من الغرور. هذا قول أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم، وقالوا أيضا إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق فالأولى له الاشتغال به فيكون أولى من سائر المكاسب لأن قربة وطاعة.
والثالث: من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه، وقد نقل عن أحمد رضى الله تعالى عنه ما يدل على أنه لا يتعين عليه فإنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال لا يأثم فهذا يحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة رضى الله تعالى عنه منه، وقد قيل له ليس ههنا غيرك، ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإن أحمد رضى الله تعالى عنه قال لابد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس (١)؟ وإن وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب لأن أنسا رضى الله تعالى عنه روى أن النبى ﷺ قال: "من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله ملكا يسدده". قال الترمذى حديث حسن غريب، وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غمر مسئلة أعنت عليها" وإن طلب فالأفضل أن لا يجيب في ظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه، وقال ابن حامد رضى الله تعالى عنه: الأفضل الإجابة إذا أمن نفسه، وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رضى الله تعالى عنه أن الأفضل والأولى له أن لا يجيب إذا طلب ووجد غيره لما فيه من الخطر والغرور، ولما في تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقى لذلك، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر رضى الله تعالى عنهم القضاء فأباه على ما سبق فكره (٢).
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أن القضاء فرض كفاية كالجهاد، ويتعين على من لا يغنى عنه غيره كالأمر بالمعروف، وهو أفضل من الجهاد، إذ هو لحفظ الموجود، والجهاد لطلب الزيادة وعليه ما روى عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنين: رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق" (٣) ونحوه، وندب أن يقول المدعو: سمعا وطاعة، ويحرم على مختل شرط لما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: "من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" (٤) وإذا كثر الصالحون له فكفاية، فإن امتنعوا أثموا لما روى عن ابن
стр. 8577
مسعود رضى الله تعالى عنه وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ويأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع" (١) وفى تعينه بتعيين الإمام وجهان، قال الإِمام يحيى رضى الله تعالى عنه: أصحهما بتعين فيجبر، إذ دعى إلى واجب، قلت: وكتعيينه للجهاد من شاء، وقيل: لا يجبر لقول النبي ﷺ : "إنا لا نجبر على الحكم أحدا" قلنا: يحتمل مع عدم الإِلزام لتأديته إلى تعطل الحكم حيث امتنعوا جميعا، وقد قال النبى ﷺ : "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا بين الناس حكموا كحكمهم لأنفسهم" (٢).
مذهب الإِمامية:
جاء في الروضة البهية أن القضاء واجب كفاية في حق الصالحين له إلا أنه مع حضور الإمام وظيفة الإِمام أو نائبه، فيلزمه نصب قاض في الناحية ليقوم به ويجب على من عينه الإجابة، ولو لم يعين وجبت كفاية، فإن لم يكن أهلا إلا واحد تعينت عليه، ولو لم يعلم به الإِمام لزمه الطلب، وفى استحبابه مع التعدد عينا قولان: أجودهما ذلك مع الوثوق من نفسه بالقيام به (٣).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أن تولى القضاء فرض كفاية فإن قام به مسلم كفى وإلا هلكوا موافقهم ومخالفهم لأنه يلزمه أن يكون موافقا وأن يقوم بذلك - لا المرأة والعبد ونحوهما ممن لم يخاطب بالقضاء - وهلاك المخالف هلاك آخر غير هلاك خلافه. ويجب على الإمام أن ينصب للناس قاضيا، ومن أبى عن الولاية جبره عليه، ولا ينبغى لأحد أن يطلب القضاء، وإن دعى إليه فالأولى الامتناع لعسره إلا أن تعين عليه فيحبس أو يضرب وإن لم يصلح إلا واحد كان فرض عين عليه، وكان النبي ﷺ يقضى بين الناس ويأمر أصحابه رضى الله تعالى عنهم بالقضاء بينهم، وبعث عليا رضى الله تعالى عنه إلى اليمن ليقضى بينهم، وبعث عمر رضى الله تعالى عنه أبا موسى الأشعرى إلى البصرة قاضيا وابن مسعود إلى الكوفة (٤). وروى أن عمر رضى الله تعالى عنه دعا رجلا ليوليه القضاء فأبى فجعل يديره على الرضى فيأبى حتى قال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أي ذلك تعلم خيرًا لى قال أن لا تلى، قال اعف عنى، قال قد فعلت (٥).
стр. 8578
حكم الامتناع من إيفاء الدين واستيفائه ما يتعلق بذلك
مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختار: وفى الفتاوى الهندية أنه لو استقرض حنطة فأعطى مثلها بعد تغير سعرها يجبر المقرض على القبول. ولو استقرض الطعام ببلد الطعام فيه رخيص فلقيه المقرض في بلد الطعام فيه غال فأخذه الطالب بحقه، فليس له أن يحبس المطلوب، ويؤمر المطلوب بأن يوثق له بكفيل حتى يعطيه طعامه في البلد الذي أخذه منه فيه، قال في الذخيرة ما نصه، قال بشر عن أبى يوسف رضى الله تعالى عنهما: لو أقرض رجل طعاما أو غصبه إياه وله حمل ومؤنة والتقيا في بلدة أخرى الطعام فيها أغلى أو أرخص، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: يستوثق له من المطلوب حتى يوفيه طعامه حيث غصب أو حيث أقرضه، وقال أبو يوسف رضى الله تعالى عنه: إن تراضيا على هذا فحسن، وأيهما طلب القيمة أجبر الآخر عليه. ولو استقرض شيئا من الفواكه كيلا أو وزنا ثم انقطع عن أيدى الناس قبل أن يقبضه إلى المقرض فعند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه يجبر المقرض على أن يؤخر القبض إلى إدراك الجديد ليصل إلى عين حقه لأن الانقطاع بمنزلة الهلاك، ومن مذهبه أن الحق لا ينقطع عن العين بالهلاك، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: هذا لا يشبه كساد الفلوس لأن هذا مما يوجد فيجبر المقرض على التأخير إلا أن يتراضيا على القيمة وهذا في الوجه كما لو التقيا في بلد الطعام فيه غال فليس له حبسه ويوثق له بكفيل حتى يعطيه إياه في بلده (١). وجاء في الفتاوى الهندية أنه لو استقرض الجمد في الصيف وسلم في الشتاء يخرج عن العهدة، ولو قال صاحب الجمد لا آخذ العام منك، قال أبو بكر الاسكاف رضى الله تعالى عنه: لا أعلم هنا حيلة سوى أن يدفع الذي عليه الجمد مثل وزنه جمدا ويطرح في مجمدة صاحبه حتى يبرأ عما عليه، وقال القاضي الإِمام فخر الدين رضى الله تعالى عنه: المخرج عندى أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يجبر على قبول مثل ما كان عليه كما لو استقرض من آخر حنطة فأعطى مثلها بعد ما تغير سعرها فإنه المقرض على القبول، كذا في مختار الفتاوى (٢). ولو قضى المدين الدين أجود مما عليه لا يجبر رب الدين على أن يقبله، كما لو دفع إليه أنقص مما عليه، وإن قبل جاز كما لو أعطاه خلاف الجنس وهو الصحيح، ولو كان الدين مؤجلا فقضاه قبل حلول الأجل يجبر على القبول، وإن أعطاه المدين أكثر مما علمه وزنا فإن كانت الزيادة تجرى بين الوزنين جاز (٣).
مذهب المالكية:
جاء في مواهب الجليل أن المديان إذا دفع الحق لصاحبه وأراد أخذ الوثيقة أو تقطيعها فإنه يقضى له بذلك إن امتنع رب الدين من ذلك قال
стр. 8579
الشيخ أبو الحسن الصغير رحمه الله تعالى في آخر كتاب المديان عند قول المدونة ومن أمر رجلا يدفع إلى فلان ألف درهم سواء قال عنى أو لم يقل، ثم قال الآمر كانت لى دينا على المأمور، وأنكر المأمور وقال بل أسلفته إياها، فالقول قول المأمور، قال أبو إسحق رحمه الله تعالى إلا أن يعلم أن مثله لا يملك هذا القدر لعدمه وفلسه يؤخذ من هذه المسألة أن من اقتضى دينا لا يلزمه أن يدفع الوثيقة لغريمه المطلوب خوف دعوى السلف. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ وابن دينار رضى الله تعالى عنهم: يجبر على دفعها وتقطع، قال ابن الهندى رحمه الله تعالى: ولا يبرأ بدفعها إلى الغريم إذا قام الطالب عليه، واستظهر المطلوب في الوثيقة أنه يقول سقطت منى فحكم عليه بردها للطالب وبالغرم بعد يمين الطالب. وقال في العتبية: وسئل عن رجل لقى رجلا قال: أشهدك أنى قد تقاضيت من فلان مائة دينار كانت لى عليه فجزاه الله خيرا فإنه أحسن قضائى فليس لى عليه قليل ولا كثير، فلقى الرجل الذي أشهد الرجل الذي زعم أنه قضاه فأخبره بما قال له، فقال كذب إنما أسلفته ذلك. قال ابن القاسم رضى الله تعالى عنه: القول قول الذي زعم أنه أسلفه مع يمينه إلا أن يأتى الآخر بالبينة أنه تقاضاها في دينه، قال ابن رشد أثرها: ويأتى على أصل أشهب في قوله أنه لا يؤاخذ أحد بأكثر مما يقربه على نفسه أن يكون القول قول المقتضى وهو قول ابن الماجشون نصا في هذه المسألة بعينها. ويقوم من هذه المسألة أن من كان له حق على رجل بوثيقة فدقع الذي عليه الحق إلى الذي له عليه الحق ودعا إلى قبض الوثيقة منه أو تحريقها أن ذلك ليس له وإنما له أن يشهد عليه وتبقى الوثيقة بيد صاحب الدين لأنه يدفع بها عن نفسه إذ لعل الذي كان عليه الدين أن يستدعى بينة قد سمعوا إقرار صاحب الدين بقبضه منه أو حضروا دفعه إليه ولم يعلموا على أى وجه كان الدفع فيدعى أنه إنما دفع إليه ذلك المال سلفا أو وديعة ويقول هات بينة تشهد لك إنما قبضت ذلك منى من حق واجب لك، فبقاء الوثيقة وقيامه بها يسقط هذه الدعوى التي تلزمه وقد كان شيخنا الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يقيم ذلك فيما أخبرنى عنه غير واحد من أصحابنا وما أشك أن يكون في كلام سمعه منه من آخر مسئلة من كتاب المديان من المدونة وهو كلام صحيح، إلا أن محمد بن عبد الحكم يرى له من الحق أخذ الوثيقة وقطعها وهوقول عيسى بن دينار في بعض روايات العتبية وهو قول أصبغ في الواضحة. وقال ابن فرحون في تبصرته: وللذى عليه الدين أخذ وثيقة الدين من صاحبها أو يقضى عليه بتقطيعها، وقاله ابن العطار رحمه الله تعالى ونحوه في الواضحة وكتاب الحدانى وبه القضاء، وقال محمد بن الحكم رضى الله تعالى عنه لا يقطع وثيقة الدين ولا يجبر ربها على إعطائها، ويجبر على أن يكتب له براءة في الموضع الذي فيه الشهود عليه، ونحوه في وثائق ابن الهندى لأنه سبب لوجوب اليمين عليه إن ادعى عليه بعد ذلك دعوى كاذبة. وفى أحكام ابن سهل في امرأة قامت بصداق لم تثبته فحلف الزوج ودعا إلى قطعه وأرادت الزوجة حبس الصداق بيدها فأفتى ابن لبابة أنه يجاب إلى تقطيعه لأنه سقط عنه بيمينه لما ادعى عليه بما فيه، وإذا سقط عنه فليقطع. ثم قال إذا دفع إلى المطلقة أو المتوفى عنها زوجها كالئها ليس عليها أن تدفع كتاب صداقها إلى الزوج ولا إلى ورثته لما في حبس
стр. 8580
صداقها من المنفعة بسبب الشروط التي لها فيه إن كانت ولأجل لحوق النسب أو الحمل إن كان حمل بعد موته وفى حياته إلا أن تتطوع بدفعه من غير أن يقضى عليها بذلك.
هذا هو القول المشهور المعمول به، وقال أصبغ رضى الله تعالى عنه في كتاب ابن حبيب، قال لأن به ثبت نكاحها وبه لأخذ ميراثها وتدفع بعد اليوم من دافعها عما ورث، أما لو قامت بباقى المهر في كتاب غير كتاب نكاحها فأخذت به ما كان لها فإنه يؤخذ منها ويقطع عن الورثة، وإن أخذت به أرضا أو عقارا من عقاره لم يؤخذ ذلك منها لأن به تدفع اليوم من دافعها عن ذلك وما يشبهه مما يلتمس التوثق به، وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم بالإشهاد ونكر الكتاب الذي بيدها، قال ابن حبيب رحمه الله تعالى: وبه أقول وهذا أحب ما فيه إلى، وقيل: لابد من أخذه وتقطيعه، ورواه ابن حبيب عن مطرف فيمن مات وقامت امرأته بكتاب مهرها فأخذت به باقية فأراد الورثة تقطيعها فإن لهم ذلك، وإن قالت به أدفع بعد اليوم من دافعنى عما أخذت، ذكره المتيطي عن ابن سهل، وقال في الاستغناء: إن لم يدخل الزوج بالمرأة وأقرت المرأة أنه لم يمسها ولا وطئها فإن الصداق يقطع. نقله المشذ إلى برمته في آخر كتاب المديان وزاد بعد: قلت سئل ابن عبد السلام رضى الله تعالى عنه عمن كان عليه حق بصك وتنازع المديان ورب السلعة في تقطيعه أو تبطيله وبقائه عند ربه فما الذي عليه العمل من القولين، قال على الثاني خوف لو قطعناه أن يسئل المديان رب الدين هل قبض منه شيئا أم لا فإن قال قبضت ولكن من دين كان عليك لم يقبل منه، وإن قال لم أقبض حلف يمين غموس. قال في الذخيرة: وإذا طلب المصالح أخذ الوثيقة التي صالح عليها فللآخر منعه لأنها تشهد له بمال الصلح لثبوت أصل الحق ويكتب الآخر وثيقة بتاريخ متأخر يشهد له بصلحه، قاله مطرف رضى الله تعالى عنه. قال ابن رشد رحمه الله تعالى: وأما إذا أبى الذي بيده الوثيقة من الإِشهاد على نفسه بقبض ما فيها، وقال للذى كان عليه الدين خذ الوثيقة أو قطعها فتلك براءتك فليس له ذلك ويلزمه الإِشهاد على نفسه (١).
مذهب الشافعية:
جاء في نهاية المحتاج أن أداء القرض كأداء المسلم فيه في الصفة وفى الزمان والمكان، فلو أحضر المقترض القرض في زمن النهب لا يجب على المقرض قبوله، كما أنه لو أحضر المسلم فيه قبل محله لا يلزمه القبول، وإن أحضر المقترض القرض في زمان الأمن وجب قبوله. ولو ظفر المقرض بالمقترض في غير محل الإِقراض وللنقل من محله إلى محل الظفر مؤنة ولم يتحملها المقرض طالبه بقيمة بلد الإِقراض يوم المطالبة إذ الاعتياض عنه جائز، فعلم أنه لا يطالبه بمثله إذا لم يتحمل مؤنة حمله لما فيه من الكلفة وأنه يطالبه بمثل ما لا مؤنة لحمله وهو كذلك فالمانع من طلب المثل عند الشيخين رضى الله تعالى عنهما هو كثير مؤنة الحمل وعند جماعة منهم ابن الصباغ رحمه الله تعالى: هو كون قيمة بلد المطالبة أكثر من قيمة بلد الإِقراض. قال الأذرعي رضى الله تعالى
стр. 8581
عنه: وكلام الشافعي رحمه الله تعالى هنا يشير إلى كك من العلتين، فإذا أقرضه طعاما أو نحوه في مصر ثم لقيه في مكة لم يلزمه أن يدفعه إليه لأنه بمكة أغلى. كذا نص عليه الشافعي رضى الله تعالى عنه بهذه العلة وبأن في نقله إلى مكة ضررا فالظاهر أن كل واحدة منهما علة مستقلة، وحيث أخذ القيمة فهى للفيصولة لا للحيلولة، فلو اجتمعا في بلد الإِقراض لم يكن للمقرض أن يردها ويطلب المثل، ولا للمقترض أن يستردها (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه لو اقترض رجل من آخر نصف دينار مثلا فدفع إليه دينارا صحيحا وقال نصفه قضاء ونصفه وديعة عندك أو سلما في شئ صح، وإن امتنع المقرض من قبوله فله ذلك لأن عليه في الشركة ضررا. ولو اشترى بالنصف الثاني من الدينار سلعة جاز إلا أن يكون ذلك عن مشارطة فقال أقضيك صحيحا بشرط أنى آخذ منك بنصفه الباقى قميصا فإنه لا يجوز لأنه لم يدفع إليه صحيحا إلا ليعطيه بالنصف الباقى فضل ما بين الصحيح والمكسور من النصف المقضى، ولو لم يكن شرطا جاز، فإن ترك النصف الآخر عنده وديعة جاز وكانا شريكين فيه، وإن اتفقا على كسره كسراه فإن اختلفا لم يجبر أحدهما على كسره لأنه ينقص قيمته (٢). ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه لزم قبوله سواء تغير سعره أو لم يتغير وإن حدث به عيب لم يلزمه قبوله، وإن كان المرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها ولم يلزمه قبولها سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها لأنها تعيبت في ملكه، نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه في الدراهم المكسرة وقال يقومها كم تساوى يوم أخذها ثم يعطيه وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا. قال القاضي رحمه الله تعالى: هذا إذا اتفق الناس على تركها فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزمه أخذها، وقال مالك والليث بن سعد والشافعى رضى الله تعالى عنهم: ليس له إلا مثل ما أقرضه لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها، فجرى مجرى نقص سعرها، ويدل لنا أن تحريم السلطان لها منع إنفاقها وأبطل ماليتها فأشبه كسرها أو تلف أجزائها، وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق، أو كانت قليلا لأنه لم يحدث فيها شئ، إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت ورثته لما في حبس صداقها من المنفعة بسبب الشروط التي لها فيه إن كانت ولأجل لحوق النسب أو الحمل إن كان حمل بعد موته وفى
стр. 8582
أو غلت (١). وإذا أقرضه ما لحمله مؤنة ثم طالبه بمثله ببلد آخر لم يلزمه لأنه لا يلزمه حمله له إلى ذلك البلد، فإن طالبه بالقيمة لزمه لأنه لا مؤنة لحملها، فإن تبرع المستقرض بدفع المثل وأبى المقرض قبوله فله ذلك لأن عليه ضررا في قبضه لأنه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي أقرضه فيه، وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، وإن كان القرض أثمانا أو مالا مؤنة في حمله وطالبه بها وهما ببلد آخر لزمه دفعه إليه لأن تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد (٢).
ومن طلب منه حق فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض نظرت فإن كان الحق عليه بغير بينة لم يلزمه القاضي بالإشهاد لأنه لا ضرر عليه في ذلك فإنه متى ادعى الحق على الدافع بعد ذلك قال لا يستحق على شئ، والقول قوله مع يمينه، وإن كان الحق ثبت ببينة وكان من عليه الحق يقبل قوله في الرد كالمودع والوكيل بغير جعل فكذلك لأنه متى ادعى عليه حق أو قامت به بينة فالقول قوله في الرد وإن كان ممن لا يقبل قوله في الرد أو يختلف في قبول قوله كالغاصب والمستعير والمرتهن لم يلزمه تسليم ما قبله إلا بالإشهاد لئلا ينكر القابض القبض ولا يقبل قول الدافع في الرد وإن قال لا يستحق على شيئا قامت عليه البينة أو إذا أشهد على نفسه بالقبض لم يلزمه تسليم الوثيقة بالحق إلى من عليه الحق لأن بينة القبض تسقط البينة الأولى، والكتاب ملكه فلا يلزمه تسليم إلى غيره (٣). ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه يلزم أن يقبله سواء تغير سعره أو لم يتغير، أما إن حدث به عيب فإنه لا يلزمه أن يقبله، وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها ولم يلزمه أن يقبلها سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها لأنها تعيبت في ملكه، نص على ذلك الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه في الدراهم المكسرة. وقال يقومها؛ كم تساوى يوم أخذها ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا، قال القاضي رحمه الله تعالى: هذا إذا اتفق الناس على تركها، فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لزمه أن يأخذها، وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا - مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق - أو قليلا لأنه لم يحدث فيها شئ إنما الذي حدث هو تغيير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت (٤) وإذا أقرضه ما لحمله مؤنة ثم طالبه بمثله في بلد آخر لم يلزمه ذلك لأنه لا يلزمه أن يحمله له إلى ذلك البلد، فإن طالبه بالقيمة لزمه لأنه لامؤنة لحملها، فإن تبرع المستقرض بدفع المثل وأبى المقرض أن يقبله فله ذلك لأن عليه ضررا في قبضه لأنه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي أقرضه فيه وله أن يطالبه بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه، لأنه المكان الذي يجب عليه أن
стр. 8583
يسلم فيه، وإن كان القرض أثمانا أو ما لا مؤنة في حمله وطالبه بها وهما في بلد آخر لزمه أن يدفعه إليه لأن تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أن صاحب الدين إن طالب المدين بدينه والشئ المستقرض حاضر عند المستقرض لم يجز أن يجبر المستقرض على أن يرد الذي أخذ بعينه ولابد، لكن يجبر على رد مثله إما ذلك الشئ وإما غيره مثله من نوعه لأنه قد ملك الذي استقرض وصار كسائر ماله ولا فرق ولا يجوز أن يجبر على إخراج شئ بعينه من ماله إذ لم يوجب عليه قرآن ولا سنة، فإن لم يوجد له غيره قضى عليه حينئذ برده لأنه مأمون بتعجيل إنصاف غريمه فتأخيره بذلك وهو قادر على الإِنصاف ظلم وقد قال النبى ﷺ : "مطل الغنى ظلم" وهذا غنى فمطله ظلم (٢) ومن لقى غريمه في بلد بعيد أو قريب وكان الدين حالا أو قد بلغ أجله فله مطالبته وأخذه بحقه ويجبره الحاكم على إنصافه عرضا كان الدين أو طعاما أو حيوانا أو دنانير أو دراهم كل ذلك سواء ولا يحل أن يجبر صاحب الحق على أن لا ينتصف إلا في الموضع الذي تدانيا فيه، برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : "مطل الغنى ظلم" وأمره ﷺ أن يعطى كل ذى حق حقه، ومن ادعى أنه لا يجوز أن يجبر على إنصافه إلا حيث تداينا فقد قال الباطل لأنه قول لا دليل عليه لا من قرآن ولا سنة ولارواية سقيمة ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأى سديد، ثم يقال له: إن كان التداين بالأندلس ثم لقيه بصين الصين ساكنا هنالك أو كلاهما أترى حقه قد سقط أو يكلف الذي عليه الحق هو وصاحب الحق النهوض إلى الأندلس لينصفه هنالك من مدين، ثم لو طرووا قولهم للزمهم أن لا يجيزوا الإِنصاف إلا في البقعة التي كانا فيها بأبدانهما حين التداين، وهم لا يقولون هذا فنحن نزيدهم من الأرض شبرا شبرا حتى نبلغهم إلى أفصى العالم (٣). وإن أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذلك لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق على أدائه سواء في كل ذلك الدنانير والدراهم، والطعام كله، والعروض كله، والحيوان، فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز كل ذلك، وهو قول أبى سليمان وأصحابنا رضى الله تعالى عنهم، وقال المالكيون: إن كان مما لا مؤنة في حمله ونقله أجبر الذي له الحق على قبضه، وإن كان مما فيه مؤنة في حمله ونقله لم يجبر على قبوله قبل محله، قال أبو محمد: وهذا قول فاسد أولا لأنه قولا بلا برهان لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب لا مخالف له ولا قياس ولا رأى شديد، وثانيا: لأن شرط الأجل قد
стр. 8584
صح بالقرآن والسنة فلا يجوز إبطال ما صححه الله تعالى (١).
مذهب الزيدية:
جاء في التاج المذهب أنه يجب على من له الحق أن يقبض كل دين معجل حيث سلمه وعجله من هو علمه سواء كان مؤجلا أو كان حالا، وسواء كان مما يجب أن يسلم إلى موضع الابتداء أم لا، ولكن لا يلزمه إلا بشروط خمسة:
الأول منها: أن يكون مساويا لحقه أو زائدا عليه في الصفة ولم يخالف غرضه، أما لو كان ناقصا في القدر أو في الصفة أو في النوع أو كان زائدا في النوع أو في الصفة وخالف غرضه فإنه لا يلزمه أن يقبضه، فلو كان زائدا في القدر فيلزمه أن يأخذ قدر حقه إذا لم يكن لفصله مؤنة والزائد يكون إباحة فيخير فيه.
الشرط الثاني: أن لا يكون قبضه مع خوف الضرر في الحال نحو أن يخالف لو قبض حقه من أن يأخذه عليه ظالم فحينئذ لا يلزمه أن يقبض حقه سواء كان حالا أو مؤجلا.
الشرط الثالث: أن لا يكون قبضه مع خوف غرامة تلحقه لو قبض حقه، نحو أن تكون له مؤنة إلى وقت حلول الأجل فإنه إذا خشى الغرامة لا يلزمه أن يقبضه، وهذا حيث كان الأجل لازما بالعقد لا بالقرض ونحوه، فيجب أن يقبضه ولو لحقته غرامة إلى حلول الأجل.
الشرط الرابع: أن لا يخشى عليه الفساد وقت حلول الأجل، فإن خشى عليه الفساد وكان مؤجلا لم يلزمه أن يقبضه.
الشرط الخامس: أن لا يكون للمالك غرض في تأخيره إلى وقت حلول الأجل، فإن كان له غرض في تأخيره لم يلزمه أن يقبضه، وهذا إذا كان مؤجلا، فإن كان غير مؤجل لزمه أن يقبضه ولو كان له غرض في تأخيره.
وأما الحق المعجل إذا امتنع من عليه الحق من تسليمه واشترط الإِبراء في البعض أو اشترط الحط أو الإِسقاط فإنه لا يبرأ مما حط عنه، ولو كان الحط بأى ألفاظ التمليك لأنه لا يقابله عوض، وإنما هو كفاد لحقه فيبقى ما حط عنه إذ الامتناع محرم عليه (٢).
مذهب الإِمامية:
جاء في مفتاح الكرامة أنه لو أقرض شخص آخر جملة فدفع إليه تفاريق وجب العبول - كما في الدروس وجامع المقاصد - لأنه حق له استحق أخذه وليس كالمبيع والثمن يجب تسلمم جميعه نظر إلى اتحاد الصفقة فليس له فيما نحن فيه الامتناع من أخذه إلى أن يسلمه الجميع إذ لا صفقة هنا، ويطالب بالباقى في الحال، ولا يجب على المقرض التأخير وإن قل الزمان إلا مع الإِعسار (٣). وينصرف إطلاق القرض إلى أداء المثل في مكانه، فلو شرط القضاء في بلد آخر جاز سواء كان في حمله مؤنة أو لا. ويبقى الكلام في أن هذا يلزم أم لا بل يجوز لكل منهما المخالفة، والذي يقتضيه النظر أنه لا يجوز للمقرض المخالفة والمطالبة في غير بلد
стр. 8585
الشرط لأن العقد لازم من طرفه كما عرفت فيما سلف. ويلزمه ما شرطه أو شرط عليه، وليس ذلك من التأجيل في شئ وإن رجع إليه بالآخرة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون للمقترض مصلحة في ذلك أم لا أو يكون عليه ضرر أم لا. وأنه يجوز للمقترض المخالفة والدفع متى شاء لعدم لزومه من طرفه فيجب على المقرض قبوله وإن كان عليه في ذلك ضرر لأنه أقدم على ذلك، ولو طالبه المقرض من غير شرط في غير البلد أو فيه مع شرط غيره وجب الدفع مع مصلحة المقترض، وقال في التذكرة: وجب الدفع ولم يتعرض للمصلحة. والوجه في وجوب الدفع أن القرض حال والشرط لا يصيره مؤجلا ولا معنى لإِطراح الشرط بالكلية، فيجب أداء ماله عند المطالبة حيث لا مانع يمنع شيئا وليس إلا الضرر وقد فرض عدمه وفى المبسوط والتحرير: لو أقرضه في بلد ثم طالبه في بلد آخر لم يجب عليه حمله إلى بلد المطالبة ولا يجبر على دفعه لأن قيمته تختلف ولو طالبه بالقيمة لزم، وقد حكى ذلك عن القاضي أيضا في المختلف، وقال أنه غير جيد. ولو دفع في غير بلد الإطلاق أو الشرط وجب القبول مع مصلحة المقرض، ونفى في الدروس وجوب القبول وإن كان الصلاح للقابض، وفى التحرير: لو تبرع المستقرض بدفع المثل وامتنع المقرض كان له ذلك وإن لم يكن في حمله مؤنة، وحاصل ما أراد صاحب القواعد أن الحق لما كان حالا وكان لبلد الإِطلاق وبلد الشرط علاقة بوجوب الدفع فيه جمعنا بين الأمرين بأنه إن كان على المقرض ضرر كالاحتياج إلى حمله حيث كان ذا مؤنة أو الخوف من النهب ونحوه لم يجب القبول، وإلا وجب، وينبغى إبدال اشتراط المصلحة بعدم الضرر (١) ولا يجب دفع المؤجل سواء كان دينا أو ثمنا أو فرضا أو غير ذلك قبل الأجل، فإن تبرع لم يجب أخذه وإن انتفى الضرر يأخذه، ومع الحلول يجب قبضه، وإن امتنع دفعه إلى الحاكم ويكون من ضمان صاحبه وكذا البائع سلما يدفع إلى الحاكم مع الحلول وهو يبرأ من ضمان المشترى، وكذا كل من عليه حق حال أو مؤجل محل فامتنع صاحبه من أخذه، ولو تعذر الحاكم وامتنع صاحبه من أخذه فالأقرب أن هلاكه منه لا من المدين. وفى الكفاية: جاز الدفع إلى الحاكم، وأوجب في السرائر على الحاكم القبض ومنع من إجباره المستحق على قبضه أو إبرائه وهو ظاهر المبسوط في الأول وصريحه في الثاني، واستبعد ما في السرائر في الأمرين صاحب الدروس وقد حكم بهما في حواشيه على الكتاب فقال ليس له إجباره على القبض والإبراء، وحكى في المختلف عن أبى على أنه يجبره على الأخذ وحكى في سلم جامع المقاصد قولا بأنه إنما يقبضه الحاكم إذا سأله البائع إذا أجبر المسلم على القبض ولم يقبض، ثم استظهر أن له أن يقبضه وإن لم يجبره على قبضه إذا امتنع، وأنه لو لم يسأله لا يجب عليه قبضه، وأنه يجوز له ذلك وإن لم يسأله لأنه نائب مناب المالك وأنه ليس له إجباره إن لم يسأله المالك لأن يده يد رضى بها المشترى ولم يصدر منه ما ينافيه. قلت: وعلى ما استظهره يمكن تنزيل إطلاق كلام الأصحاب فتجتمع الكلمة ويبقى الكلام في كلام من أوجب دفعه إلى الحاكم بعد امتناعه من قبضه من أول مرة لعدم الدليل عليه، وحينئذ فله
стр. 8586
تأخير دفعه والتصرف فيه حيث يكون كليا كما هو المفروض إلى أن يطالبه المالك أو من يقوم مقامه (١).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أنه يجب قضاء دين وحسن تعجيله مع إمكان وقدرة، وإن غاب ربه طلبه الغريم حتى يقضى ما عليه، وقيل إن غاب بعد معاملته في بلده لزمه الإِيصاء له بما عليه. ولا يلزم المدين أن يخرج إلى غرمائه إذا ركبوا البحر إلا إن طالبوه فأبى أثم إلا أن أعسر ثم أيسر بعد أن خرجوا لزمه أن يصلهم حيث كانوا، ويأثم إثما كبيرا مطالب قادر على التأدية إن لم يؤد ما عليه من الحق لصاحبه لقول النبي ﷺ : "مطل الغنى ظلم" والظلم كبيرة، على أن المطل التأخير بعد الطلب، وقيل إذا بلغ الأجل وقدر على التأدية فلم يؤد أثم ولو لم يطالبه صاحب الحق إلا إن علم منه الرضى، وقيل لا يأثم حتى يطالب ويضيق عليه، قال في التاج قال ابن بركة رضى الله تعالى عنه: من عليه ديون كثيرة من أموال اغتصبها ومظالم ارتكبها ولا يملك قدر ما عليه لم يكن له عند الله أن يتصرف في ماله ويحبسه عن إنفاذه في ذلك إلا قدر ما يقوته كمثله، فإن باع أو وهب أو تزوج جاز عليه. وإن كانت الأموال من ديون تحملها من أربابها فلا يأثم بحبسها عنهم حتى يطلبوه بها ويضيقوا عليه ومن عرض عليه حقه بين له من أي وجه أو لم يبين ثم إنه لابد عند الإيصاء إلى ثقة من أن يشهد له شهودا يثقون به أو يعطيه ما يعطيه أو يتكفل له به الثقة من ماله لزمه قبوله أو إبراء غريمه، ولا يسعه السكوت ولا إنكاره ولا أن يقول لا أقبله ولا أن يقول إيت به في وقت آخر ولا أن يقول أمسكه عندك حتى أطلبه منك أو لا أقبضه حتى أشاور فلانا إلا أن رضى بذلك من عليه الحق إلا الإنكار فلا يرض به فإن شاء رجع به بعد الإِنكار من صاحبه على نية أن يؤديه بعد وإن عرض عليه ما دون حقه في الكمية أو في الجودة أو عرض عليه خلاف حقه أو بحضرة من يغصبه أو يسرقه منه أو حيث لا يجد له موضعا أو حاملا أو حيث لا يلزمه قبوله فله أن لا يقبل إلا أن عرض عليه ما دونه في الكمية أعنى في العدد على أن سيزيد له فإنه بقبضه إلا إن كان في قبضه ما يؤدى إلى سقوط باقيه، لكن إن عرض عليه فابرأ غريمه لم يلزم الغريم قبول الإبراء، بل أن لم يقبل الإبراء أدرك على صاحب الحق أن يقبضه لأن الإبراء هبة ولا يلزم قبول الهبة لكن لا إثم ولا إيصاء عليه (٢). ولا يبرئ غريما من دين وضعه كله أمام ربه حتى يأخذه إن امتنع من قبضه ويوصى له به ويشهد، وإن تقدم ذلك عند أحدهما كفى، وكذا إن أبى من قبضه فوضعه في حجره أو في يده ولم يمسكه لأن الحق متعلق بالذمة فلا يبرأ منه إلا بقبض أو تبرئة وإذا شخصه في الخارج بعد أن كان حقيقة في الذمة لم يخرج عن الذمة ولم يخرج ما شخصه من ملكه ولم يدخل ملك صاحب الحق، فإن قال له ضعه أمامى أو في حجرى أو في يدى ففعل أجزأه. وجوز وضع
стр. 8587
الدين ومثله كل ما وجب له عليه أو وضع بعضه إن لم يجد إلا ذلك البعض أو إلا وضع ذلك البعض إذا امتنع في يده إن وجد اليد وإلا فليقصد حجره أو يضعه أمامه إن لم يجد حجره أو لم يصلح حجره حيث يراه في قريب منه حيث تصله يده وإن لم يجد هذا القرب فليضع أمامه حيث يراه ولو في بعيد ويقصد القرب ما أمكن وإن وضعه في جانب أو خلف أو فوق أو تحت ورآه حال الوضع وكان الوضع في قريب أو في بعيد إن لم يجد القرب وكان بحيث يتمكن منه أجزأه على هذا القول لأن الضابط لذلك الرؤية والتمكن من القبض مع الامتناع منه، وقد مر أن مجرد التخلية تقبيض وإن كان لا يراه أمامه لضعف بصره أو في جهة من الجهات أو لعمى لم يجزه إلا الوضع في يده أو حجره وإن وضعه في غيرهما فمد إليه يده حتى مسه أو وضعه حيث يضبطه ويعرفه كان يجده في داره فيمتنع من قبضه فيضعه في موضع من مواضعها التي يعرفها ذلك الأعمى أو ضعيف البصر ويسمى له ذلك الموضع، ووجه القول بذلك أن تخليص الذمة واجب على من شغلت ذمته وهو من البر والتقوى فوجب على صاحب الحق القبض لوجوب الإِعانة على البر والتقوى فلما امتنع أسيغ الوضع لضرورة الامتناع مع ما علمت من أن مجرد التخلية تقبيض ولا يصح وضع البعض إلا إن لم يجد من عليه الحق إلا البعض لفقره أو لكونه في محل لا يجد فيه إلا البعض، وإن وضع البعض وقد أمكنه وضع الكل لم يبرأ إلا إن قبضه صاحبه أو رضيه ويبرأ بالدفع - على هذا القول - ما لم يمنع ربه من أخذه خوف من سالب أو جائر أو غيرهما كوالد يأخذ كل ما علم أنه مال ابنه ويمكن دخوله في السالب وكمديان يأخذه منه بالقهر والضابط أنه إذا منعه من أخذه خوف لم يحبز الوضع سواء خاف أن يؤخذ منه في موضعه أو في غير موضعه إذا حضر من يأخذ أو كان على طريقة التي لابد له منها أو حضر من يعلمه إذا مشى بعد على طريق الذي يأخذ وكان لا يجد المحيد عنها أو خاف أن يغلظ عليه الخراج أخذه، وقيل يبرأ ولو وضعه بحيث العدو، ففى الديوان: وإن رأى المديان العدو قد أقبل إليه فأعطى للغريم دينه فأبى أن يقبله منه فإنه لا يضعه له ولا يبرأ من ذلك إن فعله ومنهم من يرخص وإما إن وضع له الوديعة التي معه فقد برئ .. هذا كله إن كان من مكيل أو موزون أو معدود أو ممسوح وكان ربه عالما بكيله أو وزنه أو عدده أو مساحته من جنس ماله وإلا يكن من مكيل أو موزون أو معدود أو ممسوح أو لم يكن من جنس ماله فلا يبرأ بالوضع حتى يأخذه منه من له الحق ويتصور وضع الجزاف فيما اشتراه جزافا وامتنع من أخذه فلا يجوز وضعه، وقيل أيضا بالجواز وإن كان بنحو كيل وأخذ بعضه بعد أن اجتمع كله بلا نحو كيل ثم دفع له الباقي بلا معرفة كم هو فلا يجزئه الوضع، وقيل يجزيه، وفى الديوان: وأما ما لا يكال ولا يوزن كالحيوان فلا يبرأ منه حتى يقبضه، والجزاف إذا امتنع من قبضه من اشتراه وقد خلى بينه وبينه فحكمه حكم الدين لا حكم الأمانة لأنه ليس في يده أمانة لأنه قال له احمل مالك فأبى، والأمانة تكون في يد المؤتمن برضاه وهذا لم يرض، ولا يلزمه حفظه إذ ليس أمانة (١).
стр. 8588
حكم الامتناع في الكفالة
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أن الكفالة إذا كانت بالنفس يطالب الكفيل بتسليم نفسه إلى الطالب إذا طالبه، وإن كانت بالعين المضمونة يطالب بتسليم عينها إذا كانت قائمة وتسليم مثلها أو قيمتها إذا كانت هالكة إذا طولب به، وإن كانت بفعل التسليم والحمل يطالب بهما، وإن كانت بدين يطالبه بالخلاص إذا طولب به، فكما طولب الكفيل طالب هو المكفول عنه بالخلاص، وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة فكان عليه تخليصه منها، وإن كانت الكفالة بغير أمره فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم هو ولا حق الحبس إذا حبس، وليس له أن يطالب بالمال قبل أن يؤدى هو وإن كانت الكفالة بأمره لأن ولاية المطالبة إنما تثبته بحكم القرض والتمليك وكل ذلك يقف على الأداء، ولم يوجد، بخلاف الوكيل بالشراء فإن له ولاية مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أن يؤدى هو من مال نفسه لأن هناك الثمن يقابل المبيع والملك في المبيع كما وقع للموكل فكان الثمن عليه فكان له أن يطالبه به، وهنا المطالبة بسبب القرض أو التمليك ولم يوجد هنا. وإذا أدى كان له أن يرجع عليه إذا كانت الكفالة بأمره لأن الكفالة بالأمر في حق المطلوب استقراض وهو طلب القرض من الكفيل والكفيل بأداء المال مقرض من المطلوب ونائب عنه في الأداء إلى الطالب وفى حق الطالب تمليك ما في ذمة المطلوب من الكفيل بما أخذ منه من المال، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه (١). ويخرج الكفيل بالنفس عن الكفالة بتسليم النفس إلى الطالب وهو التخلية بينه وبين المكفول بنفسه في موضع يقدر على إحضاره مجلس القاضي لأن التسليم في مثل هذا الموضع محصل للمقصود من العقد وهو إمكان استيفاء الحق بالمرافعة إلى القاضي، فإذا حصل المقصود ينتهى حكمه فيخرج عن الكفالة، ولو سلمه في صحراء أو برية لا يخرج عن الكفالة لأنه لم يحصل المقصود، ولو سلم في السوق أو في المصر يخرج سواء أطلق الكفالة أو قيدها بالتسليم في مجلس القاضي، أما إذا أطلق فظاهر لأنه يتقيد بمكان يقدر على إحضاره مجلس القاضي بدلالة القرض، وكذا إذا قيد لأن التسليم في هذه الأمكنة تسليم في مجلس القاضي بواسطته ولو شرط أن يسلمه في مصر معين فسلمه في مصر آخر لا يخرج عن الكفالة عندهما لأن التقييد بالمصر مفيد لجواز أن يكون للطالب بينة يقدر على إقامتها فيه دون غيره فكان التعيين مفيدا، وعند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه يخرج عن الكفالة بذلك لأن المقصود من تسليم النفس هو الوصول إلى الحق بالمرافعة إلى القاضي وهذا الغرض ممكن الاستيفاء من كل قاض فلا يصح التعيين. ولو سلمه في السواد ولا قاضى فيه لا يخرج عن الكفالة لأن التسليم في مثل هذا المكان لا يصلح وسيلة إلى المقصود فكان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة. ولو شرط أن يدفعه إليه عند الأمير فدفعه إليه عند القاضي
стр. 8589
يخرج عن الكفالة، وكذا إذا عزل الأمير وولى غيره فدفعه إليه عند الثاني لأن التسليم عند كل من ولى فلك محصل للمقصود فلم يكن التقييد مفيدا فلا يتقيد (١). ولو كفل بنفس رجل فإن لم يواف به غدا فعليه ما عليه وهو كذا فلقى الرجل الطالب فخاصمه الطالب ولازمه فالمال على الكفيل وإن لازمه إلى آخر اليوم لأنه لم يوجد من الكفيل الموافاة به، ولو قال الرجل للطالب: قد دفعت نفسى إليك عن كفالة فلان يبرأ الكفيل من المال سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو لا لأنه أقام نفسه مقام الكفيل في التسليم عنه فيصح التسليم كمن تبرع بقضاء دين غيره فإنه هناك لا يجبر على القبول وهنا يجبر عليه، والفرق أن انعدام الجبر على القبول في باب المال للتحرز عن لحوق المنة المطلوبة من جهة المتبرع لأن نفسه ربما لا تطاوعه بتحمل المنة فيتضرر ربه وهذا المعنى هنا معدوم لأن تسليم نفسه واجب عليه ولا منة في أداء الواجب سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو بغير أمره لأن نفسه مضمون التسليم في الحالين (٢).
مذهب المالكية:
جاء في التاج والإكليل أن ابن شاس رحمه الله تعالى قال: من أحكام الضمان أن للكفيل إجبار الأصيل على تخليصه إذا طولب، وليس له ذلك قبل أن يطالب ولا يلزم تسليم المال إليه ليؤديه إذا لو هلك لكان من الأصيل. قال في المدونة ليس للكفيل أخذ الغريم بالمال قبل أن يؤخذ منه إلا أن يتطوع به الغريم لأنه لو أخذه منه ثم أعدم أو فلس كان للذى له الدين أن يتبع الغريم (٣). قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى: للضامن المطالبة بتخليصه عند الطلب قال ابن عبد السلام: يعنى أن رب الدين إذا توجه له الطلب على غريمه فسكت عنه أو نص على تأخيره فللحميل أن لا يرضى بذلك ويقول لرب الدين إما أن تطلب حقك من الغريم معجلا وإلا أسقط عنى الحمالة لأن في ترك المطالبة بالدين عند وجوبه ضررا بالحميل لاحتمال أن يكون الغريم موسرا الآن ويعسر فيما يستقبل وإنما تصح المطالبة إذا كان الغريم موسرا، وأما إن كان معسرا فلا مقال للحميل لأن الطلب لم يتوجه على الغريم في هذا الحال. وقال في الجواهر: للكفيل إجبار الأصيل على تخليصه إذا طلب، وليس له ذلك قبل أن يطلب (٤).
مذهب الشافعية:
جاء في مغنى المحتاج أنه إذا عين الكفيل في الكفالة مكان التسليلم تعين تبعا لشرطه وإن لم يعين مكانا فمكان الكفالة يتعين كما في السلم فيهما، وكلامهم يفهم أنه لا يشترط بيان موضع التسليم، وإن لم يصلح له موضع التكفل كاللجة أو كان له مؤنه وهو مخالف لنظيره في السلم المؤجل فيحتمل أن يلحق به ويحتمل خلافه أخذا بمفهوم كلامهم، ويفرق بأن السلم عقد معاوضة والتكفل محض التزام وهذا هو الظاهر، ويحمل
стр. 8590
على أقرب موضع صالح للتسليم، ويبرأ الكفيل بتسليمه أو بتسليم وكيله في مكان التسليم المنكور بلا حائل كمتغلب يمنع المكفول له عنه لقيامه بما وجب عليه، فإن أحضره مع وجود الحائل لم يبرأ الكفيل لعدم الانتفاع بتسليمه. وقضية هذا الكلام: عدم البراءة بتسليمه في غير مكان التسليم وهو كذلك إن كان للمكفول له غرض في الامتناع كفوت حاكم أو معين، وإن امتنع لا لغرض تسلمه الحاكم عنه لأن التسليم حينئذ لازم له، فإذا امتنع منه ناب عنه الحاكم فيه، فإن لم يكن حاكم سلمه إليه وأشهده به شاهدين ويبرأ بتسليمه للمكفول له محبوسا بحق لإمكان إحضاره ومطالبته بالحق، بخلاف ما إذا كان محبوسا بغير حق لتعذر تسلمه، وكذا يبرأ الكفيل بأن يحضر المكفول في مكان التسليم ويقول للمكفول له سلمت نفس على جهة الكفيل، كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل الدين، ولو سلم نفسه عن الكفيل فأبى أن يقبله قال الماوردى رضى الله تعالى عنه أشهد المكفول أنه قد سلم نفسه عن كفالة فلان وبرئ الكفيل منها. وقياس ما تقدم أنه يتعين الرفع إلى الحاكم ثم الإشهاد. قال الخطيب: وإطلاق صاحب المنهاج يشمل الصبى والمجنون يسلمان أنفسهما عن جهة الكفيل، قال الأذرعى رحمه الله تعالى: وفيه وقفة، إذ لا حكم لقولهما، ولم أره نصا، والظاهر أنه إن قبل حصل التسليم وإلا فلا. وهو حسن، ولا يكفى مجرد حضوره من غير قوله سلمت نفسى عن الكفالة لأنه لم يسلمه إليه ولا أحد عن جهته، فلو سلمه إليه أجنبى عن جهة الكفيل بإذنه برئ أو بغير إذنه فلا إن لم يقبل، فإن قبل ولا يلزمه القبول برئ الكفيل (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أن الكفالة تصح حالة ومؤجلة كما يصح الضمان حالا ومؤجلا، وإذا أطلق كانت حالة لأن كل عقد يدخله الحلول اقتضى إطلاقه الحلول كالثمن والضمان. فإذا تكفل حالا كان له مطالبته بإحضاره، فإن أحضره وهناك يد حائلة ظالمة لم يبرأ منه ولم يلزم المكفول له تسلمه لأنه لا يحصل له غرضه، وإن لم تكن يد حائلة لزمه قبوله، فإن قبله برئ من الكفالة، وقال ابن أبي موسى رحمه الله تعالى: لا يبرأ حتى يقول قد برئت إليك منه أو قد سلمته إليك أو قد أخرجت نفسى من كفالته، والصحيح الأول لأنه عقد على عمل فبرئ منه بالعمل المعقود عليه كالإجارة، فإن امتنع من تسلمه برئ لأنه أحضر ما يجب تسليمه عند غريمه وطلب منه تسلمه على وجه لا ضرر في قبضه فبرئ منه كالمسلم فيه، وقال بعض أصحابنا إذا امتنع من تسلمه أشهد على امتناعه رجلين وبرئ لأنه فعل ما وقع العقد على فعله فبرئ منه، وقال القاضي رحمه الله تعالى يرفعه إلى الحاكم فيسلمه إليه، فإن لم يجد حاكما أشهد شاهدين على إحضاره وامتناع المكفول من قبوله، والأول أصح فإن مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى نائبه كحاكم
стр. 8591
أو غيره. وإن كانت الكفالة مؤجلة لم يلزم إحضاره قبل الأجل كالدين المؤجل، فإذا حل الأجل فأحضره وسلمه برئ، وإن كان غائبا أو مرتدا لحق بدار الحرب لم يؤخذ بالحق حتى يمضى زمن يمكن المضى إليه وإعادته، وقال ابن شبرمة رحمه الله تعالى: يحبس في الحال لأن الحق قد توجه عليه، ويدل لنا أن الحق يعتبر في وجوب أدائه إمكان التسليم وإن كان حالا كالدين فإذا مضت مدة يمكن إحضاره فيها ولم يحضره أو كانت الغيبة منقطعة لا يعلم خبره أو امتنع من إحضاره مع إمكانه أخذ بما عليه، وقال أصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم: إن كانت الغيبة منقطعة لا يعلم مكانه لم يطالب الكفيل بإحضاره ولم يلزمه شئ وإن امتنع من إحضاره مع إمكانه حبس، وقد دللنا على وجوب الغرم فيما مضى، وإن أحضر المكفول به قبل الأجل ولا ضرر في تسليمه لزمه، وإن كان فمه ضرر مثل أن تكون حجة الغريم غائبة أو لم يكن يوم مجلس الحاكم أو الدين مؤجل فإذا لم يكن اقتضاؤه منه أو قد وعده بالإنظار في تلك المدة لم يلزمه قبوله كما نقول فيمن دفع الدين المؤجل قبل حلوله (١). وإذا عين في الكفالة تسليمه في مكان فأحضره في غيره لم يبرأ من الكفالة - وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى - وقال القاضي إن أحضره بمكان آخر من البلد وسلمه برئ من الكفالة، وقال بعض أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: متى أحضره في أي مكان كان وفى ذلك الموضع سلطان برئ من الكفالة لكونه لا يمكنه الامتناع من مجلس الحاكم ويمكن إثبات الحجة فمه، وقيل إن كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر لم يبرأ الكفيل بإحضاره فيه، وإلا برئ كقولنا فيما إذا أحضره قبل الأجل، ولأصحاب الشافعي رضى الله تعالى عنهم اختلاف على نحو ما ذكرنا. ويدل لنا أنه سلم ما شرط تسليمه في مكان غيره فلم يبرأ كما لو أحضر المسلم فيه في غير هذا الموضع الذي شرطه، ولأنه قد سلم في موضع لا يقدر على إثبات الحجة فيه لغيبة شهوده أو غير ذلك، وقد يهرب منه ولا يقدر على إمساكه، ويفارق ما إذا أحضره قبل الأجل فإنه عجل الحق قبل أجله فزاده خيرا، فإذا لم يكن فيه ضرر وجب قبوله، وإن وقعت الكفالة مطلقة وجب تسليمه في مكان العقد كالسلم فإن سلمه في غيره فهو كتسليمه في غير المكان الذي عينه، وإن كان المكفول به محبوسا عند غير الحاكم لم يلزمه تسليمه محبوسا لأن ذلك الحبس يمنعه استيفاء حقه وإن كان محبوسا عند الحاكم فسلمه إليه محبوسا لزمه تسليمه لأن حبس الحاكم لا يمنعه استيفاء حقه، وإذا طالب الحاكم بإحضاره أحضره مجلسه وحكم بينهما ثم يرده إلى الحبس وإن توجه عليه حق للمكفول له حبسه بالحق الأول أو حق المكفول له (٢).
стр. 8592
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى أن من ضمن آخر في حق مال من بيع أو من غير بيع من أي وجه كان حالا أو إلى أجل .. لا يرجع بما أدى سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره إلا أن يكون المضمون عنه استقرضه؛ إذ من الباطل المتيقن والظلم الواضح أن يطالب الضامن من أجل أدائه حقا لزمه وصار عليه واستقر في ذمته من لا حق قبله له ولا للذى أداه عنه (١).
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أن الكفالة تصح مؤقتة الابتداء كأن يقول: بعد شهر، وله الرجوع قبله، وتصح مؤقتة الانتهاء نحو أن يقول كفلت إلى شهر، فتسقط بعده ويصح تعجيل المؤجل كالقرض، فإن امتنع من القبول بلا عذر ولا حاكم أشهد عليه وبرئ (٢). ولا يصح الضمان مؤجلا بمجهول، نحو أنا ضامن بكذا إلى هبوب الريح، ويلغو التأجيل ويصير حالا، فإن تعلق به غرض كالدياس وورود القافلة صحت وتقيدت (٣).
مذهب الإِمامية:
جاء في الخلاف أنه إذا تكفل رجل ببدن رجل فغاب المكفول به غيبة يعرف موضعه ألزم الكفيل إحضاره، ويمهل مقدار زمان ذهابه ومجيئه لإِحضاره، فإن لم يحضره بعد انقضاء هذه المدة المذكورة حبس أبدا حتى يحضره أو يموت، وبه قال جميع من أجاز الكفالة بالبدن، وقال ابن شبرمة يحبس في الحال ولا يمهل لأن الحق قد حل عليه، دليلنا أن من شرط الكفالة إمكان تسليمه والغائب لا يمكن تسليمه في الحال فوجب أن يمهل حتى يمضى زمان الإِمكان (٤). وقال صاحب مفتاح الكرامة أن الكفيل يلزم اتباع المكفول في غيبته إن عرف مكانه، وينظر في إحضاره بقدر ما يمكنه الذهاب إليه والعود به وكذا إن كانت مؤجلة أخر بعد الحول بقدر ذلك، كما ذكر جميع ذلك في المبسوط والتذكرة والمسالك ومجمع البرهان والشرائع والتحرير والإرشاد لكن لم يذكر في هذه الثلاثة الأخيرة التقييد بمعرفة مكانه لكنه مراد فيها قطعا، وبذلك كله قال عام أهل العلم كما في التذكرة، وقال إنما يجب عليه إحضار الغائب عند إمكان ذلك، فإن كان غائبا غيبة منقطعة كأن لم يعرف موضعه وينقطع خبره لم يكلف الكفيل إحضاره لعدم الإمكان، أي لأنه تكليف ما لا يطاق ولا شئ عليه لأنه لم يكفل المال ولا فرق في الغائب المعلوم محله بين
стр. 8593
التجاوز لمسافة القصر وغيره. ولو امتنع الكفيل إحضاره لعدم الإمكان، أي لأنه تكليف ما لا يطاق ولا شئ عليه لأنه لم يكفل المال ولا فرق في الغائب المعلوم محله بين التجاوز لمسافة القصر وضكمره، ولو امتنع الكفيل من إحضاره حبس حتى يحضهره أو يؤدى ما عليه كما في النهاية والسرائر والشرائع وظاهر هذه الكتب أنه إذا أدى ما علمه وجب على المكفول له أن يقبل ويبرأ الكفيل بذلك، وفى التذكرة وجامع المقاصد أن المكفول له إذا لم يرض بأن يدفع الكفيل المال وطلب إحضار المكفول ألزمه الحاكم بإحضاره، وفى المسالك والمفاتيح والرياض أن ذلك أقوى، وفى الروضة أنه قوى، وفى مجمع البرهان أنه ليس ببعيد، والظاهر أنه لا خلاف بينهم في جواز الاكتفاء عن الإِحضار بأداء ما عليه إذا رضى به المكفول له، وإنما الخلاف فيما إذا لم يرض. وحجة الأولين أن الفرض حاصل فكان كما لو أدى دين الغريم أجنبى، نعم إن قيل هناك بعدم وجوب القبول أمكن هنا، بل لعل احتمال الوجوب هنا أقوى لأنه يريد الخلاص من الكفالة، والظاهر أن المكفول قد انعقد ضميره على ذلك من حين الكفالة لأن الظاهر أن مقتضاها لزوم المال إن لم يحضره فإلزامه بالإحضار تكليف وإضرار وقد يكون لا غرض له إلا اللجاج، إلا أن تقول أنه إذا علم منه ذلك لم يجب. وحجة ما في التذكرة أنه قد يكون له غرض يتعلق بالأداء أو بالأداء من الغريم بخصوصه فإن الأغراض قد تتفاوت إذ قد يكون ماله لا يخلو عن شبهة أو يخاف أنه أظهر مستحقا لا يقدر على أخذ بدله منه ولأنه مقتضى الشرط، وهذا أقوى وينقدح من ذلك أنه لا يجب قبول الحق من غير من هو عليه (١).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أنه إن قضى حميل لمحول له خلاف ماله خير المحمول عليه في أن يغرم للحميل مثل ما قضى للمحمول له وإن لم يكن لى مثل أخذ قيمته بالتقويم إن شاء، وفى أن يعطى للحميل مثل ما تحمل الحميل به عليه لا ما قضى للمحمول له، وإنما لم يلزمه أن يعطى للحميل مثل ما قضى لأن الحمالة لم تعقد على القضاء بل على نفس الذين، فإن امتنع المحمول له من القضاء بل على نفس الدين فله، وإن رضيا بالقضاء فقضى له صح، فإن رضى المحمول عنه بأن يعطى للحميل مثل ما قضى أعطى، وإلا أعطى جنس الدين، ولأن إعطاء الحميل خلاف ما تحمل به مخالفة للنيابة لأن النيابة إنما هي فيما تحمل به والمنوب عنه إن خولف خير فالمحمول عنه مخير في إعطاء إن ما أعطى الحميل فيكون قد أمضى فعله امضاء كليا وفى إعطاء ما تحمل به فيكون قد أبطل مخالفته وأمضى أصل الحمالة، كما أن الوكيل إذا خلف الموكل كان الموكل مخيرا أو أن أعطى الحميل جنس الدين فأعطاه المحمول عنه غيره قضاء جاز إن رضى الحميل، وإلا أخذ عنه مثل ما أعطى، وأصل ذلك هو الوفاء بما كان العقد به، وقول النبي ﷺ : "الزعيم غارم" يعنى أنه غارم بما زعم به أعنى بما تكفل به لا بغيره إلا أن
стр. 8594
وقع الرضى، وإذا أعطى غير الجنس وأراد الجنس فامتنع المحمول عنه إلا أن يعطى ما أعطى الحميل فله ذلك. وفى التاج: جاز للضامن أن يعطى للمضمون له غير جنس ما ضمن به مثل أن يضمن له بنقد فمعطيه عروضا أو أصلا كعكسه إلا إن كان أصل الحق من سلف أو أجرة أو بيع بنسبته فأجاز ذلك بعض والأكثر على المنع وإن أعطى من مال المضمون عنه فلا يعطى إلا من جنس ما عليه له وإن لم يعلم رب الحق من أين يعطيه الضامن إياه جاز له أخذه ولو لم يبر رب الحق المضمون عنه، وفى الأثر من كفل على رجل بدراهم إلى أجل فصالحه بما كفل به عنه فدفعه إليه قبله أو بعده ولم يقبضه المكفول لى أو صالحه على شئ من ذلك النوع أو غيره فلا بأس أن يعترض به من الكفيل من غير النوع بسعر يومه وأما أن يزداد فضلا لنفسه فلا نحب له ذلك (١).
حكم امتناع المدعى عليه من الحضور
مذهب الحنفية:
جاء في الفتاوى الهندية أنه إذا تقدم رجل إلى القاضي وادعى على رجل حقا والقاضى لا يعرف أنه محق أو مبطل فأراد الأعداء على خصمه، يريد أنه طلب من القاضي أن يحضر خصمه، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون المدعى عليه في المصر وأنه على وجهين أيضا؛ الأول أن يكون المدعى عليه رجلا صحيحا أو امرأة صحيحة برزة تخالط الرجال وفى هذا الوجه القياس أن لا يعديه، وفى الاستحسان يعديه، والإِعداء على نوعين أحدهما أن يذهب القاضي بنفسه، والثانى أن يبعت من يحضره، ورسول الله ﷺ فعل كلا النوعين، إلا أن في زماننا القاضي لا يذهب بنفسه.
الوجه الثاني من هذا الوجه وهو ما إذا كان المدعى عليه في المصر إلا أنه يكون المدعى عليه مريضا أو امرأة مخدرة وهى التي لم يعهد لها الخروج، فالقاضى لا يعديهما، وتكلم المشايخ في مقدار المرض الذي لا يعديه القاضي قال بعضهم: أن يكون بحال لا يمكنه الحضور بنفسه والمشى على قدميه ولو حمل أو ركب على أيدى الناس يزداد مرضه، وقال بعضهم أن يكون بحال لا يمكنه الحضور بنفسه وإن كان يمكنه الحضور بالركوب وحمل الناس من غير أن يزداد مرضه، وهذا القول أرفق وأصح، ثم إذا لم يحضرهما يعنى المريض والمخدرة، ماذا يصنع القاضي؟ فالمسئلة على وجهين؛ إن كان القاضي مأذونا بالاستخلاف يبعث خليفته إليهما فيقضى بينهما وبين خصومهما، إِن القاضي إليه أمينا من أمنانا بالاستخلاف يبعث القاضي إليه أمينا من أمنائه فقيها ويبعث معه شاهدين عدلين حتى يخبر القاضي بما جرى، كذا في الذخيرة. وإنما يبعث شاهدين ممن يعرفان المرأة والمريض، كذا في المحيط. وينبغى للقاضى إذا بعث الأمين أن يبين له صورة الاستحلاف وكيفيته حتى إذا أنكر المدعي عليه حلفه على ما هو رأى القاضي، ثم إذا ذهبوا إلى المدعى عليه فالأمين يخبره بما ادعى عليه، فإن أقر بذلك أشهد عليه شاهدين بما أقربه وأمره أن يوكل وكيلا يحضر
стр. 8595
معه مجلس القاضي ليشهد عليه شاهدان بما أقر به بحضرة وكيله فيقضى القاضي عليه بحضرة وكيله، وإن أنكر فالأمين يقول للمدعى: ألك بينة فإن قال نعم يأمر المدعى عليه أن يوكل وكيلا يحضر مع خصمه مجلس القاضي وتقام عليه البينة بحضرة وعليه، وإن قال ليس لى بينة فالأمين يحلف المدعى عليه فإن حلف أخبر الشاهدان القاضي بذلك حتى يمنع المدعى من الدعوى إلى أن يجد بينة، وإن نكل عن اليمين ثلاث مرات أمره أن يوكل وكيلا يحضر مع خصمه مجلس الحكم ويشهد عليه الشاهدين بنكوله ويقضى القاضي عليه بالنكول، هكذا نكر الخصاف رحمه الله تعالى في أدب القاضي. هذا إذا كان المدعى عليه في المصر فأما إذا كان المدعى عليه خارج المصر وهو الوجه الثاني من هذا الفصل وهو على وجهين أيضا. الأول أن يكون قريبا من المصر، والجواب فيه كالجواب فيما إذا كان في المصر فيعديه بمجرد الدعوى استحسانا، وإن كان بعيدا من المصر وهو الوجه الثاني لا يعديه والفاصل بين القريب والبعيد أنه إذا كان بحيث لو ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس الحكم ويجيب خصمه ويبيت في منزله فهذا قريب، فإن كان يحتاج إلى أن يبيت في الطريق فهذا بعيد كذا في الذخيرة. ثم إذا كانت المسافة بعيدة إذا ادعى المدعى كيف يصنع القاضي اختلف المشايخ فيه منهم من قال يأمر المدعى بإقامة البينة على موافقة دعواه ولا تكون هذه البينة لأجل القضاء وإنما تكون لأجل الإِحضار والمستور في هذا يكفى، فإذا أقام أمر إنسانا أن يحضر خصمه، فإذا أحضره أمر المدعى بإعادة البينة فإذا أعاد فظهرت عدالة الشهود قضى بها عليه، ومنهم من قال يحلفه القاضي فإن نكل أقامه من مجلسه، وإن حلف أمر إنسانا أن يحضر خصمه، والأول أصح وعليه أكثر القضاة، كذا في شرح أدب القاضي. وإن أرسل القاضي إلى المدعى عليه من يحضره فلم يجده فقال المدعى للقاضى إنه توارى عنى، وسأل التسمير والختم على باب داره فالقاضى يكلفه بإقامة البينة على أنه في منزله، فإن جاء بشاهدان يشهدان أنه في منزله، فالقاضى يسألهما من أين علمتما، فإن قالا رأيناه فيه اليوم أو أمس أو منذ ثلاثة أيام قبل القاضي ذلك ويسمر ويأمر بالختم، كذا في المحيط، ويجعل بيته عليه سجنا ويسد عليه أعلاه وأسفله حتى يضيق عليه الأمر فيخرج، كذا في الظهيرية، وإن كانت الرؤية قد تقادمت لا يقبل ذلك منهما. ثم جعل ما زاد على ثلاثة أيام متقادما، قال شمس الأئمة الحلوانى رضى الله تعالى عنه: الصحيح أن ذلك مفوض إلى رأى القاضي إن تقادمت رؤية الشاهدين إلا أنه كان لا يمكن للمدعى الدعوى لتأخر خروج قرعته بأن كان القاضي أقرع بين الخصوم ليعلم كل واحد نوية دعواه يقبل ذلك منه، فإن قال الخصم للقاضى بعد ما ختم الباب ومضى أيام أنه قد جلس في الدار ولا يحضر، فانصب له عنه وكيلا أقيم عليه البينة، فإن أبا يوسف رضى الله تعالى عنه كان يقول يبعث القاضي رسولا ينادى على بابه ومعه شاهدان فينادى الرسول على باب الخصم ثلاثة أيام كل يوم ثلاث مرات، يا فلان ابن فلان إن القاضي يقول احضر مع خصمك فلان ابن فلان مجلس الحكم وإلا نصبت عنك وكيلا وقبلت البينة عليك بحضرة وكيلك، فإذا فعل ذلك ولم يحضر نصب القاضي عنه وكيلا وسمع البينة عليه وأمضى الحكم عليه بحضرة وكيله، قال الخصاف رحمه الله تعالى في أدب القاضي: وقال غير أبى يوسف رحمه الله
стр. 8596
تعالى: لا أرى أن أنصب عنه وكيلا (١) وكذا لو كتب القاضي إلى القاضي كتابا في حادثة فلم يقدر القاضي المكتوب إليه على الخصم، فإن القاضي يوكل عنه على نحو ما قلنا كذا في التتارخانية. في نوادر هشام سألت محمدا رحمه الله تعالى ما تقول في سلطان الإِنسان قبله حق ولا يجيبه إلى القاضي فأخبرنى ان أبا يوسف رحمه الله تعالى كان يعمل بالإعداء وهو قول أهل البصرة، قال وصوره ذلك أن يبعث القاضي رسولا إليه من قبله ينادى على بابه أن القاضي يقول أجب خصمك، ينادى بذلك أياما، فإن أجاب وإلا جعل القاضي لذلك السلطان الذي أبى أن يجيب وكيلا فيخاصم هذا المدعى، فقلت له: فهل أنت تجعل له وكيلا؟ قال: نعم، فقلت: أفلا تكون قضيت على الغائب؛ فقال لا، وكان أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه لا يعمل بالإِعداء كذا في الذخيرة.
وأما الهجوم على الخصم، وصورته أن يكون لرجل على رجل دين فتوارى المدين في منزله وتبين ذلك للقاضى فيبعث أمينين من أمنائه ومعهما جماعة من أعوان القاضي ومن النساء إلى منزله بغتة حتى يهجموا على منزله ويقف الأعوان بالباب وحول المنزل وعلى السطح حتى لا يمكنه الهرب ثم تدخل النساء المنزل من غير استئذان وحشمة فيأمرن حرم المطلوب حتى يدخلن في زاوية ثم يدخل أعوان القاضي ويفتشون الدار غرفها وما تحت السرر حتى إذا وجدوه أخرجوه، وإذا لم يجدوه يأمرن النساء حتى تفتش النساء فربما تزيا بزى النساء. فإذا طلب المدعى ذلك من القاضي هل يفعله القاضي؟ قال صاحب الأقضية: وسع فيه بعض أصحابنا رضى الله تعالى عنهم قالوا أراد به أبا يوسف رضى الله تعالى عنه، فقد روى عنه أنه كان يفعل ذلك في زمن قضائه، وقد روى هشام عن محمد رحمه الله تعالى مثل هذا أيضا وأصل ذلك ما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه هجم على بيت رجلين أحدهما قرشى والآخر ثقفى بلغه أن في بيتهما شرابا فوجد في بيت أحدهما دون الآخر، وعن هذا قال أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين والدخول فيه من غير استئذان إذا سمع منه صوت فساد للأ مر بالمعروف والنهى عن المنكر، قال شمس الأئمة الحلوانى: ظاهر المذهب عندنا أنه لا يجوز الهجوم للقاضى كذا في المحيط (٢). وإن رأى القاضي أن يعطى المدعى طينة أو خاتما أو قطعة قرطاس لإِحضار الخصم جاز كذا في الذخيرة - وهذا في خارج المصر وفى المصر يبعث الأشخاص - وقال الخصاف رضى الله تعالى عنه على قلب هذا، كذا في الخلاصة، والقضاة في هذا مختلفون بعضهم اختار دفع طينة وبعضهم اختار قطعة قرطاس وبعضهم اختار دفع الخاتم، ولو أعطاه القاضي طينة أو خاتما وذهب به إلى الخصم وأراه ينبغى له أن يقول للخصم هذا خاتم القاضي فلان يدعوك أتعرفه، فإن قال نعم أعرفه، ولكن لا أحضر، أشهد المدعى على ذلك شاهدين حتى يشهدا عند القاضي بتمرده، فإذا شهدا بذلك بعث القاضي من يحضره أو يستعين في ذلك بالوالى واختلف العلماء في
стр. 8597
أجرة المشخص بعضهم قال هي في بيت المال وبعضهم قال على المتمرد كذا في الذخيرة. أما مؤنة الموكل - وهو الشخص الذي أمره القاضي بملازمة المدعى عليه لإِخراجه - فقد فكر القاضي الإمام صدر الإسلام أنها على المدعى عليه وعليه بعض القضاة وبعض مشايخنا على أنها على المدعى وهو الأصح، ثم إذا حضر المدعى عليه مجلس القضاء فالقاضى يأمر المدعى بإعادة البينة على تمرده، فإذا أعاد البينة عاقبه على ما صنع من التمرد وإساءة الأدب، وكذلك لو كان المدعى عليه في الابتداء قال أحضر ثم لم يحضر إلا أنه يعاقبه في هذه الصورة دون ما يعاقبه في الصورة الأولى. وفى الخانية: وكذا إذا سكت المدعى عليه بعدما رأى الخصم ولم يجب ولم يرد لأنه ظهر تعنته.
وفى الفتاوى العتابية: وإذا حضر، غرره بضرب أو حبس على حسب حاله على ما يرى (١). وإذا كان المدين يسكن في دار بأجرة وطالبه الغريم بالخروج إلى باب الحاكم فامتنع، فالقاضى هل يسمر الباب؟ اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه، والصحيح أنه يسمر، وفى مجموع النوازل: وإذا كان المدين يسكن في دار زوجته وأبى الخروج إلى الحاكم فالقاضى يسمر الباب عليه لأن العبرة في هذا الباب للمساكنة، حتى لو ثبت عند القاضي أنه نقل الأمتعة عنها ولم يبق ساكنا فيها لا يسمر الباب (٢).
مذهب المالكية:
جاء في شرح منح الجليل أن القاضي يجلب الخصم المدعى عليه بخاتم سواء كان يضعه في يده أم بورقة مطبوعة به أو يجلبه برسول من القاضي للخصم المطلوب حضوره، قال ابن فتوح إن سأل الطالب القاضي برفع مطلوبه بمجلس القاضي أينبغى للقاضى إن كان قريبا أن يأمر غلامه الذي له الإِجارة من بيت المال بالسير معه؟ قال ابن عبد الحكم رحمه الله تعالى القريب من المدينة كمن يأتى ثم يرجع يبيت بمنزله، قال ابن شاس رحمه الله تعالى أن ناب الخصم ولم يكن موضعه يزيد على مسافة العدوى أحضره القاضي، قال ابن عبد الحكم إذا استعدى الرجل على الرجل فإن كان في المصر معه أعطاه عدواه بخاتم يختمه له أو رسول يرسله إليه حتى يجلبه إليه وأجرة الرسول على الطالب إلا أن يمتنع المطلوب من الحضور أو الجواب أو إعطاء ما ثبت عليه بإقراره أو بينة فتكون الأجرة عليه لظلمه لا يقال الظلم لا يبيع مال الظالم لأنا نقول الظلم الذي لا يبيح مال الظالم هو الظلم الذي لا يؤدى إلى ضياع مال المظلوم، ويجلب الخصم بخاتم أو رسول إن كان الخصم على مسافة العدوى (٣). قال ابن الحاجب رضى الله تعالى عنه: يجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول إذا لم يزد على مسافة العدوى، فإن زاد عليها فلا يجلبه ما لم يشهد شاهد، قال ابن سلمون إن كان الخصم في مصر الحاكم أو على أميال يسيرة كتب برفعه، قال أصبغ وإلا فليكتب لأهل العدل أجمعوا بين
стр. 8598
فلان وفلان للتناصف، فإن أبيا فانظروا فإن رأيتم للمدعى وجه مطلب ولا يريد بالمطلوب تعنيته فارفعوه إلينا وإلا فلا. وإن كان على أكثر من مسافة العدوى زيادة كثيرة كستين ميلا فلا يجلب منها إلا بشاهد يقيمه المدعى عند القاضي بحقه فيكتب إليه إما أن يرضى خصمه أو يحضر أو يوكل (١).
مذهب الشافعية:
جاء في مغنى المحتاج أن القاضي إذا استعدى على خصم صالح لسماع الدعوى والجواب عنها حاضر بالبلد، بأن طلب من القاضي إحضاره ولم يعلم القاضي كذبه كما قاله الماوردى وغيره، سواء عرف أن بينهما معاملة أم لا أحضره وجوبا إقامة لشعار الأحكام، ولزمه الحضور رعاية لمراتب الحكام، وقال ابن أبي الدم رحمه الله تعالى: إذا استحضره القاضي وجب عليه الإِجابة إلا أن يوكل أو يقضى الحق إلى الطالب. وهذا ظاهر، وعن ابن سريج رحمه الله تعالى أنه يحضر ذوى المروءات في داره لا في مجلس الحكم، والمذهب أنه لا فرق، ويستثنى من وجوب الإحضار من وقعت الإجارة على عينه وكان يتعطل بحضوره مجلس الحكم حق المستأجر ذكره السبكى رحمه الله تعالى في التفليس من شرحه على المهذب وأخذه من قول الغزالى رضى الله تعالى عنه بعدم حبس من وقعت الإجارة على عينه. وقال لا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضار البرزة وإن كانت متزوجة وحبسها لأن الإجارة لها أن ينتظر وهو انقضاء المدة بخلاف النكاح وفى الزوائد عن العدة أن المستعدى عليه إذا كان من أهل الصيانة والمروءة وتوهم الحاكم أن المستعدى يقصد ابتذاله وأذاه لا يحضره ولكن ينفذ إليه من يسمع الدعوى تنزيلا لصيانته منزلة المخدرة. وجزم به سليم في التقريب. أما إذا دعاه الخصم إلى حاكم من غير رفع فقال الإمام: لا يلزمه الحضور بل الواجب أداء الحق إن كان عليه، وفى الحاوى والمهذب والبيان الحضور مطلقا لظاهر قوله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٢) وحمل ابن أبى الدم الأول على ما إذا قال لي عليك كذا فاحضر معى إلى الحاكم فلا يلزمه الحضور وإنما عليه وفاء الدين، والثانى عنى ما إذا قال بينى وبينك محاكمة ولم يعلمه بها ليخرج عنها فيلزمه الحضور، وكلام الإِمام رضى الله تعالى عنه أظهر. ويحضر القاضي الخصم المطلوب إحضاره لمجلس الحكم بدفع مختوم طين رطب أو غيره للمدعى يعرضه على الخصم وليكن نقش الختم: أجب القاضي فلانا - وكان هذا أولا عادة قضاة السلف ثم هجر واعتاد الناس الآن. الكتابة في الكاغد وهو أولى - أو أحضره إن لم يجب بما مر بمرتب لذلك من الأعوان بباب القاضي يسمون في زماننا بالرسل صيانة للحقوق، ومؤنة العون على الطالب إن لم يرزق من بيت المال. وقال الشيخ أبو حامد: أنه يرسل الختم أولا فإن لم يحضر بعث إليه العون، قال البلقينى وفيه مصلحة لأن الطالب قد يتضرر بأخذ أجرته منه، أي فإن أجرة العون عليه إن لم يرزق من بيت المال، نعم ينبغى كما قال
стр. 8599
شيخنا أن يكون مؤنة من أحضره عند امتناعه من الحضور ببعث الختم على المطلوب أخذ مما يأتى. وفى الحاوى للقاضى أن يجمع بمن ختم الطين والمرتب إن أدى اجتهاده إليه من قوة الخصم وضعفه، فإن امتنع المطلوب من الحضور بلا عذر أو سوء أدب بكسر الختم ونحوه ولو بقول العون الثقة أحضره وجوبا بأعوان السلطان وعليه حينئذ مؤنتهم لامتناعه وغرره بما يراه من ضرب أو حبس أو غيره وله العفو عن تعزيره إن رآه، فإن اختفى نودى بإذن القاضي على باب داره أنه إن لم يحضر إلى ثلاثة أيام سمر بابه أو ختم عليه فإن لم يحضر بعد الثلاثة وطلب الختم سمره أو ختمه إجابة إليه إن تغرر عنده أنها داره ولا يرفع المسمار ولا الختم إلا بعد فراغ الحكم والظاهر كما قال الأذرعى رضى الله تعالى عنه أن محل التسمير أو الختم إذا كان لا يأديها غيره وإلا فلا سبيل إلى ذلك ولا إلى إخراج من فيها، فإن عرف موضعه بعث إليه النساء ثم الصبيان ثم الخصيان يهجمون الدار ويفتشون عليه ويبعث معهم عدلين كما قاله ابن القاص وغيره، فإذا دخلوا الدار وقف الرجال في الصحن وأخذ غيرهم في التفتيش، قالوا ولا هجوم في الحدود إلا في حد قاطع الطريق. قال الماوردى رحمه الله تعالى: وإذا تعذر حضوره بعد هذه الأحوال حكم القاضي بالبينة، وهل يجعل امتناعه كالنكول في رده اليمين؟ الأشبه نعم، لكن لا يحكم عليه بذلك إلا بعد إعادة النداء على بابه ثانيا بأنه يحكم عليه بالنكول، فإذا امتنع من الحضور بعد النداء الثاني حكم بنكوله، وإن امتنع عن الحضور لعذر كخوف ظالم أو حبسه أو مرض بعث إليه نائبه ليحكم بينه وبين خصمه أو وكل المعذور من يخاصم عنه ويبعث القاضي إليه من يحلفه إن وجب تحليفه، قال في المهمات: ويظهر أن هذا غير معروف النسب أو لم يكن عليه بينة وإلا سمع الدعوى والبينة وحكم عليه لأن المرض كالغيبة في سماع شهادة الفرع، فكذا في الحكم عليه، قال وقد صرح بذلك البغوي. أو كان الاستعداد على غائب في غير محل ولاية القاضي، فليس له إحضاره لأنه لا ولاية له عليه، ولو استحضره لم يلزمه إجابته. بل يسمع الدعوى والبينة ثم إن شاء أنهى السماع وإن شاء حكم بعد تحليف المدعى وإن كان في مسافة قريبة كما مر عن الماوردى رحمه الله تعالى. أو كان الاستعداء على غائب في محل ولاية وله هناك نائب لم يحضره القاضي لما في إحضاره من المشقة مع وجود الحاكم هناك، بل يسمع بينة عليه بذلك ويكتب بسماعها إلى نائبه ليحكم بها لإِمكان الفصل بهذا الطريق فلا يكلف الحضور، وإذا كان لا نائب له هناك فالأصح يحضره من مسافة العدوى (١) فقط، لكن بعد تحرير الدعوى وصحة سماعها، والقول الثاني المقابل للأصح: إن كان دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا لأن ما دون مسافة القصر حكم الحاضر في مسائل كثيرة، والثالت: يحضره وإن بعدت المسافة وهذا ما اقتضى كلام الروضة وأصلها ترجيحه، وعليه العراقيون، ورجحه ابن المقرى رحمه الله تعالى لأن عمر رضى الله تعالى استدعى المغيرة بن شعبة في قضية من البصرة إلى المدينة، ولئلا يتخذ السفر طريقا لإبطال الحقوق، ومع هذا فالأوجه ما نكره
стр. 8600
صاحب المنهاج، وليس في قضية عمر رضى الله تعالى عنه أنه أحضره بغير اختياره، ولما في ذلك من المشقة في إحضاره. ويبعث القاضي إلى بلد المطلوب. هذا إذا لم يكن هناك نائب وما لم يكن هناك من يتوسط ويصلح بينهما، فإن كان لم يحضره بل يكتب إليه أن يتوسط ويصلح بينهما، واشترط ابن الرفعة وابن يونس رضى الله تعالى عنهما فيه أهلية القضاء، ولم يشترطه الشيخان رضى الله تعالى عنهما، وقال الشيخ عماد الدين السحبانى رحمه الله تعالى: يتجه إلى أن يقال إن كانت القضية مما تنفصل بصلح فيكفى وجود متوسط مطاع يصلح بينهما وإن كانت لا تنفصل بصلح فلابد من صالح للقضاء في تلك الواقعة ليفوض إليه الفصل بينهما بصلح أو غيره. وهذا لا بأس به.
والأصح أن المخدرة (١) الحاضرة لا تحضر
للدعوى - بضم أوله وفتح ثالثه مضارع أحضر - أي لا تكلف الحضور للدعوى عليها؛ صرفا للمشقة عنها كالمريض، ولأن النبي ﷺ قال: "أعد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فلم يطلبها لكونها مخدرة، ورجم الغامدية ظاهرا لكونها برزة، كذا استدل به ونظر فيه.
ولا تكلف أيضا الحضور للتحليف إن لم يكن في اليمين تغليظ بالمكان، فإن كان أحضرت على الأصح في الروضة في الباب الثالث من الدعاوى بل توكل أو يبعث القاضي إليها نائبه فتجيب من وراء الستر إن اعترف الخصم أنها هي أو شهد اثنان من محارمها أنها هي، وإلا تلفعت بنحو ملحفة وخرجت من الستر إلى مجلس الحكم، وعند الحلف تحلف في مكانها. والوجه الثاني المقابل للأصح: أنها تحضر كغيرها، وبه جزم القفال رضى الله تعالى عنه في فتاويه، وغير المخدرة - وهى البرزة بفتح الباء الموحدة - يحضرها القاضي، لكن يبعث إليها محرما لها أو نسوة ثقات لتخرج معهم بشرط أمن الطريق كما جرى عليه ابن المقرى وصاحب الأنوار رضى الله تعالى عنهما. ولو كانت برزة ثم لزمت التحذر، قال القاضي الحسين رضى الله تعالى عنه في فتاويه حكمها حكم الفاسق يتوب فلابد من مضى سنة في قول أو ستة أشهر في قول (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى (٣) أن المستعدى عليه لا تجلو من أن يكون حاضرا أو غائبا فإن كان حاضرا في البلد أو قريبا منه فإن شاء الحاكم بعث مع المستعدى عونا يحضر المدعى عليه، وإن شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين مختومة بخاتمه فإذا بعث معه ختما فعاد فذكر إنه امتنع أو كسر الختم بعث إليه عيونا فإن امتنع انفذ صاحب
стр. 8601
المعونة فأحضره فإذا حضر وشهد عليه شاهدان بالامتناع عزره إن رأى ذلك بحسب ما يراه تأديبا له إما بالكلام وكشف رأسه أو بالضرب أو بالحبس فإن اختبأ بعث الحاكم من ينادى على بابه ثلاثا أنه أن لم يحضر سمر بابه وختم عليه ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على أعذاره فإن لم يحضر وسأل المدعى أن يسمر عليه منزله ويختم عليه وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله سمره أو ختمه، فإن لم يحضر بعث الحاكم من ينادى على بابه يحضره شاهدى عدل أنه إن لم يحضر مع فلان أقام عنه وكيلا وحكم علمه. فإن لم يحضر أقام عنه وكيلا وسمع البينة عليه وحكم عليه كما يحكم على الغائب وقضى حقه من ماله إن وجد له مالا، وهذا مذهب الشافعي وأبى يوسف وأهل البصرة حكاه عنهم أحمد. وإن لم يجد له مالا ولم تكن للمدعى بينة فكان أحمد ينكر التهجم علمه ويشهد عليه حتى يظهر وقال الشافعي إن علم له مكانا أمر بالهجوم علمه فيبعث خصيانا أو غلمانا لم يبلغوا الحلم وثقات من النساء معهم ذوو عدل من الرجال فيدخل النساء والصبيان فإذا حصلوا في صحن الدار دخل الرجال ويؤمر الخصيان بالتفتيش ويتفقد النساء النساء فإن ظفروا به أخذوه فاحضروه وإن استعدى على غائب نظرت فإن كان الغائب في غير ولاية القاضي لم يكن له أن يعدى عليه وله الحكم عليه. وإن كان في ولايته وله في بلده خليفة فإن كانت له بينة تثبت الحق عنده وكتب به إلى الخليفة ولم يحضره وإن لم تكن له بينة حاضرة نفذه إلى خصمه ليخاصمه عند خليفته وإن لم يكن له فيه خليفة وكان فيه ممن يصلح للقضاء أذن له في الحكم بينهما وإن لم يكن فيه من يصلح للقضاء قيل له حرر دعواك لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمه الكلب أو خمر الذمى فلا يكلفه الحضور لما لا يقضى عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضرة فإنه لا مشقة في حضوره فإذا تحررت بعث فاحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت. وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوى إلى وضعه أحضره وإلا لم يحضره ويوجد من يحكم بينهما، وقيل إن كانت المسافة دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا. وما يدل لنا أنه لابد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فإذا لم يكن إلا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب ويعزر ولأن إلحاق المشقة به أولى من إلحاقهما بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما وإن كانت امرأة برزة لم يشترط في سفرها هذا محرم نص عليه أحمد لأنه لحق أدبى وحق الآدمى مبنى على الشح والضيق.
مذهب الزيدية:
جاء في البحر الزخار أن على القاضي أن يأمر بإحضار المدعى عليه، فإن لم يمتثل لأعوانه أعذر إليه بأمر من السلطان، ويعزر بحبس أو ضرب بعد قيام الشهادة الكاملة أن تأخره لغير عذر لقول الله عز - وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (١)، وينادى على بابه فإن اختفى سمر عليه بابه، فإن لم يؤثر هجم عليه بالنساء ثم المراهقين، ثم الرجال ذوى الأمانة لفعل
стр. 8602
السلف (١). ويأمر بإحضار المرأة إن كانت غير مخدرة، وإلا وكلت، أو أمر من يحكم بينهما في بيتها كأمره ﷺ أنيسا بالنظر في بعض الحدود، وينفذه إن صح فإن لم يصادق أنها خصمه بينت بعدلين، فإن جهلت رفع الستر وخاصمت متلفعة للضرورة. وتجب الإجابة إلى مجلس الحكم لذمه تعالى من أعرض في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُويهِ ييَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية، وعلى الحاكم أن ينصر من استنصره إذ نصب لذلك (٣).
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل أنه لا تجوز الحكومة لغائب ولا على غائب إذا لم تكن له الخليفة على ذلك، فإن كانت له الخليفة فإنه يحكم له ويحكم عليه ولا يقر الحاكم البينة أو يسمعها إلا بمحضر المشهود عليه، وقيل إلا ببينة الوكالة والنسب، فيجوز فيها ذلك بلا محضر منه، وقيل يجوز في الوكالة فقط، فإذا كان الخصم حاضرا في بلد القاضي أرسل إليه أحد خدامه ليرفعه لمجلس الحكم إن أبى وإن كان على يسير الأميال كفى فيه الكتب، وإن بعد أو كان الخوف أمر من يلى أمر بلد هو فيه أن يصلح بينهما أو يعزم على المطلوب في الوصول لمحل الحكم وذلك كله مع مخائل صدق المدعى لعله يريد تعنت المطلوب، وقيل يرسل إليه إذا كان في البلد مطلقا إلا أن تبين كذبه، وأجرة الرسول عندنا من بيت المال. وقال قومنا من مال من له الحق، وإذا عصى الأمر فعندنا يضرب أو يسجن، وقال قومنا كذلك، وزادوا أن يطبع عليه ما يهمه فلا ينتفع به ولو يترك إليه حتى يرجع للحق. واستدل بعضهم على الحكم على الغائب بإباحة رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وعيالها فإن ذلك أفتاء على الاطمئنان أو بغير ذلك، وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلى: إذا حضر الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع حجة خصمه، وفى رواية: لا تقض لأحدهما حتى تسمع حجة الآخر، ولهذا قال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: لا تسمع حجة على غائب، ولا يجوز عليه حكم، وكان فيما قيل يحكم للمرأة على زوجها وهو غائب. وقال أصحابنا رضى الله تعالى عنهم: يجوز الاستماع على الغائب عن مصره والممتنع عن الحكم والحضور إلى مجلس الحاكم وإنفاذ الحكم عليه، ووافقهم الشافعي وداوود لقول النبي ﷺ البينة على المدعى ففى جعلها على المدعى دلالة على أنه إذا أحضرها حكم بها وبحديث هند بنت عتبة، كذا قال أبو إسحاق الحضرمى رحمه الله تعالى وهو صحيح لأن امتناع الخصم كحضوره، لكن الذي عندى أنه يجبر على الحضور ورد الجواب، قال وأما الحدود فلا يحكم بها على غائب باتفاق الأمة، وقال ابن محبوب: إذا تولى عن المجلس
стр. 8603
أو تماجن في السجن استمع عليه الحجة وحكم عليه، وإن استخلف أحد الخصمين على خصومته رجلا، فلما أن رأى الحاكم أراد أن يحكم على خليفته نزعه من الخلافة فإنه قد زال من الخلافة ويحكم الحاكم على المدعى عليه بما تبين عنده من ذلك، فإن أفاق المجنون أو بلغ الطفل حين أراد أن يحكم على خليفته أو حين أراد أن يحكم لخليفته فإنه يحكم لصاحب الحق ويحكم على من كان عليه الحق منهما حين صحت عقولهما. وإن نزع الأب خليفة ابنه الطفل على الخصومة أو المجنون أو نزعت العشيرة خليفتهما على الخصومة أو نزع هؤلاء أنفسهم من الخلافة حين أراد الحاكم أن يحكم عليهم وحين أراد أن يحكم لهم فلا يحكم بعد ذلك حتى يستخلفوا لهما، وكذلك إن رجع الشئ الذي كان في الخصومة إلى الحاكم بالميراث أو بغيره فلا يحكم لنفسه ولا يحكم على نفسه ولا يحكم الحاكم أيضا في كل خصومة له فيها نصيب مثل مال الشركة مع غيره مفاوضا أو غير مفاوض أو مال كان له في القراض أو مال كان له في يد عبده أو المأذون له أو حق قد وكل عليه أو استخلف عليه مثل حق اليتيم أو المجنون أو ابنه الطفل أو ما كان في يده بالأمانات كلها ضمنها أم لم يضمنها (١).
حكم امتناع الذمى من إعطاء الجزية وتنفيذ ما عاهدوا عليه
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع أنه لو امتنع الذمى من إعطاء الجزية لا ينتقض عهده لأن الامتناع يحتمل أن يكون لعذر العدم فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال وكذلك لو سب النبي ﷺ لا ينتقض عهده لأن هذا زيادة كفر على كفر، والعقد يبقى مع أصل الكفر فيبقى مع الزيادة، وكذلك لو قتل مسلما أو زنى بمسلمة لأن هذه معاص ارتكبوها وهى دون الكفر في القبح والحرية، ثم بقيت الذمة مع الكفر فمع المعصية أولى (٢). قال صاحب البحر الرائق: وفى رواية مذكورة في واقعات حسام: أن أهل الذمة إذا امتنعوا عن أداء الجزية ينتقض العهد ويقاتلون وهو قول الثلاثة. قال صاحب البحر: ولا يخفى ضعفها رواية ودراية (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإِكليل نقلا عن ابن رشد رضى الله تعالى عنه أن أصحاب مالك اتفقوا
стр. 8604
على اتباع قوله في أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد ومنعوا الجزية وخرجوا من غير عذر أنهم يصيرون حربا وعدوا فيسبون ويقتلون إلا على شروط أشهب رحمه الله تعالى، وما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر، وذلك كالصلح ينعقد مع أهل الحرب على شروط فإذا لم يوفوا بها انتقض الصلح، وكمن اكترى دارا مشاهرة فإذا منع من الكراء أخرج من الدار، وقال ابن القاسم رحمه الله تعالى في ناس من أهل الذمة هربوا ليلا إلى أرض العدو فأدركتهم خيل المسلمين، وقد دخلوا أرض الحرب فادعوا أن هربهم خوفا من اقظلم وكانوا مجاورين لقوم من العرب أهل ظلم لمن جاورهم أرى أن يصدفوا ويردوا إلى جزيتهم فإن لم يأمن عليهم ظلم الذين هربوا منهم أو ظلم غيرهم من أشباههم فليخل سبيلهم يسيرون حيث أحبوا إلى أرض العدو وغيرها، قال أصبغ رحمه الله تعالى: وإن أشكل أمرهم فكذلك أيضا ولا يستحلوا حتى يتبين أنهم نقضوا أشرا على غير شئ من تحت إمام عدل، قال ابن رشد قول أصبغ تفسير لقول ابن القاسم وقال ابن شاس: ينتقض العهد بالتمرد على الأحكام ومنع الجزية. قال صاحب التاج والإِكليل: وينتقض بغصب حرة مسلمة، فقد قتل عمر رضى الله تعالى عنه نصرانيا اغتصب مسلمة، قال ابن حبيب رحمه الله تعالى: وصداقها في ماله والولد مسلم لا أب له ولو أسلم غاصبها لم يقتل لأن قتله للغصب لا للزنا، وقاله أصبغ رحمه الله تعالى، قال اللخمى: ووطؤه الأمة المسلمة بملك أو زنى غير نقض إن طاوعته وإلا فقال محمد رحمه الله تعالى لا يقبل إذ لا يقتل حر بعبد، قال اللخمى رحمه الله تعالى: ووطؤه الحرة المسلمة إن كان زنى طوعا منها ففى كونه نقضا قولا ربيعة وإن كان بنكاح فغير نقض مطلقا، وقال ابن نافع رضى الله تعالى عنه: إن غرها فنقض ويضرب عنقه. قال سحنون رضى الله تعالى عنه: وإن وجدنا بأرض الإسلام ذميا كاتب لأهل الشرك بعورات المسلمين قتل ليكون نكالا لغيره، قال ابن شاس رحمه الله تعالى: وإن تعرض أحد منهم لرسول ﷺ أو لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالسب وجب عليه القتل إلا أن يسلم، وقال عياض رحمه الله تعالى في آخر كتاب الشفاء: وإذا صرح الذمى بسب النبي ﷺ أو عرض أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى في ذمى قال إن محمدا لم يرسل إلينا وإنما أرسل إليكم: لا شئ عليه، وأما إن سبه فقال ليس بنبى أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله ونحو هذا فيقتل (١).
مذهب الشافعية:
جاء في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج أن أهل الذمة لو قاتلونا من غير شبهة أو امتنعوا تغلبا من بذل الجزية التي عقد بها لغير عجز وإن كانت أكثر من دينار، أو امتنعوا من إجراء حكم الإسلام عليهم انتقض عهد الممتنع، وإن لم يشرط عليه ذلك لإِتيانه بنقيض عهد الذمة من كل وجه، أما الموسر الممتنع بغير نحو قتال فتؤخذ
стр. 8605
منه قهرا ولو قاتل بشبهة أو دفعا للصائلين أو قطاع الطريق لم ينتقض، ولو زنى ذمى بمسلمة أو لاط بمسلم أو أصابها بصورة نكاح مع علمه بإسلامها فيهما - ومثل الزنا مقدماته كما قال الناشرى - أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين كضعف، أو فتن مسلما عن دينه أو دعاه لكفر أو طعن في الإسلام أو القرآن أو ذكر جهرا لله تعالى أو رسول الله ﷺ أو القرآن أو نبيا بسوء مما لا يتدينون به أو قتل مسلما عمدا أو قذفه، فالأصح أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض بمخالفته الشرط، وإن لم يشترط ذلك ومثله ما لو شك هل شرط أو لم يشرط في الأوجه، فلا ينتقض لانتفاء إخلالها بمقصود العقد. وهذا هو المعتمد وإن صح في أصل الروضة عدم النقض مطلقا، وسواء انتقض أم لا نقيم عليه موجب فعله من حد أو تعزير، فلو رجم وقلنا بانتفاضه صار ماله فيئا، أما ما يتدين به كزعمهم أن القرآن ليس من عند الله أو أن الله ثالث ثلاثة فلا نقض به مطلقا قطعا، ومن انتقض عهده بقتال جاز بل وجب دفعه به وقتاله. ولا يبلغ المأمن لعظم خيانته ومن ثم جاز قتله وإن أمكن دفعه بغيره كما يظهر من كلامهم، ويتجه أيضا أن محله في كامل ففى غيره يدفع بالأخف لأنه إذا اندفع به كان مالا للمسلمين، ففى عدم المبادرة إلى قتله مصلحة لهم فلا يفوت عليهم، ومن انتقض عهده بغير قتال لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه إن لم يطلب تجديد عقد الذمة وإلا وجبت إجابته قتلا ورقا ومنا وفداء لأنه حربى أبطل أمانه، وبه فارق من دخل بأمان نحو صبى ظنه أمانا، ولا ينافى هذا قولهما في الهدنة من دخل دارنا بأمان أو هدنة لا يقاتل وإن انتقض عهده بل يبلغ المأمن مع أن حق الذمى آكد؛ لأن جناية الذمى أفحش لمخالطته لنا خلطة ألحقته بأهل الدار، فغلظ عليه أكثر، فإن أسلم من انتقض عهده قبل الاختيار امتنع الرق والقتل والفداء، بخلاف الأسير لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم فخف أمره، والحاصل أنه يتعين المن، وإذا بطل أمان رجال حصل بجزية أو غيرها لم يبطل أمان ذراريهم من نحو نسائهم والصبيان في الأصح لانتفاء جناية منهم ناقضة أمانهم، وإنما تبعوا في العقد دون النقض تغليبا للعصمة فيهما، والقول الثاني المقابل للأصح: يبطل تبعا لهم كما تبعوهم في الأمان، ورد بما مر، ولو طلبوا دار الحرب أجيب النساء دون الصبيان إذ لا اختيار لهم، وإذا اختار ذمى نبذ العهد واللحوق بدار الحرب بلغ المأمن وهو المحل الذي يأمن فيه على نفسه وماله من أقرب بلادهم لعدم ظهور جناية منه (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه ينبغى للإِمام عند عقد الهدنة أن يشترط عليهم شروطا نحو ما شرطه عمر رضى الله تعالى عنه، فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد كما لو امتنع من التزام الأحكام، وذكر القاضي والشريف أبو جعفر رضى الله تعالى عنهما أن الشروط قسمان:
стр. 8606
أحدهما: ينتقض العهد بمخالفته وهو أحد عشر شيئا: الامتناع من بذل الجزية، وجرى أحكامنا عليهم إذا حكم بها حاكم، والاجتماع على قتال المسلمين والزنا بمسلمة؛ وإصابتها باسم نكاح، وفتن مسلم عن دينه؛ وقطع الطريق عليه، وقتله، وإيواء جاسوس المشركين؛ والمعاونة على المسلمين بدلالة من المشركين على عوراتهم أو مكاتبتهم. وذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء؛ فالخصلتان الأوليان ينتقض العهد بهما بلا خلاف في المذهب وهو مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه؛ وفى معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب لأن إطلاق الأمان يقتضى ذلك، فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلونا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان وسائر الخصال فيها روايتان: الرواية الأولى منهما: أن العهد ينتقض بها سواء شرط عليهم ذلك أو لم يشترط، وظاهر مذهب الشافعي رضى الله تعالى عنه قريب من هذا إلا أن ما لم يشترط عليهم لا ينتقض العهد بتركه ما خلا الخصال الثلاثة الأولى فإنه يتعين شرطها وينتقض العهد بتركها بكل حال، وقال أبو حنيفة لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من الإمام على وجه لا يتعذر معه أخذ الجزية منهم، ويدل لنا مع ما ذكرناه ما روى أن عمر رضى الله تعالى عنه رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب في بيت المقدس، ولأن فيه ضررا على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية وكل موضع قلنا لا ينتقض عهده فإنه إن فعل ما فيه حد أقيم عليه حده أو قصاصه، وإن لم يوجب حدا عذر ويفعل به ما ينكف به أمثاله عن فعله فإن أراد أحد منهم فعل ذلك كف عنه فإن مانع بالقتال نقض عهده، ومن حكمنا بنقض عهده منهم خير الإمام فيه بين أربعة أشياء القتل والاسترقاق والفداء والمن كالأسير الحربى لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ولا عقد ولا شبهة فأشبه اللص الحربى؛ ويختص ذلك به دون ذريته لأن النقض إنما وجد منه دونهم فاختص به كما لو أتى ما يوجب حدا أو تعزيرا (١). قال صاحب الشرح الكبير: ويجوز أن يشترط الإمام عليهم في عقد الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين لما روى الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر رضى الله تعالى عنه شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة وأن يصلحوا القناطر، قال القاضي رحمه الله تعالى: وإذا شرط عليهم الضيافة فإنه يشترط أن يبين أيام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان فيقول تضيفون في كل سنة مائة يوم في كل يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا وأدم كذا وللفرس من الشعير كذا ومن التبن كذا لأنه من الجزية فاعتبر العلم به كالنقود، فإن شرط الضيافة مطلقا صح في الظاهر لأن عمر رضى الله تعالى عنه شرط عليهم ذلك من غير عدد ولا تقدير، قال أبو بكر رحمه الله تعالى: وإذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلمين، ولا يكلفون الذبيحة ولا أن يضيفوهم بأرفع من طعامهم لأنه يروى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه اشتكى إليه
стр. 8607
أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة فقال أطعموهم مما تأكلون. وقال الأوزاعى رضى الله تعالى عنه: ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير، وقال القاضي: إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير، ويحتمل أن يلزمهم ذلك للخيل لأن العادة جارية به فهو كالخبز للرجل. فإن امتنع بعضهم من القيام بما يجب عليه أجبر عليه، فإن امتنع الجميع أجبروا، فإن لم يمكن إلا بالقتال قوتلوا، فإن قاتلوا انتقض عهدهم (١).
مذهب الظاهرية:
قال صاحب المحلى: ولا يقبل من كافر إلا الإسلام أو السيف، الرجال والنساء في ذلك سواء ماشا أهل الكتاب خاصة وهم اليهود والنصارى والمجوس فقط فإنهم أن أعطوا الجزية أقروا على ذلك مع الصغار. والصغار هو أن يجرى حكم الإِسلام عليهم، وأن لا يظهروا شيئا من كفرهم ولا مما يحرم في دين الإسلام، قال الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (٢)، ويجمع الصغار شروط عمر رضى الله تعالى عنه عليهم. فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٣).
مذهب الزيدية:
جاء في شرح الأزهار وحواشيه أنه لا خلاف في أن عهد أهل الذمة ينتقض بابتدائهم لنا بالنكث للعهد بقول أو فعل، أما القول فنحو أن يقولوا نحن براء من العهد الذي بيننا وبينكم في المؤبد والمؤقت، أو قد نقضنا العهد، أو الزموا حذركم منا أو نحو ذلك، وأما الفعل فنحو أن يأخذوا السلاح ويتأهبوا لقتال المسلمين عموما أو خصوصا لأجل الإِسلام، أو يأخذوا شيئا من أموال المسلمين على جهة القهر والمغالبة أو نحو ذلك مثل إيواء الجاسوس ومكاتبتهم إلى غيرهم من أهل الحرب، لكن ذلك كله لا يكون نقضا لعهدهم جميعا إلا حيث يحصل هذا النكث بالقول أو بالفعل من جميعهم أو من بعضهم ولو واحدا ورضى به الباقون أو سكتوا عن الناكثين، وأما إذا كره الباقون النكث وباينوا الناكث لم يكن نقضا لعهد المستمسك منهم، والمباينة إما بقتال الناكث معنا أو بإظهار البراءة منه والعزم على القيام عليه مع المسلمين. ولا ينتقض عهدهم بضربهم الناقوس، وإظهار معتقدهم أن الله ثالث ثلاثة، ودعاء المسلمين إلى الخمر، وركوب الخيل ونحوها مما لا ضرر فيه، بل يعزرون، ولو شرط الإمام النقض بذلك لم ينتقض بل يحمل على التخويف؛ إذ لا دليل على أنها موجبة للنقض، وأما الذمى إذا سب نبينا ﷺ وكذب القرآن العظيم فقال الهادى والناصر والإمام يحيى إنه يكون نقضا لعهده، فيقتل، وقال المؤيد بالله: لا يكون نقضا بل يؤدب، وأما إذا قال إن محمدا رسول الله ليس بنبى، أو أن الله ثالث ثلاثة، أو عزير ابن الله، فإنه لا يقتل بذلك لأنه دينهم الذي صولحوا عليه وإن لم يقع النكث من جميعهم انتقض عهد من امتنع من الجزية إن تعذر إكراهه على تسليمها إلا أن يكون التعذر بقوة أحد
стр. 8608
من فساق المسلمين، فلا يكون ناكثا، وقال الشافعي رضى الله تعالى عنه: بل ينتقض عهده بمجرد الامتناع من الجزية فيقتل أو يسترق. قيل: أو نكح مسلمة أو زنى بها فإنه ينتقض عهده بذلك، أو قتل مسلما أو فتنه عن دينه إما بالتوعد بما لا يباح من قتل أو ضرب أو أخذ مال مجحف، قال ﵇: أو بتزيين دينه وذم دين الإسلام ووصفه بالبطلان لأنه كذم النبي ﷺ ، أو دل على عورته نحو أن يدل لصا أو سارقا على مال ليأخذه باطلا أو يدل باغيا عليه فيقتله ونحو ذلك، أو قطع طريقا من طرق المسلمين أو الذميين فإنه متى فعل أي ذلك انتقض عهده فيجوز قتله أو استرقاقه، ذكر هذه الأمور وانتقاض العهد بها الناصر وزيد بن علي رضى الله تعالى عنهما، ولا نص لأهل المذهب فيها، قال مولانا ﵇: والأقرب أن أهل المذهب لا يحكمون بانتقاض العهد بذلك، بل يحكمون بإجراء الحد على من زنى، والقصاص على من قتل، والناكح للمسلمة زان مع العلم، وأما الفاتن عن الدين فهو بمنزلة الساب للرسول ﷺ في انتقاض عهده فيقتل أو يسترق ولو في غير زمن الإمام، والدال على العورة يعزر، وقاطع الطريق يجرون عليه حكم المحارب (١).
مذهب الإمامية:
جاء في شرائع الإِسلام أن شرائط الذمة ستة: الأول منها قبول الجزية. الثاني: أن
لا يفعلوا ما ينافى الأمان مثل العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين، فإذا خالفوا هذين الشرطين خرجوا عن الذمة، الثالث: أن لا يؤذوا المسلمين كالزنى بنسائهم، واللواط بصبيانهم، والسرقة لأموالهم، وإيواء عين المشركين والتجسس لهم، فإن فعلوا شيئا من ذلك وكان تركه مشترطا في الهدنة كان نقضا، وإن لم يكن مشترطا كانوا على عهدهم وفعل بهم ما يقتضيه جنايتهم من حد أو تعزير. ولو سبوا النبي ﷺ وآله، قتل الساب، ولو نالوه بما دونه عزروا إذا لم يكن شرط عليهم الكف. الرابع من الشروط: أن لا يتظاهروا بالمناكير كشرب الخمر والزنى وأكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات، فإن تظاهروا بذلك نقض العهد، وقيل: لا ينتقض بل يفعل معهم ما يوجبه شرع الإِسلام من حد أو تعزير. الخامس: أن لا يحدثوا كنيسة ولا يضربوا ناقوسا فإن خالفوا عزروا، ولو كان مشترطا في العهد انتقض. السادس: أن يجرى عليهم أحكام الإِسلام (٢).
مذهب الإباضية:
جاء في جوهر النظام أن أهل الذمة إن بذلوا الجزية كانت لهم ذمة بذلك ولو لم يسلموا، وإن نقضوا الذمة حوربوا، فإذا ما حاربوا سبوا وقسمت أموالهم غنيمة (٣).
стр. 8609
الأعلام
стр. 8610
روعى في ترتيب الأعلام أن تكون مجردة عن ابن وأَب وأَم وال التعريف.
وما نشر من الاعلام بالأَجزاء السابقة اكتفينا هنا بالإشارة إِلى موضعه فيها.
стр. 8611
مصطلح "أمر "
معنى الأمر في اللغة:
الأمر: نقيض النهى. أمره به وأمره وأمره إياه على حذف الحرف يأمره أمرًا وإمارًا فاتمر أي قبل أمره وقوله:
وربرب خماص … يأمرن باقتناص
إنما أراد أنهن يشوقن من رآهن إلى تصيدهن واقتناصهن وإلا فليس لهن أمر وقوله ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). العرب تقول: أمرتك أن تفعل ولتفعل وبأن تفعل. فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء للإلصاق والمعنى وقع الأمر بهذا الفعل. ومن قال: أمرتك أن تفعل فعلى حذف الباء ومن قال: أمرتك لتفعل فقد أخبرنا بالعلة التي لها وقع الأمر والمعنى أمرنا للإسلام.
وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٢) قال: الزجاج: أمر الله ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ (٣) أي جاء ما وعدناهم به.
وأمرته بكذا أمرًا والجمع الأوامر. وإذا أمرت من أمر قلت: مر وأصله أُومر فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن فاستغنى عن الهمزة الزائدة وقد جاء على الأصل وفى التنزيل: وأمر أهلك بالصلاة. وفيه خذ العفو وأمر بالعرف.
والأمر واحد الأمور يقال أمر فلان مستقيم وأموره مستقيمة والأمر الحادثة والجمع الأمور ولا يفسر على غير ذلك وفى التنزيل: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٤).
والآمرة: الأمر وهو أحد المصادر التي جاءت على فاعلة كالعافية.
وقالوا في الأمر: أومر ومر ونظيره كل وخذ وقيل لا يقال أومر ولا أوخذ وإنما يقال مر وخذ في الابتداء بالأمر استثقالًا الضمتين فإذا تقدم الكلام واو أو فاء. في الأمر خاصة قلت وأمر فأمر.
"يراجع اللسان"
معنى الأمر في الاصطلاح
تمهيد: موضوع علم الأصول عند الجمهور هو الأدلة السمعية الكلية من حيث يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية الجزئية.
وأول مصدر لهذه الأدلة هو القرآن الكريم وهو ينقسم إلى خبر وإنشاء، لكن نظر الأصولى إنما هو الإنشاء لأنه الأصل في ثبوت الأحكام دون الخبر لعدم ثبوت الحكم به غالبًا.
فلذلك قسم الأصوليون الكتاب العزيز باعتبار ذاته إلى أمر ونهى. وباعتبار شموله لجميع افراد متعلقه إلى عام وخاص، وباعتبار ظهور دلالته وخفائها إلى مبين ومجمل، وباعتبار كونه رافعًا لحكم آخر أو مرفوعًا به إلى ناسخ ومنسوخ.
واكتفوا بهذه الأبحاث في موضوع الكتاب الكريم عن ذكرها في مباحث السنة استنادًا إلى أن ما ثبت للكتاب يثبت للسنة.
стр. 8612
ولما كان الأمر هو قسمان من الكتاب العزيز فقد عنى الأصوليون بالمباحث الخاصة به أيما عناية:
والأمر يطلق على اللسانى مثل قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وعلى النفس قبل طلب الصلاة القائم بنفس الآمر سبحانه. والأمر الأول اللسانى هو المراد هنا لأنه من الأدلة السمعية التي يبحث عن أحوالها في علم أصول الفقه. والأمر الثاني النفسى نوع من الأحكام الشرعية التي هي عبارة عن الخطابات النفسية القائمة بذات الله سبحانه. والبحث عنه في علم التوحيد. وإنما تعرض بعض الأصوليين له هنا مع أنه ليس من موضوعهم لغلبة علم الكلام عليه وشدة اهتمامهم به واستكمالًا للبحث.
وقد عرف الأصوليون الأمر بتعريفات عديدة نبينها فيما يأتى:
أولًا: معنى الأمر عند المتكلمين:
١ - الغزالى: (١)
الأمر قسم من أقسام الكلام، وحده أنه القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به، وقيل إنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة ممن هو دون الآخر في الدرجة.
والقيد الأخير "ذكره بعضهم" احترازًا عن قوله: "اللهم اغفر لى" وعن سؤال العبد من سيده والولد من والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد وإن لم تجب عليهما الطاعة فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى. والعرب قد تقول فلان أمر أياه والعبد أمر سيده ونحوهما ممن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرًا وإن لم يستحسنوه. وكذلك قوله "اغفر لي" فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرًا ويكون عاصيًا بأمره. (٢)
فإن قيل: قولكم الأمر هو القول المقتضى طاعة المأمور أأردتم به القول اللسانى؟ أم كلام النفس؟
قلنا: الناس فيه فريقان:
الفريق الأول هم المثبتون لكلام النفس. وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة وهو الذي يكون النطق عبارة عنه ودليلًا عليه. وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه ويتعلق بالمأمور به ويُدل عليه تارة بالإشارة والرمز والفعل، وتارة بالألفاظ، وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرًا وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما. أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقوله "افعل" يسمى أمرًا مجازًا.
الفريق الثاني هم المنكرون لكلام النفس وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف وتحزبوا على ثلاث مراتب:
الحزب الأول: قالوا لا معنى للأمر إلا
стр. 8613
حرف وصوت وهو مثل قوله "افعل" أو ما يفيد معناء وإليه ذهب البلخى من المعتزلة وزعم أن قوله "افعل" أمر لذاته وجنسه وانه لا يتصور أن لا يكون أمرًا. وضعف الغزالى هذا القول.
الحزب الثاني: وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون: إن قوله "افعل" ليس أمرًا بمجرد صيغته ولذاته بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصادقة له عن جهة الأمر إلى التهديد والإباحة وغيره. وضعفه الغزالى أيضًا.
الحزب الثالث: من محققى المعتزلة أنه ليس أمرًا لصيغته وذاته ولا لكونه مجردًا عن القرائن مع الصيغة بل يصير أمرًا بثلاث إرادات: إرادة المأمور به، وإرادة إحداث الصيغة. وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة والتهديد.
وقال بعضهم: تكفى إرادة واحدة وهى إرادة المأمور به وأفسد الغزالى هذا القول بأمور أوضحها.
٢ - الآمدى: (١)
قال: اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الأمر على الفعل: هل هو حقيقة أو لا؟
والأكثرون على أنه مجاز واختيار أبى الحسين البصرى أنه مشترك بين الشئ والصفة وبين جملة الشأن والطرائق ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل من حيث هو فعل بل من حيث هو شئ.
وحجة أبى الحسين أن الإنسان إذا قال: "هذا أمر" لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة. وهو غير صحيح لكونه مصادرًا بدعوى التردد في إطلاق اسم الأمرء ولا يخفى ظهور المنع من مدعى الحقيقة في القول المخصوص وأنه مهما أطلق اسم الأمر عنده كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة. (٢)
أما حجة القائلين بأنه مجاز في الفعل وحقيقة في القول فقد أوردها وناقشها ثم اختار أنه مشترك معنوى بين القول المخصوص والفعل. لا أنه مشترك لفظى ولا مجاز في أحدهما (٣) وبعد أن انتهى الآمدى من الكلام عن هذا الغلاف انتقل إلى الكلام عن حد الأمر فقال: (٤)
وقد اختلف المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس. فذهب البلخى وأكثر المعتزلة إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه "افعل" أو ما يقوم مقامه في الدلالة على مدلوله. وقصد بذلك إدراج صيغة الأمر من غير العربى في الحد.
وعقب عليه بأنه فاسد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق كالتهديد في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ والإباحة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إلى غير ذلك من المحامل التي ترد في معاني الأمر.
стр. 8614
الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي ﷺ نحونا أمرًا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها، ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولًا. لأنه لا معنى للرسول غيرُ المبلغ لكلام المرسل لا أن يكون هو الآمر والناهى كالسيد إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له أو لله تعالى.
الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى للأدنى ولا يكون أمرًا بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع. وقد يرد من الأدنى للأعلى ويكون أمرًا إذا كان على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل. لذلك يوصف قائلها بالحمق والجهل بأمره لمن هو أعلى منه رتبة. (١)
ونقل الآمدى تعريفين آخرين لبعض المعتزلة مؤداهما أن الأمر هو الصيغة وناقشهما وأبطل القول بهما ثم قال:
وما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم: الأمر هو إرادة الفعل. وقد أبطله أهل السنة بما لا داعى للإطالة به وموضعه علم الكلام.
وانتقل الآمدى بعد ذلك إلى تعريفات أهل عن بعضهم تعريف الأمر بأنه عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة والعقاب على الترك تارة.
كما نقل تعريف الغزالى السابق ونسبه إلى الأكثرين كالقاضى أبى بكر وإمام الحرمين وغيرهم ثم أبطله لما فيه من تعريف الأمر بالمأمور والمأمور به وهما مشتقان من الأمر. والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشيء. وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال. (٢)
وعن جماعة آخرين أن الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا. وأبطله لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر. وهو دور ممتنع.
ثم قال: والأقرب في ذلك إنما هو القول الجارى على قاعدة الأصحاب أهل السنة. أن يقال: الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء .. احترز بطلب الفعل عن النهى وغيره من أقسام الكلام وبقوله "على جهة الاستعلاء" عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس.
٣ - البيضاوى والإسنوى
قال البيضاوى: (٣)
إن المراد هنا لفظ الأمر المكون من الحروف "أ. م. ر" لا مدلولها وهو "افعل" ولا نفس الطلب وعرفه بأنه "القول الطالب للفعل".
وشرح الإسنوى ذلك بأن لفظ الأمر يطلق إطلاقًا مجازيًا على الفعل والشأن وغيرهما
стр. 8615
ويطلق حقيقة على "القول الطالب للفعل مطلقا" وإنما كان الإطلاق لأنه "هو المعنى الذي يتبادر الفهم إليه عند الإطلاق" ووضح أن كلمة "القول" جنس في التعريف يدخل فيه الأمر وغيره سواء كان بلغة العرب أم لا وسواء كان نفسانيًا أم لا كما صرح الأصفهانى شارح المحصول.
وعنده أن كلمة "القول" أولى من كلمة "اللفظ" لأن اللفظ جنس يعبر لإطلاقه على المهمل والمستعمل بخلاف القول فهو خاص بالمستعمل، ثم إن الكلام أخص من القول. لإطلاق القول على المفرد والمركب وأما الكلام فإنه خاص بالمركب "فالصواب التعبير بالكلام لأن لفظ الأمر وإن كان مفردًا فمدلوله لفظ مركب مفيد فائدة خاصة، واستفدنا من التعبير بالقول أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرًا حقيقة، وقوله "الطالب" احترز به عن الخبر وشبهه وعن الأمر النفسانى فإنه الطلب لا الطالب لكن الطالب حقيقة إنما هو المتكلم؛ وإطلاقه على الصيغة مجاز من باب تسمية المسبب باسم سببه. (١)
وقوله "للفعل" احترز به عن النهى فإنه قول طالب للترك.
ولقائل أن يقول: النهى قول طالب للفعل أيضا ولكن فعل الضد وسيأتي في كلام البيضاوى حيث قال: مقتضى النهى فعل الضد ولهذا قيده ابن الحاجب بقوله "طلب فعل غير كف" لأن الفعل المطلوب بالنهى هو الكف عن المنهى عنه والكف فعل على الصحيح.
وأيضًا يرد على الحد قول القائل: أنا طالب منك كذا أو أوجبته عليك وإن تركته عاقبتك فإن الحد صادق عليه مع أنه خبر فلابد أن يضاف إليه قيد "بالوضع أو بالذات". وقد زاد في المحصول قيدًا آخر إذ قال في تعريفه: الحق في حده أنه اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لما سيأتي أن الأمر حقيقة في الوجوب.
وعقب على ذلك بقوله: الصواب ما قاله المصنف فإن الذي هو حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة افعل وكلامنا الآن في لفظ الأمر فهما مسألتان.
ثم ذكر البيضاوى (٢) أن المعتزلة تعتبر العلو قيدًا في تعريف الأمر وإن أبا الحسين اعتبر في تعريفه قيد الاستعلاء. ولم يوافقهما على ذلك فقال: ويفسرهما قوله تعالى ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٣).
ووضح الإسنوى ذلك فقال: (٤)
شرط المعتزلة في حد الأمر العلو دون الاستعلاء وتابعهم الشيخ أبو إسحق الشيرازى ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم واختاره ثم قال: وشرط أبو الحسين الاستعلاء دون العلو واشتراط الاستعلاء صححه الآمدى في الإحكام منتهى السول ثم ابن الحاجب ونقل عن المحصول أنه الصحيح وصححه أيضا في المنتخب وجزم به في المعالم.