السؤال الحادي والستون:
ـ[ما صحة حديث لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ؟ ]ـ
هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، مرفوعاً قال: "لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاءَ عنب، أوعود شجرة فليمضغها". وجاء في بعض طرقه عند النسائي عن خالته الصماء، وجاء في رواية عند النسائي عن عمته الصماء. ورواه النسائي أيضا عن عبد الله بن بسر ﵁ عن النبي ﷺ ، وجاء الحديث أيضاً عن عائشة ﵂. وهذا الحديث وإن كان رجاله ثقات معروفون، إلا أنه ليس بالقائم بل هو مضطرب فتارة يجعل من مسند الصماء وتارة يجعل من مسند عائشة وتارة من مسند عبد الله بن بسر، وفي بعض الطرق يقول عبد الله بن بسر عن عمته ومرة عن خالته ومرة عن أخته. وفي متنه نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحاح في صوم يوم الجمعة ويوماً بعده، كما في الصحيحين من حديث جويرية وكذلك صوم أيام البيض، وصيام داود صيام يوم وفطر يوم كما في الصحيحين، وصوم يوم عرفة وست من شوال كما في صحيح مسلم من حديث أبي ايوب وغيرها. وقد أنكر هذا الخبر الحفاظ، قال الأوزاعي ﵀: لم نزل نكتمه حتى انتشر. قال الإمام أحمد: يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به. وقال الأثرم: حجة أبي عبد الله -أحمد بن حنبل- في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر. وقال الإمام مالك: هذا الحديث كذب، واستغربه الزهري فقال: هذا حديث حمصي. وقال أبو داود أنه منسوخ.
السؤال الثاني والستون:
ـ[ما صحة القاعدة المشهورة (لا غيبة لمجهول) ؟ ]ـ
إذا علم أن السامع لا يعلم من هو المغتاب أو المتكلم فيه، ولا يوجد قرينة توصله لمعرفة المتكلم فيه، فيظهر أن هذا الكلام لا يدخل في حد الغيبة المحرمة شرعياً والله أعلم.
стр. 562
السؤال الثالث والستون:
ـ[فضيلة الشيخ الطريفى السلام عليكم ورحمه الله. وفقكم الله لكل خير: لا يكاد يخلو كتاب من كتب المصطلح من مبحث أحاديث الصحيحين وأن الأمه قد تلقت كتابيهما بالقبول إلا أنه فى الواقع العملى نرى أن هؤلاء الذين نقلوا هذا التلقي من الأمة قد يحكمون على بعض الزيادات بأنها شاذه ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الأحاديث مما انتقدت على الشيخين من قبل وقد فعل هذا من الحفاظ مثل الذهبى والعسقلانى وابن تيمية وابن القيم والسيوطى وغيرهم، فهل نقول أن هذا التلقى هو الأصل إلا أن يتبين فى الحديث علة؟ ولكن إذا قلنا ذلك فقد رجعنا من حيث بدأنا لأن كل من ضعف حديثاً سوف يقول ذلك جزاكم الله خيراً. ]ـ
صحيح البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، وسبق أن ذكرت أنه لا يوجد حديث واحد في الصحيحين ضعيف بتمامه وأصله، وإما من أعل من أهل العلم فإما أن يكون أعل بما لا يقدح أو قوله مرجوح، وأما الكلام على الزيادة والألفاظ في الصحيحين فهي لا تعني طعناً في نفس الخبر وتضعيفاً له، بل إن هذا الباب مفتوح لمن ملك الأهلية في النظر لا أن يأخذ بهواه، ولا يخالف هذا تلقي الأمة بالقبول، فالأمة تلقت أخبار الصحيحين بالقبول بالجملة، لا أنها تلقتها بالقبول بالحروف والألفاظ، فهذا ليس إلا للقرآن فهو الذي قبوله فرض على الأعيان بحروفه وألفاظه، فالذي عليه أهل العلم هو قبول أخبار الصحيحين بالجملة، لا يوجد خبر واحد منها ضعيف بتمامه وأصله، ومن بان له منهم إعلال للفظة أو زيادة من وجه صحيح فله ذلك، وهذا ليس بقادح بذات الخبر فهو مقبول لدى الجميع، فأهل العلم قد أجمعوا على أن ما ينقل إلينا من أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما لم يكن النبي ﷺ تلفظ بها بحروفها جميعها، بل منها ما روي بالمعنى من عارف بمعاني ألفاظه ﵊، وعلى هذا يدل صنيعهم في مصنفاتهم ومسائلهم، فنقد الألفاظ لا نقد الخبر بتمامه من عالم عارف بوجوه النظر في إعلال الاخبار سائغ، وهذا الذي عليه المحققون من الأئمة الحفاظ كالنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي وغيرهم.
стр. 563
السؤال الرابع والستون:
ـ[قد جاء عن ابن عباس أنه قال أن الكرسى هو موضع القدمين من العرش وهذا أثر صحيح موقوفاً على ابن عباس كما فى مختصر العلو للعلامه الألباني ﵀ وبه أثبت أهل السنه هذه الصفه إلا أنه لا يخفى أن مثل هذا لا يُقال من قبل الرأي، فلو قلنا أنه فى حكم المرفوع يُشكل علينا أن ابن عباس قد كان يأخذ من كتب أهل الكتاب كما صرح بذلك بعض العلماء، فقد كانت هذه المسألة تُشكل علي حتى علمت أنه قد روى هذا الأثر غيره من الصحابه مثل أبو موسى وأبو هريره وجاء أيضاً عن عكرمه وأبى مالك فهل صحت هذه الأثار عن هذين الصحابيين؟ فإن كان لا فما هو الجواب؟ مع العلم أني على عقيدة سلفية والحمد لله. ]ـ
عبد الله بن عباس ﵁ ليس من المشهورين بالأخذ عن اهل الكتاب، خبره قد أخرجه وكيع وعبد الله بن احمد في السنة والحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير وفي السنة والدارقطني في الصفات والضياء في المختارة وغيرهم من طريق سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ورواه شجاع بن مخلد وابن مردويه في تفسيره عن ابي عاصم عن سفيان به مرفوعا وهو خطأ والصحيح الوقف. وأما خبر أبي موسى فرواه عبد الله بن أحمد في السنة وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الصمد عن أبيه عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن عمارة بن عمير عن أبي موسى. وسماع عمارة من أبي موسى في النفس منه شيء، وقد قال ابن حجر روى ابن المنذر بسند صحيح عن أبي موسى. وأما خبر أبي هريرة فمنكر رواه ابن مردوية عن الحكم بن ظهير عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة، والحكم قال البخاري: منكر الحديث وقال أبو زرعة: واهي الحديث وقال أبوحاتم متروك الحديث وروي من حديث أبي ذر أخرجه أبو الشيخ من حديث أصبغ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي ذر مرفوعاً ولا يصح. وروي عن أبي مالك رواه عبد الله بن أحمد في السنة عن رجل عن اسرائيل عن السدي عن أبي مالك الغفاري، وفيه جهالة وابن عباس وإن جاء أنه يأخذ من أهل الكتاب فلا يعني حمل أقواله التي لا تقال من قبيل الرأي على ذلك، فأخذه من الوحيين جل أمره، فلما لا يحمل على ذلك، وخاصة أن باب الصفات يبعد أن يتساهل فيه الصحابة ومن هو في مثل علم ابن عباس منهم، وأهل العلم على ما جاء عن ابن عباس قال يحيى بن معين شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعاً فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعنى مثل حديث الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعر يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون بشيء، وهذا مروي عن جماعة من السلف كالإمام أحمد وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم.
стр. 564
السؤال الخامس والستون:
ـ[ما رأي فضيلتكم هل يوجد كتب تلقت أحاديثها الأمة بالقبول مثل الصحيحين ؟ وهل الإمام أحمد اشترط الصحة في مسندة؟ ]ـ
لا يوجد شيء من المصنفات تلقته الأمة كما تلقت الصحيحين، وهناك من اشترط الصحة في مصنفه وهذا معلوم كابن السكن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء المقدسي وغيرهم. والإمام أحمد لم يشترط الصحة في مسنده بل التزم إخراج ما اشتهر، وليس المراد بالشهرة هنا ما هو مقرر في كتب المصطلح، بل المراد أوسع من ذلك، وهو ما عرف لدى الحفاظ من الأخبار، ولذا فإنه يوجد في كتابه أفراد وغرائب، والإمام لم يلتزم الصحة ولذا فإنه يوجد في مسنده أحاديث يسأل عنه فيضعفها كما في مسائله وعلله وهي قليلة. إلا أنه لا يخرج للوضاعين، وهذا قد قرره جماعة من أهل العلم كابنه عبد الله وأبي يعلى وابن الجوزي وابن تيمية، بل قد قال الامام أحمد نفسه لابنه عبد الله: قصدت في المسند الحديث المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. وهو يخرج في مسنده ما يحكم هو بضعفه وهو قليل كحديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان. ومنه ما رواه من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة، قال الحافظ أبو داود في سؤالاته لأحمد عن أحمد: لا أصل له. إلا أن هذه الأحاديث قليلة، وما لم يعلم لأحمد قول فيه من المسائل أو جاء عنه قولان ولا مرجح، وهناك مما في مسنده من أحاديث تؤيد أحد القولين فهي تعتبر مرجحة، وقد اختلف الأصحاب في الأخذ والاعتبار بهذا المرجح إلا أن الذي يظهر اعتباره وقد رجحه ابن مفلح كما في الآداب، والله اعلم.
стр. 565
السؤال السادس والستون:
ـ[ما رأيكم ب كفر تارك الصلاة هل الصحيح كفره أم لا؟ ]ـ
تارك الصلاة كافر بإجماع السلف من الصحابة والتابعين، وقد حدث خلاف عند المتأخرين، وهو بعد إجماع خير القرون حكى الإجماع غير واحد من السلف كعبد الله بن شقيق وأيوب السختياني واسحاق بن راهوية والمروزي والأدلة في ذلك ظاهرة صريحة. روى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي الزبيرعن جابر أن النبي ﷺ قال: بين الرجل والشرك ترك الصلاة. وروى الترمذي والمروزي عن بشر بن المفضل قال حدثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق ﵁ قال: كان أصحاب محمد لا يرون من الأعمال شيئاً تركه كفر غير الصلاة. وروى المروزي حماد بن زيد عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وحذيفة وعبد الله بن عمرو.
стр. 566
السؤال السابع والستون:
ـ[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم. سؤالي: ما درجة الأحاديث التالية: ] ـ
ـ [أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله . ]ـ
أما حديث أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله: فهو ضعيف بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي ذر وهو معلول بعلل: فيزيد قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي وضعفه الدارقطني وغيره. وفي إسناد الخبر جهالة.
وأخرجه البزار في مسنده من حديث جرير بن عبد الحميد عن يزيد عن مجاهد عن أبي ذر. وفيه انقطاع مع ضعف يزيد.
وروي نحوه في سنن البيهقي ومعجم الطبراني والطيالسي من حديث عقيل عن أبي اسحاق عن سويد بن غفله عن ابن مسعود. ولا يصح أنكره أبو حاتم.
وروي من حديث معاذ وابن عباس والبراء وفيها نظر.
ـ [أما إني قد جئتكم بالذبح (لمشركي قريش) . ]ـ
- وأما حديث أما إني قد جئتكم بالذبح (لمشركي قريش) فرواه الامام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والبزار من طريق ابن اسحاق قال حدثني يحي بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن عمرو في خبر طويل قال ﵊ لقريش قبل الهجرة وهم في الحجر: والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح.
وإسناده لا بأس به، فيه ابن اسحاق وحديثه يحمل على الاستقامة.
ـ [قول عبد الله بن عمرو: من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم . ]ـ
- وأما قول عبد الله بن عمرو: من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم: فرواه البيهقي في سننه من طريق أبي أسامة عن عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو قال: من بنى في بلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.
وأبو المغيرة مجهول لم يروي عنه غير عوف قاله ابن المديني ووثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات ولينه سليمان التيمي، وقد اورد هذا الخبر ابن تيمية في مواضع من كتبه، ولا يصح.
ـ [العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر . ]ـ
- وأما حديث: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر فرواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وغيرهم عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. وفي اسناده الحسين بن واقد قال أبو زرعة وأبو داود والنسائي: ليس به بأس، وكذا قال الإمام أحمد ووثقه ابن معين، إلا أنه في حديثه عن عبد الله ابن بريدة شيء قال أحمد: ما أنكر حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة. لكن حديثه يحمل على الاستقامه إلا ما خالف فيه أو انفرد به، وحديثه هذا حديث حسن، وقد روي معناه من أحاديث كثيره منها ما روى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي الزبيرعن جابر أن النبي ﷺ قال: بين الرجل والشرك ترك الصلاة.
ـ [خمس صلوات من حافظ عليهن كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نور يوم القيامة، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون، وقارون، وهامان، وأبي بن خلف]ـ
- وأما حديث: خمس صلوات من حافظ عليهن كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نور يوم القيامة، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون، وقارون، وهامان، وأبي بن خلف فرواه احمد والدارمي وابن حبان والطبراني في الأوسط بسند حسن عن كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ، وعيسى بن هلال مقلّ الرواية وأحاديثه مستقيمة.
ـ [قصة قدامة بن مظعون وشربه الخمر . جزاكم الله خيرا. ]ـ
وأما قصة قدامة بن مظعون وشربه الخمر، فهي قصة معروفة ثابته أخرجها عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة بالقصة المعروفة، وهي قصة معروفة يوردها أهل الفقه في الحدود وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب السختياني قال: لم يحد في الخمر أحد من أهل بدر إلا قدامة بن مظعون ﵁.
стр. 567
السؤال الثامن والستون:
ـ[فضيلة الشيخ أحسن الله إليكم ما مدى صحة هذه الزيادة (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث) . ]ـ
أما زيادة "بسم الله" فهي زيادة شاذه في حديث أنس في دخول الخلاء ولا تثبت بوجه فيه: فقد أخرج البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم جماعة من طرق عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس مرفوعاً كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
لكن رواه المعمري في عمل اليوم والليلة وخالف فيه فرواه عن عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب مرفوعاً: إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث. وهذا اللفظ غير ثابت فقد جعل الحديث بلفظ الأمر وزاد التسمية في أوله مما يدل على عدم الضبط.
وخالف فيه المعمري في عمل اليوم والليلة عن ابن المختار الرواة الثقات، وما جاء في الأصول واعتمده الائمة.
ورواه الطبراني في الاوسط والعقيلي في الضعفاء عن قطن بن بسير عن عدي بن ابي عمارة عن قتادة عن انس بهذه الزيادة. ولا يصح اسناده
ورواه أيضا الطبراني في الأوسط عن يوسف بن عدي عن عبد الرحيم عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس بهذه الزيادة ولا يصح أيضاً.
ورواه الخطيب في الموضح عن الهيثم بن جميل عن أبي معشر عن حفص بن عمر عن أنس بها وهو واه.
وأخرجه أحمد وبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم عن قتادة عن النضر عن زيد بن أرقم بنحو حديث الجماعة وليس فيه التسمية.
ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبان وغيرهم عن قتادة عن القاسم الشيباني عن زيد نحوه وليس فيه التسمية.
ـ[وكذلك الزيادة في حديث عائشة ﵂: (كان يعجبه التيامن في ... وسواكه) لأني وجدتها ولا أعلم صحة هذه الزيادة والله يحفظكم. ]ـ
- وأما زيادة: "وسواكه"، فهي زيادة شاذه خالف فيها مسلم بن ابراهيم، فقد روى الحديث الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طرق عن شعبة عن الأشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة أن النبي كان يعجبه التيامن في طهوره وتنعله وترجله.
رواه عن شعبة جماعة من الحفاظ وغيرهم منهم حفص بن عمر وسليمان بن حرب وحجاج بن المنهال وعفان وبشر بن عمر ومحمد بن جعفر وبهز وأبي عمر الحوضي والنضر بن شميل وغيرهم ليس فيها وسواكه.
ورواه الإمام أحمد عن والد وكيع ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي الأحوص كلاهما عن الأشعث به ولم يذكروا هذه الزيادة.
وانفرد بها مسلم بن إبراهيم عن شعبه عند أبي داود في سننه ومسلم مع ثقته وجلالته إلا أنه خالف فيها الحفاظ بما ليس في هذا الحديث، والله اعلم.
стр. 568
أجوبة فضيلة الشيخ محمّد بن الأمين بوخبزة على أسئلة ملتقى أهل الحديث
ـ[١) هل يقاس على المجوس غيرهم في أخذ الجزية أم أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس؟ وإذا كانت العلة كما قال بعض العلماء في المجوس أن فيهم شبهة أهل الكتاب، فهل كل ملة ونحلة فيها هذه الشبهة نلحقهم بها مثل السيخ؛ فإنهم هندوس جمعوا إلى أفكارهم أشياء من المسلمين واليهود والنصارى ... والبوذية يزعم بعض الباحثين أن أصلها كان يدعو للتوحيد، ثم حرف الرّهبان أوامر بوذا، ويستدلون بنصوص من كلام بوذا موثقة حتى الآن ... فهل مثل هذا شبهة في إلحاق البوذيين بأهل الكتاب؟؟؟ وفقكم الله وسددكم .. ]ـ
حديث: (سنّوا بهم سنة أهل الكتاب)، صحيح، وهو وارد في مجوس هَجَر (البحرين وناحيتها) فالواجب الاقتصار عليهم وعلى من هم على نهجهم ونحلتهم من مجوس العصر إن كانوا موجودين، أما إلحاق غَيرهم من الوثنيين قياساً، فلا وجه له لمخالفته للمبدأ المتفق عليه، وهو أخذ الجزية من أهل الكتاب: اليهود والنصارى بفِرَقهم، والله أعلم.
стр. 569
ـ[٢) شيخنا الفاضل من هو أول من شرح صحيح البخاري ، هل هو أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي (المتوفى سنة ٤٠٢ هـ) أم هو الخطابي؟ وهل شرح الداودي هذا "النصيحة" موجود أم مفقود (إذ أن فؤاد سزكين لم يذكره في كتابه، ولا المستشرق بروكلمان). ]ـ
لا أستطيع الآن الجزم بتحديد أول شارح لصحيح البخاري، وإن كنت أميل إلى أنه أبو سليمان الخطابي في (أعلام السنن) وقد طبع، أما النصيحة للداودي التلمساني، فلا أعلم عنها شيئا إلا النقول عنها في (فتح الباري) وغيره.
ـ[٣) ما رأيكم في المسألة التي رفع لواء الدعوة إليها بعض المعاصرين؛ وهي التفريق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في تصحيح الأحاديث وتضعيفها في هذه الأزمنة المتأخرة؟ ]ـ
مزاعم بعض الطلبة الآن حول أصول الحديث، والدعوة إلى إعادة النظر في بعضها، هي في نظري محاولة فاشلة، لعل الداعي إليها الرغبة في الشهرة ودعوى التجديد، وهي مسبوقة بمحاولات قام بها بعض أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم كابن عَقيل الحضرمي الزيدي، وقد ضمن أفكاره كُتيبا مطبوعا سماه (العتب الجميل، لأهل الجرح والتعديل) وتبنى هذا المنهج بالمغرب شيخنا أحمد بن الصديق الغماري كما تراه في رسالته (فتح الملك العلي، بصحة حديث باب مدينة العلم علي) وهي مطبوعة؛ نعم في دعوة بعض أهل العصر من السباب المعني بالحديث إلى عدم تقليد الحافظ ابن حجر تقليداً أعمى في أحكامه على الرواة في (تقريب التهذيب) بعضُ الحق، تلوح معالمُه في طبعة بشار عوّاد معروف للكتاب التي بناها على البحث والمقارنة.
стр. 570
ـ[٤) هل التقيتم بأحد من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، وكيف كانت متابعتكم لأخبار الجمعية في المغرب الأقصى؟ ]ـ
لم أَلق من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلا زعيمَهم الشيخ البشير الإبراهيمي ﵀، وقد كان لسان الجمعية الناطق، وقطبَها الذي عليه مدارها مع صديقه الشيخ عبد الحميد ابن باديس ﵀، كما عرفتُ مؤخرا أحد أعضائها وهو الشيخ الحسين السليماني المقيم الآن بجُدّة، ولا أدري ما فعَل الله به فقد كان مريضا جدا شفاه الله تعالى.
ـ[٥) ذكر الشيخ فرحات بن الدراجي (أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) في مجلة الشهاب (جزء ٦ مجلد ١٥) أنه حصل على نسخة خطية من كتاب " تهذيب المدونة " لأبي سعيد البراذعي القيرواني، وتبلغ صفحاتها ٥٦٦ صفحة في القالب الكبير، ولم يذكر ناسخها، ولا تاريخ نسخها. وكان الشيخ ينوي طبعها ولم يوفق لذلك ﵀. فما هي أفضل طبعات هذا الكتاب، وما هي قيمته العلمية؟ ]ـ
كتاب تهذيب المدونة للبراذعي أشهر مختصراتها وأوفرُها حظا من الخدمة والعناية، ونُسخُه كثيرة، ووقفت بالخزانة الحسنية بالرباط على نسخة منه عتيقة جدا مكتوبة على الرق بخط أندلسي، وقد طُبع الآن بدبي ولا أدري هل تم طبعة أم لا، فقد أُرسل إلي جزؤه الأول وهو يشكل ثلثه.
ـ[٦) ما مدى أهمية كتاب (المبسوط) لإسماعيل القاضي لدى علماء المالكية ، وهل الكتاب موجود أو مفقود؟ فإن كان مفقودا فهل تستطيعون تحديد آخر من وقف عليه من العلماء؟ وأيضا التكرم بذكر من شرح الكتاب أو اختصره.
وهل كتاب (أحكام القران) لإسماعيل القاضي موجود أو مفقود؟ وإن كان مفقودا فحسب، فهل في علمكم من آخر من اطلع عليه من أهل العلم، وهل هناك من اختصره أو اعتنى به، وجزاكم الله خيرا. ]ـ
الجواب: (المبسوط) للقاضي إسماعيل الجهضمي من مالكية العراق، كتاب مشهور من أمهات فقههم، ولا وجود له الآن فيما أعلم، ولا نعلم من شرَحه، نعم يمكن اختصاره لطُوله، ولا أذكر آخر من نقَل عنه، إلا أن الشيخ عبد الله بن أبي زيد القيرواني ضمّن كتابه (النوادر والزيادات، على ما في المدونة من غيرها من الأمهات) وهو مطبوع في اثني عشر مجلدا منها اثنان بتحقيقي، نصوصا كثيرة منه، ومن كتاب محمد ابن سحنون، وواضحة عبد الملك بن حبيب وكتاب ابن عبدوس وابن شعبان وغيرها مما فقد، ومن هنا تبرز أهمية كتاب (النوادر)، و (المبسوط) يحتوي على روايات كثيرة للإمام مالك وكبار أصحابه مما خلت منه (المدونة)، ومثله (أحكام القرآن) للقاضي إسماعيل نفسه، لم أقف عليه ولا على من وقفَ على نسخة منه.
стр. 571
ـ[٧) من المعلوم أن كتب المالكية فقيرة جدا إلى الأدلة، خاصة منها كتب المتأخرين المصابين بداء الجمود والتقليد. لذلك فقد رأيت بعض طلبة العلم يضطرون للجوء إلى كتب المذاهب الأخرى بحثا عن أدلة مذهب المالكية!! فهل لكم أن تدلوني على أهم كتب المالكية التي تعنى بالاستدلال (ويشمل ذلك الأدلة الأصولية المختلف فيها كالمصلحة والاستحسان ونحوها) سواء منها ما كان مطبوعا أو مخطوطا؟ جزاكم الله خيرا ونفع بعلمكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ]ـ
حدثني بعض الإخوان عن الدكتور وهبَة الزحيلي السوري أنه شكا إليه خلوّ كتب المالكية من الاستدلال والتوجيه، وما عاناه من المشقة والعنَت في البحث عن أدلة مذهبهم لمَا كان يؤلف كتابة (الفقه الإسلامي وأدلته) المطبوع، ونفسُ الشكوى أبداها الشيخ أحمد ابن الصديق لما ألف كتابه (مسالك الدلالة، في شرح أدلة الرسالة) وهو مطبوع، وقد استغرق في تأليفه سنوات، و (مسالك الدلالة) هذا، و (إتحاف ذوي الهمم العالية، بأدلة مسائل العشماوية) لشقيقه عبد العزيز ابن الصديق، وهو عالةٌ فيه على شقيقه المذكور، وكتاب (التمكين، لأدلة المرشد المعين) لأحمد الوَرَايْني من خريجي دار الحديث الحسنية بالرباط، هذه الكتب الثلاثة لهؤلاء المعاصرين ليس للمالكية المتأخرين مثلُها. ولا أعرف فيما اطلعتُ عليه من كتبهم -وهو كثير- ما فيه من غَناء في هذا الباب، إلا قليلا ككتاب (البيان والتحصيل) لابن رشد الجَد، ومقدماته وهما مطبوعتان، وشرح المازَري لكتاب التلقين للقاضي عبد الوهاب، وقد طُبع بعضُه، وكتاب التوضيح وهو شرح مختصر ابن الحاجب الفرعي، للشيخ خليل وهو مخطوط، وكتاب (الإشراف) للقاضي عبد الوهاب، وهو مطبوع، و (التوجيه) لابن بشير وهو مخطوط، ولبعض المعاصرين من الشناقطة شرح مختصر خليل بالدليل نسيت اسمه، وقد طبعته رابطة العالم الإسلامي بمكة، وقفت عليه، فإذا به يذكر دليل المسائل المعروفة المتداولَة ويسكت عن الباقي وهو أكثر من النصف، وللدَّاه الشنقيطي كتاب اقتصر فيه على ما يكثُر من مختصر خليل مع ذكر الدليل فيما يزعم وهو مطبوع ولعل اسمه (فتح الرحيم الرحمن .. )، وتراه فيه يستدل للمسائل بأقوال مالك وأصحابه على إعواز فيه.
стр. 572
ـ[٨) شيخنا الفاضل سلام الله عليك ورحمته وبركاته .. وبعد .. فقد كان لي شرف القراءة والسماع عليكم لكتاب (الأوائل العجلونية) سنة (١٤٢٠هـ) بمكة المكرمة .. وبصحبة بعض الفضلاء .. وعلى رأسهم أخي الحبيب الشريف حاتم العوني .. وقد كتبتم لي الإجازة بخطكم على نسختي الخاصة المقروءة عليكم .. وإنه ليشرفني أن أحدث عنكم في حياتكم (بارك الله في علمكم ونفع بكم). ومما فهمت منكم في ذلك المجلس أن لكم إجازة من الشيخ العلامة المحدث محمد ناصرالدين الألباني ﵀ .. وقد أجزتموني بذلك.
والسؤال: هل تلكم الإجازة عامة .. في جميع مروياته؟ .. أم أن ذلك يخص المقروء عليه من سنن النسائي الكبرى .. وهل هناك مناولة لشيءٍ من كتبه؟ .. لأنه حصل عندي لبس في ذلك.
إني لفي أشد اللهف لمعرفة ذلك بالتفصيل .. وباللفظ الذي عبر به لكم في الإجازة .. وتقبلوا فائق شكري.
محبكم وتلميذكم البار .. يحيى (العدل) (٩/ ٥/١٤٢٣هـ). ]ـ
ما سمعتم مني وكتبتُه لكم على نسختكم من الأوائل العجلونية، كان موجزاً جدا، وهو في نص الإجازة المطوَّل -ويظهر أنكم لم تحصلوا عليه- مبسوط نوعاً، وروايتي عن الشيخ الألباني ﵀ إنما هي مُناولة منه مأذونة بمنزله بالمدينة المنورة عام ١٣٨٢هـ، وكانت لرسائله صفة صلاة النبي ﷺ ، وصلاة التراويح، وحجاب المرأة المسلمة في طبعتها الأولى، وفهرسة كتب الحديث الظاهرية قبل أن يطبع منتخبه، وفي زيارتي له بعَمّان بعد انتقاله من دمشق ناوَلني المجلد الرابع من السلسلة الصحيحة طبع المكتب الإسلامي، وكَتَب عليه الإهداء وأذن بالمناولة، ومعلوم أنه لم تكن له عناية بالإجازات ولم يُجزه إلا الشيخ راغب الطباخ الحلَبي بمبادرة منه.
стр. 573
ـ[٩) شيخنا الفاضل، السلام عليكم ورحمة الله. لقد سمعت عنك كثيراً، وأسأل الله أن يُمد في عمرك ويحسن لنا ولك العاقبة. ما منهج ورأي من فضّل صحيح مسلم على البخاري ؟ وما هو الجواب عنه؟ ]ـ
الجواب: مسألة المفاضلة بين الصحيحين شهيرة، ومعلوم أن المغاربة أعني الأندلسيين يُفضلّون مُسلماً، وقد قيل في هذا:
تنازعَ قومٌ في البخاري ومسلم ... قديماً وقالوا: أيَّ ذَين تُقدِّمُ
فقلتُ: لقد فاق البخاريُّ صحةً ... كما فاق في حُسن الصناعة مُسلمُ
стр. 574
ـ[١٠) شيخنا الفاضل العلامة أبا أويس محمد بن الأمين بوخبزة -كان الله له بإنعامه- من أبي محمد عصام البشير بن محمد عصام المراكشي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
هَذي تحيةُ حبٍّ خالصٍ مُزجتْ ... بالشوقِ، أبعثُها لِحَبر تطوانِ
محمد بن الأمينِ مَن له جُمعتْ ... شتى الفنون له ربي بإحسانِ
أتشرف بأن أبعث لكم بالأسئلة التالية، راجيا من المولى القدير أن ييسر لي أسباب الاجتماع بكم، والنهل من حياض علمكم.
- ذكر بعض من ترجم للشيخ أحمد بن الصديق أنه كان في درس صحيح مسلم بالجامع الكبير بطنجة يبدأ بسرد الأحاديث من حفظه بأسانيدها، فتبلغ ثمانين حديثا ونحوها، ثم يكر عليها بالكلام على رواتها، وما فيها من غريب وفقه ونحو ذلك. وذكر كثيرون عنه قصصا من هذا القبيل، تشهد لاتساع دائرة حفظه كثيرا. فهل كان فعلا يحفظ الأحاديث سردا، أم أن حفظه هو المعرفة والفهم كما هو حال أكثر المتأخرين؟ ]ـ
كان الشيخ أحمد ابن الصديق عَقَد مجالس إملاء بالأزهر في شبابه، وأراد بها إحياء أمالي ابن حجر والسَّخاوي، وأنا لم أدرك هذا كما لم أُدرك إملاءه بجامع طنجة، إلا أن ما يقال عن حفظه مبالغ في بعضه وكذب في الآخر، فالمبالَغ فيه إملاء ثمانين حديثاً بأسانيدها، إلا أن يكون حدّث مرة مع إعداد ومعاناة حفظ، وأماليه بالأزهر لم يكن المجلس فيها يتجاوز العشرةَ مع ملاحظة نزول الأسانيد، أما الكذب فما سمعتُه في الحرمين من أنه يحفظ صحيح البخاري أو الصحيحين معاً عن ظهر قلب، وهو لا يستطيع إملاء كتاب من كتب الصحيح ابتداءً، وشقيقه الشيخ الزمزمي أحفظ منه للمتون، وهو فيما عدا ذلك كغيره من العلماء بل في هؤلاء من كان يستحضر اكثر منه كالشيخ المدني بن الحُسْني وبوشعيب الدكالي.
ـ[١١) سمعت من يقول إن الشيخ الزمزمي بن الصديق لم يكن قويا في العلم كإخوته أحمد وعبد الله وعبد العزيز، وإنما كان داعية من دعاة السنة ونبذ التصوف. ويستشهدون بأن كتاباته مبسطة جدا وليس فيها عبارات العلماء واصطلاحاتهم. فما رأيكم؟ ]ـ
عن الشيخ الزمزمي ابن الصديق: لم تكن له عناية بالأسانيد والطرُق، وكان متفرغاً لدعوة العامة وأشباههم، وهؤلاء يحتاجون إلى من يخاطبهم بما يفهمون، فلذلك كانت خطبُه ودروسه باللهجة الدارجة، إلا إذا كان يُدَرس مع الطلبة، وهو في العلم أقل درجةً من شقيقيه: أحمد وعبد الله، أما الآخران فكان أحفظ منهما وأعرفَ بالفقه والمتون، ويُتقن حفظ القرآن دونهم.
стр. 575
ـ[١٢) شيخنا الفاضل حفظك الله وبارك فيك وأمدك في عمرك على طاعته. هناك سؤال يدور في ذهني كثيرا وقد سألت بعضا من العلماء عنه، ولكني لم أجد الجواب المفصل والسؤال هو عن فائدة علم المنطق وهل يُنصح بدراسته ، وأنا في الحقيقة لم يوصيني به وبحفظ (السلم المنورق) خصوصا وقد حفظتها سابقا - إلا من درس على يد شيخ شنقيطي فقط، أما غيرهم فلم ينصحني بها، ويذكرون كلاما لشيخ الإسلام ﵀ في ذمّه وهم يحملونه على جميع أقسام هذا العلم فما رأيكم في ما ذكرت؟ وأتمنى أن تذكروا أهم المتون في هذا الفن؟ ]ـ
علم المنطق صناعة لفظية تتمسَّح بالفكر، وليس كما يزعم مناصرُوه الغُلاة، وهو مما كان يُحذر منه السلف الصالح كما تعلمون، وقد قرأت السُّلَّم المرَوْنق للأخضري وبشرح بناني، وإليه المنتهى فيه عند المغاربة، فلم أجد فيه كبير غَناء، مع عظيم عَناء، ومَن أوتي فطنة وفضلَ ذكاء أدرك ما فيه من زَيف وخلل كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (نقض المنطق) والمؤلفات فيه كثيرة من أيسرها (إيسَاغُوجي) ومصنف البِقاعي والمغيلي، والمنطق الحديث لعبد الوصيف وغيرها كثير.
ـ[١٣) رجل صلى صلاة الفجر ونسي وصلى أربع ركعات، ولم يذكر إلا وهو جالس في التشهد الثاني، فماذا يصنع ؟ ]ـ
من صلى فريضة الصبح أربعا ناسياً، فهي له نافلة، وليستأنف صلاةَ الصبح ركعتين بشروطها وأحكامها كما أمر الله.
ـ[١٤) مسافر صلى خلف مقيم وجهل أن متابعة الإمام واجبة فلما قام الإمام إلى الركعة الثالثة سلم المسافر وانصرف فماذا يجب عليه ؟ ]ـ
إتمام المسافر خلف المقيم هو الصواب إن شاء الله، ومن قَصَّر خلفَه إن كان يتصرف عن دليل كما هو مذهب ابن حزم والبخاري والبيهقي وأحمد بن الصديق والزمزمي فإنها تجزئه لأنه على كل حال يعبُد الله على بصيرة.
стр. 576
ـ[١٥) الشيخ الفاضل بارك الله فيك ونفع بك، هل كتاب علل صحيح البخاري لابن عبد البر موجود؟ فقد سمعنا أنه مخطوط عندك. ]ـ
كتاب ابن عبد البر (الأجوبة المستوعبة) جزء صغير على بتْر فيه وليس كما تتصوره، وقد أخذه مني بعض الإخوان لتحقيقه.
ـ[١٦) هل كتاب المداوي للغماري المطبوع ناقص أم أنه مكتمل ؟ ]ـ
(المداوي لعلل المناوي) لأحمد ابن الصديق طُبع بمصر وقد ذكر محققُه في أوله أنه وقع التصرفُ فيه من طرف شقيقه عبد الله بحذف ما فيه من سب وتجهيل مبالَغ فيه للمناوي، وفيما تركوه كفاية.
ـ[١٧) ما هو أجمع كتاب لكتب تراجم المالكية ؟ ]ـ
أجمع كتاب في تراجم المالكية مع الاختصار: (شجرة النور الزكية) للشيخ مخلوف التونسي، وهو مطبوع، وأجلها وأعظمها فوائد: (ترتيب المدارك) للقاضي عياض، طبعة الأوقاف بالمغرب.
ـ[١٨) الغماريون الإخوة: عبد الله وأحمد وعبد العزيز، ما هي عقائدهم وأيهم أقوى علما، ما هو المأخذ عليهم ؟ ]ـ
الغُماريون الخمسة الأشقاء، هم على ترتيب أسنانهم: ١ - أحمد، ٢ - عبد الله، ٣ - الزمزمي، ٤ - عبد الحي، ٥ - عبد العزيز. أولهم أحمد، وهو أكبرهم سِنّاً وعلما، يليه عبد الله، ثم الزمزمي، ثم عبد الحي، ثم عبد العزيز، وقد ابتُلوا ببَليتين: التشيع، والتصوف، وكان فرطُهم إلى الحق في الجملة: الزَّمزمي الذي طلَّق الزاوية وتبرأ منها ومن طُقُوسها، وقد درجوا جميعاً ﵏ وعفا عنهم، ولولا هذا البلاء لكان سيدُهم وأعلم أحمد فردَ المغرب وعالمَه ومُحَدّثَه دون منازع، وقد قال عنه شيخنا الدكتور الهلالي: عالمُ الدنيا أفسَدَتهُ السُّبحة، ومنهم أخوهم المُفرد الحسن، فقيه أصولي مُطّلع على ذكاء وألمعية، وأصغرهم سِنا الدكتور إبراهيم وهو مُفرد أيضا، على معرفة واطّلاع، وكلهم صوفية خُرافيون كما ألمعنا ما عَدا الزمزمي رحمه الله تعالى.
стр. 577
ـ[١٩) كتبكم وبحوثكم شبه مفقودة لدينا ، هل بإمكانكم إرسالها لنا، ونتحمل التكلفة؟ ]ـ
كتبتُ كثيرا من مذّكرات مختلطة من قَبيل كتب المحاضرات والنوادر والفوائد المنثورة، منها: نُقل النديم في مجلد، حَفْنة دُرّ مجيليد، رونق القِرطاس ومَجلب الإيناس، مجلد وسط، وسَقيط اللآل، وأُنسُ اللَّيال، مجلد وسط، وآخرون، ديوان خُطب مجلد، الشذرات الذهبية في السيرة النبوية، مجلد وسط- جربا السّائح تم منه مجلدات ولم ينتَه بعدُ، وطُبع لي مؤخرا أربعون حديثا في النهي عن اتخاذ القبور مساجد في جُزء، وتعليق على رائية ابن المُقرئ اليمني في الرد على الاتحاديين في جزء مخطوط، ومن التحقيقات: سراج المهتدين لابن العربي القاضي في الحديث طُبع بتطوان، أربعون حديثا في الجهاد لعلي بركة الأندلسي، طبع بتطوان، و٩ مجلدات من الذخيرة في الفق المالكي للشهاب القرافي طُبع بدار الغرب الإسلامي في ١٣ مجلدا، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد حققتُ منه مجلدين طُبع بدار الغرب في ١٢ مجلدا، وشاركتُ بمواد كثيرة في تحرير (معلمة المغرب) طُبع منها ١٤ مجلدا، ومجموعة رسائل كثيرة إخوانية وأجوبتها، هذا ما أذكُرُه الساعة، ومعظم هذه الأوضاع مخطوط، وفيها ما يُتحرَّز من نشره لتعلّقه بأفراد أحياء، ويمكن الاطلاع على بعض ما تمَّ عند الإخوان والأصدقاء، الذين يَغشَون منزلي، ويترددون إلي.
ـ[٢٠) من هم العلماء البارزين في المغرب من أهل السنة ؟ ]ـ
عن العلماء البارزين من أهل السنة في المغرب: عن الجيل الحاضر لا أعرف أكثرهم، وعن الماضين أعرف من سميتُ سابقاً، وأُضيف إليهم محمد بن العربي العلَوي، وعبد الحفيظ الفاسي الفهري، والنتيفي.
стр. 578
ـ[٢١) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرجو مساعدتنا للوصول إلى أفضل حل لهذه المشكلة:
نعمل بشركة للاستيراد والتصدير، ويوجد بعض الموظفين تسند إليهم عُهد مالية لتسوية بعض المهام والأعمال الخاصة بالشركة (ومهام عملهم صرف فقط لا تحصيل من عملاء الشركة)، وعند تسوية عهدة أحد الموظفين في نهاية الشهر وجد معه مبلغ من المال زيادة في العهدة، وقد أفاد الموظف بأنه يخلط ماله الخاص بمبلغ العهدة، وأفاد أيضاً بأن هذا المبلغ زيادة في عهدته ولا يعلم مصدره، وقد تمت مراجعة حسابات الشركة من قبل الإدارة المالية على مدار ٦ أشهر، وجميع حسابات الإيرادات والمصروفات سليمة ولا خلل بها، وأفادت الإدارة المالية أن هذا المبلغ الزائد لا يندرج تحت بند العهد والمصروفات ولا يعلم مصدرة من جانبها.
فما حكم الشرع في هذا المبلغ الذي ما زال معلقا في حيازة الموظف ، وما الجهة الشرعية لصرفه؟ أفيدونا أفادكم الله بما يحقق لنا ولموظفينا الورع في المعاملات المالية، وجزاكم الله عنا خيرا. ]ـ
مسألة المال الزائد الذي لا يُعرف مصدره بعد مراجعة الحسابات، تُشبه اللُّقطة، فأَرى أن يحتفظ المكلَّف بهذا المال إلى أن يُعرف مصدرُه، ويظهر صاحبُه، ويمكن التصرفُ فيه على أن يبقى في ذمة المكلَّف، فإن ظهر صاحبه دُفع إليه، وإلا انتفع به المكلف.
стр. 579
ـ[٢٢) رجل يسكن في حي يلعب فيه أبناء الحي الكرة، ويسببون له الإزعاج والأذى بسبب لعبهم، وكان يأخذ الكرة منهم عندما يلعبون أمام منزله ويتلفها عليهم ولا يعيدها، ومضى على ذلك سنوات، والآن ما الواجب على الرجل هل يشتري كرة ويعيدها لهم؟ أم يعيد قيمتها؟ ولمن يعيدها للآباء أم لأبنائهم الذين كانوا يلعبون؟ وإذا سامحه الابن البالغ، هل يجب أن يسامحه الأب الذي هو ولي أمر الابن؟ ]ـ
مسألة الكُرة: إذا سبق أن تقدمتَ إليهم إلى اللاَّعبين والحال أنهم بَالغون مكلفون، بالكف عن الإزعاج والأَذى، فلم يفعلوا واستمرا على أَذاهم لك حتى أتلفتَ كُرتَهم، فأرَى أنه لا ضمانَ عليك، لأنك أنذرتَهم فلم ينزَجروا، ودفع الأذى مشروع، وقد أعذَر من أنذَر.
ـ[٢٣) إذا كان الرجل يتحدث في المجلس عن رجل لم يذكر اسمه وليس معروف، مثل: (كان لي جار...ونحوها) هل تعد غيبة؟ ]ـ
ذكرُك رجلاً بالوصف دون الاسم، ينظر في طبيعة الذكر، فإن كان مما يُكره، فهو غيبة لأنه معيَّن عندك وإن لم تُسمِّه، وإن كانَ مُجرد ذكر لا عيبَ فيه، فلا يعتبر غيبةً لأنها ذكرك أخاك بما يكره.
ـ[٢٤) كنت طالبا في الثانوية في السنة النهائية، وفي مادة التربية الرياضية (البدينة) طلب المدرس منا طلاب الفصل في الامتحان النهائي أن يؤدي كل طالب تمرين رياضي معين (٢٥) مرة، وعليها خمس وعشرون درجة من المجموع الكلي للمادة، وهي ١٠٠درجة، ولم أستطع أن أقوم بها سوى ثلاث مرات تقريباً؛ ليس خداعاً أو احتيالا، وكنت أنوي أن أعملها في المنزل لعدم استطاعتي أن أعملها دفعة واحدة؛ وكنت أريد أن أخبر المدرس، لكنني نسيت وبعد تخرجي التحقت بكلية المعلمين تخصص دراسات قرآنية -ولله الحمد والمنة-، والآن أنا خائف من أن تكون المكافأة التي استلمتها من الكلية حرام ؛ ولقد أثر الأمر علي كثيراً مع مضي سنتين تقريبا، وأنا خائف من الله، وأصبحت أحس أن ما أنفقه من الصدقات، وما أعطيه لوالدي حرام وسحت؛ ولقد كنت في دراستي أحذر الغش، والله المستعان؛ وما الحل جزاكم الله خيراً؟ لأنني أنتظر ردكم بفارغ الصبر حفظكم الله؟ ]ـ
مسألة المكافأة التي تسلمتَها من الإدارة وأنت طالب لا شيء فيها، لأنك نجحتَ وأنهيتَ المِشوار بسَلاَم مع سلامة النية، والبراءة من الغش.
стр. 580
ـ[٢٥) إذا بلع الصائم النخامة ، هل يبطل صيامه مع مضي سبع سنوات على هذه الحال؟ وهل يطعم مسكينا إذا كان صيامه فسد؟ ]ـ
بلعُ الصائم نخامتَه لا يُفسد صومَه لأنه ليس أكلاً ولا شُرباً، وكثيراً ما يقع هذا.
ـ[٢٦) (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: من الآية٤٨]، هل يعنى أن المسلم إذا أشرك ثم أسلم لا يغفر الله له، ولابد أن يعذب؟ ]ـ
إذا وقعَ المسلم في الشرك بالله والعياذ بالله، ثم ندمَ وتَاب بصدق فإنه لا يُعذّب، والمراد بآية: (إن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به) من أصَرَّ على الشرك إلى الممات، وأما من تاب فإنه مغفور له، (قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سَلَف).
ـ[٢٧) هل كتب الزوائد لابن الملقن موجودة جميعها؟
٢٨) وما هي الكتب التي اعتنت بزوائد الترمذي ؟ ]ـ
لا علم عندي بهذه الزوائد.
ـ[٢٩) ما رأيكم بكتاب (الأنيس والرفيق في ترجمة أحمد بن الصديق) لتلميذه عبد الله التليدي، وهل التلميذ موافق لشيخه في عقيدته المنحرفة؟ ]ـ
كتاب (الأنيس والرفيق) لعبد الله الكرفطي سيرةٌ مشوهة لشيخه أحمد ابن الصديق، ملأها بالأكاذيب والخرافات، ومنها ما عَرف الناس كثيراً من خفَايا ومساوي شيخه، ولله في خلقه شؤون، وقد تراجع مؤلفُه الكرفطي عن بعض فواقره كسبّ الصحابة، ووحدة الوجود، واتخاذ القبور مساجد، ولعله يتوب إلى الله توبة نصوحا، هدانا الله وإياه.
стр. 581
ـ[٣٠) لأحمد الغماري مناظرة مع الشيخ الألباني فهل سمعتم شيئا عنها؟ ]ـ
عن مناظرة الألباني والزمزمي: سمعتُ بعضَ تسجيلها، وكان الشيخ الزمزمي بادر إلى طبع مُلخَّصها، ومن سمع تسجيلَها المفصل، علم أن تلخيصها لم يكن سَليماً، وموقف الشيخين في موضوع المناظرة: (الأسماء والصفات) معلوم، فإن الألباني سلفي خالص، والزمزمي اتخذ لنفسه مذهبا خاصا فلا هو سَلَفي ولا جهمي أشعري، على أن هذه المناظرة التي وقعت بطنجة كانت بين الألباني والزمزمي وفي بيت هذا الأخير، أما مناظرته للشيخ أحمد فقد أشار إليها الألباني في (تحذير الساجد) ولا علم لي بتفاصيلها إن كان لها تفاصيل.
ـ[٣١) سمعت من لسان التليدي أن شيخه كان يلعن معاوية ﵁ - فهل بقي على ذلك إلى مماته؟ ]ـ
الشيخ أحمد وإخوته، حتى الزمزمي وأبناؤه كلُّهم منحرفون عن معاوية ﵁، ويزيد الأول على لعن معاوية لعنَ أبيه، وعمرو بن العاص، وسمُرة بن جندب، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم نسأل الله العافية.
стр. 582
ـ[٣٢) لقد أصهرتم إلى بيت الغماري فليتكم تحدثونا عن قصة الصراع العلمي بين أحمد وعبد الله من جهة وبين أخيهم السلفي محمد الزمزمي ومسبباته، وما أبقى هذا الصراع العلمي من أثر مكتوب؛ نريد حديثا مفصلا في الموضوع، وأحوال محمد الزمزمي لأني سمعت من لسان الشيخ عبد الله التليدي ومضةً خاطفة. ]ـ
معرفتي بالشيخ أحمد وشقيه الزمزمي تَرجع إلى عهد الصِّبا، أما عبد الله وعبد الحي وعبد العزيز فكانوا يومئذ بمصر يدرسون، ولي مع الشيخ عبد الله مراسلات، ولم أعرفه مُباشرة إلا بعد قدومه المغرب إثر خروجه من السجن، وكذلك الأخَوَان لم أعرفهما إلا بعد قدومهما إلى المغرب قديما، والعداء الناشبُ بين الإخوة والأشقاء كانت له أسباب على رأسها: الحسَدُ والتنافس العلمي، ثم تصرُّف الشيخ أحمد في ميراث والدِهم بسبب أنه النائب الوصي عليهم خصوصاً الدار الكبرى التي باعَها، ومكتبة والدِهم العامرة، وهذا ما سمعتُه بنفسي منهم في محاولة للإصلاح بينهم، ومما زاد في تأجيج نار هذه العداوة نميمةُ عبد الله الكرفطي الذي أبلى البلاءَ السّيّء في هذا المجال بتشجيع من الشيخ وترشيح له لهذه المهمة، خصوصاً بين الشيخ وشقيقه الزمزمي الذي أفضَت ذاتُ بينهما إلى تأليف الرسائل في مثالب كل منهما، وقد أحسن الشيخ الزمزمي في إحراق هذه الرسائل بعد وفاة أخيه. وقد رأيت أنا هذه الرسائل، أما الشيخ أحمد فقد كان عازما على تأليف حقيبة الغرائب في إخوته، فرجوته التخلي عنها ففعل، وكذلك ما جرى بين الشيخ أحمد وشقيقه عبد العزيز الذي كان يسطُو على آثار أخيه فيدَّعيها لنفسه بعد التغيير، وأؤكد أن معظم ما جرى بين هؤلاء الإخوة يرجع إلى سعي الكرفطي وشيطَنَتَه لحاجة في نفس يعقوب، وعند الله تجتمع الخصوم، والله المَوعد، وقد حدثني الدكتور إبراهيم بن الصديق وكان مع أخيه الشيخ أحمد بمصر بعد هجرته إليها أن أخاه كان يُعاني من تصلُّب الشرايين، وقد اشتد به المرضُ بسبب محنة أخيه عبد الله، وكان أحيانا يخِفّ مرضُه ما لم تصِلهُ رسالة من الكرفطي (التليدي)، فإذا وصلَت انتكَس وعاودَه الأَلَم لما تحملُه رسائلُه من سُوء.
стр. 583
ـ[٣٣) في كتاب (در الغمام الرقيق برسائل أحمد بن الصديق) للتليدي ذكر أن هنالك نحو من ألف رسالة لأحمد عند أخيه عبد العزيز فليتكم تجمعون هذه الرسائل مع ما بحوزتكم وما عند غيركم وتنشر. ]ـ
(درّ الغمام الرقيق) للكرفطي رأيتُه، والجدير بالذكر أنه سطَا على أكثر من عشرين رسالة كتبَها الشيخ إليّ وفيها فوائد وحوار مفيد، ولَم يُشر إلى صاحبها ولم يسمِّه ليعلَم الناسُ طبيعةَ المسائل وموضوعاتها، وإنما أشار من بعيد إليَّ مع تهديد على عادة مُخَرّفي الصوفية بأنني سألقى جزائي قريبا لبحثي عن أخطاء الشيخ، وهو يشير بهذا إلى كتاب (التنبيه القاري، إلى فضائح أحمد الغماري) الذي ألفه مصطفى السفياني، ولم أكتب فيه حرفاً، وإنما نَقَل مؤلفُه عن مجموعة رسائل الشيخ إليّ وجؤنة العطّار بخزانة تطوان، وبعض مؤلفاته التي صوَّرها من عندي، ومن عادتي أن لا أبخل بشيء مما تحت يدي، أما تهديد الشيخ أبي الفتوح فهو فَسْوة على كُدية، وطَنزة عَنْز، وما عبّر بأخطاء الشيخ، هذه عينة منها: سبُّ ولعن نحو سبعة من الصحابة مع ردّ ما أجمع عليه السلف من عدالة الصحابة، اعتقاد أن الصحابة كانوا يُبغضون علياً، والحديث يقول: لا يُبغضك إلا منافق، والشيخ يحكم بنفاق ابن تيمية لهذا الحديث فيلزَمُه الحكمُ بنفاق الصحابة إلا الأقل، القول بإيمان فرعون وأنه مات مؤمنا، القول بوحدة الوجود في غلوّ مقيت ينحط إلى دعوى أن من لم يعتقدها فإيمانه مدخول، القول بفَناء النار، دعوى استمرار النبوة الخ، أما رسائل الشيخ إلى شقيقه عبد العزيز وأنها تبلغ الألف، فلا أعرفها، ومن المؤكد أن معظمها خاصٌّ وبعضها علمي وهو القليل، وما تحت يدي من رسائل الشيخ إليّ علاوة على ما سرقه الكرفطي ونشره، سوف يُنشر قريباً إن شاء الله تعالى.
стр. 584
ـ[٣٤) ألا ترون أن مصنفات الشيخ أحمد فيها عجلة وحدة شديدة وبعد عن الدقة وتبني مسائل مستنكرة وتجاسر في الهجوم على الأشخاص والحط عليهم؟ ]ـ
مصنفات الشيخ ولا سيما ما كتب في أواخر عُمره تتّسم بالعجَلَة، وهي تعكس نفسية الشيخ المضطربة.
ـ[٣٥) وجدت كثيرا من علماء المغرب ينتسبون إلى البيت النبوي ، هل هذا النسب عند الكثير منهم له أساس صحيح؟ أم أنها دعوى بلا برهان؟ ]ـ
دعوى النسَب النبوي بَليَّة قديمة، والدافع إليها، وهو الرغبة في الفخر والتعالي والتميُّز، والمتفق عليه بين العلماء أن الناسَ مُصدَّقون في أنسابهم وأن الإنسان مسؤول عن تصرفه، والحديث الصحيح يقول: "لعن الله من انتسب إلي غير موالِيه"، ويقول: "ومن انتسبَ إلي غير أبيه فالجنة عليه حرام"، وكل امرئ بما كسبَ رَهين، وقد ظهر زَيف كثير من هذه الدّعاوي، ومنها دعوى التليدي أنه إدريسي، ولم يُحلّه شيخُه بذلك، ولا مرة واحدة.
ـ[٣٦) كتاب (تاريخ تطوان) لمحمد داود ، هل هو أفضل تاريخ لمدينة تطوان أم لا؟ ]ـ
تاريخ تطوان لصديقنا محمد داود ﵀، أوفى وأفضلُ تاريخ لها، ولجوانبَ من تاريخ المغرب عموماً، وقد طبع منه ٩ مجلدات وما زال نحوُ ستة منه مخطوطة، إلى ملاحق، كملحق العائلات، والمساجد والزوايا، وأمثال أهل تطوان.
ـ[٣٧) ما حال المخطوطات المغربية ؟ وهل مازالت تباع عند الكتبيين؟ وما مصير مكتبة الأستاذ محمد المنوني ﵀؟ ]ـ
حالة المخطوط العَربي بالمغرب جد سيّئة، والسَّرقة والتجارة قائمةٌ على قدم وساق للقضاء على ما تبقَّى منها، والحكومة لا تُعير اهتماماً لهذا، أما مكتبة الصَّديق المبرور المنوني فقد بيعت لجامعة محمد الخامس بالرباط فيما سمعت.
стр. 585
ـ[٣٨) الدكتور محمد تقي الدين الهلالي شيخكم ، فليتكم تكتبون عنه مقالة محررة عن دعوته وجهاده تنشر في هذا المنتدى. ]ـ
شيخي الدكتور الهلالي ﵀، ذو جوانب متعددة، وكتابة سيرة مفصَّلة عنه تحتاج إلى وثائق ومستندات لا أعرف الكثير منها، والرجل كما تعلمون عاش قُرابة قرن كامل، وهو رُحَلة تَقلَّب في وظائف، واستوطَنَ أقطاراً، وصحاب عُلماء وزُعماء، ومذكراته واسعة، وما عندي منها إلا صُبابة لا تُغني.
ـ[٣٩) مجلة (الدوحة) المغربية المتخصصة بالأنساب ، هل مازالت تصدر وما صنع الله بها؟ ]ـ
مجلة (الدوحة) لا أعرفها، وأذكر أنني رأيت مرة في الأكشاك جريدة النَّسَب، ولم أرها بعد ذلك.
ـ[٤٠) الشيخ الفاضل أبو أويس المبجل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
سؤالي هو ماذا يعني قول معمر في اسماعيل بن شروس: "كان يثبج الحديث "، وقد قال معمر كما في ترجمة (خلاد بن عبد الرحمن بن جندة الصنعاني الأبناوي): "ما رأيت أحداً بصنعاء إلا وهو يثبج الحديث". وهذا اللفظ أخرجه البخاري في تاريخه في ترجمة خلاد، وأما ابن أبي حاتم فقد رواه عن معمر من طريق آخر ولفظه: "لقيت مشيختكم فلم أَرَ أحداً كاد أن يحفظ الحديث إلا خلاد بن عبد الرحمن"، وإسماعيل بن شروس صنعاني يدخل في قول معمر عن مشايخ صنعاء، فهل يعني أنهم أصحاب كتاب لا يحفظون؟ أم أنّهم يروون الحديث بالمعنى؟ أفتونا مأجورين، والله الموفق. ]ـ
قول معمر: ما رأيتُ أحداً بصنعاء إلاَّ وهو يُثبِّج الحديث، معناه: لا يأتي به على وجهه، بل يضطرب فيه، وهو معناه اللغوي، يقال ثَبَّج فلانٌ الكلامَ، لم يأتِ به على وجهه، وثَبَّج الخطَّ لم يُبيِّنه، وهذا خط مُثبَّج، وهذه من ألفاظ التجريح الغريبة، ولأخينا الدكتور سعدي الهاشمي العراقي صهر الدكتور أكرم ضياء العمري كتاب طريف في ألفاظ التجريح الغريبة، وهو مطبوع، ولا تَطولُه يدي الساعة.
стр. 586
ـ[٤١) شيخنا أبا أويس حفظكم الله، وبارك في عمركم، ونفعنا بعلمكم: هلا أطلعتمونا على بعض النفائس التي تحتوي عليها الخزانة العامة بتطوان أو المخطوطات التي لا توجد إلا فيها. فقد سمعت منكم شيخنا أنكم أعددتم لائحة بها .. ؟ وكذا الجامع الكبير الذي آلت مخطوطاته إلى كلية أصول الدين. ]ـ
عن نوادر المخطوطات في خزانة تطوان: كنتُ أعددتُ جريدة بها نحو عشرين عنواناً، وهي عند محافظ الخزانة، وكذلك خزانة الأوقاف بتطوان، وما فيهما من النفائس قليلٌ بالنسبة إلى القرويين والحَسَنية وابن يوسف بمراكش، وخزانة الرباط.
ـ[٤٢) هل يعد التحقيق على النسخة الواحدة تحقيقا علميا ؟ ]ـ
تحقيق الكتاب على نُسخة واحدة إن لم يُوجد غيرُها ضرورة، وفيه صُعوبة.
ـ[٤٣) توجه بعض الشباب إلى تحقيق المطبوعات الحجرية ، هل يمكن أن نعد هذا تحقيقا، وهل تشجعون طلبة العلم على ذلك، وما هي بعض المطبوعات الحجرية التي تستحق التحقيق؟؟ ]ـ
المخطوطات الحَجَرية بل المطبوعات كثيرة جدا لعلها فوق الألف، وفيها ما يستحق التحقيق والدراسة، وهي تختلف باختلاف الميول والتخصُّص، والحقيق يرجع إلى المٌحقِّق ومعرفته، ويَخضع لقواعدَ ومنهج علمي.
ـ[٤٤) وهل تأذن بنشر بعض محاضرتكم في هذه المنتديات ؟ ]ـ
محاضراتي ومقالاتي محدودة، ولا مانع عندي من نشر ما يستحق النشر منها.
ـ[٤٥) ما هي العقيدة السائدة في المغرب ؟ ]ـ
العقيدة السائدة بالمغرب هي الأشعرية منذ أيام الموحدين، والعقيدة السَّلَفية حديثة العهد بالظهور به، وهي مستهدفة للطعن والتنفير من صنفي الفقهاء والصوفية، والحكام.
стр. 587
ـ[٤٦) هل تنصحون طلاب العلم بحفظ الأسانيد في هذا الوقت، فإننا نرى من يهتم بالحفظ حتى لأسانيد الصحيحين!! ]ـ
حفظ أسانيد الأحاديث أَرَى أنه عَناء لا دَاعي إليه بعد طبع آلاف الكتب والأجزاء الحديثية، نَعَم العناية بها والبحثُ عن رجالها وأحوالها ضروري للبحث العلمي والتحقيق، وبدون ذلك لا يمكن الحكم على الحديث حكما علميا صحيحا.
ـ[٤٧) ما رأيكم في منهج المشايخ البارزين في علم الحديث عندنا في المملكة كالشيخ المحدث عبد الله السعد، والشيخ المحدث سليمان العلوان، والشيخ المحدث عبد العزيز الطريفي ، ما رأيكم بهم وبأقوالهم التي يخالفون فيها السواد الأعظم من أهل الحديث في وقتنا؟ وهل تنصحون بالاستفادة منهم أم لا؟ ]ـ
عن المشايخ المُسَمَّين وأقوالهم المخالفة لمناهج أهل العلم المتخصصين، أقول بأني لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أقرأ ما يكتبون شيئا، وأرى أن صرف الوقت في تحقيق ما ينفَع وفهمه على الوجه الصحيح، هو الصواب الواجب، ورحم الله ابن مالك القائل: ما أصح علمَ من تقدَّما.
ـ[٤٨) ما صلتكم بالشيخ عبد الله الغماري ؟ وأين مسكنكم في المغرب؟ وهل لكم مصنفات جديدة أو ستطبع؟ ]ـ
صلتي بالشيخ عبد الله بن الصديق قديمة، وسببُها المُصاهرة، وقد أفدتُ من مكاتبته قديماً عندما كان نشيطاً في الكتابة بالصحف والمجلات كمجلة الإسلام، وهدي الإسلام، والهداية الإسلامية، ومجلة المسلم وغيرها، بالقاهرة، وقد أشرتُ سابقاً إلى ما كتبتُ وما نسعَى لطبعه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مَصيف (تامَرْنُوت) صباح الأحد ١٧ جمادى الثانية ١٤٢٣هـ أبو أوّيس الحسن.
стр. 588
الشيخ الدكتور مُسَاعِد بن سُليمان الطَّيَّار
هذه ترجمة للشيخ (حفظه الله):
* اسم الشيخ: مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار.
* دراسته:
• تخرج الشيخ من قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بالرياض، في العام الدراسي ١٤٠٨/ ١٤٠٩.
• ثم التحق بالتدريس في كلية المعلمين بالرياض في قسم الدراسات القرآنية منذ عام ١٤٠٩، ولا زال يعمل فيها أستاذاً في هذا القسم إلى هذا اليوم.
• والتحق الشيخ بالدراسات العليا لنيل درجة الماجستير في تخصص علوم القرآن للعام الدراسي ١٤٠٩/ ١٤١٠، وأنهى رسالة الماجستير بتقدير (ممتاز)، وكانت بعنوان (وقوف القرآن وأثرها في التفسير).
• التحق (حفظه الله) في الكلية نفسها لنيل درجة الدكتوراه، وانتهى من مناقشتها في ١٢/ ٧/١٤٢١ بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وكانت بعنوان (التفسير اللغوي للقرآن الكريم).
* وللشيخ عدد من الكتب هي:
١. فصول في أصول التفسير / ١٤١٣.
٢. تفسير جزء عم / ١٤٢٠.
٣. أنواع التصنيف المتعلقة بالقرآن الكريم / ١٤٢١.
٤. التفسير اللغوي للقرآن الكريم / ١٤٢١.
٥. مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر / ١٤٢٢.
٦. متن التفسير (تفسير جزء عم)، وهو مستل من تفسير جزء عم السابق / ١٤٢٣.
стр. 589
[مقدمة د مساعد الطيار]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه ووالاه إلى يوم الدين، أما بعد:
فأشكر الله ما أنعم به علي من نعمه الوافرة، وأشكره على ما فتح علي به من العلم بكتابه، وأسأله في ذلك المزيد، كما أسأله الإخلاص في القول والعمل، وان يجعل ما انعم به حجة لي لا عليَّ إنه وسميع مجيب.
ثم أشكر الإخوة القائمين على (ملتقى أهل الحديث) الذي يتميز بما فيه من الطرح العلمي الجادِّ، وأسأل الله لهم التوفيق والسداد، أشكرهم على حسن ظنهم بي، وعلى حرصهم على هذا اللقاء الذي أتمنى أن يكون كما أحبوه.
ثم أتوجه بالشكر لكل من سأل، وانتظر أن أجيب عليه، مع اعتذاري عن إجابة بعض الأسئلة، ولعله يكون لها زمن مناسب بعد حين.
وإني أتوجه إليهم وإلى كل أصحاب الطرح العلمي الجادِّ ممن يطرح رأيه في هذا الملتقى أو غيره أن يكون المراد من طرحه الوصول إلى الحقيقة العلمية، وليس الانتصار للأشخاص أو المشايخ، إذ كم تحجب الأقوال الصحيحة بهذا السبب، وكم يمتنع قوم من طرح ما لديهم لأجل ألا يجابهوا بمثل هذا الردِّ الذي لا يعتمد الأسلوب العلمي، بل ينحى منحى التعصب للرأي، حتى ترى أنه يخرج في كثير من الأحيان إلى الأسلوب الخطابي المتهيج للرد على المخالفين، ويضمحلُّ الأسلوب العلمي بين الباحثين.
стр. 590
كما أن بعض الباحثين قد يرتجل في ردِّ مسألة، ثمّ يتبين له في قرارة نفسه خطؤها، وتراه بعد ذلك يُصرُّ على قوله المرتجل، ويصعب عليه النزوع عنه، وذلك مسلك غير حميد، وكما قيل: الرجوع إلى الحق فضيلة، ولا أشكُّ أن كثيرًا ممن في هذه الملتقيات الجادِّة قد اطَّلع على قصص رائعة من قصص السلف في التنازل عن الرأي الخطأ إذ نُبِّه عليه، إذ الإصرار غير المبرر على مسألة ظاهرٍ خطؤها مذمة للشخص من حيث لا يدري.
وأدعو الإخوة ونفسي إلى التثبت من نقل المعلومة، فكم ترى نسبة قولٍ إلى عالم من العلماء، ولا تكاد تراه قال به، لكن الباحث نقل ما فهم من كلامه، ونسبه إليه ظنًّا منه أنه قول له، فالحرص على نقل قول العالم بحذافيره أولى من تقويله القول بما فهمه الباحث.
وإنني أدعو إلى أن يكون بين أهل العلم اختلاف التغاير والتنوع، لا اختلاف التناقض والتضاد، وليعلم أنه لا يوجد أحد يستطيع أن يتسلط على فهم العباد، ويلزمهم بما لم يقتنعوا به، فإذا لم تقبل قولي أو لم أقبل قولك فليبق بيني وبينك الودُّ والصفاء، وإخاء الإيمان والولاء.
وأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن اختارهم من بين خلقه، وجعلهم خيرته، وأن يرفعني وإياكم بالعلم والعمل، إنه سميع مجيب.
تنبيه:
لقد سلكت في بعض الأسئلة سبيل التوسع، أو الزيادة على ما أراده السائل من باب تتميم المنفعة والفائدة، وأرجو أن أكون قد وفقت في هذا، والله الموفق.
стр. 591
ـ [التفسير الكبير للفخر الرازي] ـ
التفسير الكبير للفخر الرازي من أوسع كتب التفسير، وقد حشاه مؤلفه بمباحث كثيرة جدًا تخرج به عن التفسير، حتى قيل فيه: فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا من باب المبالغة لكثرة ما فيه من المباحث التي هي خارجة عن صلب التفسير، بل قد تكون ليست من علوم الشريعة.
والكتاب يُعدُّ من مراجع التفسير الكبيرة، وفيه فوائد كثيرة، ومسائل علمية نادرة، لكن لا يصلح أن يقرأ فيه إلا من كان عارفًا بعلم الاعتقاد، وضابطًا لعلم التفسير ليعرف كيف يستفيد منه.
وقد استفاد الرازي من كتب التفسير التي قبله، خصوصًا كتب المعتزلة، وقد يذكرها لينقدها، لكنه كما قيل: يورد الشبهة نقدًا، ويردها نسيئة. فهو قويٌّ في عرض الشبه، ضعيف في ردِّها.
ومن أعلام المعتزلة الذين نقل عنهم: قطرب (ت: ٢٠٦)، وأبو بكر الأصم، والجبائي (ت: ٣٠٣)، والكعبي (ت: ٣١٩)، وأبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت: ٣٢٢)، والزمخشري (ت: ٥٣٨).
وقد جعل العقل حجة عنده، فتراه يقدمه على النقل بدعوى التعارض بينهما، بل تراه يستخدمه في مجالات لا يُقبلُ فيها نقد العقل، كبعض الأحاديث الصحيحة الواردة في حق بعض الأنبياء، فهو يفندها من جهة العقل فحسب.
وقد استفاد في الوجوه البلاغية من تفسير الزمخشري على وجه الخصوص، لذا تراه يشقِّق سطرًا مضغوطًا بالمعلومات عند الزمخشري فيجعله في مسائل يبسط فيها البحث.
ومما ظهر في كتابه غير الأمور العقلية والفلسفية وبحوث العلوم التجريبية ما يأتي:
١ ـ الاعتناء بعلم المناسبات.
٢ ـ الاستنباط في جميع المجالات.
٣ ـ ذكر الملح واللطائف التفسيرية.
٤ ـ العناية بجانب البلاغة القرآنية.
وهذا الكتاب من الكتب التي تحتاج إلى الاختصار الذي يقرِّبها للقارئ، ويبعد ما فيها من الاستطرادات العلمية التي لا تفيد جمهور القراء، والتي قد تكون مخالفة للاعتقاد. والله الموفق.
ـ[قال السائل: تناقش الإخوة في الملتقى حول صحة نسبة الكثير من تفسيرات ابن عباس ﵄ إليه، وخصوصاً تلك التي من طريق علي بن أبي طلحة عنه. فما قول فضيلتكم في ثبوت التفسير عنه؟ ]ـ
إن السؤال عن تفسير علي بن أبي طلحة يدخل في منظومة موضوع عامٍّ، وهو أسانيد روايات التفسير.
ومما قد لا يخفى أن التفسير قد نُقِلَ بروايات يحكم علماء الحديث عليها بالضعف أو ما هو أشد منه، لكن الذي قد يخفى هو كيفية تعامل هؤلاء العلماء مع هذه الروايات في علم التفسير.
стр. 592
ولتصوير الحال الكائنة في هذه الروايات، فإنك ستجد الأمر ينقسم بين المعاصرين وبين السابقين.
فالفريق الأول: بعض المعاصرين يدعو إلى التشدد في التعامل مع مرويات السلف في التفسير.
والفريق الثاني: جمهور علماء الأمة من المحدثين والمفسرين وغيرهم ممن تلقَّى التفسير واستفاد من تلك الروايات، بل قد اعتمدها في فهم كلام الله.
هذه صورة المسألة عندي، والظاهر أن الاستفادة من هذه المرويات، وعدم التشدد في نقدها إسناديًا هو الصواب، وإليك الدليل على ذلك:
١ ـ أنك لا تكاد تجد مفسرًا من المفسرين اطرح جملة من هذه الروايات بالكلية، بل قد يطرح أحدها لرأيه بعدم صحة الاعتماد عليها، ومن أشهر الروايات التي يُمثَّل بها هنا رواية محمد بن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
٢ ـ أن المفسرين اعتمدوا اعتمادًا واضحًا على هذه المرويات، سواءً أكانوا من المحررين فيه كالإمام الطبري وابن كثير، أم كانوا من نَقَلَةِ التفسير كعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهؤلاء قد أطبقوا على روايتها بلا نكير، مع علمهم التام بما فيها من الضعف.
ولا يقال كما قد قال من قال: إن منهج الإمام الطبري في هذه الروايات الإسناد، وإن ليس من منهجه الصحة اعتمادً على قاعدة من أسند فقد أحالك.
ففي هذه المقولة غفلة واضحة عن منهج الإمام الطبري الذي لم ينصَّ أبدًا على هذا المنهج في تفسيره، والذي اعتمد على هذه المرويات في بيان معاني كلام الله، وفي الترجيح بين أقوال المفسرين، ولم يتأخر عن ذلك إلا في مواضع قليلة جدًّا لا تمثِّل منهجًا له في نقد أسانيد التفسير، أعني أنَّ الصبغة العامة رواية هذه الآثار والاعتماد عليها في بيان كلام الله.
وقس على الإمام الطبري غيره من المفسرين الذين اعتمدوا هذه المرويات في التفسير.
стр. 593
٣ ـ أنَّ أئمة المحدثين لهم كلام واضح بين في قبول هذه الروايات واحتمالها والاعتماد عليها؛ لأنهم يفرقون بين أسانيد الحلال والحرام وأسانيد غيرها من حيث التشديد والتساهل، ونصوصهم في ذلك واضحة، ومن ذلك:
قال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال = تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال. وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام = تشدَّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال» (١).
وقد انجرَّ هذا التَّساهل على روايات التفسير، فاحتملوا قومًا معروفين بضعفهم في نقل الحديث، فقبلوا عنهم ـ من حيث الجملة ـ رواياتهم، قال يحيى بن سعيد القطان: «تساهلوا في التفسير عن قومٍ لا يوثِّقونهم في الحديث، ثمَّ ذكر ليث بن أبي سليم، وجويبر بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب؛ يعني: الكلبي.
وقال: هؤلاء يُحمد حديثهم (كذا، ولعل الصواب: لا يحمد)، ويُكتب التفسير عنهم» (٢).
وقال البيهقيُّ (ت: ٤٥٨): « ... وأما النوع الثاني من الأخبار، فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين:
ضرب رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه، فهذا الضرب لا يكون مستعملاً في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين ... .
وضرب لا يكون راويهِ متَّهمًا بالوضع، غير أنه عُرفَ بسوء الحفظِ وكثرة الغلطِ في روايته، أو يكون مجهولاً لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول.
فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملاً في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولةً عند الحكَّام. وقد يُستعمل في الدعوات، والترغيب والترهيب، والتفسير، والمغازي؛ فيما لا يتعلق به حكمٌ» (٣).
стр. 594
٤ ـ ومما يُعلمُ من نقد الأسانيد أنَّ المحدِّثينَ قد فرَّقوا في نقدِهم لبعض الأعلامِ، فجعلوه في نقل الحديث من المجروحين المتكلَّمِ فيهم، وأثنوا عليه في علمٍ برعَ هو فيه، بل قد يكون فيه إمامًا يُؤخذُ قوله في ذلك العلم، وهذا يعني أنَّ تضعيفه في روايةِ الحديث لم ينجرَّ إلى تضعيفه في ذلك العلمِ الآخرِ، ومن الأمثلة التي يمكنُ أن تُضربَ في هذا ما يأتي:
١ ـ عاصم بن أبي النَّجود الكوفي (ت: ١٢٨)، قال عنه ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢): «صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون» (١).
٢ ـ حفص بن سليمان الأسدي (ت: ١٨٠) الراوي عن عاصم بن أبي النَّجود (ت: ١٢٨)، قال عنه الذَّهبي (ت: ٧٤٨) ـ بعد أن ذكر جرح علماء الحديث فيه ـ: «قلت: أما في القراءةِ، فثقة ثبت ضابط، بخلاف حاله في الحديث» (٢).
وقال ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢): «متروك الحديث مع إمامته في القراءة» (٣).
٣ ـ نافع بن أبي نعيم المدني (ت: ١٦٩): «صدوق ثبت في القراءة» (٤).
٤ ـ عيسى بن ميناء المدني، المعروف بقالون (ت: ٢٢٠)، أحد راويَي نافع المدني (ت: ١٦٩)، قال عنه الذهبي: «أما في القراءةِ فثبتٌ، وأما في الحديث فيكتب حديثه في الجملة. سئل أحمد بن صالح المصري عن حديثه فضحك، وقال: تكتبون عن كلِّ أحدٍ! » (٥).
٥ ـ حفص بن عمر الدُّوري (ت: ٢٤٦)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): «لا بأس به» (٦).
стр. 595
وقال ابن الجزري (ت: ٨٣٣): «إمام القراءة، وشيخ الناس في زمانه، ثقة ثبت كبير ضابط» (١).
ولا يبعد أن يكونَ بعضُ المتميِّزينَ في علمٍ من العلومِ لا يكاد يُعرفُ لهم روايةٌ للحديثِ؛ كعثمان بن سعيد الملقب بورش (ت: ١٩٧) أحد راويَي قراءة نافع المدني (ت: ١٦٩).
فإذا كان ذلك واضحًا في علمِ القراءةِ، فإن علم التفسير لم يوجد له كتبٌ تخصُّ طبقات المفسرين وتنقدُ روايتهم على وجه الخصوصِ، بخلاف ما وُجِدَ من علم القراءة الذي تميَّزَ تميُّزًا واضحًا عند الترجمة لأحد القراء كما تلاحظُ في الأمثلة السابقةِ.
ولذا لا تجد في الكلام عن المفسرين سوى الإشارة إلى أنهم مفسرون دون التنبيه على إمامتهم فيه وضعفهم في غيره كما هو الحال في نقد القراء، وإذا قرأت في تراجم المحدثين ستجد مثل هذه العبارات: «المفسر، صاحب التفسير»، ومن ذلك:
قال الذهبي (ت: ٧٤٨): «مجاهد بن جبر، الإمام، أبو الحجاج، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، المكي، المقرئ، المفسر، أحد الأعلام» (٢).
قال الخليلي: « ... ورواه شيخ ضعيف، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، وهو إسماعيل ابن أبي زياد الشامي صاحب التفسير» (٣).
وقال: «مقاتل بن سليمان صاحب التفسير خراساني محله عند أهل التفسير والعلماء محل كبير واسع العلم لكن الحفاظ ضعفوه في الرواة» (٤).
قال ابن سعد: «أبو مالك الغفاري صاحب التفسير، وكان قليل الحديث» (٥).
قال ابن سعد: «أبو صالح واسمه باذام، ويقال باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس، ورواه عن أبي صالح الكلبيُّ محمد بن السائب» (٦).
стр. 596
قال ابن سعد: «إسماعيل بن عبد الرحمن السدي صاحب التفسير، مات سنة سبع وعشرين ومائة» (١).
قال ابن سعد: «أبو روق واسمه عطية بن الحارث الهمداني من بطن منهم يقال لهم بنو وثن من أنفسهم، وهو صاحب التفسير، وروى عن الضحاك بن مزاحم وغيره» (٢).
قال ابن سعد: «مقاتل بن سليمان البلخي صاحب التفسير، روى عن الضحاك بن مزاحم وعطاء وأصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه» (٣).
قال الخطيب البغدادي: «قال يحيى بن معين السدى الصغير صاحب التفسير محمد بن مروان مولى الخطابيين ليس بثقة» (٤).
قال الخطيب البغدادي: «يزيد بن حيان الخراساني أخو مقاتل بن حيان صاحب التفسير» (٥).
ويظهر أنَّ سبب عدم تمييز نقد المفسرين على وجه الخصوص أمران مشتركان لا ينفكان عن بعضهما:
الأول: أن رواية التفسير كانت مختلطةً برواية الحديث في كثير من الأحيان.
الثاني: أن كثيرًا من رجال الإسناد في التفسير هم من نقلة السنة النبوية، فكان الحديث في نقدهم والحكم عليهم من جهة التفسير والحديث واحدًا.
لكن المحدثين لم يجعلوا مقاييس قبولهم لروايات الحديث كمقاييس قبولهم لروايات التفسير، وإن كانوا حكموا على بعض روايات التفسير بالضعف كما سبقت الإشارة إلى كلام بعضهم في هذا التفريق.
стр. 597
لكن قد يقع أنَّ بعض روايات التفسير تكون متمحِّضةً فيه، ولا تكادُ تجدُ أسانيدها إلا في علم التفسيرِ، وقد لا ترى بواسطتها روايةً لحديث نبويٍّ، وإن وُجِدَ فهو قليلٌ، ومن أمثلةِ ذلك رواية العوفييِّن التي تنتهي بعطيَّة العوفي (ت: ١١١) عن شيخه ابن عباسٍ (ت: ٦٨)، وهي روايةٌ مسلسلةٌ بالضُّعفاءِ (١)، وأمرها مشهورٌ معروفٌ في التفسيرِ، لكن لاتجدُ روايةَ أحاديث بهذه السلسلةِ العوفيَّةِ.
٥ ـ ولعلَّ مما يبيح تساهل التعامل مع أسانيد المفسرين من جهة الإسناد أن كثيرًا من روايات التفسير روايات كتبٍ، وليست روايات تلقين وحفظٍ؛ لأنك لا تكاد تجد اختلافًا بين ما رواه نقلة هذه المرويات بهذه الأسانيد.
ولذا تجدهم ينسبون التفسير إلى من رواه مدوَّنًا كتفسير عطية العوفي (ت: ١١١) عن ابن عباس (ت: ٦٨)، وتفسير السدي (ت: ١٢٨) عن بعض أشياخه، وتفسير قتادة (ت: ١١٧) الذي يرويه سعيد ابن أبي عروبة ومعمر بن راشد، وتفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨)، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢)، وغيرها من صحف التفسير.
وإذا كان كثير من هذه الروايات رواية الكتاب فإن هذا يجعلها صالحة للاعتمادُ، أو الاستئناسُ بها من حيث الجملةِ.
ومن باب المناسبة أذكر أن صحف التفسير من البحوث التي لم تطرح حتى الآن، فياحبذا لو تولاَّها أصحاب هذا الشأن.
٦ ـ أنه مما يتبع هذه المسألة أنه قد اشتهر بعض هؤلاء الأعلام في التفسير إما رواية وإما دراية، ويجب أن لا ينجرَّ الحكم عليه في مجال الرواية إلى مجال الدراية، بل التفريق بين الحالين هو الصواب، فتضعيف مفسر من جهة الرواية لا يعني تضعيفه من جهة الرأي والدراية، لذا يبقى لهم حكم المفسرين المعتبرين، ويحاكم قولهم من جهة المعنى، فإن كان فيه خطأ رُدَّ، وإن كان صوابًا قُبِلَ.
стр. 598
إذا تأمَّلت هذه المسألة تأمُّلاً عقليًّا، فإنَّه سيظهر لك أنَّ الرأي لا يوصف بالكذب إنما يوصف بالخطأ، فأنت تناقش قول فلان من جهة صحته وخطئه في المعنى، لا من جهة كونه كاذبًا أو صادقًا؛ لأن ذلك ليس مقامه، وهذا يعني أنَّك لا ترفضُ هذه الآراء من جهة كون قائلها كذابًا في الرواية، إنما من جهة خطئها في التأويلِ.
وهذا يعني أنَّ الحكم على الكلبيِّ (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠) بالكذب من جهة الرواية، لا يعني أنَّك لا تأخذ بقولِهما الذي هو من اجتهادهما في التفسيرِ، بل إذا ظهرت عليه أمارات الصِّحةِ من جهة المعنى يُقبلُ، ولا يردُّ لكون صاحبه كذَّابًا. وكذا الحال في من وُصِفَ بالضَّعف في روايته؛ كعطيَّةَ العوفي (ت: ١١١)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢)، وغيرهما.
وغياب هذه القضيةِ يوقعُ في أمرين:
الأول: طرحُ أراء هؤلاء المفسرين، وهم من أعلام مفسري السلف.
الثاني: الخطأ في الحكم على السندِ الذي يروى عنهم، فيُحكم عليه من خلال الحكم عليهم، وهم هنا ليسوا رواةً فيجرى عليهم الحكم، بل القول ينتهي إليهم، فأنت تبحث في توثيق من نقل عنهم، ومن الأمثلة التي وقع فيها بعض الباحثين الفضلاء:
قال ابن أبي حاتم: «حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق، قوله: ﴿الحي القيوم﴾] آل عمران: ٢ [: القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضى عليه بالموت، زال عنة مكانه الذي يحدث به» (١).
ولما درس المحقق رجال الإسناد خرج بما يأتي:
стр. 599
الحسن بن الربيع ثقة، وعبد الله بن إدريس ثقة، ومحمد بن إسحاق صدوق، ثمَّ قال في نتيجة الحكم: «درجة الأثر: رجاله ثقات، إلا ابن إسحاق صدوق، فالإسناد حسنٌ» (١).
فجعل الإسناد حسنًا بسبب ابن إسحاق، وهذا الحكم فيه نظر، إذ الصحيح أن يُحكم على الإسناد بأنه صحيح؛ لأنَّ الذين نقلوه عن ابن إسحاق هم الذين يتعرَّضون للتعديل والتجريح، أما قائل القول، فلا يدخل في الحكم.
٧ ـ إن من تشدد في نقد أسانيد التفسير، فإن النتيجة التي سيصل إليها أنَّ كثيرًا من روايات التفسير ضعيفة، فإذا اعتمد الصحيح واطَّرح الضعيف فإن الحصيلة أننا لا نجد للسلف إلا تفسيرًا قليلاً، وهم العمدة الذين يعتمدون في هذا الباب، فإذا كان ذلك كذلك فمن أين يؤخذ التفسير بعدهم؟!
لقد طرحت هذه المسألة على بعض من يرى أنه يجب التشدد أسانيد التفسير، وتنقية كتب التفسير من الضعيف والإسرائيليات، والخروج بتفسير صحيح الإسناد عن السلف يُحتكم إليه، فقلت له: أنت تعلم أنَّ اتباع هذا المنهج سيخرج كثيرًا من روايات التفسير، وأنه قد لا نجد في بعض الآيات تفسيرًا محكيًا عن السلف سوى ما طرحته، فمن أين ستأخذ التفسير؟
قال: نرجع للغة، لأن القرآن نزل بلغة العرب.
قلت له: فممن ستأخذ اللغة؟
قال من كتبها وأعلامها؛ من الخليل بن أحمد والفراء وأبي عبيدة وغيرهم.
فقلت له: أنت طالبت بصحة الإسناد في روايات التفسير، فلم لم تعمل بها في نقل هؤلاء وحكايتهم عن العرب، فأنا أطالبك بأن تصحح الإسناد في نقل هؤلاء أن معنى هذه اللفظة هو كذا عند العرب نقلاً صحيحًا متصلاً من الفراء وغيره إلى ذلك العربي الذي علَّمه ذلك.
فهل يا تُرى أن هذا المنهج صحيح؟
стр. 600
إنَّ طبيعة العلوم تختلف، فإثبات السنة النبوية، وإلزام الناس بها ليس كإثبات اللغة، فاللغة تثبت بما لا يثبت به الحديث، وكذا الحال في التفسير، فإنه يثبت بما لا يثبت به الحديث، والاعتماد على هذه الروايات جزءٌ أصيل من منهجه لا ينفكُّ عنه، ومن اطَّرحها فقد مسخ علم التفسير.
٨ ـ إن التفسير له مقاييس يعرف بها عدا مقاييس الجرح والتعديل، إذ التفسير يرتبط ببيان المعنى، وإدراك المعنى يحصل من غير جهة الحكم على الإسناد، لذا فإن عرض التفسير على مجموعة من الأصول تبين صحيحه من ضعيفة، كالنظر في السياق والنظر في اللغة، والنظر في عادات القرآن والنظر في السنة ... الخ
وقد أشار البيهقي إلى هذا الملحظ فقال: «وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم لأن ما فسروا به؛ ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط» (١).
ومن قرأ في كتب التفسير ومارس تدريسه أدرك هذا المعنى، وإلا لرأيته يقف كثيرًا حتى يتبين له صحة هذه المرويات ليعتمد عليها، وفي هذه الحال أنَّى له أن يفسِّر.
٩ ـ ومما يحسن ملاحظته هنا أنَّ التفسير المنقول بطرق فيها ضعف له فوائد، منها أن يكون المعنى الذي يحمله التفسير مما قد اشتهر بين السلف فيستفاد منه في حال الجدل مع المعارضين، خصوصًا إذا كان في مجال الاعتقاد؛ لذا ترى بعض العلماء ينص على أنَّ بعض المعاني الباطلة في التفسير المرتبطة بالمعتقد = لم تثبت لا بالطرق الصحيحة ولا الضعيفة.
١٠ ـ وأخيرًا، فإني أرى في هذه المسألة التي يطول فيها الجدل أن يُفرَّق بين الاعتماد التام على منهج أهل الحديث في نقد الروايات وبين الاستفادة منه، فالصحيح أن يُستفاد منه، ويأتي وجه الاستفادة منه في حالات معينة؛ كأن يكون في التفسير المروي غرابة أو نكارة وشذوذًا ظاهرًا.