدى إلا عند عدم غرض المستحق، ويجبر الدائن على قبول كل دين حال إن كان غرضه غير البراءة، ويجبر عليه أو على الإِبراء إن كان غرضه البراءة، قال السبكى رضى الله تعالى عنه: هذا إذا أحضره من هو عليه فإن تبرع به غيره فإن كان

стр. 8489

عن حى لم يجب القبول للمنة وإلا فإن كان المتبرع الوارث وجب القبول لأنه يخلص التركة لنفسه أو غيره ففيه تردد جواب القاضي. والظاهر عدم الوجوب وحيث ثبت الإِجبار وأصر على الامتناع قبضه الحاكم له. ولو أحضر المسلم فيه الحال في مكان التسليم لغرض غير البراءة أجبر المسلم على قبوله، أو أحضر لغرض البراءة أجبر على القبول أو الإبراء، وقد يقال بالتخيير في المؤجل والحال المحضر في غير مكان التسليم أيضا. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أن البائع إن قال: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشترى: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عينا أو عرضا جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما لأن حق البائع قد تهلق بعين الثمن كما تعلق حق المشترى بعين المبيع فاستويا وقد وجب لكل واحد منهما على الآخر حق قد استحق قبضه فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه - وهذا قول الثورى وأحد أقوال الشافعي رضى الله تعالى عنهما، وعن أحمد رضى الله تعالى عنه ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع أولا وهو قول ثان للشافعى، والأول أولى لما ذكرنا، وقال أبو حنيفة ومالك رضى الله تعالى عنهما يجبر المشترى على تسليم الثمن قبل الاستيفاء كالمرتهن. ويدل لنا أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه فكان تقديمه أولى، ويخالف الرهن فإنه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن، والتسليم هاهنا يتعلق به مصلحة عقد البيع. وإن كان الثمن دينا أجبر البائع على تسليم المبيع ثم أجبر المشترى على تسليم الثمن لأن حق المشترى تعلق بعين المبيع وحق البائع تعلق بالذمة، وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده، وكذلك تقديم الدين الذي به الرهن على ما في الذمة وكذلك تقديم أرش الجناية على الدين لذلك، وقال مالك وأبو حنيفة رضى الله تعالى عنهما يجبر المشترى أولا على تسليم الثمن كالمسألة قبلها، وقد ذكرنا ما يدل على خلافه. إذا ثبت وأوجبنا على البائع التسليم فسلم فإن كان المشترى موسرا والثمن حاضرا أجبر على تسليمه، وإن كان الثمن غائبا عن البلد في مسافة القصر أو كان المشترى معسرا فللبائع الفسخ لأن عليه ضررا في تأخير الثمن فكان له الفسخ والرجوع في عين ماله كالمفلس، وإن كان الثمن في بيته أو بلده حجر على المشترى في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في ماله تصرفا يضر بالبائع، وإن كان غائبا عن البلد قريبا دون مسافة القصر فللبائع الفسخ في أحد الوجهين لأن عليه ضررا في تأخير الثمن أشبه المفلس. والوجه الثاني: لا يثبت له خيار الفسخ لأنه كالحاضر، فعلى هذا يحجر على المشترى كما لو كان في البلد، وهذا كله مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه، وقال شيخنا رحمه الله تعالى: ويقوى عندى أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع حتى يحضر الثمن ويتمكن من تسليمه لأن البائع إنما رضى ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه، ولأن المتعاقدين سواء في المعاوضة فيستويان في التسليم، وإنما يؤثر ما ذكر في الترجيع في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه أما مع الحظر المحوج إلى الحجر أو المجوز الفسخ فلا ينبغى أن يثبت، ولأن شرع الحجر لا يندفع به الضرر لأنه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب، ولأن ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم أولى أن يمنع التسليم لأن

стр. 8490

المنع أسهل من الرفع، والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده، ولذلك ملكت المرأة منع نفسها من التسليم قبل قبض صداقها ولم تملكه بعد التسليم على أحد الوجهين، وكل موضع قلنا فيه له الفسخ فإنه يفسخ بغير حكم حاكم لأنه فسخ للبيع لتعذر ثمنه فملكه البائع كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشترى، وكل موضع قلنا فيه يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لأن ولاية الحجر إليه (١). فإن هرب المشترى قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال لأنه يملك الفسخ مع حضوره فمع هربه أولى. وإن كان موسرا أثبت البائع ذلك عند الحاكم ثم إن وجد الحاكم له مالا قضاه وإلا باع المبيع وقضى ثمنه منه: وما فضل فللمشتري وإن اعوز ففى ذمته، قال شيخنا ويقوى عندى أن للبائع الفسخ بكل حال لأنا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيدا عن البلد للضرر في التأخير فهاهنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى، ولا يندفع الضرر برفع الأمر إلى الحاكم لأنه قد يعجز عن إثباته عنده وقد يكون المبيع في مكان لا حاكم فيه والغالب أن لا يحضره من يعرفه الحاكم بالعدالة فإحالته على هذا تضييع لماله، وهذه الفروع تقوى ما ذكرته من أن للبائع منع المشترى من قبض المبيع قبل إحضار الثمن لما في ذلك من الضرر (٢). وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى وحكى عن مالك في القبيحة، وقال في الجميلة يضعها على يدى عدل حتى تستبرأ لأن التهمة تلحقه فيها فمنع منها، ويدل لنا أنه بيع عين لا خيار فيها قد قبض ثمنها فوجب تسليمها كسائر المبيعات، وما فكره من التهمة لا يمكنه من المنع كالقبيحة، ولأنه إن كان استبرأها قبل بيعها فاحتمال وجود الحمل منها بعيد نادر وإن كان لم سيتبرئها فهو الذي ترك الحفظ لنفسه، ولو طالب المشترى البائع بكفيل لئلا تظهر حاملا لم يكن له ذلك لأنه ترك التحفظ لنفسه حال العقد فلم يكن له كفيل كما لو طالب كفيلا بالثمن المؤجر (٣). وإن تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوى فالمشترى مخير بين أخذه ناقصا ولا شئ له وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن لأنه إن رضيه معيبا فكأنه اشترى معيبا عالما بعيبه لا يستحق شيئا من أجل العيب، وإن فسخ العقد لم يكن له أكثر من الثمن لأنه لو تلف المبيع كله لم يكن له أكثر من الثمن فإذا تعيب أو تلف بعضه لم يكن له الفسخ لذلك لأنه أتلف ملكه فلم يرجع على غيره، وإن كان بفعل البائع فقياس قول أصحابنا أن المشترى مخير بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين أخذه والرجوع على البائع يعوض ما أتلف أو عيب. وقياس قول الشافعي رضى الله تعالى عنه أنه بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى، وإن كان بفعل أجنبى فله الفسخ والمطالبة بالثمن وأخذ البيع ومطالبة الأجنبى بعوض ما أتلف (٤). وذكر صاحب المغنى أنه متى أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة لم يخل من ثلاثة أحوال

стр. 8491

أحدها: أن يحضره في محله في لزمه قبوله لأنه أتاه بحقه في محله فلزمه قبوله كالمبيع المعين، وسواء كان عليه في قبضه ضرر أو لم يكن، فإن أبى قيل له إما أن تقبض حقك وإما أن تبرئ منه، فإن امتنع قبضه الحاكم من المسلم إليه للمسلم وبرئت ذمته منه لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته وليس له أن يبرئ لأنه لا يملك الإبراء. الحال الثانية: أن يأتى به قبل محله فينظر فيه فإن كان مما في قبضه قبل محله ضرر إما لكونه مما يتغير كالفاكهة والأطعمة كلها أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب ونحوها لم يلزم المسلم قبوله لأن له غرضا فى تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه فى ذلك الوقت، وكذلك الحيوان لأنه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى الإِنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه في ذلك الوثت دون ما قبله، وهكذا إن كان مما يحتاج فى حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ فى هذه الأحوال كلها لأن عليه ضررا فى قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فجرى مجرى نقص صفة فيه، وإن كان مما لا ضرر فى قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فإنه يستوى قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا فى قبضه ضرر الخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل. الحال الثالث أن يحضره بعد محل الوجوب فحكمه حكم ما لو أحضر المبيع بعد تفرقهما (١). ولا يخلو إما أن يحضر المسلم فيه على صفته أو دونها أو أجود منها، فإن أحضره على صفته لزم قبوله لأنه حقه وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبوله لأن فيه إسقاط حقه فإن تراضيا على ذلك وكان من جنسه جاز وإن كان من غير جنسه لم يجز لما تقدم، وإن اتفقا على أن يعطيه دون حقه ويزيده شيئا لم يجز لأنه أفرد صفة الجودة بالبيع وذلك لا يجوز، ولأن بيع المسلم فيه قبل قبضه غير جائز فبيع وصفه أولى. أما إن أحضر المسلم فيه أجود من الموصوف فينظر فيه فإن أتاه به من نوعه لزمه قبوله لأنه أتى بما تناوله العقد وزيادة تابعة له فينفعه ولا يضره إذ لا يفوته غرض، فإن أتى به من نوع آخر لم يلزمه قبوله لأن العقد تناول ما وصفاه على الصفة التي شرطاها وقد فات بعض الصفات فإن النوع صفة وقد فات فأشبهه ما لو فات غيره من الصفات، وقال القاضي رحمه الله تعالى يلزمه قبوله لأنهما جنس واحد يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فأشبه الزيادة في الصفة مع اتفاق النوع. والأول أجود لأن أحدهما يصلح لما لا يصلح له الآخر فإذا فوته عليه فوت عليه الغرض المتعلق به فلم يلزمه قبوله كما لو فوت عليه صفة الجودة وهذا مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه، فإن تراضيا على أخذ النوع بدلا عن النوع الآخر جاز لأنهما جنس واحد لا يجوز بيع أحدها بالآخر متفاضلا ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فجاز أخذ أحدهما عن الآخر كالنوع الواحد، وقال بعض أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم: لا يجوز له أخذه للمعنى الذي منع لزوم أخذه، وقال إبراهيم لا تأخذ فوق سلمك في كيل ولا صفة، ويدل لنا أنهما تراضيا على دفع المسلم فيه من جنسه فجاز كما لو تراضيا على دفع الرديء الجيد أو الجيد مكان الرديء،

стр. 8492

وبهذا ينتقض ما ذكروه فإنه لا يلزم أخذ الردئ ويجوز أخذه، ولأن المسلم أسقط حقه من النوع فلم يبق بينهما إلا صفة الجودة وقد سمح بها صاحبها (١). وإذا جاءه بالأجود فقال خذه وزدنى درهما لم يصح لأن الجودة صفة فلا يجوز إفرادها بالعقد كما لو كان مكيلا أو موزونا، فإن جاءه بزيادة في القدر فقال خذه وزدنى درهما ففعلا صح لأن الزيادة هاهنا يجوز إفرادها بالعقد، وليس له إلا أقل ما تقع عليه الصفة لأنه إذا أسلم إليه ذلك فقد سلم إليه ما تناوله العقد فبرئت ذمته منه، وعليه أن يسلم إليه الحنطة نقية من التبن والقصل والشعير ونحوه مما لا يتناوله اسم الحنطة وإن كان فيه تراب كثير يأخذ موضعا من المكيال لم يجز وإن كان يسيرا لا يؤثر في المكيال ولا يعيبها لزمه أخذه، ولا يلزمه أن يأخذ التمر إلا جافا، ولا يلزم أن يتناهى جفافه لأنه يقع عليه الاسم، ولا يلزمه أن يقبل معيبا بحال، ومتى قبض المسلم فيه فوجده معيبا فله المطالبة بالبدل أو الأرش كالمبيع سواء (٢). ولا يقبض المكيل إلا بالكيل ولا الموزون إلا بالوزن، ولا يقبضه جزافا ولا بغير ما يقدر به لأن الكيل والوزن يختلفان فإن قبضه بذلك فهو كقبضه جزافا فيقدره بما أسلم فيه ويأخذ قدر حقه ويرد الباقى ويطالب بالعوض، وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل أن يعتبره؟ على وجهين (٣). مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن من باع شيئا فقال للمشترى: لا أدفع الثمن حتى أقبض ما ابتعت، وقال البائع: لا أدفع حتى أقبض أجبرا معا على دفع المبيع والثمن معا لأنه ليس أحدهما أحق بالإِنصاف والانتصاف من الآخر وبيد كل واحد منهما حق للآخر، وفرض على كل واحد منهما أن يعطى الآخر حقه فلا يجوز أن يخص أحدهما بالتقدم وفعل ذلك جور وحيف وظلم وهذا قول أصحابنا وعبيد الله بن الحسن (٤). فإن أبى المشترى من أن يدفع الثمن مع قبضه لما اشترى وقال: لا أدفع الثمن إلا بعد أن أقبض ما اشتريت فللبائع أن يحبس ما باع حتى ينتصف وينصف معا، فإن تلف عنده من غير تعد منه فهو من مصيبة المشترى وعليه دفع الثمن ولا ضمان على البائع فيما هلك عنده من غير تعديه لأنه احتبس بحق قال الله : "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (٥) إلا أن يكون في بعض ما حبس وفاء بالثمن فإنه يضمن ما زاد على هذا المقدار لأنه مقعد باحتباسه أكثر مما تعدى عليه فيه الآخر، هذا إن كان مما يمكن أن ينقسم، فإن كان مما لا يمكن أن ينقسم إلا بفساده أو حط ثمنه فلا ضمان عليه أصلا: فلو قال البائع: لا أدفع إلا بعد قبض الثمن ودعاه المشترى إلى أن يقبض ويدفع معا فأبى فهو هاهنا ضامن لأنه متعد باحتباسه ما حبس وقد دعى إلى الإنصاف فأبى (٦). ولا يحل أن يجبر أحد على أن يبيع

стр. 8493

مع شريكه لا ما ينقسم ولا ما لا ينقسم ولا على أن يقاومه فيبيع أحدهما من الآخر، لكن من شاء من الشريكين أو الشركاء أن يبيع حصته فله ذلك ومن أبى لم يجبر فإن أجبره على ذلك حاكم أو غيره فسخ حكمه أبدا وحكم فيه بحكم الغصب برهان ذلك قول الله ﵎: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (١) ومن أجبر على بيع حقه فلم يرض فلا يجوز عليه لأنه خلاف أمر الله فهو أكل مال بالباطل إلا حيث أمر الله تعالى بالبيع وإن لم يرض كالشفعة وعلى الغائب وعلى الصغير وعلى الظالم، واحتج القائلون بإجبار الشريك على البيع مع شريكه بخبر روى فيه "لا ضرر ولا ضرار" وهذا خبر لم يصح قط، إنما جاء مرسلا أو من طريق فيها إسحاق بن يحيى وهو مجهول، ثم لو صح لكان حجة عليهم لأن أعظم الضرار والضرر هو الذي فعلوه من إجبارهم إنسانا على بيع ماله بغير رضاه وبغير أن يوجب الله تعالى علمه ذلك، وما أباح الله تعالى قط أن يراعى رضا أحد الشريكين بإسخاط شريكه في ماله نفسه وهذا هو الجور والظلم الصراح، ولا فرق بين أن يجاب أحد الشريكين إلى قوله لابد من أن يبيع شريكى معى لأستجزل الثمن في حصتى مبين أن يجاب الآخر إلى قوله لا بد من أن يمنع شريكى من بيع حصته لأن في ذلك ضررا على في حصتى وكلا الأمرين عدوان وظلم لكن الحق أن كليهما ممكن من حصته من شاء باع حصته ومن شاء أمسك حصته، وقد موهوا في ذلك بما روينا من طريق وكيع حدثنا أبو بشر عن أن ابن نجيح عن مجاهد أن نخلة كانت لإنسان في حائط آخر فسأله أن يشتريها منه فأبى فقال رسول الله ﷺ : "لا ضرر في الإسلام" وهذا مرسل، ثم لو صح لكان حجة عليهم لأننا نقول لهم: نعم هذا منع من أن يجبر الآخر على الشراء من شريكه وهو لا يريد ذلك أو على البيع منه أو من غيره وهو لا يريد ذلك، فهذان ضرر ظاهر. وذكروا أيضا ما رويناه من طريق أبى داود عن واصل مولى أبى عينية بإسناده قال سمعت محمد بن على يحدث عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به فطلب إليه أن يبيعه أو يناقله فأبى فذكر ذلك للنبى ﷺ فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه فأبى فقال: أنت مضار فقال رسول الله ﷺ للأنصارى: اذهب فاقلع نخله. قال أبو محمد: هذا منقطع لأن محمد بن علي لا سماع له من سمرة، ثم لو صح لكانوا مخالفين له في موضعين، أحدهما أنهم لا يجبرون غير الشريك على البيع من جاره ولا على البيع معه، وفى هذا الحديث خلاف ذلك، والثانى قلع نخله وهم لا يقولون بهذا (٢). مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار أنه إذا تنازع البائع والمشترى أيهما يسلم أولا فالصحيح للمذهب أنه يقدم تسليم الثمن إن حضر المبيع بحيث يمكن قبضه عقيب تسليم الثمن ليستويا في التعيين، فإن كان المبيع غائبا لم يلزم المشترى تقديم

стр. 8494

الثمن، ولو كان المشترى اثنين فله حبس المبيع حتى يستوفى الثمن منهما جميعا ما لم يكن قسمته إفراز. فلو كانا مبيعين فلعله يقرع بينهما، وفى بعض الحواشى: فها بها أي يدا بيد، وقيل يقدم ما دخلت عليه الباء. وقال المنصور بالله: بل يقدم تسليم المبيع ثم الثمن عقيبه؛ ليستويا في جواز التصرف، وقال المؤيد بالله: يعدل الثمن ثم يسلم المبيع وفاء بالحقين (١). ولا يجب على البائع التسليم للمبيع إلى موضع العقد، وإنما الواجب أن يسلم المبيع حيث هو إلا أن يشرط عليه تسليمه إلى موضع العقد لزمه الوفاء به. وعند المؤيد بالله أنه يجب على البائع تسليم المبيع إلى موضع العقد ولو عرف المشترى أنه في موضع آخر. ولا يلزم البائع تسليم المبيع إلى منزل المشترى إلا لعرف جرى بذلك كما يجرى في الحطب والحشيش ونحوهما فإن العرف جار بأن يوصله البائع إلى منزل المشترى في المصر. قال في الحاشية هذا إذا كانت منزل المشترى معروفا فإن لم يكن معروفا فسد العقد، ويحتمل أن يصح العقد ويلزمه الإيصال في الميل، والمقرر الأول؛ لأن هذه الجهالة مغتفرة لأن هذا من باب الحقوق وهى تغتفر الجهالة فيها (٢). مذهب الإمامية: جاء في الروضة البهية إن إطلاق العقد بتجريده عن شرط تأخير أحد العوضين أو تأخيرهما إذا كانا عينين أو أحدهما يقتضى قبض العوضين فيتقابضان معا لو تمانعا من التقدم، سواء كان الثمن عينا أو دينا، وإنما لم يكن أحدهما أولى بالتقديم لتساوى الحقين في وجوب تسليم كل منهما إلى مالكه، وقيل يجبر البائع على الإِقباض أولا لأن الثمن تابع للمبيع، ويضعف باستواء العقد في إفادة الملك لكل منهما، فإن امتنعا أجبرهما الحاكم معا مع إمكانه، كما يجبر الممتنع من قبض ماله فإن تعذر فكالدين إذا بذله المدين فامتنع من قبوله، ويجوز استراط تأخير إقباض المبيع مدة معينة كما يجوز اشتراط تأخير الثمن والانتفاع به منفعة معينة لأنه شرط سائغ فيدخل تحت العموم. والقبض في المنقول كالحيوان والأقمشة والمكيل والموزون والمعدود نقله، وفى غيره التخلية بينه وبينه بعد رفع اليد عنه، وحيث يكتفى بالتخلية فالمراد بها رفع المانع للمشترى من القبض بالإِذن فيه ورفع يده ويد غيره عنه إن كان، ولا يشترط مضى زمان يمكن وصول المشترى إليه إلا أن يكون في غير بلده بحيث يدل العرف على عدم القبض بذلك، والظاهر أن اشتغاله بملك البائع غير مانع منه وإن وجب على البائع التفريغ، ولو كان مشتركا ففى توقفه على إذن الشريك قولان أجودهما العدم لعدم استلزامه التصرف في مال الشريك. نعم لو كان منقولا توقف على إذنه لافتقار قبضه إلى التصرف بالنقل فإن امتنع من الإِذن نصب الحاكم من يقبضه أجمع، بعضه أمانة وبعضه لأجل البيع، وقيل يكفى حينئذ التخلية وأن لم يكتف بها قبله (٣). ويجب قبض الثمن لو دفعه إلى البائع

стр. 8495

مع الحلول مطلقا وفى الأجل أى بعده لا قبله، لأنه غير مستحق حينئذ، وجاز تعلق غرض البائع بتأخير القبض إلى الأجل فإن الأغراض لا تنضبط، فلو امتنع البائع من قبضه حيث يجب قبضه الحاكم إن وجد فإن تعذر قبض الحاكم ولو بالمشقة البالغة في الوصول إليه أو امتناعه من قبض حقه، ومقتضى العبارة أن المشترى يبقيه بيده مميزا على وجه الأمانة، وينبغى مع ذلك أن لا يجوز له التصرف فيه، وأن يكون نماؤه للبائع تحقيقا لتعينه له، وربما قبل ببقائه على ملك المشترى وإن كان تلفه من البائع، وفى الدروس: أن للمشترى التصرف فيه فيبقى في ذمته (١). وإذا دفع المسلم إليه فوق الصفة وجب القبول لأنه خير وإحسان، فالامتناع منه عناد، ولأن الجودة صفة لا يمكن فصلها فهى تابعة، بخلاف ما لو دفع أزيد قدرا يمكن فصله ولو في ثوب، وقيل لا يجب لما فيه من المنة، ودور الصفة المشترطة لا يجب قبوله وإن كان أجود من وجه آخر لأنه ليس حقه مع تضرره به ويجب تسليم الحنطة ونحوها عند الإِطلاق نقية من الزوان والمذر والتراب والقشر غير المعتاد، وتسليم التمر والزبيب جافين والعنب والرطب صحيحين ويعفى عن اليسير المحتمل عادة. ولو رضى المسلم بالأدون صفة لزم لأنه أسقط حقه من الزائد برضاه، كما يلزم لو رضى بغير جنسه، ولو انقطع المسلم فيه عند الحلول حيث يكون مؤجلا ممكن الحصول بعد الأجل عادة فاتفق عدم تخير المسلم بين الفسخ فيرجع برأس ماله لتعذر الوصول إلى حقه وانتفاء الضرر وبين الصبر إلى أن يحصل، وله أن لا يفسخ ولا يصبر بل يأخذ قيمته حينئذ لأن ذلك هو حقه. والأقوى أن الخيار ليس فوريا فله الرجوع بعد الصبر إلى أحد الأمرين ما لم يصرح بإسقاط حقه من الخيار ولو كان الانقطاع بعد بذله ورضاه بالتأخير سقط خياره بخلاف ما لو كان بعدم المطالبة أو بمنع البائع مع إمكانه، وفى حكم انقطاعه عند الحلول موت المسلم إليه قبل الأجل وقبل وجوده لا العلم قبله بعدمه بعده، بل يتوقف الخيار على الحلول على الأقوى لعدم وجود المقتضى له الآن، إذا لم يستحق شيئا حينئذ، ولو قبض البعض تخير أيضا بين الفسخ في الجميع والصبر وبين أخذ ما قبضه والمطالبة بحصة غيره من الثمن أو قيمة الثمن على القول الآخر (٢). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أن من اشترى متاعا لأجل وتم البيع ولم يقبضه حتى حل الأجل فقيل لا يجبر على إعطاء الثمن قبل القبض ويجدد أجلا قبل قبضه من يومه إلا إن أراد المشترى أن يسلم إليه الثمن بلا تجديد أجل والمختار جبره على تسليم الثمن وإن لم يقبض ذلك المتاع إن تركه باختياره وإن حبسه عنه البائع حتى يوفيه الثمن أو يشهد أو يثبت أو نحو ذلك وتلف ذهب بما فيه كالرهن، وإن قبض قبل تمام الأجل فقيل يجد الأجل من القبض وقيل لا، ولا خلاف في لزوم إعطاء الثمن بلا تجديد الأجل إن تركه بعد قبضه باختياره أيضا ولا في عدم لزوم الإعطاء بلا تجديد إن تركه بدون اختياره قبل قبضه وإن تركه بعد قبضه باختياره ثم طلب أن يجلبه فمنع منه جدد له من الزمان مثل ما بين وقت الطلب

стр. 8496

وتمام الأجل، وإن تركه قبل قبضه لمانع غير البائع فلا تجديد، وطفل البائع وعبده ومأموره مثله إن منعوا. وإن قال له البائع خذ مالك فأبى فقال لا، أو سكت وتركه أو قال له دعه عندك فإنه كأمانة لا يجدد الأجل وإن أبى البائع أن يناول المشترى حتى يعطيه الثمن وأبى المشترى أن يناوله الثمن حتى يقبض ما أشترى حكم على المشترى أولا أن يعطى الثمن ثم على البائع أن يناوله ما باع وليس لهما الرجوع كما قال بعض إن لهما الرجوع قال الشيخ عن بعض قولا آخر إن القبض في العروض والمتاع شرط أو واجب فما لم يكن فلا بيع لأنه لا يحكم عليه بقبض، أي لا يحكم على المشترى أن يقبض، ولا بتسليم على البائع حتى يسلم إليه الثمن إذا كان حالا فإن سلم الثمن حكم على البائع أن يسلم إليه المبيع (١) ويجبر البائع أولا بأن يسلم للمشترى ما باع، ويجبر المشترى بالقبض وإحضار الثمن للبائع حينئذ، وإن أجل فحين حل الأجل، ويحبس البائع حتى يسلم ويحبس المشترى حتى يقبض إن امتنعا إن لم تقع إقالة بينهما رضى منهما بها، قال في بعض مختصراته وقيل إن رجلا ابتاع من رجل طعاما وقال له إذا أوفيتنى أنقدتك الثمن فجعل لا يقبضه فاختصما إلى شريح فقال اربطوه إلى سارية المسجد بإيماء منه بذلك حتى يستوفى ويجبر على القبض والإِنقاد، وقيل لا يحكم بتسليم العروض حتى يوفى المشترى الثمن، وقيل لا يحكم عليه بإنقاده حتى يقبض مشتراه، وقيل يحكم بالتسليم والإِنقاد معا لا قبل ولا بعد، وقيل يجبران معا لا قبل ولا بعد في التسليم والقبض مع إنقاد الثمن، ومعنى المعية أن لا ينتظر بإجبار أحدهما إلى أن يفعل الآخر ما أجبر عليه، وأما سبق الكلام لأحدهما والشروع في جبره قبل الآخر بحسب الإِمكان لا للركون فلا بأس به أو حضرا معا وأبى هذا من تسليم المبيع وأبى هذا من قبضه ونقد الثمن وأراد الحاكم قطع العناد بينهما نهيا عن المنكر وقطعا لأن كلا منهما عاص أو ترتب أمر على ذلك من غيرهما كالضمان، وأما على القول الأول فيجبر أحدهما خاصة فإذا ذعن أجبر الآخر (٢). حكم الامتناع من القسمة مذهب الحنفية: جاء في تكملة البحر الرائق أنه إذا طلب بعض الشركاء القسمة يجبر الآبى على القسمة في متحد الجنس، سواء كان من ذوات الأمثال أولا، ولا يجبر في غير متحد الجنس كالغنم مع الإِبل، وفى غاية البيان قال في الفتاوى الصغرى: القسمة ثلاثة أنواع: قسمة لا يجبر الآبى عليها كقسمة الأجناس المختلفة، وقسمة يجبر عليها الآبى كقسمة ذوات الأمثال كالمكيل والموزون، وقسمة يجبر الآبى في غير المثليات كالثياب من نوع واحد والبقر والغنم (٣). وجاء في الفتاوى الهندية أنه لو كان بين رجلين دار نصب أحدهما أكثر فطلب صاحب الكثير القسمة وأبى الآخر فإن القاضي يقسم عن الكل، وإن طلب صاحب القليل القسمة

стр. 8497

وأبى صاحب الكثير فكذلك وهو اختيار الإِمام الشيخ المعروف بخواهر زاده وعليه الفتوى في البيت الصغير بين رجلين إذا كان صاحب القليل لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة فطلب صاحب القليل القسمة قالوا لا يقسم، وذكر الخصاف أنه لو كانت دار بين رجلين نصيب كل واحد لا ينتفع به بعد القسمة وطلب القسمة من القاضي فإن القاضي يقسمه، وإن طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر لا يقسم لأن الطالب متعنت، وإن كان ضرر القسمة على أحدهما بأن كان نصيب أحدهما أكثر ينتفع به بعد القسمة فطلب صاحب الكثير القسمة وأبى الآخر فإن القاضي يقسم وإن طلب صاحب القليل لا يقسم، وحكى عن الجصاص رضى الله تعالى عنه عكس هذا، والأصح ما ذكره الخصاف رضى الله تعالى عنه - كذا في التبيين - وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: إذا كان الطريق بين قوم إن اقتسموه لم يكن لبعضهم طريق ولا منفذ فأراد بعضهم قسمته وأبى الآخر فإنى لا أقسمه بينهم، وإن كان لكل واحد طريق ومنفذ فإنى أقسمه بينهم، قال بعض مشايخنا: المسألة محمولة على أن الطريق بينهم على السواء وكان بحيث لو قسم بينهم لا يبقى لواحد منهم طريق ومنفذ فأما إذا كان الطريق بينهم على التفاضل بحيث لو قسم لا يبقى لصاحب القليل طريق ولا منفذ ويبقى لصاحب الكثير طريق ومنفذ فالقاضى يقسم بينهم إذا طلب صاحب الكثير القسمة كما في مسألة البيت إذا طلب صاحب الكثير القسمة، ومنهم من قال: الطريق لا يقسم في الحالين بخلاف البيت كذا في المحيط. وإن كان مسيل ماء بين رجلين أراد أحدهما قسمة ذلك وأبى الآخر فإن كان فيه موضع يسيل منه ماؤه سوى هذا قسم وإن لم يكن له موضع إلا بضرر لم يقسم. وهذا والطريق سواء. ولو كان بيت بين رجلين فانهدم فطلب أحدهما قسمة الأرض قال أبو يوسف رحمه الله تعالى تقسم بينهما، وقال محمد رحمه الله تعالى لا تقسم، فإن أراد أحدهما أن يبنى كما كان وأبى الآخر ذكر في نوادر ابن رستم أنه لا يجبر على البناء إلا أن يكون لهما عليه جذع فيجبر على البناء، فإن كان الآبى معسرا يقال لشريكه ابن أنت وأمنع الآخر من وضع الجذع حتى يعطيك نصف ما أنفقت. ولا يقسم الحمام والحائط وما أشبه ذلك بين الشركاء، فإن رضوا به جميعا قسم لوجود التراضى منهم بالتزام الضرر، ومن أصحابنا رضى الله تعالى عنهم من يقول هذا في الحمام فكل واحد منهما ينتفع بنصيبه بجهة أخرى بأن يجعله بيتا وربما كان ذلك مقصود كل واحد منهم، فأما ما الحائط إن رضوا بالقسمة لينتفع كل واحد منهم بنصيبه من غير هدم فكذلك الجواب، وإن رضوا بالهدم وقسمة الآس بينهم لم يباشر القاضي ذلك، ولكن إن فعلوا ذلك فيما بينهم لم يمنعهم من ذلك. ولو كان بناء بين رجلين في أرض رجل قد بنياه فيه بإذنه ثم أراد قسمة البناء وصاحب الأرض غائب فلهما ذلك بالتراضى وإن امتنع أحدهما لم يجبر عليه، وإن كان أحدهما أراد قسمة البناء وهدمه وأبى الآخر ففى هذه القسمة إتلاف الملك وقد بينا أن القاضي لا يفعل ذلك، ولكن إذا أراد أن يفعلاه لم يمنعهما عن ذلك وإن أخرجهما صاحب الأرض هدماه ثم النقض يحتمل القسمة بينهما فيفصله القاضي عند طلب بعض الشركاء. قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل لو كان دكان في السوق بين رجلين يبيعان فيه بيعا أو يعملان فيه بأيديهما فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر وصاحب الأرض غائب فإن القاضي ينظر في ذلك إن كان لو قسم أمكن لكل واحد منهما أن

стр. 8498

يعمل في نصيبه العمل الذي كان يعمله قبل القسمة قسم، وإن كان لا يمكنه ذلك لم يقسم، وإذا كان الزرع بين ورثة في أرض لغيرهم فأرادوا قسمة الزرع فإن كان قد أدرك لم يقسم بينهم حتى يحصد لا بالتراضى ولا بغير التراضى لأن الحنطة مال الربا فلا تجوز قسمته مجازفة إلا بالكيل ولا تمكن قسمته بالكيل قبل الحصاد وإن كان بقلا لم يقسم إلا أن يشترطوا في البقل أنه يجز كل واحد منهما ما أصابه فإذا اقتسموه على هذا بتراضيهم أجزته (١). ولو كانت ثلاثة أثواب بين رجلين فأراد أحدهما قسمتها وأبى الآخر فإنى أنظر في ذلك إن كانت قسمتها تستقيم من غير قطع بأن تكون قيمة ثوبين مثل قيمة الثالث فإن القاضي يقسمها بينهما فيعطى أحدهما ثوبين والآخر ثوبا، وإن كانت لا تستقيم لم تقسم بينهما إلا أن يتراضوا فيما بينهما على شئ هكذا قال في الكتاب، والأصح أن يقال إن استوت القيمة وكان نصيب كل واحد منهما ثوبا ونصفا فإنه يقسم الثوبين بينهما ويدع الثالث مشتركا، وكذلك إن استقام أن يجعل أحد القسمين ثوبا وثلثى الآخر والقسم الآخر ثوبا وثلث الآخر أو أحد القسمين ثوبا وربعا والآخر ثوبا وثلاثة أرباع فإنه يقسم بينهم ويترك الثالث مشتركا كذا في النهاية (٢). والأوانى المتخذة من أصل واحد كالإِجانة والقمقمة والطست المتخذة من صفر ملحقة بمختلفة الجنس فلا يقسمها القاضي جبرا كذا في العناية. ويقسم تبر الفضة والذهب وما أشبه ذلك مما ليس بمصوغ من الحديد والصفر والنحاس وكذلك علو بين رجلين نصيب كل واحد منهما مما ينتفع به والسفل لغيرهما أو سفل بينهما والعلو لغيرهما فذلك كله يقسم إذا طلب بعض الشركاء كذا في المبسوط (٣). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإِكليل نقلا عن المدونة أنه لا يقسم أصل العين والآبار، ولكن يقسم شربها بالقلد، ولا يقسم مجرى الماء وما علمت أن أحدا أجازه. قال ابن حبيب رضى الله تعالى عنه: تفسير قسمة الماء بالقلد أن تحاكموا فيه وأجمعوا على قسمه أن يأمر الإمام رجلين مأمونين أو يجتمع الورثة على الرضا بهما فيأخذان قدرا من فخار وشبهها فيثقبا في أسفلها بمثبت يمسكانه عندهما ثم يعلقانها ويجعلان تحتها قصرية ويعدان الماء في جرار ثم إذا انصدع الفجر صبا الماء في القدر فسال الماء من الثقب فكلما هم الماء أن يفرغ صبا حتى يكون سيل الماء من الثقب معتدلا النهار كله والليل كله إلى انصداع الفجر فينحيانها ويقتسمان ما اجتمع من الماء على أقلهم سهما كيلا أو وزنا ثم يجعلان لكل وارث قِدرا يحمل سهمه من الماء ويثقبا كل قدر منها بالمثقب الذي ثقبا به القدر الأولى، فإذا أراد أحدهم السقى على قدره بمائه صرف الماء كله إلى أرضه فسقى وأسال الماء من قدره ثم كذلك بقيتهم ثم إن تشاحوا في التبدئة استهموا. وروى عن المجموعة قول مالك رضى الله تعالى عنه في الجدار بين الرجلين يسقط، فإن كان لأحدهما لم يجبر على بنائه ويقال للآخر استر على نفسك إن شئت، وإن كان الجدار بينهما أمر الآبى أن

стр. 8499

يبنى مع صاحبه إن طلب ذلك، قال في العتبية: إن كان لأحدهما فهدمه أو انهدم بغير فعله وهو قادر على رده فيترك ذلك ضررا أجبر على رده. وإن كان يضعف عن إعادته عذر، وقيل للآخر استر على نفسك إن شئت. وقال ابن القاسم رضى الله تعالى عنه: إن انهدم بأمر من الله لم يجبر على إعادته وكذلك إن هدمه هو لوجه منفعة ثم عجز عن ذلك أو استغنى عنه فإنه لا يجبر على رده ولو هدمه للضرر جبر على أن يعيده (١). مذهب الشافعية: جاء في المهذب أنه إن طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر نظرت فإن لم يكن على واحد منهم ضرر في القسمة كالحبوب والأدهان والثياب الغليظة وما تساوت أجزاؤه من الأرض والدور أجبر الممتنع لأن الطالب يريد أن ينتفع بماله على الكمال وأن يتخلص من سوء المشاركة من غير إضرار بأحد فوجبت إجابته إلى ما طلب وإن كان عليهما ضرر كالجواهر والثياب المرتفعة التي تنقص قيمتها بالقطع والرحى الواحدة والبئر والحمام الصغير لم يجبر الممتنع لقول النَّبيّ ﷺ لا ضرر ولا ضرار، ولما روى أن النَّبيّ ﷺ نهى عن إضاعة المال، ولأنه إتلاف مال وسفه يستحق به الحجر فلم يجبر عليه وإن كان على أحدهما ضرر دون الآخر نظرت فإن كان الضرر على الممتنع أجبر عليها، وقال أبو ثور رحمه الله تعالى: لا يجبر عليها لأنها قسمة فيها ضرر فلم يجبر عليها كما لو دخل الضرر عليهما وهذا خطأ لأنَّهُ يطلب حقا له فيه منفعة فوجبت الإِجابة إليه، وإن كان على المطلوب منه ضرر كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا يقضى به دينه وإن كان الضرر على الطالب دون الآخَر ففيه وجهان أحدهما أنه يجبر لأنَّهُ قسمة لا ضرر فيها على أحدهما فأجبر الممتنع كما لو كان الضرر على الممتنع دون الطالب، والثانى أنه لا يجبر وهو الصحيح لأنه يطلب ما لا يستضر به فلم يجبر الممتنع ويخالف إذا لم يكن على الطالب ضرر لأنَّهُ يطلب ما ينتفع به وهذا يطلب ما يستضر به وذلك سفه فلم يجبر الممتنع (٢). وإن كان دينهما دور أو أراض مختلفة في بعضها نخل وفى بعضها شجر أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها يسقى بالناضح وطلب أحدهما أن يقسم بينهما أعيانا بالقيمة وطلب الآخَر قسمة كل عين قسم كل عين لأن كل واحد منهما له حق في الجميع فجاز له أن يطالب بحقه في الجميع وإن كان بينهما عضائد متلاصقة وأراد أحدهما أن يقسم أعيانا وطلب الآخر أن يقسم كل واحد منهما على الانفراد ففيه وجهان أحدهما أنها تقسم أعيانا كالدار الواحدة إذا كان فيها بيوت، والثانى أنه يقسم كل واحدة منها لأن كل واحدة على الانفراد فقسم كل واحد منها كالدور المتفرقة (٣). فإن كان بينهما دار وطلب أحدهما أن تقسم فيجعل العلو لأحدهما والسفل للآخر وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع لأن العلو تابع للعرصة في القسمة، ولهذا لو كان بينهما عرصة وطلب أحدهما القسمة وجبت القسمة ولو كان بينهما غرفة فطلب أحدهما القسمة لم يجب ولا يجوز أن يجعل التابع في القسمة متبوعا (٤). وإن كان بين ملكهما عرصة حائط

стр. 8500

فأراد أن تقسم طولا فيجعل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض واتفقا عليه جاز، وإن طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخر أجبر عليها لأنَّهُ لا ضرر فيها وإن أراد قسمتها عرضا في كمال الطول واتفقا عليه جاز وإن طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخَر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجبر لأنَّهُ لا تدخله القرعة لأنَّهُ إذا أقرع بينهما ربما ضار بها مال كل واحد منهما إلى ناحية ملك الآخر ولا ينتفع به، وكل قسمة لا تدخلها القرعة لا يجبر عليها كالقسمة التي فيها رد، والوجه الثاني - وهو الصحيح - أنه يجبر عليها لأنَّهُ ملك مشترك يمكن كل واحد من الشريكين أن ينتفع بحصته إذا قسم فأجبر على القسمة كما لو أراد أن يقسماها طولا، فإن كان بينهما حائط فأرادا قسمته نظري فإن أراد قسمته طولا في كمال العرض واتفقا عليه جاز، وإن أراد ذلك واحد وامتنع الآخَر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجبر لأنَّهُ لابدّ من قطع الحائط وفى ذلك إتلاف، والوجه الثاني أنه يجبر وهو الصحيح لأنَّهُ تمكن قسمته على وجه ينتفعان به فأجبرا علمها كالعرصة فإن أراد قسمته عرضا في كمال الطول واتفقا عليها جاز، وإن طلب أحدهما وامتنع الآخَر لم يجبر لأن ذلك إتلاف وإفساد (١). وإن كان بينها أرض مختلفة الأجزاء بعضها عامر وبعضها خراب أو بعضها فوى وبعضها ضعيف أو بعضها شجر أو بناء وبعضها بياض أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها بالناضج نظرت فإن أمكن التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بأن يكون الجيد في مقدمها والردئ في مؤخرها فإذا قسمت بينهما نصفين صار إلى كل واحد منهما من الجيد والردئ مثل ما صار إلى الآخَر من الجيد والردئ فطلب أحدهما هذه القسمة أجبر الآخَر عليها لأنها كالأرض المتساوية الأجزاء في إمكان التسوية بينهما فيها، وإن لم تمكن التسوية بينهما في الجيد والردئ بأن كانت العمارة أو الشجر أو البناء في أحد النصفين دون الآخَر نظرت فإذا أمكن أن يقسم قسمة تعديل بالقيمة بأن تكون الأرض ثلاثين جريبا وتكون عشرة أجربة من جيدها بقيمة عشرين جريبا من رديئها فدعا إلى ذلك أحد الشريكين وامتنع الآخَر ففيه قولان أحدهما أنه لا يجبر الممتنع لتعذر التساوى في الزرع وتوقف القسمة إلى أن يتراضيا، والقول الثاني أنه يجبر لوجود التساوى بالتعديل فعلى هذا في أجرة القسام وجهان أحدهما أنه يجب على كل واحد منهما نصف الأجرة لأنهما يتساويان في أصل الملك، والوجه الثاني أنه يجب على صاحب العشرة ثلث الأجرة وعلى صاحب العشرين ثلثاها لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة وإن أمكن قسمته بالتعديل وقسمة الرد فدعا أحدهما إلى قسمة التعديل ودعا الآخَر إلى قسمة الرد فإن قلنا إن قسمة التعديل يجبر عليها فالقول قول من دعا إليها لأن ذلك مستحق وإن قلنا لا يجبر وقف إلى أن يتراضيا على إحداهما (٢). وإن كانت بينهما أرض مزروعة وطلب أحدهما قسمة الأرض دون الزرع وجبت القسمة لأن الزرع لا يمنع القسمة في الأرض فلم يمنع وجوبها كالقماش في الدار، وإن طلب أحدهما قسمة الأرض والزرع لم يجبر لأن الزرع لا يمكن تعديله فإن تراضيا على ذلك فإن كان بذرا لم يجز قسمته لأنَّهُ مجهول وإن كان قد ظهر

стр. 8501

فإن كان مما لا ربا فيه كالقصيل والقطن جاز لأنَّهُ معلوم مشاهد، وإن كان قد انعقد فيه الحب لم يجز لأنا إن قلنا إن القسمة بيع لم يجز لأنَّهُ بيع أرض وطعام بأرض وطعام ولأنه قسمة مجهول ومعلوم وإن قلنا إن القسمة فرز النصيبين لم يجز لأنَّهُ قسمة مجهول ومعلوم (١). وإن كان بينهما عبيد أو ماشية أو أخشاب أو ثياب فطلب أحدهما قسمتها أعيانا وامتنع الآخَر فإن كانت متفاضلة لم يجبر الممتنع وإن كانت متماثلة ففيه وجهان أحدهما - وهو قول أبي العباس وأبى إسحاق وأبى سعيد الاصطخرى رضى الله تعالى عنهم - أنه يجبر الممتنع وهو ظاهر المذهب لأنها متماثلة، والوجه الثاني وهو قول أبى على بن خيران وأبى على بن هريرة أنه لا يجبر الممتنع لأنها أعيان مختلفة فلم يجبر على قسمتها أعيانا كالدور المتفرقة (٢). وإن كان بينهما منافع فأراد قسمتها مهايأة - وهو أن تكون العين في يد أحدهما مدة ثم في يد الآخَر مثل تلك المدة - جاز لأن المنافع كالأعيان فجاز قسمتها كالأعيان، وإن طلب أحدهما وامتنع الآخَر لم يجبر الممتنع، ومن أصحابنا من حكى فيه وجها آخر أنه يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان، والصحيح أنه لا يجبر لأن حق كل واحد منهما تعجل فلا يجبر تأخيره بالمهايأة ويخالف الأعيان فإنه لا يتأخر بالقسمة حق كل واحد، فإذا عقدا على مدة اختص كل واحد منهما بمنفعة تلك المدة، وإن كان يحتاج إلى النفقة كالعبد والبهيمة كانت نفقته على من يستوفى منفعته، وإن كسب العبد كسبا معتادا في مدة أحدهما كان لمن هو في مدته (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه إذا كان بين شخصين حائط مشترك فأنهدم فطلب أحدهما إعادته وأبى الآخَر فهل يجبر الممتنع على إعادته قال القاضي رحمه الله تعالى: فيه روايتان إحداهما يجبر، نقلها ابن القاسم وحرب وسندى رحمهما الله تعالى، قال القاضي هي أصح، وقال ابن عقيل رحمه الله تعالى: وعلى ذلك أصحابنا وبه قال مالك رضى الله تعالى عنه في إحدى روايتيه، والشافعى في قديم قوليه واختاره بعض أصحابه وصححه لأن في ترك بنائه إضرار فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى النقض إذا خيف سقوطه عليهما، ولقول النَّبيّ ﷺ : "لا ضرر ولا إضرار" وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه. والرواية الثانية: لا يجبر، نقل عن أحمد رضى الله تعالى عنه ما يدلُّ على ذلك وهو أقوى دليلا وهو مذهب أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه؛ لأنَّهُ ملك لا حرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الإِنفاق عليه كما لو انفرد به ولأنه بناء حائط فلم يجبر عليه كالابتداء، ولأنه لا يخلو إما أن يجبر على بنائه لحق نفسه لو لحق جاره أو لحقيهما جميعا؛ لا يجوز أن يجبر عليه لحق نفسه بدليل ما لو انفرد به، ولا لحق غيره كما لو انفرد به جاره، فإذا لم يكن كل واحد منهما موجبا عليه فكذلك إذا اجتمعا، وفارق القسمة فإنها دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه والبناء فيه مضرة لما فيه من الغرامة وإنفاق ماله، ولا يلزم من إجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه إجباره علي إزالته بما فيه ضرر بدليل قسمة ما في قسمته ضرر، ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه لأنَّهُ يخاف سقوط حائطه

стр. 8502

على ما يتلفه فيجبر على ما يزيل ذلك ولهذا يجبر عليه، وإن انفرد بالحائط بخلاف مسألتنا، ولا نسلم أن في تركه إضرارا فإن الضرر إنما حصل بانهدامه وإنما ترك البناء ترك لما يحصل النفع به وهذا لا يمنع الإِنسان منه بدليل حالة الابتداء، وإن سلمنا أنه إضرار لكن في الإِجبار إضرارا ولا يزال الضرر بالضرر، وقد يكون الممتنع لا نفع له في الحائط أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع أو يكون معسرا ليس معه ما يبنى به فيكلف الغرامة مع عجزه عنها، فعلى هذه الرواية إذا امتنع أحدهما لم يجبر، فإن أراد شريكه البناء فليس له منعه منه لأن له حقا في الحمل ورسما فلا يجوز منعه منه، وله بناؤه بأنقاضه إن شاء وبناؤه بآلة من عنده، فإن بناه بآلته وأنقاضه فالحائط بينهما على الشركة كما كان لأن المنفعة عليه إنما أنفق على التالف وذلك أثر لا عين يملكها وإن بناه بآلة من عنده فالحائط ملكه خاصة وله منع شريكه من الانتفاع به ووضع خشبه ورسومه عليه لأن الحائط له، وإذا أراد نقضه فإن كان بناه بآلته لم يملك نقضه لأنَّهُ ملكهما فلم يكن له التصرف فيه بما فيه مضرة عليهما، وإن بناه بآلة من عنده فله نقضه لأنَّهُ ملكه خاصة، فإن قال شريكه أنا أدفع إليك نصف قيمة البناء ولا تنقضه لم يجبر لأنَّهُ لما لم يجبر على البناء لم يجبر على الإِبقاء، وإن أراد غير البانى نقضه أو إجبار بانيه على نقضه لم يكن له ذلك على الروايتين جميعًا لأنَّهُ إذا لم يملك منعه من بنائه فلأن لا يملك إجباره على نقضه أولى، فإن كان له على الحائط رسم انتفاع ووضع خشب قال له إما أن تأخذ منى نصف قيمته وتمكننى من انتفاعى ووضع خشبى وإما أن تقلع حائطك لنُعيد البناء بيننا فيلزم الآخَر إجابته لأنَّهُ لا يملك إبطال رسومه وانتفاعه ببنائه وإن لم يرد الانتفاع به فطالبه البانى بالغرامة أو القيمة لم يلزم ذلك لأنَّهُ إذا لم يجبر على البناء فأولى أن لا يجبر على الغرامة إلا أن يكون قد أذن في البناء والإنفاق فيلزمه ما أذن فيه، فأما على الرواية الأولى فمتى امتنع أجبره الحاكم على ذلك فإن لم يفعل أخذ الحاكم من ماله وأنفق عليه وإن لم يكن له مال فأنفق عليه الشريك بإذن الحاكم أو إذن الشريك رجع عليه متى قدر، وإن أراد بناءه لم يملك الشريك منعه، وما أنفق إن تبرع به لم يكن له الرجوع به، وإن نوى الرجوع به فهل له الرجوع بذلك؟ يحتمل وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه، وإن بناه لنفسه بآلته فهو بينهما، وإن بناه بآلة من عنده فهو له خاصة، فإن أراد نقضه فله ذلك إلا أن يدفع إليه شريكه نصف قيمته فلا يكون له نقضه لأنَّهُ إذا أجبر على بنائه فأولى أن يجبر على إبقائه (١). فإن لم يكن بين ملكيهما حائط قديم فطلب أحدهما من الآخَر مباناته حائطا يحجز بين ملكيهما فامتنع لم يجبر عليه رواية واحدة، وإن أراد البناء وحده لم يكن له البناء إلا في ملكه خاصة لأنَّهُ لا يملك التصرف، في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغير ماله فيه رسم وهذا لا رسم له، ولا أعلم في هذا خلافا (٢). فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما طلب أحدهما المباناة من الآخَر فامتنع فهل يجبر الممتنع على ذلك

стр. 8503

على روايتين كالحائط بين البيتين، وللشافعى رضى الله تعالى عنه قولان كالروايتين، وإن انهدمت حيطان السفل فطالبه صاحب العلو بإعادتها فعلى روايتين إحداها: يجبر وهو قول مالك وأبى ثور وأحد قولى الشافعي، فعلى هذه الرواية يجبر على البناء وحده لأنَّهُ ملكه خاصة، والرواية الثانية: لا يجبر، وهو قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الروايتين جميعًا، فإن بناه بآلته فهو على ما كان وإن بناه بآلة من عنده فقدروى عن أحمد رضى الله تعالى عنه لا ينتفع به صاحب السفل، يعنى حتَّى يؤدى القيمة فيحتمل أن لا يسكن - وهو قول أبى حنيفة - لأن البيت إنما يبنى للسكنى فلم يملكه كغيره، ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطاق، ويكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره - وهذا مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه - لأن السكنى إنما هي إقامته في فناء الحيطان من غير تصرف فيها فأشبه الاستظلال بها من خارج، فأما إن طالب صاحب السفل بالبناء وأبى صاحب العلو ففيه روايتان إحداهما: لا يجبر على بنائه ولا مساعدته - وهو قول الشافعي - لأن الحائط ملك صاحب السفل مختص به فلم يجبر غيره على بنائه ولا المساعدة فيه كما لو لم يكن عليه علو. والرواية الثانية: يجبر على مساعدته والبناء معه - وهو قول أبى الدرداء رضى الله تعالى عنه - لأنَّهُ حائط يشتركان في الانتفاع به أشبه الحائط بين الدارين (١). فإن كان بين البيتين حائط لأحدهما فانهدم فطاب أحدهما من الآخَر بناءه أو المساعدة في بنائه فامتنع لم يجبر لأنَّهُ إن كان الممتنع مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به كحائط الآخر، وإن كان الممتنع الآخَر لم يجبر على بناء ملك غيره ولا المساعدة فيه، ولا يلزم على هذا حائط السفل حيث يجبر صاحبه على بنائه مع اختصاصه بملكه لأن الظاهر أن صاحب العلو ملكه مستحق لإِبقائه على حيطان السفل دائما فلزم صاحب السفل تمكينه مما يستحقه وطريقة البناء فلذلك رجب، بخلاف مسألتنا، وإن أراد صاحب الحائط بناءه أو نقضه بعد بنائه لم يكن لجاره منعه لأنَّهُ ملكه خاصة، وإن أراد جاره بناءه أو نقضه أو التصرف فيه لم يملك ذلك لأنَّهُ لا حق له فيه (٢). ومتى هدم أحد الشريكين الحائط المشترك أو السقف الذي بينهما نظرت فإن كان إنما هدمه لأنَّهُ خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شئ على هادمه ويكون كما لو انهدم بنفسه لأنَّهُ فعل الواجب وأزال الضرر الحاصل بسقوطه، وإن هدمه لغير ذلك فعليه إعادته سواء هدمه لحاجة أو غيرها وسواء التزم إعادته أو لم يلتزم لأن الضرر حصل بفعله فلزمه إعادته (٣). فإن كان بينهما نهر أو قناة أو دولاب أو ناعورة أو عين فاحتاج إلى عمارة ففى إجبار الممتنع منهما روايتان، وَحُكِىَ عن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه أنه يجبر هاهنا على الإنفاق لأنَّهُ لا يتمكن شريكه من مقاسمته فيضر به بخلاف الحائط فإنه يمكنهما قسمة العرصة، والأولى التسوية لأن في قسمة العرصة إضرارا بهما والإِنفاق أرفق بهما فكانا سواء، والحكم في الدولاب والناعورة كالحكم في الحائط على ما ذكرناه، وأما البئر والنهر فلكل واحد منهما

стр. 8504

الإنفاق عليه، وإذا أنفق عليه لم يكن له منع الآخَر من نصيب من الماء لأن الماء ينبع من ملكيهما وإنما أثر أحدهما في نقل الطين منه وليس له فيه عين مال فأشبه الحائط إذا بناه بآلته، والحكم في الرجوع بالنفقة كحكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى (١). وإذا كانت بينهما عرصة حائط فاتفقا على قسمها طولا جاز ذلك سواء اتفقا على قسمها طولا أو عرضا لأنها ملكهما ولا تخرج عنهما وإن اختلفا فطلب أحدهما قسمها وهو أن يجعل له نصف الطول في جميع العرض وللآخر مثله فقال أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: يجبر الممتنع على القسمة - وهو مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه - لأن ذلك لا يضر فإذا اقتسما اقترعا فكان لكل واحد منهما ما تخرج به القرعة، فإن كان مبنيا فلا كلام وإن كان غير مبنى كان لكل واحد منهما أن يبنى في نصيبه، وإن أحب أن يدخل بعض عرصته في داره فعل، وإن أحب أن يزيد في حائطه من عرصته فعل ويحتمل أن لا يجبر على القسمة لأنها توجب اختصاص كل واحد منهما ببعض الحائط المقابل لملك شريكه وزوال ملك شريكه فيتضرر لأنَّهُ لا يقدر على حائط يستر ملكه وربما اختار أحدهما أن لا يبنى حائطه فيبقى ملك كل واحد منهما مكشوفا أو يبنيه ويمنع جاره من وضع خشبه عليه وهذا ضرر لا يرد الشرع بالإِجبار عليه، فإن قيل: فإذا كان مشتركا تمكن أيضًا من منع شريكه وضع خشبه عليه؟ فلنا إذا كان له عليه رسم وضع خشبه أو انتفاع به لم يملك منعه من رسمه وهاهنا يملك منعه بالكلية، وأما إن طلب قسمها عرضا وهو أن يجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول نظرنا فإن كانت العرصة لا تتسع لحائطين لم يجبر الممتنع من قسمها واختلفوا واختار ابن عقيل رحمه الله تعالى أنه يجبر وهو ظاهر كلام الشافعي رضى الله تعالى عنه لأنها عرصة فأجبر على قسمها كعرصة الدار، ويدل لنا أن في قسمها ضررا فلم يجبر الممتنع من قسمها عليه كالدار الصغيرة وما ذكروه ينتقض بذلك وإن كانت تتسع لحائطين بحيث يحصل لكل واحد منهما ما يبنى فلِه حائطا ففى إجبار الممتنع وجهان أحدهما: يجبر، قاله أبو الخطاب رحمه الله تعالى لأنَّهُ لا ضرر في القسمة لكون كل واحد منهما يحصل له ما يندفع به حاجته فأشبه عرصة الدار التي يحصل لكل واحد منهما ما يبنى فيه دارا، والوجه الثاني: لا يجبر، ذكره القاضي رحمه الله تعالى لأن هذه القسمة لا تقع فيها قرعة لأننا لو أفرغنا بينهما لم نأمن أن تخرج قرعة كل واحد منهما على ما يلى ملك جاره فلا ينتفع به، فلو أجبرناه على القسمة لأجبرناه على أخذ ما يلى داره من غير قرعة، وهذا لا نظير له، ولأصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم وجهان كهذين. ومتى اقتسما العرصة طولا فبنى كل واحد منهما لنفسه حائطا وبقيت بينهما فرجة لم يجبر أحدهما على سدها ولم يمنع من سدها لأن ذلك يجرى مجرى بناء الحائط في عرصته (٢). وإن كان بينهما حائط فاتفقا على قسمته طولا جاز ويعلم بين نصيبيهما بعلامة، وإن اتفقا على قسمته عرضا فقال أصحابنا يجوز القسمة لأن الحق لهما لا يخرج عنهما فأشبه العرصة ويحتمل أن لا تجوز القسمة لأنها لا تكون إلا بتمييز نصيب أحدهما من الآخَر

стр. 8505

بحيث يمكنه الانتفاع بنصيبه دون نصيب صاحبه، وهاهنا لا يتميز ولا يمكن انتفاع أحدهما بنصيبه منفردا لأنَّهُ إن وضع خشبة على أحد جانبى الحائط كان ثقله على الحائط كله، وإن فتح فيه طاقا يضعفه ضعف كله، وإن وقع بعضه تضرر النصيب الآخر، وإن طلب أحدهما قسمه وأبى الآخَر فذكر القاضي رحمه الله تعالى أن الحكم في الحائط كالحكم في عرصته سواء، ولا يجبر على قسم الحائط إلا أن يطلب أحدهما قسمه طولا، ويحتمل أن لا يجبر على قسمه أيضًا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنهما إن قطعاه بينهما فقد أتلفا جزءا من الحائط، ولا يجبر الممتنع من ذلك كما لو كان بينهما ثوب فطلب أحدهما قطعه، وإن لم يقطع وعلما علامة على نصفه كان انتفاع أحدهما بنصيبه انتفاعا بنصيب الآخَر، ووجه الأول أنه يجبر على قسم الدار وقسم حائطها المحيط بها وكذلك قسم البستان وحائطه ولا يجبر على القطع المضر بل يعلمه بخط بين نصيبهما ولا يلزم من ذلك انتفاع أحدهما بنصيب الآخَر وأن اتصل به بدليل الحائط المتصل في دارين (١). مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن القسمة جائزة في كل حق مشترك إذا أمكن وعلى حسب ما يمكن، ويجبر الممتنع منهما عليها ويوكل للصغير والمجنون والغائب من يعزل له حقه لما ذكرنا من أمر رسول الله ﷺ أن يعطى كل ذى حق حقه، فوجب أن ينفذ ذلك ويقضى به لكل من طلب حقه (٢). ولا يجوز أن يجبر أحد من الشركاء على بيع حصته مع شريكه أو شركائه ولا على تقاومهما الشئ الذي هما فيه شريكان أصلا كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم من الحيوان لكن يجبران على القسمة إن دعا إليها أحدهما أو أحدهم أو تقسم المنافع بينهما إن كان لا تمكن القسمة، ومن دعا إلى البيع قيل له: إن شئت فبع حصتك وإن شئت فأمسك وكذلك شريكك إلا أن يكون في ذلك إضاعة للمال بلا شئ من النفع فيباع حينئذ لواحد كان أو لشريكين فصاعدا إلا أن يكونا اشتركا لتجارة فيجبر على البيع هاهنا خاصة من أباه، برهان ذلك قول الله : "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (٣) وقال رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" فصح بهذا أنه لا يحل أن يخرج مال أحد عن ملكه بغير تراض منه والإِجبار على البيع إخراج للمال عن صاحبه إلى من هو حرام عليه بنص القرآن الكريم والسنة النبوية وهذا ظلم لا شكَّ فيه، فإن قيل: إن في ترك أحدهما البيع ضررا بانتقاص قيمة حصة الآخَر قلنا: لا ضرر في ذلك بل الضرر كله هو أن يجبر المرء على إخراج ملكه عن يده فهذا الضرر هو المحرم لا ضرر إنسان بأن إلا ينفذ له هواه في مال شريكه، وقد وافقنا المخالفون هاهنا على أن من له قطعة أرض أو دار صغيرة إلى جنب أرض أو دار لغيره لو بيعتا معا لتضاعفت القيمة لهما وإن بيعتا متفرقتين نقصت القيمة أنه لا يجبر أحد على ذلك إن أباه

стр. 8506

فمن أين وقع لهم هذا الحكم في المشترك من الأموال دون المقسوم منها؟ وقولهم هاهنا عار من الأدلة كلها وظلم الاخفاء به (١). ومن كانت بينهما سلع مشتركة ابتاعاها للبيع فأراد أحدهما البيع أجبر شريكه على البيع لأنهما على ذلك تعاقدا الشركة فإن لم تكن للبيع لم يجبر على البيع من لا يريده لأنَّهُ لم يوجب ذلك نص، ومن كانت بينهما دابة أو عبد أو حيوان أجبرا على النفقة وعلى ما فيه صلاح كل ذلك ومن كانت بينهما أرض لم يجبر من لا يريد عمارتها على عمارها لكن يقتسمانها ويعمر من شاء حصته لقول النَّبيّ ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أو ليمسك أرضه" ومن كانت بينهما دار أو رحى أو مال ينقسم أجبرا على الاصلاح لنهى النَّبيّ ﷺ عن إضاعة المال ولكل أوامره حقها من الطاعة لا يحل ضرب بعضها ببعض وبيع الشريك فيما اشتركا فيه للبيع جائز على شريكه وابتياعه كذلك لأنهما على ذلك تعاقدا فكل واحد منهما وكيل للآخر، فإن تعدى ما أمره به فباع بوضيعة أو إلى أجل أو اشترى عيبا فعليه ضمان كل ذلك لأنه لم يوكله بشئ من ذلك فلا يجوز له في مال غيره إلا ما أباحه له، ولا يجوز إقرار أحدهما على الآخَر في غير ما وكله به من بيع أو ابتياع لقول الله : "ولا تكسب كل نفس إلا عليها" (٢)، وكل واحد منهما إذا أراد الانفصال فله ذلك، ولا تحل الشركة إلى أجل مسمى لأنَّهُ شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل (٣). مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار وحواشيه أن الممتنع من القسمة يجبر عليها بشرطين أحدهما: توفية النصيب من الجنس المقسوم فلا يعطى في توفية نصيبه من الأرض دراهم بل يوفى من الأرض وكذلك ما أشبهه إلا فيما كان الطريق إلى قسمته المهايأة كالثوب والحيوان ونحوهما مما لا يمكن توفية النصيب من جنسه فيجبر الممتنع من توفية من غير الجنس. والشرط الثاني من شرطى إجبار الممتنع من القسمة أن لا تقسم قسمة تتبعها قسمة، يعنى أنه لا يجبر الممتنع على قسمة تتبعها قسمة بأن يكونوا ثلاثة شركاء وأنصباؤهم نصف وثلث وسدس فيقتسمون أسداسا للأول ثلاثة أسداس وللثانى سدسين وللثالث سدس، فإذا قسمت أسداسا أجبر الممتنع لأنها لا تتبعها قسمة في ذلك فإن قسمها نصفين أسدادا للأول ثلاثة أسداس وللثانى سدسان وللثالث سدس، فإذا قسمت أسداسا أجبر الممتنع لأنها لا تتبعها قسمة في ذلك فإن قسمها نصفين لم يجبر رب الثلث والسدس لأنَّهُ يتبع نصيبهما قسمة فيما بينهما وكذلك ما أشبه ذلك (٤). مذهب الإِمامية: جاء فى الروضة البهية أن الشريك يجبر على القسمة لو التمس شريكه القسمة ولا ضرر ولا رد - والمراد بالضرر نقص قيمة الشقص بها عنه منضما نقصا فاحشا على ما اختاره صاحب اللمعة الدمشقية في الدروس، وقيل: مطلق نقص القيمة، وقيل: عدم الانتفاع به

стр. 8507

منفردا، وقيل عدمه على الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة، والأجود الأول - ولو تضمنت ردا أي دفع عوض خارج عن المال المشترك من أحد الجانبين لم يجبر الممتنع منهما لاستلزامه المعاوضة على جزء من مقابله صوريا أو معنويا وهو غير لازم، وكذا لا يجبر الممتنع لو كان فيها ضرر، كالجواهر والعضائد الضيقة والسيف، والضرر في هذه المذكورات يمكن اعتباره بجميع المعانى. عدا الثالث في السيف فإنه ينتفع بقسمته غالبًا في غيره مع نقص فاحش. فلو طالب أحد الشريكين المهايأة وهى قسمة المنفعة بالأجزاء أو بالزمان جاز، ولم يجب إجابته، سواء كان مما يصح قسمته إجبارا أو لا، وعلى تقدير الإجابة لا يلزم الوفاء بها، بل يجوز لكل منهما فسخها، فلو استوفى في أحدهما نفسخ الآخَر أو هو كان عليه أجرة حصة الشريك (١). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أن الشركاء يتجابرون على القسمة إن طلبت وأمكنت بلا فساد، ولا إجبار على قسمة ما لا تمكن فيه إلا بفساده، وقيل في جميع ما اشترك يجبر الشركاء على ما يفصل بينهم ولو لم تمكن القسمة أو اختلف الجنس لأن القسمة تمكن إما في العين أو بالمنافع أو بالبيع. ومذهب جمهور الأمة على أنه لا جبر في قسمة المنافع، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه بالجبر عليها، قال أبو زكريا رحمه الله تعالى: من استمسك برجل على قسمة الأصل فلا يسترد وله الجواب حتَّى يذكر أنهما اشتركا في ذلك بالهبة أو غير ذلك ولا يلزمه ذكر البائع أو الواهب أو نحو ذلك إلا أن اشتركا بالإِرث فلا يسترد حتَّى يقول اشتركناه بالإِرث عن فلان، وإن أقر المدعى عليه جبره الحاكم على القسمة بالحبس إن أبى ولا يجبر الحاكم العقيدين على القسمة فيما بينهما. والذي عندى أنه يجبرهما لأنَّهُ إن أراد أحدهما القسمة ومنع منها كان ضررا عليه والضرر لا يحل، ووجه عدم الجبر أن العقيدين كالإنسان الواحد في كل ما يتعلق بالمال، والقسمة إنما هي بين اثنين، وإذا قسما شيئًا أو حدث لأحدهما مال فليسا عقيدين فحينئذ يجبران ويؤخذ الأب على قسمة مال ابنه الطفل أو المجنون من طفوليته وقيل ولو جن بعد البلوغ، وعلى الأول تتخلف العشيرة أو القاضي أو نحوه لمن جن بعده ويجبر خليفة الغائب واليتيم ونحوهما على ما حدث بعد الاستخلاف، قال أبو زكريا رحمه الله تعالى: يجبر خليفة الغائب واليتيم فيما ورثه الغائب بعد غيبته، ولا يجبر على قسمة مال قوم اختلط بنحو سيل أو ريح من الحب والسوالع وغيرها من غير شركة عقدوها، وعلى الحاكم أن يحكم بقسم الأموال إذا طلبه الشركاء إليه وليس عليه أن يتولاه بينهم، وجاز له حبس ممتنع منه بعد أن طلب حتى يفعله، ولا يجبر الحاكم قاسما يقسمه بين الشركاء وإن لم يكن للشريك قائما بالعدل ينصف له وقد أبى شريكه أخذ سهمه بالكيل أو الوزن مما يكال أو يوزن أو بالعدد مما يعد وترك سهم شريكه ولا يضمنه ولو تركه في فلاة بعد أن يحتج عليه برجل إن حضر وإن غاب فبرجلين، وقيل يجوز بواحد، فإن كان المشترك عبدا أو أمة أو دابة أو آلة خدمة استعمله منابه وإن كان منزلا سكنه أو أكرى ذلك وأخذ منابه من الكراء وحفظ سهم شريكه

стр. 8508

ولا نحب إلا أن يحفظه (١). وإذا أبى الشركاء من قسمة الأرض حرثها من أراد القسمة ببذرهم فيأخذوا مقداره وما صرفوا من المؤنة ثم حصصهم. والمشترك منه ما يقسم جبرا وصلحا كالأرض والسدر والبستان ونحوها، ومنه ما لا يصح فيه القسم كاللؤلؤة والجوهرة، ومنه ما يقسم صلحا لا جبرا كالبناء المنفرد والسفينة، فإذا كان عبدا أو دارا بين الشركاء وكل يريد استخدامه أو سكنها أولًا قيل يجبرون على الاقتراع، وقيل يجبرون على بيعه، ولا تكون القسمة فيما لرجل واحد من جميع الوجوه مثل من علق ماله في يد رجل بالرهن أو بالوصية فكان الفضل فيه عن حقه الذي كان في يده فلا يدرك عليه أن يقتسم مع من له ذلك المال حتَّى يستوفى ما رهن وينفذ ما كان فيه من وصية (٢). وإن اقتسما دارا على أن يبنيا بينهما حائطا ولو في سهم أحدهما جازت، فمن أبى من البناء أجبر عليه لئلا يرى كل منهما ما بدار صاحبه فيطيلان البناء حتَّى لا يرى ذلك كما يفيده التعليل وإن اتفقا على أن يبنيا أقل من ذلك أو أكثر جاز ألا ترى أنهما لو لم يتفقا على البناء لم يدركه أحدهما على الآخَر فيستتر كل منهما في داخل بيوته وذلك بحسب العادة، فلو اعتيد البناء في بلد لزم البناء ولو لم يشترطاه كما في بلادنا هذه، وفى الأثر يبنى بينهما قدر القامة الوسطى وجدا ذلك أو لم يجداه قبل، وإن شرط أحدهما على الآخَر أن يبنى بينهما وحده في قسط من المقسوم جاز. وإن لم يذكرا بناء بينهما لم يبن كل منهما بينه وبين صاحبه إلا باتفاقهما، وإن بدآ في البنيان على غير شرط كان في القسمة فبدا لأحدهما قبل أن يتماه فلا يدرك عليه شريكه إتمامه في الحكم (٣). وإن انهدم حائط دار من ناحية أحدهما وحده لا مما يلى الآخَر وهو حائط يلى الطريق أو الصحراء وليس بينهما بعد القسمة أجبر على بنائه لسد ضرر السرقة والدواب والعيون وغير ذلك كالماء، ويبنيه وحده إلا ان قسماها أولًا على أن يبنيا بينهما حائطا أو أن يبنيه أحدهما فانهدم من ناحية أحدهما وذلك الحائط الذي ليس بينهما أجبر على بناء ما بينهما إن كان لم يبن، وذلك أنهما يبنيان معا، فإن أبى الذي انهدم الحائط الآخر من جهته أن يبنى مع المقتسم ما بينهما أجبر، وإن كانت القسمة على أن يبنى وحده أجبر على البناء وحده، وكذا إن أبى المقتسم حيث لزمهما، وإن كان حين انهدم من ناحية أحدهما ما بينهما مبنيا لا يتضرر بانهدام ما هو من جهة الآخَر فلا يجبر على بنائه، وإن انهدم من جهة أحدهما ولا يتضرر المقاسم الآخَر لم يجبر على بنائه، وكذا إن انكسر فدان من ناحيته بعد القسمة أجبر على بنائه وحده إن كان في انكساره ضرر على الآخر من ذهاب الماء أو دخول السارق أو الدابة أو نحو ذلك إلا إن قسما على أن يبنيا معا كل ما انكسر ولو من جهه غيره فيبنيان معا أو قسما على عمل جسر بينهما تجابرا على عمل الجسر دون غيره مما انكسر من جانب أحدهما، وإن قسما على أن يبنيه أحدهما فقط في قسط فعلى شرطهما (٤). ولو دعا شخص شريكه إلى حاكم في قسمة أصل بينهما بنحو إرث أو هبة أو شراء فإن أقر بالشركة وجهة الاشتراك أجبر على القسمة بالحبس إن أبى كما قال أبو زكرياء رحمه

стр. 8509

الله تعالى إذا أمكنت، وإن أقر بالشركة وأنكر الجهة فلا يجبرهما حتَّى يبنيها مثل أن يقول اشتركنا بالهبة ويقول الآخَر ليس بها أو يقول بل بكذا (١). وإن طلب من حاكم إغلاق بيوت أو دور تركها مورثهم جاز له ذلك الطلب فيغلقها الحاكم إن صحت للموروث، وكذا كل ما ترك موروثهم يعطل إن أراد أحدهم تعطيله إذا أبى غيره القسمة وقد أمكنت وسجن آبيا من القسمة حتَّى ينعم بالقسمة، ثم إن خاف تعطيلا طلب إليه محيلا، ولا يرفع غير الآبى يده من المشترك بترك القسمة بأن يقول إنه امتنع فأنا أمضى في سبيلى حيث شئت كالسفر لا يجد ذلك بل يبقى على إرادة القسمة والتهيؤ لها حتَّى ينعم بها ذلك الذي أباها سواء سجن أو لم يسجن إن جعلوا في المشترك أيديهم بأن تهيأوا لقسمته وكذا إن لم يتهيأوا لكن اقتصر على الأول لأنَّهُ الذي يتوهمون التوسع حيث تهيأوا فلم يجدوا من الممتنع إجابة، ويحتمل أنه يريد أنه لا يرفع غيره يده من القسمة إن أثبتوا أيديهم فيه وبقوا على دعوى ملكه ولم ينفوا أنفسهم منه وأولى من ذلك كله أن يكون المراد أنهم يبقون على الانتفاع من ذلك المشترك إذا كانوا ينتفعون منه قبل إبائه وإن قيل له اخرج منه نقسم وإذا سجن الآبى لم يجز لغيره السفر لأن سفره نقض لحكم الحاكم بالسجن وإن لم يسجن وأبى وأراد ثان أن يسافر وهو مذعن لم يجد السفر إن أبى الثالث (٢). حكم الامتناع من تسليم المرهون مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أن وقت وجوب تسليم المرهون إلى الراهن هو ما بعد قضاء الدين، يقضى الدين أولًا ثم يسلم الرهن لأن الرهن وثيقة، وفى تقديم تسليمه إبطال الوثيقة، ولأنه لو سلم الرهن أولًا فمن الجائز أن يموت الراهن قبل قضاء الدين فيصير المرتهن كواحد من الغرماء فيبطل حقه فلزم تقديم قضاء الدين على تسليم الرهن إلا أن المرتهن إذا طلب الدين يؤمر بإحضار الرهن أولًا ويقال له أحضر الرهن إذا كان قادرا على الإحضار من غير ضرر زائد، ثم يخاطب الراهن بقضاء الدين لأنَّهُ لو خوطب بقضائه من غير إحضار الرهن ومن الجائز أن الرهن قد هلك وصار المرتهن مستوفيا دينه من الرهن فيؤدى إلى الاستيفاء مرتين. وكذلك المشترى يؤمر بتسليم الثمن أولًا إذا كان دينا ثم يؤمر البائع بتسليم المبيع، إلا أن البائع إذا طالبه بتسليم الثمن يقال له أحضر المبيع لجواز أن المبيع قد هلك وسواء كان عين الرهن قائما في يد المرتهن أو كان في يده بدله بعد أن كان البدل من خلاف جنس الدين، نحو ما إذا كان المرتهن مسلطا على بيع الرهن فباعه بخلاف جنس الدين أو قتل الرهن خطأ وقضى بالدية من خلاف جنس الدين فطالبه المرتهن بدينه كان للراهن أن لا يدفع حتَّى يحضره المرتهن؛ لأن البدل قائم مقام المبدل فكان المبدل قائم، ولو كان قائما كان له أن يمنع ما لم يحضره المرتهن، فكذلك إذا قام البدل مقامه، ولو كان الرهن على يدى عدل وجعلا للعدل أن يضعة عند من أحب وقد وضعه

стр. 8510

عند رجل فطلب المرتهن دينه أجبر الراهن على قضاء الدين ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن لأن قضاء الدين واجب على الراهن على سبيل التضييق إلا أنه رخص له التأخير إلى غاية إحضار الدين عند القدرة على الإحضار وهنا لا قدرة للمرتهن على إحضاره لأن للعدل أن يمنعه عنه، ولو أخذه من يده جبرا كان غاصبا، وإذا سقط التكليف بالإحضار زالت الرخصة فيخاطب بقضاء الدين، وكذلك إذا وضعا الرهن على يد عدل فغاب العدل بالرهن ولا يدرى أين هو لا يكلف المرتهن بإحضار الرهن ويجبر الراهن على قضاء الدين لما ذكرناه ولو كان الرهن في يد المرتهن فالتقيا في بلد آخر فطالب المرتهن الراهن بقضاء دينه، فإن كان الدين مما له حمل ومؤنة يجبر الراهن على قضاء الدين ولا يجبر المرتهن على إحضار الرهن لما ذكرنا من أن قضاء الدين واجب عليه على سبيل التضييق والتأخير إلى وقت الإحضار للضرورة التي ذكرناها عند القدرة على الإحضار من غير ضرر زائد، والمرتهن هنا لا يقدر على الإِحضار إلا بالمسافرة بالرهن أو بنقله من مكان العقد وفيه ضرر بالمرتهن فسقط التكليف بالإِحضار. ولو ادعى الراهن هلاك الرهن فقال المرتهن لم يهلك. فالقول قول المرتهن مع يمينه لأن الرهن كان قائما والأصل في الثابت بقاؤه فالمرتهن يستصحب حالة القيام والراهن يدعى زوال تلك الحالة، والقول قول من يدعى الأصل لأن الظاهر شاهد له ولأن الراهن بدعوى الهلاك يدعى على المرتهن استيفاء الدين وهو منكر فكان القول قوله مع يمينه ويحلف على البتات لأنَّهُ يحلف على فعل نفسه وهو القبض السابق لأن المرتهن لا يصير مستوفيا بالهلاك لأنَّهُ لا صنع له فيه بل بالقبض السابق وذلك فعله بخلاف ما إذا كان الرهن عند عدل. فغاب بالرهن فاختلف الراهن والمرتهن في هلاك الرهن أن هناك يحلف المرتهن على العلم لا على البتات لأن ذلك تحليف على فعل غيره وهو قبض العدل فتعذر التحليف على البتات فيحلف على العلم كما لو أدعى الراهن أنه أوفى الدين وكيل المرتهن والمرتهن ينكر، أنه يحلف على العلم لما ذكرنا، كذا هذا، وإن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة فالقياس أنه يجبر على قضاء الدين، وفى الاستحسان لا يجبر ما لم يحضر المرتهن الرهن لأنَّهُ ليس في إحضاره ضرر زائد (وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات)، ولو اشترى شيئا ولم يقبضه ولم يسلم الثمن حتَّى لقيه البائع في غير مصره الذي وقع البيع فيه فطالبه بالثمن وأبى المشترى حتَّى يحضر المبيع لا يجبر المشترى على تسليم الثمن حتَّى يحضر البائع المبيع سواء كان له حمل ومؤنة أو لم يكن، فرق بين البيع والرهن، ووجه الفرق أن البيع معاوضة مطلقة والمساواة في المعاوضات المطلقة مطلوبة عادة وشريعة، ولا تتحقق المساواة من غير إحضار المبيع بخلاف الرهن لأنَّهُ ليس بمعاوضة مطلقة، وإن كان فيه معنى المعاوضة فلا يلزم اعتبار المساواة بين المرهون والمرهون به وهو الدين في هذا الحكم (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإِكليل نقلا عن المدونة أن الشخص إن باع من رجل سلعة على أن يرهنه عبده ميمونا بحقه ففارقه المشترى قبل أن يقبض
следующие страницы →