← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

بذهابه هلاكًا أو أذى شديدًا قليلًا كان أو كثيرًا، ويقطع الصلاة سواء كان الوقت متسعًا أم لا. وأما إذا كان لا يخشى بذهابه هلاكًا ولا شديد أذى فإن كان يسيرًا فلا يقطع، وإن كان كثيرًا قطع إن اتسع الوقت. والكثرة والقلة بالنسبة للمال في حد ذاته (١). وجاء فيه أيضًا: يندب للإمام الاستخلاف وقطع الصلاة إذا خشى بتماديه تلف مال له أو لغيره، إن خشى بتركه هلاكًا أو أذى شديدًا لنفسه أو لغيره، سواء قَلَّ المال أو كثر، سواء ضاق الوقت أو اتسع. والمأموم والمنفرد مثل الإمام في القطع وعدمه. وإنما يختص الإمام بندب الاستخلاف فقط. وكذلك يقطع الصلاة إن خاف تلف نفس أو شدة أذاها، كخوفه على صبى أو أعمى أن يقع في بئر أو نار، وكذلك يقطع الإمام الصلاة ويستخلف إن مُنع من الإمامة لأجل حدوث عجز عن إقامة ركن كالركوع وقراءة الفاتحة، أما إن عجز عن أداء السنة فلا يقطع ولا يستخلف. وكذلك يقطع الصلاة بسبب سَبْقِ حدث أي خروج منه غلبةٌ في أثنائها، أو بسبب تذكره الحدث بعد دخوله فيها، وفى هذه الحالة لا تبطل صلاة المأمومين وهذا معنى قولهم: كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث أو نسيانه (٢). وجاء فيه أيضًا: ومن أحرم بنافلة في وقت نَهى فيقطع صلاته وجوبًا إن كان وقت تحريم، وندبًا إن كان وقت كراهة، ولا قضاء عليه؛ لأنه مغلوب على القطع، وذلك لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بمنهى عنه، سواء في ذلك أحرم بها جاهلًا أو عامدًا أو ناسيًا. وهذا التعميم في غير الداخل والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه إن أحرم بالنافلة جهلًا أو نسيانًا لا يقطعها، وذلك مراعاة لمذهب الشافعي من أن الأولى للداخل أن يركع ولو كان الإمام يخطب. وأما لو دخل الخطيب عليه وهو جالس فأحرم عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، أو دخل المسجد والإمام يخطب فأحرم عمدًا فإنه حينئذ يقطع صلاته، سواء في كل ذلك عقد ركعة أو لا، أما إذا أتم ركعتين فينبغى عدم القطع لخفة الأمر بالسلام (٣). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): إن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة. وإن خشى فوات الجماعة قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل، وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة، فإن نوى الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته ففيه قولان: قال في الإملاء: لا يجوز وتبطل صلاته؛ لأن تحريمته سبقت تحريمة الإمام فلم يجز كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله. وقال في القديم والجديد: يجوز وهو الأصح (٤).

стр. 8997

وجاء فيه أيضًا: وإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل، لما روى عن ثعلية بن أبى مالك قال: قعود الإمام يقطع السبحة (١)، وكلامه يقطع الكلام، وقد كان الصحابة - رضى الله عنهم - لا يزالون يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب ﵁ جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضى الخطبتين، فإذا أقيمت الصلاة ونزل عمر تكلموا (٢). ولأن النفل في هذه الحالة يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكُرِه (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إذا ذكر الإمام فائتة وهو في صلاة الحاضرة أنه يقطع الحاضرة نصًا مع سعة الوقت؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض بالمتنفل واستثنى جمع الجمعة فلا يقطعها الإمام إذا ذكر الفائتة في أثنائها إن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة أتمها الإمام وغيره، وإن اتسع للفائتة ثم الحاضرة فقط قطعها أيضًا غير الإمام لعدم صحة النفل إذن. وإن ذكر الإمام الفائتة قبل إحرامه بالجمعة استناب فيها وقضى الفائتة، فإن أدرك الجمعة مع نائبه وإلا صلى ظهرًا (٤). وجاء فيه أيضًا: وإن انقطع الصف عن يسار الإمام فقال ابن حامد: إن كان الانقطاع بعد مقام الثلاثة رجال بطلت صلاة المنقطعين عن الصف يسار الإمام (٥). ومن المسائل التي تكلم عنها الحنابلة حكم انقطاع العذر المبيح للجمع فجاء في (كشاف القناع): أن من شروط الأعذار المبيحة للجمع أن يكون العذر المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه موجودًا عند افتتاح الصلاتين المجموعتين وعند سلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية، وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع، فلو أحرم ناوى الجمع بالأولى من المجموعتين مع وجود مطر ثم انقطع المطر ولم يعد، فإن حصل وَحلٌ لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل من الأعذار المبيحة وهو ناشئ عن المطر فأشبه ما لو لم ينقطع المطر، وإن لم يحصل وَحْلٌ بطل الجمع لزوال العذر المبيح له فيؤخر الثانية حتى يدخل وقتها. وإن شرع في الجمع لأجل السفر فزال سفره بوصول إلى وطنه، أو نيته الإقامة ووُجد وحل أو مرض أو مطر بطل الجمع لزوال مبيحه (٦). هذا، وجاء في (المغنى): المرور بين يدى المصلى ينقص الصلاة ولا يقطعها فقد قال أحمد: يضع من صلاته ولكن لا يقطعها. وروى عن ابن مسعود ﵁ أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة (٧). وكان عبد الله إذا مَرَّ بين يديه رجل التزمه حتى يرده (٨). قال القاضي: ينبغى أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما. ينقص الصلاة فلا يؤثر فيها ذنب غيره (٩).

стр. 8998

وجاء في (المغنى) أيضًا: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم إذا مَرَّ بين يدى المصلى. هذا هو المشهور عن أحمد ﵀، وهو قول عائشة - رضى الله عنها -، وحكى عن طاوس. وروى عن معاذ ومجاهد أنهما قالا: الكلب الأسود البهيم شيطان يقطع الصلاة (١). ومعنى البهيم: الذي ليس في لونه شئ سوى السواد. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يقطعها الكلب الأسود، والمرأة إذا مرت والحمار (٢). ومن صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة لم ينقطع، وإن مَرَّ من وراثها غير ما يقطعها لم يكره، وإن مَرَّ بينه وبينها قطعها إن كان مما يقطعها، وإن لم يكن بين يديه سترة فمر بين يديه قريبًا منه ما يقطعها قطعها. وإن كان مما لا يقطعها كره، وإن كان بعيدًا لم يتعلق به حكم. هذا ولا يوجد من حَدَّ البعيد من ذلك ولا القريب إلا أن عكرمة قال: إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر لم يقطع الصلاة. وإذا صلى إلى سترة منصوبة فاجتاز وراءها كلب أسود، فهل تنقطع صلاته؟ فيه وجهان أحدهما: تبطل صلاته؛ لأنه ممنوع من نصبها والصلاة إليها فوجودها كعدمها. والثانى: لا تبطل (٣). وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلى أحد غير الداخل، يصلى تحية المسجد ويتجوز فيها؛ لما روى ثعلبة بن أبى مالك أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد (٤). وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم (٥). وجاء في (المغنى) أيضًا: أنه: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وإن تلبس بالصلاة بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت؛ لأنه قطع حكم النية قبل إتمام صلاته ففسدت، كما لو سلم ينوى الخروج منها، ولأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها بما حدث ففسدت لذهاب شرطها. فأما إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل؛ لأنه دخلها بنية متيقنة فلا تزول بالشك والتردد كسائر العبادات. وقال القاضي: يحتمل أن تبطل؛ لأن استدامة النية شرط، ومع التردد لا يكون مستديمًا لها فأشبه ما لو نوى قطعها. وإذا أحرم بفريضة ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى بطلت الأولى؛ لأنه قطع نيتها، ولم تصح الثانية؛ لأنه لم ينوها من أولها، فإن نقلها إلى نفل لغير فرض فقال القاضي: لا يصح، رواية واحدة. وقال في الجامع: يخرج على روايتين. وقال أبو الخطاب: يكره ويصح؛ لأن النفل يدخل في نية الفرض. بدليل ما لو أحرم بفرض فبان أنه لم يدخل وقته. وصحة نقلها إذا كان لغرض.

стр. 8999

فأما إن نقلها لغرض صحيح مثل من أحرم بها منفردًا فحضرت جماعة فجعلها نفلًا ليصلى فرضه في جماعة. فقال أبو الخطاب: تصح من غير كراهة. وقال القاضي: فيه روايتان: إحداهما لا يصح؛ لأنه لم ينو النفل من أولها، والثانية يصح لأنه لفائدة، وهى تأدية فرضه في الجماعة مضاعفة للثواب بخلاف من نقلها لغير فرض، فإنه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه يقطع صلاة المصلى كون الكلب بين يديه - مارًا أو غير مارٍّ صغيرًا أو كبيرًا حيًا أو ميتًا - أو كون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدى الرجل مارة أو غير مارة صغيرة أو كبيرة. إلا أن تكون مضطجعة معترضة فقط فلا تقطع الصلاة حينئذ. ولا يقطع النساء بعضهن صلاة بعض، فإن كان بين يدى المصلى شئ مرتفع بقدر الذراع وهو قدر مؤخرة الرحل المعهودة عند العرب - ولا نبالى بغلظها - لم يضر صلاته كلُ ما كان وراء السترة مما ذكرنا، ولا ما كان من كل ذلك فوق السترة. ودليل ذلك ما روى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقى ذلك مثل مؤخرة الرحل" (٢). وجاء فيه أيضًا: وكل منكر رآه المصلى في الصلاة ففرض عليه إنكاره ولا تنقطع بذلك صلاته؛ لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حق، وفاعل الحق محسن ما لم يمنع من شئ منه نصٌ أو إجماع، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). ومن جملة ذلك: إطفاءٌ النار المشتعلة، وإنقاذ الصغير والمجنون والمقعد والنائم من نار أو من حنش (٤) أو سبع أو إنسان عادٍ، أو من سيل، والمحاربة لمن أراد المصلى أو أراد مسلمًا بظلم، وشد الأسير الكافر أو الظالم، إلا أن يمنع من شئ من ذلك نص أو إجماع. فعن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية (٥)، فبينما أنا على جرف نهر إذا رجل يصلى ولجام دابته في يده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها. قال شعبة: (وهو أبو برزة الأسلمى) فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ. فلما انصرف الشيخ قال: إنى سمعت قولكم وإنى غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات أو سبع غزوات، وشهدت تيسيره، وإن كنت أرجع مع دابتى أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى مالفها فيشق على (٦). ومن طريق الأزرق بن قيس أن أبا برزة الأسلمى خاف على دابته الأسد فمشى إليها وهو في الصلاة. وكذلك من خاف على ماله أو سرقة نعله أو خفه أو غير ذلك. فله أن يتبع السارق فينتزع منه متاعه، ولا يضر في كل ما ذكرنا ما اضطر إليه من استدبار القبلة وكثرة العمل وقلته ما لم يتكلم،

стр. 9000

فإن كان إمامًا أو مأمومًا فطمع بشئ من إدراك الصلاة بعد تمام حاجته أو بانتظار الناس فلابد أن يرجع، كما فعل النبي ﷺ يوم ذى اليدين، فإن لم يرج إدراك شئ من الصلاة أو أيقن أن الناس لا ينتظرونه أتم صلاته حين تمام حاجته في أول مكان تجوز له فيه الصلاة، أو لزوال عن مكان لا تجوز فيه الصلاة، فلو رجا صلاة في جماعة أخرى أقرب منها فليدخل فيها. وإذا مشى المصلى إلى فتح الباب للمستفتح فهذا حسن لا يضر الصلاة شيئًا (١). مذهب الزيدية: جاء في (الروض النضير): أن من أصابه قئ أو رعاف (٢) أو قلس (٣) أو مذى فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن علي صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم (٤). وجاء في (شرح الأزهار) أنه تفسد الصلاة بتوجه واجب على المصلى خشى فوته كإنقاذ غريق، فإنه يلزمه الخروج من الصلاة لفعل هذا الواجب، فإن لم يفعل فسدت، وسواء كان عروض هذا الواجب في أول الوقت أم في آخره فإنه يجب تقديمه ولو فات الوقت، ومثلُ إنقاذ الغريق إزالةُ منكر كالقتل ونحوه، أو ردُّ وديعة يخشى فوت صاحبها، أو عَرضَ واجبٌ لم يخش فوته لكنه قد تضيَّق وجوبه. بمعنى أنه لا يجوز تأخيره عن تلك الحال وهى - أي الصلاة التي قد دخل فيها - موسعة بمعنى أنه لما يتضيق وجوبها، مثال ذلك: أن تدخل في الصلاة في أول الوقت فلما أحرمت أتى غريمك بالدين أو من له عندك وديعة فطالبك بهما وحرَّج عليك في التأخير حتى تتم الصلاة: فإنه حينئذ يجب الخروج من الصلاة عندنا، فإن لم يخرج فسدت الصلاة عندنا. فأما إذا تضيق وقت الصلاة فلا يجب الخروج بل يلزم الإتمام (٥). مذهب الإمامية: جاء في (العروة الوثقى): أنه لا يجوز العدول في الصلاة من السابقة إلى اللاحقة ويجوز العكس، فلو دخل في الصلاة بنية الظهر ثم تبين له في الأثناء أنه صلاها لا يجوز له العدول إلى العصر بل يقطع ويشرع في العصر، بخلاف ما إذا تخيل أنه صلى الظهر فدخل في العصر ثم تذكر أنه ما صلى الظهر فإنه يعدل إليها. وإذا كان مسافرًا وقد بقى من الوقت مقدار أربع ركعات فدخل في الظهر بنية القصر ثم بدا له الإقامة فنوى الإقامة بطلت صلاته، ولا يجوز له العدول إلى العصر فيقطعها ويصلى العصر، وإذا كان في الفرض ناويًا للإقامة. فشرع بنية العصر لوجوب تقديمها حينئذ ثم بدا له فعزم على عدم الإقامة، فالظاهر أنه يعدل بها إلى الظهر قصرًا (٦). وإذا دخل المصلى في المكان المغصوب جهلًا أو نسيانًا أو بتخيل الإذن ثم التفت وبان الخلاف، فإن كان في سعة من الوقت لا يجوز له التشاغل (٧)

стр. 9001

بالصلاة وإن كان مشتغلًا بها وجب القطع والخروج، وإن كان في ضيق الوقت اشتغل بها حال الخروج سالكًا أقرب الطرق، مراعيًا للاستقبال بقدر الإمكان (٧). وإذا سجد المصلى على ما لا يجوز باعتقاد أنه مما يجوز، فإن كان بعد رفع الرأس مضى ولا شئ عليه، وإن كان قبله جَرَّ جبهته إن أمكن وإلا قطع الصلاة في السعة، وفى الضيق أتم على ما تقدم إن أمكن وإلا اكتفى به. ويحرم تنجيس المسجد. وإذا تنجس يجب إزالة النجاسة فورًا، وإن كان في وقت الصلاة مع سعته، نعم مع ضيقه تقدم الصلاة، ولو صلى مع السعة أثم لكن الأقوى صحة صلاته، ولو علم النجاسة أو تتجس المسجد في أثناء الصلاة لا يجب القطع للإزالة وإن كان في سعة من الوقت بل يشكل جوازه (١). ولو نوى المصلى في أثناء الصلاة قطعها فعلًا أو بعد ذلك، أو نوى القاطع والمنافى فعلًا أو بعد ذلك، فإن أتم مع ذلك بطل (٢). وإذا كان المصلى في أثناء الصلاة في المسجد فرأى نجاسة فيه فإن كانت الإزالة موقوفة على قطع الصلاة أتمها ثم أزال النجاسة، وأن أمكنت بدونه بأن لم يستلزم الاستدبار ولم يكن فعلًا كثيرًا موجبًا لمحو الصورة وجبت الإزالة ثم البناء على صلاته. ولا يجوز قطع الصلاة الفريضة اختيارًا والأحوط عدم قطع النافلة أيضًا، وإن كان الأقوى جوازه، ويجوز قطع الفريضة لحفظ مال ولدفع ضرر مالى أو بدنى كالقطع لأخذ العبد من الإباق أو الغريم من الفرار أو الدابة من الشراء ونحو ذلك. وقد يجب كما إذا توقف حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة أو حفظ مال يجب حفظه شرعًا عليه، وقد يستحب كما إذا توقف حفظ مال مستحب الحفظ عليه. وكقطعها عند نسيان الأذان والإقامة إذا تذكر قبل الركوع، وقد يجوز كدفع الضرر المالى الذي لا يضره تلفه، ولا يبعد كراهته لدفع ضرر مالى يسير. والأحوط عدم قطع النافلة المنذورة إذا لم تكن منذورة بالخصوص بأن نذر إتيان نافلة فشرع في صلاة بعنوان الوفاء لذلك النذر، وأما إذا نذر نافلة مخصوصة فلا يجوز قطعها قطعًا. وإذا توقف أداء الدين المطالب به على قطعها فالظاهر وجوبه في سعة الوقت لا في الضيق، ويحتمل في الضيق وجوب الإقدام على الأداء متشاغلًا بالصلاة. هذا ويستحب أن يقول حين إرادة القطع في موضع الرخصة أو الوجوب: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (٣). ولو شك المصلى في شرط أو جزء من الصلاة بعد السلام ولم يلتفت إذ نسيها وشرع في نافلة أو قضاء فريضة أو نحو ذلك فتذكر في أثنائها قطعها وأتى بها ثم أعاد الصلاة على الأحوط. وأما إذا شرع في صلاة فريضة مرتبة على الصلاة التي شك فيها - كما إذا شرع في العصر فتذكر أن عليه صلاة الاحتياط (٤) للظهر - فإن

стр. 9002

جاز في محل العدول قطعها، كما إذا دخل في ركوع الثانية مع كون احتياطه ركعة أو ركوع الثالثة مع كونها ركعتين، وإن لم يجز عن محل العدول فيحتمل العدول إليها لكن الأحوط القطع والإتيان بها، ثم أعاد الصلاة، وإذا نسى سجدة واحدة أو تشهدًا فيها قضاهما بعدها على الأحوط. ولو نسى المصلى قضاء السجدة أو التشهد وتذكر بعد الدخول في نافلة جاز له قطعها والإتيان به، بل هو الأحوط، بل وكذا لو دخل في فريضة (١). مذهب الإباضية: جاء فى (شرح النيل): وإن رأى مصلٍ ما خاف فساده كمالٍ أو نفسٍ، سواء أكان مال نفسه أو مال غيره بإطلاق، وقيل: إن كان في ضمانه، ويدخل في هذا أيضًا الميت فإنه ليس مالًا ولا نفسًا، فإذا حدث ذلك اشتغل المصلى بإصلاحه إن لم يمكنه الاشتغال بالصلاة والإصلاح معًا، وإن أمكنه اشتغل بهما بمرة تارة فيها وتارة فيه. وإن كان ما خاف فساده ميتًا فيصلحه أيضًا. وإن لم يصلح مال نفسه لم يعد مضيعًا؛ لأنه في الصلاة. وقيل: لا يصلح ماله إلا إن كان لا بد له منه وليس له غيره كغذاء وعشاء. وفى كل ما سبق يبنى المصلى على صلاته. وقيل: إن أصلح ماله أو مال غيره جاوز وأعاد، وإن قطعها وأصلح فساد مال أو نفس واستأنفها لم تلزمه الكفارة. وسواء في ذلك الإصلاح إزالة الفساد من ماله أو مال غيره قَلَّ أو كثر، وإزالة الضر عن نفسه أو غيره قَلَّ الضر أو كثر، فينجى الصبى والأعمى والعاجز والغافل ومن احتاج لعون من كل ضر كوقوع ودابة وسبع. وإن لم يخف الفساد صلى ورجع إليه، وإن خاف فوتها وفساده لكن يظهر له أنه يدرك قبل الفساد وطمع في ذلك اختصر صلاته قدر ما يبلغ ما خيف فساده أو ما يبلغ الإصلاح قبل فساده، وإن لم يمكنه بلوغه قبل فساده إلا بإيماء أو تكبير فعل الإيماء أو التكبير ثم رجع إلى الإصلاح، وإن أمكنه الاشتغال بالإصلاح وبالصلاة فعل، وذلك بأن يصلى ويصلح في حال واحد (٢).

стр. 9003

انقطاع التتابع في صوم الكفارات وما يترتب على ذلك مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): أن لجواز صيام الكفارة شرائط منها التتابع في غير موضع الضرورة في صوم كفارة الظهار والإفطار والقتل بلا خلاف، وعلى هذا يخرج ما إذا أفطر في خلال الصوم أنه يستقبل الصوم، سواء أفطر لغير عذر أو لعذر مرض أو سفر لفوت شرط التتابع، وكذلك لو أفطر يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق، فإنه يستقبل الصيام سواء أفطر في هذه الأيام أو لم يفطر، لأن الصوم في هذه الأيام لا يصلح لإسقاط ما في ذمته؛ لأن ما في ذمته كامل والصوم في هذه الأيام ناقص لمجاورة المعصية إياه، والناقص لا ينوب عن الكامل، ولو كانت امرأة فصامت عن كفارة الإفطار في رمضان أو عن كفارة القتل فحاضت في خلال ذلك لا يلزمها الاستقبال لأنها لا تجد صوم شهرين لا تحيض فيهما فكانت معذورة، وعليها أن تصل أيام القضاء بعد الحيض بما قبله حتى لو لم تصل وأفطرت يومًا بعد الحيض استقبلت، لأنها تركت التتابع من غير ضرورة، ولو نفست تستقبل لعدم الضرورة، لأنها تجد شهرين لا نفاس فيهما، ولو كانت صوم كفارة اليمين، فحاضت في خلال ذلك تستقبل، لأنها تجد ثلاثة أيام لا حيض فيها فلا ضرورة إلى سقوط اعتبار الشرط، ولو جامع امرأته التي لم يظاهر منها بالنهار ناسيًا، أو بالليل عامدًا أو ناسيًا، أو أكل بالنهار ناسيًا لا يستقبل، لأن الصوم لم يفسد فلم يفت شرط التتابع. ومن الشروط أيضًا عدم المسيس في الشهرين في صوم كفارة الظهار، سواء فسد الصوم أو لا في قول أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: الشرط عدم فساد الصوم. حتى لو جامع امرأته التي ظاهر منها بالليل عامدًا أو ناسيًا أو بالنهار ناسيًا، استقبل عندهما، وعند أبى يوسف: يمضى على صومه ووجه قول أبى يوسف أن هذا الجماع لا ينقطع به التتابع؛ لأنه لا يفسد الصوم فلا يجب الاستقبال كما لو جامع امرأة أخرى ثم ظاهر منها، والصحيح قولنا، لأن المأمور به صوم شهرين متتابعين لا مسيس فيهما بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) فإذا جامع في خلالهما فلم يأت بالمأمور به، ولو جامعها بالنهار عامدًا استقبل بالاتفاق؛ والعلة عندهما لوجود المسيس، والعلة عنده لانقطاع التتابع بسبب فساد الصوم، وأما وجوب كفارة الحلق فصاحبه بالخيار إن شاء فرق لإطلاق قوله ﵎: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) من غير فصل (٣). مذهب المالكية: جاء فى (حاشية الدسوقى على الشرح الكبير): أنه ينقطع تتابع صوم الكفارة بوطء الزوج المكفِّر المرأة المظاهَر منها حال الكفارة ولو في آخر يوم منه، ويبتديه من أوله، وينقطع كذلك بوطء واحدة ممن تجزئ فيهن كفارة واحدة كما لو ظاهر من أربع في كلمة واحدة وإن حصل

стр. 9004

وطؤها لمن ذكر ليلًا ناسيًا أو جاهلًا أو غالطًا بأن اعتقد أنها غيرها، واحترز عن وطء غير المظاهر منها ليلًا عمدًا فلا يضر، وذلك كبطلان الإطعام إذا وطئ المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة في أثناء الإطعام، فكما يبطل الإطعام ولو لم يبق عليه إلا مد واحد، فهنا ينقطع الصوم، وينقطع صومه أيضًا بفطره في السفر، لأنه اختيارى، أو بفطر بمرض في سفره هاجه سفره ولو توهما بخلاف إن تحقق أنه لم يهجه بل هاج بنفسه أو هاجه غيره، وكما لا ينقطع الصوم في كفارة غير الظهار من القتل وغيره بالحيض والنفاس وإكراه على الفطر وظن غروب الشمس أو ظن بقاء الليل لا ينقطع صوم كفارة الظهار وكذلك لا ينقطع بالفطر ناسيًا ويقضيه متصلًا بصيامه، وينقطع التتابع بالعيد إن تعمده بأن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهاره متعمدًا صوم يوم الأضحى في كفارته. وأما لو جهل كون العيد يأتى في أثناء صومه فلا ينقطع تتابعه، وأما جهله حرمة صوم العيد بأن اعتقد حله فلا ينفعه، وفيما ذكر هل محل عدم القطع بجهله وإجزائه إن صام العيد وأيام التشريق بأن لم يتناول المفطرات فيها ثم قضاها متصلة بصومه وإلَّا بأن أفطرها لم يجزه واستأنف الصوم من أوله، أو عدم القطع مطلق، ويفطر أيام النحر؛ إذ لا معنى لإمساكه ويبنى أي يقضيها متصلة بصيامه؟ في هذا تأويلان: الأول لابن الكاتب، والثانى لابن القصار وهو الأصح. ولا يدخل في الكلام اليوم الرابع؛ فإنه يتعين صومه باتفاقهما ويجزيه، والظاهر أنه يطلب بفطر الثاني والثالث وليس كذلك، بل يطلب منه الإمساك فيهما، وإنما الخلاف فيما إذا أفطر فيها هل يبنى أو ينقطع تتابعه، ثم على القول الأول وهو صوم الجميع يقضى ما لا يصح صومه وهو يوم العيد خاصة على الراجح، وإذا جهل رمضان كما إذا ظن أن شعبان رجب ورمضان شعبان فحكمه كحكم العيد في أنه لا يقطع التتابع ويبنى بعد العيد متصلًا؛ لأن الجهل عذر على الأرجح عند ابن يونس، وينقطع التتابع بفصل القضاء الذي وجب عليه عند صيامه ويبتدئ صومه من أوله، وشُهِر أيضًا قطع التتابع بفصل القضاء نسيانًا فهو متصل بما قبله من مسألة انفصال القضاء، وإن لم يدر بعد أن صام أربعة من الأشهر صامها عن ظهارين موضع يومين نسيهما هل هما من الأولى، أو من الثانية أو أولهما آخر الأولى وثانيهما أول الثانية صام اليومين لاحتمال كونهما من الثانية فلا ينتقل عنها حتى يتمها بناء على أن فطر النسيان لا يبطله، وإذا علم اجتماعهما فإنه يقضى الشهرين لاحتمال كونهما من الأولى أو متفرقين أحدهما آخر الأولى والثانى أول الثانية وقد بطلت الأولى بفصل القضاء، وإن لم يدر اجتماع اليومين اللذين أفطرهما نسيانًا كما لم يدر موضعهما من افتراقهما صامهما لاحتمال كونهما من الثانية ولا ينتقل عنها حتى يكملها، وصام شهرين أيضًا فقط لاحتمال كونهما من الأولى أو أحدهما منها والثانى من الثانية (١). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): ويفوت التتابع بفوات يوم بلا عذر ولو كان اليوم الأخير كما إذا فسد صومه أو نسى النية في بعض الليالى،

стр. 9005

والنسيان لا يُجعل عذرًا في ترك المأمورات، هل يبطل ما مضى أو ينقلب نفلًا؟ فيه قولان: رجح في (الأنوار) أولها وابن المقرى ثانيهما، وينبغى حمل الأول على الإفساد بلا عذر والثانى على الإفساد بعذر، ولو شك في نية صوم يوم بعد الفراغ من الصوم ولو من صوم اليوم الذي شك في نيته لم يضر، إذ لا أثر للشك بعد الفراغ من اليوم، ويفارق نظيره في الصلاة بأنها أضيق من الصوم، ويستثنى من ذلك ما لو أفطر لسفر أو أفطرت الحامل، أو المرضع لأجل الولد، أو أفطر لفرط الجوع فإن التتابع يفوت وإن وجد عذر، وكذا يفوت التتابع لعذر بمرض مسوغ للفطر في الجديد؛ لأن المرض لا ينافى الصوم وقد أفطر باختياره فأشبه ما لو أجهده الصوم فأفطر، والقديم لا يقطع التتابع؛ لأن التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان وهو يسقط بالمرض، وعلم منه أن خوف المرض قاطع من باب أولى، ولا يزول التتابع في الصوم بحيض؛ لأنه ينافى الصوم ولا تخلو عنه ذات الأقراء في الشهر غالبًا، والتأخير إلى سن اليأس فيه خطر، وهذا إذا لم تعتد الانقطاع شهرين فأكثر، فإن اعتادت ذلك فشرعت في الصوم في وقت يتخلله الحيض انقطع، وكذا لو ابتدأ المكفر الصوم في وقت يعلم دخول ما يقطعه عن إتيانه كشهر رمضان أو يوم النحر، والنفاس كالحيض لا يقطع التتابع على الصحيح، وقيل: يقطعه لندرته وهو ظاهر نصوص الشافعي ﵁، وكذا جنون لا يزول به التتابع على المذهب لمنافاته للصوم كالحيض، والإغماء المستغرق كما في (الروضة) وهو المعتمد، وقيل: كالمرض، وكلام (التنقيح) يشعر بتوجيهه. وقال الأذرعى: إنه المذهب، والمنصوص في (الأم) ولو صام رمضان بنية الكفارة أو بنيتهما بطل صومه ويأثم بقطع صوم الشهرين ليستأنف، إذ هما كصوم يوم، ولو وطئ المظاهر فيهما ليلًا عصى ولم يستأنف (١). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذر وأفطر عليه استئناف الشهرين. وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه تقضى إذا طهرت وتبنى، وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس وفيه تعزير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله والنفاس كالحيض في أنه لا يقطع التتابع في أحد الوجهين؛ لأنه بمنزلته في أحكامه، ولأن الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما وإنما ذلك الزمان كزمان الليل في حقهما. والوجه الثاني: أن النفاس يقطع التتابع؛ لأنه فطر أمكن التحرز منه لا يتكرر كل عام فقطع كالفطر لغير عذر، ولا يصح قياسه على الحيض؛ لأنه أندر منه ويمكن التحرز عنه. وإن أفطر لمرض مخوف لم ينقطع التتابع أيضًا، لأنه أفطر لسبب لا صنع له فيه فلم يقطع التتابع كإفطار المرأة للحيض، وإن كان المرض غير مخوف لكنه يبيح الفطر، فقال أبو الخطاب: فيه وجهان أحدهما: لا يقطع التتابع؛ لأنه مرض أباح الفطر أشبه المخوف، والثانى: يقطع التتابع؛ لأنه أفطر اختيارًا فانقطع

стр. 9006

التتابع كما لو أفطر لغير عذر، فأما الحامل والمرضع فإن أفطرتا خوفا على أنفسهما فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفا على ولديهما ففيهما وجهان: أحدهما: لا ينقطع التتابع. اختاره أبو الخطاب لأنه فطر أبيح لهما بسبب لا يتعلق باختيارهما فلم ينقطع التتابع كما لو أفطرتا خوفًا على أنفسهما، والثانى: ينقطع؛ لأن الخوف على غيرهما، ولذلك يلزمهما الفدية مع القضاء، وإن أفطر لجنون أو إغماء لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه فهو كالحيض. وإن أفطر لسفر مبيح للفطر فكلام أحمد يحتمل الأمرين وأظهرهما أنه لا يقطع التتابع؛ فإنه قال في رواية الأثر: كان السفر غير المرض وما ينبغى أن يكون أوكد من رمضان. وظاهر هذا أنه لا يقطع التتابع وهذا قول الحسن. ويحتمل أن ينقطع به التتابع، ووجه الأول: أنه فطر لعذر مبيح للفطر فلم ينقطع به التتابع كإفطار المرأة بالحيض وفارق الفطر لغير عذر فإنه لايباح، وإن أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أفطر، ويتخرج في انقطاع التتابع وجهان أحدهما: لا ينقطع؛ لأنه فطر لعذر. والثانى: يقطع التتابع؛ لأنه فعل أخطأ فيه، فأشبه ما لوظن أنه قد أتم الشهرين فبان خلافه. وإن أفطر ناسيًا لوجوب التتابع أو جاهلًا به أو ظنًا منه أنه قد أتم الشهرين انقطع التتابع، لأنه أفطر لجهله فقطع التتابع كما لوظن أن الواجب شهر واحد، وإن أكره على الأكل أو الشرب بأن أُوجر الطعام أو الشراب لم يفطر. وإن أكل خوفًا فقال القاضي: لا يفطر. ولم يذكر غير ذلك. وفيه وجه آخر أنه يفطر، فعلى ذلك هل يقطع التتابع؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يقطعه؛ لأنه عذر مبيح للفطر فأشبه بالمرض. والثانى: ينقطع التتابع؛ لأنه أفطر بفعله لعذر نادر. وإن أفطر في أثناء الشهرين لغير عذر أو قطع التتابع بصوم نذر أو قضاء أو تطوع أو كفارة أخرى لزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخل بالتتابع المشروط ويقع صومه عما نواه؛ لأن هذا الزمان ليس بمستحق متعين لكفارة ولهذا يجوز صومهما في غيره بخلاف شهر رمضان فإنه متعين لا يصلح لغيره، وإذا كان عليه صوم نذر غير معين أخِّره إلى فراغه من الكفارة، وإن كان متعينًا في وقت بعينه أخر الكفارة عنه أو قدمها عليه إن أمكن، وإن كان أيامًّا من كل شهر كيوم خميس أو أيام البيض قدم الكفارة عليه وقضاه بعدها؛ لأنه لو وفى بنذره لانقطع التتابع ولزمه الاستئناف فيفضى إلى أن لا يتمكن من التكفير. والنذر يمكن قضاؤه فيكون هذا عذرًا في تأخيره كالمرض. وإن أصابها في ليالى الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) فأمر بها خاليين عن وطء ولم يأت بهما على ما أمر فلم يجزئه كما لو وطئ نهارًا؛ ولأنه تحريم للوطء لا يختص النهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف، وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبنى؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذى قبله

стр. 9007

من غير فارق (١) وهذا متحقق وإن وطئ ليلًا، وارتكاب النهى في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه، كما لو وطئ قبل الشهرين أو وطئ ليلة أو الشهرين وأصبح صائمًا، والإتيان بالصيام قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه سواء بنى أو استأنف. وإن وطئها أو وطئ غيرها في نهار الشهرين عامدًا أفطر وانقطع التتابع إجماعًا إذا كان غير معذور، وإن وطئها أو وطئ غيرها نهارًا ناسيًا أفطر وانقطع التتابع في إحدى الروايتين؛ لأن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان. وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يفطر ولا ينقطع التتابع؛ لأنه فعل المُفطر ناسيًا أشبه ما لو أكل ناسيًا، وإن أبيح له الفطر لعذر فوطيء غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع، وإن وطئها كان كوطئها ليلًا هل ينقطع التتابع؟ على وجهين، وإن وطئ غيرها ليلًا لم ينقطع التتابع، لأن ذلك ليس بمحرم عليه ولا هو مخل باتباع الصوم فلم ينقطع التتابع كالأكل ليلًا وليس في هذا اختلاف نعلمه، وإن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع، لإخلاله بموالاة الصيام وإلا فلا ينقطع (٢). وقال الخرقى في موضع آخر: ومن ابتدأ صوم الظهار من أول شعبان أفطر يوم الفطر وبنى، وكذلك إن ابتدأ من أول ذى الحجة أفطر يوم النحر وأيام التشويق وبنى على ما مضى من صيامه (٣). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): عن انقطاع التتابع في كفارة الصوم لمن أفطر بالجماع في نهار رمضان: وصفة الكفارة الواجبة هي في رواية جمهور أصحاب الزهرى من عتق رقبة لا يجزئه غيرها ما دام يقدر عليها، فإن لم يقدر عليها لزمه صوم شهرين متتابعين، فإن لم يقدر عليها لزمه حينئذ إطعام ستين مسكينًا (٤). ومن كان فرضه الصوم فقطع صومه عليه رمضان أو أيام الأضحى أو ما لا يحل صيامه فليسا متتابعين وإنما أمر بهما متتابعين. وقال قائل: يجزئه، قال على: وهذا خلاف أمره ﷺ وليس كونه معذورًا في إفطاره غير آثم ولا ملوم بمجيز له ما لم يجوزه الله تعالى من عدم التتابع لما روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن المغيرة عن إبراهيم: من لزمه شهران متتابعان فمرض فأفطر، فإنه يبتدئ صومهما. فإن اعترض فيهما يوم نذر نذره، بطل النذر وسقط عنه وتمادى في صوم الكفارة. وكذلك في رمضان سواء بسواء، لقول رسول الله ﷺ "كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق" (٥) فصح أنه ليس لأحد أن يلتزم غير ما ألزمه الله ومن نذر ما يبطل به فرض الله تعالى فنذره باطل؛ لأنه تعدَّى لحدود الله (٦). مذهب الزيدية: جاء في (الأزهار): ويجب في الظهار أن يصوم الشهرين ولاء - أي متواليًا - وإن لم تقع

стр. 9008

مولاة؛ بأن يفطر يومًا خلالهما أو أكثر استأنف صيام شهرين متواليين حتمًا، إلا أن يقع التفريق لعذر فإنه لا يلزمه الاستئناف وذلك نحو أن يمرض في وسط الشهرين فيفطر، فإنه إذا زالت علته بنى على ما كان قد صام، ولو كان العذر الذي أفطر في الشهرين لأجله مرجوًا زواله وزال كالمرض العارض فإنه لا يلزمه الاستئناف للصوم، فيبنى على ما كان قد فعل والخلاف في هذا كالخلاف في تفريق النذر الذي نوى فيه التتابع فإن تعذر البناء على الصوم بأن عرض له عذر مانع من الصوم قبل أن يتم الشهرين ثم استمر ذلك المانع فلم يمكنه إتمام الصوم قيل: أطعم للباقى من الصوم. مثال ذلك: أن يصوم شهرًا ثم يعرض له علة منعت الصوم واستمرت فإنه يطعم عن الشهر الثاني ثلاثين مسكينًا أو يعطى كل واحد منهم صاعًا (١). التتابع بالنسبة لكفارة اليمين: جاء في (التاج): أن من تعذر عليه العتق والكسوة والإطعام إما لفقر بحيث لايملك إلا ما استثنى له وهو المنزل وما يستر عورته من الكسوة المعتادة، أو لبعد ماله بحيث يكون بينه وبين ماله مسافة ثلاثة أيام أو كان عبدًا؛ إذ لا يملك شيئًا، فمن كان كذلك صام ثلاثًا متوالية، فلو فرقها استأنف كما تقدم في الظهار. التتابع بالنسبة لصوم كفارة القتل: جاء في (التاج المذهب) أن الكفارة في القتل الخطأ تجب بشروط، فمتى اجتمعت هذه الشروط وجب على القاتل أن يُكَفِّر بعتق رقبة، فإن لم يجد الرقبة أو كان القاتل عبدًا فيصوم شهرين ولاء (أي متتابعين) بدل الرقبة، ويجوز التفريق للعذر لا الترخيص؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) فإن تعذر العتق ثم الصوم فلا يعدل إلى الإطعام أو الكسوة كما في كفارة اليمين لعدم ذكرها في الآية (٣). مذهب الإمامية: جاء في (العروة الوثقى): أن صوم الكفارة أقسام: منها ما يجب فيه الصوم مع غيره وهى كفارة قتل العمد وكفارة من أفطر على محرَّم في شهر رمضان. فإنه تجب فيهما الخصال الثالث. ومنها: ما يجب فيه الصوم مخيرًا بينه وبين غيره وهى كفارة الإفطار في شهر رمضان وكفارة الاعتكاف وكفارة النذر والعهد وكفارة جز المرأة شعرها في المصاب، ويجب التتابع في صوم شهرين من كفارة الجمع أو كفارة التخيير، ويكفى في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأول ويوم من الشهر الثاني، وإذا فاته النذر المعين أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع أيضًا، ومن وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع، لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم له بتخلل العيد أو تخلل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان، فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان بل يجب أن يصوم قبله يومًا أو أزيد من رجب، وكذا لا يجوز أن يقتصر على شوال مع يوم من ذى القعدة أو على ذى الحجة مع يوم من المحرم لنقصان الشهرين بالعيدين، نعم لو لم يعلم

стр. 9009

من حين الشروع عدم السلامة فاتفق، فلا بأس على الأصح، وإن كان الأحوط عدم الإجزاء، ويستثنى مما ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد وهو صوم ثلاثة أيام بدل هدى التمتع إذا شرع فيه يوم التروية، فإنه يصح، وإن تخلل بينها العيد فيأتى بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، وأما لو شرع فيه يوم عرفة أو صيام يوم السابع والتروية وتركه في عرفة لم يصح ووجب الاستئناف كسائر موارد وجوب التتابع، وكل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختيارًا يجب استئنافه، وكذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب آخر من نذر ونحوه، وأما ما لم يشترط فيه التتابع وإن وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استئنافه. وإن أثم بالإفطار كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فإنه لو خالف وَأتى به متفرقًا صح وإن عصى من جهة خلف النذر، وإذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار كالمرض والحيض والنفاس والسفر الاضطرارى دون الاختيارى لم يجب استئنافه بل يبنى على ما مضى، ومن العذر إذا نسى النية حتى فات وقتها بأن تذكر بعد الزوال، ومنه أيضًا ما إذا نسى فنوى صومًا آخر ولم يتذكر إلا بعد الزوال، ومنه أيضًا ما إذا نذر قبل تغلق الكفارة صوم كل خميس فإن تخلله في أثناء التتابع لا يضر به، ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذر، نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى سائر الخصال، وكل من وجب عليه شهران متتابعان من كفارة معينة أو مخيرة إذا صام شهرًا ويومًا متتابعًا يجوز له التفريق في البقية ولو اختيارًا لا لعذر، وكذا لو كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيام جميعها ولم يكن المنساق منه ذلك وألحق الشهود بالشهرين المنذور فيه التتابع، فقالوا إذا تابع في خمسة عشر يومًا منه يجوز له التفريق في البقية اختيارًا، أو هو مشكل فلا يترك الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلل الإفطار عمدًا وإن بقى منه يوم، كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختيارًا مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع، وإذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيام السابقة فهى صحيحة وإن لم تكن امتثالًا للأمر الوجوبى ولا الندبى لكونها محبوبة في حد نفسها من حيث إنها صوم، وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإن الأذكار والقراءة الصحيحة في حد نفسها من حيث محبوبيتها لذاتها (١). جاء في (شرائع الإسلام): أنه يتعين الصوم في المرتَّبة مع العجز عن العتق، ويتحقق العجز إما بعدم الرقبة أو عدم ثمنها، وإما بعدم التمكين من شرائها وإن وجد الثمن، ومع تحقق العجز عن العتق يلزم في الظهار والقتل خطأ صوم شهرين متتابعين، وعلى المملوك صوم شهر فإن أفطر في الشهر الأول من غير عذر استأنف وإن كان لعذر بنى، وإن صام من الثاني ولو يومًا أتم، وهل يأتى مع الإفطار؟ فيه تردد أشبهه عدم الإثم، والعذر الذي يصح معه البناء الحيض والنفاس والمرض والإغماء والجنون، وأما السفر فإن اضطر إليه كان عذرًا وإلا كان قاطعًا للتتابع.

стр. 9010

ولو أفطرت الحامل والمرضع خوفًا على نفسيهما لم ينقطع التتابع، ولو أفطرتا خوفًا على الولد قال: قيل: ينقطع. وقيل: لا ينقطع. ولو أكره على الإفطار لم ينقطع التتابع سواء كان إجبارًا كمن وُجِرَ الماء في حلقه أو لم يكن كمن ضُرِبَ حتى أكل (١). وجاء في (الروضة البهية): أنه لو شك في نوع ما في ذمته أجزأه الإطلاق عن الكفارة على القولين كما يجزيه العتق عما في ذمته لو شك بين كفارة ونذر (٢). مذهب الإباضية: جاء في (النيل): أن كفارة التغليظ إما عتق أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا بتخيير في غير الظهار والقتل. وكفارة التخفيف وهى ما في قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ … ﴾ (٣) الآية. بتخيير بين الثلاثة الأولى، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة، قرأ ابن مسعود ﵁: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، ولا يضر الفصل بمرض أو حيض أو نفاس أو عيد وأجاز بعضهم الفصل بسفر يفطر فيها (٤). أما كفارة الإلزام وهى موجب كفارة فعل ما التزم مع حنث، فمن قال: عليه صوم سنة أو ضعفها مثلًا إن فعل كذا أو إن لم يفعله لزمه صوم ذلك متتابعًا إن حنث ولا يلزمه أن يصوم بدل رمضان إن قال على أن أبدله، والأعياد، وأيام الحيض والنفاس إن كان أنثى. وقيل: يلزمه وقيل: لا يلزمه التتابع (٥). وإن حلف بثلاثين حجة أو أقل أو أكثر لزمته فإن عجز بفقر صام لكل حجة منها شهرين متتابعين قياسًا في التتابع على سائر الكفارات من ظهار أو قتل، ولا يعذر إلا بمرض أو عيد أو رمضان أو حيض أو نفاس أو نحو ذلك ولا يعذر في قطع الصوم بسفر (٦). وإن صام شهرًا أو أقل أو أكثر فأكل أو أدخل جوفه شيئًا من أي منفذ ولو مداواة نهارًا بمرض أو نسيان أو اضطرار بجوع أو إكراه بقتل أو شرب بعطش اضطرارًا أو بمرض أو بنسيان فهل يجدد؟ لأن التكفير للظهار ليس له وقت معين فهل يعذر أو يبنى؟ قولان: أظهرهما عندى الثاني: بل قيل: إن أكل أو شرب نسيانًا لم يبطل صومه، وإن أجبر فأوصل الطعام أو الشراب جوفه بنى وأعاد يومه، وقيل: لا يعيده (٧).

стр. 9011

انقطاع لبن المرضع مذهب الحنفية: جاء في (الفتاوى الهندية): رجل تزوج امرأة فولدت منه ولدًا فأرضعت ولدها ثم يبس لبنها ثم دَرَّ لها لبنٌ بعد ذلك فأرضعت صبيًا كان لهذا الصبى أن يتزوج أولاد هذا الرجل من غير المرضعة كذا في (فتاوى قاضيخان) (١). وجاء في (بدائع الصنائع): لو طلق الرجل امرأته ولها لبن من ولد كانت ولدته منه فانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر وهى كذلك فأرضعته صبيًا عند الثاني ينظر: إن أرضعت قبل أن تحمل من الثاني فالرضاع من الأول بالإجماع، لأن اللبن نزل من الأول فلا يرتفع حكمه بارتفاع النكاح كما لا يرتفع بالموت، وكما لو حُلِب منها لبن ثم ماتت لا يبطل حكم الرضاع من لبنها؛ كذا هذا. وإن أرضعت بعد ما وضعت من الثاني فالرضاع من الثاني بالإجماع؛ لأن اللبن منه ظاهرًا، وإن أرضعت بعد ما حملت من الثاني قبل أن تضع فالرضاع من الأول إلى أن تضع في قول أبى حنيفة، وقال أبو يوسف: إن علم أن هذا اللبن من الثاني بأن ازداد لبنها فالرضاع من الثاني، وإن لم يعلم فالرضاع من الأول، وروى الحسن بن زياد عنه أنها إذا حبلت فاللبن للثانى. وقال محمد وزفر: الرضاع منهما جميعًا إلى أن تلد فإذا ولدت فهو من الثاني. ووجه قول محمد أن اللبن الأول باقٍ والحمل سبب لحدوث زيادة لبن فيجتمع لبنان في ثدى واحد فتثبت الحرمة بهما بخلاف ما إذا وضعت، لأن اللبن الأول ينقطع بالوضع ظاهرًا وغالبًا فكان اللبن من الثاني فكان الرضاع منه. ووجه قول أبى يوسف أن الحامل قد ينزل لها لبن فلما ازداد لبنها عند الحمل من الثاني دل أن الزيادة من الحمل الثاني إذ لو لم يكن لكان لا يزداد بل ينقص؛ إذ العادة أن اللبن ينقص بمضى الزمان ولا يزداد فكانت الزيادة دليلًا على أنها من الحمل الثاني لا من الأول. ووجه رواية الحسن عنه أن العادة أن بالحمل ينقطع اللبن الأول ويحدث عنده لبن آخر، فكان الموجود عند الحمل الثاني من الحمل الثاني لا من الأول فكان الرضاع منه لا من الأول (٢). مذهب المالكية: جاء في (التاج والإكليل): ويصير الطفل خاصةً ولدًا لصاحبة اللبن ولصاحبه من وطئه لانقطاع اللبن وإن بعد سنين. قال ابن الحاجب: يقدر الطفل خاصة ولدًا لصاحبة اللبن وصاحبه إن كان، فلذلك جاز أن يتزوج أخوه نسبًا أخته وأمه من الرضاع، ويعتبر صاحبه من حين الوطء. قال بهرام: وما حصل قبل الوطء لا عبرة به. ومن المدونة قال مالك: لو لم تلد قط وهى تحت زوج فدرت فأرضعت صبيًا قبل أن تحمل كان اللبن للفحل. قال ابن القاسم: وإن طلقها زوجها وهى ترضع ولدها منه فانقضت عدتها وتزوجت غيره ثم حملت من الثاني فأرضعت صبيًا فإنه ابن الزوج الأول والثانى، واللبن لهما جميعًا إن كان اللبن الأول لم ينقطع. وقاله ابن نافع عن مالك.

стр. 9012

قال ابن الحاجب: لبن الدارة لصاحبه إلا أن ينقطع ولو بعد سنين واشترك مع القديم. وعبارة ابن عرفة: لو وطئ ذات لبنٍ زوج ثانٍ فالمشهور - وهو قول ابن القاسم ورواية ابن نافع وقاله محمد - أن اللبن لهما ولو ولدت من الثاني ولو بحرام إلا أن يلحق به الولد (١). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه إذا ثار للمرأة (للزوجة) لبن علي ولد من زوج فطلقها وتزوجت بآخر فاللبن للأول إلى أن تحبل من الثاني، وينتهى إلى حال ينزل اللبن علي الحبل، فإن أرضعت طفلًا كان ابنًا للأول زاد اللبن أو لم يزد؛ انقطع ثم عاد أو لم ينقطع؛ لأنه لم يوجد سبب يوجب حدوث اللبن غير الأول، فإن بلغ الحمل من الثاني إلى حال ينزل فيه اللبن نظر، فإن لم يزد اللبن فهو للأول، فإن أرضعت به طفلًا كان ولدًا للأول؛ لأنه لم يتغير اللبن، فإن زاد فارتضع به طفل ففيه قولان: قال في القديم: هو ابنهما؛ لأن الظاهر أن الزيادة لأجل الحبل. والمرضع به لبنهما فكان ابنهما. وقال في الجديد: هو ابن الأول؛ لأن اللبن للأول يقينًا ويجوز أن تكون الزيادة لفضل الغذاء، ويجوز أن تكون للحمل، فلا يزال اليقين بالشك. فإن انقطع اللبن ثم عاد في الوقت الذي ينزل اللبن علي الحبل فأرضعت به طفلًا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ابن الأول؛ لأن اللبن خلق غذاء للولد دون الحمل، والولد للأول فكان المرضع به ابنه. والثانى: أنه من الثاني؛ لأن لبن الأول انقطع، فالظاهر أنه حدث للحمل. والحمل للثانى فكان المرضع باللبن ابنه. والثالث: أنه ابنهما؛ لأن لكل واحد منهما أمارة تدل على أن اللبن له فجعل المرضع باللبن ابنهما. فإن وضعت الحمل وأرضعت طفلًا كان ابنًا للثانى في الأحوال كلها زاد اللبن أو لم يزد، اتصل أو انقطع ثم عاد؛ لأن حاجة المولود إلى اللبن تمنع أن يكون اللبن لغيره (٢). وجاء في (مغنى المحتاج): أنه لا تنقطع نسبة اللبن عن صاحبه من زوج أو غيره مات أو زوج طلق وله اللبن وإن طالت المدة كعشر سنين وله لبن ارتضع منه أو انقطع اللبن وعاد، إذ لم يحدث ما يحال اللبن عليه، إذ الكلام في الخلية، فاستمرت نسبته إليه. ولو حملت مرضعة مزوجة من زنا فاللبن للزوج ما لم تضع، فإذا وضعت كان اللبن للزنا نظير ما لو حملت بغير زنا، ولو نزل لبكر لبن وتزوجت وحبلت من الزوج فاللبن لها لا للزوج ما لم تلد، ولا أب للرضيع، فإن ولدت منه فاللبن بعد الولادة له (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إذا كان للمرأة لبن من زوج فأرضعت به طفلًا ثلاث رضعات فانقطع لبنها ثم تزوجت بآخر فصار لها منه لبن فأرضعت منه الطفل الذي أرضعته أولًا في الحولين رضعتين صارت أمًا له لأنه كمل له خمس رضعات من لبنها، ولم يصر واحد من

стр. 9013

الزوجين أبًا له؛ لأنه لم يكمل له خمس رضعات من لبن أحدهما، ويحرم الطفل عليهما إن كان أنثى؛ لكونه ربيبًا لهما قد دخلا بأمه لا لكونه ولدهما (١). وإذا تزوج امرأة لها لبن من زوج قبله أو من سيد اشترى أمة لها لبن من زوج أبانها، فوطئها فحملت منه ولم تلد ولم يزد لبُنها أو لم تحمل فاللبن للأول؛ لأن نصف اللبن كان له والأصل بقاؤه، وإن زاد اللبن بعد الحمل زيادة في أوانها فاللبن لهما، فإن أرضعت به طفلًا صار ابنًا لهما كما لو كان الولد منهما؛ لأن زيادته عند حدوث الحمل ظاهر في أنه منه وبقى لبن الأول؛ لأن أصله منه فوجب أن يضاف إليهما، وإن لم يزد اللبن بالحمل أو زاد قبل أوانه أو لم تحمل وزاد بالوطء فاللبن للأول. وإن انقطع لبن الأول ثم ثاب بحملها من الثاني فهو لهما؛ لأن اللبن كان للأول فلما عاد بحدوث الحمل فالظاهر أن لبن الأول ثاب بسبب الحمل من الثاني فكان مضافًا إليهما، كما لو لم ينقطع. ومتى ولدت فاللبن للثانى وحده إذا زاد؛ لأن زيادته بعد الولادة تدل على أنه لحاجة المولود فتمتنع المشاركة فيه إلا إذا لم يزد اللبن أو لم ينقص من الأول حتى ولدت فاللبن لهما، لأن اللبن الأول أضيف إلى الولد الأول، واستمراره على حاله أوجب بقاءه عليه، وحاجة الولد الثاني إلى اللبن أوجبت اشتراكهما فيه كالعين إذا لم يدفع المستحق الثاني صاحب اليد عنها يبقى استحقاقه لها (٢). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): إن حملت امرأة ممن يلحق ولدها به فدبَّ لها اللبن ثم وضعت فطلقها زوجها أو مات عنها فتزوجها آخر، أو كانت أمة فملكها آخر فما أرضعت فهو ولد للأول لا للثانى، فإن حملت من الثاني فتمادى اللبن فهو للأول إلا أن يتغير ثم يعتدل، فإنه إذا تغير فقد بطل حكم الأول وصار للثانى (٣). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه يثبت حكم البنوة لذى اللبن وهو زوجها الذي علقت منه وأرضعت بعد العلوق. وعن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وداود: أن الرضاع لا يقتضى التحريم بالنسبة إلى الرجل، بمعنى أنه لا يشارك الأم في حكم البنوة. وعندنا أن الزوج يشاركها إن كان لها زوج وإلا فالولد لها فحسب. ومعنى ثبوت حكم البنوة إنما هو في تحريم النكاح دون غيره من الأحكام كالنسب والإرث وسقوط القود ونحو ذلك، وإنما يشاركها في حكم البنوة في المرضع، فيصير ابنًا له كما هو ابن لها من وطئها وعلقت منه بولد ولحقه نسبه، فإن اللبن بعد هذا العلوق يصير لهما جميعًا، وقبل العلوق لا يشاركها فيه عندنا. قال المهدى ﵇: وإنما قلنا (ولحقه) احتراز من أن تعلق منه في نفس الأمر، ولا يلحقه في ظاهر الشرع كالولد المنفى باللعان ونحو ذلك؛ فإنه إذا لم يلحقه العلوق لم يشاركها في اللبن. نعم ولا يزال الرجل مشاركًا للمرأة في

стр. 9014

اللبن حتى ينقطع منها بالكلية فلو عاد بعد الانقطاع لم يرجع له فيه حق؛ أو لم ينقطع منها اللبن لم يزل مشاركًا لها، ولو طلقها وتزوجت غيره لم ينقطع حق الأول في اللبن حتى تضع من زوج غيره، فمتى وضعت بطل حق الأول (١). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه إن كان اللبن عن نكاح فلو رد النكاح لم تنتشر حرمة، وكذا لو كان عن زنا، وفى نكاح الشبهة تردد؛ أشبهه تنزيله على النكاح الصحيح، ولو طلق الزوج زوجته وهى حامل منه أو مرضع فأرضعت ولدًا نشر الحرمة كما لو كانت في حباله، وكذا لو تزوجت ودخل بها الزوج الثاني وحملت، أما لو انقطع اللبن ثم عاد في وقت يمكن أن يكون للثانى كان له دون الأول، ولو اتصل حتى تضع الحمل من الثاني كان ما قبل الوضع للأول وما بعد الوضع للثانى (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أن من طلق زوجة أو مات عنها أو فارقته بوجه ما أو أعتق سرية أو اعتزلها أو باعها ثم تزوجت غيره أو تسراها فإن مسها الثاني انقطع اللبن عن الأول إلى الثاني، ولو كانت ترضع ولد الأول فيحل له تزوج امرأة الأول وأمها وبنتها وخالتها ونحوهن. وقبل المس تحرم عليه هؤلاء ويحللن له من الثاني. وقيل: لا ينقطع حتى تحمل من الثاني. وقيل: حتى تحمل منه وتضع. وتعبيره بالمس يتبادر منه الجماع فلا يقطع اللبن بمس فرج بيد ولا بنظر. قال في (الديوان): يكون اللبن لمجنون إن مس بالغة، ولعبد ومشرك، لا لطفل. ويكون لناكح فاسدًا، ولواطئ في دبر، أو فيما دون، أو في حيض أو نفاس، أو بزنا، لا لماسٍّ فرجًا بيد ولا لناظر باطن جسد، أي ولو باطن فرج، ولا لمجبوب، ولا لواطئ في نكاح حرام بعمد، ويقطعا لزوج البالغ اللبن إذا مس مسًا تامًّا بأن غابت الحشفة، فلو لم تغب لم يقطع. وكل مسٍّ يقطع اللبن إذا كان يثبت به اللبن إلا المس فيما دون فإنه يثبته ولا يقطعه، ولا مس طفل، ولا بزنا، ولا بنكاح محرم عمدًا كنكاح خامسة أو في عدة ويقطعه بنكاح فاسد (٣).

стр. 9015

انقطاع الرجعة مذهب الحنفية: جاء في (تبيين الحقائق): أن الرجعة تنقطع بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيام، أما إذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام فلا تنقطع الرجعة حتى تغتسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة فبتمامها يحكم بطهارتها وانقضاء العدة، سواء طهرت أو لم تطهر، وإنما شرطت الطهارة فيه اعتبارًا للغالب، أو يكون معناه: طهرت لتمام العشرة، أي لأجل أنها تمت لا لانقطاع الدم؛ لأنه لا يشترط فيه الانقطاع، لأن ما زاد على العشرة استحاضة، فوجود الانقطاع بعد تمام العشرة كعدمه، إلا أن الدم إن انقطع لعشرة أيام تنقطع الرجعة في الحال، وإن لم ينقطع وكان لها عادة فإنها ترد إلى عادتها، فيتبين أن الرجعة انقطعت من ذلك الوقت، وفيما دون العشرة يحتمل عود الدم، فلا بد أن يعضد الانقطاع بأخذ شئ من أحكام الطاهرات وذلك بالاغتسال؛ لأنه يحل لها به القراءة ودخول المسجد والصلاة وغيرها، أو يمضى عليها أدنى وقت صلاة؛ وهو قدر ما تقدر على الاغتسال والتحريمة، وما دون ذلك ملحق بمدة الحيض. وقال زفر: لا تنقطع الرجعة ما لم تغتسل؛ لأن معها يتوهم عوده. ولو اغتسلت بسؤر الحمار مع وجود الماء المطلق انقطعت الرجعة لكنها لا تصلى حتى تغتسل بماء آخر أو تتيمم - لاحتمال نجاسة ذلك الماء - احتياطًا، وإذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام ولم تجد ماءً فلا تنقطع الرجعة حتى تتيمم وتصلى، ولا فرق بين أن تكون الصلاة فرضًا أو تطوعًا. وقال محمد: تنقطع الرجعة بمجرد التيمم، وهو القياس؛ لأن التيمم عند عدم الماء يُنزَّلُ منزلة الاغتسال، بدليل جواز الصلاة وجواز دخول المسجد وغير ذلك من الأحكام به. ولا فرق بين الحكم بجواز صلاة أديت وبين الحكم بجواز الإقدام على أدائها؛ إذ كل واحد منهما يشترط له الطهارة، فإذا كان كالاغتسال في حق الأحكام فكذا في حق هذا الحكم، بل أولى؛ لأن انقطاع الرجعة يؤخذ فيه بالاحتياط ألا ترى أنها لو اغتسلت وبقيت لمعة في جسدها لم يصبها الماء أو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت الرجعة وإن لم يحل لها أداء الصلاة، ودليل الرأى الآخر أن التيمم طهارة ضرورية لكونه تلويثًا حقيقة، وهذا لأنه لا يرفع الحدث بيقين حتى لو وجد الماء كان محدثًا بالحدث السابق، وإنما جعل طهارةً ضرورةً الحاجة إلى أداء الصلاة كيلا تتضاعف الواجبات عليها. والثابت ضرورة يتقدر بقدرها وهى أداء الصلاة وتوابعها من دخول المسجد وقراءة القرآن فكان في حق الرجعة عدمًا إلا إذا حكمنا بجواز الصلاة؛ بالأداء فيلزمه الحكم بطهارتها ضرورة صحة الصلاة لأنها لا تصح إلا من الطاهرات، فيلزمه انقطاع الرجعة ضرورة حكمنا بها، وقبل الأداء لا يحكم لها بشئ؛ لأن حل الإقدام على الأداء مشروط باستمرار العجز، ولهذا تعيد الصلاة إذا وجدت الماء في خلال الأداء، بخلاف ما إذا اغتسلت وبقى في جسدها لمعة؛ لأن انقطاع الرجعة هنا لتوهم وصول الماء إلى ذلك الموضوع وسرعة الجفاف فكانت طهارة مطلقة قوية حتى لو تيقنت بعدم وصول الماء إليه بأن تركته عمدًا لا تنقطع الرجعة أيضًا، وبخلاف الاغتسال بسؤر الحمار؛ لأنه ماء حقيقة فيكون مطهرًا مطلقًا،

стр. 9016

لكنها تؤمر بضم التيمم إليه في حق الصلاة احيتاطًا لاشتباه الحال فيه. هذا وقد قيل: تنقطع الرجعة بنفس الشروع في الصلاة عندهما؛ والصحيح أنها لا تنقطع حتى تفرغ من الصلاة؛ لأن الحال بعد شروعها في الصلاة كالحال قبله، ألا ترى أنها تبطل برؤية الماء بخلاف ما بعد الفراغ منها. وقال الكرخى: لو قرأت القرآن بعد التيمم أو مست المصحف أو دخلت المسجد تنقطع الرجعة؛ لأن صحة القراءة وجواز مس المصحف حكم من أحكام الطاهرات كجواز الصلاة. وقال أبو بكر الرازى: لا تنقطع الرجعة؛ لأنها اتباع للصلاة فلا يعطى لها حكمها. ولو اغتسلت ونسيت أقل من عضو تنقطع الرجعة، أما لو نسيت عضوًا فلا تنقطع الرجعة؛ وذلك كاليد والرجل، وهذا استحسان. والقياس في العضو الكامل أن تنقطع الرجعة؛ لأنها غسلت الأكثر وله حكم الكل. وفيه قياس آخر: أن الرجعة لا تبقى فيما دون العضو أيضًا، لأن حكم الحدث لا يتجزًا زوالًا كما لا يتجزأ ثبوثًا فبقيت على ما كانت قبل الاغتسال، لهذا لم يجز لها من الأحكام ما لا يجوز للحائض (١). مذهب المالكية: جاء في (الشرح الكبير): أن المطلقة إن قالت عند قصد الزوج ارتجاعها: أنا حضت ثالثة فلا رجعة لك عليَّ، فأقام الزوج بينة شهدت على قولها قبل هذا القول بما يكذبها بأن شهدت بأنها قالت: لم أحض أصلًا، أو لم أحض ثالثة وليس بين قوليها ما يمكن أن تحيض فيه فتصح رجعته، فإن لم يقمها لم تصح، ولو رجعت لتصديقه أو أشهد الزوج برجعتها في العدة فصمتت يومًا أو بعضه ثم قالت: كانت عدتى قد انقضت قبل إشهادك برجعتى فتصح رجعته وتعد نادمة بقولها: كانت عدتى قد انقضت قبل إشهادك برجعتى. ومفهوم (صمتت) أنها لو بادرت بالإنكار لم يصح إن مضت مدة يمكن فيها انقضاء العدة، وصحت رجعة الزوج إن ادعى بعد انقضاء العدة أنه كان راجعها في العدة وكذبته فلم يصدق؛ لعدم البينة فتزوجت بغيره ثم ولدت ولدًا كاملًا لدون ستة أشهر من وطء الثاني لحق بالأول لظهور كون الحمل منه، ويفسخ نكاح الثاني، وردت إلى الأول برجعته التي ادعاها ولم تصدقه عليها؛ لأنه تبين أنها حين الطلاق كانت حاملًا وعدة الحامل وضع حملها كله، ولم تحرم الزوجة على الزوج الثاني تأبيدًا إذا مات الأول أو طلقها، لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون الثاني تزوج ذات زوج لا معتدة، وإن راجعها ولم تعلمه بالرجعة حتى انقضت العدة وتزوجت فإن تلذذ بها الثاني غير عالم بأنه راجعها فاتت على المراجع وإلا فلا. وإن ادعت المطلقة انقضاء العدة في مدة يندر انقضاؤها فيها كالشهر لجواز أن يطلقها أول ليلة من الشهر وهى طاهر فيأتيها الحيض وينقطع قبل الفجر، ثم يأتيها ليلة السادس عشر وينقطع قبل الفجر، أيضًا، ثم يأتيها آخر يوم من الشهر بعد الغروب؛ لأن العبرة بالطهر في الأيام، ولا يفيدها تكذيبها نفسها إذا قالت: كنت كاذبة في قولى هذا انقضت عدتى، فلا تحل لمطلقها إلا

стр. 9017

بعقد جديد؛ ولا ترثه إن مات، ولا يفيدها دعواها أنها رأت أول الدم من الحيضة الثالثة وانقطع قبل استمراره المعتبر، وهو يوم أو بعضه (١). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه إذا طلق الحر امرأته بعد الدخول طلقة أو طلقتين، أو طلق العبد امرأته بعد الدخول طلقة فله أن يراجعها قبل انتهاء العدة (٢). لقوله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣). والمراد به: إذا قاربن أجلهن. وروى ابن عباس عن عمر - رضى الله عنهم أن النبي ﷺ "طلق حفصة وراجعها" (٤). وروى أن ابن عمر - رضى الله عنهما - طلق امرأته وهى حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: "مُر ابنك فليراجعها" (٥). فإن انقضت العدة لم يملك رجعتها لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٦). فلو ملك رجعتها لما نهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح، فإن طلقها قبل الدخول لم يملك الرجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٧). فعلق الرجعة على الأجل فدل على أنها لا تجوز من غير أجل، والمطلقة قبل الدخول لا دة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٨). وإذا طلق الرجل امرأته بعد الدخول وتزوجت في عدتها بآخر ووطئها جاهلًا بتحريمها وجب عليها إتمام عدة الأول واستئناف عدة الثاني، ولا تدخل عدة أحدهما في عدة الآخر؛ لما وى سعيد بن المسيب وسليمان بن بشار أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفى فطلقها، فنكحت في عدتها فضربها عمر - رضى الله عنه - وضرب زوجها بمخفقة (٩) ضربات، ثم قال: "أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبًا من الخطاب .. وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم اعتدت من الآخر ولم ينكحها أبدًا" (١٠). ولأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالدينين فإن كانت حائلًا انقطعت عدة الأول بوطء الثاني إلى أن يفرق بينهما؛ لأنها صارت فراشًا للثانى فإذا فرق بينهما أتمت ما بقى من عدة الأول ثم استأنفت العدة من الثاني؛ لأنهما عدتان من جنس واحد فقدمت السابقة منهما، وإن كانت حاملًا نظر فإن كان الحمل من الأول انقطعت عدتها منه

стр. 9018

بوضعه، ثم استأنفت العدة من الثاني بالأقراء بعد الطهر من النفاس، وإن كان الحمل من الثاني انقضت عدتها منه بوضعه ثم أتمت عدة الأول وتقدم عدة الثاني ها هنا على عدة الأول؛ لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من الثاني وتعتد من الأول، وإن أمكن أن يكون كل واحد منهما عرض على القافة فإن ألحقته بالأول انقضت به عدته، وإن ألحقته بالثانى انقضت به عدته، وإن ألحقته بهما أو نفته عنهما أو م تعلم أو م تكن قافة لزمها أن تعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، لأنه إن كان من الأول لزمها للثانى ثلاثة أقراء؛ وإن كان من الثاني لزمها إكمال العدة من الأول فوجب أن تعتد بثلاثة أقراء ليسقط الفرض بيقين. وإذا طلق الرجل زوجته طلاقًا رجعيًا ثم وطئها في العدة وجبت عليها عدة بالوطء؛ لأنه وطء في نكاح قد تشعث فهو كوطء الشبهة، فإن كانت من ذوات الأقراء أو من ذوات الشهور لزمها أن تستأنف العدة وتدخل فيها البقية من عدة الطلاق؛ لأنهما من واحد، وله أن يراجعها في البقية؛ لأنها من عدة الطلاق، فإذا مضت البقية لم يجز أن يراجعها؛ لأنها في عدة وطء وشبهة، وإن حملت من الوطء صارت في عدة الوطء حتى تضع. وهل تدخل فيها بقية عدة الطلاق؟ فيه وجهان، أحدهما: تدخل؛ لأنهما لواحد تدخلت إحداهما في الأخرى كما لو كانتا بالأقراء. والثانى: لا تدخل؛ لأنهما جنسان فلم تدخل إحداهما في الأخرى. وإذا خالع امرأته بعد الدخول فله أن يتزوجها في العدة. وقال المزنى: لا يجوز كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ؛ لأن نكاح غيره يؤدى إلى اختلاط الأنساب، ولا يوجد ذلك في نكاحه. وإن تزوجها انقطعت العدة. وقال أبو العباس: لا تنقطع قبل أن يطأها كما لا تنقطع إذا تزوجها أجنبى قبل أن يطأها وهذا خطأ، لأن المرأة تصير فراشًا بالعقد، ولا يجوز أن تبقى مع الفراش عدة، ولأنه لا يجوز أن تكون زوجته وتعتد منه، ويخالف الأجنبى فإن نكاحه في العدة فاسد، فلم تعد فراشًا إلا بالوطء، فإن وطئها ثم طلقها لزمها عدة مستأنفة، تدخل فيها بقية الأولى، وإن طلقها قبل أن يطأها لم يلزمها استئناف عدة؛ لأنها مطلقة في نكاح قبل المسيس فلم تلزمها عدة، كما لو تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول، وعليها أن تتمم ما بقى عليها من العدة الأولى؛ لأنا لو أسقطنا البقية أدى ذلك إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب، لأنه يتزوج امرأة ويطأها ثم يخلعها ثم يتزوجها آخر فيطأها ثم يخلعها ثم يتزوج آخر ويفعل مثل ذلك إلى أن يجتمع على وطئها في يوم واحد كثيرون وتختلط المياه وتفسد الأنساب (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه إذا انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة ولما تغتسل فهل تنقضى عدتها بانقطاع الدم؟ فيه روايتان ذكرهما ابن حامد: إحداهما: لا تنقضى عدتها حتى تغتسل، ولزوجها رجعتها في ذلك. وهذا ظاهر كلام الخرقى فإنه قال في العدة: فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة أبيحت للأزواج، وهذا قول كثير من أصحابنا، وروى ذلك عن عمر وعلى وابن مسعود وسعيد بن المسيب والثورى وأبى عبيد،

стр. 9019

وروى نحوه عن أبى بكر الصديق وأبى موسى وعبادة وأبى الدرداء رضى الله عنهم. وروى عن شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة، ووجه هذا قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم المخالف في عصرهم فيكون إجماعًا، ولأن أكثر أحكام الحيض لا تزول إلا بالغسل وكذلك هذا. والرواية الثانية أن العدة تنقضى بمجرد انقطاع الدم قبل الغسل، وهو قول طاوس وسعيد بن جبير والأوزاعى. واختاره أبو الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) والقرء هي الحيض، وقد زال فيزول التريص، وفيما روى عن النبى ﷺ أنه قال "وقرء الأمة حيضتان" (٢). وقال: "دعى الصلاة أيام أقرائك" (٣). يعنى أيام حيضك. ولأن انقضاء العدة تتعلق به بينونتها من الزوج وحلها لغيره فلم يتعلق بفعل اختيارى من جهة المرأة بغير تعليق الزوج كالطلاق وسائر العدة، ولأنها لو تركت الغسل اختيارًا أو لجنون أو نحوه لم تحل، إما أن يقال بقول شريك: إنها تبقى معتدة ولو بقيت عشرين سنة، وذلك خلاف قول الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) فإنها تصير عدتها أكثر من مائتى قرء، أو يقال: تتقضى العدة قبل الغسل فيكون رجوعًا عن قولهم، ويحمل قول الصحابة في قولهم: حتى تغتسل، أي يلزمها الغسل. وإذا تزوجت الرجعية في عدتها وحملت من الزوج الثاني انقطعت عدتها من الأول بوطء الثاني. وهل يملك الزوج الأول رجعتها في عدة الحمل؟ يحتمل وجهين: أولاهما: أنه له رجعتها؛ لأنها لم تنقضٍ عدتها، فحكم نكاحها باقٍ يلحقها طلاقه وظهاره، وإنما انقطعت عدته لعارض، فهو كما لو وطُئت في صلب نكاحه، فإنها تحرم عليه وتبقى سائر أحكام الزوجية؛ ولأنها يملك ارتجاعها إذا عادت إلى عدته فملكه قبل ذلك كما لو ارتفع حيضها في أثناء عدتها. والوجه الثاني: ليس له رجعتها؛ لأنها ليست في عدته، فإذا وضعت الحمل انقضت عدة الثاني وبنت على ما مضى من عدة الأول، وله ارتجاعها حينئذ وجهًا واحدًا (٥). مذهب الظاهرية: (جاء في المحلى): أن المطلقة طلاقًا رجعيًا هي زوجة للذى طلقها ما لم تنقض عدتها؛ يتوارثان ويلحقها طلاقه وإيلاؤه وظهاره ولعانه إن قذفها، وعليه نفقتها وكسوتها وإسكانها، فإذ هي زوجته، فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها وأن يطأها؛ إذ لم يأت نص بمنعه من شئ من ذلك، وقد سماه الله تعالى بعلًا لها، إذ يقول : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٦). يقول ابن حزم: فإن وطئها لم يكن بذلك مراجعًا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد ويعلمها بذلك قبل تمام عدتها، فإن راجع ولم يشهد. فليس مراجعًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧)، قرن الله تعالى بين المراجعة والطلاق

стр. 9020

والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكأن من طلق ولم يشهد ذوى عدل. أو راجع ولم يشهد ذوي عدل متعد لحدود الله تعالى (١) وقال رسول الله ﷺ "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أن الحائض إذا طلقت وكانت من ذوات الحيض كانت عدتها بثلاث حيضات غير ما طلقت وهى فيها إن كانت طلقت وهى حائض، أو وقع الحيض وهى تحت زوج قد تزوجها في العدة جهلًا؛ بشرط استمرار الجهل، فلو علما أو أحدهما فزنًا إذا وطئ بعد ذلك، فلا يقطع حكم العدة منهما بتحريم ذلك، فإنما وقع من الحيض تحت زوج لا عبرة به. وكذا الحمل لا يعتد به بما حصل تحته ما لم يتخلل بين الوطئين الصادرين منه قدر مدة الاستبراء وباقى العدة؛ إذ لا تحتاج إلى نية ولا هي في حباله. وقرر المتوكل على الله أن لا عبرة بهذا الحيض؛ لأنها تحت زوج. ولفظ البيان: وينقطع حكم عدتها بالدخول بها فلا حكم لما تحض من بعد ذلك حتى تخرج من الزوج الآخر وتستبرئ منها (٣). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه لو تزوجت المرأة في العدة لم يصح ولم تنقطع عدة الأول، فإن لم يدخل الثاني فهى في عدة الأول، وإن وطئها الثاني عالمًا بالتحريم فالحكم كذلك حملت أو لم تحمل، ولو كان جاهلًا ولم تحمل أتمت عدة الأول؛ لأنها أسبق واستأنفت أخرى للثانى على أشهر الروايتين، ولو حملت وكان هناك ما يدل على أنه للثانى اعتدت بوضعه له وأكملت عدة للأول بعد الوضع. ولو كان ما يدل على انتفائه عنهما أتمت بعد وضعه عدة للأول واستأنفت عدة للأخير، ولو طلقها بعد الدخول ثم راجع في العدة؛ ثم طلق قبل المسيس لزمها استئناف العدة لبطلان الأولى بالرجعة (٤). ولو طلق الزوج زوجته طلقة رجعية فارتدت فراجع لم يصح، كما لا يصح ابتداء الزوجية، وفيه تردد ينشأ من كون الرجعية زوجة، ولو أسلمت بعد ذلك استأنفت الرجعة إن شاء، ولو كان عنده ذمية فطلقها رجعيًا ثم راجعها في العدة قيل: لا يجوز؛ لأن الرجعة كالعقد المستأنف. والوجه الجواز؛ لأنها لم تخرج عن زوجيته فهى كالمستدامة (٥). مذهب الإباضية: اختلف الإباضية في مراجعة المطلقة، وقالوا: هل تصح مراجعة مطلقة بائنًا بأن قال رجل لزوجته: طلقتك طلاقًا بائنًا - أو نحو ذلك - في عدة بإذنها حملًا لكونه بائنًا على معنى فوت رجعته من يده فلا يكون إلا بأمرها ورضاها؛ إذ ليس ظاهر قوله: "طلاق بائن" إلا أنه منفصل عن حكمه. وهو ما يترتب عليه من الرجعة. وهو مقابل قولك: طلقها طلاقًا رجعيًّا أو طلاقًا يملك رجعته؛ أي لم ينفصل عن ملكه بل له تداركه بالرجعة وإبطال حكمه بها. فالبائن في حكم الفداء كما لا يراجعها بلا إذن منها في الفداء. كذلك في البائن. أو تصح الرجعة وإن بدون إذنها؛ لأنه ليس شيئًا محرمًا لها ولا طلاقًا ثلاثًا بل طلاق واحد، والطلاق يملك الزوج رجعته ما لم يكن ثالثًا (٦).

стр. 9021

انقطاع النسب مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): من أحكام اللعان وجوب قطع النسب في أحد نوعى القذف، وهو القذف بالولد، لما روى أن رسول الله ﷺ لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته وفرق بينهما نفى الولد عنه وألحقه بالمراة (١)، فصار النفى أحد حكمى اللعان، ولأن القذف إذا كان بالولد ففرض الزوج أن ينفى ولدًا ليس منه في زعمه فوجب النفى تحقيقًا لغرضه. وإذا كان وجوب نفيه أحد حكمى اللعان فلا يجب قبل وجوده. وعلى هذا قلنا: إن القذف إذا لم ينعقد موجبًا للعان أو سقط بعد الوجوب ووجب الحد أو لم يجب أو لم يسقط لكنهما لم يتلاعنا بعد لا ينقطع نسب الولد، وكذا إذا نفى نسب ولد حرة فصدقته لا ينقطع نسبه لتعذر اللعان لما فيه من التناقض حيث تشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقد قالت: إنه صادق، وإذا تعذر اللعان تعذر قطع النسب؛ لأنه حكمه ويكون ابنهما لا يصدقان على نفيه؛ لأن النسب قد ثبت، والنسب الثابت بالنكاح لا ينقطع إلا باللعان ولم يوجد، ولا يعتبر تصادقهما على النفى؛ لأن النسب يثبت حقًّا للولد وفى تصادقهما على النفى إبطال حق الولد، وهذا لا يجوز. وعلى هذا يخرج ما إذا كان علوق الولد في حال لا لعان بينهما فيها ثم صارت بحيث يقطع بينهما اللعان. وذلك نحو ما إذا علقت وهى كتابية أو أمة ثم أعتقت الأمة أو أسلمت الكتابية فولدت فنفاه فإنه لا ينقطع نسبه؛ لأنه لا تلاعن بينهما لعدم أهلية اللعان وقت العلوق، وقطع النسب حكم اللعان. ثم لوجود قطع النسب شرائط: منها التفريق؛ لأن النكاح قبل التفريق قائم فلا يجب النفى. ومنها أن يكون القذف بالنفى بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو بيومين أو نحو ذلك من مدة توجد فيها التهنئة أو ابتياع آلات الولادة عادة، فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفى، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتًا، وروى عن أبى حنيفة أنه وفَّت له سبعة أيام، وأبو يوسف ومحمد وقتاه بأكثر مدة النفاس وهو أربعون يومًا. وعلى هذا قالوا في الغائب عن امرأته: إذا ولدت ولم يعلم بالولادة حتى قدم أو بلغه الخبر وهو غائب أن له أن ينفى عند أبى حنيفة في مقدار تهنئة الولد وابتياع آلات الولادة، وعند أبى يوسف ومحمد في مقدار مدة النفاس بعد القدوم أو بلوغ الخبر؛ لأن النسب لا يلزم إلا بعد العلم به فصار حال القدوم وبلوغ الخبر كحال الولادة على المذهبين جميعًا، وروى عن أبى يوسف أنه قال: إن قدم قبل الفصال فله أن ينفيه في مقدار مدة النفاس، وإن قدم بعد الفصال فليس له أن ينفيه، ولم يرد هذا التفصيل عن محمد. كذا ذكره القدورى. وذكر القاضي في (شرحه مختصر الطحاوى) أنه إن بلغه الخبر في مدة النفاس فله أن ينفى إلى تمام مدة النفاس، وإن بلغه الخبر بعد أربعين

стр. 9022

فقد روى عن أبى يوسف أنه قال: له أن ينفى إلى تمام سنتين؛ لأنه لما مضى وقت النفاس يعتبر وقت الرضاع ومدته سنتان عندهما، ولو بلغه الخبر بعد حولين فنفاه ذكر في غير رواية الأصول عن أبى يوسف أنه لا يقطع النسب ويلاعن. وعن محمد أنه قال: ينتفى الولد إذا نفاه بعد بلوغ الخبر إلى أربعين يومًا. ومن شرائط قطع النسب: ألا يسبق النفى عن الزوج إقرارٌ منه بنسب الولد نصًا أو دلالة، فإن سبق لا يُقطع النسب من الأب؛ لأن النسب بعد الإقرار به لا يحتمل النفى بوجه؛ لأنه لما أقر به فقد ثبت نسبه، والنسب حق الولد فلا يملك الرجوع عنه بالنفى. فإن جاءت بولدين في بطن فأقر بأحدهما ونفى الآخر فإن أقر بالأول ونفى الثاني لاعن ولزمه الولدان جميعًا، أما لزوم الولدين فلأن إقراره بالأول إقرار بالثانى؛ لأن الحمل حمل واحد فلا يتصور ثبوت بعض نسب الحمل دون بعض كالواحد أنه لا يتصور ثبوت نسب بعضه دون بعض، فإذا نفى الثاني فقد رجع عما أقر به … والنسب المقَرُّ به لا يحتمل الرجوع عنه فلم يصح نفيه فيثبت نسبهما جميعًا، ويلاعن لأن من أقر بنسب ولد ثم نفاه يلاعن، وإن كان لا يقطع نسبه؛ لأن قطع النسب ليس من لوازم اللعان بل ينفصل عنه في الجملة. ومن شرائط قطع النسب: أن يكون الولد حيًّا وقت قطع النسب وهو وقت التفريق، فإن لم يكن لا يقطع نسبه من الأب، حتى لو جاءت بولد فمات ثم نفاه الزوج يلاعن ويلزمه الولد؛ لأن النسب يتقرر بالموت فلا يحتمل الانقطاع، ولكنه يلاعن لوجود القذف بنفى الولد، وانقطاع النسب ليس من لوازم اللعان، وكذلك إذا جاءت بولدين أحدهما ميت فنفاهما يلاعن ويلزمه الولدان لما قلنا، وكذلك جاءت بولد فنفاه الزوج ثم مات الولد قبل اللعان يلاعن الزوج ويلزمه الولد لما قلنا، وكذا إذا جاءت بولدين فنفاهما ثم ماتا قبل اللعان أو قتلا فإنه يلاعن ويلزمه الولدان؛ لأن نسب الميت منهما لا يحتمل القطع لتقرره بالموت فكذا نسب الحى؛ لأنهما توأمان. ومن شرائط قطع النسب: ألا يكون نسب الولد محكومًا بثبوته شرعًا، كذا ذكر الكرخى، فإن كان لا يقطع نسبه - وصورته ما روى عن أبى يوسف أنه قال في رجل جاءت امرأته بولد فنفاه ولم يلاعن حتى قذفها أجنبى بالولد الذي جاءت به فضرب القاضي الأجنبيَّ الحد - فإن نسب الولد يثبت من الزوج ويسقط اللعان؛ لأن القاضي لما حَدَّ قاذفها بالولد فقد حكم بكذبه؛ والحكم بكذبه حكم بثبوت نسب الولد، والنسب المحكوم بثبوته لا يحتمل النفى باللعان كالنسب المقَرِّ به، وإنما سقط اللعان؛ لأن الحاكم لما حَدَّ قاذفها فقد حكم بإحصانها في عين ما قذفت به، ثم إذا قطع النسب من الأب وألحق الولد بالأم يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة والزكاة والقصاص وغيرها، حتى لا يجوز شهادة أحدهما للآخر وصرف الزكاة إليه، ولا يجب القصاص

стр. 9023

على الأب بقتله ونحو ذلك من الأحكام. إلا أنه لا يجرى التوارث بينهما ولا نفقة على الأب؛ لأن النفى باللعان يثبت شرعًا بخلاف نفقة الأصل بناءً على زعمه وظنه؛ مع كونه مولودًا على فراشه. وقد قال النبى ﷺ -: "الولد للفراش" (١) فلا يظهر في حق سائر الأحكام. (٢) مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): ينتفي باللعان ما ولد لستة أشهر وإلا لحق به؛ والمعنى أنه إذا لاعنها بسبب رؤية الزنا وما في معناه من العلم فإنه ينتفى عنه بذلك وما ولدته من ولد كامل لستة أشهر فصاعدًا من يوم الرؤية؛ وتُعد كأنها غير بريئة الرحم يوم اللعان؛ وإن أتت بولد غير سقط لدون ستة أشهر لحق به؛ لأن لعانه إنما كان لرؤية الزنا لا لنفى الولد؛ وهذا هو قول ابن القاسم؛ ويُلحق إن ظهر يومها؛ لأن المراد بظهوره وضعه لدون ستة أشهر، وهو تفسير لقوله عن مالك: وفى حكم الستة ما نقص عنها بيسير كأربعة أو خمسة أيام. إلا أن يدعى الاستبراء؛ أي أن ما ذكره من أنه يلحق من لاعن للرؤية ما ولدته لأقل من ستة أشهر من الرؤية مقيد بما إذا لم يدع استبراءً قبل الرؤية. فإن ادعى ذلك فإنه لا يلحق به؛ وينتفى باللعان الأول عند أشهب، وهذا إذا كان بين استبرائه ووضعها ستة أشهر أو ما في حكمها فأكثر، أما إن كان أقل من ستة أشهر فإنه يحمل على أنه موجود في بطنها حال استبرائها. ويلاعن الزوج زوجته بنفى حمل ظاهر بشهادة امرأتين من غير تأخير للوضع. ولابد من لعان الزوج وإن نكل حُدَّ لقذفه وإن مات الولد؛ الذي رماها أو الحمل الذي رماها به؛ وفائدة اللعان حينئذ سقوط الحد عنه؛ وكذلك يكفى لعان واحد وإن تعدد الوضع كما لو وضعت أكثر من واحد في بطون وكان الأب غائبًا فلما قدم وعلم بذلك نفى الجميع؛ لأنه حينئذ بمنزلة من قذف زوجته بالزنا مرارًا متعددة فإنه يكفى في ذلك لعان واحد. وكذلك يكفى لعان واحد وإن تعدد التوأم كما إذا ولدت توأمين في بطن؛ لأنهما في حكم الولد الواحد؛ وينتفى الحمل في جميع الصور بلعان معجل بلا تأخير ولو مريضين أو أحدهما إلا الحائض والنفساء فيؤخران. وملاعنة الرجل لزوجته لنفى الولد أو الحمل مقيد بأن يعتمد في لعانه على أحد هذه الأمور: الأول: أن يقول: أنا ما وطئتها من حين وضعت الحمل الأول الذي قبل هذا الحمل المنفى وبين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول وهو ستة أشهر فأكثر فإنه حينئذ يلاعن؛ فأما لو كان بينهما أقل من ستة أشهر لكان الثاني من تتمة الأول. الثاني: أن يكون الحمل لا يُلحق الولد فيها بالزوج إما لقلة بأن أتت به لخمسة أشهر من يوم الإصابة؛ فإنه يعتمد في ذلك على نفيه ويلاعن فيه؛ لأن الولد ليس هو للوطء الثاني لنقصه عن ستة ولا من بقية الأول لقطع الستة عنه: فإن كان بينهما ستة أو وطئها بعد وضع الأول وأمسك عنها ثم أتت بولد لمدة لا يلحق فيها الولد لكثرةٍ

стр. 9024

كخمس سنين فأكثر فإنه يعتمد في ذلك على نفيه ويلاعن فيه. الثالث: أن يكون الزوج قد استبرأها بحيضة بعد وطئه إياهاء ولم يطأها بعد استبرائه ثم رأها تزنى ثم ولدت ولدًا؛ بين الاستبراء ووضع الحمل المنفى ستة أشهر فأكثر؛ فإنه يعتمد في نفيه على ذلك ويلاعن. والحيضة في ذلك تجزئ. ولا ينتفى الحمل إلا بلعان من الزوج فقط ولو تصادق الزوج والزوجة على نفيه إلا أن تأتى به لدون ستة أشهر؛ وكذلك ينتفى الولد بغير لعان إذا عَقَدَ مشرقيُّ على مغربية وتولى العقد بينهما في ذلك وليُّهما؛ وعُلم بقاءٌ كل منهما في محله إلى أن ظهر الحمل لقيام المائع العادى على نفيه. بل المراد أن تدعيه على من هو على مدة لا يمكن مجيئه إليها مع خفائه. (١) مذهب الشافعية: جاء في (المذهب): أنه إذا تزوج: امرأة وهو ممن يولد لمثله وأمكن اجتماعهما على الوطاء وأتت بولد لمدة يمكن أن يكون الحمل فيها لحقه في الظاهر؛ لقوله ﷺ "الولد للفراش" (٢) ولأنه في هذه الحال يمكن أن يكون الولد منه وليس هاهنا ما يعارضه ولا ما يسقطه فوجب أن يلحق به؛ وإن كان الزوج صغيرًا لا يولد لمثله لم يلحقه؛ لأنه لا يمكن أن يكون منه؛ وينتفى عنه من غير لعان؛ لأن اللعان يمين؛ واليمين جعلت لتحقيق ما يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون؛ فيتحقق باليمين أحد الجائزين: وهاهنا لا يجوز أن يكون الولد له فلا يحتاج في نفيه إلى اللعان. وإن كان الزوج مجبوبًا فقد روى المزنى أن له أن يلاعن؛ وروى الربيع أنه ينتفى من غير لعان؛ واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: إن كان مقطوع الذكر والأنثيين انتفى من غير تلعان؛ لأنه يستحيل أن ينزل مع قطعهما؛ وإن قطع أحدهما لحقه ولا ينتفى إلا بلعان؛ لأنه إذا بقى الذكر أولج وأنزل، وإن بقى الأنثيان ساحق وأنزل وحمل الروايتين على هذين الحالين. وقال القاضي أبو حامد: في أصل الذكر ثقبتان أحدهما للبول والأخرى للمنى، فإذا انسدت ثقبة المنى انتفى الولد من غير لعان؛ لأنه يستحيل الإنزال، وإن لم تنسد لم ينتف إلا باللعان؛ لأنه يمكن الإنزال، وحمل الروايتين على هذين الحالين. وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطء بأن تزوجها وطلقها عقيب العقد أو كانت بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع انتفى الولد من غير لعان؛ لأنه لا يمكن أن يكون منه؛ وإن أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت العقد انتفى عنه من غير لعان لأنا نعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش؛ وإن دخل بها ثم طلقها وهى حامل فوضعت الحمل ثم أتت بولد آخر لستة أشهر لم يلحقه وانتفى غنه من غير لعان لأنا قطعنا ببراءة رحمها بوضع الحمل. وأن هذا الولد الآخر علقت به بعد زوال الفراش؛ وإن طلقها وهى غير حامل واعتدت بالأقراء ثم وضعت ولدًا قبل أن تتزوج بغيره لدون ستة أشهر لحقه؛ لأنا تيقنا أن عدتها لم تنقض، وإن أتت به لستة أشهر أو أربع سنين أو ما بينهما لحقه.

стр. 9025

وقال أبو العباس بن سريج: لا يلحقه. لأنا حكمنا بانقضاء العدة وإباحتها للأزواج وما حكم به لا يجوز نقضه لأمر محتمل؛ وهذا خطأ لأنه يمكن أن يكون منه. والنسب إذا أمكن إثباته لم يجز نفيه؛ ولهذا إذا أتت بولد بعد العقد لستة أشهر لحقه. وإن كان الأصل عدم الوطء وبراءة الرحم؛ فإن وضعت لأكثر من أربع سنين نظر فإن كان الطلاق بائنًا انتفى عنه بغير لعان؛ لأن العلوق حادث بعد زوال الفراش؛ وإن كان رجعيًا ففيه قولان: أحدهما ينتفى عنه بغير لعان؛ لأنها حرمت عليه بالطلاق تحريم المبتوتة فصار كما لو طلقها طلاقًا بائنًا. والقول الثاني: يلحقه؛ لأنها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والإيلاء. فإذا قلنا بهذا فإلى متى يلحقه ولدها؟ فيه وجهان. قال أبو إسحاق: يلحقه أبدًا؛ لأن العدة يجوز أن تمتد؛ لأن أكثر الطهر لا حَدَّ له، وَمن أصحابنا من يلحقه إلى أربع سنين من وقت انقضاء العدة؛ وهو الصحيح؛ لأن العدة إذا انقضت بانت وصارت كالمبتوتة؛ وإن كانت له زوجة يلحقه ولدها ووطئها رجل بشبهة وادعى الزوج أن الولد من الواطئ عرض معهما على القافة ولا يلاعن لنفيه؛ لأنه يمكن نفيه بغير لعان وهو القافة؛ فلا يجوز نفيه باللعان؛ فإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها ترك حتى يبلغ السن الذي ينتسب فيه إلى أحدهما، فإن بلغ وانتسب إلى الواطئ بشبهة انتفى عن الزوج بغير لعان؛ وإن انتسب إلى الزوج لم ينتف عنه إلا باللعان؛ لأنه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان. وإن قال: زنى بك فلان وأنت مكرهة والولد منه؛ ففيه قولان: أحدهما لا يلاعن لنفيه؛ لأن أحدهما ليس بزانٍ فلم يلاعن لنفى الولد؛ كما لو وطئها رجل بشبهة وهى زانية. والثانى: أن له أن يلاعن؛ وهو الصحيح؛ لأنه نسب يلحقه من غير رضاه لا يمكن نفيه بغير اللعان فجاز نفيه باللعان. كما لو كانا زانيين. وإن أتت امرأته بولد فادعى الزوج أنه من زوج قبله وكان لها زوج قبله نظر فإن وضعته لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول ولدون ستة أشهر من عقد الزوج الثاني فهو للأول؛ لأنه يمكن أن يكون منه؛ وينتفى عن الزوج بغير لعان؛ لأنه لا يمكن أن يكون منه؛ وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول ولأقل من ستة أشهر من عقد الزوج الثاني انتفى عنهما؛ لأنه لا يمكن أن يكون من واحد منهما. وإن أتت امرأة بولد أسود وهما أبيضان؛ أو بولد أبيض وهما أسودان ففيه وجهان: أحدهما: أن له أن ينفيه. لما روى ابن عباس رضى الله عنهما - في حديث هلال بن أمية أن النبى ﷺ قال: "إن جاءت به أورق جعدًا جماليا خدلج الساقين سابع الإليتين فهو للذى رميت به". فجاءت به أورق جمدًا جماليًا خدلج الساقين، سابغ الإليتين؛ فقال رسول الله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لى ولها شأن. (١) فجعل الشبه دليلًا على أنه ليس منه. والثانى: أنه لا يجوز نفيه؛ لما روى أبو هريرة - رضى الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ من بنى فزارة (٢)

стр. 9026

فقال: إن امرأتى جاءت بولد أسود ونحن أبيضان. فقال: "هل لك من إبل؟؛ قال: نعم. قال: "ما ألوانها". قال: حُمْر. قال: "هل فيها من أورق؟ ". قال: إن فيها لأورقًا. قال: "فأنى ترى ذلك؟ ". قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". (٢) وإذا أتت امرأته بولدين توأمين وانتفى عن أحدهما وأقر بالآخر؛ أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد فلا يجوز أن يلحقه أحدهما دون الآخرء وجعلنا ما انتفى عنه تابعًا لما أقر به؛ ولم نجعل ما أقر به تابعًا لما انتفى عنه؛ لأن النسب يحتاط لإثباته ولا يحتاط لنفيه، ولهذا إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه ويمكن أن لا يكون منه ألحقناه به احتياطًا لإثباته ولم ننفه احتياطًا لنفيه؛ وإن أتت بولد فنفاه باللعان ثم أتت بولد آخر لأقل من ستة أشهر من ولادة الأول لم ينتف الثاني من غير اللعان؛ لأن اللعان يتناول الأول. فإن نفاه باللعان انتفى. وإن أقر به أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد؛ وجعلنا ما نفاه تابعًا لما لحقه. ولم يجعل ما لحقه تابعًا لما نفاه لما ذكرناه في التوأمين. وإن أتت بالولد الثاني لستة أشهر من ولادة الأول انتفى بغير لعان؛ لأنها علقت به بعد زوال الفراش؛ وإن لاعنها على حمل فولدت ولدين بينهما ما دون ستة أشهر لم يلحقه واحد منهما؛ لأنهما كانا موجودين عند اللعان فانتفيا به؛ وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر انتفى الأول باللعان وانتفى الثاني بغير لعان لأنَّا تيقنا بوضع الأول بعد براءة رحمها منه وأنها علقت بالثانى بعد زوال الفراش. (١) وإن نفى باللعان نسب ولد انتفى عنه لما روى ابن عمر - رضى الله عنهما - أن رجلًا لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتفى عنه ففرق رسول الله ﷺ بينه ما والحق الولد بالمرأة. (٢) فإن لم يذكر النسب في اللعان أعاد اللعان؛ لأنه لم ينتف باللعان الأول (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (شرح منتهى الإرادات): أنه شرط لنفى ولد بلعان أن لا يتقدم اللعان إقرار بالولد المنفى أو إقرار بتوأم؛ أو إقرار بما يدل على الإقرار به كما لو نفاه وسكت عن توأمه؛ أو هُنيء إمكان النفى بلا عذر، أو أخره رجاء موته؛ لأنه خيار لدفع ضرر فكان على الفور كخيار الشفعة؛ وإن كان جائعًا أو ظمآنًا فأخره حتى أكل أو شرب أو نام لنعاس أو لبس ثيابه أو أسرج دابته أو نحوه أو صلى إن حضرت صلاة أو أحرز ماله إن لم يكن محرزًا ونحوه فله نفيه. وإن قال: لم أعلم بالولد وأمكن صدقه. أو قال: لم أعلم أن لى نفيه؛ أو لم أعلم أن النفى يكون على الفور وأمكن صدقه قُبل؛ لأن الأصل عدم ذلك؛ وإن لم يمكن صدقه بأن ادعى العلم به وهو معها في الدار أو ادعى عدم العلم بأن له نفيه وهو فقيه لم يقبل؛ لأنه خلاف الظاهر. وإن أخر نفيه لعذر كحبس ومرض وغيبة وحفظ مال أو ذهاب ليل ولدت فيه حتى يصبح وينتشر الناس ونحو ذلك كملازمة غريم (٤) يخاف فوته ونحوه لم يسقط نفيه. وإن علم غائب عن

стр. 9027

بلد بولادته فاشتغل بسيره لم يسقط نفيه؛ وإن أقام بلا حاجة سقط؛ ومتى أكذب نفسه بعد نفيه حد لزوجة محصنة وعزر لغيرها كذمية أو رقيقة سواء كان قد لاعن أو لا؛ لأن اللعان يمين أو بينة درأت عنه الحد أو التعزير فإذا أقر بما يخالفه بعده سقط حكمه كما لو حلف أو أقام بينة على حق غيره ثم أقر به؛ وانجر النسب - أي نسب الولد الذي أقر به من جهة الأم إلى جهة الأب المكذب لنفسه بعد نفيه - كانجرار ولاء من موالى الأم إلى موالى الأب بعتق الأب؛ وعلى الأب ما أنفقته الأم قبل استلحاقه وتوارثا، أي ورث كل من الأب المكذب نفسه والولد الذي استحلقه بعد نفيه الآخر؛ لأن الإرث يتبع النسب. ولا يلحق الملاعنَ نسبُ ولد نفاه ومات باستلحاق ورثته بعده نصا؛ لأنهم يحملون على غيرهم نسبًا قد نفاه عنه فلم يقبل منهم؛ ولأن نسبه انقطع بنفيه عن نفسه لتفرده بالعلم به دون غيره؛ ولذلك لا تقبل الشهادة به إلا أن يسند إلى قوله فلا يقبل إقرار غيره به عليه كما لو شهد به. والتوأمان المنفيان بلعان أخوان لأم فقط لانتفاء النسب من جهة الأب كتوأمى الزنا. ولو كان الزوج ابن عشر سنين فيهما - أي فيما إذا أتت به لستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها؛ أو لدون أربع سنين منذ أبانها لحقه نسبه؛ لحديث "الولد للقراش" (١)، ولإمكان كونه منه؛ وقدروه بعشر سنين لحديث: "اضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". (٢) ولأن العشر يمكن فيها البلوغ فألحق به الولد كالبالغ المتيقن، وقد روى أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عامًا. وأمر رسول الله ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع دليل إمكان الوطء وهو سبب الولادة؛ ومع لحوق الولد بابن عشر لا يحكم ببلوغه لاستدعاء الحكم ببلوغه يقينًا لترتب الأحكام عليه من التكليف ووجوب الغرامات فلا يحكم به مع الشك وإلحاق الولد به لحفظ النسب احتياطًا. وإن لم يكن كون الولد من الزوج كأن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش لم يلحقه للعلم بأنها كانت حاملًا به قبل التزويج. فإن مات أو ولدته ميتًا لحقه بالإمكان. أو أتت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحقه للعلم بأنها حملت به بعد بينونتها؛ إذ لا يمكنا بقاؤها حاملًا به بعد البينونة إلى تلك المدة؛ أو أقرت بائن وتأتى الرجمية بانقضاء عدتها بالقروء ثم ولدت لفوق نصف سنة من عدتها التي أقرت بانقضائها بالقروء ولم يلحقه لإتيانها به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه؛ فلم يلحقه به كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل؛ أو كان بين الزوجين وقت العقد مسافة لا يقطعها في المدة التي ولدت فيها كمغربي تزوج بمشرقية فولدت بعد ستة أشهر لم يلحقه؛ لأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد. أو كان الزوج لم يكمل له عشر سنين؛ أو قطع ذكره مع أنثييه لم يلحقه نسبه لاستحالة الإيلاج والإنزال منه؛ ويلحق النسب زوجًا عنينًا ومن قطع ذكره دون أنثييه لإمكان إنزاله، وكذا يلحق من قطع أنثياه فقط عند الأكثر من الأصحاب. قال في (المقنع): قال أصحابنا: يلحقه نسبه. وفيه بُعد؛ وقيل: لا يلحقه نسبه مع قطع أنثييه. قال المنقح: وهو الصحيح؛ لأنه لا يخلق من مائه ولد عادة ولا

стр. 9028

وجد ذلك؛ أشبه ما لو قطع ذكره مع أنثييه؛ وإن ولدت مطلقة رجعية بعد أربع سنين - منذ طلقها زوجها وقبل انقضاء عدتها لحق نسبه؛ أو ولدت رجعية لأقل من أربع سنين منذ انقضت عدتها ولو بأقراء لحق نسبه بالمطلِّق؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في أكثر الأحكام أشبه ما قبل الطلاق. (١) مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): إن كانت المرأة الملاعنة حاملًا فبتمام الالتعان منهما جميعًا ينتفى عنه الحمل؛ ذكره أو لم يذكره. إلا أن يقرَّ به فيلحقه ولا حَدَّ عليه في قذفه لها مع إقراره بأن حملها منه إذا التعن، فلو صدقته هي فيما قذفها به وفى أن الحمل ليس منه حُدَّتْ، ولا ينتفى عنه ما ولدت بل هو لاحقٌّ به؛ فإن لم يلاعنها حتى وضعت حملها فله أن يلاعنها لدرء الحد عن نقسه. وأما ما ولدته فلا ينتفى عنه بعد أصلًا فلو طلقها وقذفها في عدتها منه لاعنها … ولا يضره إمساكها ووطؤها بعد أن قذفها بل يلاعنها متى شاء (٢). ثم قال ابن حزم: إنه بتمام التعانه والتعانها ينتفى عنه لحاق حملها إلا أن يُقرَّ به؛ وسواء ذكره أو لم يذكره إذا انتفى عنه قبل ذلك فذلك لما رويناه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر - رضى الله عنه - قال: "لاعن النبي ﷺ بين رجل وامراته فانتفى عنه ولده ففرق بينهما، والحق الولد بالمرأة" (٣). وعن سهل بن سعيد قال: إن عويمرًا العجلانى … وذكر حديث اللعان؛ وفيه: "فكانت حاملًا فكان الولد إلى أمه" (٤). قال ابن حزم: إنه إن لم يلاعنها حتى ولدت لاعن لإسقاط الحد فقط، ولا ينتفى ولدها منه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الولد لصاحب الفراش" (٥) فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ولده إلا حيث نفاه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو حيث يوقن بلا شك أنه ليس هو ولده؛ ولم ينفه ﷺ إلا وهى حامل باللعان فقط، فيبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب. ولذلك قلنا: إن صدقته في أن الحمل ليس منه فإن تصديقها له لا يلتفت إليه؛ لأن الله تعالى يقول: "ولا تكسب كل نفس إلا عليها" (٦) فوجب أن إقرار الأبوين لا يصدق على نفى الولد فيكون كسبًا على غيرهما، وإنما نفى الله الولد إن كذبته الأم والتعنت هي والزوج فقط؛ فلا ينتفي في غير هذا الموضع. (٧) مذهب الزيدية: جاء في "شرح الأزهار": أن الزوجة تطلب اللعان لأحد غرضين: إما لنفى الولد من الأب، وتصير عصبته عصبة أمه؛ وينقطع حكم الأبوة بينه وبين من نفاه؛ وإما لإثبات حد القذف على الزوج. (٨) وإنما يحكم بالفسخ والنفى إن طلب ذلك بعد الأيمان؛ فلو لم يطالب بالحكم لم يحكم فيسقط الحد عنهما متى حكم الحاكم بالنفى والفسخ. وينفى النسب إن كان ثم ولد؛ وينفسخ النكاح بينهما ويرتفع الفراش وتحرم عليه تحريمًا مؤبدًا.

стр. 9029

وإذا نفى الزوج ولدًا ثم فرق الحاكم بينهما ثم ولدت آخر فإنه يكفى هذا اللعان لمن ولد بعده لدون أدنى الحمل إذا نفاه الزوج أو لم ينفه ولا أقرَّ به؛ فإن أقرَّ به حُدَّ ولزمه الولد؛ لأنه حمل واحد؛ ولو نفى ولدًا ثم وقع اللعان بينهما والحكم بالنفى ثم أكذب نفسه بعد ذلك وأقر بالولد فإنه يصح الرجوع من الزوج عن النفي، فإن رجع الزوج وأكذب نفسه بعد موت الولد المنفى لم يرثه هذا الأب الملاعن. قيل: وإن لحقه ولده قال بعض المذاكرين: وإن كان للولد المنفى ولدٌ لحق نسبه بالأب الملاعن وكان جدًّا لابن المنفى ولا يرث منه شيئًا؛ لأنه أقر بحق له وهو الإرث فلا يصادق؛ لأنه أقر بحق له وبحق عليه؛ وهو لحوق النسب به فيصح إقراره. قال مولانا المهدى ﵇ وفيما ذكره ضعف؛ لأنه خلاف ما حكاه أبو جعفر في (شرح الإبانة) عن الهادى ﵇ لأنه قال: إن لم يكن للولد المنفى ولد لم يثبت نسبه ولا ميراثه؛ وإن كان له ولد ثبت نسبه وميراثه عن الهادى ﵇. وقال الناصر: يثبت نسب الولد المنفى الميت سواء كان له ولد أم لا؛ ولا يصح من الرجل نفى الولد بعد الإقرار به. قال المهدى ﵇: ولا أحفظ خلافًا في ذلك؛ لأن ذلك يجرى مجرى الرجوع عن الإقرار بحق الغير وذلك لا يصح، وإذا نفى الولد بعد السكوت حين العلم به وحين علم أن له النفى وسكت عن نفيه في تلك الحال فإنه لا يصح له أن ينفيه من بعد. قال المذاكرون: هذا إذا سكت سكوت استبشار، فأما لو سكت سكوت إنكار كان له أن ينفيه بعد السكوت. قال مولانا المهدى ﵇ ولا معنى لهذا الاشتراط إلا إذا قدرنا أنه علم بالولد ولم يعلم أن له النفى، فأما إذا علم أن له النفى وسكت؛ لم يكن له أن ينفيه بعد؛ لأن نفى الولد على الفور واجب؛ فأما لو علم بحدوث الولد ولم يعلم أن له نفيه كان له نفيه متى علم أن له نفيه. قال في اللمع؛ وإن نفى الولد بعد زمان طويل من وقت الولادة وجب اللعان بينهما. وقال المؤيد بالله: إذا لم ينفه بعد ولادته لم يكن له نفيه سواء كان عالمًا أن له النفى أم لا. ولا يصح نفى الولد بدون حكم ولعان؛ فلو تصادق الزوجان على نفى الولد ولم ينتف؛ وكذا لو التعنا ولم يقع بينهما حكم؛ أو حكم الحاكم من دون لعان لم يصح النفى. وقال المنصور بالله: إذا تصادقا على أنها زانية وأنه ليس مته الولد لم يلزمه ذلك الولد وتُحد المرأة (١). ولا يصح النفى لمن مات أو مات أحد أبويه قبل الحكم بالنفى أيضا لبعض بطن دون بعض، فلو ولدت المرأة توأمين لم يصح نفى أحدهما دون الآخر؛ وكذا لو نفاهما جميعًا ثم مات أحدهما قبل الحكم فإنه يبطل نفيهما جميعًا. وكذا لو نفى ولدًا لها والتعنا وحكم حاكم ثم جاءت بولد لدون ستة أشهر من يوم اللعان فإن الآخر ينتفى نسبه بانتفاء نسب الأول. وإن أقر بالثانى ثبت نسب الأول أيضًا. ولا يصح النفى أيضًا لبطن ثان لحقه بعد اللعان. فلو وقع اللعان لنفى الولد وحكم الحاكم؛ ثم جاءت بولد بعد ذلك

стр. 9030

لستة أشهر فصاعدا إلى أربع سنين من يوم الحكم لحقه هذا الولد لمكان الفراش الأول ولم يصح نفى هذا الولد بحال من الأحوال؛ لأن نفيه لا يكون إلا بلعان؛ ولا مساغ له؛ لأنه قد تأبد التحريم باللعان الأول. ويصح من الزوج النفى للحمل حال الحمل: فإن وضع ذلك الحمل لدون أدنى مدته؛ فإذا ولدت لدون ستة أشهر من يوم النفى انكشف صحة ذلك النفى؛ وإن وضعت لأكثر بطل النفى؛ وليس المراد أنه يشترط في لفظ النفى أن يقترن بالشرط بل يصح منه النفى من غير شرط؛ ولكنه في نفس الأمر مشروط بأن تضع لدون أدنى مدة الحمل لا اللعان. فلا يصح قبل الوضع لا مطلقًا ولا مشروطًا؛ بل يؤخر حتى تضع. وقال أبو طالب: إن اللعان والنفى يصحان حال الحمل مشروطًا بأن تأتى لدون ستة أشهر؛ وصورته: والله إنى لصادق فيما رميتك به إن أتيت به لدون. ستة أشهر (١). مذهب الإمامية: جاء في (الروضة البهية): من أحكام اللعان نفى الولد عن الرجل لا عن المرأة إن كان اللعان لنفيه والتحريم المؤبد؛ وهو ثابت مطلقًا (٢). وجاء في (شرائع الإسلام): أنه لا يثبت اللعان بإنكار الولد حتى تضعه لستة أشهر فصاعدًا من حين وطئها ما لم يتجاوز حملها أقصى مدة الحمل وتكون موطوءة بالعقد الدائم. ولو ولدته تامًّا لأقل من ستة أشهر لم يلحق به وانتفى عنه بغير لعان؛ أما لو اختلفا بعد الدخول في زمان الحمل تلاعنا، ولا يلحق الولد حتى يكون الوطء ممكنًا والزوج قادرًا؛ فلو دخل الصبى لدون تسع فولدت لم يلحق به؛ ولو كان سنه عشرًا فما زاد لحق به لإمكان البلوغ في حقه ولو كان نادرًا، ولو أنكر الولد لم يلاعن؛ إذ لا حكم للعانه؛ ويؤخر اللعان حتى يبلغ ويرشد وينكره؛ ولو مات قبل البلوغ أو بعده ولم ينكره ألحق به وورثته الزوجة والولد؛ ولا يُلحق الولد الخصى المجبوب؛ على تردد ويلحق ولد الخصى أو المجبوب ولا يُنتفى ولد أحدهما إلا باللعان تنزيلًا لا على الاحتمال وإن بعد؛ وإذا كان الزوج حاضرًا وقت الولادة ولم ينكر الولد مع ارتفاع الأعذار لم يكن له إنكاره بعد ذلك إلا أن يؤخره بما جرت العادة به كالسعى إلى الحاكم؛ ولو قبل له إنكاره بعد ذلك ما لم يعترف به كان حسنًا؛ ولو أمسك عن نفى الحمل حتى وضعت جاز له نفيه بعد الوضع على القولين لاحتمال أن يكون التوقف لتردده بين أن يكون حملًا أو ريحًا، ومن أقر بالولد صريحًا أو فحوى لم يكن له إنكاره بعد ذلك. مثل أن يبشر به فيجيب بما يتضمن الرضا كأن يقال له: بارك الله لك في مولودك. فيقول؛ آمين. أو إن شاء الله .. أما لو قال مجيبًا: بارك الله فيك؛ أو أحسن الله إليك لم يكن إقرارًا. وإذا أطلق الرجل وأنكر الدخول فادعته وادعت أنها حامل منه فإن أقامت بينة أنه أرخى سترًا لاعنها وحرمت عليه وكان عليه المهر؛ وإن لم تقم بينة كان عليه نصف المهر ولا لعان، وعليها مائة سوط. وقيل: لا يثبت اللعان ما لم يثبت الدخول وهو الوطء؛ ولا يكفى

стр. 9031

إرخاء الستر، ولا يتوجه عليه الحد؛ لأنه لم يقذف ولا أنكر ولدًا يلزمه الإقرار به؛ ولعل هذا أشبه. ولو قذف امرأته ونفى الولد وأقام بينة سقط الحد ولم ينتف الولد إلا باللعان. ولو طلقها بائنًا فأتت بولد يلحق به في الظاهر ولم ينتف إلا باللعان. ولو تزوجت المطلقة فأتت بولد لدون ستة أشهر من دخول الثاني ولتسعة أشهر فما دون من فراق الأول لم ينتف عنه إلا باللعان (١). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): ويصح اللعان في نفى الولد ولو بعد موته أو وَلِدَ ميتًا. قال ابن الحاجب: إن ولدت ميتًا أو مات بعد الولادة ولم يعلم بها الزوج لغيبة أو غيرها، ثم نفاه إذ علم به لاعن؛ لأنه قاذف، ولا يحل للزوج أن يقصد لعان زوجته في نفى الولد والجنين إلا إن وطئها ثم استبرأها بحيضة أو أكثر ثم رآها تزنى؛ أو وطئها بعد أن وضعت الحمل الذي قبل الحمل المنفى؛ وطال ما بين الوضعين بحيث لا يكون الولد الثاني من بقية الحمل الأول أو وطئها بعد الوضع وبين هذا الحمل والإصابة مدة لا يتأتى فيها الولد لقلتها كأربعة أشهر أو لكثرته كستة أشهر. وذلك على العادة؛ ولا يقصد اللعان بنفى الحمل للعزل؛ لأن الماء قد يسبق ولم يشعره ولا لمشابهة غيره ولو بسواد وكان الزوج أبيض لأن العرق قد ينزع؛ ولا لوطئه بين الفخذين لاحتمال وصول الماء بفرجها؛ ولا لوطئه بغير إنزال بأن أنزل قبله ولم يبل بيّن الإنزال والوطء لإمكان بقاء شئ في الذكر خرج مع الوطء؛ وإن بال بينهما جاز له القصد إلى اللعان؛ وإن تصادقا على نفى الولد فلا ينتفى إلا بلعان على المشهور إلا إن أتت به لأقل من المدة من حين العقد أو الدخول فينتفى بلا لعان؛ وكذا لو كان الزوج صغيرًا أو مجبوبًا حين الحمل؛ وإن بعدت المسافة بقدر ما لا يتأتى وطئها لم ينتف إلا بلعانا (٢).

стр. 9032

انقطاع الولاية بسبب تباين الدارين: دار الحرب ودار الإسلام مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): أن من الأحكام التي تترتب على إيمان المؤمن في الدنيا عصمة النفس والمال؛ لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١) إلا أن عصمة النفس تثبت مقصودة وعصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفسة؛ إذ النفس أصل في التخلق والمال خُلِقَ بذله للنفس استيفاءً لها فمتى تثبت عصمة النفس تثبت عصمة المال تبعًا إلا إذا وجد القاطع للتبعية؛ فعلى هذا إذا أسلم أهلٌ بلدة من أهل دار الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حَرَم قتلُهم ولا سبيل لأحد على أموالهم؛ وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أسلم على مال فهو له" (٢) ولو أسلم حربى في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدًا أو خطأ فلا شئ عليه إلا الكفارة. وعند أبى يوسف عليه الدية في الخطاء لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣) أوجب الكفارة وجعلها كلَّ موجب قتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا؛ لأنه جعله جزاءً والجزاء ينبيء عن إلكفاية فاقتضى وقوع الكفاية بها عما سواها من القصاص والدية جميعًا. ولأن القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤) والحاجة إلى الأحياء عند قصد القتل لعداوة حاملة عليه ولا يكون ذلك إلا عند المخالطة ولم توجد هنا، وعلى هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا حتى ظهر المسلمون على الدار فما كان في يده من المنقول فهو له؛ ولا يكون فيئًا إلا عبدًا يقاتل فإنه يكون فيئًا؛ لأن نفسه استفادت العصمة بالإسلام وماله الذي في يده تابع له من كل وجه فكان معصومًا تبعًا لعصمة النفس إلا عبدًا يقاتل؛ لأنه إذا قاتل فقد خرج من يد الموْلَى فلم يبق تبعًا له فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية فيكون محلًا للتملك بالاستيلاء. وكذلك ما كان في يد مسلم أو ذمى وديعة له فهو له ولا يكون فيئًا؛ لأن يد المودع يدُه من وجه من حيثُ إنه يحفظ الوديعة له ويد نفسه من حيث الحقيقة. وكل واحد منهما معصوم فكان ما في يده معصومًا فلا يكون مَحلًا للتملك. وأما ما كان في يد حربى وديعة فيكون فيئًا عند أبى حنيفة. وعندهما يكون له؛ لأن يد المودع يده فكان معصومًا؛ والصحيح قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأنه من حيث إنه يحفظ له تكون يدُه فيكون تبعًا له فيكون معصومًا؛ ومن حيث الحقيقة لا يكون معصومًا؛ لأن نفس الحربى غيرُ معصومة فوقع الشك في العصمة فلا تثبت العصمة مع الشك؛ وكذا عقاره يكون فيئًا عند أبى حنيفة وأبى يوسف؛ وعند محمد هو والمنقول سواء؛ والصحيح قولهما؛ لأنه من حيث إنه

стр. 9033

يتصرف فيه بحسب مشيئته يكون في يده فيكون تبعًا له. ومن حيث إنه محصن (محفوظ) بنفسه ليس في يده فلا يكون تبعًا له فلا تثبت العصمة مع الشك، وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون تبعًا له، وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئًا؛ لأنهم في حكم أنفسهم لانعدام التبعية، وأما الولد الذي في البطن فهو مسلم تبعًا لأبيه ورقيق تبعًا لأمه، وفيه إشكال وهو أن هذا إنشاء الرق على المسلم وأنه ممنوع؛ والجواب أن الممتنع إنشاء الرق على من هو مسلم حقيقة لا على من له حكمُ الوجود والإسلام شرعًا؛ هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا فظهر المسلمون على الدارء فلو أسلم وهاجر إلينا ثم ظهر المسلمون على الدار، فبالنسبة لأمواله فما كان في يد مسلم أو ذمى وديعة فهو له ولا يكون فيئًا، وما سوى ذلك فهو فئ وقيل: ما كان في يد حربى وديعة فهو على الخلاف وأما أولادة الصغار فيحكم بإسلامهم تبعًا لأبيهم ولا يسترقون؛ لأن الإسلام يمنع إنشاء الرق إلا رقا ثبت حكمًا بأن كان الولد في بطن الأم وأولاده الكبار فئ؛ لأنهم في حكم أنفسهم فلا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم وكذلك زوجته والولد الذي في البطن يكون مسلمًا تبعًا لأبيه ورقيقًا تبعًا لأمه؛ ولو دخل الحربي دار الإسلام ثم أسلم ثم ظهر المسلمون على الدار فجميع ماله وأولاده الصغار والكبار وامرأته وما في بطنها فئ؛ لأنه لما لم يسلم في دار الحرب حتى خرج إلينا لم تثبت العصمة لماله لانعدام عصمة النفس فبعد ذلك كذلك. وإن صارت معصومة لكن بعد تباين الدارين وذلك يمنع ثبوت التبعية؛ ولو دخل مسلم أو ذمى دار الحرب فأصاب هناك مالًا ثم ظهر المسلمون على الدار فحكمه وحكم الذي أسلم من أهل الحرب ولم يهاجر إلينا سواء (١). انقطاع عصمة النكاح لتباين الدارين: جاء في المبسوط: إذا تزوج المسلم كتابية في دار الحرب ثم خرج وتركها في دار الحرب فإن الفرقة تقع بينهما بتباين الدارين حقيقة وحكمًا؛ لأنها من أهل دار الحرب؛ والزوج من أهل دار الإسلام وتباين الدارين بهذه الصفة موجب للفرقة عندنا، وإذا أسلم أحد الزوجين وخرج إلى دارنا فإن كانت المرأة هي ألتى خرجت مراغمة وقعت الفرفة بالاتفاق عندنا لتباين الدارين، فإن خرجت غير مراغمة لزوجها أو خرج الزوج مسلمًا أو ذميًّا تقع الفرقة بتباين الدارين عندنا، واستدل أصحابنا رحمهم الله تعالى بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢) وليس في هذه الآية بيانُ قصد المراغمة. فاشتُرط بكون الزيادة على النص؛ وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣) والكوافر جمع كافرة معناه: لا تَعُدُّوا من خلفتموه في دار الحرب من نسائكم؛ وما أراد عمر رضى الله عنه أن يهاجر إلى المدينة نادى بمكة: ألا من أراد أن تُئيَّم امرأته منه أو تبين فليلتحق بى أي فليصحبنى في الهجرة؛ والمعنى فيه أن من بقى في دار الحرب في حق من هو في دار الإسلام كالميت قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٤) أي كافرًا فرزقناه الهدى، ألا ترى

стр. 9034

أن المرتد اللاحق بدار الحرب يُجعَلُ كالميت حتى يُقَسَّمَ مالُه بين ورثته فكما لا تتحقق عصمةُ النكاح بين الحى والميت فكذلك لا تتحقق عند تباين الدارين حقيقةً وحكمًا؛ فأما إذا خرج إلينا بأمان فتبايُنُ الدارين لم يوجد حكمًا، لأنه من أهل دار الحرب ومتمكن من الرجوع إليها وكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فهو من أهل دار الإسلام حكمًا؛ ومَنْعَةُ أهل البغى من جملة دار الإسلام؛ ومن فيها لا يُجْعَلُ بمنزلة الميت حكمًا، والدليل عليه أنه ما خرج إلا قاصدًا إحراز نفسه من المشركين فلا يعتبر مع ذلك القصدُ إلى المراغمة. ثم قال صاحب (المبسوط): ويستوى في وقوع الفرقة بتباين الدارين أن خرج أحدهما مسلمًا أو ذميًا أو خرج مستأمنًا ثم أسلم أو صار ذميًا؛ لأنه صار من أهل دارنا حقيقة وحكمًا في الفصلين. وإن كان الخارجُ هو الزوجُ فله أن يتزوج أربعًا سواها أو أختها إن كانت في دار الإسلام؛ لأنه لا عدة على التي بقيت في دار الحرب عند فقهاء الحنفية؛ فكان هذا بمنزلة الفرقة قبل الدخول وإذا أسلمت المرأةُ ثم خرج الزوجُ مستأمَنًا فهما على النكاح ما لم تحض ثلاث حيض؛ لأن المستأمَن وإن كان في دارنا صورة فهو من أهل دار الحرب حكمًا؛ فكأنه باقٍ في دار الحرب حتى إذا أسلم الزوج قبل أن تحيض فهما على النكاح، وإن صار الزوج من أهل الذمة قبل أن تحيض ثلاث حيض فهما على النكاح أيضًا، حتى إذا خرجت المرأة فهى امرأته حتى يَعْرِضَ السلطان عليه الإسلام؛ بمنزلة ما لو كان الزوجُ في الأصل ذميًا، وكذلك لو كان الزوجُ هو الذي أسلم في دار الحرب ثم خرجت إلينا ذمية قبل أن تحيض ثلاث حيضٍ فهما على النكاح حتى يَعْرِضَ السلطان عليها الإسلام فأما إذا خرجا مستأمنين ثم أسلمت المرأة ففى رواية هذا الكتاب يتوقف انقطاع النكاح بينهما على انقضاء ثلاث حيض؛ لأن الزوج من أهل دار الحرب فهو بمنزلة ما لو كان في دار الحرب؛ وفى رواية كتاب الطلاق يقول وإن عَرَضَ السلطانُ الإسلامَ على الزوج فأبى أن يُسْلِمَ فَرّق بينهما، وإن لم حتى مضى ثلاثُ حيض تقع الفرقةُ أيضًا ففى حق الذمى يتعين عَرْضُ الإسلام؛ وفى حق الحربى في دار الحرب يتعين انقضاء ثلاث حيض؛ وفى حق المستأمن أيُّ الأمرين يوجد تقع به الفرقة؛ لأن المستأمن من وجه يشبه الذمى؛ لأنه تحت يد الإمام يتمكن من عرض الإسلام عليه؛ ومن وجه يشبه الحربي؛ لأنه متمكن من الرجوع إلى دار الحرب؛ فَيُوفّر حَظُّهُ على الشبهين. فلشبهه بالذمى إذا وُجد عَرْضُ الإسلام عليه تقع به الفرقة؛ ولشبهه بالحربي إذا وُجِد انقضاءُ ثلاثِ حيضٍ أولًا تقع به الفرقة (١). ثم قال صاحب (المبسوط)؛ وإذا خرج أحد الزوجين الحربيين مسلمًا ثم خرج الآخر بعده فلا نفقة على الزوج للزوجة؛ لأن العصمة انقطعت فيما بينهما بخروج أولهما؛ ومعنى هذا أن وجوب نفقة العدة باعتبار ملك اليدِ الثابتِ للزوجِ عليها في حالة العدة، ولهذا لا تجب النفقةُ في العدة من نكاح فاسدٍ أو وطء بشبهة ولا في عدة أم الولد من المَوْلى؛ وتباينُ الدارين كما يقطعُ عصمة النكاحِ يقطع ملكُ اليَدِ الثابت بالنكاح. ثم إن كان

стр. 9035

الزوج هو الخارج فلا عدةَ عليها؛ لأنها حربية؛ وإن كانت المرأة هي التي خرجت فكذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليها العدة لحق الشرع لا لحق الزوج فلا تكونُ نفقةُ العدة عليه (١). وإن لم يُسبيا؛ ولكن أسلم أحد الحربيين وخرج إلى دار الإسلام؛ فقد وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق؛ لتباين الدارين فإن طلقها بعد هذا لم يقع طلاق عليها، أما إذا كان الزوج هو الذي أسلم فلأنه لا عدة على الحربية؛ وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى لا عدة على المهاجرة أيضًا؛ وعندهما وإن كان يلَزمها العدةُ فهذه العدة لا توجب ملك اليد للحربى عليها فكان بمنزلة العدة من نكاح فاسد أو وطء بشبهة فلا يقع الطلاق عليها باعتبارها، وإن أسلم الزوج بعدها وخرج لم يقع طلاقه عليها أيضًا؛ وقيل: هذا على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الأول، وهو قول محمد رحمه الله تعالى: فأما قول أبى يوسف رحمه الله تعالى الآخر: يقع طلاقه عليها وهو نظير ما لو اشترى امرأته بعد ما دخل بها ثم أعتقها وطلقها في العدة لا يقع طلاقُه في قول أبى يوسف الأول. وهو قولُ محمد رحمه الله تعالى. وإذا أسلم أحد الزوجين في دار الإسلام وفرق بينها بالإباء من الآخر ثم طلقها الزوج وهى في العدة؛ فإنه يقع الطلاق ثم إن كان دخل بها فلها أن تؤاخذه بمهرها إذا حرج إلى دار الإسلام؛ لأن المهر قد تقرر عليه بالدخول فيبقى بعد إسلامها، وإن لم يدخل بها وكانت هي التي خرجت أولًا مسلمة فلها على الزوج نصفُ المهر؛ لأنه إنما يُحَالُ بالفرقة على جانب الزوج حين أصر على شركه في دار الحرب بعد إسلامها، وإن كان الزوج هو الذي خرج أولًا مسلمًا فلا مهر لها عليه؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول؛ وإذا تزوج المسلم كتابية في دار الحرب فتمجست انتقض النكاحُ بينهما؛ لأن تمجسها إذا كانت تحت مسلم بمنزلة ردتها، وطلاقُه يقع عليها ما دامت في العدة كما لو ارتدت المرأةُ في دار الإسلام، وهذا لأنه لم تتباين بهما الدارُ وهو المنافى للعصمة. والحرمةُ بسبب الردة على شرف الزوال بالإسلام؛ فلا تمنْعُ ثبوتَ الحرمة بالتطليقات الثلاث. فإن خرج الزوجُ إلى دار الإسلام وبقيت في دار الحرب لم يقع طلاقه عليها لتباين الدارين حقيقةً وحكمًا؛ وإن خرج الزوجان إلى دارنا مستأمنين ثم أسلم أحدُهما؛ فهى امرأته حتى تحيض ثلاث حيض؛ فإذا حاضت ثلاث حيض وقعت الفرقة بغير طلاقٍ بينهما؛ وانقطعت العصمة فلا يقع عليها طلاقه؛ لأن المُصِرَّ منهما على شِرْكه من أهل دار الخرب؛ ألا ترى أنه يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب فهو بمنزلة ما لو كان في دار الحرب حقيقة في المنع من وقوع طلاقهِ عليها. وكذلك إذا صار أحدُهما ذميا وأبى الآخر فالحكم فيما وصفنا عن الفرقة في دار الإسلام وفى دار الحرب سواء؛ لأن الذمى صار من أهل دارنا والآخر من أهل دار الحرب (٢). مذهب المالكية: جاء في الخرشى أن الزوجين الكافرين إذا سُبيا مجتمعين أو أحدهما قبل الآخر، فإن النكاح
следующие страницы →