← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

صفته، وإن لم يشرط عليه القلع فإن اختار المستعير القلع بلا أرش لأنَّهُ ملكهـ وقد رضي بنقصانه ولا يلزمه تسوية الأرض في الأصح في المحرر لأن الإعارة مع العلم بأن للمستعير. أن يقلع رضا بما يحدث من القلع، قلت الأصح تلزمه التسوية لأنَّهُ قلع باختياره، ولو امتنع منه لم يجبر عليه فيلزمه إذا قلع رد الأرض إلى ما كانت عليه ليرد كما أخذ وهذا هو الأظهر في الشرحين، وقال في الروضة: إنه قول الجمهور وإن ما في المحرر ضعيف، وقال السبكي إن كان الكلام في حفر حصلت في مدة العارية لأجل الغرس والبناء فالأمر كما في المحرر وإن كان في حفر حصلت من القلع زائدة على ما حصل قبل ذلك فالراجح وجوب التسوية، ثم قال: فتلخص للفتوى الفرق بين الحفر لأجل الغراس والبناء وبين الحفر للقلع وهذا الحمل متعين. ومحل الخلاف كما قاله ابن الملقن رحمه الله تعالى إذا كانت الحفر الحاصلة في الأرض على قدر الحاجة فإن كانت زائدة على حاجة القلع لزمه طم الزائد قطعا. وإن لم يختر المستعير القلع لم يقلع المعير مجانا لأنَّهُ وضع بحق فهو محترم، بل للمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة مثله أو يقلع ويضمن أرش نقصه وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائما ومقلوعا كما في الكفاية، قيل: أو يتملكه بعقد، ولا يلحق بالشفيع كما يؤخذ من كلام الرافعي بقيمة مستحق القلع حين التملك كما قاله العمراني رحمه الله تعالى فإن قيمته تنقص على هذا التَّقديرُ ووجه مقابله أن ذلك بيع فلابد فيه من التراضي وتخييره بين الثلاث هو المعتمد وفاقا للإمام والغزالي وصاحب الحاوى الصغير والأنوار وغيرهم، ومقتضي كلام الروضة وأصلها في الصلح خلافا لما فيها هنا من تخصيص التخيير بالأول والثالث، وأما ما وقع في الكتاب تبعًا لأصله من التخيير بين التبقية بالأجرة وبين القلع مع غرامة الأرش دون التملك بالقيمة لم يذكراه في الشرحين والروضة وجها فضلا عن تصحيحه بل لم يذكره غيرهما إلا ما يوهمه كلام التنبيه، بل قال الزركشي تبعًا للبلقيني رحمهما الله تعالى: ليس في المسئلة خلاف كما زعمه الشيخان، بل الكل متفقون على التخيير بين الثلاث ونسبه الإمام إلى كافة الأصحاب. فإن لم يختر المعير واحدة من الخصال التي خير فيها لم يقلع مجانا - أي ليس له ذلك - إن بذل المستعير الأجرة لانتفاء الضرر، وكذا إن لم يبذلها في الأصح لأن المعير مقصر بترك الاختيار راض بإتلاف منافعه، والقول الثاني المقابل للأصح: يقلع لأنَّهُ بعد الرجوع لا يجوز الانتفاع بما له مجانا، ثم على الأصح قيل يبيع الحاكم الأرض وما فيها من بناء وغراس ويقسم بينهما فصلا للخصومة، والأصح أن الحاكم يعرض عنهما حتَّى يختارا شيئًا أي يختار المعير ماله اختياره ويوافقه المستعير عليه لينقطع النزاع بينهما (١). والعارية المؤقتة لبناء أو غراس أو غيره كالمطلقة فيما مر من الأحكام إذا انتهت المدة أو رجع فيها، لكن في المؤقتة يجوز له أن يغرس ويبني المرة بعد الأخرى ما لم تنقض المدة أو يرجع المعير، وفي المطلقة لا يفعل ذلك إلا مرة واحدة، فإن قلع ما بناه أو غرسه لم يكن له إعادته إلا بإذن جديد إلا إن صرّح له بالتجديد مرة بعد أخرى، ذكره الشيخان في الكلام على الزرع وغير الغراس والبناء في معناهما، فإن فعل عالما أو جاهلا برجوعه

стр. 8542

أو بعد انقضاء المدة قلع مجانا وكلف تسوية الأرض كالغاصب في حالة العلم وكذلك ما نبت بحمل السيل إلى أرض غيره في حالة الجهل، وفى قول له القلع في المؤقتة مجانا إذا رجع بعد المدة ويكون هذا فائدة التأقيت، ومقابله يقول فائدته طلب الأجرة. وإذا أعاره أرضا لزراعته مطلقًا ورجع المعير قبل إدراك الزرع فالصحيح أن عليه الإِبقاء إلى الحصاد لأنَّهُ محترم وله أن ينتظر بخلاف البناء والغراس ومقابل الأصح وجهان: أحدهما: له قلعه ويغرم أرش النقص. والثانى: له التملك بالقيمة في الحال وعلى الأول إن كان الزرع مما يعتاد قلعه قصيلا كلف القلع وكذا إن لم ينقص بالقلع كما في المطلب وإن لم يعتد قطعه، والصحيح وفى الروضة الأصح أن له الأجرة من وقت الرجوع إلى الحصاد لأن الإباحة انقطعت بالرجوع فأشبه ما إذا أعار دابة ثم رجع في الطريق فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل، والثانى لا أجرة له لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاه بالزرع ثم أشار إلى ما هو كالمستثنى مما قبله بقوله: ولو عين المعيد مدة للزراعة ولم يدرك أي الزرع فيها لتقصير المستعير بتأخير الزراعة قلع المعير الزرع مجانا لما أشار إليه من كونه مقصرا ويلزمه أيضًا تسوية الأرض وإن قصر بالزرع ولم يقصر بالتأخير كأن كان على الأرض سيل أو ثلج أو نحو ذلك لا يمكن معه الزرع ثم زرع بعد تمكنه وهو لا يدرك في المدة فالحكم كذلك أما إذا لم يحصل منه تقصير فإنه لا يقلع مجانا بل يكون كما لو أعار مطلقًا سواء كان عدم الإِدراك لحر أم برد أم مطر أم لقلة المدة المعينة أم لأكل الجراد رءوس الزرع فنبت ثانيًا، قال الأسنوى وذكر الرافعى في الإِجارة أنه إذا أبدل الزرع المعين بغيره كان كالتقصير بالتأخير فيأتى مثله هنا أيضًا. ولو حمل السيل أو نحوه كهواء بذرا لغيره إلى أرضه فنبت فيها فالنابت لصاحب البذر لأنَّهُ عين ماله تحول إلى صفة أخرى فلم يزل ملكه عنه فيجب رده إليه إن حضر وعلمه وإلا فيرده إلى القاضي لأنَّهُ نائب الغائب ويحفظ المال الضائع. والأصح أن المالك يجبر على قلع ما ذكر لأن مالك الأرض لم يأذن له، والقول الثانى المقابل للأصح: لا يجبر لأنَّهُ غير متعد فهو كالمستعير، وعلى الأول يلزمه تسوية الأرض لأن ذلك لتخليص ملكه ولا أجرة عليه للمدة التي قبل القلع كما في المطلب لعدم فعله، أما إذا أعرض عنها مالكها وكان ممن يصح إعراضه فهى لمالك الأرض (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أن مالك الشئ لو أعاره شخصا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع في العارية في أثنائه ضرر بالمستعير لم يجز له الرجوع لأن الرجوع يضر بالمستعير فلم يجز له الإِضرار به، مثل أن يعيره لوحا يرقع به سفينته فرقعها به ولجج بها في البحر لم يجز له الرجوع ما دامت في البحر وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه لعدم الضرر فيه. وإن أعاره أرضا ليدفن فيها فله الرجوع ما لم يدفن فيها، فإذا دفن لم يكن له الرجوع ما لم يبل الميت، وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه جاز كما تجوز إعارة الأرض

стр. 8543

للبناء وللغراس وله الرجوع ما لم يضعه وبعد وضعه ما لم يبن عليه لأنَّهُ لا ضرر فيه، فإن بنى عليه لم يجز الرجوع لما في ذلك من هدم البناء، وإن قال أنا أدفع إليك أرش ما نقص بالقلع لم يلزم المستعير ذلك لأنَّهُ إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه ولا يجب على المستعير قلع شئ من ملكه بضمان القيمة، وإن انهدم الحائط وزال الخشب عنه أو أزاله المستعير باختياره لم يملك إعادته سواء بنى الحائط بآلته أو بغيرها لأن العارية لا تلزم، وإنما امتنع الرجوع قبل انهدامه لما فيه من الضرر بالمستعير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال ذلك، وكذلك إذا سقط الخشب والحائط بحاله، وإن أعاره أرضا لزراعة شئ فله الرجوع ما لم يزرع فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهى الزرع، فإن بذل له قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه لأن له وقتا ينتهى إليه، فإن كان مما يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده لعدم الضرر فيه، وإن لم يكن كذلك لم يكن له الرجوع حتَّى ينتهى، وإن أذن له في البناء والغراس فيها فله الرجوع قبل قلعه، فإذا غرس وبنى فللمالك الرجوع فيما بين الغراس والبناء لأنَّهُ لم يتعلق به ملك المستعير ولا ضرر عليه في الرجوع منه فأشبه ما لو لم يبن في الأرض شيئًا ولم يغرس فيها، ثم إن اختار المستعير أخذ بنائه وغراسه فله ذلك لأنَّهُ ملكه فملك نقله ولا يلزم تسوية الحفر، ذكره القاضي لأن المستعير رضى بذلك حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه، ويحتمل أن عليه تسوية الحفر لأن القلع باختياره، فإنه لو امتنع منه لم يجبر عليه فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها، وإن أبى القلع فبذل له المعير ما ينقص بالقلع أو قيمة غراسه وبنائه دائما ليأخذه المعير أجبر المستعير عليه لأنَّهُ رجوع في العارية من غير إضرار، وإن قال المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لى لم يكن له لأن الغراس تابع والأرض أصل ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع ولا تتبعهما، وبهذا كله قال الشافعي رضى الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة ومالك رضى الله تعالى عنهما: يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان إلا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع فيها قبل انقضائها لأن المعير لم يعره فكان عليه القلع كما لو شرطه عليه. ويدل لنا أنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القلع فلم يلزمه القلع من غير ضمان كما لو طالبه قبل انقضاء الوقت، وقولهم لم يعره ممنوع فإن الغراس والبناء يردان للمتبقية وتقدير المدة ينصرف إلى ابتدائه كأنه قال له: لا تغرس بعد هذه المدة، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النقص، وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجرة لم يقلع لأن الإعارة تقتضى الانتفاع من غير ضمان والإذن فيما يبقى على الدوام وتضر إزالته رضا بالإبقاء، وقول النَّبيّ ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" يدلُّ بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق فعند ذلك إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه فيقال كم قيمة الأرض غير مغروسة ولا مبنية؟ فإذا قيل عشرة، قلنا وكم تساوى مغروسة ومبنية؟ فإن قالوا خمسة عشر قلنا فللمعير ثلثا الثمن وللمستعير ثلثه، وإن امتنعا عن البيع بقيا على حالهما وللمعير دخول أرضه كيف شاء والانتفاع بها بما لا يضر الغراس

стр. 8544

والبناء ولا ينتفع بهما وليس لصاحب الغراس والبناء الدخول إلا لحاجة مثل السقى وإصلاح الثمرة لأن الإِذن في الغراس إذن فيما يعود بصلاحه وأخذ ثماره وسقيه وليس له دخولها للتفرج لأنَّهُ قد رجع في الإِذن له ولكل واحد منهما بيع ما يختص به من الملك منفردا فيكون للمشترى مثل ما كان لبائعه. وقال بعض أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم ليس للمستعير بيع الشجر لأن ملكه فيه غير مستقر بدليل أن للمعير أخذه متى شاء بقيمته، قلنا: عدم استقراره لا يمنع بيعه بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول، وفى جميع هذه المسائل متى كان المعير شرط على المستعير القلع عند رجوعه ورد العارية غير مشغولة لزمه ذلك لأن المسلمين على شروطهم ولأن العارية مقيدة غير مطلقة فلم تتناول ما عدا المقيد لأن المستعير دخل في العارية راضيا بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافا. وأما تسوية الحفر الحاصلة بالقلع فإن كانت مشروطة عليه لزمه كما ذكرنا، وإن لم تكن مشروطة لم يلزم لأنَّهُ رضى بضرر القلع من الحفر ونحوه حيث اشترط القلع، ولم ينكر أصحابنا على المستعير أجرا في شئ من هذه المسائل إلا فيما إذا استعار أرضا للزرع فزرعها ثم رجع المعير فيها قبل كمال الزرع فإن عليه أجر مثله من حين رجع المعير لأن الأصل جواز الرجوع، وإنما منع من القلع لما فيه من الضرر ففى دفع الأجر جمع بين الحقين فيخرج في سائر المسائل مثل هذا الوجود هذا المعنى فيه، ويحتمل أن لا يجب الأجر في شئ من المواضع لأن حكم العارية باق فيه لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها والإِعارة تقتضى الانتفاع بغير عوض (١). وإذا حمل السيل بذر رجل من أرض إلى أرض غيره فنبت فيها لم يجبر على قلعه، وقال أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم في أحد الوجهين: يجبر على ذلك إذا طالبه رب الأرض به لأن ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه فأشبه ما لو انتشرت أغصان شجرته في هواء ملك جاره. ويدلُّ لنا أن قلعه إتلاف للمال على مالكه ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك، كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها منها إلا بقلع الباب أو قتلها فإننا لا نجبره على قتلها، ويفارق أغصان الشجرة فإنه يدوم ضرره ولا يعرف قدر ما يشغل من الهواء فيؤدى أجره. إذا ثبت هذا فإنه يقر في الأرض إلى حين حصاده بأجر مثله، وقال القاضي رحمه الله تعالى ليس عليه أجر لأنَّهُ حصل في أرض غيره بغير تفريط فأشبه ما لو باتت دابته في أرض إنسان بغير تفريطه وهذا بعيد لأن إلزامه تبقية زرع ما أذن فيه في أرضه بغير أجر ولا انتفاع إضرار به وشغل لملكه بغير اختياره من غير عوض فلم يجز كما لو أراد إبقاء بهيمته في دار غيره عاما، ويفارق مبيتها لأن ذلك لا يجبر المالك عليه ولا يمنع من إخراجها، فإذا تركها اختيارا

стр. 8545

منه كان راضيا به بخلاف مسئلتنا، ويكون الزرع لمالك البذر لأنَّهُ من عين ماله، ويحتمل أن يكون حكم هذا الزرع حكم زرع الغاصب لأنَّهُ حصل في أرضه بغير إذنه فأشبه ما لو زرعه مالكه، والأول أولى لأن هذا بغير عدوان وقد أمكن جبر حق مالك الأرض بدفع الأجر إليه، وإن أحب مالكه قلعه فله ذلك وعليه تسوية الحفر وما نقصت الأرض لأنَّهُ أدخل النقص على ملك الغير لاستصلاح ملكه فأشبه المستعير، وأما إن كان السيل حمل نوى فنبت شجرا في أرض غيره كالزيتون والنخيل ونحوه فهو لمالك النوى لأنَّهُ من نماء ملكه فهو كالزرع ويجبر على قلعه ههنا لأن ضرره يدوم فأجبر على إزالته كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غير مالكها، وإن حمل السيل أرضا بشجرها فنبت في أرض آخر كما كانت فهى لمالكها يجبر على إزالتها، وفى كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب الأرض التي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجر ولا غير ذلك لأنَّهُ حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة إلى صاحب الأرض المشغولة به إن أخذه لنفسه وإن شاء قلعه (١). مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار وحواشيه أنه يصح لمن أعار عينا وكذا يصح لمن استعارها الرجوع فيها متى شاء مطلقًا، أي سواء كانت مطلقة أم مؤقتة، هذا مذهبنا ما لم يؤد ذلك إلى فعل محظور أو ترك واجب نحو أن يستعير ثوبا ليستر عورته في الصلاة الواجبة أو ليصلى عليه في الموضع المتنجس. أو استعارة المرأة عبدا محرما لها ليحج بها فإنه لا يجوز الرجوع عن العارية بعد الإِحرام للصلاة والحج، ونحو أن يستعير سفينة ليعبر عليها أو خيطا ليربط جرح محترم أو آلة من رشا أو غيره لينقذ به محترم الدم في بئر أو نحو ذلك فإنه لا يجوز الرجوع في العارية حيث يحصل تلف محترم الدم أو ضرره، أو ثوبا ليكفن به الميت فإنه لا يجوز الرجوع بعد الدفن وله أجرة المثل من يوم الرجوع. ولو استعار رجل جملا أو نحوه من رجل آخر ليحمل عليه إلى موضع آخر ثم رجع المعير له في بعض الطريق عن عاريته قال ﵇ يلزم المعير أجرته إلى حيث أعاره إن وجد ما يحمله عليه وإلا لزمه تمام العارية، وكذا لو أعار مدفنا في جهة بعيدة ثم حمل المستعير الحب إليها أو إلى بعض الطريق فرجع المعير لزمه غرامة المستعير في ذلك. ولو أن رجلا استعار حائطا ليبنى عليه بناء أو استعار أرضا ليغرس فيها فبنى أو غرس ثم طالبه المعير برفع ذلك فإنه ينظر فإن كانت مؤقتة فطالبه بعد انقضاء الوقت رجب على المستعير رفعه ولا شئ له عندنا. ويجب على الراجع في العارية المطلقة والمؤقتة قبل انقضاء الوقت للمستعير في الغرس والبناء ونحوهما كوضع الفص في الخاتم والجزع في وسط الجدار ونحو ذلك .. يجب عليه الخيارات وهما إن شاء طلب من المعير قيمة البناء والغرس قائما ليس له حق البقاء، وإن شاء قلع بناءه وغرسه وطلب أرش النقصان، وفى وجوب تسوية الأرض وجهان أصحهما: لا يلزم إذ الإذن للمستعير بالغرس إسقاط لما تولد عنه، وقيل: يجب الإصلاح. وذكر في البيان لمذهب الهادى ﵇ أنه إذا اختار النقص فلا شئ له.

стр. 8546

وأما إذا استعار الأرض للزرع فرجع المعير قبل انقضاء الوقت وجب للمستعير في الزرع والثمر الثلاثة الخيارات؛ فالأولان هما الخياران المذكوران في الغرس والبناء والثالث أن يبقى الزرع إلى أن يحصد بالأجرة لصاحب الأرض. وإنما تلزم المستعير الأجرة من بعد الرجوع لبقاء الزرع إن قصر حتَّى تعدى المدة المؤقتة، فأما لو لم يكن منه تقصير استحق بقاء الزرع بلا أجرة حتَّى يحصد ولو تعدى المدة المضروبة. قال ﵇: ولا يبعد لو استعار الأرض للغرس ورجع المعير وفى الشجر المغروس ثمر أنه لا يجب القلع حتَّى يجذ الثمر قال في الحاشية: ظاهره بلا أجرة لمالك الأرض (١). مذهب الإِمامية: جاء في الروضة البهية أن للمالك الرجوع في العارية متى شاء لاقتضاء جواز العقد ذلك إلا في الإِعارة لدفن الميت المسلم ومن في حكمه فلا يجوز الرجوع فيه بعد الطم لتحريم نبشه وهتك حرمته إلى أن تندرس عظامه، ولو رجع قبله جاز وإن الميت قد وضع على الأقوى للأصل، فمؤنة الحفر لازمة لولى الميت لقدومه على ذلك إلا أن يتعذر عليه غيره مما لا يزيد عوضه عنه فيقوى كونه من مال الميت لعدم التقصير ولا يلزم وليه طمه للإذن فيه. ويستثنى آخران أيضًا. أحدهما إذا حصل بالرجوع ضرر على المستعير لا يستدرك كما لو أعاره لوحا رفع به سفينة ولجج في البحر فلا رجوع للمعير إلى أن يمكنه الخروج إلى الشاطئ أو إصلاحها مع نزعه من غير ضرر، ولو رجع قبل دخول السفينة أو بعد خروجها فلا إشكال في جوازه مع احتمال الجواز مطلقًا، وإن رجب الصبر بقبضه إلى أن يزول الضرر (٢). وذكر صاحب الخلاف أن المعير إذا طالب المستعير بقلع ما أذن له في غراسه من غير أن يضمن له أرش النقصان وأبى ذلك صاحبه لم يجبر عليه، وبه قال الشافعي رضى الله تعالى عنه. وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: يجبر على ذلك وإن لم يضمن. دليلنا قول النَّبيّ ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" وهذا ليس بظالم فيجب أن يكون له حق، وروت عائشة رضى الله تعالى عنها أن النَّبيّ ﷺ قال: من بنى في رباع قوم بإذنهم فله قيمته (٣). حكم الامتناع من تسليم مال المضاربة أو بيعه مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أنه إذا اشترى المضارب، بمال المضاربة متاعا وفيه فضل أو لا فضل فيه فأراد رب المال بيع ذلك فأبى المضارب وأراد إمساكه حتَّى يجد ربحا فإن المضارب يجبر على بيعه إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته

стр. 8547

في ملكه لحق يحتمل الثبوت والعدم وهو الربح لا سبيل إليه، ولكن يقال له إن أردت الإمساك فرد عليه ماله وإن كان فيه ربح يقال له ادفع إليه رأس المال وحصته من الربح ويسلم المتاع إليك (١). وعقد المضاربة عد غير لازم ولكل من رب المال والمضارب أن يفسخه لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه، ويشترط أيضًا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير، حتَّى لو نهى رب المال المضارب عن التصرف ورأس المال عروض وقت النهى لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنَّهُ يحتاج إلى بيعها بالدراهم والدنانير لمظهر الربح فكان النهى والفسخ إبطالا لحقه في التصرف فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم ودنانير وقت الفسخ والنهى صح الفسخ والنهى لكن له أن يصرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى الدراهم لأن ذلك لا يعد بيعا لاتحادهما في الثمنيه (٢). وإذا انفسخت المضاربة ومال المضاربة ديون على الناس وامتنع عن التقاضي والقبض فإن كان في المال ربح أجبر على التقاضى والقبض، وإن لم يكن فيه ربح لم يجبر عليهما وقيل له أحل رب المال بالمال على الغرماء لأنَّهُ إذا كان هناك ربح كان له فيه نصيب فيكون عمله عمل الأجير والأجير مجبور على العمل فيما التزم وإن لم يكن هناك ربح لم تسلم له منفعة فكان عمله عمل الوكلاء فلا يجبر على إتمام العمل كما لا يجبر الوكيل على قبض الثمن، غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين حتَّى يمكنه قبضه لأن حقوق العقد راجعة إلى العاقد فلا تثبت ولاية القبض للآمر إلا بالحوالة من العاقد فيلزمه أن يحمله بالمال حتَّى لا يتوى حقه (٣). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة، قال مالك رضى الله تعالى عنه: لرب المال رد المال ما لم يعمل به العامل أو يظعن به لسفر، وإن ابتاع به سلفا وتجهز يريد بعض البلدان فنهاه ربه أن يسافر فليس له أن يمنعه بعد شرائه لأنَّهُ يبطل عليه عمله كما لو اشترى سلعا فأراد رب المال أن يبيع ذلك مكانه فليس له ذلك ولكن ينظر السلطان فمؤخر منها ما يرجى له سوق لئلا يذهب عمل العامل باطلًا. قال محمد رحمه الله تعالى: لو اشترى مثل الزاد والسفرة فإن رضى رب المال بأخذ ذلك بما اشتراه فذلك له. قال مالك رضى الله تعالى عنه: وليس لرب المال جبر العامل على بيع سلع قراضة لأخذ رأس ماله، وينظر الإِمام فيها إن رأى وجه بيعها عجله وإلا أخره إلى إبان سوقها كالحبوب تشترى في الحصاد ترفع لإِبان نفاقها والضأن تشترى قبل أيام النحر ترفع ليومه، قال اللخمى رحمه الله تعالى: وكذا العامل إن أراد تعجيل بيعها وأبى ربها (٤).

стр. 8548

مذهب الشافعية: جاء في مغنى المحتاج أن لكل من طرفى المضاربة فسخ عقدها متى شاء من غير حضور الآخر ورضاه لأن القراض في ابتدائه وكالة وفى انتهائه إما شركة وإما جعالة وكلها عقود جائزة. ولو مات أحدهما أو جن أو أغمى عليه انفسخ عقد القراض كالوكالة، وللعامل إذا ما المالك أو جن الاستيفاء والتنضيض بغير إذن الورثة في الأولى والولى في الثانية اكتفاء بإذن العاقد كما في حال الحياة، وكالجنون الإغماء المفهوم بالأولى، بخلاف ما لو مات العامل فإن ورثته لا تملك المبيع بدون إذن المالك لأنَّهُ لم يرض بتصرفهم، فإن امتنع المالك من الإِذن في البيع تولاه أمين من جهة الحاكم ولا تقرر ورثة المالك العامل على القراض كما لا تقرر المالك ورثة العامل عليه لأن ذلك ابتداء قراض وهو لا يصح على العروض، فإن نض المال ولو من غير جنس المال جاز تقرير الجميع فيكفى أن تقول ورثة المالك للعامل قررناك على ما كنت عليه مع قبوله أو يقول المالك لورثة العامل قررتكم على ما كان مورثكم عليه مع قبولهم لفهم المعنى وكالورثة وليهم وكالموت الجنون والإغماء. ويلزم العامل الاستيفاء لدين القراض إذا فسخ أحدهما أو هما أو انفسخ كأن باع بنقد ثم انفسخ القراض قبل توفير الثمن لأن الدين ناقص وقد أخذ منه ملكا تاما فليرد كما أخذ سواء كان في المال ربح أم لا، قال الخطيب: قضية إطلاق صاحب المنهاج كغيره الاستيفاء أنه يلزمه استيفاء رأس المال والربع معا وهو كذلك كما صرّح به في المرشد، وإن كان ظاهر كلام المهذب أنه إنما يلزمه استيفاء رأس المال وصرح به ابن يونس رحمه الله تعالى، فإن قيل يدلُّ هذا تصريحهم بأن في العروض لا يلزمه إلا تنضيض رأس المال فقط أجيب بأن القراض مستلزم لشراء العروض والمالية فيه محققة فاكتفى بتنضيض رأس المال فقط بخلاف الدين ولو رضى المالك بقبول الحوالة جاز. ويلزم العامل أيضًا تنضيض رأس المال إن كان عند الفسخ عرضا وطلب المالك تنضيضه سواء أكان في المال ربع أم لا، ولو كان المال عند الفسخ ناضا لكنه من غير جنس رأس المال أو من جنسه ولكن من غير صفته كالصحاح والمكسرة فكالعروض، ولو أبطل السلطان النقد الذي جرى عليه القراض والمال عرض رد من الأول في زيادة الروضة، وقيل من الحادث فإن لم يطلب المالك التنضيض لم يجب إلا أن يكون المال لمحجور عليه وحظه في التنضيض فيجب، ولو قال المالك لا تبع ونقسم العروض بتقويم عدلين أو قال أعطيك نصيبك من الربح ناضا أجيب، وكذا لو رضى بأخذ العروض من العامل بالقيمة ولم يزد راغب كما جزم به ابن المقرى رضى الله تعالى عنه، فلو حدث بعد ذلك غلاء لم يؤثر وخرج بقدر رأس المال الزائد عليه فلا يلزمه تنضيضه بل هو عرض اشترك فيه اثنان لا يكلف أحدهما بيعه، نعم لو كان بيع بعضه ينقص قيمته كالعبد لزمه تنضيض الكل كما بحثه في المطلب. وقيل لا يلزم العامل التنضيض إذا لم يكن ربع إذ لا فائدة له فيه، ودفع بأنه في عهده أن يرد كما أخذ (١).

стр. 8549

مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أن المضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما أيهما كان وبموته وجنونه والحجر عليه لسفه لأنَّهُ متصرف في مال غيره بأذنه فهو كالوكيل ولا فرق بمن ما قبل التصرف وبعده فإذا انفسخت والمال ناض لا ربع فيه أخذه ربه، وإن كان فيه ربح قسما الربع على ما شرطاه، وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما، وإن طلب العامل البيع وأبى رب المال وقد ظهر في المال ربح أجبر رب المال على البيع - وهو قول إسحاق والثورى - رحمهما الله تعالى - لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع، وإن لم يظهر ربح لم يجبر لأنَّهُ لاحق له فيه وقد رضيه مالكه كذلك فلم يجبر على بيعه - وهذا ظاهر مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه - وقال بعضهم فيه وجه آخر أنه يجبر على البيع لأنَّهُ ربما زاد فيه زائد أو رغب فيه راغب فزاد على ثمن المثل فيكون للعامل في البيع حظ، ويدل لنا أن المضارب إنما استحق الربع إلى حين الفسخ وذلك لا يعلم إلا بالتقويم ألا ترى أن المستعير إذا غرس أو بنى أو المشترى كان للمعير والشفيع أن يدفعا قيمة ذلك لأنَّهُ مستحق للأرض فههنا أولى، وما ذكروه من احتمال الزيادة بزيادة مزايد أو راغب على قيمته فإنما حدث ذلك بعد فسخ العقد فلا يستحقها العامل. وإن طلب رب المال البيع وأبى العامل ففيه وجهان: أحدهما: يجبر العامل على البيع - وهو قول الشافعي رضى الله تعالى عنه - لأن عليه رد المال ناضا كما أخذه. والوجه الثاني: لا يجبر إذا لم يكن في المال ربع أو أسقط حقه من الربع لأنَّه بالفسخ زال تصرفه وصار أجنبيا من المال فأشبه الوكيل إذا اشترى ما يستحق رده فزالت وكالته قبل رده. ولو كان رأس المال دنانير فصار دراهم أو كان دراهم فصار دنانير فهو كما لو كان عرضا، وإذا نض رأس المال جميعه لم يلزم العامل أن ينض له الباقى لأنَّهُ شركة بينهما ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه ولأنه إنما لزمه أن ينض رأس المال ليرد إليه رأس ماله على صفته ولا يوجد هذا المعنى في الربح (١). وإن طلب أحد المتضاربين قسمة الربع من رأس المال وأبى الآخَر قدم قول الممتنع لأنَّهُ إن كان رب المال فلأنه لا يأمن الخسران في رأس المال فيجبره بالربح، وإن كان الممتنع العامل فإنه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا يقدر عليه، وإن تراضيا على ذلك جاز لأن الحق لهما وسواء اتفقا على قسمه جميعه أو بعضه أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئًا معلوما ينفقه، ثم متى ظهر في المال خسران أو تلف كله لزم العامل رد أقل الأمرين مما أخذه أو نصف خسران المال إذا اقتسما الربع نصفين وذلك لأن المال لهما فجاز لهما أن يقتسما بعضه كالشريكين: أو نقول أنهما شريكان فجاز لهما قسمة الربع قبل المفاصلة كشريكى العنان (٢).

стр. 8550

مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن أي طرفى القراض أراد ترك العمل فله ذلك ويجبر العامل على بيع السلع معجلا خسر أو ربح لأنَّهُ لا مدة في القراض، فإنه ليس فيه مدة فلا يجوز أن يجبر الآبى منهما على التمادى في عمل لا يريده أحدهما في ماله ولا يريده الآخَر في عمله ولا يجوز التأخير في ذلك لأنَّهُ لا يدرى كم يكون التأخير. وقد تسمو قيمة السلع وقد تنحط فإيجاب التأخير في ذلك خطأ، ولا يلزم أحدا أن يبيع ماله لغيره ليموله به (١). مذهب الزيدية: جاء في البحر الزخار أن لكل من عاقدى المضاربة أن يفسخها متى شاء إذ عقدها جائز (٢). ولا يجبر الممتنع عن قسمة الربح مع بقاء العقد، فإن تراضيا صح، ولا جبر لخسر حدث بعدها مما قد أخذا (٣). وإذا مات العامل فعلى الوارث رد العين فورا وإلا ضمن إذ ليس مأذونا بالإِمساك إلا لعذر، فإن غاب المالك رد إلى الحاكم أو أمسكه بإذنه وتبطل بموت المالك لانتقال الملك، فيسلم العامل الحاصل من نقد أو عرض تيقن أن لا ربح فيه، ولا يلزمه البيع إذ قد ملكه الوارث ويطلب الولاية، ويبيع برضا الوارث ما فيه ربح فإن امتنع الوارث مع تجويز الربع أجبر إذ لا يظهر الربح إلا به وبموت العامل، وعلى وارثه كذلك (٤). وإذا خالف العامل ما شرط في الحفظ ضمن إجماعا إذ صار كالغاصب، ولا تبطل به المضاربة إن سلم، والعترة على أن الربح على ما شرطا إذ لا خلل في العقد. ولو شرط أن يتجر بشئ مخصوص موجود شتاء وصيفا وخريفا تعين إذ هو كالوكيل، فإن كان لا يوجد إلا نادرا قال الإِمام يحيى: صحت أيضًا عند العترة إذ العقد صحيح وعروض التعذر لا يمنع كما لو عدم ما كان كثيرًا كل وقت. فإن خالف ما عين ضمن إجماعا لتعديه كالمودع (٥). قال المؤيد بالله: ولو قال لا تتجر بعد الخسر فخالف كالمخالفة في العين (٦). مذهب الإِمامية: جاء في الروضة البهية أن العامل في المضاربة يقتصر من التصرف على ما أذن المالك له من نوع التجارة ومكانها وزمانها ومن يشترى منه ومن يبيع عليه وغير ذلك، فإن خالف ما عين له ضمن المال، لكن لو ربع كان بينهما بمقتضى الشَّرط للأخبار الصحيحة، ولولاها لكان التصرف باطلًا أو موقوفًا على الإِجارة (٧). ولو تجاوز ما حد له المالك من الزمان والمكان والصنف ضمن (٨). ولو كان

стр. 8551

المال عروضا عند الفسخ فإن كان به ربح للعامل فللعامل بيعه إن لم يدفع المالك إليه حقه منه، وإلا لم يجز إلا بإذن المالك وإن رجى الربح حيث لا يكون بالفعل. ولو طلب المالك إنضاضه ففى إخبار العامل عليه قولان أجودهما العدم، ولو انفسخ العقد من غير المالك إما بعارض يفسد العقد الجائز أو من قبل العامل فلا أجرة له بل الحصة إن ظهر ربح، وقيل له الأجرة أيضًا (١). وجاء في مفتاح الكرامة أنه لو امتنع أحد عاقدى القراض من القسمة لم يجبر عليها. وفى التذكرة والتحرير وجامع المقاصد أنه إذا أراد أحدهما قسمة الربح مع بقاء المضاربة فامتنع الآخَر لم يجبر عليها، والقيد ببقاء المضاربة مراد للمبسوط، وما ذكر بعده جزما بل كلام المبسوط صريح في ذلك عند بيان الوجه في عدم إجبار أحدهما قال لأنَّهُ إن كان المطالب هو العامل لم يجبر المالك لأنَّهُ يقول الربح وقاية لرأس المال فلا تأخذ شيئًا من الربح قبل أن آخذ رأس مالى، وإن كان رب المال لم يجد العامل لأنَّهُ يقول: متى قبضت شيئًا من الربح لم يستقر مالى لأن المال قد يخسر فيلزمنى رد ما أخذت. قلت: ولعله أخرج وصرف ما وصل إليه فيحتاج إلى غرم ما حصل له بالقسمة وذلك ضرر بل توجه المطالبة ضرر هذا، وإذا اتفقا على فسخ المضاربة وطالب أحدهما بالقسمة وامتنع الآخر جاءت أحكام القسمة (٢). وإن انفسخ القراض وبالمال عروض فإن ظهر فيه ربح وطلب العامل بيعه ففى إجبار المالك على بيعه إشكال، وقد جزم في المبسوط بأنه إذا فسخ المالك أو العامل والمال كله أو بعضه عروض كان للعامل بيعه سواء لاح فيه ربح أم لا، ونحوه ما في جامع الشرائع، وموضع آخر من المبسوط، وقالا إلا أن يأخذه رب المال بقيمته وقضية كلامهما أن المالك يجبر على إجابته، وقال في التذكرة: إن للعامل الامتناع وعدم قبول قول المالك إذا قال له أنا آخذه بقيمته أو قال أعطيك نصيبك من الربح ناضا فإنه قد يجد من يشتريه بأكثر من قيمته وهو قضية إطلاق قوله في الإِيضاح الأصح إجبار المالك على إجابته وقد جعل في جامع المقاصد وجوب تمكينه من البيع مقتضى النظر إذا توقف حصول الفائدة للعامل عليه، وإليه مال في المسالك. وفى الروضة إن كان به ربح فللعامل إن لم يدفع المالك إليه حقه وإلا لم يجز إلا بإذن المالك وإن رجى الربح حيث لا يكون بالفعل، قلته وهو قوى جدا. والوجه في ذلك أن وصول العامل إلى حقه حاصل بالقسمة فلا يجبر المالك على بيع ماله ولا يزيد حاله على حال الشريك فإنه لا يكلف البيع لأجل شريكه، ووجه الإِجبار أنه يجب تمكينه من الوصول إلى حقه وعوض عمله وربما لا يوجد راغب في شراء البعض ولا سيما إذا كان العروض سلفا أو لا يباع إلا بنقصان، وللعامل مزية على الشريك لأنَّهُ يستحق التمكين من الوصول إلى عوض عمله وشئ من ذلك لا يقضى بوجوب مخالفة القاعدة القطعية وهو أنه لا يجبر الإنسان على بيع ماله لتوقف حصول فائدة للغير عليه على أن الخصم يدعى إمكان وصول حقه إليه بالقسمة. هذا على القول بأنه يملك بالظهور وأما على القول بأنه إنما يملك بالإِنضاض

стр. 8552

أو القسمة فمنشأ الإِشكال أنه لا حق له الآن فلا يستحق التسلط على بيعها وإنما له الأجرة، ومن أنه ملك أن يملك بظهور الربع فله المطالبة بما يتوقف عليه حق الملك. كذا قال في جامع المقاصد في توجيه هذا الشق، وقال في جامع المقاصد: إن موضع الإشكال ما إذا طلب العامل البيع في الحال، أما إذا طلب تأخيره إلى موسم رواج المتاع فليس له ذلك قطعا. ولو وجدنا زبونا يحصل له ربع ببيعه عليه أجبر المالك على إجابته على إشكال، قال في الإِيضاح: الأصح أنه يجبر، وفى جامع المقاصد أن الذي ينساق إليه النظر. ومنشأ الإشكال من أنه يمكن حصول عوض عمله إليه بالبيع فيجب تمكينه منه، ولأن ذلك يعد ربما لأن الربع هو الزيادة وقد يكون حصولها بسبب خصوص العين لوجود راغب فيها بالفعل بزيادة عن قيمتها فيجب أن يستحق فيه الحصة لوجودها بالقوة القريبة وإن يمكن من البيع الذي يتوقف حصولها بالفعل عليه ومن أن هذه الزيادة لا تعد ربحا وإنما هو رزق يساق إلى مالك العروض لأن حصول الربح إما بزيادة القيمه السوقية أو بحصول الشراء بذلك، أما نفس البذل ولوعد ربحا لم يستحق الربح إلى حين الفسخ لا ما يتجدد بعده إلا أن تقول إن هذه الزيادة التي هي الربع موجودة بالقوة القريبة فلا تكون كغيرها. وإن لم يظهر ربح ولا زبون لم يجبر المالك كما هو في خيرة الشرائع والتحرير وجامع المقاصد. ولو طلب المالك من العامل بيعه فإن لم يكن ربح أو كان وأسقط العامل حقه فالأقرب إجباره على البيع ليرد المال كما أخذه، وفى جامع الشرائع أنه إذا طلب المالك بيعه من العامل فله جبره على بيعه ليأخذ ماله ناضا، من غير فارق بين ظهور الربح وعدمه، ولا بين إسقاطه حقه وعدمه ونحوه ما في موضع من المبسوط، وقد جزم في الشرائع بأنه لا يجب عليه البيع غير فارق أيضًا بين ظهور الربع وعدمه وإسقاط حقه وعدمه، واستجوده في الروضة، وقال في المسالك: لعله أقوى في صورة عدم الربح، وجزم في موضع من التذكرة بوجوب بيعه عليه حيث لا ربح كما سمعته آنفا. واستشكل في موضع آخر في ذلك حيث لا ربح (١)، قال صاحب مفتاح الكرامة: وكذا يجبر مع الربع كما في التذكرة والإِيضاح، واستظهر في مجمع البرهان أنه لا يجبر، وفى جامع المقاصد أن المسئلة موضع تأمل وأن في الفرق بينه وبين عدم الربح صعوبة، ويمكن أن يفرق بأنه إنما استحق الربح في مقابل العمل المأذون فيه وهو الشراء والبيع فيجب عليه القيام به، ولأن الإنضاض مشقة ومؤنة فلا يناسب أخذ العامل الحصة وجعل تلك المشقة على المالك، وقد يقال على الأول أنه إنما يتم قبل الفسخ، وأما إذا صار أجنبيا فلا، نعم إن طلب هو الربح فلابد له من الجباية. ولو نض قدر رأس المال فرده العامل لم يجبر على إنضاض الباقى وكان مشتركا بينهما، وقد صرّح بذلك في التذكرة والتحرير وغيرهما لأن المأخوذ هو رأس المال، وهو الذي يجب رده كما أخذه دون الباقى فيقسمانه عروضا وأولى منه لو كان أزيد، ولو كان أقل توجه جواز اقتصاره على إنضاض قدره لو قلنا بإجباره على الإنضاض.

стр. 8553

ولو كان الفسخ في جميع هذه الصور من العامل فالحكم كذلك وبه صرّح في المبسوط والتحرير والمسالك وهو قضية كلام الباقين إلا في الأجرة، نعم قد يستبعد كثيرًا وجوب إجابة المالك له إلى بمعه مع أن الفسخ منه. ولو رده ذهبا ورأس المال فضة رجب الرد إلى الجنس - كما في المبسوط والتذكرة - إذا طلب المالك ذلك، وهو مبنى على وجوب البيع على العامل إذا طلبه المالك، فكل من قال بالوجوب هناك يلزمه القول به هنا، وهكذا من منع أو توقف، ولهذا مال إلى العدم أو قال به في مجمع البرهان، ومثله ما لو كان الحاصل دراهم ورأس المال صحاحا أو كان نقدا مخالفا لنقد رأس المال (١). وإن انفسخ والمال دين رجب على العامل تفاضين وإن لم يظهر ربح كما هو ظاهر المبسوط، وهو قضية إطلاق الوسيلة بالنسبة إلى عدم الربح وكذا المالك، وفى الشرائع والإرشاد والروض أن عليه جباية السلف، وحاصل كلام الجميع أنه إذا أذن له في البيع نسيئة أو في الإِسلاف رجب عليه جبايته، وظاهرهم أنه لا مجال هنا لاحتمال العدم لكن قد حكى عن حواش الشهيد احتماله وقد قال المولى الأردبيلى إنه الظاهر. وجه الوجوب أن مقتضى المضاربة رد رأس المال على صفته والديون لا تجرى مجرى المال والدين ملك ناقص والذي أخذه كان ملكا تاما فليؤد كما أخذ لظاهر الخبر ووجه العدم منع كون مقتضى المضاربة كما ذكر والحال أن الإِدانة بإذن المالك مع أصل براءة الذمة من وجوبه عليه وضعف بأن إذن المالك فيه إنما كان على طريق الاستيفاء بدلالة القرائن، ولاقتضاء الخبر ذلك. ومما ذكر يظهر قوة القول بإجباره على بيعه، ومن قال به ثمة فبالأولى أن يقول به هنا، وإذا دعى العامل بعد الفسخ إن فيه ربحا أو قطعا بوجوده فهل له أن يجبر المالك على تسليطه على جبايته؛ احتمالان والجواز غير بعيد بل قد يقال إنه يتعين عليه إجابته في الفرض الثاني لأن الربح المشترك يجوز قبضه بدون إذنه إلا أن للمالك أن يعين معه ناظرا أو مشرفا. ولو مات المالك فلورثته مطالبة العامل بالتنضيض، وتجب عليه إجابتهم، وبه صرّح في جامع الشرائع، قال للوارث إلزامه بالبيع، وفى المبسوط والشرائع كان للعامل بيعه لكن قال في الشرائع إلا أن يمنعه الوارث، وهذا الاستثناء ظاهر المبسوط أو صريحه، وقضية كلامهم أنه لا يجب على الوارث إجابته (٢). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أنه يصح الوضع لعامل القراض بجزء من الربح إذا امتنع هو وصاحب المال ولو لم يكن في المال ربح ولو بعد رد المال لربه على المختار وهو القول بأنه بمنزلة الأجير بجزء منه فصار كالشريك ولو لم يكن فيه ربح لأنَّه حال العمل به يعمل على الشركة في الربح ولا يوضع لصاحب المال لأنَّه ولو كان المال له وكان شريكا في الربح لكن لا حكم له في مال القراض ومقابله قول الربيع رحمه الله تعالى إن القارض بمنزلة الوكيل وعليه فإن امتنع من القبض وضع لصاحب المال إلا على ما استظهرته فيما مر من جواز الوضع لنائب

стр. 8554

جرى العمل على يده وأما وضع المقارض من مال القراض لمن كان له على المقارض من جهه مال القراض فصحيح على المختار ولا يصح على قول الربيع إلا على ما استظهرته، وإنما الذي يضع على قوله هو صاحب المال، وإن امتنع المقارض من القبض ورضى رب المال بالقبض دفع إليه، كذا استظهر أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى سنة رحمه الله تعالى على قول غير الربيع، والظاهر من كلام الشيخ أنه لا يدفع إليه لقوله أنه لا حكم له في ذلك، وفى الديوان: ولا يضع الرجل لغريمه ما عليه من الدين إلا إن كان الدين للغريم أو لابنه الطفل، وأما دين الغائب أو اليتيم أو المجنون فلا يضعه لخلفيته إذا أبى أن يأخذه، وكذلك وكيل صاحب الدين على قبضه فلا يضعه له وكذلك وكيل المديان على دفعه لا يضعه لصاحب الدين إذا أبى أن يأخذه، ومنهم من يرخص في هذا كله، قالوا وأما خليفة الغائب إن استخلفه الغائب أن يضع ما عليه من الدين فليضعه لغرمائه إذا أبوا قالوا، وأما العبد إذا أعتقه مولاه أو أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه فلا يضع له شيئًا بعد ذلك وإنما يضع لمولاه (١). حكم الامتناع من اليمين مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين فإن كان ذلك في دعوى المال يقضى عليه بالمال عندنا، لكن ينبغى للقاضى أن يقول له إنى أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا قضيت عليك لجواز أن يكون المدعى عليه ممن لا يرى القضاء بالنكول أو يكون عنده أن القاضي لا يرى القضاء بالنكول أو لحقه حشمة القضاة ومهابة المجلس في المرة الأولى فكان الاحتياط أن يقول له ذلك فإن نكل عن اليمين بعد العرض عليه ثلاثا فإن القاضي يقضى عليه عندنا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يقضى بالنكول ولكن يرد اليمين إلى المدعى فيحلف فيأخذ حقه، واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بقول النَّبيّ ﷺ : "البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه" جعل البينة حجة المدعى واليمين حجة المدعى عليه ولم يذكر ﷺ النكول، فلو كان حجة المدعى لذكره، والمعقول أنه يحتمل أنه نكل لكونه كاذبا في الإِنكار فاحترز عن اليمين الكاذبة، ويحتمل أنه نكل مع كونه صادقا في الإِنكار تورعا عن اليمين الصادقة فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال لكن يرد اليمين إلى المدعى ليحلف فيمضى له لأنَّهُ ترجح جنبه الصدق في دعواه بيمينه، وقد ورد الشارع برد اليمين إلى المدعى فإنه روى أن سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه أدعى على المقداد مالا بين يدى سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه فأنكر المقداد وتوجهت عليه

стр. 8555

اليمين فرد اليمين على سيدنا عثمان، وسيدنا عمر جوز ذلك. ويدل لنا ما روى أن شريحا قضى على رجل بالنكول فقال المدعى عليه أنا أحلف فقال شريح مضى قضائى وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعا منهم على جواز القضاء بالنكول، ولأنه ظهر صدق المدعى في دعواه عند نكول المدعى عليه فيقضى له، كما لو أقام البينة، ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره إنكاره المدعى عليه وقد عارضه النكول لأنَّهُ كان صادقا في إنكاره لما نكل فزال المانع للتعارض فظهر صدقه في دعواه، أما قوله يحتمل أنه نكل تورعا عن اليمين الصادقة فإننا نقول: هذا احتمال نادر لأن اليمين الصادقة مشروعة، فالظاهر أن الإنسان لا يرضى بفوات حقه تحرزا عن مباشرة أمر مشروع، ومثل هذا الاحتمال ساقط الاعتبار شرعا، ألا يرى أن البينة حجة القضاء بالإِجماع وإن كانت محتملة في الجملة لأنها خبر من ليس بمعصوم عن الكذب، لكن لما كان الظاهر هو الصدق سقط اعتبار احتمال الكذب، كذا هذا، وأما الحديث فنقول البينة حجة المدعى وهذا لا ينفى أن يكون غيرها حجة، وقوله لو كان حجة لذكره نقول فيه: يحتمل أنه لم يذكره لما قلتم، ويحتمل أنه لم يذكره نصا مع كونه حجة تسليطا للمجتهدين على الاجتهاد ولمعرف كونه حجة بالرأى والاستنباط فلا يكون حجة مع الاحتمال. وأما رد اليمين على المدعى فليس بمشروع لما قلنا من قبل، وأما حديث المقداد فلا حجة فيه لأن فيه نكر الرد من غير نكول المدعى عليه وهو خارج عن أقاويل الكل فكان مؤولا عند الكل، ثم تأويله أن المقداد رضى الله تعالى عنه أدعى الإيفاء فأنكر سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه فتوجهت اليمين عليه، ونحن به نقول. هذا إذا نكل عن اليمين في دعوى المال، فإن كان النكول في دعوى القصاص فنقول لا يخلو إما أن تكون الدعوى في القصاص في النفس وإما أن تكون فيما دون النفس، فإن كان في النفس فعن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه لا يقضى فيه بالقصاص ولا بالمال لكنه يحبس حتَّى يقر أو يحلف أبدا وإن كان الدعوى في القصاص في الطرف فإنه يقضى بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ وعندهما: لا يقضى بالقصاص في النفس والطرف جميعًا ولكن يقضى بالأرش والدية فيهما جميعًا بناء على أن النكول بذل عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه والطرف يحتمل البذل والإِباحة في الجملة فإنه من وقعت في يده آكلة والعياذ بالله تعالى فأمر غيره بقطعها يباح له قطعها صيانة للنفس وبه تبين أن الطرف يسلك مسلك الأموال لأنَّهُ خلق وقاية للنفس كالمال، فأما النفس فلا تحتمل البذل والإباحة بحال، وكذا المباح له القطع إذا قطع لا ضمان عليه والمباح له القتل إذا قتل يضمن، فكان الطرف جاريا مجرى المال بخلاف النفس فأمكن القضاء بالنكول في الطرف دون النفس فكان القياس أن لا يستحلف في النفس عنده كما لا يستحلف في الأشياء السبعة لأن الاستحلاف للتوسل إلى المقصود المدعى وهو إحياء حقه بالقضاء بالنكول ولا يقضى فيها بالنكول أصلا عنده فكان ينبغى أن لا يستحلف إلا أنه استحسن في الاستحلاف فيها لأن الشرع ورد به في القسامة وجعله حقا مقصودا في نفسه تعظيما لأمر الدم وتفخيما لشأنه لكون اليمين الكاذبة مهلكة فصار بالنكول مانعا حقا مستحقا عليه مقصودا فيحبس حتَّى يقر أو يحلف بخلاف الأشياء السبعة فإن

стр. 8556

الاستحلاف فيها للتوسل إلى استيفاء المقصود بالنكول وأنه لا يقع وسيلة إلى هذا المقصود، وعندهما النكول إقرار فيه شبهة العدم لأنَّهُ إقرار. بطريق السكوت وأنه محتمل والقصاص يدرأ بالشبهات، وإذا سقط القصاص للشبهة يجب المال بخلاف شهادة النساء مع الرجال والشهادة على الشهادة أنها لا تقبل في باب القصاص أصلا لأن التعذر هناك من جهة من له القصاص وهو عدم الإتيان بحجة مظهرة للحق وهى شهادة شهود أصول ذكور والتعذر هنا من جهة من عليه القصاص وهو عدم التنصيص على الإِقرار، والأصل أن القصاص إذا بطل من جهة من له القصاص لا تجب الدية، وإذا بطل من جهة من عليه تجب الدية. وأما في دعوى السرقة إذا حلف على المال ونكل يقضى بالمال لا بالقطع لأن النكول حجة في الأموال دون الحدود الخالصة. وأما في حد القذف إذا استحلف على ظاهر الرواية فنكل يقضى بالحد في ظاهر الأقاويل لأنَّهُ بمنزلة القصاص في الطرف عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وعندهما بمنزلة التعزير، وقال بعضهم: هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضى فيه بشئ ولا يحلف لأنَّهُ حد، وقيل يحلف ويقضى فيه بالتعزير دون الحد كما في السرقة يحلف ويقضى بالمال دون القطع (١). مذهب المالكية: جاء في شرح الخرشى أن من ادعى على شخص فأنكر وأراد المدعى تحليفه فلا يلزمه يمين حتَّى يثبت المدعى أن هناك خلطة بينه وبينه ولو بشهادة امرأة لأن المقصود من الخلطة اللطخ وهو يثبت بشهادة الواحد ولو أنثى، وتكون الخلطة بدين ولو مرة واحدة من سلف أو غيره أو تكرر بيع بالنقد. وكون الخلطة شرطا في توجه اليمين هو المشهور، وعليه مالك وعامة أصحابه رضى الله تعالى عنهم وعليه مشى في الرسالة، والذي لابن نافع رضى الله تعالى عنه أنها لا تشترط ونفاها في المبسوط وهو الذي عليه عمل القضاة بمصر، قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: وعليه عمل القضاة عندنا. ويستثنى من اشتراط ثبوت الخلطة مسائل تتوجه فيها اليمين على المدعى عليه من غير إثبات خلطة، منها الصانع إذا دعى عليه شخص بشئ مما له فيه صنعة، فإن اليمين تتوجه ولا يحتاج إلى إثبات خلطة بينه وبين من ادعى عليه لأنَّهُ نصب نفسه، ومنها المتهم في نفسه إذا ادعى عليه شخص بسرقة ونحوها فإن اليمين تتوجه عليه ولا يحتاج إلى إثبات خلطة، ومنها الضيف أي الغريب سواء ضافك وأتى لمنزلك ثم ادعى أنه ضاع له شئ، أو لم يضفك ولم يأت لمنزلك بأن كنت معه في المسجد فادعى عليك فتتوجه عليه اليمين ولا يحتاج إلى إثبات خلطة، ومنها الدعوى في شئ معين كثوب بيد إنسان، ومنها دعوى الوديعة بشرط أن يكون المدعى مثله يملك تلك الوديعة، وأن يكون المدعى عليه يودع عنده مثل تلك الوديعة وأن يكون الحال اقتضى الإيداع فتتوجه اليمين على المدعى عليه من غير إثبات خلطة، ومنها

стр. 8557

دعوى المسافر على بعض رفقته أنه أودعه مالا أو أنه أتلف منه مالا في حال سفره فإن اليمين تتوجه ولا يحتاج فيها إلى إثبات خلطة، لأنَّهُ قد يعرض له ما يوجب دفع ماله لبعض رفقته، ومنها المريض يدعى في مرض موته على آخر بدين فإن اليمين تتوجه على المدعى عليه ولا يحتاج إلى إثبات خلطة ومثله ورثته، ومنها رجل عرض سلعته في السوق للبيع فادعى البائع على رجل ممن حضر المزايدة أنه اشتراها بكذا وأنكر الرجل الشراء أو ادعى الرجل على البائع أنه ابتاعها منه بكذا وأنكر البائع البيع فتتوجه اليمين على المنكر منهما وإن لم تثبت خلطة (١). قال صاحب شرح منح الجليل: وإن لم يجب المدعى عليه بإقرار أولًا إنكار بأن سكت أو قال لا أجيب ولا أخاصم حبس المدعى عليه حتَّى يجيب بإقرار أو إنكار، رواه أشهب رحمه الله تعالى، قال ابن رشد رضى الله تعالى عنه وبه جرى العمل وظاهره وإن لم يطلبه المدعى، وإن تمادى على عدم الجواب أدب بالضرب حتَّى يجيب بإقرار أو إنكار وبه أفتى فقهاء قرطبة، ثم إن استمر على الامتناع من الجواب حكم القاضي عليه بلا يمين من المدعى قاله ابن المواز رحمه الله تعالى لعدم امتناعه من الجواب إقرارا بما ادعاه المدعى. قال اللخمى رحمه الله تعالى: اختلف إذا ادعى شخص على آخر دعوى فلم يقر المدعى عليه ولم ينكر، فقال الإِمام مالك رضى الله تعالى عنه فيمن كانت بيده دار فادعى رجل أنها لأبيه أو لجده فسئل من هي في يده فلم يقر ولم ينكر أنه يجبر على أن يقر أو ينكر، قال محمد رضى الله تعالى عنه: فإن لم يرجع فيقر أو ينكر حكمت عليه للمدعى بلا يمين (٢). مذهب الشافعية: جاء في نهاية المحتاج أنه إذا أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى الصحيحة وهو عارف أو جاهل فنبه ولم يتنبه جعل كمنكر ناكل فيما يأتى بقيده وهو أن يحكم القاضي بنكوله أو يقول للمدعى احلف، فحينئذ يحلف، ولا يمكن الساكت من الحلف لو أراده. ويندب له أن يكرر أجب ثلاثا، نعم إن غلب على ظنه أن سكوته لنحو دهشة أو جهل وجب إعلامه، فإن أصر فناكل، وسكوت أخرس عن إشارة مفهمة أو كتابة أحسنها كذلك، ومثله أصم لا يسمع وهو يفهم الإِشارة، وإلا فهو كمجنون؛ فإن ادعى عليه عشرة مثلًا فقال لا تلزمنى العشرة لم يكف في الجواب حتَّى يقول ولا بعضها، وكذا يحلف إن توجهت اليمين عليه لأن مدعى العشرة مدع لكل جزء منها فلابد من أن يطابق الإِنكار واليمين دعواه وإنما يطابقانها إن نفى كل جزء منها، فإن حلف على نفى العشرة واقتصر عليه فناكل عما دون العشرة فيحلف المدعى على استحقاق دون عشرة بجزء وإن قل بلا تجديد دعوى ويأخذه لأن اليمين مع النكول كالإِقرار، نعم إن نكل المدعى عليه عن العشرة وقد اقتصر القاضي في تحليف المدعى عليه على عرض اليمين عليها ولم يقل ولا شئ منها فليس للمدعى أن يحلف على استحقاق

стр. 8558

ما دونها إلا بعد تجديد دعوى ونكول المدعى عليه لأنَّهُ إنما نكل عن عشرة والناكل عنها لا يكون ناكلا عن بعضها، هذا إذا لم يسندها إلى عقد، بخلاف ما إذا أسندها إليه كأن قالت له نكحتنى أو بعتنى دارك بعشرة فحلف ما نكحتك أو ما بعتك بعشرة كفى لأن المدعى للنكاح أو البيع بعشرة غير مدع له بما دونها، فإن نكل عن اليمين لم يكن لها أن تحلف على الأقل إلا بدعوى مجددة، ولو ادعى عليه مالا فأنكر وطلب منه اليمين فقال لا أحلف وأعطى المال لم يلزمه قبوله من غير إقرار، وله تحليفه لأنَّهُ لا يأمن أن يدعى عليه بما دفعه بعد، وكذا لو نكل عن اليمين وأراد المدعى أن يحلف يمين الرد فقال خصمه أنا أبذل المال بلا يمين فيلزمه الحاكم بأن يقر وإلا حلف المدعى (١). وقال صاحب المهذب: فإن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه، فإن ابتدأ وقال امتنعت لأنظر في الحساب أمهل ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة ولا يمهل أكثر منها لأنها مدة كثيرة، فإن لم يذكر عذرا لامتناعه جعله ناكلا ولا يقضى عليه بالحق بنكوله لأن الحق إنما يثبت بالإِقرار أو البينة، والنكول ليس بإقرار ولا بينة، فإن بذل اليمين بعد النكول لم يسمع لأن بنكوله ثبت للمدعى حق وهو اليمين فلم يجز له إبطاله عليه، فإن لم يعلم المدعى أن اليمين صارت إليه قال له القاضي أتحلف وتستحق، وإن كان يعلم فله أن يقول ذلك وله أن يسكت، وإن قال أحلف ردت اليمين عليه لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النَّبيّ ﷺ رد اليمين على صاحب الحق، وروى أن المقداد استقرض من عثمان مالا فتحاكما إلى عمر فقال المقداد هو أربعة آلاف وقال عثمان سبعة آلاف فقال المقداد لعثمان احلف أنه سبعة آلاف فقال عمر إنه أنصفك فلم يحلف عثمان، فلما ولى المقداد قال عثمان واللّه لقد أقرضته سبعة آلاف فقال عمر لم لم تحلف فقال خشيت أن يوافق ذلك به قدر بلاء فيقال بيمينه. واختلف قول الشافعي رضى الله تعالى عنه في نكول المدعى عليه مع يمين المدعى فقال في أحد القولين هما بمنزلة البينة لأنَّهُ حجة من جهة المدعى، وقال في القول الآخَر هما بمنزلة الإِقرار وهو الصحيح لأن النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين ترتب عليه وله فصار كإقراره، فإن نكل المدعى عن اليمين سئل عن سبب نكوله، والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث لم يسأل عن سبب نكوله أن بنكول المدعى عليه وجب للمدعى حق في رد اليمين والقضاء له فلم يجز سؤال المدعى عليه، وبنكول المدعى لم يجب لغيره حق فيسقط بسؤاله، فإن سئل فذكر أنه امتنع من اليمين لأن له بينة يقيمها وحسابا ينظر فيه فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في المدة ويترك ما تارك، والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث قلنا أنه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام أن بترك المدعى عليه يتأخر حق المدعى في الحكم له وبترك المدعى لا يتأخر إلا حقه، وإن قال امتنعت لأنى لا أختار أن أحلف حكم بنكوله فإن بذل اليمين

стр. 8559

بعد النكول لم يقبل في هذه الدعوى لأنه أسقط حقه منها، فإن عاد في مجلس آخر واستأنف الدعوى وأنكر المدعى عليه وطلب يمينه حلف فإن حلف ترك، وإن نكل ردت اليمين على المدعى فإذا حلف حكم له لأنها يمين في غير الدعوى التي حكم فيها بنكوله، فإن كان له شاهد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز، وتنتقل اليمين إلى جنبة المدعى عليه فإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له في هذا المجلس لأن اليمين انتقلت عنه إلى جنبة غيره فلم تعد إليه، فإن عاد في مجلس آخر واستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد ويحلف معه لأن حكم الدعوى الأولى قد سقط، وإن حلف المدعى عليه في الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة، وإن نكل عن اليمين لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعى لأن للشاهد معنى تقوى به جنبة المدعى فلم يقض به مع النكول من غير يمين كاللوث في القسامة، وهل ترد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا ترد لأنها كانت في جنبته وقد أسقطها وصارت في جنبة غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فردت إلى المدعى فنكل فإنها لا ترد على المدعى عليه. والقول الثاني: وهو الصحيح أنها ترد لأن هذه اليمين غير الأولى لأن سبب الأولى قوة جنبة المدعى بالشاهد وسبب الثانية قوة جنبته بنكول المدعى عليه واليمين الأولى لا يحكم بها إلا في المال وما يقصد به المال والثانية يقضى بها في جميع الحقوق التي تسمع فيها الدعوى فلم يكن سقوط إحداهما موجبا لسقوط الأخرى فإن قلنا إنها لا ترد حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر لأنه تعين عليه ذلك وإن قلنا إنها ترد حلف مع الشاهد واستحق (١). وإن كانت الدعوى في موضع لا يمكن رد اليمين على المدعى بأن ادعى على رجل دينا ومات المدعى ولا وارث له غير المسلمين وأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين ففيه وجهان ذكرهما أبو سعيد الاصطخرى: أحدهما: أنه يقضى بنكوله لأنه لا يمكن رد اليمين على الحاكم لأنه لا يجوز أن يحلف عن المسلمين لأن اليمين لا تدخلها النيابة ولا يمكن ردها على المسلمين لأنهم لا يتعينون فقضى بالنكول لموضع الضرورة. والثانى: وهو المذهب أنه بحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر لأن الرد لا يمكن لما ذكرناه، والقضاء بالنكول لا يجوز لما قدمناه لأنه إما أن يكون صادقا في إنكاره فلا ضرر عليه في اليمين أو كاذبا فيلزمه الإِقرار، وإن ادعى وصى دينا لطفل في حجره على رجل وأنكر الرجل ونكل عن اليمين وقف إلى أن يبلغ الطفل فيحلف لأنه لا يمكن رد اليمين على الوصى لأن اليمين لا تدخلها النيابة ولا على الطفل في الحال لأنه لا يصح يمينه فوجب التوقف إلى أن يبلغ (٢).

стр. 8560

مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع أن المدعى عليه إن لم يحلف قال له الحاكم إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول؛ لأن النكول ضعيف فوجب اعتضاده بذلك، ويستحب أن يقول ذلك ثلاثا إزالة لمعذرته، وكذا يقول الحاكم للمدعى عليه في كل موضع قلت يستحلف المدعى عليه فإن لم يحلف المدعى عليه قضى بالنكول إذا سأله المدعى ذلك لأن عثمان رضى الله تعالى عنه قضى على ابن عمر رضى الله تعالى عنهما بنكوله، رواه أحمد، ولقول النبى ﷺ : اليمين على المدعى عليه فحصرها في جهته فلم تشرع لغيره وسواء كان المدعى عليه مأذونا له أو مريضا أو غيرهما، والنكول كإقامة بينه لا كإقرار بالحق لا يتأتى جعله مقرا مع إنكاره، ولا كبذل الحق لأن البذل قد يكون تبرعا ولا تبرع هنا، لكن لا يشارك من قضى له بالنكول على محجور عليه لفلس غرمائه لاحتمال التواطؤ، ولا ترد اليمين على المدعى لحصره ﷺ لها في جهته (١). وإن كان للمدعى شاهد واحد في المال أو ما يقصد منه المال كالوكالة في المال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق بلا رضا خصمه لما روى أن النبى - صلي الله عليه وسلم - قضى باليمين والشهادة، فإن قال المدعى: لا أحلف وأرضى يمينه استحلف له كما لو يكن أقامه، فإذا حلف سقط عنه الحق أي انقطعت الخصومة فإن عاد المدعى بعدها وقال أنا أحلف مع شاهدى لم يستحلف لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها بخلاف البينة وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه فبذل المدعى اليمين لم يكن له ذلك في هذا المجلس. نكره في الشرح والمبدع، وإن سكت المدعى عليه فلم يقر ولم ينكر أو قال المدعى عليه لا أقر ولا أنكر أو قال لا أعلم قدر حقه قال له القاضي احلف وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك لأنه ناكل لما توجه عليه الجواب فيه فيحكم عليه بالنكول عنه كاليمين، والجامع بينهما أن كل واحد من القولين طريق إلى ظهور الحق، ويسن تكراره من الحاكم ثلاثا ذكره في الكافى والمستوعب والمنتهى (١). وإن قال المدعى عليه بعد ثبوت الدعوى: قضيته أو أبرأنى وذكر أن له بينة بالقضاء أو الإبراء وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام فقط لأن ما زاد عليها فيه طول بخلافها فإنها قريبة وقد لا تتكامل البينة فيما دونها ولو ألزمناه في الحال لكان تضييقا عليه، فإن عجز المدعى عليه عن بينة القضاء أو الإبراء حلف المدعى على نفى ما ادعاه من القضاء والإبراء لأن الأصل عدمه واستحق ما ادعى به لأن الأصل بقاؤه، فإن نكل المدعى عن اليمين قضى عليه بنكوله وصدق المدعى عليه لأنه منكر توجهت عليه اليمين فنكل عنها فحكم عليه بالنكول كما لو كان مدعى عليه ابتداء. هذا كله إن لم يكن المدعى عليه أنكر أولا سبب الحق، فأما إن أنكره ثم ثبت فادعى قضاء أو إبراء سابقا لإنكاره لم يسمع منه وإن أتى ببينة نصا (٢).

стр. 8561

مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن الطالب إن لم يكن له بينه وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها سواء أحب أو كره بالأدب، ولا يقضى عليه بنكوله فى شئ من الأشياء أصلا ولا ترد اليمين على الطالب البتة ولا ترد يمين أصلا إلا في ثلاثة مواضع فقط وهى القسامة فيمن وجد مقتولا فإنه إن لم تتكن لأوليائه بينة حلف خمسون منهم واستحقوا القصاص أو الدية فإن أبوا حلف خمسون من المدعى عليهم وبرئوا فإن نكلوا أجبروا على اليمين أبدا، وهذا مكان يحلف فيه الطالبون فإن نكلوا رد على المطلوبين. والموضع الثاني: الوصية في السفر لا يشهد عليها إلا كفار وإن الشاهدين الكافرين يحلفان مع شهادتهما، فإن نكلا لم يقض بشهادتهما. فإن قامت بعد ذلك بينة من المسلمين حلف اثنان منهم مع شهادتهما وحكم بها وفسخ ماشهد به الأولان، فإن نكلا بطلت شهادتهما وبقى الحكم الأول كما حكم به فهذا مكان يحلف فيه الشهود لا الطالب ولا المطلوب. والموضع الثالث: من قام له بدعواه شاهد واحد عدل أو امرأتان عدلتان فيحلف ويقضى له، فإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل أجبر على اليمين أبدا فهذا مكان يحلف فيه الطالب، فإن نكل رد على المطلوب. قال أبو محمد: فإذ قد بطل القول بالقضاء بالنكول والقول برد اليمين على الطالب إذا نكل المطلوب لتعرى هذين القولين عن دليل من القرآن أو من السنة وبطل أن يصح في أحدهما قول عن أحد من الصحابة رضى الله تعالى عنهم فالواجب أن نأتى بالبرهان على صحة قولنا. قال أبو محمد: قد صح ما قد أوردناه آنفا من قول النبى ﷺ بالقضاء باليمين على المدعى عليه وأنه لو أعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم وما قد روينا من قول رسول الله ﷺ : بينتك أو بمينه ليس لك إلا ذلك فصح يقينا أنه لا يجوز أن يعطى المدعى بدعواه دون بينته فبطل بهذا أن يعطى شيئا بنكول خصمه أو بيمينه إذا نكل خصمه لأنه أعطى بالدعوى، وصح أن اليمين بحكم الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ على المدعى عليه فوجب بذلك أنه لا يعطى المدعى يمينا أصلا إلا حيث جاء النص بأن يعطاها وليس ذلك إلا فى القسامة فى المسلم يوجد مقتولا وفى المدعى يقيم شاهدا عدلا فقط، وكان من أعطى المدعى بنكول خصمه فقط أو بيمينه إذا نكل خصمه قد أخطأ كثيرا وذلك أنه أعطاه ما أخبر النبي ﷺ أنه ليس له وأعطاه بدعواه المجردة عن البينة وأسقط اليمين عمن أوجبها الله تعالى عليه ولم يزلها عنه إلا أن يسقطها الذي هي له وهو الطالب الذي جعل الله تعالى له البينة فيأخذ أو يمين مطلوبة فإذ هي له فلم ترك حقه إن شاء فظهر صحة قولنا يقينا، وقال الله : ﴿ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان﴾ (١)، فمن أطلق للمطلوب الامتناع من اليمين ولم يأخذه بها وقد أوجبها الله عليه فقد أعانه على الإثم والعدوان وعلى ترك ما افترض الله تعالى عليه إلزامه إياه وأخذه به. وفد ذكرنا في كلامنا في الإمامة قول رسول الله: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع" فوجدنا الممتنع مما أوجب الله أخذه به من اليمين قد أتى منكرا بيقين فوجب تغييره باليد بأمر رسول الله ﷺ والتغيير باليد هو الضرب فيمن لم يمتنع أو بالسلاح في المدافع بيده الممتنع

стр. 8562

من أخذه بالحق، فوجب ضربه أبدا حتى يجيبه الحق من إقراره أو يميته أو يقتله الحق من تغيير ما أعلن به من المنكر ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ومن أطاع الله تعالى فقد أحسن، وأما السجن فلا يختلف اثنان في أن رسول الله ﷺ لم يكن له قط سجن، وقد لاح بما ذكرنا أن قولنا ثابت عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما كما أوردنا، ولا يصح عن أحد من الصحابة رضى الله تعالى عنهم خلافه (١). مذهب الزيدية: جاء في البحر الزخار أن القاضي إذا حضر إليه الخصمان سكت حتى يتكلم المدعى أو قال هو أو أعوانه: يتكلم المدعى، لا تتكلم يا فلان، تحريا للتسوية، وسكت الخصم حتى تتم الدعوى أو يأمر بإعادة الدعوى الفاسدة لتصح الشهادة عليها ويأمر الخصم بالإجابة. قال الإِمام يحيى: وإن لم يطلبها المدعى، وقيل لا، حتى يطلبها. قلنا إيراده الدعوى كالطلب، فإن أجاب بالإِقرار لم يحكم به حتى يطلبه المدعى إذ هو حق له فلا يفعله إلا بأمره، قال يحيى: بل يأمره بالخروج إذ الدعوى قرينة الطلب، وإن أنكر طلب من المدعى التثبيت لقول النبي ﷺ للحضرمى حين أنكر خصمه الكندى: ألك بينة؟ وله أن يسكت ولا يطلب يمين المنكر إلا بعد طلب المدعى إذ هي حقه فلا تستوفى إلا بإذنه، فإن حلف بغير إذنه فله استعادتها إذ لم تقع موقعها، وتسقط بالإبراء منها، وليس لمن عدم البينة إلا اليمين، وإن كان الحالف كافرا، لقول النبى ﷺ : "ليس لك إلا يمينه" ولا يسأل المنكر عن سبب امتناعه من اليمين إن ردها، وليس له الرجوع إليها بعد ردها إذ قد أسقط حقه منها وصارت حقا للمدعى، فإن امتنع المدعى سئل عن سبب امتناعه إذ لا ينتقل إلى أحد فلا إضرار، بخلاف يمين المنكر فإنها تنتقل إلى المدعى بالامتناع، ففى السؤال إضرار به. وفى كون المردودة كالبينة أو كالإِقرار وجهان: قال الإِمام يحيى: أصحهما كالإِقرار إذ تثبت بالنكول. قلت: وقد مر له خلافه. ويقدم طلب البينة على يمين المنكر إذ قدمها النبي ﷺ حيث قال: "ألك بينة"، ولقوتها إذ هي قول اثنين واليمين قول واحد (٢)، وتجب اليمين في النكاح والطلاق والعتق والنسب وحد القذف، وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: لا تجب إلا في الأموال. قلنا: لم يفصل الدليل، ولتحليفه ﷺ ركانة في الطلاق. وإذا ادعى المنكر أته قد حلف مرة حلف خصمه أنه ما حلفه، فإن رد اليمين لم يصح لتأديته إلى الترداد، إذ يمكن دعواه أنه قد حلفه يمين الرد ثم كذلك، وإذا ادعى لميت حق لم يكن للمنكر رد اليمين إذ لا تصح النيابة في اليمين فيحبس حتى يقر أو يحلف أو يحكم عليه بالنكول، وكذا لو ادعى الولى للصبى حقا لم يرد عليه اليمين فيحكم

стр. 8563

بنكول المنكر للضرورة، ويوقف حتى يبلغ الصبى فيحلفه (١). مذهب الإمامية: جاء في الروضة البهية أن المدعى عليه إن أنكر فإن كان الحاكم عالما بالحق قضى بعلمه - سواء كان من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين وسواء كان الحاكم إمام الأصل أم غيره كما صرح به في شرحه على الشرائع - مطلقا على أصح القولين، ولا فرق بين علمه به في حال ولايته ومكانها وغيرهما، وليس له حينئذ طلب البينة من المدعى مع فقدها قطعا ولا مع وجودها على الأقوى، وإن قصد رفع التهمة إلا مع رضاء المدعى، والمراد بعلمه هنا العلم الخاص وهو الإطلاع الجازم، وإلا يعلم الحاكم بالحق طلب البينة من المدعى إن لم يكن عالما بأنه موضع المطالبة بها وإلا جاز للحاكم السكوت. فإن قال لا بينة لى عرَّفه أن له إحلافه، فإن طلب إحلافه حلفه الحاكم ولا يتبرع الحاكم بإحلافه لأنه حق للمدعى فلا يستوفى بدون مطالبته، وإن كان إيقاعه إلى الحاكم، فلو تبرع المنكر به، أو استحلفه الحاكم من دون التماس المدعى لغى، وكذا لا يستقل به الغريم من دون إذن الحاكم لما قلنا من أن إيقاعه موقوف على إذنه، وإن كان حقا لغيره لأن وظيفته، فإن حلف المنكر على الوجه المعتبر سقطت الدعوى عنه، وإن بقى الحق في ذمته وحرم مقاصته به لو ظفر له المدعى بمال وإن كان مماثلا لحقه، إلا أن يكذب المنكر نفسه بعد ذلك. وكذا لا تسمع البينة من المدعى بعد حلف المنكر على أصح الأقوال لصحيحة ابن أبي يعفو به عن الصادق ﵇ إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر بحقه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله، وإن أقام بعدما استحلفه خمسين قسامة فإن اليمين قد أبطلت كل ما أدعاه، وغيرها من الأخبار، وقيل تسمع بينته مطلقا، وقيل مع عدم علمه بالبينة وقت تحليفه ولو بنسيانها والأخبار حجة عليهما. وإن لم يحلف المدعى عليه ورد اليمين على المدعى حلف المدعى إن كانت دعواه قطعية، وإلا لم يتوجه الرد عليه كما مر، وكذا لو كان المدعى وليا أو وصيا فإنه لا يمين عليه وإن علم بالحال، بل يلزم المنكر بالحلف، فإن أبى حبس إلى أن يحلف أو يقضى بنكوله، فإن امتنع المدعى من الحلف حيث يتوجه عليه سقطت دعواه في هذا المجلس قطعا وفى غيره على قول مشهور إلا أن يأتى ببينة، ولو استمهل أمهل بخلاف المنكر، ولو طلب المدعى إحضار المال قبل حلفه ففى إجابته قولان أجودهما العدم، ومتى حلف المدعى ثبت حقه، لكن هل يكون حلفه كإقرار الغريم أو كالبينة؟ قولان أجودهما الأول. وإن نكل المنكر عن اليمين وعن ردها على المدعى بأن قال أنا ناكل أو قال لا أحلف عقيب قول الحاكم له احلف أو لا أرد، ردت اليمين أيضا على المدعى بعد أن يقول الحاكم للمنكر إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا وردت اليمين مرة، ويستحب ثلاثا، فإن حلف المدعى ثبت حقه، وإن نكل فكما مر، وقال الشيخان والصدوقان وجماعة: يقضى على المنكر بالحق بنكوله لصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق ﵇ أنه حكى عن أمير المؤمنين على أنه ألزم أخرس بدين ادعى عليه فأنكر ونكل عن اليمين فألزمه الدين بامتناعه عن اليمين، والأول

стр. 8564

أقرب لأن النكول أعم من ثبوت الحق لجواز تركه إجلالا، ولا دلالة للعام على الخاص، ولما روى عن النبى ﷺ أنه رد اليمين على صاحب الحق. وللأخبار الدالة على رد اليمين على المدعى من غير تفصيل، ولأن الحكم مبنى على الاحتياط التام ولا يحصل إلا باليمين، وفى هذه الأدلة نظر بين (١). هذا إذا أنكر المدعى عليه أما إن سكت فإن كان لآفة من طرش أو خرس توصل الحاكم إلى معرفة الجواب بالإشارة المقيدة لليقين ولو بمترجمين عدلين، وإن كان السكوت عنادا حبس حتى يجيب على قول الشيخ في النهاية؛ لأن الجواب حق واجب عليه، فإذا امتنع منه حبس حتى يؤوبه أو يحكم عليه بالنكول بعد عرض الجواب عليه بأن يقول له إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا، فإن أصر حكم بنكوله على قول من يقضى بمجرد النكول، ولو اشترطنا معه إحلاف المدعى احلف بعده، ويظهر من صاحب اللمعة التخيير بين الأمرين، والأولى جعلهما إشارة إلى القولين، وفى الدروس اقتصر على حكايتهما قولين ولم يرجح شيئا والأول أقوى (٢). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أن المدعى عليه إن امتنع من الجواب على دعوى المدعى فيما يجب فيه رد الجواب أجبر على الجواب ولو بالضرب من الحاكم أو من أعوانه أو ممن أمره الحاكم بضربه أو أشار إليه به أو بالسجن أو بهما ولا يحكم عليه عند جمهورنا ولا يطبع عليه أعز ماله عليه منعا له من الانتفاع به ليرتدع خلافا للمالكية فقد قالت إنه يجبر على الجواب بالضرب والسجن فإن لم يجب قضى الحاكم للمدعى بلا بيان ولا يمين، وقيل يقضى له بعد اليمين وهو المختار عندهم (٣)، وإن لم يجد المدعى البينة وطلب يمينا كلف به المدعى عليه بعد طلب المدعى منه الحلف، فإن نكل عن اليمين حبسه الحاكم حتى ينعم بها ويذعن إليها، قالوا في الديوان: ولا يحلف الحاكم على حقه أو حق ابنه الطفل وإن حلف على ذلك جاز، ولا يأمر الحاكم من وجب له اليمين من الخصمين أن يحلف خصمه، فإن أمر بذلك وحلفه فقد أخذ حقه، وكذلك إن حلفه بغير أمر الحاكم (٤). ويحلف عند الحاكم أو حيثما اتفق صاحب اليمين قائما أو قاعدا أو متكئا، ولا يشرط مسجد ونحوه ولا زمان فيما قل ولا فيما كثر. هذا هو المذهب، وقيل يحلف بالله قائما مستقبلا في ربع دينار فصاعدا في المسجد الجامع عند منبره، وقيل على المنبر، ومن أبى الخروج إلى موضع الحلف وقال أحلف في مكانى فهو نكول عن اليمين (٥). وللمدعى عليه رد اليمين على المدعى ما لم ينعم المدعى عليه للمدعى باليمين، فإذا أبى المدعى من اليمين المردودة عليه حتى يحضر مدعاه لم يجب الإحضار قبل أن يحلف لأنه إنما يجب له ذلك بعد اليمين، ولما كان لا يجب له إلا بعد اليمين كان لا يجب إحضاره إلا بعد اليمين؛ لأن ما لا يجب لأحد

стр. 8565

لا يجب إحضاره له، والذي عندى أنه يجب أن يحضره له إذا أراد أن يحلف لما يحلف ويعطله عنه بعد الحلف لأنه ولو لم يكن له إلا بعد الحلف في الحكم لكن يمكن أن يكون له في نفس الأمر فهو كالعرض المتحاكم عليه يجب أن يحضر محل الحكم (١). حكم امتناع الشاهد عن أداء الشهادة مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أن الذي يلزم الشاهد هو أداء الشهادة لله فيما سوى أسباب الحدود لقوله : ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ (٢) وقوله : ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ (٣) إلا أن في الشهادة القائمة على حقوق العباد وأسبابها لابد من طلب المشهود له لوجوب الأداء فإذا طلب وجب عليه الأداء حتى لو امتنع بعد الطلب يأثم لقول الله ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٤) أي دعوا لأداء الشهادة لأن الشهادة أمانة المشهود له في ذمة الشاهد، وقال الله : ﴿وليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾ (٥)، وقال جل شأنه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٦)، وأما في حقوق الله ﵎ وفيما سوى أسباب الحدود نحو طلاق امرأة وإعتاق عبد والظهار والإيلاء ونحوها من أسباب الحرمات فإنه تلزمه الإقامة حسبة لله ﵎ عند الحاجة إلى الإِقامة من غير طلب من أحد من العباد، وأما في أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهو مخير بين أن يشهد حسبة لله تعالى وبين أن يستر لأن كل واحد منهما أمر مندوب إليه، قال الله ﵎: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ وقال النبي ﷺ : "من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" وقد ندبه الشرع إلى كل واحد منهما إن شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى وإن شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم (٧). مذهب المالكية: جاء في مواهب الجليل أن تحمل الشهادة إن افتقر إليه فرض كفاية، وقال ابن رشد رضى الله تعالى عنه في شرح المسئلة الثالثة والعشرين من رسم نذر من سماع ابن القاسم من الجامع: من دعى أن يشهد على أمر جائز أو مستحب أو واجب فالإِجابة عليه فرض من فروض الكفاية، ومن دعى أن يشهد على مكروه فيكره له أن يشهد عليه، ومن دعى أن يشهد على حرام فلا يحل له أن يشهد عليه. وقال الدمامينى رحمه الله تعالى في كتاب الشهادات في قول النبى ﷺ لا أشهد على جور، قال المهلب رحمه الله تعالى في الحديث من الفقه أن الإِنسان لا يضع اسمه في وثيقة لا تجوز، ومن العلماء من رأى جوازه بقصد الشهادة على الممنوع ليرد، قال ابن المنير رحمه الله تعالى:

стр. 8566

إنما يريد لا يضع خطه في وثيقة بظاهر الجواز مع أن الباطن باطل، وأما المساطير التي تكتب لإبطال المفاسد بصيغة الاستدراك لا البناء فلا خلاف ولا خفاء في وجوب وضع الشهادة فيها (١). وجاء في التاج والإكليل نقلا عن مالك رضى الله تعالى عنه في قول الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾: إنما هو من يدعى إلى الشهادة بعد أن يشهد، وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إن كان ثم من يشهد، قال ابن كنانة رحمه الله تعالى: إن لم يجد غيره وخاف أن يبطل حقه إن لم يشهد فعليه أن يجيب، قال ابن رشد: الدعاء ليشهد على الشهادة ويستحفظها فرض كفاية كصلاة الجنازة، ودعى مالك إلى شهادة فلم يجب واعتذر لمن دعاه فقال أخاف أن يكون في أمرك ما لا أرى أن أشهد عليه فيقتدى بى من حضر، فقبل منه وحكى الشعبانى أيضا عن مالك رضى الله تعالى عنه أنه ليس على الفقهاء أن يشهدوا بين الناس ولا أن يضيفوا أحد ولا أن يكافئوا على الهدايا. قال ابن عرفة رضى الله تعالى عنه: والأداء عرفا إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به، وهو واجب عينا على من لم يزد على عدو يثبت به المشهود به، وواجب كفاية على من زاد عدده عليه حاضرا كواحد من ثلاثة في الأموال وما يقبل فيه اثنان ومن خمسة فصاعدا في الزنا (٢). مذهب الشافعية: جاء في نهاية المحتاج أن تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح لتوقف انعقاده عليه، ولو امتنع الجميع أثموا، ولو طلب من اثنين لم يتعينا إن وجد غيرهما بصفة الشهادة. زاد الأذرعى رضى الله تعالى عنه: وظن إجابة الغير، وإلا تعينا، وكذا الإِقرار والتصرف المالى وغيره كعتق وطلاق ورجعة وغيرها التحمل فيه فرض كفاية إلا الحدود. وكتابة الصك في الجملة - وهو الكتاب - فرض كفاية أيضا في الأصح للحاجة إليه لتمهيد إثبات الحقوق عند التنازع. وكتابة الصك لها أثر ظاهر في التذكر وفيها حفظ الحقوق عند الضياع. والثانى المنع لصحتها بدونه. ولا يلزمه الذهاب إلا إن كان ممن تقبل شهادته والمشهود عليه معذور بنحو حبس أو مرض أو تخدير أو دعا قاض إلى أمر ثبت عنده ليشهده عليه أو دعا الزوج أربعة إلى الشهادة بزنا زوجته، بخلاف دون أربعة، وبخلاف دعاء غير الزوج، قال البلقينى رضى الله تعالى عنه نقلا عن جمع أو لم يكن ثم ممن يقبل غيره وقدم هذه في السير إجمالا، وله طلب أجرة الكتابة وحبس الصك وأخذ أجرة التحمل، وإن تعين عليه حيث كان عليه فيه كلفة مشى أو نحوه لا للأداء، وإن لم يتعين عليه لأنه فرض عليه فلا يستحق عليه عوضا، ولأنه كلام يسير لا أجرة لمثله، وفارق التحمل بأن الأخذ للأداء يورث تهمة قوية مع أن زمنه يسير لا تفوت به منفعة متقومة بخلاف زمن التحمل، نعم إن دعى عن مسافة عدوى فأكثر فله نفقة الطريق وأجرة الركوب وإن لم يركب وكسب عطل عنه فيأخذ قدره لا لمن يؤدي في البلد إلا إن احتاجه فله أخذه وله صرف المعطى إلى

стр. 8567

غيره وله أن يقول لا أذهب معك إلى فوق مسافة العدوى إلا بكذا وإن كثر. واعلم أنه قد يكون مشى الشاهد من بلد إلى بلد مع قدرته على الركوب خرما للمروءة والمتجه امتناعه فيمن هذا شأنه. قال الأسنوى رحمه الله تعالى: قال الأذرعى: بل يتقيد ذلك بالبلدين فقد يأتى في البلد الواحد ويعد ذلك خرما للمروءة إلا أن تدعو الحاجة إليه أو يفعله تواضعا. وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان كأن لم يتحمل غيرهما أو مات الباقون أو جنوا أو فسقوا أو غابوا الزمهما الأداء لقول الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (١) أي للأداء وقيل له وللتحمل. وقوله جل شأنه: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (٢) ومتى وجب الأداء كان فوريا، نعم له التأخير لفراغ حمام وأكل ونحوهما، ويؤخذ منه أن أعذار الشفعة أعذار هنا، فلو أدى واحد وامتنع الآخر بلا عذر وقال للمدعى احلف معه عصى، وإن كان الحاكم يرى الحكم بشاهد يمين لأن مقاصد الإشهاد والتورع عن الحلف، وكذا لو امتنع شاهدا نحو وديعه وقالا احلف على الرد، وإن كان في الواقعة شهود فالأداء فرض كفاية عليهم لحصول الغرض ببعضهم، فإن شهد منهم اثنان فذاك وإلا أثموا كلهم سواء دعاهم مجتمعين أم متفرقين، والممتنع أولا أكثرهم إثما لأنه متبوع كما أن المجيب أولا أكثرهم أجرا لذلك، فلو طلب الأداء من اثنين بأعيانهما لزمهما وكذلك لو طلب من واحد منهم ليحلف معه في الأصح لئلا يفضى إلى التواكل، والقول الثاني المقابل للأصح: لا كالمتحمل، وفرق الأول بأنه هناك طلبها لتحمل أمانة وهنا لأدائها ومحل الخلاف ما إذا علم المدعون أن في الشهود من يرغب في الأداء أو لم يعلم من حالهم شئ، أما إذا علم آباؤهم لزمهما قطعا. وإن لم يكن في القضية إلا واحد لزمه الأداء إذا دعى له إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين والقاضى المدعو للأداء عنده يعتقد ذلك، وإلا فلا لعدم حصول المقصود به، وقيل لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدا لا اتفاقا لأنه لم يوجد منه التزام، ورد بأنها أمانة حصلت عنده فلزمه أداؤها، وإن لم يلتزمها كما لو طيرت الريح ثوبا في داره، ويتجه إلحاق النساء فيما يقبل شهادتهن فيه بالرجال في ذلك وإن كان معهن في القضية رجال، والأوجه عدم تكليف المخدرة الخروج بل يرسل إليها من يشهد عليها، ولو دعى لشهادتهن في وقت واحد قدم أخوفهما فوتا وإلا تخير. ولوجوب الأداء شروط أحدها أن يدعى من مسافة العدوى فأقل للحاجة إلى الإِثبات وتعذره بالشهادة على الشهادة لعدم قبولها حينئذ فإن دعى لما فوقها لم يجب للضرورة، واستثنى الماوردى رضى الله تعالى عنه من الوجوب ما إذا لم يعتد المشى ولا مركوب له أو أحضر له مركوب وهو ممن يستنكر الركوب في حقه فلا يلزم الأداء، فإذا لم يطلب لم يلزمه الأداء إلا في شهادة حسبة فيلزمه فورا إزالة للمنكر، وقيل الشرط أن يدعى من دون مسافة القصر لأنه في حكم الحاضر أما إذا دعى من مسافة القصر فلا تجب الإجابة جزما. نعم بحث الأذرعى رضى الله تعالى عنه وجوبه إذا دعاه الحاكم وهو في عمله أو الإِمام الأعظم مستدلا بفعل عمر رضى الله تعالى عنه واستدلاله إنما يتم من الإمام دون غيره والفرق بينهما ظاهر، وثانى الشروط أن يكون عدلا، فإن دعى ذو فسق مجمع عليه ظاهر أو خفى لم يجب عليه الأداء لأنه عبث بل يحرم عليه، وإن

стр. 8568

خفى فسقه لأنه يحمل الحاكم على حكم باطل لكن مر عن ابن عبد السلام رضى الله تعالى عنه أوائل الباب جوازه وهو ظاهر إن انحصر خلاص الحق فيه وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى، وصرح الماوردى بموافقة ابن عبد السلام في الخفى لأن في قبوله خلافا. قيل أو ذو فسق مختلف فيه كشرب ما لا يسكر من النبيذ لم يجب الأداء لأنه يعرض نفسه لرد القاضي له بما بما يعتقده الشاهد غير قادح، والأصح أنه يلزمه وإن اعتقد هو أنه مفسق لأن الحاكم قد يقبله سواء أكان ممن يرى التفسيق ورد الشهادة به أم لا فقد يتغير اجتهاده ويرى قبولها وقضية التعليل عدم اللزوم إذا كان القاضي مقلدا لمن يفسق بذلك وهو ظاهر، وقد يمنع بأنه يجوز أن يقلد غير مقلده، وأجيب بأن اعتبار مثل هذا بعيد، ولو كان مع المجمع على فسقه عدل لم يلزمه الأداء إلا فيما يثبت بشاهد ويمين إذ لا فائدة له فيما عداه، ويجوز للعدل الشهادة بما يعلم أن القاضي يرتب عليه ما لا يعتقده هو كبيع عند من يرى إثبات الشفقة للجار وإن كان هو لا يراها أو شهد بتزويج صغيرة بولى غير مجبر عنده من يراه والشاهد لا يرى ذلك، وإن لم يقلد، ويجوز له تحمل ذلك ولو قصدا. وثالث الشروط أن لا يكون معذورا بمرض ونحوه من كل عذر مرخص في ترك الجماعة، فإن كان معذورا بذلك أشهد على شهادته أو بعث القاضي من يسمعها دفعا للمشقة عنه. وأفهم اقتصار صاحب المنهاج على هذه الشروط الثلاثة عدم اشتراط زيادة عليها، فيلزمه الأداء عند نحو أمير وقاض فاسق لم تصح توليته إن تعين وصول الحق لمستحقه طريقا له أو عند قاض متعنت أو جائر أي لم يخش منه على نفسه كما هو واضح، ولو قال لى عند فلان شهادة وهو ممتنع من آدائها من غير عذر لم يجب لاعترافه بفسقه بخلاف ما إذا لم يقل من غير عذر لاحتماله (١). مذهب الحنابلة: جاء في الشرح الكبير والمغنى أن تحمل الشهادة وأدائها فرض على الكفاية إذا قام بها من يكفى سقطت عن الباقين وإن لم يقم بها أحد تعينت على من وجد لقول الله ﵎: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٢). وقال: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (٣)، وإنما خص القلب بالإِثم لأنه موضع العلم بها، ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات، وقال الله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٤)، إذا ثبت هذا فإذا دعى إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو عدة لزمته الإِجابة. قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ (٥)، فإن قام بالفرض في التحمل والأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لا تقبل شهادته

стр. 8569

أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم تلزمه لقول الله : "ولا يضار كاتب ولا شهيد" (١) وقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وهو لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره، وإذا كان ممن لا تقبل شهادته لم تجب عليه لأن مقصود الشهادة لايحصل منه، وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه؟ فيه وجهان: أحدهما: يأثم لأنه قد تعين بدعاية، ولأنه منهى عن الامتناع بقول الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٢). والثانى: لا يأثم غيره يقوم مقامه فلم تتعين في حقه كما لو لم يدع إليها، فأما قول الله : ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ فقد قرئ بالفتح والرفع، فمن رفع فهو خبر معناه النهى، ويحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الكاتب فاعلا أي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه بأن لا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد بما لم يستشهد. والثانى: أن يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما (٣). والشهادة - كما ذكرنا - من فروض الكفاية، فإن تعينت على شخص بأن لا يتحملها من يكفى فيها سواه لزمه القيام بها، وإن قام بها من يكفى غيره سقط عنه أداؤها إذا قبلها الحاكم، فإن كان تحملها جماعة فأداؤها واجب على الكل، فإذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات، ودليل وجوبها قول الله ﵎: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٤) وقوله جل شأنه: ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾ (٣)، وفي آية أخرى ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (٥) ولأن الشهادة أمانة فلزمه أداؤاها عند طلبه كالوديعة ولقول الله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٦) فإن عجز عن إقامتها أو تضرر بها لم تجب عليه لقول الله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ ومن له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لأنه أداء فرض، فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا وإن لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذ الجعل لأن النفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين، فإذا تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك أيضا واحتمل أن ألا يجوز لئلا يأخذ العوض عن أداء فروض الأعيان، وقال أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعنيت عليه، وهل يجوز لغيره؟ على وجهين (٧).

стр. 8570

مذهب الظاهرية: جاء في المحلى أن أداء الشهادة فرض على كل من علمها إلا أن يكون عليه حرج في ذلك لبعد مشقة أو لتضييع مال أو لضعف في جسمه فليفعلها فقط، قال الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (١) فهذا على عمومه إذا دعوا للشهادة أو دعوا لأدائها، ولا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير نص فيكون من فعل ذلك قائلا على الله تعالى ما لا علم له به (٢). وكل من سمع إنسانا بغير بحق لزيد عليه إخبارا صحيحا تاما لم يصله بما يبطله أو بأنه قد وهب أمرا كذا لفلان أو أنه أنكح زيدا أو أي شئ كان فسواء قال له: اشهد بهذا على أو أنا أشهدك أو لم يقل له شيئا من ذلك أو لم يخاطبه أصلا لكن خاطب غيره، أو قال له: لا تشهد على فلست أشهدك، كل ذلك سواء، وفرض عليه أن يشهد بكل ذلك وفرض على الحاكم قبول تلك الشهادة والحكم بها لأنه لم يأت قرآنا ولا سنة ولا قول من الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ولا قياس بالفرق بين شئ من ذلك (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار نقلا عن الإمام يحيى والمذهب: أنه يجب تحمل الشهادة كفاية لقول الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٤)، وكذا أداؤها، إذ تعم الآية تحملها وأداؤها، ولقوله : ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (٥)، ويجب الأداء على من تحملها لثبوت الحق بذلك، لا من سمع ولا بقصد التحمل إلا حيث خشى فوت الحق رعاية لحق المسلم، إذ ماله كدمه. وتجب في القطعى إلى من طلب لا الظن إلا إلى حاكم محق، وهو حق لمن تحملها له ولو كافرا، فيجب التكرار إن احتج إليه ليصل إلى حقه إذ هو المقصود، ويجب قطع المسافة لذلك وإن بعدت، قال المؤيد بالله إلا لشرط، إذ أسقط من هي له حقه بالشرط. قلت: إلا أن يخشى فوت الحق إلا أن يخاف من أدائها ضررا فله الترك كسائر الواجبات، والمذهب على أنه سواء خشى على بدن أو مال، إذ يؤدى إلى منكر (٦). مذهب الإِمامية: جاء في الروضة البهية أنه يجب التحمل للشهادة على من له أهلية الشهادة إذا دعى إليها خصوصا أو عموما على الكفاية لقول الله جل شأنه: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٧)، فسره الصادق ﵇ بالتحمل، ويمكن جعله دليلا عليه وعلى الإقامة، فيأثم الجميع لو أخلوا به مع القدرة، فلو فقد سواه فيما يثبت به وحده، ولو مع اليمين أو كان تمام العدد تعين

стр. 8571

الوجوب كغيره من فروض الكفاية إذا لم يقم به غيره، وكذا يجب الأداء مع القدرة على الكفاية إجماعا سواء استدعاه أم لا على الأشهر إلا مع خوف ضرر غير مستحق على الشاهد أو بعض. المؤمنين فإن خيف ضرر مستحق كما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد لا يطالبه به وينشأ من شهادته المطالبة فلا يكفى ذلك في سقوط الوجوب لأنه ضرر مستحق، وإنما يجب الأداء مع ثبوت الحق بشهادته لانضمام من يتم به العدد أو حلف المدعى إن كان مما يثبت بشاهد ويمين، فلو طلب من اثنين فيما يثبت بهما لزمهما وليس لأحدهما الامتناع بناء على الاكتفاء بحلف المدعى مع الآخر، لأن من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين، ولو كان الشهود أزيد من اثنين فيما يثبت بهما وجب على اثنين منهما كفاية، ولو لم يكن إلا واحد لزمه الأداء إن كان مما يثبت بشاهد ويمين وإلا فلا. ولو لم يعلم صاحب الحق بشهادة الشاهد وجب عليه تعريفه إن خاف بطلان الحق بدون شهادته، ولا يقيمها الشاهد إلا مع العلم القطعى (١). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أنه يحسن لمن دعى إلى تحمل شهادة أن يجيب إلى تحملها إن لم تكن حراما ولم يربها كريبها بقطع شفعة مثل أن يستشهد على هبة في الأصل فتلوح له أمارة أنه أراد قطع الشفعة بها بأن يهبه بعضا ويبيع له بعضا، ومثل أن يستشهد على بيع بكذا فيريب بأمارة أنه زاد الثمن في اللفظ لقطعها، أو اتهام معامل بربا، كما إذا سمع أنه ممن يعمل الربا، أو رأى أمارة عمله أو كان ذلك في مسئلة صعبة والمعامل جاهل لا يعلمها أو ظن أنه لا يعلمها، أو معرفتك الداعى إلى تحمل الشهادة بواحد مما ذكر من قطع الشفعة أو الربا في الجملة أو أن يكون متهما لمريض أوصحيح بحيف وجور في وصية، مثل أن يستشهد على الإقرار لوارثه بحق ويتهمه بأنه زاد على حقه أو لا حق له عليه أو على الوصية لغير وارث بحق فوق الثلث ويتهمه أنه لا حق له عليه أو له حق فاتهمه بأنه زاد حتى إن الزيادة تجاوز الثلث، وإذا كان ذلك من مريض مع أنه في آخر حياته بحسب الظاهر فأولى بالمنع من الصحيح. أو إزالة إرث بهبة بأن يكون له بغض في ورثته فيجعل يهب ماله مرة بعد أخرى لئلا يبقى لهم إرث أو ليبقى لهم قليل أو أراد هبته بمرة لذلك أو هبة أكثره لذلك، أو بيع لأصل أو حيوان أو متاع ليتلف ثمنه عن الوارث، أو أن يكون اتهمه بطلاق بإضرار بأن يشهده على طلاق واتهمه في ذلك الطلاق بأنه أراد به أن لا ترثه فإنه في ذلك عاص فلا يشهد له ولو كانت ترث في قول أو نكاح بلا ولى بأن اتهمه أن يشهده الزوج على التزويج ويقول له اشهد أنى قد قبلت فلانة زوجة لى فاتهمه أن الولى لم يزوجها إياه، أو يقول الإنسان أشهد أنى زوجت فلانا من فلانة وليتى فاتهمه أنه ليس وليها، وكذا إذا عرف ذلك أو نحو ذلك مما خيف فيه إثم أو علم أن فيه إثما كهبة لولد بلا عدل بينه وبين الولد الآخر. واختلف في قول الله : ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٢) هل معناه النهى عن الإباء من تحملها ولا نافية بمعنى النهى أو معناه النهى عن الإباء من إقامتها إذا دعوا لإقامتها؟

стр. 8572

تأويلان الأول في فرض الكفاية، والثانى في فرض العين. ثالثهما: النهى عن ترك التحمل والأداء وتسميتهم على الأول شهداء لأن مآلهم إلى أن يحملوا الشهادة بمقتضى طلب تحملها ويظن قبول تحملها ففيه مجاز في الأول بخلاف تسميتهم على الثاني فإنها حقيقة، وفى الثالث الجمع بين الحقيقة والمجاز، وفيه خلاف والمشهور المنع. والنهى في الآية للتحريم عند بعض، وقال بعض: لا يحرم ترك تحملها إلا إذا لم يوجد غير المطلوب لتحملها وإن كان غيره فهو مخير حتى يتركوها جميعا فيهلكوا لأن تحملها فرض كفاية، وإذا لم يوجد غيره وجب عليه تحملها وإن كان الاشتغال بتحملها يؤدى إلى تلف نفس أو عضو أو يشغل عن كسب قوت عيال فيمن لا مال له فلا يتحملها إلا أن أعطى ما يكتفى به في ذلك المحذور، مثل أن يعطى القوت أو يقرن له من يحفظه أو يحفظ غيره من التلف أبيح لوصى اليتيم أن يأكل من مال اليتيم والانتفاع منه بمعروف إذا لم يكن غنيا وأشغله القيام، ويناسب الأول أن الكاتب منهى عن إباء الكتابة أيضا والكتابة وتحمل الشهادة من مكارم الأخلاق لتضمنها إحياء حق المسلم وقضاء. وقد ورد أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. وفى الديوان: لا يضيق أن يجيب إلى تحمل الشهادة إلا إن اضطر إليه ولم يكن غيره. وإن دعى أن يتحملها من بلد بعيد أو كان في شغله أو رأى ما يخاف فساده في الأنفس أو الأموال فاشتغل به أو اشتغل في معنى الصلاة كالوضوء، أو خاف من أخذ تلك الشهادة أو على ماله لم تلزمه الإِجابة، وقيل لا تلزمه ولو اضطر إليه أو لم يكن في شغل، ولا يلزمه التبليغ إذا كان له مانع كمرض لا يطيق التبليغ معه أو انكسار من الفخذ كالحريق إن دار به المطر أو الريح وإصلاح ما يخاف فساده في نفس أو مال واشتغاله بمعانى الصلاة كالوضوء وقد خاف فوت الوقت، ومثل أن يدعى للحق. وفى الأثر أو إن بعد الشاهد عن الحاكم وقوى على المسير فعليه أن يسير مع المشهود له إليه ولو بتحمل المؤنة ما لم يضر وإن بعياله، وإن قدر على المشى لا على الزاد فعلى المشهود له أن يزوده، وإن عجز عنهما وعن الكراء فعليه أن يحضر له ذلك (١). وإذا تحملها فأبى من أدائها حيث يجب عليه الأداء فضاع المال أو النفس بعدم أدائه ضمنه، فإن أبى وأقام غيره كانت عليه التوبة، وإذا أقام الشهادة ثم احتاج صاحبها إلى إعادة الإقامة فله طلب الأجرة على ذلك لزوال الفرض عنه بالإقامة الأولى إن لم يكن القصور أو التقصير منه في إقامته الأولى، وإلا فلا يأخذ الأجرة على إعادتها ما لم يؤدها كما تحملها (٢). وندب التعفف عن القضاء والحكم والفتيا والشهادة والكتابة وكل ما فيه ولاية على الناس أو خوض في أموالهم أو دمائهم أو أعراضهم ما وجد قائم بذلك، قال أبو الربيع سليمان بن هارون رضى الله تعالى عنه قدم أبو يحيى سليمان بن ماطوس منزل حيان، فقال له حيان أرأيت يا شيخ إن أتانى رجل لأستدينه فأعطيته دابتى وجرابى ورأسمالى فامتار لى طعاما من السوق فنزعت منه حفنتين فأعطيتهما إياه في كرائه ثم بعث الباقى جزافا أيحل لى ذلك؟ قال نعم فقال له حيان أعطنى إذن

стр. 8573

من هذا الرجل - يعنى أبا محمد عبد الله بن الخبر - دعوته ليحضر شهادتى فيأبى على ذلك فلم يشتغل بذلك أيضا أبو محمد وإنما نقص منه ثم باعه ليكون باع جزافا لنهيه ﷺ عن بيعتين بكيل واحد، ولعل الشيخ أبا محمد لم يحضر الشهادة للريبة أو لأنه قد وجد من يشهد سواه أو لأن ذلك شبيه بإعطاء الدين بمقداره وعمل ممن يأخذه لأنه ولو أعطاه الأجرة لكن قد ذهب أولا على أن يمتار له فيأخذه منه بالدين. وفى الديوان: وإن دعاه أن يبلغ الشهادة إلى حاكم جائر في النفس أو المال وخاف على نفسه أو ماله أو على المشهود عليه أو على غيره من الناس فلا يضيق عليه أن يبلغها ولكن يستودعها فيمن يبلغها إن لم يخف من المضرة على غيره في نفس أو مال (١). حكم الامتناع من تولى القضاء مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع أن القضاء إذا عرض على من يصلح له من أهل البلد ينظر إن كان في البلد عدد يصلحون للقضاء لا يفترض عليه القبول بل هو في سعة من القبول والترك، أما جواز القبول فلأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين قضوا بين الأمم بأنفسهم وقلدوا غيرهم وأمروا بذلك فقد بعث رسول الله ﷺ معاذا رضى الله تعالى عنه إلى اليمن قاضيا، وبعث عتاب بن أسيد رضى الله تعالى عنه إلى مكة قاضيا، وقلد النبي ﷺ كثيرا من الصحابة رضى الله تعالى عنهم الأعمال وبعثهم إليها، وكذا الخلفاء الراشدون قضوا بأنفسهم وقلدوا غيرهم فقلد سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه شريحا القضاء، وقرره سيدنا عثمان وسيدنا على رضى الله تعالى عنهما، وأما جواز الترك فلما روى عن النبى ﷺ أنه قال لأبى ذر رضى الله تعالى عنه: إياك والإِمارة، وروى عنه ﷺ أنه قال لا تتأمرن على اثنين، ويروى أن أبا حنيفة رضى الله تعالى عنه عرض عليه القضاء فأبى حتى ضرب على ذلك ولم يقبل، وكذا لم يقبله كثير من صالحى الأمة، وهذا معنى ما نكر في الكتاب دخل فيه قوم صالحون وترك الدخول فيه قوم صالحون ثم إذا جاز الترك والقبول في هذا الوجه اختلفوا في أن القبول أفضل أم الترك؟ قال بعضهم: الترك أفضل، وقال بعضهم القبول أفضل، واحتج الفريق الأول بما روى عن النبى ﷺ أنه قال من جعل على القضاء فقد ذبح بغير سكين، وهذا يجرى مجرى الزجر عن تقلد القضاء، واحتج الفريق الآخر بصنع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وصنع الخلفاء الراشدين لأن لنا فيهم قدوة، ولأن القضاء بالحق إذا أراد به وجه الله يكون عبادة خالصة، بل هو من أفضل العبادات، قال النبي المكرم عليه أفضل الصلاة والسلام: عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، والحديث محمول على القاضي الجاهل أو العالم الفاسق أو الطالب الذي لا يأمن علي نفسه الرشوة فيخاف أن يميل إليها توفيقا بين الدلائل. هذا إذا كان في البلد عدد يصلحون للقضاء، أما إذا كان لم يصلح له إلا رجل واحد فإنه يفترض عليه القبول إذا عرض عليه لأنه إذا لم يصلح له غيره تعين هو لإِقامة هذه العبادة فصار فرض عين عليه إلا أنه لابد من التقليد فإذا قلد افترض عليه القبول على

стр. 8574

وجه لو امتنع من القبول يأثم كما في سائر الفروض والأعيان (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن رشد رحمه الله تعالى أنه يجب أن لا يولى القضاء من أراده وطلبه، قال ابن عرفة رضى الله تعالى عنه: قبول ولاية القضاء من فروض الكفاية إن كان بالبلد عدد يصلحون لذلك فإن لم يكن من يصلح لذلك إلاواحد تعين عليه وأجبر على الدخول فيه، وقال الباجى رحمه الله تعالى: يجب على من هو أهله السعى في طلبه إن علم أنه إن لم يله ضاعت الحقوق أو وليه من لا يحل أن يولى وكذا إن وليه من لا تحل ولايته ولا سبيل لعزله إلا بطلبه، وقيل يستحب طلبه لمجتهد خفى علمه، وأراد إظهاره لولاية القضاء أو لعاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء. قال صاحب التاج والإكليل: وأجبر وإن بضرب، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: إنما يجبر على القضاء من لم يوجد غيره يجبر بالسجن والضرب، عرف عياض بابن مسكين فقال والقضاء بعد إجماع الناس عليه على اختلاف مذهبهم، قال ابن الأغلب: أتدرى لم بعثته إليك قال: لأشاورك في رجل قد أجمع الخير قد أردت أن أوليه القضاء فامتنع، قال ابن مسكين: تجبره على ذلك. قال تمنع. قال يحبس قال قم أنت هو قال أننى رجل طويل الصمت قليل الكلام غير نشيط في أمورى ولا أعرف أهل البلد، فقال الأمير عندى مولى نشيط تدرب في الأحكام أنا أضمه إليك يكون لك كاتبا يصدر عنك في القول في جميع الأمور فما رضيت من قوله أمضيت وما سخطت رددت فضم إليه ابن البناء، قال المخبر فكثيرا ما كنت آتى مجلسه وهو صامت لا ينطق وابن البناء يقضى فقال الأمير لابن البناء بلغنى أنك تفصل بين الخصوم وهو ساكت ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء، فقال ابن البناء: قد قبل إلا أنى أكفيه فقال امض لا تعلم أحدا بما بينى وبينك وافصل بين خصمين بغير مذهبه، قال ابن البناء ففعلت فأمرهما ابن مسكين فدارا بين يديه وفصل بمذهبه فأخبرت الأمير فحمد الله وشكره وأمره. قال صاحب التاج والإكليل: وإلا فله الهرب، قال ابن رشد رحمه الله تعالى: الهرب عن القضاء واجب وطلب السلامة منه لاسيما في هذا الوقت. قال ابن شاس رحمه الله تعالى: للإمام إجباره وله هو أن يهرب بنفسه منه إلا أن يعلم أنه متعين عليه فيجب عليه القبول (٢). مذهب الشافعية: جاء في المهذب أن القضاء فرض على الكفاية والدليل عليه قول الله : ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (٣) وقوله : ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (٤) وقوله : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٥)،

стр. 8575

ولأن النبي ﷺ حكم بين الناس وبعث عليا كرم الله تعالى وجهه إلى اليمن للقضاء بين الناس، ولأن الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم حكموا بين الناس، وبعث عمر رضى الله تعالى عنه أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا وبعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيا ولأن الظلم في الطباع فلابد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم فإن لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه ويلزمه طلبه، وإذا امتنع أجبر عليه لأن الكفاية لا تحصل إلا به فإن كان هناك من يصلح له غيره نظرت فإن كان خاملا وإذا ولى القضاء انتشر علمه استحب أن يطلبه لما يحصل به من المنفعة بنشر العلم، وإن كان مشهورا فإن كانت له كفاية كره له الدخول فيه لما روى أن النبى - صلي الله عليه وسلم - قال: "من استقضى فكأنما ذبح بغير سكين" ولأنه يلزمه بالقضاء حفظ الأمانات وربما عجز عنه وقصر فيه فكره له الدخول فيه، وإن كان فقيرا يرجو بالقضاء كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لأنه يكتسب كفاية بسبب مباح، وإن كان جماعة يصلحون للقضاء اختار الإِمام أفضلهم وأورعهم وقلده، فإن اختار غيره جاز لأنه تحصل به الكفاية وإن امتنعوا من الدخول فيه أثموا لأنه حق وجب عليهم فأثموا بتركه كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهل يجوز للإمام أن يجبر واحدا منهم على الدخول فيه أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه ليس له إجباره لأنه فرض على الكفاية فلو أجبرناه عليه تعين عليه. والثانى: أن له إجباره لأنه إذا لم يجبر بقى الناس بلا قاض وضاعت الحقوق وذلك لا يجوز (١). مذهب الحنابلة: جاء في الشرح الكبير أن الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: منهم: من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه، فقد روى عن النبى ﷺ أنه قال "القضاة ثلاثة" ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل فهو في النار، ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه ويدفعه إلى غيره. ومنهم: من يجوز له ولا يجب عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلى القضاء بحكم حاله وصلاحيته، ولا يجب عليه لأنه لم يتعين له فظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر في تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقى، وقد أراد عثمان رضى الله تعالى عنه تولية ابن عمر رضى الله تعالى عنهما القضاء فأباه، وقال أبو عبد الله بن حامد رحمه الله تعالى إن كان رجلا خاملا لا يرجع إليه في الأحكام فالأولى له تولية ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهورا في الناس بالعلم يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى فالأولى الاشتغال بذلك لما فيه من النفع مع الأمن

стр. 8576

من الغرور. هذا قول أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم، وقالوا أيضا إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق فالأولى له الاشتغال به فيكون أولى من سائر المكاسب لأن قربة وطاعة. والثالث: من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه، وقد نقل عن أحمد رضى الله تعالى عنه ما يدل على أنه لا يتعين عليه فإنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال لا يأثم فهذا يحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة رضى الله تعالى عنه منه، وقد قيل له ليس ههنا غيرك، ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإن أحمد رضى الله تعالى عنه قال لابد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس (١)؟ وإن وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب لأن أنسا رضى الله تعالى عنه روى أن النبى ﷺ قال: "من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله ملكا يسدده". قال الترمذى حديث حسن غريب، وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غمر مسئلة أعنت عليها" وإن طلب فالأفضل أن لا يجيب في ظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه، وقال ابن حامد رضى الله تعالى عنه: الأفضل الإجابة إذا أمن نفسه، وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه أن الأفضل والأولى له أن لا يجيب إذا طلب ووجد غيره لما فيه من الخطر والغرور، ولما في تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقى لذلك، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر رضى الله تعالى عنهم القضاء فأباه على ما سبق فكره (٢). مذهب الزيدية: جاء في البحر الزخار أن القضاء فرض كفاية كالجهاد، ويتعين على من لا يغنى عنه غيره كالأمر بالمعروف، وهو أفضل من الجهاد، إذ هو لحفظ الموجود، والجهاد لطلب الزيادة وعليه ما روى عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنين: رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق" (٣) ونحوه، وندب أن يقول المدعو: سمعا وطاعة، ويحرم على مختل شرط لما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: "من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" (٤) وإذا كثر الصالحون له فكفاية، فإن امتنعوا أثموا لما روى عن ابن

стр. 8577

مسعود رضى الله تعالى عنه وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ويأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع" (١) وفى تعينه بتعيين الإمام وجهان، قال الإِمام يحيى رضى الله تعالى عنه: أصحهما بتعين فيجبر، إذ دعى إلى واجب، قلت: وكتعيينه للجهاد من شاء، وقيل: لا يجبر لقول النبي ﷺ : "إنا لا نجبر على الحكم أحدا" قلنا: يحتمل مع عدم الإِلزام لتأديته إلى تعطل الحكم حيث امتنعوا جميعا، وقد قال النبى ﷺ : "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا بين الناس حكموا كحكمهم لأنفسهم" (٢). مذهب الإِمامية: جاء في الروضة البهية أن القضاء واجب كفاية في حق الصالحين له إلا أنه مع حضور الإمام وظيفة الإِمام أو نائبه، فيلزمه نصب قاض في الناحية ليقوم به ويجب على من عينه الإجابة، ولو لم يعين وجبت كفاية، فإن لم يكن أهلا إلا واحد تعينت عليه، ولو لم يعلم به الإِمام لزمه الطلب، وفى استحبابه مع التعدد عينا قولان: أجودهما ذلك مع الوثوق من نفسه بالقيام به (٣). مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل أن تولى القضاء فرض كفاية فإن قام به مسلم كفى وإلا هلكوا موافقهم ومخالفهم لأنه يلزمه أن يكون موافقا وأن يقوم بذلك - لا المرأة والعبد ونحوهما ممن لم يخاطب بالقضاء - وهلاك المخالف هلاك آخر غير هلاك خلافه. ويجب على الإمام أن ينصب للناس قاضيا، ومن أبى عن الولاية جبره عليه، ولا ينبغى لأحد أن يطلب القضاء، وإن دعى إليه فالأولى الامتناع لعسره إلا أن تعين عليه فيحبس أو يضرب وإن لم يصلح إلا واحد كان فرض عين عليه، وكان النبي ﷺ يقضى بين الناس ويأمر أصحابه رضى الله تعالى عنهم بالقضاء بينهم، وبعث عليا رضى الله تعالى عنه إلى اليمن ليقضى بينهم، وبعث عمر رضى الله تعالى عنه أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا وابن مسعود إلى الكوفة (٤). وروى أن عمر رضى الله تعالى عنه دعا رجلا ليوليه القضاء فأبى فجعل يديره على الرضى فيأبى حتى قال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أي ذلك تعلم خيرًا لى قال أن لا تلى، قال اعف عنى، قال قد فعلت (٥).

стр. 8578

حكم الامتناع من إيفاء الدين واستيفائه ما يتعلق بذلك مذهب الحنفية: قال ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختار: وفى الفتاوى الهندية أنه لو استقرض حنطة فأعطى مثلها بعد تغير سعرها يجبر المقرض على القبول. ولو استقرض الطعام ببلد الطعام فيه رخيص فلقيه المقرض في بلد الطعام فيه غال فأخذه الطالب بحقه، فليس له أن يحبس المطلوب، ويؤمر المطلوب بأن يوثق له بكفيل حتى يعطيه طعامه في البلد الذي أخذه منه فيه، قال في الذخيرة ما نصه، قال بشر عن أبى يوسف رضى الله تعالى عنهما: لو أقرض رجل طعاما أو غصبه إياه وله حمل ومؤنة والتقيا في بلدة أخرى الطعام فيها أغلى أو أرخص، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: يستوثق له من المطلوب حتى يوفيه طعامه حيث غصب أو حيث أقرضه، وقال أبو يوسف رضى الله تعالى عنه: إن تراضيا على هذا فحسن، وأيهما طلب القيمة أجبر الآخر عليه. ولو استقرض شيئا من الفواكه كيلا أو وزنا ثم انقطع عن أيدى الناس قبل أن يقبضه إلى المقرض فعند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه يجبر المقرض على أن يؤخر القبض إلى إدراك الجديد ليصل إلى عين حقه لأن الانقطاع بمنزلة الهلاك، ومن مذهبه أن الحق لا ينقطع عن العين بالهلاك، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: هذا لا يشبه كساد الفلوس لأن هذا مما يوجد فيجبر المقرض على التأخير إلا أن يتراضيا على القيمة وهذا في الوجه كما لو التقيا في بلد الطعام فيه غال فليس له حبسه ويوثق له بكفيل حتى يعطيه إياه في بلده (١). وجاء في الفتاوى الهندية أنه لو استقرض الجمد في الصيف وسلم في الشتاء يخرج عن العهدة، ولو قال صاحب الجمد لا آخذ العام منك، قال أبو بكر الاسكاف رضى الله تعالى عنه: لا أعلم هنا حيلة سوى أن يدفع الذي عليه الجمد مثل وزنه جمدا ويطرح في مجمدة صاحبه حتى يبرأ عما عليه، وقال القاضي الإِمام فخر الدين رضى الله تعالى عنه: المخرج عندى أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يجبر على قبول مثل ما كان عليه كما لو استقرض من آخر حنطة فأعطى مثلها بعد ما تغير سعرها فإنه المقرض على القبول، كذا في مختار الفتاوى (٢). ولو قضى المدين الدين أجود مما عليه لا يجبر رب الدين على أن يقبله، كما لو دفع إليه أنقص مما عليه، وإن قبل جاز كما لو أعطاه خلاف الجنس وهو الصحيح، ولو كان الدين مؤجلا فقضاه قبل حلول الأجل يجبر على القبول، وإن أعطاه المدين أكثر مما علمه وزنا فإن كانت الزيادة تجرى بين الوزنين جاز (٣). مذهب المالكية: جاء في مواهب الجليل أن المديان إذا دفع الحق لصاحبه وأراد أخذ الوثيقة أو تقطيعها فإنه يقضى له بذلك إن امتنع رب الدين من ذلك قال

стр. 8579

الشيخ أبو الحسن الصغير رحمه الله تعالى في آخر كتاب المديان عند قول المدونة ومن أمر رجلا يدفع إلى فلان ألف درهم سواء قال عنى أو لم يقل، ثم قال الآمر كانت لى دينا على المأمور، وأنكر المأمور وقال بل أسلفته إياها، فالقول قول المأمور، قال أبو إسحق رحمه الله تعالى إلا أن يعلم أن مثله لا يملك هذا القدر لعدمه وفلسه يؤخذ من هذه المسألة أن من اقتضى دينا لا يلزمه أن يدفع الوثيقة لغريمه المطلوب خوف دعوى السلف. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ وابن دينار رضى الله تعالى عنهم: يجبر على دفعها وتقطع، قال ابن الهندى رحمه الله تعالى: ولا يبرأ بدفعها إلى الغريم إذا قام الطالب عليه، واستظهر المطلوب في الوثيقة أنه يقول سقطت منى فحكم عليه بردها للطالب وبالغرم بعد يمين الطالب. وقال في العتبية: وسئل عن رجل لقى رجلا قال: أشهدك أنى قد تقاضيت من فلان مائة دينار كانت لى عليه فجزاه الله خيرا فإنه أحسن قضائى فليس لى عليه قليل ولا كثير، فلقى الرجل الذي أشهد الرجل الذي زعم أنه قضاه فأخبره بما قال له، فقال كذب إنما أسلفته ذلك. قال ابن القاسم رضى الله تعالى عنه: القول قول الذي زعم أنه أسلفه مع يمينه إلا أن يأتى الآخر بالبينة أنه تقاضاها في دينه، قال ابن رشد أثرها: ويأتى على أصل أشهب في قوله أنه لا يؤاخذ أحد بأكثر مما يقربه على نفسه أن يكون القول قول المقتضى وهو قول ابن الماجشون نصا في هذه المسألة بعينها. ويقوم من هذه المسألة أن من كان له حق على رجل بوثيقة فدقع الذي عليه الحق إلى الذي له عليه الحق ودعا إلى قبض الوثيقة منه أو تحريقها أن ذلك ليس له وإنما له أن يشهد عليه وتبقى الوثيقة بيد صاحب الدين لأنه يدفع بها عن نفسه إذ لعل الذي كان عليه الدين أن يستدعى بينة قد سمعوا إقرار صاحب الدين بقبضه منه أو حضروا دفعه إليه ولم يعلموا على أى وجه كان الدفع فيدعى أنه إنما دفع إليه ذلك المال سلفا أو وديعة ويقول هات بينة تشهد لك إنما قبضت ذلك منى من حق واجب لك، فبقاء الوثيقة وقيامه بها يسقط هذه الدعوى التي تلزمه وقد كان شيخنا الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقيم ذلك فيما أخبرنى عنه غير واحد من أصحابنا وما أشك أن يكون في كلام سمعه منه من آخر مسئلة من كتاب المديان من المدونة وهو كلام صحيح، إلا أن محمد بن عبد الحكم يرى له من الحق أخذ الوثيقة وقطعها وهوقول عيسى بن دينار في بعض روايات العتبية وهو قول أصبغ في الواضحة. وقال ابن فرحون في تبصرته: وللذى عليه الدين أخذ وثيقة الدين من صاحبها أو يقضى عليه بتقطيعها، وقاله ابن العطار رحمه الله تعالى ونحوه في الواضحة وكتاب الحدانى وبه القضاء، وقال محمد بن الحكم رضى الله تعالى عنه لا يقطع وثيقة الدين ولا يجبر ربها على إعطائها، ويجبر على أن يكتب له براءة في الموضع الذي فيه الشهود عليه، ونحوه في وثائق ابن الهندى لأنه سبب لوجوب اليمين عليه إن ادعى عليه بعد ذلك دعوى كاذبة. وفى أحكام ابن سهل في امرأة قامت بصداق لم تثبته فحلف الزوج ودعا إلى قطعه وأرادت الزوجة حبس الصداق بيدها فأفتى ابن لبابة أنه يجاب إلى تقطيعه لأنه سقط عنه بيمينه لما ادعى عليه بما فيه، وإذا سقط عنه فليقطع. ثم قال إذا دفع إلى المطلقة أو المتوفى عنها زوجها كالئها ليس عليها أن تدفع كتاب صداقها إلى الزوج ولا إلى ورثته لما في حبس

стр. 8580

صداقها من المنفعة بسبب الشروط التي لها فيه إن كانت ولأجل لحوق النسب أو الحمل إن كان حمل بعد موته وفى حياته إلا أن تتطوع بدفعه من غير أن يقضى عليها بذلك. هذا هو القول المشهور المعمول به، وقال أصبغ رضى الله تعالى عنه في كتاب ابن حبيب، قال لأن به ثبت نكاحها وبه لأخذ ميراثها وتدفع بعد اليوم من دافعها عما ورث، أما لو قامت بباقى المهر في كتاب غير كتاب نكاحها فأخذت به ما كان لها فإنه يؤخذ منها ويقطع عن الورثة، وإن أخذت به أرضا أو عقارا من عقاره لم يؤخذ ذلك منها لأن به تدفع اليوم من دافعها عن ذلك وما يشبهه مما يلتمس التوثق به، وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم بالإشهاد ونكر الكتاب الذي بيدها، قال ابن حبيب رحمه الله تعالى: وبه أقول وهذا أحب ما فيه إلى، وقيل: لابد من أخذه وتقطيعه، ورواه ابن حبيب عن مطرف فيمن مات وقامت امرأته بكتاب مهرها فأخذت به باقية فأراد الورثة تقطيعها فإن لهم ذلك، وإن قالت به أدفع بعد اليوم من دافعنى عما أخذت، ذكره المتيطي عن ابن سهل، وقال في الاستغناء: إن لم يدخل الزوج بالمرأة وأقرت المرأة أنه لم يمسها ولا وطئها فإن الصداق يقطع. نقله المشذ إلى برمته في آخر كتاب المديان وزاد بعد: قلت سئل ابن عبد السلام رضى الله تعالى عنه عمن كان عليه حق بصك وتنازع المديان ورب السلعة في تقطيعه أو تبطيله وبقائه عند ربه فما الذي عليه العمل من القولين، قال على الثاني خوف لو قطعناه أن يسئل المديان رب الدين هل قبض منه شيئا أم لا فإن قال قبضت ولكن من دين كان عليك لم يقبل منه، وإن قال لم أقبض حلف يمين غموس. قال في الذخيرة: وإذا طلب المصالح أخذ الوثيقة التي صالح عليها فللآخر منعه لأنها تشهد له بمال الصلح لثبوت أصل الحق ويكتب الآخر وثيقة بتاريخ متأخر يشهد له بصلحه، قاله مطرف رضى الله تعالى عنه. قال ابن رشد رحمه الله تعالى: وأما إذا أبى الذي بيده الوثيقة من الإِشهاد على نفسه بقبض ما فيها، وقال للذى كان عليه الدين خذ الوثيقة أو قطعها فتلك براءتك فليس له ذلك ويلزمه الإِشهاد على نفسه (١). مذهب الشافعية: جاء في نهاية المحتاج أن أداء القرض كأداء المسلم فيه في الصفة وفى الزمان والمكان، فلو أحضر المقترض القرض في زمن النهب لا يجب على المقرض قبوله، كما أنه لو أحضر المسلم فيه قبل محله لا يلزمه القبول، وإن أحضر المقترض القرض في زمان الأمن وجب قبوله. ولو ظفر المقرض بالمقترض في غير محل الإِقراض وللنقل من محله إلى محل الظفر مؤنة ولم يتحملها المقرض طالبه بقيمة بلد الإِقراض يوم المطالبة إذ الاعتياض عنه جائز، فعلم أنه لا يطالبه بمثله إذا لم يتحمل مؤنة حمله لما فيه من الكلفة وأنه يطالبه بمثل ما لا مؤنة لحمله وهو كذلك فالمانع من طلب المثل عند الشيخين رضى الله تعالى عنهما هو كثير مؤنة الحمل وعند جماعة منهم ابن الصباغ رحمه الله تعالى: هو كون قيمة بلد المطالبة أكثر من قيمة بلد الإِقراض. قال الأذرعي رضى الله تعالى
следующие страницы →