عليك، واحذرى العقوبة، ويبين لها ما يترتب على ذلك من عذاب الله تعالى في الآخرة، وسقوط النفقة والقسم في الدنيا، ثم حول ظهره إليها في المضجع - بكسر الجيم - إن لم ينجح الوعظ، ثم اعتزلها ناحية في غير فراشها، ولا يجوز ضربها إن رجا رجوعها بدونه، فإذا امتنعت من طاعته فيما يجب له ولم ينجح ذلك كله ضربها مقتصرا على ما يؤمل به رجوعها، فلا تجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به، وإلا تدرج إلى الأقوى فالأقوى ما لم يكن الضرب مدميا ولا مبرحا أي شديدا كثيرا لقول الله : "واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" (١) والمراد فعظوهن إذا وجدتم أمارات النشوز، واهجروهن إن نشزن، واضربوهن أن أصررن عليه، وأفهم قوله تعالى: "في المضاجع" أنه لا يهجرها في الكلام، وهذا فيما زاد عن ثلاثة أيام لقول النبى ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه في الكلام فوق ثلاث" وجوز في الثلاثة إن رجا به رجوعها، ولو حصل بالضرب تلف أو إدماء ضمن. ولو نشز الزوج بمنع حقوقها الواجبة عليه من قسم ونفقة فلها المطالبة بها وللحاكم إلزامه بها فإن أساء خلقه وأذاها بضرب وغيره بلا سبب صحيح نهاه عن ذلك، فإن عاد إليه عذره بما يراه، وإن قال كل منهما أن صاحبه متعد تعرف الحاكم الحال بثقة في جوارهما يختبرهما ومنع الظالم منهما، ولو تركت الزوجة بعض حقوقها الواجبة لها عليه من قسمة ونفقة استمالة له حل له قبوله، وليس له منع بعض حقوقها لتبذل له ما لا ليخلعها، فإن فعل فبذلت أثم وصح قبوله ولم يكن إكراها، نعم لو قهرها عليه بخصوصه لم يحل (٢). وجاء في شرائع الإِسلام أنه لو ظهر من الزوجة الامتناع عن طاعة الزوج فيما يجب له جاز ضربها ولو بأول مرة، ويقتصر على ما يؤمل معه رجوعها (٣).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أن الزوجة تمنع الزوج من وطئها والاستمتاع بها ولو في غير الفرج أو باليد ولو أمة أو طفلة إلا إن أباح سيد الأمة. وذلك إذا أصدقها عاجلا وآجلا - سواء كان الأجل معينا مخصوصا وغير مخصوص أو كان غير معين - حتى يعطيها العاجل، وإن لم يمسها حتى حل الآجل جاز منعها له حتى يؤديهما لأن الأجل صار بحلوله كالعاجل، فلو لم يمسها حتى تزوج عليها أو تسرى أو راجع فلها منعه حتى يؤدى الاجل كما إذا أجل إلى مدة مخصوصة أو شئ مخصوص معين أو غير معين ولم يمس حتى حل الأجل فإن لها منعه حتى يؤديه، وإن مسها قهرا أو في نوم أو طفلة أو مجنونة أو أمة لم تمنعه بعد، وقيل تمنعه، وللولى منع طفلة أو مجنونة وللسيد منع أمة حتى يؤدى وللمرأة وولى الطفله والمجنونة وسيد الأمة منع الزوج الطفل والمجنون والعبد حتى يؤدى الولى والسيد. وأن أجل بوقت نحو عام أو شهر أو أطلق الأجل بحيث يحكم عليه به عند الفرقة أو النكاح أو التسرى فمسها فخرجت محرمته أو محرمة منه بوجه ما حل بذلك وانكشف الغيب أنها قد استحقته حين المس ولا يلزم الانتظار به
стр. 8437
إلى تمام الأجل لأن العقد غير صحيح فالأجل باطل غير منعقد لأنه أسند على غير صحيح، والصداق هنا إنما استحقته بالمس لا بالعقد (١).
حكم الامتناع عن اللعان
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أن المرأة التي قذفها زوجها إذا طالبته باللعان أجبره الحاكم عليه، ولو امتنع يحبس لامتناعه عن الواجب عليه كالممتنع من قضاء الدين، فيحبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه، وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه ليس لها ولاية المطالبة باللعان ولا يجبر عليه ولا يحبس إذا امتنع، بل يقام عليه الحد. وكذا إذا التعن الرجل تجبر المرأة على اللعان، ولو امتنعت تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا، وعند الشافعي لا تجبر ولا تحبس، بل يقام عليها الحد؛ لقول الله : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" (٢) فقد أوجب الجلد على القاذف من غير فصل بين الزوج وغيره، إلا أن القاذف إذا كان زوجا فله أن يدفع الحد عن نفسه بالبينة إن كانت له بينة وإن لم تكن له بينة يدفعه باللعان فكان اللعان مخلصا له من الحد. وقوله تعالى: "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله" (٣) جعل لعانها دفعا لحد الزنا عنها، إذ الدرء هو الدفع لغة؛ فدل على أن الحد وجب عليها بلعانه، ثم تدفعه بلعانها، ولأن بلعانه يظهر صدقه في القذف لأن الظاهر أنه لا يلاعن إلا وأن يكون صادقا في قذفه فيجب عليها الحد إلا أن لها أن تخلص نفسها عنه باللعان لأنها إذا لاعنت وقع التعارض فلا يظهر صدق الزوج في القذف فلا يقام عليها الحد. ويدل لنا قول الله : "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله" (٤) أي فليشهد أحدهم أربع شهادات بالله، فقد جعل موجب قذف الزوجات اللعان، فمن أوجب الحد فقد خالف النص، ولأن الحد إنما يجب لظهور كذبه في القذف، وبالامتناع من اللعان لا يظهر كذبه إذ ليس كل من امتنع من الشهادة أو اليمين يظهر كذبه فيه، بل يحتمل أنه امتنع منه صونا لنفسه عن اللعن والغضب، والحد لا يجب مع الشبهة، فكيف يجب مع الاحتمال، ولأن الاحتمال من اليمين بدل وإباحة، والإِباحة لا تجرى في الحدود، فإن من أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لا يجوز له أن يقيم. وأما آية القذف فقد قيل إن موجب القذف في الابتداء كان هو الحد في الأجنبيات والزوجات جميعا، ثم نسخ في الزوجات وجعل موجب قذفهن اللعان بآية اللعان، والدليل عليه ما روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه أنه قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة فجاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم به جلدتموه، وإن أمسك أمسك على
стр. 8438
غيظ، ثم جعل يقول: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان. دل قوله: وإن تكلم به جلدتموه على أن موجب قذف الزوجة كان الحد قبل نزول آية اللعان، ثم نسخ في الزوجات بآية اللعان، فينسخ الخاص المتأخر العام المتقدم بقدره هكذا. هذا هو مذهب عامة مشايخنا رضى الله تعالى عنهم. وعند الشافعي رضى الله تعالى عنه يبنى العام على الخاص، ويتبين أن المراد من العام ما وراء قدر الخاص سواء كان الخاص سابقا أو لاحقا، وسواء علم التاريخ فبينهما زمان يصلح للنسخ أو لا يصلح، أو جهل التاريخ بينهما فلم تكن الزوجات داخلات تحت آية القذف على قوله، فكيف يصح احتجاجه بها. وأما قوله تعالى "ويدرأ عنها العذاب" فلا حجة له فيه؛ لأن دفع العذاب يقتضى توجه العذاب لا وجوبه لأنه حينئذ يكون رفعا لا دفعا، على أنه يحتمل أن يكون المراد من العذاب هو الحبس إذ الحبس يسمى عذابا، قال الله في قصة الهدهد: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (١) قيل في تفسير ذلك: لأحبسنه، وهذا لأن العذاب ينبئ عن معنى المنع في اللغة، يقال: أعذب أي منع، وأعذب أي امتنع، يستعمل لازما ومتعديا، ومعنى المنع يوجد في الحبس، وهذا هو مذهبنا أنها إذا امتنعت من اللعان تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا فيدرأ عنها العذاب وهو الحبس باللعان، فإذن قلنا بموجب الآية الكريمة (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن الزوج إذا رمى زوجته بالزنى غصبا بأن قال زنت مغصوبة تلاعنا مطلقا صدقته أو كذبته، فإن نكلت رجمت. قال محمد بن المواز رحمه الله تعالى وقبله التونسى، وصوب اللخمى أنه إذا رماها بغصب أو شبهة فلا لعان عليها وإنما يلتعن الزوج لنفى الولد عنه ولا نعلم لرجمها وجها إذا لم تلتعن لأن الزوج لم يثبت عليها بلعانه زنا وإنما أثبت عليها غصبا فلا لعان عليها كما لو أثبتت البينة الغصب (٣). وإن ثبت الغصب أو ظهر بقرينة كمستغيثة عند النازلة التعن الزوج فقط دونها، فإن نكل لم يحد. وكذا يلتعن الزوج فقط إذا كانت الزوجة صغيرة عن سن من تحمل وهى مطيقة للوطء. قإن يلاعن دونها وتبقى زوجه ووقفت فإن ظهر بها حمل لم يلحق به ولا عنت وفرق بينهما، فإن نكلت حدث حد البكر. وإن شهد الزوج مع ثلاثة بزنا زوجته التعن الزوج ثم التعنت بعد وفرق بينهما وحد الثلاثة لعدم الاعتداد بشهادة الزوج، لا إن نكلت عن اللعان فلا حد علمهم لأنه قد حقق عليها ما شهدوا به بسبب نكولها، وتحد هي حد الزنا وتبقى زوجة إن جلدت وعلى حكم الزوجية إن رجمت، وأما إن نكلا أو نكل الزوج حد الأربعة لأن نكول الزوج كرجوع أحد شهود الزنا كبل الحكم فيوجب حد الأربعة وحدت الزوجة أيضا في الأولى (٤).
стр. 8439
مذهب الشافعية:
جاء في المهذب أن الزوج إذا قذف امرأته وامتنع من اللعان فضرب بعض الحد، ثم قال أنا ألا عن سمع اللعان وسقط ما بقى من الحد، وكذلك إذا نكلت المرأة عن اللعان فضربت بعض الحد ثم قالت أنا ألاعن سمع اللعان وسقط بقية الحد لأن ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة (١). وجاء في مغنى المحتاج أنه لو امتنع أحد الزوجين من اللعان ثم طلبه مكن منه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى أن الزوج إذا قذف زوجته المحصنة وامتنع من اللعان لزمه الحد وحكم بفسقه ورد شهادته - وبهذا قال مالك والشافعى - وقال أبو حنيفة يجب اللعان دون الحد، فإن أبى حبس حتى يلاعن لأن الله تعالى قال: "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات" الآيات، فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان. ويدل لنا قول الله : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون" (٣) وهذا عام في الزوج وغيره، وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه، مقام الشهادة في نفس الحد والفسق ورد الشهادة عنه. وأيضا قول النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" وقوله لما لاعن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه فلزمه إذ لم يأت بالبينة المشروعة كالأجنبى (٤). وإذا لاعن الزوج وامتنعت هي من الملاعنة فلا حد عليها - وبه قال الحسن والأوزاعى وأصحاب الرأى رضى الله تعالى عنهم - وذهب مكحول والشعبى ومالك والشافعى وغيرهم رضى الله تعالى عنهم إلى أن عليها الحد لقول الله تعالى "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله" (٥)، والعذاب الذي يدرؤه لعانها هو الحد المذكور في قوله : "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" (٦) ولأنه بلعانه حقق زناها فوجب عليها الحد كما لو شهد عليها أربعة. ويدل لنا أنه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد كما لو لم يلاعن. ودليل ذلك أن تحقيق زناها لا يخلو إما أن يكون بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما لا يجوز أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو ثبت زناها به لما سمع لعانها ولا وجب الحد على قاذفها ولأنه إما يمين وإما شهادة وكلاهما لا يثبت له الحق على غيره ولا يجوز أن يثبت بنكولها لأن الحد لا يثبت بالنكول فإنه يدرأ بالشبهات فلا يثبت بها وذلك
стр. 8440
لأن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة على لسانها أو غير ذلك فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود واعتبر في حقهم أن يصفوا صورة الفعل وإن يصرحوا بلفظه وغير ذلك مبالغة في نفى الشبهات عنه وتوسلا إلى إسقاطه ولا يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شئ من الحدود ولا العقوبات ولا ما عدا الأموال، مع أن الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يرى القضاء بالنكول في شئ فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا، ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى. ولا يجوز أن يقضى فيه بهما لأن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق، ولأن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا ينتفى بضم أحدهما إلى الآخر، فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وعجزها عن النطق باللعان في مجمع الناس لا يزول بلعان الزوج، والعذاب يجوز أن يكون الحبس أو غيره فلا يتعين في الحد، وإن احتمل أن يكون هو المراد فلا يثبت الحد بالاحتمال وقد يرجح ما ذكرناه بقول عمر رضى الله تعالى عنه: إن الحد على من زنا وقد أحصن إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف فذكر موجبات الحد ولم يذكر اللعان. واختلفت الرواية فيما يصنع بها؛ فردى أنها تحبس حى تلتعن أو تقر أربعا، قال أحمد رضى الله تعالى عنه: فإن أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان؟ ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا لأن الفراش قائم حتى تلتعن والولد للفراش. قال القاضي رحمه الله تعالى: هذه الرواية أصح، وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد عليها وذلك لقول الله تعالى: "ويدرأ عنها أن تشهد أربع شهادات بالله" فيدل على أنها إذا لم تشهد لا يندرئ عنها العذاب. والرواية الثانية: يخلى سبيلها وهو قول أبى بكر رحمه الله تعالى لأنه لم يجب عليها الحد، فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة، فأما الزوجية فلا تزول والولد لا ينتفى ما لم يتم اللعان بينهما في قول عامة أهل العلم إلا الشافعي رضى الله تعالى عنه، فإنه قضى بالفرقة ونفى الولد بمجرد لعان الرجل (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أن من قذف امرأته بالزنا - هكذا مطلقا أو بإنسان سماه - طولب بالبينة، فإن أتى ببينه عدول بذلك أقيم عليها الحد، وإن لم يأت بالبينة قيل له التعن، فإذا التعن سقط عنه الحد لها وللذى رماها به، فإن لم يلتعن حد حد القذف. وإذا التعن ديل لها إن التعنت وإلا حددت حد الزنا، فإذا التعنت برئت من الحد وانفسخ نكاحها منه وحرمت عليه أبد الآبد لا تحل له أصلا لا بعد الزواج ولا قبله. وأما ما لم يتم هو اللعان أو تتمه هي فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان توارثا. وذلك لقول رسول الله ﷺ في حديث اللعان: "البينة أو حد في ظهرك" (٢).
стр. 8441
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أن الزوج إذا نكل عن أيمانه أو عن بعضها حد للقذف لقول الله : "فاجلدوهم" (١)، وإذا نكلت حدت للزنا إذ أيمان الزوج كالشهود؛ لقول الله : "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله" (٢) الآية. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بل يحبس الناكل حتى يلاعن إذ هو الواجب فقط بقذف الزوج لقول الله : "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله" (٣) قلنا: قال النبي ﷺ لهلال بن أمية: "البينة أو الجلد". فلم يتعين اللعان. قالوا النكول دائم مقام غيره وهو الإِقرار فلا يثبت به الجلد كالادعاء قلنا يثبت بالقذف مشروطا بالنكول كالرجم بشرط الإحصان. قالوا: لو لزمها بأيمانه لم يسقط بعد وجوبه، قلنا: يثبت بالقذف مشروطا بالنكول كالرجم بشرط الإِحصان. قالوا: لو لزمها بأيمانه لم يسقط بعد وجوبه. قلنا: يسقط لقول الله : "ويدرأ عنها العذاب" قالت القاسمية والإمام يحيى ﵇: ويحد لنكوله مرة كما لو أقر، وتحد هي لنكولها أربعا كما لو أقرت. وقال المؤيد بالله ﵇: بل الحد مرة فيهما كالإقرار (٤).
مذهب الإِمامية:
جاء في شرائع الإِسلام أن القذف يتعلق به وجوب الحد في حق الرجل، فإذا لاعن سقط الحد في حقه ووجب في حق المرأة، ولو أكذب نفسه أو نكل ثبت عليه الحد (٥). وجاء في الخلاف أن الرجل إذ لاعن الحرة المسلمة وامتنعت من اللعان وجب عليها الحد - وبه قال الشافعي رضى الله تعالى عنه - لإجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا لقوله تعالى: "ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين" (٦). فذكر الله تعالى لعان الزوج ثم أخبر أن المرأة تدرأ عن نفسها العذاب بلعانها، فثبت أنه لزمها عذاب بلعان الزوج، وذلك هو الحد بدلالة قوله تعالى: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" (٧) يعنى الحد، وقال : "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" (٨) يعنى من الحد (٩). وإذا قذفها ولاعنها فامتنعت من اللعان فحدت، ثم قذفها أجنبى بذلك الزنا لم يجب عليه الحد وبه قال أبو إسحاق، وقال أبو العباس بن سريج: يجب عليه الحد. ويدل لنا قول الله : "والذين يرمون المحصنات" (١٠) وهذا ما رمى
стр. 8442
محصنة؛ لأن اللعان وإقامة الحد عليها يسقط حصانتها (١).
مذهب الإِباضية:
جاء في شرح النيل أن الرجل إذا قذف زوجته ثم أبى من اللعان حين طولب به سجن، وإن سجن فأبى من اللعان وجب عليه الحد (٢).
حكم امتناع الملئ عن النفقة
يختلف حكم امتناع الملئ عن النفقة تبعا لاختلاف سبب وجوبها، فهى تجب بسبب الزوجية أو القرابة أو الملكية.
مذهب الحنفية:
أولا حكم الامتناع عن نفقة الزوجة جاء في بدائع الصنائع أن العلماء اختلفوا في كيفية وجوب نفقة الزوجة، قال أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: إنها تجب على وجه لا يصير دينا في ذمه الزوج إلا بقضاء القاضي أو بتراضى الزوجين فإن لم يوجد أحد هذين تسقط بمضى الزمان، وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه: إنها تصير دينا في الذمة من غير قضاء القاضي ولا رضاه، ولا تسقط بمضى الزمان واحتج الشافعي بقوله : "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)، و (على) كلمة إيجاب، فقد أخبر الله عن وجوب النفقة والكسوة مطلقا عن الزمان، وقوله : "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله" (٤)، فقد أمر الله تعالى بالإِنفاق مطلقا عن الوقت، ولأن النفقة قد وجبت، والأصل أن ما وجب على إنسان لا يسقط إلا بالإِيصال أو الإِبراء كسائر الواجبات، ولأنها وجبت عوضا لوجوبها بمقابلة المتعة فبقيت في الذمة من غير قضاء كالمهر، والدليل عليه أن الزوج يجبر على تسليم النفقة ويحبس عليها والصلة لا تحتمل الحبس والجبر. ويدل لنا أن هذه النفقة تجرى مجرى الصلة وإن كانت تشبه الأعواض، لكنها ليست بعوض حقيقة لأنها لو كانت عوضا حقيقة فإما أن تكون عوضا عن نفس المتعة وهى الاستمتاع، وإما أن تكون عوضا عن ملك المتعة وهى الاختصاص بها لا سبيل إلى الأول لأن الزوج ملك متعتها بالعقد فكان هو بالاستمتاع متصرفا في ملك نفسه باستيفاء منافع مملوكة له ومن تصرف في ملك نفسه لا يلزمه عوض لغيره، ولا وجه للثانى لأن ملك المتعة قد قوبل بعوض مرة فلا يقابل بعوض آخر فخلت النفقة عن معوض فلا يكون عوضا حقيقة، بل كانت صلة، ولذلك سماها الله تعالى رزقا بقوله : "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" والرزق اسم للصلة كرزق القاضي، والصلات لا تملك بأنفسها بل بقرينة تنضم إلمها وهى القبض كما في الهبة أو قضاء القاضي لأن القاضي له ولاية أو لزام في الجملة أو التراضى لأن ولاية الإِنسان على نفسه أقوى من ولاية القاضي عليه، بخلاف المهر لأنه أوجب بمقابلة ملك المتعة فكان عوضا
стр. 8443
مطلقا فلا تسقط بمضى الزمان كسائر الديون المطلقة، ولا حجة له في الآيتين لأن فيهما وجوب النفقة لا بقاؤها واجبة لأنهما لا يتعرضان للوقت، فلو ثبت البقاء فإنما يثبت باستصحاب الحال وأنه لا يصلح لإِلزام الخصم. وأما قوله إن الأصل فيما وجب على إنسان لا يسقط إلا بالإِيصال أو الإِبراء فنقول هذا حكم الواجب مطلقا لا حكم الواجب على طريق الصلة بل حكمه أنه يسقط بمضى الزمان كنفقة الأقارب وأجرة المسكن، وقد خرج الجواب عن قوله أنها وجبت عوضا وأما الجبر والحبس فالصلة تحتمل ذلك في الجملة فإنه يجبر على نفقة الأقارب ويحبس بها وإن كانت صلة، وكذا من أوصى بأن يوهب عبده من فلان بعد قوله فمات الموصى فامتنع الوارث من تنفيذ الهبة في العبد فإنه يجبر عليه ويحبس بأنه وإن كانت الهبة صلة فدل أن الجبر والحبس لا ينفيان معنى الصلة. وعلى هذا يخرج ما إذا استدانت على الزوج قبل الفرض أو التراضى فأنفقت أنها لا ترجع بذلك على الزوج بل تكون متطوعة في الإِنفاق، سواء كان الزوج غائبا أو حاضرا لأنها لم تصر دينا في ذمة الزوج لعدم شرط صيرورتها دينا في ذمته فكانت الاستدانة إلزام الدين الزوج بغير أمره وأمر من له ولاية الأمر فلم يصح، وكذا إذا أنفقت من مال نفسها لما قلنا، وكذا لو أبرأت زوجها من النفقة قبل فرض القاضي والتراضى لا يصح الإِبراء لأنه إبراء عما ليس بواجب، والإِبراء إسقاط، وإسقاط ما ليس بواجب ممتنع. وكذا لو صالحت زوجها على نفقة وذلك لا يكفيها ثم طلبت من القاضي ما يكفيها فإن القاضي يفرض لها ما يكفيها لأنها حطت ما ليس بواجب، والحط قبل الوجوب باطل كالإِبراء (١). هذا ولوجوب الفرض على القاضي وجوازه منه شرطان أحدهما طلب المرأة الفرض منه لأنه إنما يفرض النفقة على الزوج حقا لها فلابد من الطلب من صاحب الحق، والثانى: حضرة الزوج حتى لو كان الزوج غائبا فطلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها عليها نفقة لم يفرض، وإن كان القاضي عالما بالزوجية وهذا قول أبى حنيفة الآخر، وهو قول شريح، وقد كان أبو حنيفة أولا يقول - وهو قول إبراهيم النخعى - إن هذا ليس بشرط. ويفرض القاضي النفقة على الغائب، وحجة هذا القول ما روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال لهند امرأة أبى سفيان خذى من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف، وذلك من النبي ﷺ كان فرضا للنفقة على أبى سفيان وكان غائبا، وحجة القول الأخير أن الفرض من القاضي على الغائب قضاء عليه وقد صح من أصلنا أن القضاء على الغائب لا يجوز إلا أن يكون عنه خصم حاضر ولم يوجد، وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن رسول الله ﷺ إنما قال لهند على سبيل الفتوى لا على طريق القضاء بدليل أنه لم يقدر لها ما تأخذه من مال أبى سفيان. وفرض النفقة من القاضي تقديرها. فإذا لم تقدر لم تكن فرضا فلم تكن قضاء، تحقيقه أن من يجوز القضاء على الغائب فإنما يجوزه إذا كان غائبا غيبة سفر فأما إذا كان في المصر فإنه لا يجوز بالإجماع لأنه لا يعد غائبا وأبو سفيان لم يكن مسافرا، فدل أن ذلك كان إعانة لا قضاء، فإن لم يكن القاضي عالما
стр. 8444
بالزوجية فسألت القاضي أن يسمع بينتها بالزوجية ويفرض على الغائب قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يسمعها ولا يفرض، وقال زفر رحمه الله تعالى: يسمع ويفرض لها وتستدين عليه، فإذا حضر الزوج وأنكر بأمرها بإعادة البينة في وجهه فإن فعلت نفذ الفرض وصحت الاستدانة وإن لم يفعل لم ينفذ ولم يصح. وجه قول زفر أن القاضي إنما يسمع هذه البينة لا لإِثبات النكاح على الغائب ليقال إن الغيبة تمنع من ذلك بل ليتوصل بها إلى الفرض، ويجوز سماع البينة في حق حكم دون حكم كشهادة رجل وامرأتين على السرقة وأنها تقبل في حق المال ولا تقبل في حق القطع، كذا هاهنا تقبل هذه البينة في حق صحة الفرض لا في إثبات النكاح. فإذا حضر وأنكر استعاد منها البينة، فإن أعادت نفذ الفرض وصحت الاستدانة عليه وإلا فلا. والصحيح قول أبى يوسف رضى الله تعالى عنه لأن البينة على أصل أصحابنا لا تسمع إلا على خصم حاضر، ولا خصم، فلا تسمع، وما ذكره زفر رضى الله تعالى عنه من أن بينتها تقبل في حق صحة الفرض غير سديد لأن صحة الفرض مبنية على ثبوت الزوجية، فإذا لم يكن إلى إثبات الزوجية بالبينة سبيل لعدم الخصم لم يصح، فلا سبيل إلى القبول في حق صحة الفرض ضرورة. هذا إذا كان الزوج غائبا ولم يكن له مال حاضر، فأما إذا كان له مال حاضر، فإن كان المال في يدها وهو من جنس النفقة فلها أن تنفق على نفسها منه بغير أمر القاضي لحديث أبى سفيان، فلو طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة في ذلك المال وعلم القاضي بالزوجية وبالمال فرض لها النفقة لأن لها أن تأخذه فتنفق على نفسها من غير فرض القاضي، فلم يكن الفرض من القاضي في هذه الصورة قضاء بل كان إعانة لها على استيفاء حقها، وإن كان في يد مودعه أو مضاربه أو كان له دين على غيره، فإن كان صاحب اليد مقرا بالوديعة والزوجية، أو كان من عليه الدين مقرا بالدين والزوجية، أو كان القاضي عالما بذلك فرض لها في ذلك المال نفقتها في قول أصحابنا الثلاثة رضى الله تعالى عنهم، وقال زفر رضى الله تعالى عنه: لا يفرض لأن هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر؛ إذ المودع ليس بخصم عن الزوج، وكذا المدين فلا يجوز. ويدل لنا أن صاحب اليد وهو المودع إذا أقر بالوديعة والزوجية أو أقر المدين بالدين والزوجية فقد أقر أن لها حق الأخذ والاستيفاء لأن للزوجة أن تمد يدها إلى مال زوجها فتأخذ كفايتها منه لحديث امرأة أبى سفيان، فلم يكن القاضي فرض لها النفقة في ذلك المال قضاء بل كان إعانة لها على أخذ حقها وله على إحياء زوجته فكان له ذلك، وإن جحد أحد الأمرين ولا علم للقاضى به لم يسمع البينة ولم يفرض لأن سماع البينة والفرض يكون قضاء على الغائب من غير خصم حاضر؛ لأنه إن أنكر الزوجية لا يمكنها إقامة البينة على الزوجية لأن المودع ليس بخصم عنه في الزوجية وإن أنكر الوديعة أو الدين لا يمكنها إقامة البينة على الوديعة والدين لأنها ليست بخصم عن زوجها في إثبات حقوقه، فكان سماع البينة على ذلك قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وذلك غير جائز عندنا هذا إذا كانت الوديعة والدين من جنس النفقة بأن كانت دراهم أو دنانير أو طعاما أو نيابا من جنس كسوتها، فأما إذا كان من جنس آخر فليس لها أن تتناول شيئا من ذلك
стр. 8445
وإن طلبت من القاضي فرض النفقة فيه، فإن كان عقارا لا يفرض القاضي النفقه فيه بالإجماع لأنه لا يمكن إيجاب النفقة فيه إلا بالبيع، ولا يباع العقار على الغائب في النفقة بالاتفاق، وإن كان منقولا من العروض فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوى الخلاف فيه، فقال القاضي: لا يبيع العروض عليه في قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وعندهما له أن يبيعها عليه، وهى مسألة الحجر على الحر العاقل البالغ. وذكر القدورى المسألة على الاتفاق فقال القاضي: إنما يبيع على أصلهما على الحاضر الممتنع عن قضاء الدين لكونه ظالما في الامتناع دفعا لظلمه، والغائب لا يعلم امتناعه، فلا يعلم ظلمه، فلا يباع عليه، وإذا فرض القاضي لها النفقة في شئ من ذلك وأخذ منها كفيلا فهو حسن لاحتمال أن يحضر الزوج فيقيم البينة على طلاقها أو على إيفاء حقها في النفقة عاجلا فينبغى أن يستوثق فيما يعطيها بالكفالة ثم إذا رجع الزوج ينظر إن كان لم يعجل لها النفقة فقد مضى الأمر، وإن كان قد عجل وأقام البينة على ذلك أو لم يقم بينة واستحلفها فنكلت فهو بالخيار إن شاء أخذ من المرأة وإن شاء أخذ من الكفيل (١) وإذا طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة على زوجها الحاضر، فإن كان قبل النقلة وهى بحيث لا تمتنع من التسليم لو طالبها بالتسليم أو كان امتناعها بحق، فرض القاضي لها إعانة لها على الوصول إلى حقها الواجب لوجود سبب الوجوب وشرطه، وإن كان بعد ما حولها إلى منزله فزعمت أنه ليس ينفق عليها أوشكت التضييق في النفقة فلا ينبغى له أن يعجل بالفرض ولكنه يأمره بالنفقة والتوسيع فيها لأن ذلك من باب الإمساك بالمعروف وهو مأمور به، ويتأنى في الفرض، ويتولى الزوج الإنفاق بنفسه قبل الفرض إلى أن يظهر ظلمه بالترك والتضييق في النفقة فحينئذ يفرض عليه نفقة كل شهر، ويأمره أن يدفع النفقة إليها لتنفق هي بنفسها على نفسها. ولو قالت: أيها القاضي إنه يريد أن يغيب فخذ لى منه كفيلت بالنفقة لا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل لأن نفقة المستقبل غير واجبة للحال فلا يجبر. على الكفيل بما ليس بواجب يحققه أنه لا يجبر على الكفيل بدين واجب فكيف بغير الواجب، وإلى هذا أشار أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه فقال: لا أوجب عليه كفيلا بنفقة لم تجب لها بعد، وقال أبو يوسف رضى الله تعالى عنه: أستحسن أن آخذ لها منه كفيلا بنفقة شهر لأنا نعلم بالعادة أن هذا القدر يجب في السفر لأن السفر يمتد إلى شهر غالبا، والجواب أن نفقة الشهر لا تجب قبل الشهر فكان تكفيلا بما ليس بواجب فلا يجبر عليه، ولكن لو أعطاها كفيلا جاز لأن الكفالة بما يذوب على فلان جائزة. وإذا فرض القاضي لها نفقة كل شهر أو تراضيا على ذلك، ثم منعها الزوج قبل ذلك أشهرا غائبا كان أو حاضرا فلها أن تطالبه بنفقة ما مضى لأنها لما صارت دينا بالفرض أو التراضى صارت في استحقاق المطالبة بها كسائر الديون بخلاف نفقة الأقارب إذا مضت المدة ولم تؤخذ فإنها لا تسقط لأنها لا تصير دينا رأسا، لأن وجوبها للكفاية، وقد حصلت الكفاية فيما مضى، فلا يبقى الواجب، كما لو استغنى بماله، فأما وجوب هذه النفقة فليس للكفاية وإن كانت مقدرة بالكفاية، ألا ترى أنها تجب مع الاستغناء بأن كانت موسرة وليس في مضى الزمان إلا الاستغناء فلا يمنع
стр. 8446
بقاء الواجب. ولو أنفقت من مالها بعد الفرض أو التراضى فلها أن ترجع على الزوج لأن النفقة صارت دينا عليه، وكذلك إذا استدانت على الزوج لما قلنا، سواء كانت استدانتها بإذن القاضي أو بغير إذنه. ولو فرض الحاكم النفقة على الزوج فامتنع من دفعها وهو موسر وطلبت المرأة حبسه فلها أن تحبسه لأن النفقة لما صارت دينا عليه بالقضاء صارت كسائر الديون، إلا أنه ينبغى ألا يحبسه في أول مرة تقدم إليه، بل يؤخر الحبس إلى مجلسين أو ثلاثة يعظه في كل مجلس يقدم إليه، فإن لم يدفع حبسه حينئذ كما في سائر الديون، وإذا حبس لأجل النفقة فما كان من جنس النفقة سلمه القاضي إليها بغير رضاه بالإجماع، وما كان من خلاف الجنس لا يبيع عليه شيئا من ذلك ولكن بأمره أن يبيع بنفسه وكذا في سائر الديون في قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وعند أبى يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهما: يبيع عليه (١) ثانيا حكم الامتناع عن نفقة الأقارب: جاء في بدائع الصنائع أن نفقة الأقارب تجب على وجه لا تصير به دينا في الذمة أصلا، سواء فرضها القاضي أولا بخلاف نفقة الزوجات فإنها تصير دينا في الذمة بفرض القاضي أو التراضى، حتى لو فرض القاضي للقريب نفقة شهر فمضى الشهر ولم يأخذ فليس له أن يطالبه بها، يل تسقط. ويحبس في نفقة الأقارب كما يحبس في نفقة الزوجات، أما غير الأب فلا شك فيه، وأما الأب فيحبس في نفقة الولد أيضا، ولا يحبس في سائر ديونه لأن ايذاء الأب حرام في الأصل وفى الحبس إيذاؤه، إلا عن الولد إذ لو لم ينفق عليه لهلك فكان فهو بالامتناع من الإِنفاق عليه كالقاصد إهلاكه فدفع قصده بالحبس ويحمل هذا القدر من الأذى لهذه الضرورة وهذا المعنى لم يوجد في سائر الديون هاهنا ضرورة أخرى وهى ضرورة استدراك هذا الحق أعنى النفقة لأنها تسقط بمضى الزمان فتقع الحاجة إلى الاستدراك بالجبس لأن الحبس يحمله على الأداء فيحصل الاستدراك، ولو لم يحبس يفوت حقه رأسا فشرع الحبس في حقه لضرورة استدراك الحق صيانة له عن الفوات، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الديون لأنها لا تفوت بمضى الزمان فلا ضرورة إلى الاستدراك بالحبس، ولهذا قال أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: إن الممتنع من النفقة يضرب ولا يحبس بخلاف الممتنع من سائر الحقوق لأنه لا يمكن استدراك هذا الحق بالحبس لأنه يفوت بمضى الزمان فيستدرك بالضرب بخلاف سائر الحقوق، وكذلك الجد أب الأب وإن علا لأنه يقوم مقام الأب عند عدمه (٢). ثالثا: حكم الامتناع عن نفقة المملوك: جاء في بدائع الصنائع أن نفقة المملوك تجب على وجه يجبر عليها عند الطلب والخصومة في الجملة، وبيان ذلك أن المملوك إذا خاصم مولاه في النفقة عند القاضي فإن القاضي يأمره بالنفقة عليه، فإن أبى ينظر القاضي فكل من يصلح للإجازة يؤاجره وينفق عليه من أجرته أو يبيعه إن كان محلا للبيع كالقن ورأى البيع أصلح ولا يجبر على الإنفاق، وإن لم يصلح للإجارة بأن كان صغيرا أو جارية ولا محلا للبيع كالمدبر وأم الولد يجبره على الإنفاق لأنه لا يمكن بيعه ولا إجارته، وتركه
стр. 8447
جائعا تضييع إلى آدمى فيجبر المولى على الإِنفاق، هذا إذا كان المملوك آدميا أما نفقة البهائم فلا يجبر عليها في ظاهر الرواية ولكنه يفتى فيما بينه وبين الله تعالى أن ينفق عليها، وروى عن أبى يوسف أنه يجبر عليها لأن في تركه جائعا تعذيب الحيوان بلا فائدة وتضييع المال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك كله، ولأنه سفه لخلوه عن العاقبة الحميدة، والسفه حرام عقلا، وجه ظاهر الرواية أن الجبر على الحق يكون عند الطلب والخصومة من صاحب الحق، ولا خصم فلا يجبر ولكن تجب فيما بينه وبين الله لما قاله أبو يوسف رضى الله تعالى عنه، وأما نفقة الجمادات كالدور والعقار فلا يجبر عليها لما قلنا، ولا يفتى أيضا بالوجوب إلا أنه إذا كان هناك تضييع المال فيكره له ذلك (١).
مذهب المالكية:
أولا: حكم الامتناع من نفقة الزوجة: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن الزوج الموسر إذا امتنع من نفقة الزوجة وكسوتها فشكت الزوجة إلى الحاكم ألزمه بأحد أمرين؛ بأن يقول له إما أن تنفق عليها أو تطلقها، فإن أنفق وكسا أو طلق فلا كلام، وإن أبى من ذلك ومن الطلاق فإن الحاكم يطلق عليه حالا بلا تلوم على المعتمد، وقيل بعد التلوم. قال الدسوقى: وجماعة المسلمين العدول يقومون مقام الحاكم في ذلك وفى كل أمر يتعذر الوصول فيه إلى الحاكم أو لكونه غير عدل، والواحد منهم كاف كما قال شيخنا رحمه الله تعالى (٢)، وقال صاحب مواهب الجليل: إن من لم يثبت عسره وامتنع من الإِنفاق والطلاق تارة يقر بأنه ملئ وتارة يدعى العسر، فإن ادعى أنه معسر تلوم له، وإن أقر بأنه ملئ فحكى ابن عرفة رضى الله تعالى عنه في ذلك قولين أحدهما أنه يعجل عليه الطلاق، والثانى أنه يسجن حتى ينفق وعليه إن كان له مال ظاهر أخذت النفقة منه كرها. وحكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر، قال في التوضيح: وهو المشهور، وقال القابس رحمه الله تعالى: لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته، وعلى الأول فلابد من أن تثبت الزوجية وأنه قد دخل بها أو دعا إلى الدخول، والغيبة بحيث لا يعلم موضعه. أو علم ولم يمكن الإِعذار إليه فيه، وأما إن علم وأمكن الإِعذار إليه فإنه يعذر إليه، ولا بد من أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا يعوى فيه بشئ من مؤنتها ولا أنه بعث إليها بشئ وصل إليها في علمهم إلى هذا الحين، ثم بعد ذلك يضرب لها أجلا على حسب ما يراه، ثم يحلفها ما شهدت لها البينة، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها هو أو أباح لها التطليق. ونقل ابن عرفة رحمه الله تعالى نحو ما تقدم عن المتيطى. ولابن سهل رحمه الله تعالى في بكر قام أبوها بتوكيلها إياه قبل البناء بذلك أفتى ابن عات أنها تحلف، فإذا حلفت طلقت نفسها، وأفتى ابن القطان رضى الله تعالى عنه أنه لا يمين عليها ولا على أبيها ولها أن تطلق
стр. 8448
نفسها. وأفتى ابن رشيق فقيه المرية رضى الله تعالى عنه بحلفها، وزاد فيه أن زوجيتها لا تنقطع، قال ابن سهل رحمه الله تعالى: زيادة هذا في يمينها لا أعلمه لغيره وقول ابن القطان لا يمين عليها ولا على أبيها لا وجه له، وقد تقرر من قول ابن القاسم وغيره أن السفيه يحلف في حقه. قال ابن الحاجب رضى الله تعالى عنه: حكم الغائب ولا مال له حاضر حكم العاجز، قال ابن عبد السلام: يعنى أن الغائب البعيد الغيبة وليس له مال أوله ولا يمكنها الوصول إليه إلا بمشقة حكمه حكم الحاضر العاجز (١). ولو أن رجلا غاب عن زوجته فقامت المرأة وادعت أنه لم يترك لها زوجها شيئا ورفعت أمرها إلى السلطان وأرادت الفراق إذ لم يترك لها زوجها نفقة ثم إن رجلا من أقارب الزوج أو أجنبيا عنه قال لها أنا أؤدى عنه النفقة ولا سبيل لك إلى فراقه. قال ابن الكاتب رحمه الله تعالى: لها أن تفارق لأن الفراق قد وجب لها، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى: لا مقال لها لأن عدم النفقة الذي أوجب لها القيام قد انتفى، قال الحطاب: وقد أشار ابن المناصف رحمه الله تعالى إلى هذا فقال ما حاصله قيام الزوجة في غيبة زوجها على وجهين أحدهما: لترجع بما تنفق عليه وفائدته قبول قولها من حين الدفع. الوجه الثاني: لتطلق نفسها لعدم الإِنفاق فإذا أثبت الزوجية والمغيب ولم يترك لها شيئا ولم يخلف ما يعدى فيه ولم يتطوع بالنفقة عنه ودعت إلى الطلاق إلى آخره فظاهره أن التطوع بإجراء النفقة يسقط مقالها كقول ابن عبد الرحمن وهو الذي تقتضيه المدونة (٢). وجاء في رسم شهر من سماع عيسى: أنه إن كان الزوج معروف العدم فلا يفرض لها السلطان إذ لا يجب على المعدم لامرأته نفقة ويفرق السلطان بينهما بعد التلوم، وإن أحبت الصبر عليه كتب لها كتابا بذلك اليوم من ذلك الشهر أنها قامت عنده عليه طالبة لنفقتها، فإن قدم وعلم أنه كان له مال كان القول قولها أنها أنفقت على نفسها من ذلك اليوم إن ادعى أنه خلف عندها أو بعث إليها، وأما إذا كان مجهول الحال لا يعرف ملؤه في غيبته من عدمه فقال في المدونة إن السلطان لا يفرض لها نفقة على زوجها في مغيبه حتى يقدم، فإن كان موسرا فرض عليه نفقة مثله لمثلها، وقال ابن حبيب رحمه الله تعالى في الواضحة: إنها إن أحبت الصبر عليه أشهد لها السلطان إن كان فلان زوج فلانة اليوم مليا في غيبته وجب عليه لامرأته فريضة مثلها من مثله. وإن أحبت المرأة أن تفرض لها النفقة إذا لم يكن له مال حاضر فقال ابن القاسم رحمه الله تعالى: لا يفرض عليه شئ حتى يقدم إذا علم عدمه أو جهل أمره، وفى البيان عن ابن حبيب رضى الله تعالى عنه إذا أحبت الصبر عليه أشهد السلطان عليه إن كان فإن زوج فلانة اليوم مليا في غيبته فقد أوجبت عليه فريضة مثلها من مثله، أما إن علم أنه موسر فإنه يفرض لها نفقة مثلها، قال في الموازية، وتداين علمه ويقضى
стр. 8449
لها (١). وقال المتيطى: إن علم أنه ملئ في غيبته فرض لها القاضي نفقة مثلها وكان دينا عليه تحاص به غرماءه وإذا قدم أخذته به، وإن كان معدما في غيبته فالمشهور لابن القاسم أنه لا يفرض لها (٢). قال في النوادر: إذا طلبت المرأة النفقة ولم يبن بها فإن فرغوا من جهازها حتى لم يبق ما يحبسها قيل له ادخل أو أنفق، ولو قال الزوج: أنظروني حتى أفرغ وأجهز بعض ما أريد فذلك له ويؤخر الأيام بقدر ما يرى وهو قول مالك رضى الله تعالى عنه. وإذا دعى الزوج إلى الدخول فامتنع قال مالك: تلزمه النفقة بنفس الامتناع، وقال أشهب رحمه الله تعالى: تلزمه بعد وقت السلطان له وفرضه للنفقة. قال اللخمى رحمه الله تعالى: والأول أحسن إن علم أنه امتنع لددا وأنه لا عذر له وإن أشكل أمره فحتى يوقفه السلطان. فعلى قول مالك تلزمه النفقة بنفس الدعاء إذا شهدت بذلك بنية (٣). ونقل صاحب التاج والإِكليل من المدونة أن من له على امرأته دين وهى معسرة فعليه أن ينفق عليها ولا يقاصها بما ترتب لها في ذمته من نفقة، وإن كانت مليئة فله مقاصتها بدينه في نفقتها (٤). وتسقط النفقة بخروج المرأة من بيت زوجها بغير إذنه إذا لم يقدر على ردها، أما إن كان قادرا على ردها فلا تسقط النفقة، نعم له أن يؤدبها هو أو الحاكم على خروجها بغير إذنه (٥). وفي المتيطية عن كتاب محمد إذا غلبت امرأة زوجها وخرجت من منزله وأرسل إليها فلم ترجع وامتنع من النفقة عليها حتى ترجع فأنفقت على نفسها، ثم طلبته بذلك قال مالك رضى الله تعالى عنه: ذلك عليه لها وترجع عليه وتغرمه، قال: ولو خرجت من مسكنه وسكنت سواه لم يكن عليه كراء، قال ابن المواز رحمه الله تعالى: وذلك لا يشبه النفقة (٦). ثانيا: حكم الامتناع من نفقة الأقارب: جاء في مواهب الجليل أن نفقة القريب - سواء كان أبا أو ابنا - تسقط بمضى الزمن عن قريبه، فلو تحيل في الإِنفاق، ثم أراد الرجوع فليس له ذلك لأنها مواساة لسد الخلة، فإذا انسدت الخلة زال الوجوب، وهذا بخلاف نفقة الزوجة لأنها في معنى المعاوضة فلا تسقط، أما نفقة القريب فتسقط إلا إذا كان القاضي قد فرضها فلا تسقط ويرجع بها المنفق ولو مضى زمنها أو ينفق على القريب شخص غير متبرع. قال ابن عرفة رضى الله تعالى عنه: هذا يقتضى أن نفقة الأجنبى غير متبرع كحكم القاضي بالنفقة وليس كذلك، إنما يقضى للمنفق غير متبرع إذا كان ذلك بعد الحكم بها، ولو قال إلا أن يفرضها فيقضى بها لهما أو لمن أنفق عليهما غير متبرع لكان أصوب، قال الشيخ نقلا عن الموازية: إذا رفع الأبوان إلى السلطان في مغيب الابن ولا مال له حاضر لم يأمرهما أن يتسلفا عليه، بخلاف الزوجة إذ لا تجب نفقتها إلا بالحكم. وكلام ابن عبد السلام قريب مما قاله ابن
стр. 8450
عرفة (١). قال في العتيبية في آخر رسم من سماع يحيى: وسألته عن الرجل يغيب عن أهله وله أولاد صغار في حجر أمهم تلزمه نفقتهم، فإذا قدم ادعت امرأته وهى أمهم أنها أنفقت عليهم من مالها، أيلزمه ذلك أم يبرأ بمثل ما يبرأ به من نفقتها إذا زعم أنه كان يبعث بها إليها ولا يكون لها عليه شئ إلا أن ترفع أمرها إلى السلطان؟ قال: حالها فيما تدعى من الإنفاق من مالها بمنزلة ما تدعى أنها أنفق على نفسها إذا لم ترفع ذلك إلى السلطان حتى يقدم لم تصدق، وإن رفعت ذلك إلى السلطان فرض لها ولهم إذا عرف أنه ملئ وحسبه لها عليه من يوم يفرضه، وكان لها دين تتبع به (٢). ثالثا: حكم الامتناع عن نفقة المملوك: جاء في التاج والإِكليل نقلا عن ابن رشد رحمه الله تعالى أنه يقضى للعبد على سيده إن قصر عما يجب له عليه بالمعروف في مطعمه وملبسه، بخلاف ما يملكه من البهائم فإنه يؤمر بتقوى الله في ترك إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها والفرق بين العبد والدابة أن العبد مكلف تجب عليه الحقوق من الجنايات وغيرها فكما يقضى عليه يقضى له، والدابة غير مكلفة لا يجب عليها حق ولا يلزمها جناية، فكما لا يقضى عليها لا يقضى لها. قال ابن عرفة رضى الله تعالى عنه: وقال أبو عمر: يجبر الرجل على أن يعلف دابته أو يبيعها أو يذبحها إن كانت مما يؤكل ولا يترك يعذبها بالجوع، قال ابن عرفة: لازم هذا القضاء عليه لأنه منكر وتغيير المنكر واجب القضاء به وهذا أصوب من نقل ابن رشد. وقال ابن شاس رحمه الله تعالى: يجب على رب الدواب علفها أو رعيها إن كان في رعيها ما يقوم بها، فإن أجدبت الأرض تعين عليه علفها، فإن لم يعلف أخذ بأن يبيعها ولا يجوز أن يشرب لبنها بحيث يضر بنتاجها (٣).
مذهب الشافعية:
أولا: حكم الامتناع عن نفقة الزوجة: جاء في مغنى المحتاج أن نفقة الزوجة مال يجب بالشرع ويستقر في الذمة مثل الكفارة، فهى معاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضى الزمان (٤). وجاء في المهذب أن الزوج كان موسرا وامتنع من الإِنفاق لم يثبت لها الفسخ لأنه يمكن الاستيفاء بالحاكم، وإن غاب وانقطع خبره لم يثبت لها الفسخ لأن الفسخ يثبت بالعيب بالإِعسار، ولم يثبت الإعسار، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجها آخر أَنه يثبت لها الفسخ لأن تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالإِعسار (٥). قال صاحب مغنى المحتاج ولو طلبت الزوجة بدل الحب خبزا أو قيمة وامتنع الزوج أو طلب الزوج إعطاء ذلك وامتنعت لم يجبر الممتنع منهما لأنه غير واجب،
стр. 8451
والاعتياض شرطه التراضى (١). وتجب النفقة للزوجة بالتمكين لا العقد فإن لم تعرض على الرجل زوجته مدة مع سكوته عن طلبها ولم تمتنع فلا نفقة لها فيها على الجديد لعدم التمكين، وتجب على القديم، وعلى الجديد إن عرضت عليه وهى بالغة عادلة مع حضوره فى بلدها كأن بعثت إليه تخبره أنى مسلمة نفسى إليك فاختر أن آتيك حيث شئت أو تأتى إلى وجبت نفقتها من حين بلوغ الخبر له لأنه حينئذ مقصر، فإن غاب عن بلدها قبل عرضها إليه ورفعت الأمر إلى الحاكم مظهرة له التسليم كتب الحاكم المرفوع إليه الأمر لحاكم بلد الزوج ليعلمه الحال فيجئ الزوج لها يتسلمها أو يوكل من يجئ يسلمها له أو يحملها إليه وتجب النفقة من وقت التسليم، فإن لم يفعل شيئا من الأمرين مع إمكان المجئ أو التوكيل ومضى زمن إمكان وصوله إليها فرضها القاضي في ماله من حين إمكان وصوله وجعل كالمتسلم لها لأن المانع منه، أما إذا لم يمكنه ذلك فلا يفرض عليه شيئا لأنه غير معرض، قاله العمرانى والجرجانى وغيرهما كذا نقله الأذرعى ومن تبعه وقيدوا به كلام الكتاب. هذا إن علم مكان الزوج فإن جهل كتب الحاكم إلى الحكام الذين ترد عليهم القوافل من بلده عادة لينادى باسمه فإن لم يظهر أعطاها القاضي نفقتها من ماله الحاضر وأخذ منها كفيلا بما يصرف إليها لاحتمال موته أو طلاقه، أما إذا غاب بعد عرضها عليه وامتناعه من تسلمها فإن النفقة تقرر عليه ولا تسقط بغيبته (٢). وتسقط نفقة كل يوم بخروج عن طاعة الزوج بعد التمكين والعرض على الجديد وقبله على القديم لأنها تجب بالتسليم فتسقط بالمنع والمراد بالسقوط عدم الوجوب وإلا فالسقوط حقيقة إنما يكون بعد الوجوب. هذا نشوز غير المكلفة كالمكلفة لاستواء الفعلين في التفويت على الزوج، وسواء أقدر الزوج على ردها إلى الطاعة قهرا أم لا لأن له عليها حق الحبس في مقابلة وجوب النفقة، فإذا نشزت عليه سقط وجوب النفقة، ولو نشزت نهارا دون الليل أو عكسه أو بعض أحدهما سقطت نفقة جميع اليوم لأنها لا تتجزأ بدليل أنها تسلم دفعة واحدة ولا تفرق غدوة وعشية، وقيل تستحق نفقة ما قبل النشوز من زمن الطاعة بالقسط وقطع به السرخسى، وتسقط ولو كان نشوزها بمنع لمس أو غيره من مقدمات الوطء بلا عذر بها إلحاقا لمقدمات الوطء بالوطء، فإن كان عذر كمنع لمس من بفرجها قروح وعلمت أنه متى لمسها واقعها لم يكن منعها نشوزا. وعبالة زوج أو مرض بها يضرها معه الوطء عذر في منعها من وطئه فتستحق النفقة مع منع الوطء لعذرها إذا كانت عنده لحصول التسليم الممكن، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه (٣). ولا يسقط النفقة عذر يمنع الجماع عادة كمرض ورتق وقرن وضنى (٤) وحيض ونفاس وجنون وإن قارنت تسليم الزوجة لأنها أعذار بعضها يطرأ ويزول وبعضها دائم وهى معذورة فيها وقد حصل التسليم الممكن، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه، وفارق ما لو غضبت بخروجها عن قبضة الزوج وفوات التمتع بالكلية وتسقط
стр. 8452
نفقتها أو لا لأن المنع من قبله، الأقرب كما قال الأذرعى أنها إن منعته منه عنادا سقطت أو لإِعسار فلا تسقط ولا أثر لزناها وإن حبلت لأنه لا يمنع الاستمتاع بها. وسفرها بإذنه معه ولو لحاجتها أو وحدها بإذنه لحاجته لا يسقط نفقتها لأنها ممكنة في الأولى وفى غرضه في الثانية فهو المسقط لحقه (١). والأظهر أنه لا نفقة ولا توابعها لصغيرة لا تحتمل الوطء لتعذره لمعنى فيها، والقول الثاني المقابل للأظهر. تجب كالرتقاء والقرناء والمريضة كما مر، وأجاب الأول بأن المرض يطرأ ويزول، والرتق والقرن مانع دائم قد رضى به ويشق معه ترك النفقة مع أن التمتع بغير الوطء لا يفوت كما مر (٢).
ثانيا: حكم الامتناع عن نفقة الأقارب:
جاء في مغنى المحتاج أنه يلزم الشخص ذكرا كان أو غيره نفقة الوالد الحر وإن علا من ذكر أو أنثى والولد الحر وإن سفل من ذكر أو أنثى، والأصل في الأول قول الله "وصاحبهما في الدنيا معروفا" (٣) ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما، والأصل في الثاني قوله "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤) إذ إيجاب الأجرة لإِرضاع الأولاد يقتضى إيجاب مؤنتهم، وقول النبي ﷺ لهند: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٥) قال الشافعي رضى الله تعالى عنه: وإذا كانت هند زوجة لأبى سفيان وكانت القيم على ولدها لصغرهم بأمر زوجها فأذن لها الرسول ﷺ أن تأخذ من مال أبى سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف فمثلها الرجل يكون له على الرجل الحق بأى وجه ما كان فيمنعه إياه قله أن يأخذ من ماله حيث وجده سرا وعلانية، وكذلك حق ولده الصغار وحق من هو قيم بماله ممن توكله أو كفله (٦). قال صاحب مغنى المحتاج: ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من عقار وغيره لأن نفقة القريب مقدمة على وفاء الدين، وإذا بيع ذلك في الدين ففى المقدم عليه أولى (٧). وتسقط نفقه القريب بفواتها بمضى الزمان وإن تعدى المنفق بالمنع لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجزة وفد زالت بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة، وحينئذ لا تصير دينا في ذمته إلا بفرض قاض أو إذنه في اقتراض لغيبة أو منع، فإنها تصير دينا في ذمته لتأكد ذلك بفرض القاضي أو إذنه فيه. قال الأذرعى: وهذه المسألة مما تعم به البلوى، وحكام العصر يحكمون بذلك ظانين أنه المذهب فيجب التنبه لها وتحريرها وبسط الكلام في ذلك، ثم قال: والحق أن فرض القاضي بمجرده لا يؤثر عندنا بلا خلاف، ومحاولة إثبات خلاف مذهبى فيه تكلف محض. فالمعتمد كما عليه الجمهور أنها لا تصير دينا إلا باقتراض قاض بنفسه أو مأذونه (٨) ثالثا: حكم الامتناع عن نفقة المملوك: جاء في مغنى المحتاج أنه يجب على المالك كفاية رقيقه نفقة طعاما وأدما
стр. 8453
وكسوة. وتسقط كفاية الرقيق بمضى الزمان، فلا تصير دينا عليه إلا باقتراض القاضي أو إذنه فيه واقترض، كنفقة القريب بجامع وجوبها بالكفاية، ويبيع القاضي أو يؤجر فيها ماله إن امتنع أو غاب لأنه حق وجب عليه تأديته، وكيفية بيعه أو إيجاره أنه إن تيسر بيع ماله أو إيجاره شيئا فشيئا بقدر الحاجة فذاك وإن لم يتيسر كعقار استدان عليه إلى أن يجتمع ما يسهل البيع أو الإِيجار ثم باع أو أجر ما يفى به لما في بيعه أو إيجاره شيئا فشيئا من المشقة، وعلى هذا يحمل كلام من أطلق أنه يباع بعد الاستدانة فإن لم يمكن بيع بعضه ولا إجارته وتعذرت الاستدانة باع جميعه أو أجره (١). وعلى صاحب دواب علف دوابه المحترمة وسقيها أو تخليتها للرعى وورود الماء إن اكتفت به، فإن لم تكتف به كجدب الأرض ونحوه أضاف إليها ما يكفيها وذلك لحرمة الروح، ولخبر الصحيحين دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض (٢). والمراد بكافة الدابة وصولها لأول الشبع والرى دون غايتهما. فإن امتنع المالك من ذلك وله مال أجبر في الحيوان المأكول على أحد ثلاثة أمور؛ بيع له أو نحوه مما يزول به ضرره، أو علف، أو ذبج، وأجبر في غير المأكول على أحد أمرين، بيع أو علف، ويحرم ذبحه للنهى عن ذبع الحيوان إلا كله، وإنما أجبره على ذلك صونا له عن الهلاك، فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال، فإن لم يكن له مال باع الحاكم. الدابة أو جزءا منها أو أكراها عليه، قال الأذرعى رضى الله تعالى عنه: ويشبه أن لا يباع ما أمكن إجارته، وحكى عن مقتضى كلام الشافعي والجمهور، فإن تعذر ذلك فعلى بيت المال كفايتها، فإن تعذر فعلى المسلمين كنظيره في الرقيق. ثم لو كانت دابته لا تملك ككلب لزمه أن يكفيها أو يدفعها لمن يحل له الانتفاع بها، قال الأذرعى رضى الله تعالى عنه: أو يرسلها (٣).
مذهب الحنابلة:
أولا: حكم الامتناع من نفقة الزوجة: جاء في المغنى أن الزوج إذا لم يدفع إلى امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة أو دفع إليها أدل من كفايتها فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه بإذنه وبغير إذنه بدليل قول النبى ﷺ لهند: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه، ورد لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها وهو متناول لأخذ تمام الكفاية، فإن ظاهر الحديث دل على أنه قد كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتممها لها، فرخص النبي ﷺ لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها ولا قوام إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى إلى ضياعها وهلاكها، فرخص لها في أخذ قدر نفقتها دفعا لحاجتها، ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا، فتشق المرافعة إلى الحاكم والمطالبة بها في كل الأوقات، فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه. وذكر القاضي بينها
стр. 8454
وبين الدين فرقا آخر وهو أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها عند بعض أهل العلم ما لم يكن فرضها لها فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى سقوطها والإضرار بها بخلاف الدين فإنه لا يسقط عند أحد بتحرك المطالبة فلا يؤدى ترك الأخذ إلى الإِسقاط (١). وإذا منع الرجل امرأته النفقة لعسرته وعدم ما ينفقه فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه، وروى نحو ذلك عن عمر وعلى وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد ومالك والشافعى وغيرهم، وذهب عطاء والزهرى وابن شبرمة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها لا تملك فراقه بذلك ولكن يرفع يده عنها لتكتسب لأنه حق لها عليه، فلا يفسخ النكاح لعجزه عنه كالدين، وقال العنبرى يحبس إلى أن ينفق. ويدل لنا قول الله "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (٢) وليس الإِمساك مع ترك الإِنفاق إمساكا بمعروف، فيتعين التسريح، وروى سعيد عن سفيان عن ابن أبي الزناد، قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال نعم. قال سنة؟ قال سنة. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . وقال ابن المنذر ثبت أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء والضرر فيه أقل لأنه إنما هو فقد لذة وشهوة يقوم البدن بدونه، فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقوم البدن إلا بها أولى، إذا ثبت هذا فإنه متى ثبت الإِعسار بالنفقة على الإِطلاق فللمرأة المطالبة بالفسخ من غير إنظار، وهذا أحد قولى الشافعي رضى الله تعالى عنه؛ وقال حماد بن أبى سليمان: يؤجل سنة قياسا على العنين، وقال عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه: اضربوا له شهرا أو شهرين، وقال مالك رضى الله تعالى عنه: الشهر ونحوه، وقال الشافعي في القول الآخر: يؤجل ثلاثا لأنه قريب، ويدل لنا ظاهر حديث عمر ولأنه معنى يثبت الفسخ ولم يرد الشرع بالإِنظار فيه، فوجب أن يثبت الفسخ في الحال كالعيب، ولأن سبب الفسخ الإِعسار، وقد وجد فلا يلزم التأخير (٣). أما إن امتنع من الإِنفاق مع يساره فإن قدرت له على مال أخذت منه قدر حاجتها ولا خيار لها لأن النبى ﷺ أمر هند بالأخذ ولم يجعل لها الفسخ، وإن لم تقدر رافعته إلى الحاكم فيأمره بالإِنفاق ويجبره عليه، فإن أبى حبسه، فإن صبر على الحبس أخذ الحاكم النفقة من ماله، فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا باعها في ذلك، وبهذا قال مالك والشافعى وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور رضى الله تعالى عنهم، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: النفقة في ماله من الدنانير والدراهم ولا يبيع عرضا إلا بتسليم لأن بيع مال الإِنسان لا ينفذ إلا بإذنه أو إذن وليه ولا ولاية على الرشيد. ويدل لنا قول النبي ﷺ لهند: "خذى ما يكفيك" ولم يفرق، لأن ذلك مال له فتؤخذ منه النفقة كالدراهم
стр. 8455
والدنانير، وللحاكم ولاية إذا امتنع بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره. وإن تعذرت النفقة في حال غيبته وله وكيل فحكم وكيله حكمه في المطالبة والأخذ من المال عند امتناعه، وإن لم يكن له وكيل ولم تقدر المرأة على الأخذ أخذ لها الحاكم من ماله، ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك إذا لم تجد ما تنفق سواه، وينفق على المرأة يوما بيوم، وبهذا قال الشافعي ويحيى بن آدم رضى الله تعالى عنهما، وقال أصحاب الرأى يفرض لها في كل شهر. ويدل لنا أن هذا تعجيل للنفقة قبل وجوبها فلم يجز كما لو عجل لها نفقة زيادة على شهر (١). وإن غيب ماله، وصبر على الحبس، ولم يقدر الحاكم له على مال يأخذه، أو لم يقدر على أخذ النفقة من مال الغائب فلها الخيار في الفسخ في ظاهر قول الخرقى رحمه الله تعالى، واختيار أبى الخطاب، واختار القاضي أنها لا تملك الفسخ وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن الفسخ في المعسر لعيب الإِعسار ولم يوجد هاهنا، ولأن الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله، وإذا امتنع في يوم فربما لا يمتنع في الغد، بخلاف المعسر. ويدل لنا أن عمر رضى الله تعالى عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع من الإِنفاق، ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر، فكان لها الخيار كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ، فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ فوجبت إزالته، ولأنه نوع تعذر يجوز الفسخ فلم يفترق الحال بين الموسر والمعسر، كما إذا أدى ثمن المبيع فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشترى معسرا وبين أن يهرب قبل أداء الثمن، وعيب الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإِنفاق بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه لم تملك الفسخ. وقولهم إنه يحتمل أن ينفق فيما بعد هذا. قلنا: وكذلك المعسر يحتمل أن يغنيه الله وأن يقترض أو يعطى ما ينفقه فاستويا (٢). ومن وجبت علمه نفقة امرأته وكان له عليها دين فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها، فإن كانت موسرة فله ذلك لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله، وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته، وهذا لا يفضل عنها، ولأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر بقوله : "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" (٣) فيجب إنظارها بما عليها (٤) وكل موضع ثبت لها الفسخ لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة، ولا يجوز له التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك لأنه لحقها فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة، فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر رضى الله تعالى عنهما، وقال مالك رضى الله تعالى عنه: هو تطليقة وهو أحق بها إن أيسر في عدتها لأنه تفريق لامتناعه من الواجب عليه لها فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق. ويدل لنا
стр. 8456
أنها فرقة لعجزه عن الواجب لها عليه أشبهت فرقة العنة، فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق فطلق أقل من ثلاث فله الرجعة عليها ما دامت في العدة، فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإِنفاق عليها ولم يمكن الأخذ من ماله فطلبت المرأة الفسخ، فللحاكم الفسخ لأن المقتضى له باق أشبه ما قبل الطلاق (١). وإن رضيت بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه ثم بدا لها الفسخ أو تزوجت معسرا عالمة بحالته راضية بعسرته وترك إنفاقه، أو شرط عليها أن لا ينفق عليها، ثم عنَّ لها الفسخ فلها ذلك. وبهذا قال الشافعي رضى الله تعالى عنه، وقال القاضي رضى الله تعالى عنه: ظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه ليس لها الفسخ ويبطل خيارها في الموضعين. وهو قول مالك رضى الله تعالى عنه لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك الفسخ، كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته أو قالت بعد العقد قد رضيت به عنينا. ويدل لنا أن وجوب النفقة يتجدد في كل يوم فيتجدد لها الفسخ ولا يصح إسقاط حقها فيما لم يجب لها كإسقاط شفعتها قبل البيع ولذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط، ولو أسقطتها أو أسقطت المهر قبل النكاح لم يسقط، وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط الفسخ الثابت به، وإن أعسر بالمهر وقلنا لها الفسخ لإِعساره به فرضيت بالمقام لم يكن لها الفسخ لأن وجوبه لم يتجدد بخلاف النفقة، ولو تزوجته عالمة بإعساره بالمهر راضية بذلك فينبغى أن لا تملك الفسخ بإعساره به لأنها رضيت بذلك في وقت لو أسقطته فيه سقط (٢)، وإذا رضيت بالمقام مع ذلك لم يلزمها التمكين من الاستمتاع لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها تسليمه كما لو أعسر المشترى بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه وعليه تخلية سبيلها لتكتسب وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن فى حبسها بغير نفقة إضرارا بها، ولو كانت موسرة لم يكن له حبسها لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب عليها فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها (٣). ومن تَرك الإنفاق الواجب لامرأته مدة لم يسقط بذلك وكان دينا في ذمته سواء تركه لعذر أو غير عذر في أظهر الروايتين، وهذا قول الحسن ومالك والشافعى وإسحاق وابن المنذر رضى الله تعالى عنهم. والرواية الأخرى تسقط نفقتها ما لم يكن الحاكم قد فرضها لها، وهذا مذهب أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه لأنها نفقة تجب يوما فيوما فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب، ولأن نفقة الماضي قد استغنى عنها بمضى وقتها فتسقط كنفقة الأقارب، ويدل لنا أن عمر رضى الله تعالى عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، ولأنها حق يجب مع اليسار والإِعسار فلم يسقط بمضى الزمان كأجرة العقار والديون، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإِجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها، ولأنها عوض واجب فأشبهت الأجرة، وفارق نفقة الأقارب فإنها صلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإِعسار ممن تجب له،
стр. 8457
وجبت لتزجية الحال فإذا مضى زمنها استغنى عنها فأشبه ما لو أستغنى عنها بيساره، وهذه بخلاف ذلك، إذا ثبت هذا فإنه إن ترك الإِنفاق عليها مع يساره فعليه النفقة بكمالها، وإن تركها لإِعساره لم يلزمه إلا نفقة المعسر لأن الزائر سقط بإعساره (١). والمرأة تستحق النفقة علي زوجها بشرطين أحدهما: أن تكون كبيرة يمكن وطؤها، فان كانت صغيرة لا تحتمل الوطء فلا نفقة لها؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع، فلم تجب نفقتها، كما لو منعها أولياؤها من تسليم نفسها، وتفارق المريضة فإن الاستمتاع بها ممكن، وإنما نقص بالمرض، ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها لا يلزم الزوج نفقتها، فهذه أولى لأن ذلك يمكن الزوج قهرها والاستمتاع بها كرها، وهذه لا يمكن ذلك فيها بحال. الشرط الثانى: أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها فأما إن منعت نفسها أو منعها أولياؤها أو تساكتا بعد العقد فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة لها وإن أقاما زمانا. فإن النبي ﷺ تزوج عائشة رضى الله تعالى عنها ودخلت عليه بعد سنتين ولم ينفق إلا بعد دخوله ولم يلتزم نفقتها لما مضى، ولأن النفقة تجب فى مقابلة، التمكين المستحق بعقد النكاح فإذا وجد استحقت وإذا ققد لم تستحق شيئا، ولو بذلت تسليما غير تام بأن تقول أسلم إليك نفسى في منزلى دون غيره أو في الموضع الفلانى دون غيره لم تستحق شيئا إلا أن تكون قد اشترط ذلك في العقد لأنها لم تبذل التسليم الواجب بالعقد فلم تستحق النفقة، كما ئو قال البائع أسلم إليك السلعة على أن تتركها في موضعها أو في مكان بعينه، وإن شرطت دارها أو بلدها فسلمت نفسها في ذلك استحقت النفقة لأنها سلمت التسليم الواجب عليها ولذلك لو سلم السيد أمته المزوجة ليلا دون النهار استحقت النفقة، وفارق الحرة فإنها لو بذلت تسليم نفسها في بعض الزمان لم تستحق شيئا لأنها لم تسلم التسليم الواجب بالعقد، وكذلك إن أمكنته من الاستمتاع ومنعته استمتاعا لم تستحق شيئا لذلك (٢). وإن غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه، بل تجب عليه في زمن غيبته لأنها استحقت النفقة بالتمكين ولم يوجد منها ما يسقطها، وأن غاب قبل تمكينها فلا نفقة لها عليه لأنه لم يوجد الموجب لها، فإن بذلت التسليم وهو غائب لم تستحق نفقته لأنها بذلته في حال لا يمكنه التسليم فيه، لكن إن مضت إلى الحاكم فبذلت التسليم كتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي هو فيه ليستدعيه ويعلمه ذلك، فإن سار إليها أو وكل من يسلمها إليه فوصل وسلمها هو أو نائبه وجبت النفقة حينئذ، وإن لم يفعل فرض الحاكم عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن الوصول إليها ويسلمها فيه، لأن الزوج امتنع من تسلمها مع إمكان ذلك وبذلها إياه له فلزمته نفقتها كما لو كان حاضرا، وإن كانت الزوجة صغيرة يمكن وطؤها أو مجنونة فسلمت نفسها إليه فتسلمها لزمته نفقتها كالكبيرة، وإن لم يتسلمها لمنع نفسها أو منع أوليائها فلا نفقة لها عليه، وإن غاب الزوج فبذل وليها تسلميها فهو كما لو بذلت المكلفة التسليم فإن وليها يقوم مقامها، وإن بذلت هي دون وليها لم يفرض الحاكم النفقة لها
стр. 8458
لأنه لا حكم لكلامها (١). وإذا كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها فمكنت من نفسها أو بذلت تسليمها ولم تمنع نفسها ولا منعها أولياؤها فعلى زوجها الصبى نفقتها - وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعى في أحد قوليه، وقال في الآخر: لا نفقة لها لأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع بها فلم تلزمه نفقتها كما لو كانت غائبة أو صغيرة - ويدل لنا أنها سلمت نفسها تسليما صحيحا فوجب لها النفقة كما لو كان الزوج كبيرا. ولأن الاستمتاع بها ممكن وإنما تعذر من جهة الزوج كما لو تعذر التسليم لمرضه أو غيبته، وفارق ما إذا غابت أو كانت صغيرة فإنها لم تسلم نفسها تسليما صحيحا ولم تبذل ذلك فعلى هذا يجبر الولى على نفقتها من مال الصبى لأن النفقة على الصبى، وإنما الولى ينوب عنه في أداء الواجبات عليه كما يؤدى أروش جناياته وقيم متلفاته وزكواته، وإن لم يكن له مال فاختارت فراقه فرق الحاكم بينهما كما ذكرنا في حق الكبيرة فإن كان له مال وامتنع الولى من الإنفاق أجبره الحاكم بالحبس، فإن لم ينفق أخذ الحاكم من مال الصبى وأنفق عليها فإن لم يمكنه وصبر الولى على الحبس وتعذر الإنفاق فرق الحاكم بينهما إذا طلبت ذلك على ما ذكرنا ذلك في حى الكبير، وذكر القاضي في الكبير أنه لا يفرق بينهما فكذلك هاهنا مثله لأنها سواء في وجوب الإنفاق عليها فكذلك في أحكامه (٢)، وإن بذلت الرتقاء أو الحائض أو النفساء أو النضرة الخلق التى لا يمكن وطؤها أو المريضة تسليم نفسها لزمته نفقتها وإن حدث بها شئ من ذلك لم تسقط نفقتها لأن الاستمتاع ممكن ولا تفريط من جهتها، وإن منع من الوطء، ويفارق الصغيرة فإن لها حالا يتمكن من الاستمتاع بها فيها استمتاعا تاما، والظاهر أنه تزوجها انتظارا لتلك الحال، بخلاف هؤلاء، ولذلك لو طلب تسليم هؤلاء وجب تسليمهن، ولو طلب تسليم الصغيرة لم يجب فإن قيل فلو بذلت الصحيحة الاستمتاع بما دون الوطء لم تجب لها النفقة فكذلك هؤلاء. قلنا: لأن تلك منعت مما يجب عليها وهؤلاء لا يجب عليهن التمكين. ما فيه ضرر، فإن ادعت أن عليها ضررا في وطئه لضيق فرجها أو قروح به أو نحو ذلك وأنكره أريت امرأة ثقة وعمل بقولها (٣). ثانيا: حكم الامتناع من نفقة الأقارب: جاء في المغنى أن الرجل يجبر على نفقة والديه وإن علوا وولده الذكور والإناث وإن سفلوا إذا كانوا فقراء وكان له ما ينفق عليهم، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤) فقد أوجب أجر رضاع الولد على أبيه، وقال : "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٥)، وقال "وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" (٦) ومن الإحسان الإِنفاق عليهما عند حاجتهما. ومن السنة قول النبي ﷺ لهند: "خذى ما يكفيك وولدتك بالمعروف" (٧). وروت عائشة أن النبى ﷺ قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من
стр. 8459
كسبه وإن ولده من كسبه (١)، فكلوا من أموالهم) وأما الإِجماع فحكى ابن المنذر رحمه الله تعالى قال أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإِنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله. وإذا ثبت هذا فإن الأم تجب نفقتها ويجب عليها أن تنفق على ولدها إذا لم يكن له أب لقول الله : "وبالوالدين إحسانا"، وقول النبي ﷺ لرجل سأله من أبر؟ قال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب" (٢)، ولأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب، ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العتق فأشبهت الأب، فإن أعسر الأب وجبت النفقة على الأم ولم ترجع بها عليه إن أيسر، لأن من وجب عليه الإِنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب (٣). ويلزم الرجل إعفاف أبيه إذا احتاج إلى النكاح، ولهم في إعفاف الأب الصحيح وجه آخر: أنه لا يجب، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: لا يلزم الرجل إعفاف أبيه سواء وجبت نفقته أو لم تجب لأن ذلك من أعظم الملاذ، فلم تجب للأب كالحلواء، ولأنه أحد الأبوين فلم يجب ذلك له كالأم. ويدل لنا أن ذلك مما تدعو حاجته إليه ويستضر بفقده فلزم ابنه إعفافه كالنفقة، ولا يشبه الحلواء لأنه لا يستضر بفقدها وإنما يشبه الطعام والأدم. وأما الأم فإنما إعفافها بتزويجها إذا طلبت ذلك وخطبها كفؤها، ونحن نقول بوجوب ذلك عليه وهم يوافقوننا عليه. إذا ثبت هذا فإنه يجب إعفاف من لزمت نفقته من الآباء والأجداد (٤)، وإذا وجب عليه إعفاف أبيه فهو مخير إن شاء زوجه حرة وإن شاء ملكه أمة أو دفع إليه ما يتزوج به حرة أو يشترى به أمة، وليس للأب التخيير عليه إلا أن الأب إذا عين امرأة وعين الابن أخرى وصداقهما واحد قدم تعيين الأب لأن النكاح له والمؤنة واحدة فقدم قوله كما لو عينت البنت كفؤا وعين الأب كفؤا يقدم تعيينها. وإن اختلفا في الصداق لم يلزم الابن الأكثر؛ لأنه إنما يلزم أقل ما تحصل به الكفاية، ولكن ليس له أن يزوجه أو يملكه قبيحة أو كبيرة لا استمتاع فيها، وليس له أن يزوجه أمة لأن فيه ضررا عليه وهو إرقاق ولده والنقص في استمتاعه، وإن رضى الأب بذلك لم يجز لأن الضرر يلحق بغيره وهو الولد، ولذلك لم يكن للموسر أن يتزوج أمة. وإذا زوجه زوجة أو ملكه أمة فعليه نفقته ونفقتها ومتى أيسر الأب لم يكن للولد استرجاع ما دفعه إليه ولا عوض ما زوجه به لأنه دفعه إليه في حال وجوبه عليه فلم يملك استرجاعه كالزكاة (٥). وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجا إلى إعفافه لأنه من عمودى نسبة وتلزمه نفقته فيلزمه إعفائه عند حاجته إليه كأبيه، قال
стр. 8460
القاضي رحمه الله تعالى: وكذلك يجئ في كل من لزمته نفقته من أخ وعم أو غيرهم لأن أحمد قد نص في العبد يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع عليه. وكل من لزمه إعفافه لزمته نفقة زوجة لأنه لا يتمكن من الإِعفاف إلا بذلك، وقد روى عن أحمد رضى الله تعالى عنه أنه لا يلزم الأب نفقة زوجة الابن وهذا محمول على أن الابن كان يجد نفقتها (١).
ثالثا: حكم الامتناع من نفقة المملوك:
جاء في المغنى أن السيد إذا امتنع مما يجب للعبد عليه من نفقة أو كسوة أو تزويج فطلب العبد البيع أجبر سيده عليه سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه لأن بقاء ملكه عليه مع الإِخلال بسد خلاته إضرار به، وإزاله الضرر واجبة فوجبت إزالته، ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإِنفاق عليها. وقد روى في بعض الحديث عن النبى ﷺ أنه قال: "عبدك يقول أطعمنى وإلا فبعنى، وامرأتك تقول أطعمنى أو طلقنى" وهذا يدل بمفهومه على أن السيد متى وفى بحقوق عبده فطلب العبد بيعه لم يجبر السيد عليه، وقد نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه، قال أبو داود: قيل لأبى عبد الله رحمه الله تعالى: استباعت المملوكة وهو يكسوها مما يلبس ويطعمها مما يأكل. قال: لا تباع وإن أكثرت من ذلك إلا أن تحتاج إلى زوج فتقول زوجنى. وقال عطاء وإسحاق رضى الله تعالى عنهما في العبد يحسن إليه سيده وهو يستبيع: لا يبعه، لأن الملك للسيد والحق له فلا يجبر على إزالته من غير ضرر بالعبد كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها ولا على بيع بهيمته مع الإِنفاق عليها (٢). وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه، وإنما كان كذلك لأن نفقة العبد على سيده وقد قام الذى جاء به مقام سيده فى الواجب عليه فرجع به عليه كما لو أذن له، وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه: لا يرجع بشئ لأنه متبرع بإنفاق لم يجب عليه، ويدل لنا أنه أدى عنه ما وجب عليه عند تعذر أدائه منه فرجع به عليه، كما لو أدى الحاكم عن الممتنع من الإِنفاق على امرأته ما يجب عليه من النفقة، ويتخرج أن لا يرجع بشئ بناء على الروايه الأخرى فيمن أنفق على الرهن الذي عنده أو الوديعة أو الجمال إذا هرب فتركها مع المستأجر (٣). ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها والإنفاق عليها ما تحتاج إليه من علفها أو إقامة من يرعاها لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا. فلا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض" (٤). فإن امتنع من الإِنفاق عليها أجبر على ذلك، فإن أبى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت مما يذبح. وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: لا يجبره السلطان بل يأمره به كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؛ لأن
стр. 8461
البهيمة لا يثبت لها حق من جهة الحكم ألا ترى أنه لا تصح منها الخصومة ولا ينصب عليها خصم فصارت كالزرع والشجر. ويدل لنا أنها نفقة حيوان واجبة عليه فكان للسلطان إجباره عليها كنفقة العبيد، ويفارق نفقة الشجر والزرع، فإنها لا تجب، فإن عجز عن الإِنفاق وامتنع من البيع بيعت عليه كما يباع العبد إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقته، وكما يفسخ نكاحه إذا أعسر بنفقة امرأته، وإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها، وإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الإِنفاق عليها كالعبد الزمن، ولا يجوز أن يحمل البهيمة ما لا تطيق لأنها في معنى العبد، وقد منع النبي ﷺ تكليف العبد ما لا يطيق، ولأن فيه تعذيبا للحيوان الذي له حرمة في نفسه وإضرارا به وذلك غير جائز (١).
مذهب الظاهرية:
أولا: حكم الامتناع من نفقة الزوجة: جاء في المحلى أن الرجل ينفق على امرأته من حين يعقد نكاحها سواء دعى إلى البناء أو لم يدع ولو أنها في المهد، ناشزًا كانت أو غير ناشز، غنية كانت أو فقيرة، ذات أب كانت أو يتيمة بكرا أو ثيبا، حرة كانت أو أمة على قدر ماله؛ لقول رسول الله ﷺ في النساء: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٢). ويلزمه (٣) إسكانها على قدر طاقته لقول الله : "أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم" (٤)، ولا يلزمه لها حلى ولا طيب لأن الله لم يوجبهما عليه ولا رسوله ﷺ (٥). ومن منع النفقة والكسوة وهو قادر عليها فسواء كان غائبا أو حاضرا هو دين في ذمته يؤخذ منه أبدا ويقضى لها به في حياته وبعد موته ومن رأس ماله يضرب به مع الغرماء لأنه حق لها فهو دين قبله (٦). ثانيا: حكم الامتناع من نفقة الأقارب: جاء في المحلى أنه فرض على كل أحد من الرجال والنساء والكبار والصغار أن يبدأ بما لا بدله منه ولا غنى عنه به من نفقة وكسوة على حسب حاله وماله، ثم بعد ذلك يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له ولا عمل بيده مما يقوم منه على نفسه من أبويه وأجداده وجداته وإن علوا، وعلى البنين والبنات وبنيهم وإن سفلوا، والإِخوة والأخوات والزوجات، فإن فضل عن هؤلاء بعد كسوتهم ونفقتهم شئ أجبر على ذوى رحمه المحرمة وموروثيه إن كان من ذكرنا لا شئ لهم ولا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه. ويباع عليه في كل ما ذكرنا ما به عنه
стр. 8462
غنى من عقاره وعروضه وحيوانه، ولا يباع عليه من ذلك ما إن بيع عليه هلك وضاع، فما كان هكذا لم يبع إلا فيما في نفسه إليه ضرورة إن لم يتداركها بذلك هلك (١).
ثالثا: حكم الامتناع من نفقة مملوكه:
جاء في المحلى أن الرجل والمرأة ينفق كل منهما على مماليكه من العبيد والإِماء بأن يطعمه شبعه مما يأكل أهل بلده ويكسوه مما يطرد عنه الحر والبر ولا يكون به مثلة بين الناس لكن مما يلبس مثل ذلك المكسو في ذلك البلد مما تجوز فيه الصلاة ويستر العورة، وفرض عليه مع ذلك أن يطعمه مما يأكل ولو لقمة وأن يكسوه مما يلبس ولو في العيد، ويجبر السيد على ذلك، فإن أبى أو أعسر بيع من ماله ما ينفق به على من ذكرنا، ولا يباع ولا تعتق أم الولد من عدم النفقة لكن يجبر كما قلنا إن كان له مال، فإن لم يكن له مال كلفت ما يكلف فقراء المسلمين، برهان ذلك قول الله : "كونوا قوامين بالقسط" (٢) وكل من لزمت المسلم نفقته فقد وجب له حق في ماله، ففرض علينا إيصاله إليه وتوفيته إياه، فإذا لم يقدر على ذلك إلا ببيع عرض أو عقار بمع ذلك لقول الله "وأحل الله البيع" (٣) فمن لم يبع من مال من عليه حق ما يوصله به العبد أو غيره إلى حقه فقد عصى الله تعالى في قوله : "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان" (٤)، ومن أبر البر إيفاء ذى الحق حقه، ومن الإِثم والعدوان منع ذى الحق حقه (٥). ويجبر أيضا على نفقة حيوانه كله أو تسريحه للرعى إن كان يعيش من الرعى، فإن أبى بيع عليه كل ذلك. برهان ذلك ما روينا، من طريق البخارى بإسناده عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة. قال كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية: "إن نبى الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". فإضاعة المال حرام وإثم وعدوان بلا خلاف، ومنع المرء حيوانه مما فيه معاشه أو إصلاحه إضاعة لما له، فالواجب منعه من ذلك لقول الله "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان" والإِحسان إلى الحيوان بر وتقوى فمن لم يعن علي إصلاحه فقد أعان على الإِثم والعدوان وعصى الله تعالى. وقال أبو حنيفة لا يباع عليه حيوانه لكن يؤمر بالإِحسان إليه فقط ولا يجبر على ذلك واحتج له بأنه لا يجبر على حفظ ما له إذا أراد إضاعته كما لا يجبر على سقى نخله، ونقول: بل يجبر على سقى النخل إن كان في ترك سقيه هلاك النخل وكذلك في الزرع، برهان ذلك قول الله : "وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" (٦). فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعى وترك سقى شجر الثمر والزرع حتى يهلكا هو بنص كلام الله فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل والله تعالى لا يحب هذا العمل (٧).
стр. 8463
أولا: حكم الامتناع من نفقة الزوجية:
مذهب الزيدية:
جاء في شرح الأزهار أن الزوج إذا غاب أو تمرد عن إنفاق زوجته فإنه ينفق عليها الحاكم من مال ذلك الغائب إذا كانت غيبته بريدا، وقيل وقت حاجتها لأن الغيبة في باب النفقات الذي يتضرر من هي له، فإن لم يجد أنفق عليها من دونه إن غلب في ظنه صدقها، وإنما ينفق الحاكم عليها بعد أن يطلب منها كفيلا بالوفاء إذا انكشف خلاف ما ادعت، وإذا انكشف أن الزوج قد كان سلم لها نفقتها كان بيع الحاكم بالملا غير نافذ. ولا بد مع طلب الكفيل منها من أن يحلفها الحاكم أنه لم يعطها شيئا، فإن نكلت لم تعط شيئا إلا أن يكون نكولها استحياء وحشمة أو أنفة. وإذا قدم الزوج فهو على حجته. وكما ينفق الحاكم عليها من مال الغائب ينفق عليها من مال المتمرد الحاضر - ولو من دينه على الغير - ويبيع عليه العروض، كما يأخذ عليه الدراهم والدنانير إذا وجدها له ويلزم الزوج البخيل نفقة الزوجة بأى وجه أمكنه من تكسب - فيما يليق به من غير تعب زائد على المعتاد ولا دناءة - أو مسألة أو استدانة، وللحاكم أن يستدين عنه مع الغيبة أو التمرد، ويحبسه للمكسب إن امتنع منه إذا طلبت الزوجة حبسه، لا كسائر الديون فإنه لا يؤخذ فيها بذلك لأنها آكد من الدين بدليل قول الله : "وعلى المقتر قدره" (١) وقوله في الدين: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" (٢). ولا يجوز له فسخ النكاح بينهما عندنا، وحاصل الكلام أن من لم ينفق على زوجته له ثلاث حالات الأولى: أن يكون ذلك لتمرده عن النفقة مضارة وهو قادر عليها فقال في الشرح لا ينفسخ بينهما بالإِجماع، والعلة أنه يمكن إجباره، قال في الانتصار: فإن لم يمكن إجباره فسخ على قول من أثبت الفسخ. الحالة الثانية: أن يكون ذلك لغيبته ولا مال له، قال في الشرح: لا يفسخ بالإِجماع وجعل هذا حجة عليهم لأنه لا يمكن إجباره فكان حجة عليهم، وقال في الانتصار يفسخ وقواه صاحب الأزهار كما قواه في البحر. الحالة الثالثة: أن لا ينفق للإِعسار فمذهبنا أنه يتكسب فإن توانى فرق بينه وبين مداناتها إن تعذر إجباره، فإن عجز من غير توان فقيل لا يفرق بينهما، وقال في الانتصار إذا أعسر بالنفقة ولم يقدر على التكسب فللمرأة ثلاثة خيارات؛ الأول: أن تمكنه من الاستمتاع ونفقتها في ذمته. الخيار الثاني: أن تمنع نفسها ولا تستحق النفقة. الخيار الثالث: الفسخ، وفد اختلف في الفسخ للإعسار والتمرد والغيبة؛ فعند القاسمية: لا يفسخ النكاح واحتج على ذلك في الشرح من الكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقول الله : "ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" (٣). وأما السنة فلم يرد أن النبي ﷺ فسخ نكاح المعسر مع إعسار كثير من الصحابة، وأما القياس فعلى الغائب والمتمرد. القول الثاني: أنه يفسخ واحتج على ذلك من الكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقوله : "فإمساك بمعروف أو تسريح
стр. 8464
بإحسان" (١)، وأما السنة فقول النبي ﷺ "إذا أعسر الرجل بنفقة أهله فرق بينهما"، ومن القياس على ما يثبت به الفسخ من العيوب، وما ذلك إلا لما عليها من المضرة والمضرة بترك الإِنفاق أعظم وأبلغ الجواب على ما ذكروا أما الآية فليس فيها أكثر من أن الزوج مأمور بالتسريح إذا لم يمسكها بالمعروف، وأما الخبر فيحمل على أن المراد من منع مداناتها، وأما القياس على عيوب النكاح فلا وجه له، وإلا لزم أن تكون هي التي تفسخ ولا تحتاج إلى فسخ الحاكم إلا مع المشاجرة كالعيوب. وقد ذهب إلى هذا على ﵇ وعمر وأبو هريرة والحسن البصرى وابن المسيب وحماد وربيعة ومالك وأحمد رضى الله تعالى عنهم، وقواه الإمام شرف الدين والإِمام عز الدين، وهو اختيار السيد محمد بن إبراهيم الوزير والإِمام القاسم بن محمد والمفتى والشامى، قال في الانتصار: وهو المختار واختلف أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم إذا أعسر ببعض النفقة أو بنفقة الخادم أو بالكسوة أو بالسكنى هل نفسخ أم لا أصحهما الفسخ للكسوة لا لغيرها لأن الكسوة كالنفقة. ثم إن مالكا رضى الله تعالى عنه قال يفسخ بطلقة رجعية فإن أيسر في العدة عادت زوجته بغير رجعه، وقال الليث رحمه الله تعالى يفسخ بطلقة بائنة ويطلقها الحاكم. وغيرهما يقول بالفسخ من غير طلاق، قال في الانتصار إذا قلنا هو طلاق رفع إلى الحاكم ليطلق، فإن امتنع طلق عنه. ولا يجوز لها أن تمتنع منه مع الخلوة وإلا كانت ناشزة إلا أن تمتنع لمصلحة وذلك بأن يغلب على الظن أنه مع موافقتها إياه يستمر على التمرد وعدم الإنفاق لحصول غرضه لموافقته فإن لها أن تمتنع بأمر الحاكم لتكون أقرب إلى امتثاله بالمطلوب - وظاهر المذهب أن لها أن تمتنع ولو بغير أمر الحاكم وتسقط نفقتها، وقال المفتى إذا جاز لها الامتناع لم تسقط - وكذلك إذا كان الحبس غير مستور أو غير خال من الناس فلها الامتناع أو قصد مضارتها، ولها أن تحلفه. وإذا شكت المرأة تضييق الزوج عليها في النفقة وضعت عند عدله من النساء أو عدل من المحارم، ويؤخذ لها من الزوج ما تستحقه إذا وجد أي إن الحاكم يفرض لها ما تستحقه ثم توضع عند عدلة. والقول لمن صدقته تلك العدلة منهما في العشرة والنفقة، فإن صدقت الزوج فالقول قوله، وإن صدقت الزوجة فالقول قولها، وهذه العدلة يجب نفقتها على الطالب، فإن طلبها الزوج كانت عليه، وإن طلبتها الزوجة أنفقتها قال أبو العباس رضى الله تعالى عنه: هذا إذا لم يكن ثم بيت مال فإن كان فنفقتها منه كأجرة السجان. وقال مولانا ﵇: الأولى أن تكون كالقسام فتكون نفقتها عليهما جميعا. والقول للمطيعة في نفس النشوز الماضي وقدره فإذا كانت الزوجة مطيعة للزوج في الحال وادعى عليها أنها كانت ناشزة فأنكرت ذلك أو أقرت واختلفا في قدر مدة النشوز فالقول قولها في نفيه بالمرة إن أنكرته وفى قدره إن أقرت به واختلفا في مدته، وأما إذا كانت عاصية في الحال فالقول قول الزوج، وأما إذا كانت الزوجة في غير بيته بل في بيتها أو في بيت أهلها أو في غيرهما بإذنه وأنكرت إنفاقه عليها مدة ما هي في غير بيته فالقول قولها في
стр. 8465
عدم الإنفاق لأن الظاهر معها، وأما إذا كانت في بيت الزوج فالقول قوله لأن الظاهر أنه منفق عليها، وسواء كانت صغيرة أم كبيرة عاقلة أم مجنونة في الطرفين جميعا، قيل: ويقبل قول مطلقة ومغيبة (١) في عدم الإِنفاق عليها وتحلف ذكره السيد أبو طالب في المطلقة، المجنونة ورد في السؤال وكذا ذكره في المغيبة كما تقدم أن الحاكم ينفق من مال الغائب ويأخذ منها كفيلا، قال أبو العباس: وإذا لم تقم الكفيل لم تستحق شيئا من النفقة، قال مولانا ﵇ وفيه نظر (٢).
ثانيا: حكم الامتناع عن نفقة الأقارب:
جاء في شرح الأزهار أن الموسر لو مطل المعسر ما وجب عليه حتى مضت مدته فإنه يسقط عنه الواجب الماضي زمانه بالمطل لأنها لدفع الحاجة فتسقط لذهاب الحاجة، ويكون الموسر عاصيا، قال في اللمع سواء كان ولدا أم غيره، وعن الأستاذ ولو حكم بها حاكم، والحيلة في منع سقوط نفقة الماضي أن يأمره الحاكم أن يستقرض للغائب مقدار قوته كل يوم ثم ينفقه على نفسه، وللحاكم أن ينفق على المعسر من مال الموسر الغائب إذا كانت غيبته يجوز معها الحكم بعد أن طلب كفيلا بالضمان أن تبين عدم ثبوت النفقة (٣). وللأب أن يأخذ من مال ولده الصغير والغائب من الدنانير والدراهم وينفقها على نفسه بالمعروف ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وأما إذا كان الولد العاقل حاضرا فلا يجوز للاب أن يأخذ إلا أن يتمرد فتأخذ بإذن الحاكم، قال أبو العباس: فإن لم يكن هناك في الناحية حاكم فيحتمل أن له أن يأخذ إن لم يوجد من يصلح وإلا فبإذنه، لا كسائر الديون لو كان للأب على الابن دين، قال ﵇: هذا في الدنانير والدراهم ونحوهما كالطعام، ولا يبيع الوالد المعسر ولا يؤجر عنه عرضا إلا بإذن الحاكم إن كان ثمة حاكم في الناحية، والفرق بين الدراهم والدنانير والطعام مبين العروض أن الدراهم والدنانير والطعام نفس ما وجب، والعقار والأرض ليس ما وجب فاحتاجت إلى الحاكم. وليس لسائر الأقارب مثل ما للأب من أخذ الدنانير والدراهم، قال ﵇: إنما احتاج الأب هنا إلى إذن الحاكم في بيع العروض مع أن له ولاية على بيع مال ولده الصغير لأن البيع هنا لأمر يخصه وهو الإِنفاق كما أن ليس للحاكم أن يحكم لنفسه ولو كان إليه ولاية الحكم، وفى أحد قولى المؤيد بالله أن الولد إذا كان صغيرا جاز للأب بيع ماله لنفقة نفسه يعنى من غير حكم حاكم (٤).
ثالثا: حكم الامتناع من نفقة المملوك:
جاء في شرح الأزهار أنه يجب على السيد شبع رقة الخادم لسيده حيث كان يطيقها فلو امتنع من الخدمة نسقط وجوب إنفاقه، وأما لو كان عاجزا عن الخدمة لزمن أو مرض أو عمى أو صغر لم يجب الشبع بل التقدير المستحسن - وهو الذي يضر النقصان منه - كنفقة سائر الأقارب،
стр. 8466
ويجب له من الكسوة ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد من أي لباس كان من صوف أو قطن فيكون السيد مخيرا بين القيام بمؤنته أو تخلية القادر يتكسب لنفسه، فإن تمرد السيد أجبره الحاكم على أحدهما، فأما لو لم يكن ثم حاكم أو كان لا يستطيع إجباره فللعبد أن يدفع الضرر عن نفسه بالانضواء إلى حيث يمكنه المراجعة بالإِنصاف فإن أنصف وإلا تكسب بقدر ما يستطيع من الخدمة فينفق على نفسه ويدفع الفضلة إلى سيده، فإن نقص كسبه عن الإنفاق وفاه السيد للشبع، قال في الحاشية: والمراد بتوفية السيد إياه أن التخلية لا تسقط النفقة عن السيد الممتنع عن إنفاقه، بل يقترضها الحاكم ويرجع بها على السيد. وإن لم يكن العبد قادرا على التكسب ولم ينفقه سيده كلف إزالة ملكه بعتق أو بيع أو نحوهما فإن تمرد السيد عن ذلك فالحاكم يبيعه عليه وذلك لأن الحاكم منصوب لمصالح المسلمين ودفع المضار وفصل الشجار وإيصال الحقوق إلى أهلها، ولقول النبي ﷺ : الله الله في الضعيفين النساء والعبيد. قال ﵇ وليس للحاكم أن يعتقه لأنه تفويت منافع من دون استحقاق، وله أن يكاتبه، فإن لم يكن ثمة حاكم أعتق نفسه، وقيل له أن يبيع نفسه كذلك. وللحاكم أن يستدين له عن السيد أو ينققه من بيت المال دينا أو مواساة على ما يراه إذا كان سيده مستحقا من بيت المال. ولا يلزم السيد إذا اضطر العبد أو الأمة إلى النكاح أن يعفه بالإِنكاح إلا أن يتضرر بتركه فيجب على السيد ويصير من باب الدواء، وقيل لا يجب. ويجب سد رمق من خشى عليه التلف أو الضرر من بنى آدم وهو محترم الدم كالمسلم والذمى لا الحربى فلا يجب إذ ليس بمحترم الدم. وهل يلزم ذلك في سائر الحيوانات التي لا تؤكل ولا يجوز قتلها؟ قال ﵇: عموم كلام الأزهار يقتضى ذلك وهو المفهوم من كلام أصحابنا في باب التيمم، أعنى أنه يجب سد رمقها، فأما لو كانت مما تؤكل أو تُقبل لم يجب لكنه يجب تذكية ما يؤكل حيث يخشى هلاكه، وهل تجب التذكية ولو كان مالكها غائبا أو ممتنعا؟ قال ﵇: الأقرب أن لا يلزمه تذكيته إلا حيث معه بينة يأمن معها التضمين ولا يبعد أن يجوز، قال المؤيد بالله يجب سد رمق محترم الدم اللقيط وغيره ولو بنية الرجوع عليه أو على مالكه أو مواساة، وقال أبو طالب: لا يصح الرجوع عليه، وهذا الخلاف إذا لم يسلمها بشرط الضمان وإلا لزم، فإن سكت فالخلاف، ويلزم على قول أبى طالب أن لا يلزم. فإن بذل المالك تسليم ماله للمضطر على عوض فله ذلك إلى قدر قيمته، فإن امتنع المضطر لم يلزم المالك بذله بلا عوض إذا كان المضطر قد ضعف جدا بحيث لا يتمكن من بذل العوض لزم المالك إطعامه بنية الرجوع عليه متى أمكنه. وذو البهيمة يجب عليه أن يعلف بهيمته علفا مشبعا أو يبيع تلك البهيمة أو يسيب في موضع مرتع، قال الإِمام يحيى: هذا إذا كانت ترتعى ما يكفيها بأن يكون هذا المرتع خصيبا فأما التسييب في المدن فإنه لا يكفى بل يجبر على إنفاقها، فإن كان عادتها أنها لا تأخذ ما يكفيها وجب على صاحبها تمام كفايتها. فأما لو خشى عليها السبع في المرتع قال مولانا ﵇: فالأقرب أنه يلزمه حفظها وإنفاقها وهى ملكه إذا سيبها غير راغب عنها، فإن رغب عنها فحتى تؤخذ، أي لا تخرج عن ملكه حتى تؤخذ فمتى أخذها الغير في الطرف الأخير ملكها (١). ويجب على الشريك في العبد
стр. 8467
والبهيمة حصته من الإِنفاق فإن كان الشريك غائبا أو متمردا وجب على الحاضر الإنفاق لحصته وحصة شريكه الغائب والمتمرد فمرجع على الشريك بقدر حصته إذا نوى الرجوع، وإن لم يكن غائبا بل كان حاضرا غير متمرد فلا يرجع شريكه عليه بما أنفقه لأنه متبرع إلا أن ينفق بأمر الشريك فيرجع عليه، وقال أبو حنيفة والشافعى رضى الله تعالى عنهما إذا لم يكن بإذن الإِمام والحاكم فلا رجوع. وكذلك مؤن كل عين مملوكة لغيره وهى في يده بإذن الشرع كالعارية والمستأجرة والمرهونة والوديعة إذا احتاجت إلى مؤنة من إنفاق أو حفظ أو غير ذلك كان حكم من هي في يده حكم الشريك يجب عليه القيام بذلك حيث المالك غائب أو متمرد، وكذلك حكم البئر والدار والنهر المشترك. قال في الحاشية وجاء في البحر أنه لا يجبر على إصلاح شجرة أو بناء إجماعا ويندب أمره للنهى عن إضاعة المال. وهذا كلام مستقيم في ملكه، أما المشترك فيجب على الشريك إصلاحه مع غيبة شريكه أو تمرده (١).
مذهب الإِمامية:
أولا وثانيا: حكم الامتناع من نفقة الزوجة والأقارب:
جاء في الروضة البهية أن نفقة الزوجة تجب بالعقد الدائم بشرط التمكين الكامل وهو إن تخلى بينه وبين نفسها قولا وفعلا فى كل زمان ومكان يسوغ فيه الاستمتاع، فلو بذلت فى زمان دون زمان أو مكان دون مكان كذلك يصلحان للاستمتاع، فلا نفقة لها، وحيث كان مشروطا بالتمكين، فلا نفقة للصغيرة التى لم تبلغ سنا يجوز الاستمتاع بها بالجماع على أشهر القولين، لفقد الشرط وهو التمكين من الاستمتاع، وقال ابن إدريس تجب النفقة على الصغيرة لعموم وجوبها على الزوجة فتخصيصه بالكبيرة الممكنة يحتاج إلى دليل. ولو انعكس بأن كانت كبيرة ممكنة والزوج صغيرا وجبت النفقة لوجود المقتضى وانتفاء المانع لأن الصغر لا يصلح للمنع. ولا تجب للناشزة الخارجة عن طاعة الزوج ولو بالخروج من بيته بلا إذن ومنع لمس بلا عذر، ولا تجب للساكنة بعد العقد ما لم تعرض التمكين عليه بأن تقول سلمت نفسى إليك فى أى مكان شئت ونحوه (٢). ويجبر الحاكم الممتنع عن الإِنفاق مع وجوبه عليه وإن كان له مال يجب صرفه في الدين باعه الحاكم إن شاء وأنفق منه، وفى كيفية بيعه وجهان أحدهما: أن يبيع كل يوم جزءا بقدر الحاجة، والثانى: أن لا يفعل ذلك لأنه يشق ولكن يقترض عليه إلى أن يجتمع ما يسهل بيع العقار له، والأقوى جواز الأمرين. ولو تعذرا فلم يوجد راغب في شراء الجزء اليسير ولا مقرض ولا بيت مال يقترض منه جاز له بيع أقل ما يمكن بيعه وإن زاد على قدر نفقة اليوم لتوقف الواجب عليه (٣). وتقضى نفقة الزوجة لأنها حق مالى وجب في مقابلة الاستمتاع فكانت كالعوض اللازم في المعاوضة، ولا تقضى نفقة الأقارب لأنها وجبت على طريق المواساة وسد الخلة لا التمليك، فلا تستقر في الذمة وإنما يأثم بتركها ولو قدرها
стр. 8468
الحاكم لأن التقدير لا يفيد الاستقرار، نعم لو أذن الحاكم للقريب في الاستدانة لغيبته أو مدافعته بها أو أمره الحاكم بالإِنفاق قضى لأنها تصير دينا في الذمة بذلك (١). ثالثا: حكم الامتناع من نفقة المملوك: جاء في الروضة البهية أنه تجب النفقة على الرقيق ذكرا وأنثى وإن كان أعمى وزمنا والبهيمة بالعلف والسقى حيث تفتقر إليهما والمكان من مراح واصطبل يليق بحالها وإن كانت غير منتفع بها أو مشرفة على الحلف، ومنها دود القز فيأثم بالتقصير في إيصاله قدر كفايته ووضعه في مكان يقصر عن صلاحيته له بحسب الزمان، ومثله ما تحتاج إليه البهيمة مطلقا من الآلات حيث يستعملها أو الحل لدفع البرد وغيره حيث يحتاج إليه، ولو كان للرقيق كسب جاز للمولى أن يكله إليه، فإن كفاه الكسب بجميع ما يحتاج إليه من النفقة اقتصر عليه، وإلا يكفيه أتم له قدر كفايته وجوبا ويرجع في جنس ذلك إلى عادة مماليك أمثال السيد من أهل بلده بحسب شرفه وضعته واعتباره ويساره، ولا يكفى ساتر العورة في اللباس ببلادنا، وإن اكتفى به في بلاد الرقيق، ولا فرق بين كون نفقة السيد على نفسه دون الغالب في نفقة الرقيق عادة تقتيرًا أو بخلا أو رياضة وفوقه فليس للمولى الاقتصار بنفقة المملوك على نفسه بأن يفعل به ما يفعله بنفسه وهو ما دون الغالب تقتيرا أو بخلا أو رياضة بل الواجب الكفاية، ولا عبرة في الكمية بالغالب بل تجب الكفاية لو كان الغالب أقل منها، كما لا يجب الزائد لو كان فوقها وإنما تعتبر فيه الكيفية، ويجبر السيد على الإِنفاق أو البيع مع إمكانهما، وإلا أجبر على الممكن منهما خاصة، وفى حكم البيع الإِجارة مع شرط النفقة على المستأجر والعتق، فإن لم يفعل باعه الحاكم أو أجره، وهل يبيعه شيئا فشيئا أو يستدين عليه إلى أن يجتمع شئ فيبيع ما يفى به الوجهان - ولا فرق في الرقيق بين القن وأصله الذي ملك هو وأبوه، والمدبر وأم الولد لاشتراك الجميع في المملوكية وإن تشبث الأخيران بالحرية، أما المكاتب فنفقته في كسبه وإن كان مشروطا أو لم يؤد شيئا، وكذا يجبر المالك على الإِنفاق على البهيمة المملوكة إلا أن يجتزئ بالرعى، وترد الماء بنفسها فيجتزئ به فيسقطان عنه ما دام ذلك ممكنا، فإن امتنع أجبر على الإِنفاق عليهما أو البيع أو الذبح إن كانت البهيمة مقصورة بالذبح، وإلا أجبر على البيع أو الإِنفاق صونا لها عن التلف، فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال. وإنما يتخير مع إمكان الافراد، وإلا تعين الممكن منهما، أما المملوك الذي لا روح فيه فقد اختلف في وجوب عمله، ففى التحرير قرب الوجوب من حيث أنه تضييع للمال فلا يقر عليه، وفى القواعد قطع بعدمه لأنه تنمية للمال فلا يجب كما لا يجب تملكه، ويشكل بأن ترك المملك لا يقتضى الإضاعة بخلاف التنمية التي يوجب تركها فواته رأسا، أما عمارة العقار فلا يجب، لكن يكره تركه إذا أدى إلى الخراب (٢).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أن الحاكم يجبر الزوج على نفقة زوجته نفقة يوم وليلة، وقيل يوم أو ليلة لا على أكثر من ذلك دفعة، بضرب حتى
стр. 8469
ينفق أو يطلق طلاقا بائنا، وإن طلق رجعيا لم يضربه بل يأمره، وفى الديوان إن ذلك الطلاق بائن أي ولو لم يذكر الزوج أنه بائن، وهكذا كل طلاق كان على تضييق من نحو الحاكم لنحو نفقة كما ذكرته في كتاب النفقات وإنما يضرب حتى ينفق أو يطلق إن كان له مال أو قدر على الكسب، ويقال له أنفق وإن طلقت استرحت، وقيل يقال له أنفق أو طلق. وكذا يجبر على نفقة الأولياء والعبيد بضرب ويجبر في الحيوان بحبس ولو كان ذلك الحيوان لا نفع فيه له لأن له أن يذبحه وأن يتركه لمن شاء أن يأخذه، ولكن لا يتركه بحيث يضر أموال الناس ولا يعد ذلك تضييعا ودخل في ذلك الهر والدجاج ونحوهما. وكذا يجبر في كسوة لمن تلزم له بحبس مطلقا ولو شتاء، وقيل يجبر في الصيف بحبس وفى الشتاء بضرب وأيام البرد من الخريف والربيع كالشتاء وأيام الحر منهما كالصيف، بلا عدد تنازع فيه حبس وضرب في الكل من حبس وضرب، ويؤجلون له أجلا يهيئ فيه مسكنا وما تحتاج إليه مما يحتمل التأخير بخلاف الأكل والشرب والكسوة مما لا يحتمل التأخير، وإنما يجبرونه على لباس الشتاء فقط أو على لباس الصيف فقط (١).
حكم الامتناع عن إرضاع الطفل أو حضانته
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أن الأم لا تجبر على إرضاع ولدها إلا أن لا يوجد من ترضعه فتجبر عليه، وهذا قول عامة العلماء رضى الله تعالى عنهم، وقال مالك رضى الله تعالى عنه إن كانت شريفة لم تجبر وإن كانت دنية تجبر والصحيح قول العامة لقول الله : "لا تضار والدة بولدها" (٢) قيل في بعض وجوه التأويل: أي لا تضار بإلزام الإِرضاع مع كراهتها، وقوله في المطلقات: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٣) جعل تعالى أجر الرضاع على الأب لا على الأم مع وجودها، فدل أن الرضاع ليس على الأم، وقول الله : "المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤) أي رزق الوالدات المرضعات فإن أريد به المطلقات ففيه أنه لا إرضاع على الأم حيث أوجب بدل الإِرضاع على الأب مع وجود الأم وإن أريد به المنكوحات كان المراد منه إيجاب زيادة النفقة على الأب للأم المرضعة لأجل الولد وإلا فالنفقة تستحقها المنكوحة من غير ولد، ولأن الإِرضاع انفاق على الولد ونفقة الولد يختص بها الوالد لا يشاركه فيها الأم كنفقته بعد الاستغناء فكما لا تجب علمها نفقته بعد الاستغناء
стр. 8470
لا تجب عليها قبله وهى إرضاعه وهذا في الحكم، وأما في الفتوى فتفتى بأنها ترضعه لقول الله : "لا تضار والدة بولدها" قيل في بعض تأويلات الآية أي لا تضار بولدها بأن ترميه على الزوج بعد ما عرفها وألفها، ولا ترضعه فيتضرر الولد، ومتى تضرر الولد تضرر الوالد لأنه يتألم قلبه بذلك، وقد قال الله : "ولا مولود له بولده" أي لا يضار المولود له بسبب الإِضرار بولده، كذا قيل في بعض وجوه التأويل، ولأن النكاح عقد سكن وازدواج، وذلك لا يحصل إلا باجتماعهما على مصالح النكاح، ومنها إرضاع الولد فيفتى به ولكنها إن أبت لا تجبر عليه لما قلنا إلا إذا كان لا يوجد من يرضعه، فحينئذ تجبر على إرضاعه إذ لو لم تجبر عليه لهلك الولد، ولو التمس الأب لولده مرضعا فأرادت الأم أن ترضعه بنفسها فهى أولى لأنها أشفق عليه ولأن انتزاع الولد منها اضرارا بها وهو منهى عنه لقول الله : "لا تضار والدة بولدها" قبل في بعض الأقاويل أي لا يضارها زوجها بانتزاع الولد منها وهى تريد إمساكه وإرضاعه فإن أرادت أن تأخذ على ذلك أجرا في صلب النكاح لم يجز لها ذلك لأن الإرضاع وإن لم يكن مستحقا عليها في الحكم فهو مستحق في الفتوى ولا يجوز أخذ الأجر على أمر مستحق لأنه يكون رشوة ولأنها قد استحقت نفقة النكاح، وأجرة الرضاع بمنزلة النفقة فلا تستحق نفقتين، ولأن أجر الرضاع يجب لحفظ الصبى وغسله وهو من نظافة البيت ومنفعة البيت تحصل للزوجين، فلا يجوز لها أن لأخذ عوضا عن منفعة تحصل لها حتى لو استأجرها على إرضاع ولده من غيرها جاز لأن ذلك غير واجب عليها فلا يكون أخذ الأجرة على فعل واجب عليها وكذا ليس في حفظه منفعة تعود إليها لأنه لا يجب عليها أن تسكنه معها وكذلك إذا كانت معتدة من طلاق رجعى لا يحل لها أن تأخذ الأجرة كما لا يجوز في صلب النكاح لأن النكاح بعد الطلاق الرجعى قائم من كل وجه، وأما المبتوتة ففيها روايتان في رواية لا يجوز لها أن تأخذ الأجر لأنها مستحقة للنفقة والسكنى في حال قيام العدة فلا يحل لها الأجرة كما لا يحل للزوجه، وفى رواية يجوز لأن النكاح قد زال بالإبانة فصارت كالأجنبية. وأما إذا انقضت عدتها فالتمست أجرة الرضاع وقال الأب أنا أجد من يرضعه بغير أجر أو بأقل من ذلك فذلك له لقول الله "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (١) ولأن في إلزام الأب بما تلتمسه الأم إضرارا بالأب وقد قال الله : "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده" أي لا يضار الأب بالتزام الزياده على ما تلتمسه الأجنبية، كذا ذكر في بعض التأويلات، ولكن ترضعه عند الأم ولا يفرق بينهما لما فيه من إلحاق الضرر بالأم (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإِكليل نقلا عن ابن زرب إنه إذا كان لأحد الزوجين ابن صغير لم يكن له حاضن أجبر من أبى منهما على البقاء معه، فإن أراد إخراجه بعد ذلك لم يكن ذلك لواحد منهما لدخوله عليه فإن اشترطت حضانته في الصداق
стр. 8471
قلت وطاع الزوج بحضانة ابن الزوجة أو تطوعت الزوجة بحضانة ابن الزوج فإن التزم الزوج مع ذلك إجراء النفقة قلت وبإجراء النفقة بطول الزوجية إلى سقوط ذلك شرعا وذلك لازم للزوج وإن مات الابن سقط الطوع وإن كان لمدة معلومة وبقى من المدة شئ لأنها هبة لم تقبض وإن كان الطوع لمدة الزوجية فإنما يلزم الزوج الإِنفاق على الربيب ما دام صغيرا لا يقدر على الكسب. قال ابن عرفة نقلا عن ابن زرب: من تزوج امرأة وله ولد صغير من غيرها فأراد إمساكه بعد البناء وأبت ذلك نظر فإن كان له من يدفعه إليه من أهله يحضنه له ويكفله أجبر على إخراجه وإلا أجبرت على بقائه ولو بنى بها والصبى معها ثم أرادت إخراجه لم يكن لها ذلك، وكذلك الزوجة إن كان لها ذلك، وكذلك الزوجة إن كان لها ولد صغير مع الزوج حرف بحرف (١). وذكر صاحب التاج والإكليل نقلا عن المدونة: أن مالكا رضى الله تعالى عنه قال: تجبر ذات الزوج على رضاع ولدها بلا أجر إلا أن تكون ممن لا ترضع لشرفها فذلك على الزوج، قال والرضاع عليها إن كانت طلقت فيه طلاقًا رجعيا إذا كانت ممن يرضع مثلها ما لم تنقض العدة، فإذا انقضت العدة أو كان الطلاق بائنا وإن لم تنقض العدة فعلى الأب أجر الرضاع، قال اللخمى رحمه الله تعالى: لذات الشرف رضاع ولدها بأجر. قال مالك رضى الله تعالى عنه: وإن مات الأب وللصبى مال فللأم أن لا ترضعه، ويستأجر له ما يرضعه من ماله إلا أن لا يقبل غيرها إرضاعه فتجبر على أن ترضعه بأجر من ماله. قال مالك وإن لم يكن للصبى مال لزمها رضاعه يريد وإن كان غيرها يقبل، بخلاف النفقة فإنه لا يقضى بها عليها، قال في غير المدونة: وكذلك إذا لم يكن لليتيم مال ولا لأمه فإن عليها إرضاعه بخلاف النفقة. قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: عليها رضاع ولدها منه ما لم يكن مثلها لا يرضع لشرفها أو لمرضها أو لقطع لبنها. وإن قالت بعد ما طلقها البتة: لا أرضعه إلا بمائة ووجد الزوج من يرضعه بخمسين. قال مالك رضى الله تعالى عنه: الأم أحق به بما يرضع به غيرها، يريد بأجر مثلها لا بخمسين، قاله بعض القرويين، وقال ابن يونس رحمه الله تعالى: وهو الصواب (٢). قال ابن القاسم رحمه الله تعالى سمعت مالكا رضى الله تعالى عنه قال في امرأة طلقها زوجها وله منها ولد فردته عليه استثقالا له ثم طلبته لم يكن ذلك لها، قال ابن رشد رحمه الله تعالى: وهذا كما قال إنها إذا ردته إليه استثقالا له فليس لها أن تأخذه لأنها قد أسقطت حقها في حضانته إلا على القول بأن الحضانة من حق المحضون وهو قول ابن الماجشون رحمه الله تعالى، ولو كان إنما ردته إليه من عذر مرض أو انقطاع لبنها لكان لها أن تأخذه إذا صحت أو عاد إليها اللبن علي ما وقع لمالك في سماع أشهب، ولو تركته بعد أن زال العذر حتى طال الأمد السنة وشبهها لم يكن لها أن تأخذه، واختلف إن مات هل لها أن تأخذه ممن تصير إليه الحضانة بعده؟ قال في آخر رسم من سماع
стр. 8472
أشهب: ليس لها أن تأخذه لأنه رأى تركها إياه عند أبيه إسقاطا منها لحقها في حضانته، وقد قيل إن لها أن تأخذه إذا مات لأن تركها له عند أبيه إنما يحمل منها على إسقاط حضانتها للأب خاصة. وقال ابن نافع رحمه الله تعالى: لها أن تأخذ، وروى مثله لابن القاسم في المدونة أن لها أن تأخذه إلا أن يكون عرض عليها فأبت من أخذه، وهذا على الاختلاف في السكوت هل هو كالإِقرار والإِذن أم لا؟ وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم رضى الله تعالى عنه (١).
مذهب الشافعية:
جاء في مغنى المحتاج أن على الأم إرضاع ولدها اللبأ (٢) لأن الولد لا يعيش بدونه غالبا، وغيرها لا يغنى كما قاله في الكافى، والمراد كما قاله الرافعى رضى الله تعالى عنه أنه لا يعيش بدونه غالبا، أو أنه لا يقوى وتشتد بنيته إلا به، قال وإلا فإننا نشاهد من يعيش بلا لبأ. ولها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما لا يلزم بدل الطعام للمضطر إلا بالبدل. ثم بعد إرضاع اللبأ لم يوجد إلا الأم أو أجنبية وجب على الموجود منهما إرضاعه إبقاء للولد، ولهما طلب الأجرة من ماله إن كان، وإلا فممن تلزمه نفقته. وإن وجدت الأم والأجنبية لم تجبر الأم وإن كانت في نكاح أبيه على إرضاعه لقول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (٣) وإذا امتنعت حصل التعاسر، فإن رغبت في إرضاعه وهى منكوحة أبى الرضيع فله منعها مع الكراهة من إرضاعه في الأصح لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع، وهذا أقوى الوجهين في الشرحين، قلت الأصح ليس له منعها مع وجود غيرها، وصححه الأكثرون لأن فيه إضرارا بالولد لأنه عليه أشفق ولبنها له أصلح، ولا تزاد نفقتها للإرضاع، وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء لأن قدر النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها. ومثل المنكوحة البائن، فإن تبرعت لم ينزع الولد منها وإن طلبت أجرة فهى كالتى في نكاحه إذا توافقا وطلبت الأجرة. أما إذا كانت منكوحة غير أبى الرضيع فإن له منعها إلا أن تكون مستأجرة للإرضاع قبل نكاحه فليس له منعها كما قاله ابن الرفعة رضى الله تعالى عنه، وهذا كله كما قال الأذرعى في الزوجة والولد الحرين، أما لو كان رقيقا والأم حرة فله منعها كما لو كان الولد من غيره، ولو كانت رقيقة والولد حر أو رقيق قال فقد يقال من وافقه السيد منهما فهو المجاب ويحتمل غيره، والأول أوجه. فإن اتفقا على أن الأم ترضعه وطلبت أجرة مثل له أجيبت لقوله تعالى: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤). وكانت أحق به لما مر فاستئجار الزوج لها لذلك جائز، وقال العراقيون لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدا آخر يمنع استيفاء الحق، وأجاب الأول بأن
стр. 8473
الاستئجار منه رضى بترك الاستمتاع. وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإِرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة وإلا فلا. فإن طلبت الأم فوق أجرة المثل فلا تلزمه الإجابة لتضرره له وله استرضاع أجنبية، وكذا إن تبرعت أجنبية بإرضاعه أو رضيت بأقل من أجرة المثل ولو بشئ يسير لا يلزمه إجابة الأم إلى أجرة المثل في الأظهر لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة أو الزيادة على ما رضيت إضرارا، وقد قال الله : "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم" والسؤال الثاني المقابل للأظهر: تجاب الأم لوفور شفقتها. هذا إذا استمرأ الولد لبن الأجنبية إما إذا لم يستمرئ لبنها فإنه يجب عليه إجابة الأم إلى إرضاعه بأجرة المثل قطعا كما قال بعض المتأخرين لما في العدول عنها من الإِضرار بالرضيع (١). ويجوز للسيد إجبار أمته على إرضاع ولدها منه أو من غيره لأن لبنها ومنافعها له بخلاف الزوجة فإن الزوج لا يملك ذلك منها. ولو أراد تسليم ولدها منه إلى غيرها وأرادت إرضاعه لم يجز له منعها لما فيه من التفريق بينهما، لكن له ضمه في وقت الاستمتاع إلى غيرها إلى الفراغ، أما إذا كان الولد حرا من غيره أو مملوكا لغيره فله منعها من إرضاعه ويسترضعها غيره لأن إرضاعه على والده أو مالكه كما نقله ابن الرفعة وغيره عن الماوردى رضى الله تعالى عنهم وأقروه. وكذا غير ولدها يجبرها على إرضاعه أيضا إن فضل لبنها عن رى ولدها إما لاجتزائه بغيره وإما لقلة شربه، وإما لغزارة لبنها، فإن لم يفضل فلا إجبار لقول الله تعالى: "لا تضار والدة بولدها" (٢) ولأن طعامه اللبن فلا يجوز أن ينقص من كفايته كالقوت. ويجبرها أيضا على فطمه قبل مضى حولين إن لم يضر الولد الفطم بأن اكتفى بغير لبنها ولم يضرها أيضا، ويجبرها على إرضاعه بعد الحولين إن لم يضرها ولم يضره أيضا، فليس لها استقلال برضاع ولا فطم لأنه لا حق لها في التربية بخلاف الحرة. وللحرة حق التربية وحينئذ فليس لأحد الأبوين الحرين فطم الولد قبل مضى حولين إلا برضا الآخر لأن مدة الرضاع لم تتم. ولهما فطمه قبل حولين إن لم يضره الفطم لاتفاقهما وعدم الضرر بالطفل، فإن ضره الفطم فلا، ويجوز لأحدهما فطمه إن اجتزأ بالطعام بعد حولين من غير رضا الآخر لأنها مدة الرضاع التام، فإن كان ضعيف الخلقة لا يجتزئ بغير الرضاع لم يجز فطامه، وعلى الأب بذل الأجرة حتى يبلغ حدا يجتزئ فيه بالطعام، وإذا امتنعت الأم من إرضاعه أجبرها الحاكم عليه إن لم يجد غيرها كما قاله المتولى وغيره (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى أن رضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه، دنيئة كانت أو شريفة، سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة، ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافا، فأما إن كانت مع الزوج
стр. 8474
فكذلك عندنا وبه يقول الثورى والشافعى وأصحاب الرأى رضى الله تعالى عنهم، وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح رضى الله تعالى عنهما: له إجبارها على رضاعه، وهو قول أبى ثور ورواية عن مالك لقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (١)، والمشهور عن مالك أنها إن كانت شريفة لم تجر عادة مثلها بالرضاع لولدها لم تجبر عليه، وإن كانت ممن ترضع في العادة أجبرت عليه. ويدل لنا قول الله : "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (٢)، وإذا اختلفا فقد تعاسرا، ولأن الإِجبار على الرضاع لا يخلو إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج أو لهما؛ لا يجوز أن يكون لحق الزوج فإنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به، ولا يجوز أن يكون لحق الولد فإن ذلك لو كان له للزمها بعد الفرقة، ولأنه ما يلزم الوالد لولده، فلزم الأب على الخصوص كالنفقة أو كما بعد الفرقة، ولا يجوز أن يكون لهما لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض، ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة، والآية محمولة على حال الإِنفاق وعدم التعاسر وإذا طلبت الأم إرضاع الولد بأجر مثلها فهى أحق به، سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها، وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد، وقال أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم: إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من إرضاعه لأنه يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان، وإن استأجرها على رضاعه لم يجز لأن المنافع حق له فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له، وإن أرضعت الولد فهل لها أجر المثل؟ على وجهين، وإن كانت مطلقة وطلبت أجر المثل فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من ترضعه بأجر المثل أو أكثر لم يكن له ذلك وإن وجد متبرعة أو من ترضعه بدون أجر المثل فله انتزاعه منها في ظاهر المذهب لأنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: إن طلبت الأجر لم يلزم الأب بذلها لها ولا يسقط حقها من الحضانة، وتأتى المرضعة ترضعه عندها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز الإخلال بأحدهما. ويدل لنا على جواز الاستئجار أنه عقد إجارة يجوز من غير الزوج إذ أذن فيه فجاز مع الزوج كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة، وقولهم إن المنافع مملوكة له غير صحيح فإنه لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه، ولكانت الأجرة له، وإنما امتنعت إجارة نفسها لأجنبى بغير إذنه لما فيها من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات ولما جاز بإذنه، وإذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبى، وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة فقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)، وقوله سبحانه: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (٤) ولأن الأم أحنى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها، كما
стр. 8475
لو طلبت الأجنبية رضاعة بأجر مثلها، ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة وإضرارا بالولد ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق الله تعالى على الأب، وقول أبى حنيفة يفضى إلى تفويت حق الولد من لبن أمه، وتفويت حق الأم في إرضاعه لبنها، فلم يجز ذلك كما لو تبرعت برضاعه، فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها لأنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها، فدخلت في عموم قولة تعالى: "وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى"، وإن لم يجد مرضعة إلا بمثل تلك الأجرة فالأم أحق لأنهما تساوتا في الأجر فكانت الأم أحق، كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أن الواجب على كل والدة حرة كانت أو أمة في عصمة زوج أو في ملك سيد أو كانت خلوا منهما لحق ولدها تولد من مائه أو لم يلحق .. الواجب عليها أن ترضع ولدها أحبت أم كرهت ولو أنها بنت الخليفة، وتجبر على ذلك إلا أن تكون مطلقة، فإن كانت مطلقة لم تجبر على إرضاع ولدها من الذي طلقها إلا أن تشاء هي ذلك فلها ذلك أحب أبوه أم كره، أحب الذي تزوجها بعده أم كره، فإن تعاسرت هي وأبو الرضيع أمر الوالد بأن يسترضع لولده امرأة أخرى ولا بد إلا أن لا يقبل الولد غير ثديها فتجبر حينئذ أحبت أم كرهت، أحب زوجها إن كان لها زوج أم كره، فإن مات أبو الرضيع أو أفلس أو غاب بحيث لا يقدر عليه أجبرت الأم على إرضاعه إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضُر به فإنه يسترضع له غيرها، ويتبع الأب بذلك إن كان حيا وله مال. فإن لم تكن مطلقة لكن في عصمته أو منفسخة النكاح منه أو من عقد فاسد بجهل فاتفق أبوه وهى على استرضاعه وقبل غير ثديها فذلك جائز، فإن أراد أبوه ذلك فأبت هي إلا إرضاعه فلها ذلك، فإذا أرادت هي أن تسترضع له غيرها وأبى الوالد لم يكن لها ذلك وأجبرت على إرضاعه سواء قبل غير ثديها أو لم يقبل غير ثديها إلا أن لا يكون لها لبن، أو كان لبنها يضر به فعلى الوالد حينئذ أن يسترضع لولده غيرها، فإن لم يقبل في كل ذلك إلا ثدى أمه أجبرت على إرضاعه إن كان لها لبن لا يضر به، فإن كان لا أب له إما بفساد الوطء بزنا أو إكراه أو لعان أو بحيث لا يلحق بالذي تولد من مائه وإما بموت أبيه فالأم تجبر على إرضاعه إلا أن لا يكون لها لبن أو كان لها لبن يضر به. أما إجبار الأم على إرضاع ولدها دون تفريق في ذلك بينا شريفة ووضيعة فلقول الله : "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (٢). وهذا عموم لا يحل لأحد أن يخص منه شيئا إلا ما خصه نص ثابت، وأما استثناء المطلقة من الإِجبار على إرضاع ولدها من الذي طلقها فلقول الله في سورة