← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

إرخاء الستر، ولا يتوجه عليه الحد؛ لأنه لم يقذف ولا أنكر ولدًا يلزمه الإقرار به؛ ولعل هذا أشبه. ولو قذف امرأته ونفى الولد وأقام بينة سقط الحد ولم ينتف الولد إلا باللعان. ولو طلقها بائنًا فأتت بولد يلحق به في الظاهر ولم ينتف إلا باللعان. ولو تزوجت المطلقة فأتت بولد لدون ستة أشهر من دخول الثاني ولتسعة أشهر فما دون من فراق الأول لم ينتف عنه إلا باللعان (١). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): ويصح اللعان في نفى الولد ولو بعد موته أو وَلِدَ ميتًا. قال ابن الحاجب: إن ولدت ميتًا أو مات بعد الولادة ولم يعلم بها الزوج لغيبة أو غيرها، ثم نفاه إذ علم به لاعن؛ لأنه قاذف، ولا يحل للزوج أن يقصد لعان زوجته في نفى الولد والجنين إلا إن وطئها ثم استبرأها بحيضة أو أكثر ثم رآها تزنى؛ أو وطئها بعد أن وضعت الحمل الذي قبل الحمل المنفى؛ وطال ما بين الوضعين بحيث لا يكون الولد الثاني من بقية الحمل الأول أو وطئها بعد الوضع وبين هذا الحمل والإصابة مدة لا يتأتى فيها الولد لقلتها كأربعة أشهر أو لكثرته كستة أشهر. وذلك على العادة؛ ولا يقصد اللعان بنفى الحمل للعزل؛ لأن الماء قد يسبق ولم يشعره ولا لمشابهة غيره ولو بسواد وكان الزوج أبيض لأن العرق قد ينزع؛ ولا لوطئه بين الفخذين لاحتمال وصول الماء بفرجها؛ ولا لوطئه بغير إنزال بأن أنزل قبله ولم يبل بيّن الإنزال والوطء لإمكان بقاء شئ في الذكر خرج مع الوطء؛ وإن بال بينهما جاز له القصد إلى اللعان؛ وإن تصادقا على نفى الولد فلا ينتفى إلا بلعان على المشهور إلا إن أتت به لأقل من المدة من حين العقد أو الدخول فينتفى بلا لعان؛ وكذا لو كان الزوج صغيرًا أو مجبوبًا حين الحمل؛ وإن بعدت المسافة بقدر ما لا يتأتى وطئها لم ينتف إلا بلعانا (٢).

стр. 9032

انقطاع الولاية بسبب تباين الدارين: دار الحرب ودار الإسلام مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): أن من الأحكام التي تترتب على إيمان المؤمن في الدنيا عصمة النفس والمال؛ لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١) إلا أن عصمة النفس تثبت مقصودة وعصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفسة؛ إذ النفس أصل في التخلق والمال خُلِقَ بذله للنفس استيفاءً لها فمتى تثبت عصمة النفس تثبت عصمة المال تبعًا إلا إذا وجد القاطع للتبعية؛ فعلى هذا إذا أسلم أهلٌ بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حَرَم قتلُهم ولا سبيل لأحد على أموالهم؛ وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أسلم على مال فهو له" (٢) ولو أسلم حربى في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدًا أو خطأ فلا شئ عليه إلا الكفارة. وعند أبى يوسف عليه الدية في الخطاء لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣) أوجب الكفارة وجعلها كلَّ موجب قتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا؛ لأنه جعله جزاءً والجزاء ينبيء عن إلكفاية فاقتضى وقوع الكفاية بها عما سواها من القصاص والدية جميعًا. ولأن القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤) والحاجة إلى الأحياء عند قصد القتل لعداوة حاملة عليه ولا يكون ذلك إلا عند المخالطة ولم توجد هنا، وعلى هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا حتى ظهر المسلمون على الدار فما كان في يده من المنقول فهو له؛ ولا يكون فيئًا إلا عبدًا يقاتل فإنه يكون فيئًا؛ لأن نفسه استفادت العصمة بالإسلام وماله الذي في يده تابع له من كل وجه فكان معصومًا تبعًا لعصمة النفس إلا عبدًا يقاتل؛ لأنه إذا قاتل فقد خرج من يد الموْلَى فلم يبق تبعًا له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلًا للتملك بالاستيلاء. وكذلك ما كان في يد مسلم أو ذمى وديعة له فهو له ولا يكون فيئًا؛ لأن يد المودع يدُه من وجه من حيثُ إنه يحفظ الوديعة له ويد نفسه من حيث الحقيقة. وكل واحد منهما معصوم فكان ما في يده معصومًا فلا يكون مَحلًا للتملك. وأما ما كان في يد حربى وديعة فيكون فيئًا عند أبى حنيفة. وعندهما يكون له؛ لأن يد المودع يده فكان معصومًا؛ والصحيح قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأنه من حيث إنه يحفظ له تكون يدُه فيكون تبعًا له فيكون معصومًا؛ ومن حيث الحقيقة لا يكون معصومًا؛ لأن نفس الحربى غيرُ معصومة فوقع الشك في العصمة فلا تثبت العصمة مع الشك؛ وكذا عقاره يكون فيئًا عند أبى حنيفة وأبى يوسف؛ وعند محمد هو والمنقول سواء؛ والصحيح قولهما؛ لأنه من حيث إنه

стр. 9033

يتصرف فيه بحسب مشيئته يكون في يده فيكون تبعًا له. ومن حيث إنه محصن (محفوظ) بنفسه ليس في يده فلا يكون تبعًا له فلا تثبت العصمة مع الشك، وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون تبعًا له، وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئًا؛ لأنهم في حكم أنفسهم لانعدام التبعية، وأما الولد الذي في البطن فهو مسلم تبعًا لأبيه ورقيق تبعًا لأمه، وفيه إشكال وهو أن هذا إنشاء الرق على المسلم وأنه ممنوع؛ والجواب أن الممتنع إنشاء الرق على من هو مسلم حقيقة لا على من له حكمُ الوجود والإسلام شرعًا؛ هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا فظهر المسلمون على الدارء فلو أسلم وهاجر إلينا ثم ظهر المسلمون على الدار، فبالنسبة لأمواله فما كان في يد مسلم أو ذمى وديعة فهو له ولا يكون فيئًا، وما سوى ذلك فهو فئ وقيل: ما كان في يد حربى وديعة فهو على الخلاف وأما أولادة الصغار فيحكم بإسلامهم تبعًا لأبيهم ولا يسترقون؛ لأن الإسلام يمنع إنشاء الرق إلا رقا ثبت حكمًا بأن كان الولد في بطن الأم وأولاده الكبار فئ؛ لأنهم في حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم وكذلك زوجته والولد الذي في البطن يكون مسلمًا تبعًا لأبيه ورقيقًا تبعًا لأمه؛ ولو دخل الحربي دار الإسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله وأولاده الصغار والكبار وامرأته وما في بطنها فئ؛ لأنه لما لم يسلم في دار الحرب حتى خرج إلينا لم تثبت العصمة لماله لانعدام عصمة النفس فبعد ذلك كذلك. وإن صارت معصومة لكن بعد تباين الدارين وذلك يمنع ثبوت التبعية؛ ولو دخل مسلم أو ذمى دار الحرب فأصاب هناك مالًا ثم ظهر المسلمون على الدار فحكمه وحكم الذي أسلم من أهل الحرب ولم يهاجر إلينا سواء (١). انقطاع عصمة النكاح لتباين الدارين: جاء في المبسوط: إذا تزوج المسلم كتابية في دار الحرب ثم خرج وتركها في دار الحرب فإن الفرقة تقع بينهما بتباين الدارين حقيقة وحكمًا؛ لأنها من أهل دار الحرب؛ والزوج من أهل دار الإسلام وتباين الدارين بهذه الصفة موجب للفرقة عندنا، وإذا أسلم أحد الزوجين وخرج إلى دارنا فإن كانت المرأة هي ألتى خرجت مراغمة وقعت الفرفة بالاتفاق عندنا لتباين الدارين، فإن خرجت غير مراغمة لزوجها أو خرج الزوج مسلمًا أو ذميًّا تقع الفرقة بتباين الدارين عندنا، واستدل أصحابنا رحمهم الله تعالى بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢) وليس في هذه الآية بيانُ قصد المراغمة. فاشتُرط بكون الزيادة على النص؛ وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣) والكوافر جمع كافرة معناه: لا تَعُدُّوا من خلفتموه في دار الحرب من نسائكم؛ وما أراد عمر رضى الله عنه أن يهاجر إلى المدينة نادى بمكة: ألا من أراد أن تُئيَّم امرأته منه أو تبين فليلتحق بى أي فليصحبنى في الهجرة؛ والمعنى فيه أن من بقى في دار الحرب في حق من هو في دار الإسلام كالميت قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٤) أي كافرًا فرزقناه الهدى، ألا ترى

стр. 9034

أن المرتد اللاحق بدار الحرب يُجعَلُ كالميت حتى يُقَسَّمَ مالُه بين ورثته فكما لا تتحقق عصمةُ النكاح بين الحى والميت فكذلك لا تتحقق عند تباين الدارين حقيقةً وحكمًا؛ فأما إذا خرج إلينا بأمان فتبايُنُ الدارين لم يوجد حكمًا، لأنه من أهل دار الحرب ومتمكن من الرجوع إليها وكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فهو من أهل دار الإسلام حكمًا؛ ومَنْعَةُ أهل البغى من جملة دار الإسلام؛ ومن فيها لا يُجْعَلُ بمنزلة الميت حكمًا، والدليل عليه أنه ما خرج إلا قاصدًا إحراز نفسه من المشركين فلا يعتبر مع ذلك القصدُ إلى المراغمة. ثم قال صاحب (المبسوط): ويستوى في وقوع الفرقة بتباين الدارين أن خرج أحدهما مسلمًا أو ذميًا أو خرج مستأمنًا ثم أسلم أو صار ذميًا؛ لأنه صار من أهل دارنا حقيقة وحكمًا في الفصلين. وإن كان الخارجُ هو الزوجُ فله أن يتزوج أربعًا سواها أو أختها إن كانت في دار الإسلام؛ لأنه لا عدة على التي بقيت في دار الحرب عند فقهاء الحنفية؛ فكان هذا بمنزلة الفرقة قبل الدخول وإذا أسلمت المرأةُ ثم خرج الزوجُ مستأمَنًا فهما على النكاح ما لم تحض ثلاث حيض؛ لأن المستأمَن وإن كان في دارنا صورة فهو من أهل دار الحرب حكمًا؛ فكأنه باقٍ في دار الحرب حتى إذا أسلم الزوج قبل أن تحيض فهما على النكاح، وإن صار الزوج من أهل الذمة قبل أن تحيض ثلاث حيض فهما على النكاح أيضًا، حتى إذا خرجت المرأة فهى امرأته حتى يَعْرِضَ السلطان عليه الإسلام؛ بمنزلة ما لو كان الزوجُ في الأصل ذميًا، وكذلك لو كان الزوجُ هو الذي أسلم في دار الحرب ثم خرجت إلينا ذمية قبل أن تحيض ثلاث حيضٍ فهما على النكاح حتى يَعْرِضَ السلطان عليها الإسلام فأما إذا خرجا مستأمنين ثم أسلمت المرأة ففى رواية هذا الكتاب يتوقف انقطاع النكاح بينهما على انقضاء ثلاث حيض؛ لأن الزوج من أهل دار الحرب فهو بمنزلة ما لو كان في دار الحرب؛ وفى رواية كتاب الطلاق يقول وإن عَرَضَ السلطانُ الإسلامَ على الزوج فأبى أن يُسْلِمَ فَرّق بينهما، وإن لم حتى مضى ثلاثُ حيض تقع الفرقةُ أيضًا ففى حق الذمى يتعين عَرْضُ الإسلام؛ وفى حق الحربى في دار الحرب يتعين انقضاء ثلاث حيض؛ وفى حق المستأمن أيُّ الأمرين يوجد تقع به الفرقة؛ لأن المستأمن من وجه يشبه الذمى؛ لأنه تحت يد الإمام يتمكن من عرض الإسلام عليه؛ ومن وجه يشبه الحربي؛ لأنه متمكن من الرجوع إلى دار الحرب؛ فَيُوفّر حَظُّهُ على الشبهين. فلشبهه بالذمى إذا وُجد عَرْضُ الإسلام عليه تقع به الفرقة؛ ولشبهه بالحربي إذا وُجِد انقضاءُ ثلاثِ حيضٍ أولًا تقع به الفرقة (١). ثم قال صاحب (المبسوط)؛ وإذا خرج أحد الزوجين الحربيين مسلمًا ثم خرج الآخر بعده فلا نفقة على الزوج للزوجة؛ لأن العصمة انقطعت فيما بينهما بخروج أولهما؛ ومعنى هذا أن وجوب نفقة العدة باعتبار ملك اليدِ الثابتِ للزوجِ عليها في حالة العدة، ولهذا لا تجب النفقةُ في العدة من نكاح فاسدٍ أو وطء بشبهة ولا في عدة أم الولد من المَوْلى؛ وتباينُ الدارين كما يقطعُ عصمة النكاحِ يقطع ملكُ اليَدِ الثابت بالنكاح. ثم إن كان

стр. 9035

الزوج هو الخارج فلا عدةَ عليها؛ لأنها حربية؛ وإن كانت المرأة هي التي خرجت فكذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليها العدة لحق الشرع لا لحق الزوج فلا تكونُ نفقةُ العدة عليه (١). وإن لم يُسبيا؛ ولكن أسلم أحد الحربيين وخرج إلى دار الإسلام؛ فقد وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق؛ لتباين الدارين فإن طلقها بعد هذا لم يقع طلاق عليها، أما إذا كان الزوج هو الذي أسلم فلأنه لا عدة على الحربية؛ وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا عدة على المهاجرة أيضًا؛ وعندهما وإن كان يلَزمها العدةُ فهذه العدة لا توجب ملك اليد للحربى عليها فكان بمنزلة العدة من نكاح فاسد أو وطء بشبهة فلا يقع الطلاق عليها باعتبارها، وإن أسلم الزوج بعدها وخرج لم يقع طلاقه عليها أيضًا؛ وقيل: هذا على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الأول، وهو قول محمد رحمه الله تعالى: فأما قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الآخر: يقع طلاقه عليها وهو نظير ما لو اشترى امرأته بعد ما دخل بها ثم أعتقها وطلقها في العدة لا يقع طلاقُه في قول أبى يوسف الأول. وهو قولُ محمد رحمه الله تعالى. وإذا أسلم أحد الزوجين في دار الإسلام وفرق بينها بالإباء من الآخر ثم طلقها الزوج وهى في العدة؛ فإنه يقع الطلاق ثم إن كان دخل بها فلها أن تؤاخذه بمهرها إذا حرج إلى دار الإسلام؛ لأن المهر قد تقرر عليه بالدخول فيبقى بعد إسلامها، وإن لم يدخل بها وكانت هي التي خرجت أولًا مسلمة فلها على الزوج نصفُ المهر؛ لأنه إنما يُحَالُ بالفرقة على جانب الزوج حين أصر على شركه في دار الحرب بعد إسلامها، وإن كان الزوج هو الذي خرج أولًا مسلمًا فلا مهر لها عليه؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول؛ وإذا تزوج المسلم كتابية في دار الحرب فتمجست انتقض النكاحُ بينهما؛ لأن تمجسها إذا كانت تحت مسلم بمنزلة ردتها، وطلاقُه يقع عليها ما دامت في العدة كما لو ارتدت المرأةُ في دار الإسلام، وهذا لأنه لم تتباين بهما الدارُ وهو المنافى للعصمة. والحرمةُ بسبب الردة على شرف الزوال بالإسلام؛ فلا تمنْعُ ثبوتَ الحرمة بالتطليقات الثلاث. فإن خرج الزوجُ إلى دار الإسلام وبقيت في دار الحرب لم يقع طلاقه عليها لتباين الدارين حقيقةً وحكمًا؛ وإن خرج الزوجان إلى دارنا مستأمنين ثم أسلم أحدُهما؛ فهى امرأته حتى تحيض ثلاث حيض؛ فإذا حاضت ثلاث حيض وقعت الفرقة بغير طلاقٍ بينهما؛ وانقطعت العصمة فلا يقع عليها طلاقه؛ لأن المُصِرَّ منهما على شِرْكه من أهل دار الخرب؛ ألا ترى أنه يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب فهو بمنزلة ما لو كان في دار الحرب حقيقة في المنع من وقوع طلاقهِ عليها. وكذلك إذا صار أحدُهما ذميا وأبى الآخر فالحكم فيما وصفنا عن الفرقة في دار الإسلام وفى دار الحرب سواء؛ لأن الذمى صار من أهل دارنا والآخر من أهل دار الحرب (٢). مذهب المالكية: جاء في الخرشى أن الزوجين الكافرين إذا سُبيا مجتمعين أو أحدهما قبل الآخر، فإن النكاح

стр. 9036

ينفسخ بينهما ويحل وطؤها بعد الاستبراء بحيضة ولا عدة؛ لأنها صارت أمة إلّا في صورة واحدة. فإنه لا ينقطع بينهما، وهى ما إذا أسلم الحربي سواء كان عندنا بأمان أو جاء إلينا ثم سبينا زوجته ثم أسلمت بعد ذلك في العدة فإنهما يقران على نكاحهما ترغيبًا في الإسلام؛ لأنها صارت أمة مسلمة تحت حر مسلم؛ فإن لم تسلم فرق بينهما؛ لأنها أمة كتابية تحت مسلم، وهو لا يجوز له أن يتزوج الأمة الكافرة؛ وإنما له أن يطأها بالملك. وأما الحربي إذا أسلم وفر إلينا أو بقى في بلاده حتى غنمنا بلاده فإن ولده الذي حملت به أمه قبل إسلامه رق، وأما زوجته فهى غنيمة اتفاقًا، وكذا مهرها، وإذا كانت غنيمة فقيل: يفسخ نكاحه لملكه جزءًا منها. وعلى قول ابن القاسم لو سرق من الغنيمة يقطع؛ ولا فرق في ولده بين الصغير والكبير بقى الحربي ببلده؛ أو خرج إلينا وترك ماله وولده؛ ولا فرق في ولده بين الصغير والكبير، بقى الحربي ببلده؛ أو خرج إلينا وترك ماله وولده؛ أسلم عندنا في أمانه أو في بلاده؛ وأما ولده الذي حملت به بعد إسلام الأب فإنه لا يرق اتفافًا، والحربي إذا سبى حرة مسلمة أو حرة كتابية فوطئها وأتت بأولاد عنده ثم غنم المسلمون ذلك الحربي والحرة والأولاد فإن الأولاد الصغار الذين حدثوا من المسلمة أو من الكتابية عند الحربي لا يكونون فيئًا على المشهور بل أحرارًا تبعًا لأمهم بخلاف الكبار ففيء. وأما المسبية إذا كانت أمة وأتت بأولاد عند الحربي ثم غنمها المسلمون فالمشهور أنهم لمالكها مسلمًا أو ذميًا سواء كانوا صغارًا أو كبارًا من زوج أو غيره؛ لتبعية الولد لأمه في الرق والحرية. والولد يتبع أمه في الرق والحرية؛ ولأبيه في الدين والنسب وأداء الجزية. وقد صرح أبو الحسن في شرح الرسالة بأن ولد الزنا يتبع أمه في الرق والحرية والإسلام؛ وفى ابن ناجى في (شرح المدونة) ما يفيده؛ وبه يعلم ما في (شرح الخرشى) (١): ثم قال: أما الذمى إذا خرج من دار الإسلام لدار الحرب لغير مظلمة لحقته ناقضًا للعهد وأخذناه فإنه يسترق؛ وإنما نص على الاسترقاق، - وإن كان الإمام يُخَيَّر فيه كما في الأسير - لرد قول أشهب أنه لا يسترق؛ لأن الحر لا يعود إلى الرق أبدًا؛ ووجه المشهور أن الحرية لم تثبت له بعتاقة من رق متقدم فلا تنقض. وجاء في الدسوقى على الشرح الكبير: أن المرتد إذا كان حرًا وقتل بردته أو مات مرتدًا قبل القتل ففيء محله بيت المال. ولو ارتد لدين وارثه وبقى ولده الصغير مسلمًا؛ ولو ولد حال ردة أبيه. أي حكم بإسلامه ولا يتبعه فيجبر على الإسلام إن أظهر خلافه كأن ترك ولده ولم يطلع عليه حتى بلغ؛ وأظهر خلاف الإسلام فيحكم عليه بالإسلام ويجبر عليه ولو بالسيف؛ وأخذ من مال المرتد إن مات أو قتل على ردته أرش جنايته عمدًا على عبد أو ذمى؛ لا إن جنى المرتد عمدًا على حر مسلم فلا يؤخذ من ماله شئ لذلك؛ لأن حده القود وهو يسقط بقتله لردته؛ وإن هرب المرتد لدار الحرب بعد أن قتل حرًا مسلمًا فلا يؤخذ من ماله شئ؛ فإن رجع فعليه القتل لردته إن لم يسلم؛ فإن أسلم قتل قودًا.

стр. 9037

وإن تاب المرتد بالرجوع للإسلام فماله يرجع له ولو عبدًا؛ على الراجح من أن المرتد يكون محجورًا عليه بالارتداد، فيوقف ماله لينظر حاله؛ فإن أسلم رد له؛ ثم قال: وقتل المستتر للكفر؛ وهو من أَسرَّ الكفر وأظهر الإسلام بلا استتابة بعد الاطلاع عليه؛ بل ولا تقبل توبته وإلّا أن يجئ قبل الاطلاع عليه تائبًا فتقبل توبته ولا يقتل؛ لأنه لما اطلعنا على ما كان مخفيًا عنده؛ وأنه رجع عنه قبل منه؛ وماله - إن مات قبل الإطلاع عليه ثم ثبتت زندقته أو بعد أن جاء تائبًا أو قتل بعد الاطلاع عليه وبعد توبته لعدم قبولها منه - لوارثه؛ فإن ظهر عليه فلم يتب ولم ينكر ما شهد به عليه حتى قتل أو مات فلبيت المال (١). ثم قال في موضع آخر: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون. ولو بالغا إذا كان جنونه قبل البلوغ بإسلام أبيه (دُنْيَة) فقط، لا بإسلام جده أو أمه كأن ميز، فيحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه؛ أي عقل دين الإسلام؛ وأنه دين يتدين به؛ وفائدة الحكم بإسلامه من ذكر أنه إن بلغ وامتنع عن الإسلام جبر عليه بالقتل كمرتد بعد البلوغ إلّا المميز المراهق حين إسلام أبيه. إلا غير المراهق المتروك للمراهقة بأن غُفِل عنه قبل المراهقة فلم يحكم بإسلامه لإسلام أبيه حين راهق؛ أي قارب البلوغ كابن ثلاث عشرة سنة؛ فلا يحكم حينئذٍ بإسلامه؛ وإذا لم يحكم به فلا يجبر على الإسلام بقتل إن امتنع منه؛ بل بالتهديد والضرب؛ فعلم أن محل الحكم بإسلام المميز أو غيره إذا لم يترك حين راهق مميزًا ولم يكن المميز مراهقًا حين إسلام أبيه. وإلَّا لم يجبر على الإسلام بالقتل، وإن مات أبو المراهق أو المتروك للمراهقة الذي أسلم وقف إرثه؛ فإن أسلم بعد بلوغه أخذه. وإلا لم يرثه وكان لبيت المال؛ وإن أسلم قبل البلوغ لم يدفع له؛ لأنه لو رجع عنه قبل بلوغه لم يجبر عليه بالقتل، وحكم بإسلام مجوسى صغير لإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه المجوسى، فإن كان معه في السبى في ملك واحد لم يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه؛ بل يجبر أبوه على الإسلام؛ لأنه مجوسى كبير، يجبر على الراجح، ويحكم بإسلام الصغير تبعًا الإسلام سابيه. فالكلام في المجوسى الصغير لا ينافى ما هو مذكور في الجنائز لما يفيد أنه لا يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام سابيه ولو نوى به سابيه الإسلام لحمله على الكتابى الصغير، وأما الكتابى الكبير فلا يحكم بإسلامه اتفاقًا لعدم جبره عليه؛ والحاصل أن المجوسى يجبر على الإسلام اتفاقًا إن كان صغيرًا؛ وعلى الراجح إن كان كبيرًا. وأن الكتابى لا يجبر مطلقًا اتفاقًا في الكبير، وعلى الراجح في الصغير؛ والمتنصّر من أسير وداخل بلاد الحرب كتجارة ونحوها يحمل على التطوع؛ فله حكم المرتد؛ إن لم يثبت إكراهه؛ فإن ثبت حمل على الإسلام فيرث ويورث (٢). مذهب الشافعية: إن أعتق مسلم نصرانيًا أو أعتق نصرانى مسلمًا ثبت له الولاء؛ لأن الولاء كالنسب؛ والنسب يثبت مع اختلاف الدين فكذلك الولاء؛ وإن أعتق المسلم نصرانيًا فلحق بدار الحرب فسبى لم يجز استرقاقه؛ لأن عليه ولاء المسلم فلا يجوز إبطاله؛ وإن أعتق ذمى عبده فلحق بدار الحرب وسبى

стр. 9038

ففيه وجهان أحدهما: لا يجوز أن يسترق، والوجه الثاني: يجوز. وإن أعتق حربى عبدًا حربيًا ثبت له عليه الولاء فإن سبى العبد المعتق أو سبى مولاه واسترق بطل ولاؤه؛ لأنه لا حرمة له في نفسه ولا ماله؛ وإن أعتق ذمى عبدًا ثم لحق بدار الحرب، فملكه عبده وأعتقه صار كل واحد منهما مولى للآخر؛ لأن كل واحد منهما أعتق الآخر (١). ينفسخ نكاح من صار رقيقًا بالأسر ولو بعد الدخول؛ لزوال ملكه عن نفسه عن زوجته أولى؛ وإن أُسر صبى له زوجة انفسخ النكاح بأسره؛ وكذا ينفسخ نكاح الأسير إن استُرق إلا إن كان هو وزوجته رقيقين فلا ينفسخ نكاحه إذا لم يحدث رق؛ وإنما انتقل الملك من شخص إلى آخر وذلك لا يقطع النكاح كالبيع والهبة؛ وإن أسلم من الأسرى رجل حر مكلف قبل اختيار من الإمام فيه عُصم دمه من القتل لخبر الصحيحين، أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها (٢)، ولم يرق بإسلامه؛ فيختار فيه الإمام ما سوى القتل من إرقاق ومن فداء؛ ومن عجز عن الإعتاق في كفارة اليمين يبقى مخيرًا بين الإطعام والكسوة لكن لا يفادى إلا من كان عزيرًا في قومه أو له فيهم عشيرة ولا يخشى الفتنة في دينه ولا في نفسه. أو أسلم كافر مكلف قبل الظفر به رجلا كان أو امرأة عصم نفسه وماله للخبر السابق. وعصم ولده الصغير والمجنون الحرين من السبي، وكذا الحمل تبعًا له فيهما إلا إن استُرقت أمه قبل إسلام الأب فلا يعصمه إسلامه أي لا يبطل رقه كالمنفصل وإن حكم بإسلامه، ولا يعصم إسلامه زوجته من السبى والاسترقاق ويفارق عتيقه بأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع وإن تراضيا؛ لأنه لحمة كلحمة النسب بخلاف النكاح فإنه يرتفع بأسباب منها حدوث إرقاق زوجته وابنته البالغة بأن ما يمكن استقلال الشخص به لا يجعل فيه تابعًا لغيره؛ والبالغة تستقل بالإسلام ولا تستقل ببذل الجزية؛ وإن استقرت الزوجة ولو بعد الدخول انقطع نكاحه لزوال ملكها من نفسها فزوال ملك الزوج عنها أولى ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتداء ودوامًا؛ ولا يعصم إسلامه ابنه البالغ لاستقلاله بالإسلام؛ وإن نقض ذمى عهده فاسترق وملكه عتيقه ثم أعتقه فلكل منهما الولاء على الآخر، فولاء السيد لا يبطل باسترقاقها (٣). لو بلغ ابن ذمى ولو بنبات عانته وأفاق المجنون أو عتق العبد ولم يبذل؛ أي يعط جزية بعد طلبنا لها منه ألحق بمأمنه سواء أعتق العبدَ ذمى أو مسلم؛ وإن بذلها من ذكر عقد له ولا يكفى عقد أب وسيد ولو كان كل منهما قد أدخله في عقده إذا بلغ أو عتق كأن قال: قد التزمت هذا عنى وعن ابنى إذا بلغ أو عبدى إذا أعتق وقيل: عليه أي الصبى كجزية أبيه؛ ولا يحتاج إلى عقد اكتفاء بعقد أبيه؛ وإذا لم يكف ذلك فيعقد له عقد مستأنف ويساوم كغيره؛ لانقطاع التبعية بالكمال ولوجوب جزية أخرى، وأنَّ إعطاءها في الآية بمعنى التزامها، وللإمام أن يجعل حول التابع

стр. 9039

والمتبوع واحدًا ليسهل عليه أخذ الجزية ويستوفى ما لزم التابع في بقية العام الذي اتفق الكمال في أثنائه إن رضى البائع بذلك أو يؤخره إلى الحول الثاني، فيأخذ مع جزية المتبوع في آخره؛ لئلا تختلف أواخر الأحوال، وإن شاء أفردهما بحول، فيأخذ ما لزم كلا منهما عند تمام حوله. ولا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم أصليًا كان أو مرتدًا لما روى أسامة بن زيد - رضى الله عنهما - أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (١)، ويرث الذمى من الذمى وإن اختلفت أديانهم كاليهودى من النصرانى والنصرانى من المجوسى لأنه حُقن ذمهم بسبب واحد؛ فورث بعضهم من بعض كالمسلمين، ولا يرث الحربي من الذمى ولا الذمى من الحربي؛ لأن الموالاة انقطعت بينهما فلم يرث أحدهما من الآخر كالمسلم من الكافر (٢). مذهب الحنابلة: أولا: الميراث: جاء في (المغنى مع الشرح الكبير) (٣): أجمع أهل العلم على أن الكافر لا يرث المسلم وقال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يُروى هذا عن أبى بكر وعمر وعثمان لما روى عن أسامة بن زيد عن النبى ﷺ أنه قال: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" وروى أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (٤)؛ ولأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر فلم يرثه كما لايرث الكافر المسلم. ثانيًا: انقطاع التبعية بالنسبة للطفل لأبويه: جاء في (المغنى مع الشرح الكبير) (٥): إذا سُبي من لم يبلغ من أولاد الكفار صار رقيقًا ولا يخلو من ثلاثة أحوال ما الحالان الآخران؟! أحدهما: أن يُسبى منفردًا عن أبويه فهذا يصير مسلمًا إجماعًا؛ لأن الدين إنما يثبت له تبعًا وقد انقطعت تبعيته لأبويه؛ لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام تبعًا لسابيه المسلم فكان تابعًا له في دينه؛ ثم قال: وإذا أسلم الحربي في دار الحرب حقن ماله ودمه وأولاده الصغار من السبي، وإن دخل دار الإسلام فأسلم وله أولاده صغار في دار الحرب صاروا مسلمين ولم يجز سبيهم؛ لأن أولاده أولاد مسلم فوجب أن يتبعوه في دار الإسلام كما لو كانوا معه في الدار، ولأن مَالَهُ مال مسلم فلا يجوز اغتنامه كما لو كان في دار الإسلام وبذلك يفارق مال الحربي وأولاده. الثاني: أن يسبي مع أحد أبويه؛ فإنه يحكم بإسلامه أيضًا. الثالث: أن يسبي مع أبويه؛ فإنه يكون على دينهما.

стр. 9040

ثالثًا: حكم انقطاع الولاية بالنسبة للمرتد عن ماله: جاء في (المغنى) (١): ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته في قول أكثر أهل العلم. فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته؛ وإن راجع الإسلام فملكه باق له. وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته؛ وإن راجع الإسلام عاد إليه تمليكًا مستأنفًا؛ لأن عصمة نفسه وماله إنما تبثت بإسلامه؛ فزوال إسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب؛ ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته وجب أن يملكوا ماله بها؛ لأنه سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه كزنا المحصن والقتل لمن يكافئه عمدًا، وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك، بدليل الزانى المحصن والقاتل في المحاربة وأهل الحرب فإن ملكهم ثابت مع عصمتهم. ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه، لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن يقدر عليه؛ لأنه صار حربيًا حكمه حكم أهل الحرب، وكذا لو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة إمام المسلمين زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم؛ لأن الكفار الأصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتد أولى (٢). وإن لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه كالحكم فيمن هو في دار الإسلام؛ إلا أن ما كان معه من ماله يصير مباحًا لمن قدر عليه كما أبيح دمه؛ وأما أملاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه؛ يتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه؛ لأنه حي فلم يورث كالحربي الأصلى؛ وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصل؛ وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب. وأما الذي في دار الإسلام فهو باق على العصمة كمَال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام أو عند مودعه. وجاء في موضع آخر من (المغنى) (٣) ويؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين وإن كان له إماء جُعلن عند امرأة ثقة؛ لأنهن محرمات عليه فلا يمكن منهن؛ وذكر القاضي: أنه يُوَجِّر عقاره وعبيده وإماؤُه؛ والأولى أن لا يفعل؛ لأن مدة إنظاره قريبة ليس في إنظاره فيها ضرر فلا يُفوَّتَ عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها؛ فإنه ربما راجع الإسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله بإجارة الحاكم؛ وإن لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره؛ وإجارة ما يرى إبقاءه والمكاتب يؤدى إلى الحاكم فإذا أدى عتق؛ لأنه نائب عنه. وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوف: إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحًا؛ وإن قفل أو مات على ردته كان باطلا، وعلى قول أبى بكر: تصرفه باطل؛ لأن ملكه قد زال بردته؛ وإن تزوج لم يصح تزوجه. لأنه لا يقرّ على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة؛ وإن زوج لم يصح تزويجه؛ لأن ولايته على موليته قد زالت بردته؛ وإن زوج أمته لم يصح؛ لأن النكاح لا يكون موقوفًا؛ ولأن النكاح

стр. 9041

وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ولاية صحيحة بدليل أن المرأة لا يجوز أن تُزوّج أمتها، وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له؛ فإنه أدنى حالا من الفاسق الكافر؛ وإن وجد من المرتد سبب يقتضى الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب (١) والشراء وإيجار نفسه إجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له؛ لأنه أهل للملك وكذلك تثبت أملاكه؛ ومن قال: إن ملكه يزول لم يثبت له ملكًا؛ لأنه ليس بأهل للملك. فإن راجع الإسلام احتمل أن لا يثبت له شئ أيضًا؛ لأن السبب لا يثبت حكمه، واحتمل أن يثبت الملك له حينئذ؛ لأن السبب موجود، وإنما امتنع ثبوت حكمه؛ لعدم أهليته فإذا وُجدت تحقق الشرط، فيثبت الملك حينئذ؛ كما تعود إليه أملاكه التي زالت عنه عند عدم أهليته؛ فعلى هذا إن مات أو قتل ثبت الملك لمن ينتقل إليه ملكه؛ لأن هذا في معناه. مذهب الظاهرية: إذا أسلم الكافر الحربي، أيا كانت داره: كان كل ماله لا حق لأحد فيه، ولا يملكه المسلمون إن غنموه أو فتحوا تلك الأرض، وإن مات ورثه ورثته؛ وأولاده الصغار مسلمون وكذا الجنين؛ وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ إن سبوا، وهو باق على نكاحه معها، وهى رقيق لمن وقعت له في سهمه. دليل ذلك، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام (٢). وأيما امرأة أسلمت ولها زوج كافر ذمى أو حربى؛ فحين إسلامها انفسخ نكاحها منه ولو أسلم بعدها بطرفة عين. ولو أسلما معًا بقيا على نكاحهما؛ وإذا كانت كتابية بقيا على نكاحهما، أسلمت أو لم تسلم؛ وإن كانت غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه؛ ولو أسلمت بعده بطرفة عين (٣). ومن سبى من صغار أهل الحرب فهو مسلم؛ سواء سبى مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما؛ لأن سيده صار أملك له من أبويه، فبطل إخراجهما له عن الإسلام (٤). ومن لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها. أما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجبره، فهذا لا شئ؛ لأنه مضطر مكره (٥). وإذا مات المرتد لم يرث ولا يُورّث؛ لقوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكفار المسلم" (٦) والمرتد قد بين الله تعالى أنه من جملة الكفار ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٧) وكل وصية أوصى بها قبل ردته أو في حين ردّته بما يوافق البرّ ودين الإسلام نافذة في ماله الذي لم يقدر عليه حتى قتل؛ لأنه ماله. وأما إذا قدرنا على المال قبل موته فهو للمسلمين كله؛ ولا تنفذ فيه وصيته؛ لأنه لا يملكه (٨).

стр. 9042

مذهب الزيدية: أولا الميراث: لا توارث بين أهل ملتين إجماعًا لقوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم" وفى إرث المسلم المرتدّ خلاف، وقاتل العمد لا يرث من المال ولا من الدية؛ ولا يسقط ولا يحجب إجماعا لقوله ﷺ "لا يرث القاتل" (١) وقاتل الخطأ لا يرث من الدية إجماعًا. ثانيًا الأسير: من أسلم من الحربيين أو دخل فى الذمة وهو حال إسلامه في دار ما لم يحصن في دار الحرب إلا طفله الموجود وولده المجنون حال الإسلام ولو بالغا، فلا يجوز للمسلمين إذا استولوا على دار الحرب أن يسبوا طفله وولده المجنون. ولا مال طفله المنقول؛ لأنه قد صار مسلمًا بإسلام والده. وأما أمواله التي في دار الحرب من منقول أو غيره فإنها لا تحصن بإسلامه في دار الإسلام؛ بل للمسلمين اغتنامها إذا ظفروا بتلك الدار، ولو كانت وديعة بدار الحرب من قبل إسلامه عند مسلم؛ لا إذا أسلم في دارهم؛ فطفله ومالهما المنقول محصنان محترمان بإسلامه؛ سواء كانت في يده أو في يد ذميّ؛ وأما غير المنقول من مالهما فلا يتحصن بإسلامه؛ لأن دار الحرب لا تتبعض (٢). ثالثًا المرتدّ: بالردة تَبِينُ الزوجة من الزوج سواء كان هو المرتد أو هي. وإذا تاب المرتد تعود إليه بعقد جديد، وهى ترث زوجها المرتد إن مات أو لحق بدار الحرب، وهى في العدة؛ لأنها في حكم المطلقة رجعيًا. وماله المكتسب بعد الردة كماله المكتسب قبلها في الميراث؛ وإن مات أو لحق بدار الحرب. وأما ماله المكتسب بعد اللحوق بدار الحرب فحكمه حكم مال أهل الحرب: وإن عاد إلى الإسلام ردّ له ما بقى في أيدى الورثة ولم يستهلك حسًا أو حكمًا (٣). وعقود المرتدين لغو إلا العتق، وجناية الخطأ الواقعة حال ردته تؤخذ من ماله؛ ولا شيء على عاقلته. والردة لا تسقط بها الحقوق التي قد وجبت على المرتدّ قبل ردته من زكاة وفطرة وكفارة وخُمس ودين لآدمى. فإذا مات أو لحق بدار الحرب كانت واجبة في ماله؛ تخرج قبل التوريث؛ وأما إذا أسلم سقطت بالإسلام إلا الخمس ودَين المسجد ودين الآدمى المعين وحدّ القذف وكفارات الظهار. مذهب الإمامية: إذا أسلم الحربي في دار الحرب عُصم دمه وماله مما ينقل دون ما لا ينقل؛ ولحق به ولده الأصاغر ولو كان فيهم حمل سبيت أمه. والدليل على ذلك إجماع الفرقة. وأخبارهم، وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها .. " (٤) فأضاف الأموال إليهم؛ وحقيقة ذلك تقتضى ملكًا، ولم يفصل ما كان في دار الحرب وغيره؛ ولما حاصر الرسول ﷺ بنى قريظة أسلم ابنا رجل فأحرز إسلامهما دماءهما وأموالهما وصغار أولادهما (٥). وهذا

стр. 9043

نص والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ (١). وإذا سبيت الزوجة وحدها دون زوجها ينفسخ العقد، وقيل: ينفسخ على كل حال إلا مع ملك اليمين؛ لقوله تعالى؛ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢). وإذا سبي صبي مع أبويه أو أحدهما تبعهما في الكفر؛ وبه قال جميع الفقهاء. إلا الأوزاعي (٣). مذهب الإباضية: يحكم على من بدار شرك بأحكام المشركين من براءة وقتل أو جزية أو غنيمة وتحريم المناكحة والذبيحة والبلل، ومن ثم نُهِى عن السفر إليها والسكون وتوطينها بلا عذر أو حاجة مباحة، وخمسة أوجه لا تفعل بدار الشرك: النكاح والتسرى والعتق والتوطين وبنيان الدار. وقيل: بنيان المسجد. وإن انفرد بدار مرتدّ فدار شرك؛ وفى جواز سبيهم وغنمهم قولانا (٤). والحكم في دار ظهر فيها شرك وغلب قيل: فغير أهل الكتاب يسلمون أو يقتلون إلا المجوس فكاهل الكتاب يسلمون أو يعطون الجزية أو يقتلون، وتحل الذبيحة والنكاح من أهل الكتاب خاصة بالجزية؛ ولا يدفن الموحد مع المشرك ولو كتابيًا يُعطى الجزية. ولا يحل النكاح والجزية وغيرهما كالقتال والسبي والغنم بلا إمام ظاهر. وقيل: ما جاز للإمام العدل جاز لمن قادته ديانته ممن له رياسة واتباع وإن مخالفًا؛ وإن لم تقده ديانته لم يحل ذلك به (٥). وإن دخل مشرك غير معط للجزية - يتجر أرض الإسلام بأمان ولو استأمنه رجل واحد - تُرك، وأخذ منه ما يؤخذ من تجار المسلمين. وهو الزكاة فقط. ولو كان بلا أمن فعل معه الإمام ما بان له من سبي وغنم. وجُوِّز لغيره من المسلمين وبكلّ من قادته ديانته وإن مخالفًا أو غير سلطان ونحوه (٦). وكلّ ما أفسد المرتدّ في حال ارتداده من أموال الناس فقد ضمنه (٧).

стр. 9044

انقطاع حق البائع في استرداد المبيع إذا كان له حق استرداده مذهب الحنفية: جاء في (تبيين الحقائق): لكل من البائع والمشترى حق الرجوع في البيع الفاسد إلا أن يبيع المشترى أو يهب أو يحرر أو يبنى، أي إذا تصرف المشترى في المبيع هذه التصرفات فليس لواحد منهما أن يفسخ البيع؛ لأن المشترى ملك المبيع بالقبض فينفذ فيه تصرفاته كلها وينقطع به حق البائع في استرداد المبيع سواء كان تصرفًا يقبل الفسخ أو لا يقبله إلا الإجارة والنكاخ فإنهما لا يقطعان حق البائع في الاسترداد؛ لأن الإجارة عقد ضعيف يفسخ بالأعذار، وفساد الشراء عذر فيفسخ. والنكاح لا يمنع فسخ البيع فيفسخ ويرد على البائع والنكاح على حاله. وما عدا النكاح والإجارة من التصرفات يقطع حق البائع في استرداد المبيع؛ لأنه تعلق به حق العبد والفسخ حق الشرع؛ وما اجتمع حق الله وحق العبد إلا وقد غُلب حق العبد لحاجته وغناءِ الله، بخلاف حق الشفعة حيث ينتقض فيه تصرف المشترى؛ لأنه حق العبد فكان أولى بالشفعة. ولأنه بالعتق قد هلك فيجب قيمته؛ والبيع الثاني مشروع بأصله ووصفه. والأول مشروع بأصله دون وصفه فكان الثاني أولى بالاعتبار، وكذا الهبة مشروعة بأصلها ووصفها فكانت أولى؛ ولأن تصرف المشترى قد حصل بتسليط البائع فلا ينتقض؛ بخلاف الشفيع حيث ينقض تصرف المشترى لعدم التسليط منه. والكتابة والرهن نظير البيع؛ لأنهما لازمان. إلا أنه إذا عجز المكاتب أو فك الرهن يعود حق الاسترداد لزوال المائع؛ وكذا لو رجع في الهبة عاد حق الاسترداد؛ سواء كان بقضاء أو بغير قضاء؛ لأنه يعود إليه قديم ملكه في الوجهين. وبالرد بالعيب يعود حق الاسترداد لما ذكرنا، وهذا كله إذا عاد المبيع إلى ملك المشترى بما يكون فسخًا قبل قضاء القاضي بالقيمة على المشترى. فإن كان بعده فلا يعود حق الاسترداد؛ لأنه قد تم لزوم القيمة بقضاء القاضي فلا ينتقض قضاؤه بعد ذلك كالمبد المغصوب إذا أبق ثم عاد بعد ما قضى على الغاصب بالقيمة؛ وتعلق حق الوارث به لا يمنع حق الاسترداد؛ لأن ملك الوارث خلافه فكان في حكم عين ما كان للمورث، ولهذا يرد بالعيب فيما إذا اشتراه المورث ويرد عليه بخلاف ملك الموصى له؛ وكذلك ينقطع حق البائع؛ في الاسترداد ببناء المشترى في العقار المشترى شراء فاسدًا؛ وهذا عند أبى حنيفة - رحمه الله تعالى وعند أبى يوسف ومحمد: لا ينطع. وعلى هذا الخلاف الغرس (١). مذهب المالكية: جاء في (مواهب الجليل): ومن اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار واحدًا منهما وهو فيما يختاره في اللزوم لا بالخيار لأحدهما ومضت أيام الاختيار ولم يختر واحدًا منهما وتباعدت وهما بيد المبتاع أو البائع فإنه يلزم المشترى النصف من كل منهما؛ لأن أحدهما مبيع ولم يعلم ما هو فوجب كونه شريكًا فيهما الحط؛ وكذا إن ضاعا أو ضاع أحدهما قال ابن يونس: قال بعض فقهائنا: إذا اشترى أحد الثوبين على الإيجاب فضاعا جميعًا أو أحدهما بيد المبتاع فما تلف بينهما؛ وما بقى بينهما؛ وسواء قامت

стр. 9045

بينة على الضياع أم لا؛ وفى (الجواهر) قال أبو الحسن: شراء الثوبين على ثلاثة أوجه: إما بخيار وحده؛ أو باختيار وحده. وإما بخيار واختيار، فبمضى أيام الخيار ينقطع خياره وينقض البيع؛ إذ بمضى أيام الخيار ينقطع اختياره؛ وإن اشترى أحدهما ليختاره وهو فيما يختاره بالخيار، فمضت مدة الخيار وما الحق بها وهما بيده ولم يختر واحدًا منهما فلا يلزم المشترى شئ منهما إذ لم يقع البيع على معين فيلزمه؛ ولا على إيجاب أحدهما فيكون شريكًا. ومن باب أولى إذا كان بيد البائع الحط؛ وهذا بخلاف شرائه أحد الثوبين على غير إلزام؛ فإذا مضت أيام الخيار وتباعدت فليس له أخذ أحدهما كانا بيد البائع أو المبتاع إذ بمضى أيام الخيار ينقطع اختياره ولم يقع البيع على معين فيلزمه ولا على إيجاب أخذ فيشارك فصار ذلك على ثلاثة أوجه في شرائهما: يلزمانه. وفى أخذ أحدهما بإيجاب يلزمه النصف من كل؛ وفى أخذه على الخيار لا يلزمه شئ منهماء والأولى وفى الاختيار ليس له شيء (١). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه إذا انعقد البيع ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء إلى أن يتفرقا أو يتخايرا لما روى ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر" (٢). والتفرق أن يتفرقا بأبدانهما بحيث إذا كلمه على العادة لم يسمع كلامه لما روى نافع أن ابن عمر - رضى الله عنهما - كان إذا اشترى شيئًا مشى أذرعًا ليجب البيع ثم يرجع؛ وإن لم يتفرقا ولكن جُعل بينهما حاجز من ستر أو غيره لم يسقط الخيار؛ لأن ذلك لا يسمى تفرقا، وأما التخاير فهو أن يقول أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه فيقول الآخر اخترت إمضاءه أو فسخه فينقطع الخيار؛ لقوله ﵇: "أو يقول أحدهما للآخر: اختر .. " الحديث. فإن خير أحدهما صاحبه فسكت لم ينقطع خيار المسئول، وهل ينقطع خيار السائل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينقطع خياره. والثانى؛ أنه ينقطع؛ لقوله ﵇: "أو يقول أحدهما للآخر: اختر .. " الحديث؛ فإن أكدها على التفرق ففيه وجهان أحدهما الخيار؛ لأنه كان يمكنه أن يفسخ بالتخاير، فإذا لم يفعل فقد رضى بإسقاط الخيار، والثانى: أنه لا يبطل؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من السكوت. والسكوت لا يسقط الخيار (٣). وجاء في (أسنى المطالب): أنه ذكر نوعين من البيوع المنهى عنها كالملامسة والمنابذة والتي يكون البيع فيها بهذه الطريقة سببًا إما لإمضاء البيع أو لقطع الخيار والبطلان فيها لعدم الرؤية أو الصيغة أو للشرط الفاسد (٤). وجاء في موضع آخر: والتفرق بأبدانهما عن مجلس العقد للخبر (٥)، فلو أقاما فيه مدة أو

стр. 9046

تماشيا مراحل فهما على خيارهما؛ وإن زادت المدة عن ثلاثة أيام أو أعرضا عما يتعلق بالعقد، ويحصل بأن يفارق أحدهما الآخر من المجلس ولو ناسيًا أو جاهلًا وإن استمر الآخر فيه؛ لأن التفرق بالأبدان لا يتبعض بخلاف التخاير، وكان ابن عمر - رضى الله عنهما راوى الحديث إذا ابتاع شيئًا فارق صاحبه قام ومشى هنية ثم رجع (١)؛ وعليه يحمل ما رواه الترمذى أنه كان إذا ابتاع شيئًا وهو قاعد قام ليجب له؛ وقضية ذلك حِلُّ الفراق خشية أن يستقيله صاحبه، وهو بما رواه الترمذى وحسنه أنه ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" (٢) وقد يجاب بحمل (الحل) في الخبر على الإباحة المستوية الطرفين؛ ويعتبر في التفريق العرف. فإن كانا في سفينة أو دار أو مسجد صغير فبخروج أحدهما منه أو صعوده إلى السطح ينقطع الخيار. وإن مات العاقدان أو أحدهما في المجلس قام الوارث أو الموكل أو السيد مقامه، والعاقد إن خرج من المجلس مكرهًا بغير حق لم ينقطع خياره؛ لأنه لم يفعل شيئًا؛ وكذا إذا أكره على الخروج منه فخرج لم ينقطع خياره ولو لم يسد فمه؛ لأن فِعْل المكره كَلا فعل. والسكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار كما في المجلس وهذا بخلاف الناسي والجاهل (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): لكل من المتبايعين خيار المجلس ما لم يتفرقا بأبدانهما عرفًا ولو أقاما في المجلس شهرًا أو أكثر من شهر. ولو أقاما كرهًا فهما على خيارهما لعدم التفريق ولزم البيع لقوله ﷺ :"ما لم يتفرقا" (٤) لا أن تفرقا كرهًا؛ ومع تفريقهما مُكْرَهِين لا يسقط خيارهما، ويبقى الخيار لهما في هذا الحال إلى أن يتفرقا من مجلس زال الإكراه فيه؛ لأن فعل المكره لا يعتد به شرعًا؛ فإن أكره أحدهما وحده على التفرق انقطع خيار صاحبه؛ لتفرقه باختياره ويبقى الخيار للمكره منهما في حال تفرقه في المجلس الذي زال فيه الإكراه حتى يتفرقا عن اختيار، فإن رأى المتبايعان وهما في مجلس التبايع سبعًا أو ظالمًا خشياه فهربا فزعًا منه؛ أو حملهما من مجلس التبايع سيل، أو فرقتهما ريح فكإكراه. قاله ابن عقيل فيثبت لهما الخيار إلى أن يتفرقا من مجلس زال فيه ذلك؛ لأن فعل الملجأ غير منسوب إليه؛ ومتى تم العقد وتفرقا من مجلسه لم يكن لواحد منهما الفسخ للزوم البيع (٥). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): من قال حين يبيع أو يبتاع: لا خِلابة (٦)، فله الخيار ثلاث ليالٍ بما في خلالهن من الأيام إن شاء رد بعيب أو بغير عيب، أو بخديعة أو بغير خديعة، وبغبن أو بغير غبن، وإن شاء أمسك، فإذا انقضت الليالى الثلاث بطل خياره ولزمه البيع ولا رد له إلا من عيب إن

стр. 9047

وجده: والليالى الثلاث مستأنفة من حين العقد؛ فإن بايع قبل غروب الشمس بقليل أو كثير ولو من حين طلوعها؛ فإنه يستأنف الثلاث مبتدأة. وله الخيار أيضًا في يومه ذلك؛ وإن بايع بعد غروب الشمس فله الخيار من حينئذ إلى قبل ذلك الوقت من الليلة الرابعة؛ لما روى عن نافع عن ابن عمر قال: "إن منقذًا سُفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فخبلت لسانه فكان إذا بايع خُدع في البيع؛ فقال له رسول الله ﷺ : "بايع؛ وقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار" (١). فإن رضى في الثلاث وأسقط خياره لزمه البيع. وذلك أن رسول الله ﷺ جعل له الخيار ثلاثًا. فلو كان لا يلزمه الرضا إن رضى في الثلاث لكان إنما جمل له ﵇ الخيار في الرد فقط لا في الرضاء وهذا باطل؛ لأن رسول الله ﷺ أجمل له الخيار فكان عمومًا لكل ما يختار من رضا أو رد؛ ولو كان الخيار لا ينقطع بإسقاطه إياه وإقراره بالرضا لوجب أيضًا ضرورة أن لا ينقطع خياره؛ وإن رد البيع حتى ينقضى الثلاث؛ وهذا محال. فظاهر اللفظ ومعناه أن له الخيار مدة الثلاث إن شاء رَدَّ فيبطل البيع ولا رضا له بعد الرد؛ وإن شاء رضى فيصح البيع ولا رد له بعد الرضاء ولا يحتمل أمره ﷺ غير هذا أصلًا. فإن لم يلفظ بالرضا ولا بالرد لم يجز أن يجبر على شئ من ذلك وبقى على خياره إلى انقضاء الثلاث إن شاء رد وإن شاء أمسك؛ فإن انقضت الثلاث ولم يرد فقد لزمه البيع؛ لأنه بيع صحيح جعل له الخيار في رده ثلاثًا لا أكثر، فإن لم يبطله فلا إبطال له بعد الثلاث إلا من عيب كسائر الببوع؛ وبقى البيع بصحته لم يبطل (٢). مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): إذا استعمل المشترى المبيع في مدة انقطاع العيب بعد علمه بالعيب. وقبل عوده معه لم يكن ذلك رضاء منه بالعيب؛ لأنه لا يمكنه الفسخ حتى يعود العيب عندما (٣). مذهب الإمامية: بيع الخيار عند الإمامية؛ على ثلاثة أضرب، أحدها: خيار المجلس. وهو أن يكون لكل واحد منهما الخيار وفسخ العقد ما لم يتفرقا بالأبدان؛ فإن قال بعد -انعقاد العقد- أحدهما لصاحبه: اختر الإمضاء، فإذا اختار ذلك انقطع الخيار، ولزم العقد. والثانى: أن يشترط حال العقد أن لا يثبت بينهما خيار المجلس. بعد انعقاد البيع؛ فإذا تعاقدا بعد ذلك صحّ البيع؛ ويكون على ما شُرط. والثالث: أن يشترط في حال العقد مدةٌ معلومة؛ يكون لهما فيها الخيار ما شاء من الزمان: ثلاثًا أو شهرًا أو أكثر؛ فإنه ينعقد العقد؛ ويكون لهما الخيار في تلك المدة، إلا أن يوجبان بعد ذلك على أنفسهما كما في البيع المطلق (٤). والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥) وقوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا." (٦). وقوله: "المسلمون عند شروطهم" (٧).

стр. 9048

وإذا أكره المتبايعان أو أحدهما على التفرق بالأبدان على وجه يتمكنان من الفسخ والتخاير فلم يفعلا بطل خيارهما أو خيار من تمكن من ذلك (١). وإذا تبايعا مطلقًا فكان بينهما خيار المجلس، أو تبايعا بشرط الخيار فكان بينهما خيار الشرط جاز أن يتقابضا في مدة الخيار، ويكون الشرط قائمًا حتى ينقطع (٢). مذهب الإباضية: تنقطع مدة الخيار في البيع لمجئ ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر بطلوع فجر اليوم الآخره وقيل بطلوع شمسه؛ وهو اليوم الثالث مثلًا؛ لأنه لم يقل لثلاثة أيام؛ ولالتمام ثلاثة أيام؛ ولا نحو ذلك. ولكن قال: (لمجئ) والمراد بالمجئ الحضور والشئ حاضر بحضور أطرافه؛ وإن قال لمجئ ثلاث ليالٍ أو أقل أو أكثر انقطعت المدة بغروب شمس اليوم الآخر لحضور الليلة الآخرة حينئذٍ (٣).

стр. 9049

انقطاع المُسلم فيه مذهب الحنفية: جاء في (تبيين الحقائق): أنه لا يجوز السلم في الشئ المنقطع؛ لأن شرط جواز السلم أن يكون موجودًا من حين العقد إلى حين المحل حتى لو كان منقطعًا عند العقد موجودًا عند المحل أو بالعكس، أو منقطعًا فيما بين ذلك لا يجوز. وحد الانقطاع أن لا يوجد في الأسواق وإن كان في البيوت، ودليلنا ما روى عن أنس - رضى الله عنه - "أن النبى ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى". قالوا: وما تزهى؟ قال: "تحمر" وقال "إذا منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه" (١). وعن ابن عمر رضى الله عنهما - "أن النبى ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" (٢). نهى البائع والمبتاع. وفى لفظ: "حتى تبيض وتأمن من العاهة" (٣). وهذا نص على أنه لا يجوز في المنقطع في الحال؛ إذ الحديث ورد في السلم لأن بيع الثمار بشرط القطع جائز لا يمنع أحد بيع مال معين منتفع به في الحال أو في المآل. وقوله ﵇: "فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ". وهو رأس مال السلم يدل عليه؛ لأن احتمال بطلان البيع بهلاك المبيع قبل القبض لا يؤثر في المنع من البيع؛ ولأن القدرة على التسليم حال وجوده شرط لجوازه؛ وفى كل وقت بعد العقد يحتمل وجوبه بموت المسلم إليه؛ لأن الديون تحل بموت من عليه الدين فيشترط دوام وجوده لتدوم القدرة على التسليم بالتحصيل في المدة؛ ولا بد من استمرار الوجود فيها ليتمكن من التحصيل. ولو انقطع عن أيدى الناس بعد المحل قبل أن يوفى المسلم فيه فرب السلم بالخيار إن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله. وإن شاء انتظر وجوده. وقال زفر رحمه الله تعالى: يبطل العقد ويسترد رأس ماله للعجز عن تسليمه كما إذا هلك المبيع قبل القبض. قلنا: إن السلم قد صح وتعذر تسليم المعقود عليه بعارض على شرف الزوال فيخير فيه؛ كما إذا أبق العبد المبيع قبل القبض. بخلاف هلاك المبيع قبل القبض؛ لأنه قد فات لا إلى خلف؛ وبخلاف ما إذا اشترى بالفلوس شيئًا وكسدت حيث يبطل البيع بها؛ لأنها تفوت أصلًا ولا يرجى زواله ولو رُجى لا يعلم متى تروج، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن لإدراك الثمر والقدرة على التسليم أوانًا معلومًا فيتخير، ولا يجوز السلم في السمك الطرى؛ لأنه ينقطع عن أيدى الناس في الشتاء لتجمد المياه. حتى ولو كان في بلد لا ينقطع فيه السمك أو أسلم فيه من حينه جاز وزنًا لا عددًا؛ وعن أبى حنيفة - رحمه الله تعالى أنه لا يجوز في الكبار التي تنقطع كالسلم في اللحم؛ لاختلاف الناس في نزع عظمها واختلاف رغباتهم في مواضعها. قال صاحب (تبيين الحقائق): وإن كان السمك مالحًا جاز للمسلم فيه وزنًا لا عددًا؛ لأن

стр. 9050

المالح منه وهو القديد لا ينقطع عن أيدى الناس. وهو معلوم يمكن ضبطه ببيان قدره بالوزن وبيان نوعه. وذكر في (النهاية) معزيًا إلى (الإيضاح) أن الصحيح في الصغار منه يجوز وزنًا وكيلًا. وفى الكبار روايتان (١). ونقل الشلبى عن الطحاوى أن السلم في السمك لا يخلو إما أن يكون طريًا أو مالحًا. ولا يخلو إما أن يسلم فيه عددًا أو وزنًا. فإن أسلم فيه عددًا طريًا كان أم مالحًا لا يجوز لأنه متفاوت. وإن أسلم فيه وزنًا فإنه ينظر إن كان مملحًا يجوز وإن كان طربًا فإن كان العقد في حينه والأجل في حينه ولا ينقطع فيما بين ذلك فإنه يجوز. وإلا فلا يجوز (٢). مذهب المالكية: جاء فى (حاشية الدسوقى على الشرح الكبير): وإن انقطع ثمر الحائط المعين الذي أسلم في كيل معلوم من ثمره بجائحة أو تعيب بعد قبض بعضه لزمه ما قبضه منه بحصته من الثمن؛ ورجع المسلم بحصة ما بقى له من السلم عاجلًا اتفاقًا، ولا يجوز التأخير؛ لأنه فسخ دَين في دين؛ وله أخذ بدله ولو طعامًا. وهل يرجع على حسب القيمة فينظر لقيمة كل مما قبض ومما لم يقبض في وقته؛ ويفض الثمن على ذلك، فإذا أسلم مائة دينار في مائة وسق من ثمر الحائط المعين ثم قبض من ذلك خمسين وسقًا وانقطع. فإذا كان قيمة المأخوذ مائة وقيمة الباقى خمسين فنسبة الباقى للمأخوذ الثلث؛ فيرجع بثلث الثمن قل أو كثر. وعليه الأكثر، أو يرجع على حسب الكيل فيرجع بنسبة ما بقى منها من غير تقويم. وهل القرية الصغيرة -وهى ما ينقطع ثمرها في بعض إبّانه من السنة- كذلك يشترط في السلم فيها شروط السلم في الحائط المعين أو هي مثله إلا في وجوب تعين بها النقد أي رأس المال فيها؛ لأن السلم فيها مضمون في الذمة لاشتمالها على عدة حوائط بخلاف السلم في المعين فلا يجب تعجيل النقد فيه؛ بل يجوز تأخيره أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنه بيع معين وتسميته سلمًا مجاز أو تخالفه في وجوب تعجيل النقد فيها، وفى السلم فيها لمن لا ملك له في القرية الصغيرة دون الحائط تأويلات. وإن انقطع مُسْلَم فيه له إبان أي وقت معين يأتى فيه: وهذا السلم الحقيقى؛ أو من قرية مأمونة ولو صغيرة قبل قبض شئ منه خير المشترى في الفسخ وأخذ رأس ماله؛ وفى الإبقاء لقابل إلا أن يكون التأخير بسبب المشترى فينبغي عدم تخييره لظلمه البائع بالتأخير؛ فتخييره زيادة ظلم قاله ابن عبد السلام فيجب التأخير. وإن قبض البعض وانقطع بجائحة أو هروب المسلم إليه أو تفريط المشترى حتى مضى الإبان وجب التأخير بالباقى لقابل؛ لأن السلم تعلق بذمة البائع فلا يبطل بانقضاء الأجل كالدين إلا أن يرضيا معًا بالمحاسبة بحسب الكيل لا القيمة فيجوز إن كان رأس المال مثليًا، بل ولو كان رأس المال مقوّمًا كحيوان أو ثياب؛ لجواز الإقالة على غير رأس المال. (٣)

стр. 9051

مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه لا يجوز السلم إلا في شيء عام الوجود مأمون الانقطاع؛ فإن أسلم فيما لا يعم كالصيد في موضع لا يكثر فيه أو ثمرة طبيعية بعينها أو جعل المحل وقتًا لا يأمن انقطاعه فيه لم يصح: لما روى عبد الله بن سلام ﵁ أن زيد بن سعنة قال لرسول الله ﷺ :"يا محمد هل لك أن تبيعنى تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم من حائط بنى فلان فقال: لا يا يهودى؛ ولكن أبيعك تمرًا معلومًا إلى كذا وكذا من الأجل" (١). ولأنه لا يؤمن أن يتعذر المسلم فيه؛ وذلك غرر من غير حاجة فمنع صحة العقد (٢). وجاء أيضًا: إن أسلم في ثمرة فانقطعت في محلها أو غاب المسلم إليه فلم يظهر حتى نفدت الثمرة ففيه قولان: أحدهما أن العقد ينفسخ. لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام وقد ملكت فانفسخ العقد؛ كما لو اشترى قفيزًا من صبرة فهلكت الصبرة. والثانى أنه لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن يفسح وبين أن يصبر إلى أن توجد الثمرة فيأخذ؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة. لا ثمرة هذا العام؛ والدليل عليه أنه لو أسلم إليه في ثمرة عامين فقدم في العام الأول ما يجب له في العام الثاني جاز وما في الذمة لم يتلف. وإنما تأخر فثبت له الخيار كما لو اشترى عبدًا فأبق. ويجوز فسخ عقد السلم بالإقالة؛ لأن الحق لهما فجاز الرضا بإسقاطه. فإذا فسخا أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين أو بالفسخ في القول الآخر رجع المسلم إلى رأس المال؛ فإن كان باقيًا وجب رده؛ وإن كان تالفًا ثبت بدله في ذمة المسلم إليه؛ فإن أراد أن يسلمه في شيء آخر لم يجز، لأنه بيع دين بدين، وإن أراد أن يشترى به عينًا نظر، فإن كان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينًا بعين؛ وإن لم تجمعهما علة واحدة في الريا كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان. أحدهما: يجوز أن يتفرقا من غير قبض كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينًا بعين أن يتفرقا من غير قبض، والثانى: لا يجوز؛ لأن المبيع في الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه؛ والله أعلم (٣). وجاء في موضع آخر من (المهذب) أنه إن أسلم إلى رجل في شيء وأفلس المسلم إليه وحجز عليه. فإن كان رأس المال باقيًا فله أن يفسخ العقد ويرجع إلى عين ماله؛ لأنه وجد عين ماله خاليًا من حق غيره فرجع إليه كالمبيع؛ وإن كان رأس المال تالفًا ضرب مع الغرماء بقدر المسلم فيه؛ فإن لم يكن في ماله الجنس المسلم فيه اشترى ودفع إليه؛ لأن أخذ العوض عن المسلم فيه لا يجوز وقال أبو إسحاق: إذا أفلس المسلم إليه فللمسلم أن يفسخ العقد ويضرب مع الغرماء برأس المال؛ لأنه يتعذر تسليم المسلم فيه

стр. 9052

فثبت الفسخ كما لو أسلم في الرطب فانقطع؛ والمذهب أنه لا يثبت الفسخ؛ لأنه غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ بالإفلاس كما لو باعه عينًا فأفلس المشترى بالثمن والعين تالفة؛ ويخالف إذا أسلم وانقطع الرطب؛ لأن الفسخ هناك لتعذر المعقود عليه قبل التسليم وهاهنا الفسخ بالإفلاس. والفسخ بالإفلاس إنما يكون لمن وجد عين ماله؛ وهذا غير واجد لعين ماله فلم يملك الفسخ (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): من شروط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله وقت حلوله غالبًا لوجود تسليمه حينئذ. سواء كان المسلم فيه موجودًا حال العقد أو معدومًا كالمسلم فيه الرطب والعنب زمن الشتاء إلى الصيف. فإن كان المسلم فيه لا يوجد في وقت حلوله أو لا يوجد فيه إلا نادرًا كالسلم في الرطب والعنب إلى غير وقته لم يصح السلم؛ لأنه لم يمكن تسليمه غالبًّا عند وجوبه أشبه بيع الآبق بل أولى، وإن أسلم في ثمرة نخلة بعينها أو أسلم في ثمرة بستان بعينه بدا صلاحه أولًا. أو أسلم في زرعه أي زرع بستان بعينه استحصد (أي طلب الحصاد) بأن اشتد حبه أولًا. أو أسلم في ثمرة أو زرع قرية صغيرة؛ أو أسلم في نتاج فحل فلان أو غنمه ونحوه لم يصح السلم في ذلك؛ لأنه لا يؤمن انقطاعه ولما روى عنه ﷺ "أنه أسلف إليه يهودى في تمر حائط بنى فلان فقال النبي ﷺ أما في حائط بنى فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" (٢). قال ابن المنذر المنع كالإجماع لاحتمال الجائحة. وإن أسلم إلى وقت يوجد فيه عامًا فانقطع وتعذر حصوله أو حصول بعضه إما لغيبة المسلم إليه وقت وجوده أو بعجزه عن التسليم حتى عدم المسلم فيه أو لم تحمل تلك السنة وما أشبهه خيِّر المسلم بين صبر إلى أن يوجد المسلم فيه فيأخذه وبين فسخ في الكل أو البعض المتعذر ويرجع برأس مال ما فسخ فيه كُلًا كان أو بعضًا إن كان رأس المال موجودًا أو عوضه إن كان معلومًا لتعذر رده وعوضه مثل مثلى وقيمة متقوم؛ وعلم مما تقدم أنه لو تحقق بقاء المسلم فيه لزم المسلم إليه تحصيله؛ قال في (شرح المنتهى): ولو شق كبقية الديون؛ وإن أسلم ذمى إلى ذمى في خمر ثم أسلم أحدهما رجع المسلم أي صاحب السلم فأخذ رأس ماله الذي دفعه إن كَانَ موجودًا أو عوضه إن عدم؛ لأنه إذا أسلم الأول فقد تعذر عليه استيفاء المقصود عليه. وإن أسلم الآخر فقد تعذر عليه الإيفاء. (٣) مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أن السلم جائز فيما لا يوجد حين عقد السلم؛ وفيما يوجد؛ وإلى من ليس عنده منه شيء. وإلى من عنده؛ ولا يجوز السلم فيما لا يوجد حين حلول أجله؛ برهان ذلك أن رسول الله ﷺ أمر بالسلم كما ذكرنا وبين في الكيل وفى الوزن وإلى أجل فهو كان كون السلم في الشئ لا يجوز إلا في حال وجوده أو إلى مَنْ

стр. 9053

عنده ما سلم إليه فيه، لما أغفل ﵇ بيان ذلك حتى يكلنا إلى غيره، حاشا لله من ذلك، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢) أما السلم فيما لا يوجد حين حلول أجله فهو تكليف ما لا يطيق وهذا باطل قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣) فهو عقد على باطل فهو باطل، والسلم عندنا ليس بيعًا. ولو كان بيعًا لما حل لنهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك (٤) إلا لمن هو عنده حين السلم. وأما السلم إلى من ليس عنده منه شئ، فروينا من طريق ابن أبي شيبة حدثنا ابن أبي زائدة عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يبتاع شيئًا إلى أجل وليس عنده أصله لا يرى به بأسًا. وكرهه ابن المسيب وعكرمة وطاوس وابن سيرين. قال على: لا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ فكيف والظاهر من قول عمر وابنه وابن عباس أنهم نهوا عن ذلك من أسلم في زرع بعينه أو في ثمر نخل بعينه (٥). ثم قال ابن حزم: ومن سلَّم في شئ فضيع قبضه، أو اشتغل حتى فات وقته وعدم، فصاحب الحق مخير بين أن يصبر حتى يوجد، وبين أن يأخذ قيمته لو وجد في ذلك الوقت من أي شئ وتراضيا عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٦) فحرمة حق صاحب السلم إذا لم يقدر على عين حقه كحرمة مثلها (٧). مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): أنه يشترط في السلم معرفة إمكانه للحلول أي يعرف أن المسلم إليه يتمكن من المسلم فيه عند حلول الأجل، ويكفى عند العقد أن يعلم أحدهما، أو يظن من جهة العادة أن الشئ المسلم فيه يمكن تحصيله عند حصول الأجل المضروب إذا لم يعرف ذلك عند العقد، كأن يسلم في آخر الشتاء في رطل عنب والأجل ثلاثة أيام لم يصح السلم، ولا بد أن يشترط لصحة المسلم فيه عدم وجوده في ملك المسلم إليه حال العقد، هذا هو المختار للمذهب لا ما فى (الأزهار). فلو عين من المقادير أو من المسلم فيه ما يقدر تعذره عادة عند التسليم، وعلى هذا فلا يصح أن يعين ذراع رجل معين ولا ميزانه ولا مكياله ولا نسيجه إذا لم يكن في الناحية مثله، ولا ثمرة شجرة معينة ولا فاكهة بستان معين ولا حنطة مزرعة معينة لجواز تعذر ذلك. أما إذا كان لمكيال المحلة أو لميزانها عيار موجود في الناحية فيصح أن يعين مكيال المحلة أو ميزانها، وكذا لو كانت المحلة بلدة كبيرة لا يجوز جلاء أهلها عنها في العادة كصنعاء اليمن وزبيد ونحوها فيصح (٨).

стр. 9054

ثم قال في موضع آخر: ومتى بطل السلم يفسخ بالتراضى، أو عدم جنس المسلم فيه مع المسلم إليه مطلقًا، ومع غيره في البريد (١)، فإن لهما الفسخ لتعذر التسليم إلا أن يتراضيا على الإنظار حتى يوجد وكذلك لو وجد مع إعسار المسلم إليه. قال في (البيان): أما لو وجد في ملك غيره وكان يمكنه شراؤه لزم تحصيله بما لا يجحف - ولو من المسلم بشراء أو نحوه. فلو عدم نوعه أو صفته ووجد غيره فإن كان النوع الموجود أعلى من النوع المشروط لم يجز للمسلم أخذه إلا أن يرضى المسلم إليه، فيخير المسلم بين قبوله أو الفسخ أو التأخير حتى يوجد، وإن كان الموجود أعلى في الصفة من المشروط فالواجب على المسلم قبوله ولم يبق له خيار ما لم يكن خلاف غرضه فلا يجب قبوله. وإن كان الموجود أدنى من النوع المشروط فلا يلزم تسليمه وقبوله إلا مع تراضيهما، وإن كان الموجود أدنى من المشروط في الصفة فلا يلزم المسلم قبوله بل يلزم المسلم إليه تسليمه إن طلب المسلم؛ لأنه قد رضى بنقصان حقه. هذا ما تقتضيه القواعد وإن لم ينص إلا على بعض تلك الأمور، نعم فمتى بطل السلم بالفسخ لشئ مما تقدم لم يؤخذ من المسلم إليه إلا رأس المال إن كان باقيًا في يده، أو عوضه إن كان تالفًا، ففى المثلى ما يساوى مثله إن وجد، أو قيمته يوم قبضه إن عدم المثلى، أو كان قيميًا سواء تلف رأس المال - ولو حكمًا - أو خرج من ملك المسلم إليه بأى وجه (٢). ويصح من المسلم إنظار بعدم الجنس المسلم فيه أو النوع أو الصفة إذا عدم ذلك في البريد فله إنظاره، وللمسلم إليه أن يرضى بالإنظار أو يفسخ لتعذر التسليم، وإذا رضى به لزم الإنظار لأنه مستند إلى عقد فلا يجوز الطلب في مدة الإنظار (٣). مذهب الإمامية: جاء في (الخلاف): أنه يجوز السلم في المعدوم إذا كان مأمون الانقطاع في وقت المحل. لإجماع الفرقة وأخبارهم، وروى عبد الله بن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث فقال النبي ﷺ : "من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم" (٤) وأقرهم على ما كانوا عليه من السلف في التمر سنتين. ونحن نعلم أن التمر ينقطع في خلال هذه المدة (٥). وجاء في (الروضة البهية)؛ أنه لو انقطع المسلم فيه عند الحلول حيث يكون مؤجلًا ممكن الحصول بعد الأجل عادة فاتفق عدمه تخير المسلم بين الفسخ فيرجع برأس ماله لتعذر الوصول إلى حقه وانتفاء الضرر وبين الصبر إلى أن يحصل، وله أن لا يفسخ ولا يصبر بل يأخذ قيمته حينئذ، لأن ذلك هو حقه. والأقوى أن الخيار ليس فوريًا فله الرجوع بعد الصبر إلى أحد الأمرين ما لم يصرح بإسقاط حقه من الخيار، ولو كان الانقطاع بعد بذله ورضاه بالتأخير سقط خياره، بخلاف ما لو كان بعدم المطالبة أو بمنع البائع من إمكانه، وفى حكم

стр. 9055

انقطاعه عند الحلول موتُ المسلم إليه قبل الأجل وقبل وجوده، لا العلم قبله بعدمه بعده، بل يتوقف الخيار على الحلول على الأقوى لعدم وجود المقتضى له الآن إذ لم يستحق شيئًا حينئذ، ولو قبض البعض تخير أيضًا بين الفسخ في الجميع والصبر وبين أخذ ما قبضه والمطالبة بحصة غيره من الثمن أو قيمة المثمن على القول الآخر، وفى تخيير المسلم إليه مع الفسخ في البعض وجه قوى، لتبعض الصفقة عليه إلا أن يكون الانقطاع من تقصيره فلا خيار له (١). وجاء في (شرائع الإسلام): أنه إذا حل الأجل وتأخر لعارض التسليم ثم طالب بعد انقطاعه كان بالخيار بين الفسخ والصبر، ولو قبض البعض كان له الخيار في الباقى، وله الفسخ في الجميع (٢). وجاء في (الخلاف): أنه إذا انقطع المسلم فيه لم ينفسخ البيع ويبقى في الذمة، والدليل عليه أن هذا عقد ثابت وفسخه يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه (٣). وجاء في موضع آخر من (الخلاف): أنه إذا أسلم في رطب إلى أجل فلما حل الأجل لم يتمكن من مطالبته لغيبة المسلم إليه أو لغيبته أو هرب منه أو توارى من سلطان وما أشبه ذلك ثم قدر عليه وقد انقطع الرطب كان المسلِّف بالخياره، بين أن يفسخ العقد وبين أن يصبر إلى العام القادم، والدليل عليه أن هذا العقد كان ثابتًا بلا خلاف فمن حكم بانفساخه فعليه الدلالة (٤). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): وجاز السلم في كل نوع يكال أو يوزن، قلت: أو يعد أو يذرع، قال بعضهم: أو يوصف إن كان مما لا يكال ولا يوزن ولا يذرع، قال ابن أبي أوفى: إنا كنا نتسلف على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر في البر والشعير والزبيب والتمر. فقاس بعض العلماء على الأربعة ما بقى من أنواع الزكاة. فحصر السلم في الحبوب الست، وقاس بعضٌ عليها كلَّ ما يكال أو يوزن، وقاس عليها بعضٌ كلَّ ما يضبط ولو بذرع أوعد، وبعضٌ ولو بوصف، وعلى كل قول لا يجوز إلا فيما لا ينقطع من الأيدى كالأنواع الستة وهى الحبوب الست، ومثال ما ينقطع الكمأة (٥) والجراد (٦).

стр. 9056

انقطاع الموقوف عليه مذهب الحنفية: جاء في (تبيين الحقائق): أنه لا يجوز الوقف حتى يجعل آخره لجهة لا تتقطع أبدًا كالمساكين ومصالح الحرم والمساجد بخلاف ما لو وقف على مسجد معين ولم يجعل آخره لجهة لا تنقطع فلا يصح؛ لاحتمال أن يخرب الموقوف عليه. وهذا عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، ووجه ما قاله أبو حنيفة ومحمد أن حكم الوقف زوال الملك بغير التمليك وأنه بالتأبيد كالعتق، ولهذا كان التوقيت مبطلًا له كالتوقيت في البيع، ووجه ما قاله أبو يوسف أن المقصود من الوقف هو التقرب إلى الله تعالى به وذلك يحصل بجهة تنقطع كما يحصل بجهة لا تنقطع ثم يصير بعدها للفقراء وهذا يدل على أن التأبيد شرط عنده أيضًا إلا أنه لا يشترط ذكره؛ لأن مطلقه ينصرف إليه. ومحمد يقول: لا ينصرف إليه إلا بالتصريح بذكره؛ لأن المطلق يحتمل التوقيت. وصح الوقف قبل وجود الموقوف عليه فلو وقف على أولاد زيد ولا ولد له أو على مكان هيأه لبناء مسجد أو مدرسة صح في الأصح وتصرف الغلة للفقراء إلى أن يولد لزيد أو يبنى المسجد، قال ابن عابدين في حاشيته: هذا الوقف يسمى منقطع الأول (١). مذهب المالكية: جاء في (التاج والإكليل): قال عياض إن قال المالك هو حبس أو وقف فهو صدقة، فإن عينها لمجهولين محصورين مما يتوقع انقطاعه كقوله على ولد فلان أو فلان وولده فاختلف فيه: قال مالك: هي حبس مؤبد يرجع بعد انقراضهم مرجع الأحباس سواء قال ما عاشوا أو لا، قال: وإن جعلها لمجهولين غير محصورين كالمساكين فهى ملك لهم تقسم عليهم إن كانت مما ينقسم أو بيعت وقسمت وأنفقت فيما يحتاج إليه ذلك الوجه المجهول، قال مالك: من قال: هذه الدار حبس على فلان وعقبه، أو عليه وعلى ولده وولد ولده أو قال: حبس على ولدى ولم يجعل لها مرجعًا فهى موقوفة لا تباع ولا توهب وترجع بعد انقراضهم حبسًا على أولى الناس بالتحبيس يوم الرجع وإن كان المُحْبِس. فقيل لابن المواز: من أقرب الناس بالمحبس الذي يرجع إليهم الحبس بعد انقراض من حبس عليهم؟ فقال: قال مالك: على الأقرب من العصبة من النساء من لو كانت رجلًا كانت عصبة للمحبس فيكون ذلك عليهم حبسًا قال مالك: ولا يدخل في ذلك ولد البنات ذكرًا كان أو أنثى ولا بنو الأخوات ولا زوج ولا زوجة، قال ابن القاسم: وإنما يدخل من النساء مثل العمات والجدات وبنات الأخ والأخوات أنفسهن شقائق كن أم لأب ولا يدخل في ذلك الأخوة والأخوات لأم (٢). مذهب الشافعية: جاء في "المهذب": أنه لا يجوز الوقف إلا على سبيل لا ينقطع وذلك من وجهين: أحدهما: أن يقف على من لا ينقرض كالفقراء والمجاهدين وطلبة العلم وما أشبهها. والوجه الثاني: أن يقف على من ينقرض ثم من بعده على من لا ينقرض مثل أن يقف على رجل بعينه ثم على الفقراء أو

стр. 9057

على رجل ثم على عقبه ثم على الفقراء، فأما إذا وقف وقفًا منقطع الابتداء والانتهاء كما لو وقف على عبده أو على ولده ولا ولد له فالوقف باطل؛ لأن العبد لا يملِك والولد الذي لم يخلق لا يملِك فلا يفيد الوقف عليهما شيئًا، وإن وقف وقفًا متصل الابتداء منقطع الانتهاء بأن وقف على رجل بعينه ولم يزد عليه أو على رجل بعينه ثم على عقبه ولم يزد عليه ففيه قولان أحدهما: أن الوقف باطل، لأن القصد بالوقف أن يتصل الثواب على الدوام وهذا لا يوجد في هذا الوقف؛ لأنه قد يموت الرجل وينقطع عقبه. القول الثاني: أنه يصح ويصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأن مقتضى الوقف الثواب على التأبيد فحمل فيما سماه على ما شرطه وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد ويقدم المسمى على غيره، فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنه من أعظم جهات الثواب. وإن وقف وقفًا منقطع الابتداء متصل الانتهاء بأن وقف على عبد ثم على الفقراء أو على رجل غير معين ثم على الفقراء ففيه طريقان، من أصحابنا من قال: يبطل قولًا واحدًا. لأن الأول باطل والثانى فرع لأصل باطل فكان باطلًا. ومنهم من قال فيه قولان أحدهما: أنه باطل لما ذكرناه. والقول الثاني: أنه يصح؛ لأنه لما بطل الأول صار كأن لم يكن وصار الثاني أصلًا، فإذا قلنا: إنه يصح فإن كان الأول لا يمكن اعتبار انقراضه كرجل غير معين صرف إلى من بعده وهم الفقراء؛ لأنه لا يمكن اعتبار انقراضه فسقط حكمه. وإن قال: وقفت على أولادى فإن انقرض أولادى وأولاد أولادى فعلى الفقراء لم يدخل فيه ولد الولد ويكون هذا وقفًا منقطع الوسط فيكون على قولين كالوقف المنقطع الانتهاء، ومن أصحابنا من قال: يدخل فيه أولاد الأولاد بعد انقراض ولد الصلب؛ لأنه لما شرط انقراضهم دل على أنهم يستحقون كولد الصلب. والصحيح هو الأول؛ لأنه لم يشترط شيثًا وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم، وإن وقف مسجدًا فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك ولم يجز له التصرف فيه؛ لأن ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال كما لو أعتق عبدًا ثم زَمِنَ، وإن وقف نخلة فجفت أو بهيمة فزمنت أو جذوعًا على مسجد فتكسرت ففيه وجهان - أحدهما لا يجوز بيعه؛ لما ذكرناه في المسجد، والوجه الثاني أنه يجوز بيعه، لأنه لا يرجى منفعته فكان بيعه؛ أولى من تركه بخلاف المسجد فإن المسجد؛ يمكن الصلاة فيه مع خرابه وقد يعمر الموضع فيه (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أن من وقف شيئًا على أولاده ونحوهم فالأولى أن يذكر في مصرفه جهة تدوم كالفقراء ونحوهم خروجًا من خلاف من قال يبطل الوقف إن لم يذكر في مصرفه جهة تدوم، فإن اقتصر الواقف على ذكر جهة تنقطع كأولاده؛ لأنه بحكم العادة يمكن انقراضهم صح الوقف؛ لأنه معلوم المصرف فصح كما لو صرح بمصرفه، ويصرف وقف منقطع الابتداء كوقفه على من لا يجوز الوقف عليه كعبد ثم على من يجوز كأولاده أو أولاد زيد أو إلى الفقراء من

стр. 9058

بعدهم. ويصرف منقطع الوسط في الحال بعد من يجوز الوقف عليه إلى من بعده فلو وقف داره على زيد ثم على عبده ثم على المساكين صرفت بعد زيد للمساكين؛ لأن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه، فيكون كأنه على الجهة الصحيحة من غير ذكر الباطلة، ولأننا لما صححنا الوقف مع ذكر من لا يحق الوقف عليه فقد ألغيناه فإنه يتعذر التصحيح مع اعتباره، وإن وقف على من لا يصح الوقف عليه ولم يذكر له مآلًا صحيحًا كأن يقول: وقفته على الأغنياء ونحوها بطل الوقف؛ لأنه عين المصرف الباطل واقتصر عليه، ويصرف منقطع الآخر كما لو وقف على جهة تنقطع كأولاده ولم يذكر له مآلًا إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من عينهم، أو وقف على من يجوز الوقف عليه كأولاده ثم على من لا يصح الوقف عليه ككنيسة فيصرف إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من يجوز الوقف عليه، وكذا ما وقفه وسكت إن قلنا يصح الوقف حينئذ فإنه يصرف إلى ورثة الواقف حين الانقراض (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): ومن حبس داره أو أرضه ولم يُسَبّلِ على أحد فله أن يسبل الغلة ما دام حيًا على من شاء، لقول رسوله الله ﷺ : "وسبِّل الثمرة، (٢) فله ذلك ما بقى، فإن مات ولم يفعل كانت الغلة لأقاربه وأولى الناس به حين موته، وكذلك من سبل وحبس على منقطع فإذا مات المسبل عليه عاد الحبس على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع برهان ذلك ما رويناه من طريق مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصارى المدينة مآلًا من نخل، فقال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) وإن أحب أموالى إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وزهوها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : في كلام: "ثم إنى أرى أن تجعلها في الأقربين" (٤) فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبنى عمه (٥). مذهب الزيدية: جاء في (الأزهار): إذا زال مصرف الوقف وانقطع يعود الوقف وقفًا لا ملكًا للواقف المالك إن كان حيًا أو وارثه حيث كان قد مات وعرف وارثه ويكون بينهم على الفرائض وإلا فللفقراء، وذك إما بزوال مصرفه أي مصرف الوقف كمسجد أو آدمى ولو ذميًا وزوال وارثه أي وارث المصرف ولا فرق بين ما ينقل بالإرث أو بالوقف، والمعتبر في ورثة الواقف من وُجد يوم عدم ورثة الموقوف أو يوم زوال مصرفه من مسجد ونحوه، أو زوال شرطه، أي شرط المصرف، إلا أن يعود كأن يقول: على زيد مهما بقى في مكة أو نحوها، فإنه متى زال من مكة عاد للواقف وقفًا؛ لأنه

стр. 9059

أخص من غيره، ومتى عاد زيد عاد إليه وققًا إلا أن يقصد الواقف الاستمرار بقى المصرف إليه، ولو زال من مكة أو زال وقته نحو أن يقف على زيد عشر سنين فانقضت فإن مات زيد في المدة كان باقيها لورثته وبعد مضيها يعود الوقف وقفًا للواقف أو ورثته، ولا يبطل المصرف بزواله إذا انهدم المسجد أو عدم من يتلو فيه بل يجوز عند ذلك التلاوة في المصحف في غير المسجد، ويجوز إطعام الفقير في غير ذلك المسجد أو الموضع، ومتى عاد المسجد ووجد من يتلو فيه أو وجد الفقير في ذلك المسجد لم يجز الصرف في غيره، وأما إذا عين الوقف وموضع صرفه أو الانتفاع به من أول الأمر كوقفت هذا المصحف للتلاوة في مسجد كذا، فإذا زال ذلك الموضع المعين من مسجد وغيره أو لم يوجد فيه قارئ عاد الوقف وقفًا للواقف ووارثه؛ لانقطاع مصرفه (١). مذهب الإمامية: جاء في (الروضة البهية): أنه إذا قرن الوقف بمدة أو جعله على من ينقرض غالبًا لم يكن وققًا والأقوى صحته حبسًا يبطل بانقضائها وانقراضه، فيرجع إلى الواقف أو وارثه حين انقراض الموقوف عليه كالولاء، ويحتمل إلى وارثه عند موته، ويسترسل فيه إلى أن يصادف الانقراض، ويسمى هذا منقطع الآخر ولو انقطع أوله أو وسطه أو طرفاه فالأقوى بطلان ما بعد القطع، فيبطل الأول والأخير ويصح أول الآخر. وإن وقف على نفسه بطل وإن عقبه بما يصح الوقف عليه؛ لأنه حينئذ منقطع الأول، وكذا لو شرط لنفسه الخيار في نقضه متى شاء أو في مدة معينة، نعم لو وقفه على قبيل هو منهم ابتداء أو صار منهم شارك أو شرط عوده إليه عند الحاجة فالمروى والمشهور اتباع شرطة (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): ويجوز لمن حبس وققًا أن يشترط الانتفاع لنفسه في حياته وبعد موته مثل أن يوصى بأرض للدفن ويقول: ادفنونى فيها؛ لأن عبد الله بن عمر جعل نصيبه من دار أبيه عمر سكنى لذوى الحاجات من آل عبد الله واستدل البخارى بذلك على جوازا اشتراط الواقف لنفسه منفعة من وقفه؛ وهو مقيد بما إذا كانت المنفعة عامة كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا والشرب من بير وقفها. وإن أوصى بنهر أو جُب أو أصل من الأصول أو متاع لمن ينتفع به وارثه إن لم يأذن له ولم يوص له، وإن أذن له أو أوصى انتفع كغيره وقيل: لا ينتفع به ولو أذن له؛ إذ لا وصية لوارث؛ ولا يفيد له هنا تجويز الورثة؛ لأنه إنما يفيد إذا كان إن لم يجيزوا أخذوا ذلك الشئ؛ لأن الإنسان. إنما يعتبر تجويزه فيما هو له وهذا ليس لهم، جوزوا أو لم يجوزوا، وجاز الانتفاع للوارث كغيره إن جعله حبسًا وأخرجه حال كونه حيًا، أذن له أو لم يأذن، أوصى له بذلك الانتفاع أو لم يوص؛ لأن ذلك ليس وصية (٣).

стр. 9060

مصطلح "إنكار " التعريف في اللغة: جاء في لسان العرب: إنكار مصدر للفعل أنكر المزيد بالهمزة، ومجرده نكر، والنُّكْر والنكراء: الدهاء والفطنة. والإنكار: الجحود. والمناكرة: المحاربة. وناكره أي قاتله؛ لأن كل واحد من المتحاربين يناكر الآخر أي يداهيه ويخادعه (١). التعريف في اصطلاح الفقهاء: استعمل الفقهاء لفظ إنكار بمعنى الجحود، وعدم الاعتراف. فقد جاء في الشرح الكبير: النُّكْر بالضم: عدم الاعتراف (٢). ولذلك يعبرون تارة بلفظ أنكر، وتارة بلفظ جحد، وتارة بلفظ لم يقر بالحق، أو لم يعترف، وهم يقصدون بذلك كله معنى واحدًا. إنكار النكاح وما يتعلق به أو إنكار شرط من شروطه وما يترتب على ذلك . مذهب الحنفية: أولًا: إنكار أصل النكاح: جاء في (المبسوط): إذا ادعى الرجل نكاح امرأة فأقام عليها البينة وأقامت أختها عليه البينة أنها امرأته وأنه أتاها كزوج فالقول قول الرجل والبينة بينته صدقته أو لم تصدقه؛ لأن ملك النكاح على المرأة للزوج، ولهذا كان البدل عليه لها؛ فالزوج يُثبت ببينته ما هو حقه، والأخت الأخرى تثبت ببينتها حق الزوج؛ وهو ملك النكاح له عليها، المرء على حق نفسه عليه لها، فالزوج يُثبت ببينته ما هو حقه، والأخت الأخرى تثبت ببينتها حق الزوج؛ وهو ملك النكاح له عليها، وبينة المرء على حق نفسه أولى بالقبول. ولأنه عند تعارض البينتين لا وجه للعمل ببينة الأخت في إثبات نكاحها؛ فلو قبلناها إنما نقبلها في نفى النكاح على امرأة أثبت الزوج نكاحها، والبينات للإثبات لا للنفى، ومعنى هذا أن دعوى الزوج نكاح إحدى الأختين إقرار منه بحرمة الأخرى عليه في الحال، وإقراره موجب للفرقة، فعرفنا أنه لا وجه للقضاء بنكاح الأخرى. فبقيت تلك البينة قائمة على النفى، ولا مهر للأخرى إن لم يكن دخل بها؛ لأن أصل نكاحها لم يثبت، ولو كان الزوج أقام البينة أنه تزوج إحداهما ولا تعرف بعينها غير أن الزوج قال: هي هذة، فإن صدقته فهى امرأته؛ لتصادقهما، فإنَّ تصادقهما في حقهما أقوى من البينة، فإن جحدت ذلك فلا نكاح بينه وبين واحدة منهما؛ لأن الشهود لم يشهدوا على شئ بعينه، والشهادة بالمجهول لا تكون حجة. ولأنه إما أن يكون قد تزوج إحداهما بغير عينها فيكون ذلك باطلًا، أو تزوج إحداهما بعينها ثم نسيها الشهود فقد ضيعوا شهادتهم، فإذا بطلت الشهادة بقى دعوى الزوج، ولا يثبت النكاح بدعوته، ولا يمين له على التي يدعى النكاح عليها عند أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - لأنه لا يرى الاستحلاف في النكاح، ولا مهر عليه إن لم يكن دخل بها، وكذلك لو قامت البينة لامرأة بعينها أن أحد هذين الرجلين تزوجها ولا يعرفون أيهما هو، والرجلان ينكران ذلك فهو باطل، ولا مهر على واحد منهما، فإن ادعت المرأة ذلك على أحدهما فلا يمين عليه في

стр. 9061

قول أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - لأن دعواها دعوى النكاح، وإن ادعت أنه طلقها قبل الدخول وأن لها عليه نصف المهر استحلفته على نصف المهر؛ لأن دعواها الآن دعوى المال، والاستحلاف مشروع في دعوى المال، فإن نكل عن اليمين لزمه ذلك ولا يثبت النكاح، لأن الاستحلاف كان في المال لا في النكاح، وإنما يقضى عند النكول بما استحلف فيه خاصة كما في دعوى السرقة إذا استحلف فنكل يقضى بالمال دون القطع. وإن ادعت أختان أنه تزوجهما جميعًا، وكل واحدة منهما تقيم البينة أنه تزوجها أولًا كان ذلك إلى الزوج (١). وجاء في (المبسوط) أيضًا: أن الرجل إذا أرسل إلى المرأة رسولًا حرًا أو عبدًا صغيرًا أو كَبيرًا فهو سواء؛ لأن الرسالة تبليغ عبارة المرسل إلى المرسل إليه، ولكل واحد من هؤلاء عبارة مفهومة فيصلح أن يكون رسولًا. فإذا أبلغ الرسالة فقال: إن فلانًا سألك أن تزوجيه نفسك فأشهدت أنها تزوجته كان ذلك جائزًا إذا أقرّ الزوج بالرسالة أو أقامت عليه البينة؛ لأن الرسول بلغها رسالة المرسل فكأنه حضر بنفسه وعبر عن نفسه بين يدى الشهود، وقد سمع الشهود كلامها أيضًا فكان نكاحًا بسماعهما كلام المتعاقدين. وإذا أنكر الرسالة ولم تقم عليه البينة لها، فالقول قوله ولا نكاح بينهما؛ لأن الرسالة لم تثبت كأن المخاطب فضولى، ولم يرض الزوج بما صنع فلا نكاح بينهما، فإن كان الرسول قد خطبها وضمن لها المهر وزوجها إياه وقال: قد أمرنى بذلك فالنكاح لازم للزوج إن أقر أو قامت عليه البينة بالأمر والضمان لازم للرسول إن كان من أهل الضمان؛ لأنه جعل نفسه زعيمًا بالمهر، والزعيم غارم، وإن جحد الزوج ولم يكن عليه بينة بالأمر فلا نكاح بينهما لما قلنا، وللمرأة على الرسول نصف الصداق من قِبَل أنه مقر بأنه قد أمره، وأن النكاح جائز، وأن الضمان قد لزمه، وإقراره على نفسه صحيح (٢). ثانيا: إنكار بعض شروط النكاح: جاء في (المبسوط): إذا جحد الزوج النكاح فأقامت المرأة البينة جاز، ولم يكن جحوده طلاقًا ولا فرقة؛ لأن الطلاق تصرف في النكاح وهو منكر لأصل النكاح فلا يكون إنكاره تصرفًا فيه بالرفع والقطع، ألا ترى أن بالطلاق ينتقص العدد وبانتفاء أصل النكاح لا ينتقص، فإن قامت البينة على إقراره بالنكاح جاز أيضًا؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة. وإذا قال الزوج: تزوجتك بغير شهود، وقالت هي: تزوجنى بشهود فالقول قولها؛ لأنهما اتفقا على أصل العقد فيكون ذلك كالاتفاق منهما على شرائطه؛ لأن شرط الشئ يتبعه، فالاتفاق على الأصل يكون اتفافًا على الشرط ثم المنكر منهما للشرط في معنى الراجع، فإن كانت هي التي أنكرت الشهود فالنكاح بينهما صحيح. وإن كان الزوج هو المنكر يفرق بينهما لإقراره بالحرمة عليه؛ لأنه متمكن من تحريمها على نفسه فجعل إقراره مقبولًا في إثبات الحرمة. ويكون هذا بمنزلة الفرقة من جهته فلها نصف المهر إن كان

стр. 9062

قبل الدخول. وجميع المسمى ونفقة العدة إن كان بعد الدخول، وهذا بخلاف ما إذا أنكر الزوج أصل النكاح؛ لأن القاضي كَذَّبه في إنكاره بالحجة، والكذب في زعمه بقضاء القاضي لا يبقى لزعمه عبرة، وهنا القاضي ما كذبه في زعمه بالحجة، ولكنه رجَّح قولها للمعنى الذي قلنا، فبقى زعمه معتبرًا في حقه؛ فلهذا فرق بينهما (١). وإذا ادعى على أحد الزوجين أن النكاح في صغره بمباشرته فهذا إنكار لأصل العقد؛ لأن الصغير ليس بأهل لمباشرة النكاح بنفسه، فإضافة النكاح إلى حالة معهودة تنافى الأهلية يكون إنكارًا لأصل العقد كما لو قال: تزوجتك قبل أن تخلقى أو قبل أن أخلق، وإذا كان القول قول المنكر منهما فلا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها قبل الإدراك، وإن كان دخل بها قبل الإدراك فلها الأقل من المسمى ومن مهر المثل؛ لوجود الدخول بحكم النكاح الموقوف، فإن عقد الصغير يتوقف على إجازة وليه إذا كان الولى يملك مباشرته، وإن كان الدخول بعد الإدراك فهذا رضىً بذلك النكاح وبعد الإدراك لو أجاز العقد الذي عقده في حالة الصغر جاز، كما لو أجاز وليه قبل إدراكه فكذلك بدخوله بها يصير مجيزًا، وإذا زوج الرجل امرأة بأمره ثم اختلفا فقال الوكيل: أُشْهِدت فيه على النكاح. وقال الزوج: لم تشهد فيه فإنه يفرق بينهما لإقراره. وعليه نصف الصداق لما قلنا إن إقراره بأصل عقد الوكيل إقرار بشرطه، وإن اختلفت المرأة ووكيلها في مثل ذلك، فالقول قول الزوج؛ لأنها أقرت بالوكالة، والنكاح فيكون ذلك إقرارًا منها بشرط النكاح، وكذلك لو قالت: لم يتزوجنى لا يلزمها إقرار الوكيل. وهو قول أبى حنيفة خلافًا لهما؛ لأن إقرار الوكيل بالنكاح في حال بقاء الوكالة صحيح، وكذلك وكيل الزوج إذا أقر بالنكاح وجحد الزوج فهو على الخلاف الذي بينا (٢). وجاء في (بدائع الصنائع): ومن شروط لزوم النكاح خلو الزوج من عيوب الجب والعنة، فلو ادعت الزوجة أن زوجها عنين وطلبت الفرقة، فإن القاضي يسأله هل وصل إليها أو لم يصل؟ فإن أقر أنه لم يصل إليها أجلَّه سنة سواء كانت المرأة بكرًا أو ثيبًا، وإن أنكر وادعى الوصول إليها فإن كانت المرأة ثيبًا فالقول قوله مع يمينه أنه وصل إليها؛ لأن الثيابة دليل الوصول في الجملة. والمانع من الوصول من جهته عارض؛ إذ الأصل هو السلامة عن العيب، فكان الظاهر شاهدًا له إلا أنه يستحلف دفعًا للتهمة، وإن قالت: أنا بكر نظر إليها النساء، وامرأة واحدة تجزئ (٣). وجاء في (بدائع الصنائع) أيضًا: وإذا زَوَّجَ الثيب البالغةَ ولىٌ فقالت: لم أرض ولم آذن، وقال الزوج: قد أذنت: فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعى عليها حدوث أمر لم يكن - وهو الأذن والرضا - وهى تنكر فكان القول قولها، وأما البكر إذا تزوجت فقال الزوج: بلغك العقد فسكت، فقالت: رددت، فالقول قولها عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: القول قول الزوج، ووجه قوله

стр. 9063

أن المرأة تدعى أمرًا حادثًا وهو الرد، والزوج ينكر القول، فكان القول قول المنكر ودليل الأصحاب أن المرأة - وإن كانت مدعية ظاهرًا - فهى منكرة في الحقيقة؛ لأن الزوج يدعى عليها جواز العقد بالسكوت، وهى تنكر؛ فكان القول قولها كالمودع إذا قال رددت الوديعة كان القول قوله. وإن كان مدعيًا الردَّ ظاهرًا يكون منكرًا للضمان حقيقة، كذا هنا (١). وجاء في (الفتاوى الهندية): أن الزوج إن أقام البينة على سكوتها حين بلغها الخبر - العقد عليها - فهى امرأته، وإلا فلا نكاح بينهما، ولا يمين عليها في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما عليه اليمين - كذا في المحيط - وعليه الفتوى - كذا في شرح النقاية للشيخ أبى المكارم، فإذا نكلت يقضى عليها بالنكول، وإن أقام الزوج بينة على سكوتها حين بلغها الخبر وأقامت بينة على الرد فبينتها أولى كذا في المحيط، وإذا قال الشهود: كنا عندها ولم نسمعها تتكلم ثبت سكوتها بذلك، كذا في فتح القدير (٢). ثالثا: إنكار المهر والزيادة فيه: موجز القول في هذه المسألة أن أبا حنيفة ومحمدًا يحكمان مهر المثل وينهيان الأمر إليه؛ أما أبو يوسف فلا يحكمه بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتى بشئ مستنكر، وقد اختلف في تفسير المستنكر فقيل: هو أن يدعى أنه تزوجها على أقل من عشرة دراهم، وهذا التفسير يُرْوَى عن أبى يوسف؛ لأن هذا القدر مستنكر شرعًا؛ إذ لا مهر في الشرع أقل من عشرة، وقيل: هو أن يدعى أنه تزوجها على ما لا يزوج مثلها به عادة، وهذا يحكى عن أبى الحسن؛ لأن ذلك مستنكر عرفًا، وهو الصحيح من التفسير؛ لأنهما اختلفا في مقدار المهر المسمى، وذلك اتفاق منهما على أصل المهر المسمى، وما دون العشرة لم يعرف مهرًا في الشرع بلا خلاف بين أصحابنا، ووجه قول أبى يوسف أن القول قول المنكر في الشرع والمنكر هو الزوج؛ لأن المرأة تدعى عليه زيادة مهر وهو ينكر ذلك، فكان القول قوله مع يمينه كما في سائر المواضع (٣). وإن كان المهر دينًا موصوفًا في الذمة بأن تزوجها على مكيل موصوف أو موزون موصوف أو مزروع موصوف فاختلفا في قدر الكيل أو الوزن أو الزرع، فالاختلاف فيه كالاختلاف في قدر الدراهم والدنانير (٤).

стр. 9064

رابعًا: إنكار النفقة: جاء في (المبسوط): إذا اختلف الزوج والمرأة، فقال الزوج: أنا فقير، وقالت المرأة: هو غنى، فالقول قول الزوج مع يمينه، وعلى المرأة البينة؛ لأن الفقر في الناس أصل، وإليه أشار رسول الله ﷺ في قوله: "يولد كل مولود أحمر ليس عليه غبرة - أي سترة - ثم يرزقه الله تعالى من فضله" (١)، فالزوج يتمسك بما هو الأصل. والمرأة تدعى غنى عارضًا فعليها البينة وعليه اليمين لإنكاره، فإن لم يكن لها بينة على يساره وسألت القاضي أن يسأل عن يساره في السر فليس ذلك على القاضي؛ لأنه وجد دليلًا يعتمده لفصل الحكم، وهو التمسك بالأصل: فليس عليه أن يطلب دليلًا آخر، وإن فعله فأتاه من أخبر أنه موسر فلا يُعتمد ذلك أيضًا إلا أن يخبره بذلك رجلان عدلان، ويكونان بمنزلة الشاهدين يخبران أنهما قد علما ذلك، فحينئذٍ لو شهدا عنده في مجلس الحكم يثبت يساره بشهادتهما. وكذلك إن أخبراه بذلك؛ لأن المعتبر علم القاضي، ويحصل له علم بخبرهما كما يحصل بشهادتهما، وإن أخبرا أنهما علما ذلك من رواية راوٍ لم يؤخذ بقولهما؛ لأنهما ما أخبراه عن علم، وإنما أخبراه عن ظن أو عن خبر من لا يُعتمد خبره، والخبر إذا تداولته الألسنة تتمكن فيه الزيادة والنقصان عادةً؛ فلهذا لا يُعتمد مثل هذا الخبر (٢). ثم قال في (المبسوط): وإن أقامت المرأة البينة أنه موسر، وأقام الزوج البينة أنه محتاج أخذ ببينة المرأة؛ لأنها قامت على الإثبات، ولأن شهود الزوج اعتمدوا في شهادتهم ما هو الأصل، وشهود المرأة عرفوا الغنى العارض فلهذا يفرض لها عليه نفقة الموسرين، وإذا فرضت لها النفقة على زوجها ولها عليه شئ من مهرها فأعطاها شيئًا من ذلك فقال الزوج: هو من المهر، وقالت المرأة: بل هو من النفقة، فالقول قول الزوج أنه من المهر، وإذا اختلفا فيما وقع الصلح عليه أو الحكم به من النفقة في الجنس أو القدر، فالقول قول الزوج، والبينة بينة المرأة؛ لأنها مدعية الزيادة فتحتاج إلى الإثبات بالبينة، والزوج منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه، فإن كان الذي أقر به الزوج وحلف عليه لا يكفيها بلغ بها الكفاية في "المؤتنف"؛ لأن النفقة للكفاية وقد بينا أن ما قضى به القاضي أو وقع الصلح عليه إن كان لا يكفيها فلها أن تطالب بما يكفيها في المستقبل، فكذلك ما أقر به الزوج (٣). ثم قال: ولو كان الزوجان حيين فاختلفا فيما مضى من المدة من وقت قضاء القاضي، فالقول قول الزوج لإنكاره الزيادة، وإنكاره سبق التاريخ في القضاء، والبينة بينة المرأة لإثباتها ذلك، وإذا بعث إليها بثوب. فقالت: هو هدية، وقال الزوج: هو من الكسوة، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنه هو المملك للثوب منها، فالقول قوله في بيان جهته إلا أن تقيم المرأة البينة أنه بعث به هدية، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الزوج؛ لأنه يثبت ببينته فراغ ذمته عن حقها من الكسوة أو المهر، وكذلك إن أقام كل واحد منهما البينة على إقرار الآخر بما ادعاه؛ لأن الزوج هو المدعى للقضاء فيما عليه

стр. 9065

من الحق، فمعنى الإثبات في بينته أظهر، وكذلك إن بعث بدراهم فقال: هي نفقة، وقالت المرأة: هي هدية، فالقول قوله لما بيناه (١). مذهب المالكية: أولًا: إنكار أصل النكاح: جاء في (الشرح الكبير) في صدر الكلام عن تنازع الزوجين في النكاح من أصله، وفى الصداق قدرًا أو جنسًا أو صفةً أو اقتضاءً أو في متاع البيت وما يتعلق بذلك: أنه إذا تنازع الزوجان في الزوجية بأن ادعاها أحدهما وأنكرها الآخر (أي بأن ادعى رجل على امرأة أنها زوجته وأنكرت، أو ادعت امرأة على رجل أنه زوجها وأنكر) ثبتت الزوجية ببينة قاطعة لمدعيها منهما بأن شهدت على معاينة العقد، بل ولو بالسماع الناشئ بأن يقول الشاهدان: لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن فلانًا زوج لفلانة. وأن فلانة امرأة فلان، ويكون السماع بالدف والدخان (٢) مع المعاينة بأن قالا: لم نزل نسمع أن فلانة زفت لفلان أو عمل لها الوليمة، ولا إن لم توجد بينة بما ذكر فلا يمين على المدعى عليه المنكر؛ لأن كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، ولو أقام المدعى شاهدًا؛ إذ لا ثمرة لتوجهها على المنكر؛ إذ لو توجهت عليه فنكل لم يقض بالشاهد والنكول، أي: لا يثبت النكاح بذلك، وحلفت المرأة مع شاهدها بالزوجية إذا ادعت بعد موته أنه زوجها وورثت؛ لأن الدعوى آلت إلى مالٍ، ولو كان ثَمَّ وارثٌ معين ثابت النسب على أرجح القولين، ولا صداق لها؛ لأنه من أحكام الحياة، وعليها العدة لحق الله تعالى (٣)، ولو ادعى رجل على ذات زوج أنها امرأته تزوجها قبل هذا، وأنكرت المرأة أن يكون قد تزوجها أصلًا، وأقام شاهدًا شهد بالقطع على الزوجية السابقة، وزعم أن له شاهدًا ثانيًا أمر الزوج المسترسل عليها أمر إيجاب بأن يقض عليه باعتزالها فلا يقربها بوطء ولا بمقدماته؛ لإقامة شاهد ثان يشهد له قطعًا مع الأول، زعم هذا المدعى قربه بحيث لا ضرر على الزوج في اعتزالها لمجيئه، ونفقتها مدة الاعتزال على من يُقضى له بها، فإن لم يأت به أو كان بعيدًا فلا يمين على واحدٍ من الزوجين لرد شهادة الشاهد الذي أقامه، ولو ادعى رجل على امرأة خالية من الأزواج أنها امرأته، وأن له على ذلك بينة تشهد له ولو بالسماع قريبة الغيبة وأكذبته، أمرها الحاكم بانتظاره لبينة قربت لا ضرر على المرأة في انتظارها فلا تتزوج، فإن أتى بها حكم عليها بذلك، وإن لم يأت بها أو كانت بعيدة فلا تؤمر بانتظاره وتتزوج متى شاءت، ثم إذا مضى أجل الانتظار ولم يأت ببينة وأمرها القاضي بأن تتزوج إن شاءت؛ لم تسمع بينته إن حكم قاضٍ بعجزه وعدم قبول دعواه أو بينته بعد التلوم حالة كونه يدعيها حجة أي بينة، أي عجزه في هذه الحالة لا إن لم يعجزه فتسمع، ولا إن عجزه في حال كونه مقرًا على نفسه بالعجز فتسمع على ظاهرها؛ أي يقول بينته، إن أقر على نفسه بالعجز حين تعجيزه، والراجح عدم القبول مطلقًا، وظاهرها ضعيف (٤).

стр. 9066

وليس لرجل ذى ثلاث من الزوجات وادعى نكاح زوجة رابعة أنكرت ولا بينة له - تراجع خامسة، بالنسبة للتى ادعى نكاحها إلا بعد طلاق المدعى نكاحها، أو طلاق إحدى الثلاث بائنًا، وليس إنكار الزوج نكاح امرأة ادعت عليه أنه زوجها، وأقامت بينة ولم يأت الرجل بدفعٍ في تلك البينة فحكم عليه القاضي بالزوجية ليس إنكار هذا طلاقًا، ويلزمه النفقة والدخول عليها، ولكن إن تحقق أنها ليست زوجة في الواقع وجب عليه تجديد عقد لتحل له. ولو ادعى رجلان زواج امرأة فقال كل منهما: هي زوجتى فأنكرتهما أو صدقتهما أو أنكرت أحدهما، وصدقت الآخر أو سكتت فلم تُقر بواحد، وأقام كل منهما البينة على دعواه فسخ نكاحهما معًا بطلقة بائنة؛ لاحتمال صدقهما كذات الوليين إذا جهل زمن العقدين، ولا ينظر لدخول أحدهما بها؛ لأن هذه ذات ولى واحد وإلا لزم تشبيه الشئ بنفسه، ولا ينظر لأعدلهما ولا لغيره من المرجحات إلا التاريخ؛ فإنه ينظر له هنا على الأرجح (١). وجاء في (الشرح الكبير) أيضًا: وإن أنكرت المرأة العقد بأن قالت لوليها: لم يحصل منك عقد، وقال: بل عقدت، صُدِّق الوليُّ بلا يمين إن ادعى الزوج النكاح؛ لأنها مقرة بالإذن، والولى قائم مقامها، فإن لم يدعه الزوج صدقت في إنكارها؛ فلها أن تتزوج غيره إن شاءت (٢). ثانيًا: إنكار بعض شروط النكاح: جاء في (الشرح الكبير): أنه لو أقامت المرأة ببيتها الذي دخلت فيه مع زوجها سنة من يوم الدخول، وأنكرت بعد فراقها الوطء فلا جبر له عليها تنزيلًا لإقامتها السنة منزلة الثيوبة (٣). وجاء في (الشرح الكبير): ولو عقد أب لابنه الرشيد بحضوره وادعى إذنه أو رضاء بفعله وأنكر ذلك الابن، حلف الابن، قال في المدونة: مَنْ زوَّج ابنه البالغ المالك لأمر نفسه - وهو حاضر صامت - فلما فرغ الأب من النكاح قال الابن: ما أمرته ولا أرضى، صُدِّق مع يمينه. وإن كان الابن غائبًا فأنكر حين بلغه سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب، والابن والأجنبى في هذا سواء (٤). وإذا تزوجها فأقامت سنة في بيته بلا وطء تقرر الصداق بشرط بلوغه وإطاقتها مع اتفاقهما على عدم الوطء؛ لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوطء، وصُدِّقت في دعوى الوطء في خلوة الاهتداء بيمين إن كانت كبيرة، ولو سفيهة بكرًا أو ثيبًا إذا اتفقا على الخلوة، وثبتت ولو بامرأتين. فإن نكلت حلف الزوج ولزمه نصفه إن طلق، وإن نكل غرم الجميع، فإن كانت صغيرة حلف لرد دعواها، وغرم النصف ووقف النصف الآخر لبلوغها، فإن حلفت أخذته وإلا فلا يمين ثانية عليه. وصُدِّقت - أيضًا - في دعوى نفى الوطء، وإن كانت سفيهة وأمة وصغيرة بلا يمين؛ إذ الموضوع أنه قد وافقها على ذلك. وصُدق الزائر منهما في شأن الوطء إثباتًا أو نفيًا، فإن زارته صُدقت في

стр. 9067

وطئه ولا عبرة بإنكاره؛ لأن العرف نشاطه في بيته، وإن زارها صُدِّق في نفيه، ولا عبرة بدعواها الوطء؛ لأن العرف عدم نشاطه في بيتها، فإن كان زائرين صدق الزوج في نفيه كما يرشد له التعليل (١). ثالثًا: إنكار المهر والزيادة فيه: جاء في (الشرح الكبير): أنه إن تنازع الزوجان قبل البناء في قدر المهر أو في صفته أو في جنسه حلفا إن كانا رشيدين وإلا فوليهما، وتبدأ الزوجة باليمين، وفسخ النكاح بطلاق، ويتوقف الفسخ على الحكم، وكذا إن نكلا، هذا إن أشبهها أو لم يشبهها معًا أما إن أشبه أحدهما فالقول له بيمينه، فإن نكل حلف الآخر ولا فسخ، هذا كله إن كان التنازع في القدر أو في الصفة، وأما في الجنس فيفسخ مطلقًا حلفا أو أحدهما، أو نكلا، أشبهها أو أحدهما أو لا على الأرجح، والفسخ إنما يكون إذا حكم به حاكم فلا يقع بمجرد الحلف. ويقع ظاهرًا و باطنًا، وإن نكولهما كحلفهما فيقضى للحالف على الناكل، وأن المرأة هي التي تبدأ باليمين (٢). ولو ادعى الزوج أنه نكحها تفويضًا، وادعت هي تسمية المهر؛ فالقول له بيمين حيث كان ذلك عند معتادى التفويض إما وحده أو هو مع التسمية بالسوية؛ فإن كانا من قوم اعتادوا التسمية أو غلبت عندهم، فالقول لها بيمين في القدر والصفة، وأما اختلافهما في الجنس بعد الفوات، فإن الزوج يرد إلى صداق المثل عد حلفهما من غير نظر إلى شبه ما لم يكن صداق المثل أكثر مما ادعت المرأة؛ فلا تزاد على ما ادعت، ومال لم يكن دون ما ادعاه الزوج فلا تنقص عن دعواه، ويثبت النكاح بينهما (٣). ولو ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها مرتين بصداقين كل مرة بكذا و أكذبها الرجل، وقامت بينة على الصداقين في عقدين وقعا بزمنين لزم نصف كل منهما، وقُدِّر وقوع طلاق بين العقدين للجمع بين البينتين. ولا فرق بين أن ينكر الرجل النكاح رأسًا أو ينكر الثاني، وهذا ظاهر إن أقرت بالطلاق، وأما إن أنكرته فهو تكذيب منها للبينة الثانية، وكُلفت المرأة في حال إقرارها بأن الطلاق وقع بعد البناء ليستكمل الصداق الأول وأما الثاني فينظر فيه لِحالته الحاصلة، فإن كان قد دخل لزمه جميعه وإلا فنصفه إن طَلَّقَ: فإن طَلَّقَ وادعت البناء وأنكره كُلِّفت بإثبات أنه بنى بها (٤). رابعًا: إنكار النفقة: جاء في (الشرح الكبير): أنه إذا فُرِضَ الإنفاق للزوجة بحكم حاكم أو جماعة المسلمين عند عدمه - في مال زوجها الغائب أو في وديعته التي أودعها القاضي أو في دينه الذي له على الناس، وأقامت البينة على المنكر للدين أو الوديعة، وتحلف مع الشاهد الواحد بعد حلفها بأنها تستحق على زوجها الغائب النفقة، وأنه لم يترك لها مالًا ولا أقام لها وكيلًا بذلك، وإن تنازع الزوجان بعد قدومه من سفره في عسره ويسره في حال غيبته فقال لها: كنتُ حال غيبتى معسرًا فلا نفقة عليّ، وقالت له: بل كنت موسرًا

стр. 9068

اعْتُبر حالُ قدومه فيعمل عليه إن جُهل حال خروجه، فإن قدم معسرًا فالقول قوله بيمينه وإلا فقولها بيمينها، فإن عُلم حالُ خروجه عومل عليه حتى يتبين خلافه، ونفقة الأبوين والأولاد في هذا كالزوجة، وإن تنازعا بعد قدومه في إرسال النفقة لها أو في تركها عند السفر؛ فالقول قولها بيمينها إن رفعت أمرها في غيبته من يومئذٍ لحاكم، ويكون القول قولها من يوم الرفع له لا من يوم سفر زوجها، أما إن رفعت لعدوه وجيرانه مع تيسر الحاكم فلا يُقبل قولها، وإن لم ترفع أصلًا أو رفعت لا لحاكم مع تيسر الرفع له فقوله في الإرسال بيمينه، وهذا فيمن في العصمة، وأما المطلقة - ولو رجعيًا - فالقول قولها مطلقًا كالحاضر يدعى أنه كان ينفق أو يدفع ذلك في زمنه فأنكرت، فالقول له بيمين اتفافًا، والكسوة في ذلك كله كالنفقة، وإن تنازعا فإن القول قوله من يوم السفر قبل الرفع (١). مذهب الشافعية: أولًا: إنكار أصل النكاح: جاء في (المهذب): أنه إن كان للمرأة وليان، وأذنت لكل واحد منهما في تزويجها فزوجها كل واحد منهما من رجل نظر، فإن كان العقدان في وقت واحد، أو لم يعلم متى عقد. أو علم أن أحدهما قبل الآخر ولكن لم يعلم لمن السابق منهما بطل العقدان؛ لأن لا مَزْيّة لأحدهما على الآخر، وإن علم السابق ثم نسى وقف الأمر؛ لأنه قد يتذكر. وإن علم السابق وتعين فالنكاح هو الأول، والثانى باطل؛ لما روى سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة زوجها وليان، فهى للأول منهما" (٢)، فإن ادعى كل واحد من الزوجين أنه هو الأول، وادَّعيا علم المرأة به فإن أنكرت العلم فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم العلم، وإن أقرت لأحدهما سلمت إليه، وهل تحلف للآخر؟ فيه قولان: أحدهما: لا تحلف؛ لأن اليمين تعرض على المنكر حتى يقر ولو أقرت للثانى فيما أقرت للأول لم يُقبل ولم يكن في تحليفها له فائدة. والقول الثاني: تحلف؛ لأنها ربما نكلت وأقرت للثانى فيلزمها المهر، فعلى هذا إن حلفت سقطت دعوى الثاني، وإن أقرت للثانى لم يقبل رجوعها، ويجب عليها المهر الثاني، وإن أنكرت رددنا اليمين على الثاني، فإن لم يحلف استقر النكاح للأول، وإن حلف حصل مع الأول إقرار، ومع الثاني يمين ونكول المدعَى عليه، فإن قلنا: إنه كالبينة حُكِم بالنكاح للثانى؛ لأن البينة تُقَدم على الإقرار، وإن قلنا: إنه بمنزلة الإقرار - وهو الصحيح - ففيه وجهان: أحدهما: يُحكم ببطلان النكاحين؛ لأن مع الأول إقرار ومع الثاني ما يقوم مقام الإقرار فصار كما لو أقرت لهما في وقت واحد، والوجه الثاني: أن النكاح للأول؛ لأنه سبق الإقرار له فلم يبطل بإقرار بعده، ويجب عليه المهر للثانى كما لو أقرت للأول ثم أقرت للثانى (٣). ثانيًا: إنكار بعض شروط النكاح: جاء في (المهذب): إذا اختلف الزوجان فقالت

стр. 9069

الزوجة: عقدنا بشاهدين فاسقين، وقال الزوج: عقدنا بعدلين ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء العدالة، والوجه الثاني: أن القول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم النكاح، وإن تصادقا على أنهما تزوجا بولى وشاهدين وأنكر الولى والشاهدان لم يُلتفت إلى إنكارهم؛ لأن الحق لهما دون الولى والشاهدين (١). وجاء في موضع آخر: أنه إذا أسلم الوثنيان قبل الدخول ثم اختلفا فقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل صاحبه فانفسخ النكاح، وقال الزوج: بل أسلمنا معًا، فالنكاح على حاله، ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول الزوج وهو اختيار المزنى؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والقول الثاني: أن القول قول المرأة؛ لأن الظاهر معها فإن اجتماع إسلامهما حتى لا يسبق أحدهما الآخر متعذر، قال الشافعي في (الأم): إذا أقام الزوج بينة أنهما أسلما حين طلعت الشمس أو حين غربتة الشمس، لم ينفسخ النكاح؛ لاتفاق إسلامهما في وقت واحد، وهو عند تكامل الطلوع أو الغروب، فإن أقام البينة أنهما أسلما حال طلوع الشمس أو حال غروبها انفسخ نكاحهما؛ لأن حال الطلوع والغروب من حين يبتدئ بالطلوع والغروب إلى أن يتكامل، وذلك مجهول. وإن أسلم الوثنيان بعد الدخول واختلفا فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك فالنكاح باقٍ، وقالت المرأة: بل أسلمت بعد انقضاء عدتى فلا نكاح بيننا، فقد نص الشافعي - رحمه الله تعالى - على أن القول قول الزوج، ونص في مسألتين على أن القول قول الزوجة: إحداهما: إذا قال الزوج للرجعية: راجعتك قبل انقضاء العدة فنحن على النكاح، وقالت الزوجة: بل راجعتنى بعد انقضاء العدة فالقول قول الزوجة. والمسألة الثانية: إذا ارتد الزوج بعد الدخول ثم أسلم فقال: أسلمت قبل انقضاء العدة فالنكاح باقٍ، وقالت المرأة: بل أسلمت بعد انقضاء العدة فالقول قول المرأة، فمن أصحابنا من نقل جواب بعضها إلى بعض، وجعل في المسائل كلها قولين: أحدهما: أن القول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والقول الثاني: أن القول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم الإسلام والرجعة، ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين فالذى قال: إن القول قول الزوج إذا سبق بالدعوى، والذي قال: القول قول الزوجة إذا سبقت بالدعوى؛ لأن قول كل واحد منهما مقبول فيما سبق إليه، فلا يجوز إبطاله بقول غيره. ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين على وجه آخر فالذى قال: القول قول الزوج، أراد إذا اتفقا على صدقه في زمان ما ادعاه لنفسه بأن قال: أسلمت وراجعت في رمضان، فقالت المرأة: صدقت لكن انقضت عدتى في شعبان، فالقول قول الزوج باتفاقهما على الإسلام بالرجعة في رمضان واختلافهما في انقضاء العدة، والذي قال: القول قول المرأة إذا اتفقا على صدقها في زمان ما ادعته لنفسها بأن قالت: انقضت عدتى في شهر رمضان، فقال الزوج: لكن راجعتُ أو أسلمت في شعبان، فالقول قول المرأة لاتفاقهما على انقضاء العدة في رمضان، واختلافهما في الرجعة والإسلام (٢).

стр. 9070

ثم قال في موضع آخر: إنه إذا ادعت المرأة على الزوج أنه عنين وأنكر الزوج، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل ردت اليمين على المرأة، وقال أبو سعيد الإصْطَخرى: يقضى عليه بنكوله ولا تحلف المرأة؛ لأنه أمر لا تعلمه، والمذهب الأول؛ لأنه حق نكل فيه المدعَى عليه عن اليمين فردت على المدعى كسائر الحقوق، وقوله: إنها لا تعلمه، يبطل باليمين في كناية الطلاق وكناية القذف، فإذا حلفت المرأة أو اعترف الزوج أجّله الحاكم سَنةً؛ لما روى سعيد بن المسيب أن عمر - رضى الله تعالى عنه - قضى في العنين أن يؤجل سَنةً (١). وعن عليّ ﵇ وعبد الله والمغيرة بن شعبة - رضى الله تعالى عنهم - نحوه، ولأن العجز عن الوطء قد يكون بالتعنين، وقد يكون لعارض من حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة، فإذا مضت عليه الفصول الأربعة، واختلفت عليه الأهوية ولم يزل دلَّ على أنه خلقةٌ، ولا تثبت المدة إلا بالحاكم؛ لأنه يختلف فيها بخلاف مدة الإيلاء، فإن جامعها في الفرج سقطت المدة، وأدناه أن يغيّب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به، ولا تتعلق بما دونه، فإن كان بعض الذكر مقطوعًا لم يخرج من التعنين إلا بتغييب جميع ما بقى، ومن أصحابنا من قال: إذا غُيِّب من الباقى بقدر الحشفة خرج من حكم التعنين؛ لأن الباقى قائم مقام الذكر، والمذهب الأول (٢). ثالثًا: إنكار المهر والزيادة فيه: جاء في (المهذب): أنه إذا اختلف الزوجان في قدر المهر أو في أجله تحالفا؛ لأنه عقد معاوضة فجاز أن يثبت التحالف في قدر عوضه وأجله كالبيع، وإذا تحالفا لم ينفسخ النكاح؛ لأن التحالف يوجب الجهل بالعوض، والنكاح لا يبطل بجهالة العوض، ويجب مهر المثل؛ لأن المسمى سقط وتعذر الرجوع إلى العوض فوجب بدله كما لو تحالفا في الثمن بعد هلاك المبيع في يد المشترى، وقال أبو على بن طبران: إن زاد مهر المثل على ما تدعيه المرأة لم تجب الزيادة؛ لأنها لا تدعيها، وقوله: هذا فاسد، وإن ماتا أو أحدهما قام الوارث مقام الميت، فإن اختلف الزوج وولى الصغير في قدر المهر ففيه وجهان: أحدهما: يحلف الزوج ويوقف يمين المنكوحة إلى أن تبلغ ولا يحلف الولى؛ لأن الإنسان لا يحلف لإثبات الحق لغيره، والوجه الثاني: أنه يحلف وهو الصحيح؛ لأنه باشر العقد فحلف كالوكيل في البيع، فإن بلغت المنكوحة قبل التحالف لم يحلف الولى؛ لأنه لا يقبل إقراره عليها فلم يحلف وهذا فيه نظر؛ لأن الوكيل يحلف وإن لم يُقبل إقراره، وإن ادعت المرأة أنها تزوجت به يوم السبت بعشرين ويوم الأحد بثلاثين، وأنكر الزوج أحد العقدين، وأقامت المرأة البينة على العقدين وادعت المهرين قضى لها؛ لأنه يجوز أن يكون تزوجها يوم السبت ثم خالعها؛ ثم تزوجها يوم الأحد فلزمه المهران، وإن اختلفا في قبض المهر فادعاه الزوج وأنكرت المرأة فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض وبقاء المهر، وإن كان الصداق تعليم سورة فادعى الزوج أنه علَّمها، وأنكرت
следующие страницы →