← Фатава

Фатава · id 4382

لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء

ملتقى أهل الحديث

Полный текст (753 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد علم بالتجربة أن ما في العسل من شفاء لا يختص بشربه، ويشهد لعدم اختصاص ما في زمزم من البركة، والشفاء بشربه ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم؛ فإن رسول الله ﷺ قال: " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " أو قال: " بماء زمزم" شك همام. فتبين أنه يشرع الاستشفاء بماء زمزم شربا، واغتسالا، ولا سيما للحمى. وقد جاء عن الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله [ص٤٤٧] قال: ورأيته غير مرة يشرب من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه. وأما ما يفعله بعض الناس من غسل ما يقصد بتكفين الموتى بماء زمزم فلا أصل له. والواجب الاقتصار على ما ورد عن النبي ﷺ ، وعن السلف الصالح في هذه المسألة وغيرها. والله أعلم. ـ[ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى أن اليد بمعنى القدرة لا تأتي مثناة في لغة العرب، ألا يتعارض هذا مع حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم رقم (٢٩٣٧) في خروج يأجوج، ومأجوج (فيوحي إلى عيسى أني قد بعثت عبادا لا يَدَان لأحد بقتالهم) وقد ذكر ابن الأثير والنووي وغيرهما أن المعنى: لا طاقة لأحد بقتالهم. فجاءت اليد بمعنى القدرة مع كونها مثناة؟ ]ـ الحمد لله، نعم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم في ردهما على من يأول صفة اليدين في قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [(٧٥) سورة ص] بالقدرة ذكرا أن اليدين لا تأتي في اللغة العربية بمعنى القدرة، وقد ورد في كلامهما في مواضع التعبير بالـ (يدان) عن القدرة كما في مطلع القصيدة النونية: حكم المحبة ثابت الأركان ... ما للصدود بفسخ ذاك يدان أي: قدرة،

стр. 72

ومن ذلك ما جاء في الحديث الذي أورده شيخ الإسلام في الفتاوى ٢٨/ ١٢٨: " .. إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام .. الحديث ". وكذلك الحديث الذي أورد السائل ذكره في الفتاوى ١/ ٤٤. وهذا قد يشكل مع إنكارهما على من فسر اليدين بالقدرة؛ لأن ذلك لا أصل له في اللغة العربية. والجواب: أن لفظ اليد مثناة لها في اللغة العربية استعمالات: فتارة تستعمل غير مضافة، وتلزم الألف، وهذه هي التي بمعنى القدرة، تقول: لا يدان لي بهذا الأمر، أي لا قدرة لي عليه. وتارة تستعمل مضافة إلى ضمير من قامت به، أو اسمه الظاهر كقولك: بيديّ، أو بيديه، أو بيدي محمد، ويجري فيها إعراب المثنى. وهي في هذا الاستعمال لا تكون بمعنى القدرة، بل يتعين أن يراد بهما: اليدان اللتان يكون بهما الفعل، والأخذ، ومن شأنهما القبض، والبسط. وبهذا يظهر ألا تعارض بين أنكراهما على النفاة تأويل اليدين بمعنى القدرة، لأن ذلك لم يرد في اللغة العربية، وبين استعمالهما (اليدان) بمعنى القدرة. وهناك استعمالان آخران لليدين في اللغة العربية: أحدهما: أن يعبر بهما عن الفاعل للفعل، وإن لم يكن باشره بيديه كقولك هذا ما فعلت يداك، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [(١٠) سورة الحج]، ويأتي لفظ اليدين مجموعا إذا أضيف إلى ضمير الجمع كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [(١٨٢) سورة آل عمران]، ومنه قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [(٧١) سورة يس].

стр. 73

الثاني: استعماله مضافا إليه بعد (بين)، فيكون بمعنى أمام، كقولك: جلس بين يديه، ومشى بين يديه، ويجري هذا الاستعمال في العاقل، وغير العاقل كقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [(٦٤) سورة مريم] وقوله ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [(١٢) سورة سبأ] وقوله ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [(٥٧) سورة الأعراف] ونظائر ذلك كثيرة. فهذه أربعة وجوه من الاستعمالات: ثلاثة منها مجاز وهي: الأول، والثالث، والرابع. والثاني: حقيقة. ويمتنع المجاز في اليدين إذا أسند الفعل لفاعل، وعدي إلى اليدين بالباء كقولك: عملت بيدي، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [(٧٥) سورة ص]. وأما إذا أسند الفعل إلى اليدين كقولك: هذا ما فعلت يداك، فهو من قبيل المجاز العقلي؛ لأنه عبر باليدين عن الفعل مطلقا، وإن لم يكن فعل بيديه. وبهذا يظهر الفرق بين قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [(٧١) سورة يس]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [(٧٥) سورة ص]، فلا تدل الآية الأولى على خلق الأنعام باليدين، وتدل الآية الثانية على خلقِ اللهِ آدم َ بيديه؛ فتثبت له هذه الخصوصية على سائر الناس. فمن جعل آية "ص" نظيرا لآية "يس"؛ فقد أخطأ فبين الآيتين فروق: ففي آية "ص" أضاف الله الفعل إلى نفسه، وعداه إلى اليدين بالباء، وذكر اليدين بلفظ التثنية، وأضافهما إلى ضمير المفرد. وفي آية "يس" أضاف سبحانه الفعل إلى اليدين بلفظ الجمع، وذكر نفسه بلفظ الجمع الدال على التعظيم. فيجب التفريق بين المختلفات من الألفاظ، والمعاني، والتسوية بين المتماثلات، والله أعلم.

стр. 74

ـ [التبرك بآثار الصالحين والتمسح بذواتهم . هل نقول: إنه شرك أصغر؟ أم نقول: إنه بدعة؟ وكذلك التمسح بالكعبة، والتعلق بأستارها؟ طبعا لا يدخل في السؤال استلام الركنين؟ ]ـ الحمد لله، كان الصحابة ﵃ يتبركون بآثار النبي صلى اله عليه وسلم كالماء الذي يتوضأ به، ويقطر من بدنه، ويتبركون بشعره، كما قسم ﷺ شعره يوم حلق رأسه في حجته بين بعض الصحابة، وبثيابه ﷺ ؛ لأن ذاته مباركة، وهو أطيب إنسان نفسا، وقلبا، وخلقا، وأكملهم إيمانا، وتقوى، ولا يبلغ أحد منزلته في شيء من ذلك، ولهذا لم يكن الصحابة يفعلون مع ساداتهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن، والحسين ﵃ مثلما يفعلون مع النبي ﷺ من التبرك، فلا يقاس به ﷺ غيره من الصالحين. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز، أو استحباب التبرك بآثار الصالحين، ولكنه قول مرجوح، فإن ذلك من خصوصياته ﷺ لما تقدم من بيان منزلته، واقتصار الصحابة في ذلك على شخصه الكريم ﷺ . وفي التبرك بآثار الرجل الصالح مفسدتان: الأولى: أن ذلك مدعاة لاغتراره، وإعجابه بنفسه؛ ففيه فتنة له. الثانية: أنه يجر إلى الغلو فيه مما يكون وسيلة إلى الشرك الأصغر، أو الأكبر. وبهذا يعلم أن التبرك بأثر الرجل الصالح ليس بمجرده شرك، لكن قد يكون وسيلة إلى الشرك، كما أن القول بجواز التبرك بالصالحين يؤدي إلى تبرك الجهال بمن يظنون به الصلاح، وليس بصالح كما هو الواقع في طوائف الصوفية. وينبغي أن يعلم أن البركة التي يرجى حصولها بسبب الرجل الصالح هي: الاقتداء به في خلقه، ودينه، والاستفادة من علمه، وذلك يحصل بمجالسته، والأخذ عنه.

стр. 75

وأما التمسح بجدران الكعبة، والتعلق بأستارها، أو الالتزام في غير الملتزم الذي بين الركن والباب، فكل ذلك لا أصل له، وهو خلاف السنة، وإنْ أثر شيء من ذلك عن بعض السلف، كما أثر إنكار ذلك عن بعضهم، والصواب مع من أنكره إذ لم يثبت شيء من ذلك عن النبي ﷺ ، والمعول في العبادات، والفضائل على ما صح عنه ﷺ ، فكل يؤخذ من قوله، ويرد إلا من ثبتت له العصمة، وهو ﷺ ، فمن فعله معتقدا حصول البركة؛ لأن الكعبة مباركة؛ فهو مخطئ في هذا الفهم، والاعتقاد، فالمسجد كله مبارك، بل الحرم كله مبارك، أفيجوز التمسح بجدران المسجد، وعُمُده، أو التبرك بما يعلق فيها من تراب، أو غبار؛ رجاء حصول البركة، والشفاء! وهذا ظاهر الفساد. والبركة التي جعلها في بيته، وحرمه هي ما شرعه الله من الطاعات، وما خصه من مضاعفة الحسنات. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [(٩٦) سورة آل عمران]، والله اعلم. ـ [هل يصح تفسير الاستواء بالجلوس؟ وهل يوصف الله بالجلوس ؟ ]ـ الحمد لله، لقد أخبر الله عن نفسه بأنه استوى على العرش في سبعة مواضع من القرآن، وجاء في السنة وصفه بأنه فوق العرش، قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [(٥) سورة طه] وقال ﷺ : " والعرش فوق الماء والله فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه ". وجاء عن السلف تفسير الاستواء بأربع عبارات: علا، وارتفع، واستقر، وصعد، أشار إليها ابن القيم في الكافية الشافية [١/ ٤٤٠ مع شرح ابن عيسى] بقوله: فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان وهي "استقر"، وقد "علا"، وكذلك "ار ... تفع" الذي ما فيه من نكران وكذاك قد "صعد" الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني

стр. 76

يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن. ولم يذكر لفظ الجلوس، ولكن أهل السنة لا ينكرون ذلك بل المبتدعة هم الذين ينكرونه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة التدمرية [ص٢٣٨ مع شرح البراك]: فيظن هذا المتوهم أنه تعالى إذا كان مستويا على العرش كان استواؤه مثل استواء المخلوق، فيريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقول: إن استواءه ليس بقعود، ولا استقرار. اهـ بتصرف واختصار. وقد جاءت آثار فيها ذكر القعود، والجلوس، وذكرها الأئمة في كتب السنة بمعرض الرد على نفاة العلو، والاستواء كالأثر الذي جاء عن مجاهد في تفسير المقام المحمود: بإقعاد النبي ﷺ على العرش. وإن كانت هذه الآثار لا تخلوا عن مقال، فذكر الأئمة لها للاستشهاد، والاعتضاد، لا للاعتماد، وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة على صحة تفسير المقام المحمود بإقعاده ﷺ على العرش، وأنه لا ينكر ذلك إلا جهمي؛ فظهر أن لفظ القعود، والجلوس لا يجوز نفيه عن الله سبحانه، وأما إثباته، ووصف الله به، فينبني على صحة ما ورد من الآثار في ذلك، والله أعلم.

стр. 77

الشيخ علي الصياح ـ[كتب خليل بن محمد: ]ـ إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . أمَّا بعد: فمن أعظم النعم على العبد أن يكون دعياً إلى الله، إماماً في الخير هاديا مهدياً، كما أنّ من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إماماً في الشر وداعيا إليه، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]، وقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. ومن أعظم الدعوة إلى الله ما يقوم به الإخوة في ملتقى أهل الحديث من الدعوة إلى الكتاب والسنة الصحيحة والعناية بفهوم سلف الأمة بتجرد ونصفة واعتدال يلحظ ذلك -ولله الحمد- كل من دخل هذا الموقع الطيب المبارك، ومما يحمد للأخوة في هذا الملتقى: العناية بطلب الدليل، وهذا الذي جعل أهل البلادة والتقليد ينقمون على هذا الملتقى الطيب، وقديما قال ابن القيم: «المقلِّد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كلُّ آية، وأنَّ طالب الدليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يحكّم إلا إياه، ولكل من الناس موردٌ لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عُذِرَ من حمل ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه»، وإنَّا لنرى ونسمع من تأثير هذا الملتقى ما يسر كل صاحب سنة من أهل الحديث. وفق الله القائمين عليه لكل خير، وسددهم وأعانهم وبارك في جهودهم، وجزا الله خيراً كلَّ من شارك ودعم هذا الموقع الطيب المبارك، وأشكر أخي الكريم الشيخ/عبد الرحمن السديس على جهوده في عقد هذا اللقاء مع إخواننا الكرام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 78

ـ[هل قوَّى يعقوب بن شيبة السدوسي ﵀ روايةَ أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ؟ وما الراجح فيها؟ ]ـ تكلمت عن هذه المسألة في رسالتي العلمية عن «يعقوب بن شيبة ومنهجه في الجرح والتعديل» فمما قلته هناك: «كلام يعقوب بن شيبة في رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه»: أبو عبيدة هو: ابن عبد الله بن مسعود، قال يعقوب: «هذليٌّ، حليفُ بني زُهرة»، وقال الترمذي: «لا يُعرف اسمه»، وقال أبو زرعة: «اسمه وكنيته واحد»، وقال ابن حجر: «مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر»، وهو متفقٌ على توثيقه، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن معين: ثقة. هذا وقد تكلم المحدثون في سماعه من أبيه، فكثير من المحدثين - حكى النوويُّ الاتفاق- على أنه لم يسمع من أبيه، نظرا لأنَّ أباه مات وهو صغير السن لا يتجاوز السابعة، وممن نصَّ على ذلك: عليُّ بنُ المديني، ويحيى بنُ معين، وأبو حاتم، والترمذيُّ، وابنُ حبان، والدارقطنيُّ، وغيرهم. غير أنَّ جمعاً من الأئمة نصوا على تقوية روايته عن أبيه مع نصهم على عدمِ سماعه منهم: علي بن المديني-إمام العلل- والنسائي، والدارقطني، والطحاويّ وغيرهم. وأحسن من بيّن ذلك يعقوبُ بنُ شيبة، حيث يقولُ: «إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل -، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر» (١) وهذا الكلام واضح وبيّن فقد تتبع الحفاظ رواية أبي عبيدة عن أبيه فوجدوها خالية من المناكير، وانضم إلى ذلك أنَّ أبا عبيدة ابن لعبد لله بن مسعود، ولا شك أنَّ الأصل أنَّ الابن أعرف بأبيه من غيره، قال ابنُ رجب: «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة»، وقال أيضا «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحةٌ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره».

стр. 79

وهذا يدلنا على أنه ينبغي التفطن إلى أنّ من منهج أئمة الحديث المتقدمين الاحتجاج أو تقوية -وربما تصحيح- بعض المنقطعات لقرائن تحتف بها، والأمثلة على ذلك عديدة منها -غير رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها-: قول أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مرسلات سعيد بن المسيب إنها صحاح، قال أبو عبد الله الحاكم «تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله-يعني مراسيل سعيد بن المسيب -، فوجدوها بأسانيد صحيحة» -معرفة علوم الحديث ص١٧٠ - ، ومثله قول الشافعي ﵀ في حديث لطاووس عن معاذ-انظر: فتح المغيث (١/ ١٤١) - تنبيهات: (أ) أنَّ قول أئمة الحديث وكبار النقاد هذا لم يأتِ من فراغ بل هو نتاجُ دراسة دقيقة لحال أبي عبيدة بن عبد لله، وحال مروياته، وموازنتها مع روايات الثقات من أصحاب ابن مسعود، فخرجوا بهذه النتيجة العلمية الدقيقة، ولذا علل يعقوب بن شيبة هذا القول بقوله «إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل -، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر»، وهناك دراسة علمية - ماجستير- في «مرويات أبي عبيدة عن أبيه» لأحد الباحثين في جامعة أم القرى خلص فيها إلى هذه النتيجة التي قررها الأئمة المتقدمون من قرون!. ولله در ابن حجر عندما قال-كما في كتابه (النكت ٢/ ٧٢٦) -: «وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه». (ب) وما تقدم يدل على أهمية إعمال القرائن عند المحدثين، وعدم الجمود على بعض القواعد، والمصطلحات التي تطبق في مواضعها المناسبة.

стр. 80

(ت) ولذا أرى أنه عند الكلام على شروط الصحيح تنبيه الطلاب أنَّ الاتصال شرط للصحة ما لم تدل قرينة من القرائن على أنَّ هذا الانقطاع لا يضر، والعمدة في ذلك كلام أئمة الحديث وكبار النقاد، كما تقدم في الأمثلة السابقة، والذي أخشى- وقد وقع شيء من ذلك- أن يرد أحدٌ هذا الكلام بالقول بأنّ هؤلاء الأئمة خالفوا قواعد علوم الحديث، لأنَّ المنقطع ضعيفٌ مطلقاً!، ولا يستشعر أنّ هؤلاء الأئمة هم روّاد علم الرواية؟ وعنهم أُخذتْ قواعد علوم الحديث؟ وهم الذين يحتجُ بأقوالهم وتطبيقاتهم في هذا العلم؟ وكلامهم كما تقدم معلل ومدلل عليه. وقد قلتُ في كتابي «قَصَصٌ وَنَوادرٌ لأئمةِ الحديثِ المُتقدّمين في تتبعِ سُنّةِ سيّدِ المُرْسلين والذبِّ عنها»: «مما يسر أنّ هناك عودة قوية لدراسة مناهج النقاد من خلال أقوالهم وتطبيقاتهم، وفهم مصطلحاتهم من خلال السبر والتتبع الطويل مع التحليل والنظر، وفي ظني أنّ هذه الدراسات ستقلص من الاعتراضات على النقاد، وتقلل من الاختلاف بين أحكام المعاصرين على الأحاديث وأحكام المتقدمين، وكذلك المعاصرين بعضهم مع بعض. وهذه العودة لدراسة مناهج النقاد .. الخ = هي روح ولُبّ مسألة "منهج المتقدمين في الحديث" والتي -في رأيي- حُمّلتْ ما لا تحتمل، وصُورت على غير حقيقتها التي يدعو إليها الفضلاء، فليس هناك تقليلٌ من قدر المحدثين المتأخرين، وليس هناك تفريقٌ للأمّة، وليس هناك بدعة، بل إنَّ الكلام في هذه المسألة هو بحثٌ في مسائل علمية حديثية دقيقة تتعلق بمصطلحات، وقواعد، ومناهج سار عليها أئمة الحديث المتقدمين، وروّاد هذا الفن، ومن يرجع إليه في هذا العلم، وغالب الخلاف الواقع بين الفضلاء في هذه المسألة من نوع الخلاف اللفظيّ، وطلبةُ العلم فيها بين أجر، وأجرين -إنْ شاء الله تعالى-، والمسألة من مطارح الاجتهاد، ومسارح النظر.

стр. 81

ومما ينبغي التفطن له أنّ هذه الدعوة ليست من التقليد في شيء، بل هي دعوةٌ لأخذ العلم من مصدره، إذ من المعلوم أنّ قوانين وقواعد معرفة حال الراوي، والمروي إنّما أُخذت عن هؤلاء الأئمة فهم الحكم في هذه المسائل، وإليهم الرجوع عند التنازع. ورَحِمَ اللهُ علماءَ المسلمين-المتقدمين منهم والمتأخرين- فقد ورثوا للأمة علماً زاخراً يخدم كتاب الله وسنة رسوله ?، وإنَّ من حقهم على الأمّة الدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستفادة من علومهم، وهذا هو منهج مَنْ تَبِعَهُم بإحسان قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: ١٠). (ث) قول يعقوب: «إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا .... » كثيراً ما يستعمل يعقوب بن شيبة لفظة (أصحابنا) في كلامه فمن ذلك قوله: ١ - «ما رأيت أحداً من أصحابنا ممن ينظر في الحديث وينتقي الرجال؛ يقول في عمرو بن شعيب شيئاً، وحديثه عندهم صحيح وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها عنه وما روى عنه الثقات فصحيح .. » (٢). ٢ - وقوله: « .. سمعت غير واحد من أصحابنا منهم: محمد بن عبد الله بن نمير وأبا بكر بن أبي شيبة يقولان ذلك» (٣). ٣ - وقوله: «حدثني غير واحد من أصحابنا منهم عبد الله بن شعيب سمعوا يحيى بن معين .. » (٤). ٤ - وقوله: «عبد العزيز بن أبان عند أصحابنا جميعاً متروكٌ، كثير الخطأ كثير الغلط، وقد ذكروه بأكثر من هذا، وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: ما رأيت أبين أمراً منه، وقال هو كذاب» (٥). ٥ - وقوله: «سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، فمنهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه .. » (٦).

стр. 82

٦ - وقوله: «وقيس من قدماء التابعين، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير؛ وقالوا هي غرائب، ومنهم من لم يحمل عليه في من الحديث وحمل عليه في مذهبه .. » (٧). ٧ - وقال عن إبراهيم بن أبي الليث: «كان أصحابنا كتبوا عنه ثم تركوه، وكانت عنده كتب الأشجعي، وكان معروفاً بها ولم يقتصر على الذي عنده حتى تخطى إلى أحاديث موضوعة» (٨). ٩ - وقال عن يحيى بن يمان: «كان صدوقاً كثير الحديث، وإنما أنكر عليه أصحابنا كثرة الغلط .. » (٩). ١٠ - وقال أيضاً: «حدثنا الحسن بن علي الحلواني - أو حدثني عنه بعض أصحابنا - قال: سمعت .. » (١٠). ومن خلال هذه الأمثلة - وغيرها كثير- يتبين أنّ يعقوب بن شَيْبَة يريد بهذه اللفظة الدارجة في كلامه شيوخه الذين ينقلُ عنهم كثيراً، ولازمهم من المحدثين، وقد نصَّ على بعضهم كعلي بن عبد الله المديني، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن شعيب الصابوني، وابن أبي شيبة.

стр. 83

ـ[نريد أن نعرف باختصار منهج يعقوب بن شيبة السدوسي في الجرح والتعديل وطريقته في نقد الأحاديث والروايات؟ ]ـ بينت منهج يعقوب بن شيبة في الجرح والتعديل في الرسالة الآنفة الذكر فمما جاء فيها: خلاصة منهج يعقوب بن شيبة في التَّعديل: في هذه الخلاصة أذكر أهم ما يلاحظ على كلام يعقوب بن شيبة في التَّعديل، فمن ذلك: - توثيقه للمبتدعة مطلقاً من غير تفريق بين أنواع البدع؛ فهو يوثق مَنْ رُمِيَ بالقَدَر، ومَنْ رُمِيَ بالتشّيع، ومَنْ رُمِيَ بالإرجاء، ولا يُفرّق أيضاً بين مَنْ كانت بدعته خفيفة أو شديدة، وبين من كان داعية أو غير داعية، فكلهم عنده ثقات إذا توفر فيهم الضبط والحفظ. - وتقويته بعض الرجال لرواية بعض الأئمة عنهم، ومن الأئمة الذين نصَّ عليهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان. - وتفصيله في أحوال الرجال، فبعض الرواة قد يكون مقبولاً في حالٍ، ومردوداً في حالٍ أخرى، وهذه الأحوال ترجع: ١ - إمّا إلى المكان الذي حدّث فيه الراوي. ٢ - أو إلى الزمان الذي حدّث فيه الراوي. ٣ - أو إلى شيوخ الراوي. ٤ - أو إلى تلاميذ الراوي. ٥ - أو إلى حال الشيخ عند تحديثه. - وتأثره في ألفاظه، وأحكامه ببعض الأئمة، منهم: ابن سعد، وابن معين. - وعنايته بألفاظ الرواية، حتى إنه رجح بعض الراوة على بعض لهذا السبب، فقد قال: «زهير أثبت من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث، لم يكن يَفْصِلُ هذه الأشياء - يعني الألفاظ -» (١١)، ويلاحظ هذا الاعتناء أيضاً في طريقة يعقوب في الرواية، ودقته المتناهية في ذلك. - وتأثره أيضاً في ألفاظه، وأحكامه على الرجال بعلم العلل، ويعقوب بن شَيْبَة من المُبَرّزين في علم العلل، ويظهر ذلك جلياً في ألفاظه، وأحكامه على الرجال، لذا يتكرر في كلامه ألفاظ الترجيح بين الرواة كفلان أثبت من فلان، أو أتقن، أو أعلم ونحوها من العبارات الهامة في علم علل الحديث. - ويلاحظ استعماله بعض العبارات الرفيعة في التَّعديل في وصف رواة لا يبلغونها، من ذلك قوله في عطاء الخراساني: ثقة ثبت، وأقوال النقاد فيه تدور بين ثقة وصدوق وضعيف ومن خلال ما تقدم في هذا المبحث يتبين أنَّ يعقوب بن شيبة معتدل في التعَّديل، وإن كان لا يخلو من تشددٍ أحياناً، فقد تشدد في: ١ - عبد السلام بن حرب، حيثُ غَمَزَه والجمهور على توثيقه. ٢ - والوليد بن أبي مالك، لم يتكلم عليه إلاّ يعقوب، وهو متفق على توثيقه. ٣ - وإسرائيل بن يونس السبيعي.

стр. 84

وهكذا غالب الأئمة المعتدلين، فإنهم قد يتشددون أحياناً، وأحياناً يتساهلون، وما أحسنَ وأدق كلمةَ المعلميّ التي قال فيها: «ما اشتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام»، والله أعلم. خلاصة منهج يعقوب بن شيبة في الجرح في هذه الخلاصة أذكر أهم ما يلاحظ على كلام يعقوب بن شيبة في الجرح، فمن ذلك: ١ - جمعه في كلامه على الراوي الواحد بين ألفاظ الجرح وألفاظ التعديل في آنٍ واحد، غير أنه يُقَيّد ألفاظ الجرح بالحديث، ويُطلق ألفاظ التعديل، مما يدل على أنَّ التعديل منصبٌ على صلاح الرجل في نفسه ودينه لا في حديثه وضبطه، وتقدم التنبيه على ذلك في التعليق على الألفاظ المركبة. ٢ - أنَّ السّمة الغالبة على ألفاظ يعقوب بن شيبة في جرح الرواة سمةُ الخشيةِ والورعِ، وتجنب الألفاظ القاسية والشديدة؛ كالفظة: كذاب، أو وضّاع، أو زنديق، وغير ذلك من الألفاظ التي استعملها بعض شيوخه، كابن معين، وابن نُمير، وابن المديني.

стр. 85

٣ - أنَّ يعقوب بن شيبة مع اعتداله في جرحه للرواة إلاَّ أنَّه قد يتشدد أحياناً في بعض الرواة، كما تشدد في حكمه على أبي بكر النهشلي حيث قال فيه: «صدوق، ضعيف الحديث»، مع أنَّ جميع شيوخ يعقوب على توثيقه إلاَّ ما كان من إشارة ابن سعد المذكورة، وكما تشدد أيضاً في حكمه على عبد السلام بن حرب الملائي حيث قال فيه: «ثقة، وفي حديثه لين، وكان عسراً في الحديث .. »، ونحو هذا الكلام قاله ابن سعد في عبد السلام هذا، وتقدم قول المعلمي: «ما اشتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام» (١٢)، وكلام المعلمي هذا يدل عليه واقع النقاد ومنهم يعقوب بن شيبة. ٤ - ومما يلاحظ أيضاً أنَّ يعقوب بن شيبة ينقل أقوال النقاد - شيوخه وغيرهم - في الرواة، وتقدم نقله عن عبد الله بن المبارك، ويحيى القطان، والفضل بن موسى، وابن المديني، وابن معين، وابن نُمير وغيرهم من أئمة الجرح والتَّعديل. ٦ - ويلاحظ أيضاً أنَّه لا يكتفي أحياناً بذكر الجرح في الراوي؛ بل يذكر فضلَ الرجل وصلاحَه وعبادتَه وزهدَه، وأمرَه بالمعروف ونهيَه عن المنكر، وفقهه، ومعرفته بأخبار الناس وسيرهم، وغير ذلك من الأمور التي يتصف بها الراوي المجروح؛ كما في قوله في أبي بكر بن عياش: «وأبو بكر بن عياش شيخ قديم معروف بالصلاح البارع، وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث يعرف له سنه وفضله، وفي حديثه اضطراب»، وقوله في الهيثم بن عدي: «كانت له معرفة بأمور الناس وأخبارهم، ولم يكن في الحديث بالقوي، ولا كانت له به معرفة وبعض الناس يحمل عليه في صدقه»، وغيرهما من الرواة.

стр. 86

٧ - ويلاحظ أيضاً توثيقه النسبي لبعض المجروحين عنده، إما توثيق في بعض الشيوخ كقوله في مندل بن علي العنزي: «عبيد الله بن موسى، ومحاضر، ومندل، وأبو معاوية، ووكيع، وابن نمير، ويحيى بن عيسى كل هؤلاء ثقة في الأعمش»، مع قوله: «كان أشهر من أخيه حبان وهو أصغر سناً منه، وأصحابنا يحيى بن معين وعلي ابن المديني وغيرهما من نظرائهم يضعفونه في الحديث، وكان خيراً فاضلاً صدوقاً، وهو ضعيف الحديث، وهو أقوى من أخيه في الحديث»، أو توثيق بسبب المتابعة كقوله في أبي بكر بن عياش: «وأبو بكر بن عياش شيخ قديم معروف بالصلاح البارع، وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث يعرف له سنه وفضله، وفي حديثه اضطراب»، وقال أيضاً في كلامه على أحد الأحاديث: « .. رواه جماعةٌ عن أبي إسحاق ثقات منهم: زائدة بن قدامة، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وأبو بكر ابن عياش، وسفيان بن عيينة، وإسرائيل بن يونس». ٨ - ومما يلاحظ أيضاً تنبيهه أحياناً على عقائد الرواة، مع التحرز في ذلك؛ فقد قال في عبد الواحد بن زيد أبي عبيدة: «رجل صالح متعبد، وكان يقص يعرف بالنسك والتزهد وأحسبه كان يقول بالقدر، وليس له بالحديث علم، وهو ضعيف الحديث». ٩ - ومما يلاحظ أيضاً تصريحه بعدم التحديث عن المتروكين؛ فقد قال في علي بن الحزور الغنوي: «قد تُرِكَ حديثه، وليس ممن أحدثُ عنه»، وهذا يدل على انتقاءه لشيوخه. ١٠ - ومما يلاحظ أيضاً متابعة لبعض النقاد في أحكامهم وألفاظهم؛ كابن سعد، وابن معين، فإنَّ ابن سعد قال في عبد السلام بن حرب: «كان به ضعف في الحديث، وكان عسراً»، وقال يعقوب فيه: «ثقة وفي حديثه لين، وكان عسراً في الحديث .. »، وتقدم أنَّ يعقوب استفاد كثيراً من ابن سعد في طبقات الرواة وأخبارهم، وأما ابن معين فقال عن زيد الحواري: «يُضعّفُ»، وكذلك قال فيه يعقوب كما تقدم.

стр. 87

١١ - ومما يلاحظ أيضاً تنبيهه على أنَّ بعض الضعفاء يزدادون ضعفاً إذا جمعوا في روايتهم بين بعض شيوخهم. ١٢ - أنَّ تَرْكَ بعضِ الأئمة لراوٍ وعدمِ الروايةِ عنه دليلٌ على ضعفه عندهم، وقد نقل يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني كلامه على عبد الله بن محمد بن عقيل، وبيَّن يعقوب أنَّ هذا لمن كان ينتقي الرواة كمالك بن أنس ويحيى القطان. ١٣ - دقة بعض ألفاظه في الجَرْح. فمن ذلك مثلاً قوله: فيه ضعف، وقوله: في حديثه ضعف، وقوله: في روايته عن فلان بعض الاضطراب. ١٤ - تفسيره للجرح أحياناً، فمن ذلك قوله في معمر: «سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأنَّ كتبه لم تكن معه» (١٣). ١٥ - عنايته بالتفصيل في أحوال بعض الرواة. فمن ذلك قوله في سماك بن حرب: «وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع من سماك قديماً مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيحٌ مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما يرى أنه فيمن سمع منه بأخرةٍ» (١٤). ١٦ - نقله أقوال كبار النقاد في الرجال واختلافهم فيهم مع المقابلة والترجيح، ونقله ما يجري بينهم من مناظرات في الجَرْح والتَّعديل، من ذلك: - قوله: « .. سمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب، وعبد الله ابن جعفر المُخَرَّمي، فقدم أحمد المخرمي على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المخرمي شيخ وأيش عنده من الحديث؟! وأطرى ابن أبي ذئب وقدمه على المخرمي تقديماً كثيراً متفاوتاً، فقلت لعليّ بعد ذلك: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن أبي ذئب أحب إلي، وهو صاحب حديث، وأيش عند المخرمي من الحديث، وسألت علياً عن سماعه من الزهري، فقال: هو عرض، قلت: وإن كان عرضاً كيف؟ قال: هي مقاربة أكثر» (١٥).

стр. 88

- وقوله: «سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، فمنهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه، ولجاجته فيه، وثباته على الخطأ، ومنهم من تكلم في سوء حفظه واشتباه الأمر عليه في بعض ما حدث به من سوء ضبطه وتوانيه عن تصحيح ما كتب الوراقون له، ومنهم من قصته عنده أغلظ من هذه القصص، وقد كان- رحمة الله علينا وعليه - من أهل الدين والصلاح والخير البارع، شديد التوقي، وللحديث آفات تفسده» (١٦). والخلاصة أنَّ أحكام يعقوب بن شيبة في الجرح تتسم بالاعتدال - في الغالب -، وتعابيره تتسم بالخفة وعدم الشدة والقسوة. وأمّا طريقته في نقد الأحاديث والروايات فهذه لم أكتبها بعد نظرا لقلة الأحاديث التي وقفت عليها مما تكلم عليه وهذه الأحاديث لا تبين منهجه بدقة كما هو مطلوب، وإن كانت هذه الأحاديث القليلة يتبين منها أثر صناعة العلل على كلامه، ودقته في الكلام على متون الأخبار، وطول النفس في ذلك. ـ [هل المصدر الأساسي في العلل للحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي هو علل ابن المديني ؟ ]ـ المصدر الأساسي في العلل للحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي هو شيخه علي بن المديني وقد كانت نقوله عنه مشافهةً سمعت .. وحدثني .. ونحو ذلك، ويعقوب بن شيبة مع البخاري من أكثر من استفاد من مدرسة علي بن المديني إمام العلل في زمانه ولذلك كان لكلامهما في العلل قوة وقبول عند المحدثين. ولم أر يعقوب صرح .. أو ذكر كتاب «علل ابن المديني» - وإن كان علي بن المديني له مسندان أحدهما مسند معلل كما بينت ذلك في كتابي «جهود المحدثين في بيان علل الحديث» -.

стр. 89

ـ [وهل توثيق يعقوب بن شيبة راجع إلى العدالة أكثر من الضبط ؟ ]ـ بينت في الرسالة الآنفة الذكر أنَّ الأصل في كلمة ثقة في كلام يعقوب بن شيبة: الثقة في الحديث وهو من جمع بين العدالة والضبط؛ إلاَّ أن تكون هناك قرينة تدل خلاف هذا-والقرينة ربما تكون متصلة في الكلام، وربما تكون خارجية-، ومن هنا يُعلم غلط من أطلق أنَّ يعقوب بن شَيْبَة يريد بلفظة (ثقة) مفردةً العبادةَ والصلاحَ ونحوَ ذلك، لا يريد بها الضبط. ولكن يلاحظ أنه يجمع في كلامه على الراوي الواحد بين ألفاظ الجرح وألفاظ التعديل في آنٍ واحد، غير أنه يُقَيّد ألفاظ الجرح بالحديث، ويُطلق ألفاظ التعديل، مما يدل على أنَّ التعديل منصبٌ على صلاح الرجل في نفسه ودينه لا في حديثه وضبطه. ـ [هل تخصيص الرسول ﵇ بفعل معين يحتاج لدليل بمعنى أنّا نطلب الدليل ممن قال بأن هذا الفعل خاص بالرسول ﵇ ولا نطلبه من الذي يقول أن هذا لنا وله ﵇ لأنه أسوتنا؟. ]ـ الأصل في أفعال الرسول ? وأقواله وأحكامه عدم الخصوصية حتى تثبت بدليل لأنّ الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١) فدل على أنه ? قدوة الأمة في كل شيء، ولأنّ الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها. قال ابنُ القيّم: ((إذا رأينا أصحابَ رسولِ الله ? قد اختلفوا في أمرٍ قد صحَّ عن رسول الله ? أنه فعله وأمر به فقال بعضُهم: إنَّه منسوخٌ أو خاصٌ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخه، أو اختصاصَه مخالفٌ للأصلِ فلا يقبل إلا ببرهان)) زاد المعاد (٢/ ١٩٢)، والمسألة من المسائل المشهورة في كتب أصول الفقه.

стр. 90

ـ[هل ترون - حفظكم الله - أن موضوعات الرسائل العلمية في علم الحديث تقلصت وقلت، أم أن هناك مجالا للتسجيل؟. . ثم هل ترون تغيرا في الموضوعات المسجلة في الآونة الأخيرة عنها فيما مضى؟ ]ـ أمّا من حيث التغير في الموضوعات المسجلة في الآونة الأخيرة عنها فيما مضى .. فنعم هناك تغير إلى الأحسن والأدق والأعمق -فيما يظهر لي- سواء في تحقيق المخطوطات أو إنشاء الموضوعات، وهذا التغير له أسباب عديدة منها: أسباب ترجع إلى الباحثين أنفسهم ومحاولة التجديد والتميز في الرسائل العلمية، ومنها: أسباب ترجع إلى تشدد الأقسام الأكاديمية في الجامعات ووضع ضوابط دقيقة للرسائل العلمية، ومحاولة تلافي الثغرات والعيوب التي لوحظت في الرسائل الماضية. أمَّا من حيث توفر موضوعات للرسائل العلمية في علم الحديث فأرى أنّ هناك مجالا جيدا للحصول على موضوعات للرسائل العلمية ولكنّ المشكلة في الدرجة الأولى-في رأيي- ترجع إلى الباحث نفسه فبعض الباحثين عنده قصور في هذا الفن ومشكلاته فهذا الصنف من الباحثين سيجد صعوبة في الحصول على موضوع-إن لم يساعده أحد-، لذا كلما كان الباحث واسع الاطلاع، كثير القراءة، دقيق التأمل كانت فرصته في صيد الموضوعات أكثر وأوفر. وصنفٌ آخر من الباحثين ليس عنده استعداد أن يقرأ في الموضوع المقترح وأن يجرد من أجله الكتب للنظر في مدى صلاحه للبحث العلمي وتوفر الشروط العلمية الأكاديمية فيه فهو يريد موضوعا جاهزاً مجرد أنه يشرع في العمل. ويلاحظ أنّ هناك مسائل ليست بالقليلة تتعلق بمنهج المتقدمين لم تبحث البحث الدقيق الذي يوضح منهج المتقدمين فيها من خلال السبر والتتبع والتحليل، وهناك أئمة لهم إسهامات جيدة في علوم الحديث لمّا يفردوا ببحوث بعد، وقد ذكرت بعضهم في كتابي «جهود المحدثين في بيان علل الحديث».

стр. 91

وأنبه أنه من المفيد أخذ رأي المتخصيين في هذا الفن ومن لهم باع طويل فيه أمثال: الشيخ أحمد معبد عبد الكريم، والشيخ عبد الكريم الخضير، والشيخ عبد الله السعد، والشيخ سعد الحميد، والشيخ إبراهيم اللاحم، والشيخ حمزة المليباري، والشيخ خالد الدريس، والشيخ محمد التركي وغيرهم كثير ممن لم يحضرني اسمه ممن له إسهامات في هذا الفن. وكذلك من فوائد «ملتقى أهل الحديث» طرح مثل هذه الموضوعات للمذاكرة فيها، وأقترح وضع ركن «موضوعات مقترحة للرسائل العلمية» بحيث يطرح موضوع يتم تداوله بين الأعضاء من حيث: أهمية الموضوع، أثره، أسباب دراسته، الدراسات السابقة، حدوده، خطة البحث وتفصيلاته ... ونحو ذلك من البيانات، وفي ظني أنّ طلاب الدراسات العليا -في مختلف الجامعات الإسلامية في العالم-من أول من يشارك في هذا الركن، ومن الممكن مخاطبة المتخصصين لأخذ رأيهم في هذه الموضوعات والعناوين المقترحة، ونحاول من خلال هذا الركن العناية بمنهج المتقدمين، ومعالجة بعض القضايا التي تحتاج إلى تحرير، والله الموفق. ـ [متى تتكامل ملكة التعليل لدى المرء ؟ ]ـ كنت كتبتُ مقالا في مجلة البيان بعنوان «كَيْفَ نُقَرّب عِلْمَ عِلَلِ الحَدِيث لطلاب الحَدِيث ونحببه لَهُمْ؟ » وفيه إجابة على هذا السؤال وقد نبهتُ في المقال على أمرين: الأول: التنبه لقاعدةٍ جميلةٍ نصّ عليها إمام العلل في زمانه عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ، وهذه القاعدة يغفل عنها كثيرٌ من الناس. قال يعقوب بن شيبة: قَالَ عَلِيّ بن الْمَدِينِيّ: لا يقاس الرجل إلا بأقرانه وأهل زمانه؛ فلقد قُلْتُ مَرَّةً: سَعِيد أَعْلَم من حَمَّاد بن زَيْد، فبلغ ذَلِكَ يَحْيَى بن سَعِيد، فشق ذَلِكَ عليه؛ لئلا يقاس الرجل بمن هو أرفع منه لا يَقُول: سُفْيَانُ أَعْلَم من الشعبي، وأيُّ شيء كَانَ عند الشعبي مما عند سُفْيَان؟ وقيل لعلي بن الْمَدِينِيّ: إن إنساناً قَالَ: إنَّ مالكاً أفقه من الْزُّهْرِيّ، فَقَالَ عَلِيّ: أنا لا أقيس مالكاً إِلَى الْزُّهْرِيّ، ولا أقيس الْزُّهْرِيّ إِلَى سَعِيد بن الْمُسَيَّب، كل قوم وزمانهم. لذا ينبغي التفطن إلى هذه القاعدة وعدم المفاضلة بين مختلفي الأزمنة، وكذلك ملاحظة - وهذا الشاهد للمقال - أنه من الصعوبة - وربما من المستحيل - أن يبرز أحدٌ في علل الحديث كما برز أولئك.

стр. 92

الثاني: وفي زماننا هذا - والضعف العلمي والعملي سمةٌ بارزة فيه -أرى أنّ من عَرَف مصطلحات علماء الحديث - بالجملة - ومناهج أئمة العلل وطرائقهم في هذا الفن، وأدمن النظر في كتب العلل مع جودة الفهم، ودِقَّة في النظر، وحفظ الرجال الذين تدور عليهم الأسانيد، ومراتب الرواة وطبقاتهم، وطرق وقرائن الترجيح، والجمع فهو من العارفين بعلل الحديث. ومما قلته في المقال الآنف الذكر: كيف يعالج القصور في هذا العلم-علم العلل-؟ من طرق علاج القصور في هذا الفن ـ في رأيي ـ طريقان: أ - كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية - كعلل الترمذي الكبير، وعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني وكتابه: التتبع، وعلل ابن عمّار الشهيد، ومبحث «الحديث المعلول» في كتب علوم الحديث - فإنْ غلب على قراءتها فلا يغلب على كتابين: الأوَّل: التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، والثاني: كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب، وأرى أنَّ الكتابين ـ من أولهما إلى آخرهما ـ من أحسن ما يقرر على طلاب الحديث لفهم العلل ومعرفة طريقة النقاد فيها.

стр. 93

ب - تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، والاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة، فيقولون مثلاً: «الصواب رواية فلان»، أو «وَهِمَ فلان» أو «حديث فلان يشبه حديث فلان» أو «دَخَلَ حديثٌ في حديث» ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها - ومِنْ ثمّ دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ومدى موافقة بقية النقاد له، ومع كثرة الممارسة لكلام النقاد تتكون عند الباحث مَلَكة تؤدي - بتوفيق من الله وإعانة - إلى موافقتهم قبل أنْ يطَّلعَ على كلامهم المعين في الحديث المراد بحثه، وتفيده في دراسة الأحاديث التي لم يتكلموا عليها.

стр. 94

ـ [ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث ؟ وهل هو مشابه لتصرف الإمام مالك في إرسال الحديث أحيانا؟ ]ـ كنتُ كتبتُ بحثاً حول هذه المسألة بعنوان «الثِّقَاتُ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا وَقْفَ الْمَرْفُوعِ أو إِرْسَالَ الْمَوْصُولِ» ومما جاء فيه مما يتعلق بإجابة هذا السؤال: الرُّوَاة -من حيثُ وَقْفهم الْمَرْفُوع، وَإِرْسَالهم الْمَوْصُول - على قسمين: ١ - الضعفاء-على تفاوت درجاتهم - فهذا القسم وقفهم للمرفوع، وقصرهم للإسناد ناتج عَنْ سوء حفظهم فهو من باب الوهم والخطأ. ٢ - الثِّقَات وهم في هذا الباب على قسمين: أ- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول من غير عَمْد فهذا من باب الوهم والخطأ الذي لم يسلم منه أحد، قَالَ أحمد بن حنبل: ((ما رأيتُ أحدا أقلَّ خطأ من يحيى بنِ سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ومن يعرى من الخطأ والتصحيفِ! )) (١٧)، وَقَالَ ابنُ معين: ((مَن لم يخطئ فهو كذاب)) (١٨)، وَقَالَ: ((لستُ أعجب ممن يحدّث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب)) (١٩)، وَقَالَ الترمذيُّ: ((لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم)) (٢٠) ب- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول عمداً وقصداً لأسباب متعددة - وهؤلاء هم موضوعُ الْبَحْث ومقصده -، وهذه بعض أقوال النقاد الدالة على هذا النوع من الرُّوَاة: ١ - قَالَ عبدُ الرحمن بنُ مهدي حدّثنا شُعْبة عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبد الله بن مسعود ?وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا? (مريم: ٧١) قَالَ: يردونها ثم يصدرون بأعمالهم "، قَالَ عبد الرحمن قلتُ لشعبة: إن إسرائيل حدثني عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبد الله عَنْ النبي ﷺ ، قَالَ شُعْبة: وقد سمعته من السُّدي مرفوعاً ولكني عمداً أدعه. ٢ - وَقَالَ الحميديُّ- بعد رواية حَدِيث " الربا في النسيئة" -: ((كَانَ سفيانُ- هو: ابن عُيينة- رُبما لم يرفعه، فقيل له في ذلك، فَقَالَ: أتقيه أحيانا لكراهية الصرف، فأما مرفوع فهو مرفوع)). ٣ - وَقَالَ المروذيّ سألته -يعني أحمد بن حنبل - عَنْ هشام بن حسان؟ فَقَالَ: أيوبُ، وابنُ عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هشام، وَقَالَ: قد رَوى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كَانَ مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه (٢١).

стр. 95

٤ - وَقَالَ ابنُ أبي حاتم: ((سألتُ أبي وأبا زرعة عَنْ حَدِيث رَوَاهُ يزيدُ بنُ زُرَيع وَخَالدُ الواسطيّ وَزُهَيرُ بنُ معاوية ويحيى بنُ أيوب وَأبو بكر بنُ عيّاش فَقَالوا كُلُّهم: عَنْ حُمَيد، عَنْ أنس قَالَ: عَادَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً قَد جَهِدَ حَتى صَارَ مِثل الفرخ مِنْ شدةِ المرض، فَقَالَ: هل كنتَ تدعو الله بشيء، قَالَ: نعم، كنتُ أقولُ: اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا الحَدِيث، فَقَالا: الصحيحُ عَنْ حميد عَنْ ثابت عَنْ أنس، قلتُ: مَنْ رَوَى هَكَذا فَقَالا: خالدُ بنُ الحارث والأنصاريّ وغيرهما قلتُ: فهؤلاء أخطأوا؟ قالا: لا, ولكن قَصروا، وكان حميد كثيرًا ما يرسل)) (٢٢). ٥ - وَقَالَ الدارقطني: ((ومسعر كَانَ ربما قصر بالإسناد طلبا للتوقي وربما أسنده)) (٢٣)، وَقَالَ: ((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارةً يصرح بالرفع، وتارةً يومىء، وتارةً يتوقف على حَسِبَ نشاطه في الحال)) (٢٤)، وَقَالَ: ((رواه الليثُ بنُ سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل)) (٢٥). ? أسبابُ وَقْف الثِّقَات للمَرْفُوع وَإِرْسَال الْمَوْصُولِ: ذكر هذه الأسباب إجمالا السخاويُّ -في مبحث ما يلحق بالمرفوع كلفظة: يرفعه، وينميه ونحوهما-فَقَالَ: ((الحاملُ عَليهِ وَعَلَى العُدولِ عَنْ التصريحِ بالإضافةِ: إمّا الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني، وَهُو ممن لا يَرى الإبدال كما أفاد حاصله المنذريُّ، أو طَلَباً للتخفيفِ وإيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته كما قالهما شيخنا (٢٦)، أو وَرَعَاً حَيثُ عَلِمَ أنّ المؤدى بالمعنى)) (٢٧).

стр. 96

فتضمن كلام السخاويّ أربعة أسباب: ١ - الشك: وذَكَرَ نوعينِ مِنْ الشك: أ - الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني. ب - الشك في ثبوت الخبر عَنْ النبي ?، وعزاه لشيخه الحافظ ابن حجر. قلتُ: ومن أمثلة ذلك وقف شُعْبة لحديث السُّدي مع إقراره بأنه سمعه من السُّدي مرفوعاً فسبب ذلك شكه في ضبط السدي للحديث مرفوعاً فأوقف الحَدِيث تحرزاً. وبقي نوعٌ من الشكّ لم يذكره السخاويُّ وهو: ت - الشك في ثبوت الحكم عَنْ النبي ? إمَّا لكونه منسوخاً أو له تأويل يخالف الظاهر المتبادر، مع الإقرار بأنّ الخبر ثابتٌ مرفوعاً. ومن أمثلة ذلك وقف سفيان بن عيينة لحديث "الربا في النسيئة"، مع إقراره بأنه مرفوع، لكنّه صرّح بأنَّ سببَ وقفهِ للحديثِ أحياناً كراهية الصرف فهو يشير للخلاف الكبير بين العلماء في توجيه حَدِيث أسامة هذا، فبعض العلماء ذهب إلى نسخه، وبعضهم إلى تأويله (٢٨)، قَالَ النوويُّ: ((وقد أجمعَ المسلمون على ترك العمل بظاهر حَدِيث أسامة)) (٢٩) ٢ - طلباً للتخفيف وإيثارا للاختصار: قَالَ الدارقطنيُّ: ((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارة يصرح بالرفع وتارة يومىء وتارة يتوقف على حسب نشاطه في الحال)) (٣٠)، وَقَالَ أيضاً: ((الحَدِيث في الأصل ثابت الرفع، لكن ابن سيرين كَانَ يقف كثيراً من حديثه تخفيفاً)) (٣١). وقال الرّشيدُ العطار: ((الحديثُ قد يكون عند الراوي له عَنْ جماعة من شيوخه، فيحدث به تارةً عَنْ بعضهم، وتارةً عَنْ جميعهم، وتارةَ يُبْهمُ أسماءهم، وربما أرسله تارةً على حسب نشاطه وكسله)) (٣٢). وَقَالَ ابن حجر: ((ويحتمل أن يكون من صَنَعَ ذلك صنعه طلباً للتخفيف وإيثاراً للاختصار)) (٣٣). ٣ - شدّة الورع:

стр. 97

قَالَ البغوي: ((كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحَدِيث عَنْ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوفاً من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إنَّ من التابعين من كَانَ يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يسند الحَدِيث حتى إذا بلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: قَالَ، ولم يقل: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يقول: رفعه، ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل ذلك هيبة للحديث عَنْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخوفاً من الوعيد)) (٣٤). قلتُ: هذه الأسباب التي ذكرها السخاويّ، وتبين لي خَمْسةُ أسبابٍ أخرى هي: ٣ - أنْ يُعْرفَ عَنْ صحابيّ الحَدِيث تهيب الرفع أو قلته: ومن أمثلة ذلك: -قول حجاج بن محمد حدثنا شُعْبة قَالَ: سمعت عقبة بن وسّاج عَنْ أبي الأحوص عَنْ عبد الله عَنْ النبي ? أنّه قَالَ: ((فضل صلاة الرجل في الجميع على صلاته وحده خمس وعشرون درجة)). قَالَ حجاج: وَلم يرفعه شُعْبة لي، وقد رَفَعَهُ لغيري، قَالَ: أنا أهابُ أنْ أرفَعَهُ لأنّ عبدَالله قَلَّما كَانَ يرفعُ إلى النبيّ ? (٣٥). وهذا التهيب والقلة من لَدن صحابي الحَدِيث له أسباب من أبرزها: شدة الورع، والتحرز من الخطأ وتقدم بيان ذلك في كلام البغوي قريباً. ٤ - معرفةُ المخاطبين وتلاميذ الراوي بطريقة شيخهم واشتهارها عندهم: قَالَ الأعمشُ: ((قلتُ لإبراهيم: إذا حدثتني حديثاً فأسنده فَقَالَ: إذا قلت عَنْ عبد الله -يعني ابن مسعود- فاعلم أنه عَنْ غير واحد، وإذا سميتُ لك أحداً فهو الذي سميت)) (٣٦). وَقَالَ خالد الحذاء: ((سمعتُ محمد بن سيرين يقول: كلّ شيء حدثتكم عَنْ أبي هُرَيرة فهو عَنْ النبي ﷺ ) (٣٧).

стр. 98

قَالَ أبو داود: ((كَانَ ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحواً من ثلاثين حديثاً)) (٣٨). وَقَالَ خالدُ الحذّاء: ((كلُّ شيء رواه ابنُ سيرين عَنْ ابن عباس فهو عَنْ عكرمةَ، لقيه بالكوفة أيام المختار)) (٣٩)، ومعلوم أنّ خالد الحذّاء من تلاميذ ابن سيرين المقدمين. وَقَالَ الهيثمُ بنُ عبيد حدثني أبي قَالَ: قَالَ رجلٌ للحسن: إنّك لتحدثنا قَالَ النبي، فلو كنتَ تسندُ لنا، قَالَ: والله ما كذبناك ولا كذبنا لقد غزوتُ إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ (٤٠). وَقَالَ الخطيبُ: قَرأتُ في أصلِ كِتَاب دَعْلج بنِ أحمد ثمّ أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني قَالَ: أخبرنا أبو الحسن بن صغيرة قَالَ: حدثنا دعلج قَالَ: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد عَنْ أيوب عَنْ محمد عَنْ أبي هُرَيرة قَالَ: قَالَ: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، قَالَ موسى: إذا قَالَ حمادُ بنُ زيد والبصريون قَالَ: قَالَ فهو مرفوع. قلتُ للبرقاني: أحسب أنَّ موسى عَنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة، فَقَالَ: كذا تحسب (٤١).

стр. 99

وَقَالَ ابنُ محرز سمعتُ يحيى بنَ معين يقولُ: قَالَ يحيى بنُ سعيد القطان: كلُّ حَدِيث سمعتُه مِنْ سفيان قَالَ: حدثني، وحدثنا إلا حديثين: سماك عَنْ عكرمة، ومغيرة عَنْ إبراهيم-ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتهما-، وكل حَدِيث شُعْبة قَالَ: حدثني وأخبرني، وكل حَدِيث عبيد الله قَالَ: حدثني، وأخبرني، فإذا حدثتك عَنْ أحد منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدثني ولا أخبرني، ولا حدثنا ولا أخبرنا، فَقَالَ حبيشُ بنُ مبشر- يفسر ذلك بحضور ابن معين -: هذا بمنزلة رجل قَالَ: حدثنا يزيد بن هارون، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، فإذا قَالَ بعد ذلك: حدثنا يزيد بن هارون عَنْ يحيى بن سعيد لم يحتج أن يقول: حدثنا يزيد، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، وَقَالَ عبد الله بن رومي اليمامي- بحضرة يحيى بن معين -: هو أن يقول فيه قَالَ: حدثنا، قَالَ: حدثنا، إذا قَالَ فلان، عَنْ فلان كَانَ كله حدثنا (٤٢). ٥ - ورودُ الحَدِيث بروايتين: قَالَ الخطيبُ البغداديّ: ((اختلافُ الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحَدِيث ضعفا لجواز أن يكون الصحابي يسند الحَدِيث مرة، ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى، ولا يرفعه، فَحُفِظَ الحَدِيث عنه على الوجهين جميعاً، وقد كَانَ سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرا في حديثه فيرويه تارة مسنداً مرفوعاً، وقفه مرة أخرى قصدا واعتمادا)) (٤٣). وكلام الخطيب هذا ليس قاعدةً مطردةً، بل قرينة يستفاد منها عند التساوي، ولذا رجح النقاد الوقف في بعض الاختلافات، وفي كتب العلل أمثلة كثيرة، وسيأتي بعضها. ٦ - حال المذاكرة: قَالَ ابنُ عبد البر: ((والإرسالُ قد تبعثُ عليه أمور لا تضيره مثل أنْ يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عَنْ المعزى إليه الخبر وصح عنده ووقر في نفسه فأرسله عَنْ ذلك المعزى إليه علما بصحة ما أرسله، ... أو تكون مذاكرة فربما ثقل معها الإسناد وخف الإرسال)) (٤٤).

стр. 100

وأنبه هنا أنَّ حال المذاكرة أخصّ من السبب المتقدم "طلبُ التخفيف وإيثار الاختصار"، فهذا ربما يكون في المذاكرة وغيرها فهو أعم. ٧ - أن يكون الراوي الوَاقِف أو المُرسِل غيرَ راضٍ عَنْ الراوي الرافع أو عمن أسقطه: فمثال الوقف صنيع شُعْبة مع حديث السّديّ وقد تقدم قريباً، وأمّا الإرسال فمن ذلك صنيع الإمام مالك: قال الدارقطني: ((أو تعمد (٤٥) إسقاط عاصم بن عبيد الله؛ فإن له عادة بهذا؛ أن يُسقط اسم الضعيف عنده في الإسناد؛ مثل عكرمة ونحوه)) (٤٦). وقد أشار إلى ذلكَ الشافعيُّ فَقَالَ-بعدَ نقلهِ قولاً لمالك-: ((وهو سيئ القول في عكرمة (٤٧)، لا يَرى لأحدٍ أن يقبلَ حَدِيثه، ... وَالعَجَبُ له أنْ يقولَ في عكرمة ما يقولُ، ثم يحتاج إلى شيء من علمهِ يوافق قوله ويسميه مرةً، ويروي عنه ظناً، ويسكت عنه مرةً فيروي عَنْ ثور بن يزيد عَنْ ابن عباس في الرضاع وذبائح نصارى العرب وغيره، وَسَكَت عَنْ عكرمة، وإنما حدّث به ثور عَنْ عكرمة)) (٤٨). وقَالَ ابنُ كثير -بعد ذكره قول الدارقطني: ((وقولهما أولى بالصواب من قول مالك)) (٤٩)، في ترجيح من وصل حديث"إنَّ اللهَ لما خلق آدم مسح بيمينه ميامنه فأخرج منها ذرية طيبة ... " على رواية مالك المرسلة-: ((الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدا لما جهل حال نعيم ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ويقطع كثيرا من الموصولات)) (٥٠). والإمام مالك بن أنس معروف عنه هذا التصرف فممن نص على هذا: - الشافعي قَالَ: ((الناسُ إذا شكوا في الحَدِيث ارتفعوا، وكان مالك إذا شك في الحَدِيث انخفض)) (٥١).

стр. 101

- وابن خزيمة قَالَ: ((وذكر لي السكري (٥٢) حديثا آخرا وهو خبر يعني رواه مالك عَنْ الزهري عَنْ حميد بن عبد الرحمن عَنْ أبي هريرة، روى الشافعي فَقَالَ عَنْ النبي ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة أو مع كل وضوء"، وهذا الخبر في الموطأ عَنْ أبي هريرة "لولا أن يشق على أمته، ورواه روح بن عبادة وبشر بن عمر وغيرهما عَنْ مالك كما رواه الشافعي ويشبه أن يكون مالك إذا شك في الشيء انخفض والناس إذا شكوا ارتفعوا)) (٥٣). - وابن حبان: قال - بعد روايته حديث "الشفعة فيما لم يُقْسم ... "-: ((رَفَعَ هذا الخبر عن مالك أربعةُ أنفس: ... ، وأرسله عن مالك سائرُ أصحابه، وهذه كانت عادةٌ لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مراراً، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى، عَلى حسب نشاطه، فالحكمُ أبداً لمن رَفَعَ عنه وأسند بعد أن يكون ثقةً حافظاً متقناً على السبيل الذي وصفناه في أول الكتاب)) (٥٤). -والدارقطني: قَالَ: ((رواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث واسقاط رجل)) (٥٥). - وأبو مسعود الدمشقي قَالَ: ((فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات)) (٥٦). - والعلائيُّ: قَالَ: ((الأمرُ السادس: أنْ ينظر إلى هذا الذي أرسل الحَدِيث فإن كَانَ إذا شرك غيره من الحفاظ في حَدِيث وافقه فيه ولم يخالفه، دلَّ ذلكَ عَلى حفظهِ، وإنْ كَانَ يخالفُ غيرهُ مِنْ الحُفّاظ فإنْ كانت المخالفة بالنقصان إمّا بنقصان شيء من متنه، أو بنقصان رفعه، أو بإرساله كَانَ في هذا دليل عَلى حفظهِ وتحريه كما كَانَ يفعله الإمام مالك ﵀ كثيراً)) (٥٧) -وابن حجر قَالَ: ((وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا)) (٥٨).

стр. 102

أمثلةٌ من قصر مالك بن أنس للأسانيد: - المثال الأوَّل: قَالَ ابن عبد البر: ((قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عَنْ حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٥٩)). وحديث أبي سعيد رواه مَالِك بن أنس، عَنْ زيد بن أسلم، عَنْ عطاء بن يسار؛ أن رَسُوْل الله ? قَالَ: ((إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل رَكْعَة، وليسجد سجدتين وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم، فإن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كَانَتْ رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)) (٦٠). - المثال الثاني: سئل الدارقطني عَنْ حَدِيث سعيد بن المسيب عَنْ معاذ "من صلى في فلاة من الأرض فلم يثوب بالصلاة صلى معه ملكان أحدهما عَنْ يمينه والآخر عَنْ شماله، وإنْ ثوب صلى معه من الملائكة أمثال الجبال" فَقَالَ: ((يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري واختلف عنه فرواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقولُ الليث أصح، ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل)) (٦١). - المثال الثالث: وسئل الدارقطني أيضاً عَنْ حَدِيث عَنْ نعيم بن عبد الله المجمر عَنْ أبي هريرة قَالَ رسول الله ﷺ : إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه في مصلاه حتى يصلي فَقَالَ: ((يرويه مالك بن أنس واختلف عنه فرواه أصحاب الموطأ عَنْ مالك عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة موقوفا ورواه إسماعيل بن جعفر وعثمان بن عمر عَنْ مالك مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وكذلك رواه محمد بن عمرو بن علقمة عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة ورفعه صحيح إلا أن مالكا وقفه في الموطأ)) (٦٢).

стр. 103

- المثال الرابع: قَالَ أبو مسعود الدمشقيّ -تعليقا على قول الدارقطني: وأخرج حَدِيث عبدة عَنْ عبيد الله عَنْ عبد الرحمن بن القاسم عَنْ أبيه عَنْ عائشة ﵂ " أن أسماء نفست بذي الحليفة" والصواب -فيما يقال- رواية مالك، عَنْ عبد الرحمن عَنْ أبيه أن أسماء ليس فيه عائشة-: ((إذا جَوَّد عبيد الله إسناد حَدِيث لم يحكم لمالك عليه فيما أرسله، فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات، وعبدة بن سليمان فثقة ثبت)) (٦٣). - المثال الخامس: قال ابن حجر في مقدمة الفتح: قَالَ الدارقطني: وأخرج البخاريّ حَدِيث الليث عَنْ خالد عَنْ سعيد بن أبي هلال عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك قَالَ وَقَالَ هشام بن سعد عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ حفصة عَنْ عمر، وَقَالَ روح بن القاسم عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر. قلتُ: الظاهر أنه كَانَ عند زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر وعن أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر لأن الليث وروح بن القاسم حافظان، وأسلم مولى عمر من الملازمين له العارفين بحديثه، وفي سياق حَدِيث زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة زيادة على حديثه عَنْ أبيه عَنْ عمر كما بينته في كتاب تغليق التعليق فدل على أنهما طريقان محفوظان، وأما رواية هشام بن سعد فإنها غير محفوظة لأنه غير ضابط، والله أعلم، وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا)) (٦٤). وفي الموطأ كثير من الأحاديث المرسلة والبلاغات، وتوجد موصولةً في الصحيحين، وغيرهما.

стр. 104

ـ [هل بالفعل أن هذا العلم (علم الحديث) علم يصعب على المرأة دراسته والغوص في أعماقه ؟ ]ـ الصعوبة والسهولة- في هذه المسألة- شيء نسبي، يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فربما تتفوق بعض النساء في هذا الفن - أو في جزء منه- على بعض الرجال، وإن كان العكس أكثر، فكثير من الرجال يتفوقون على النساء لأسباب وظروف لا تخفى. ومن خلال تدريسي لطلاب وطالبات الدراسات العليا كانت تمر علىّ بعض طالبات يفقن الطلاب، أو بعضهم، بل أذكرُ أنَّ طالبة درستها في مرحلة الدكتوراه فاقت الطلاب في معرفة علم العلل، والكلام على علل الأحاديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. ـ [بعض الرواة يذكر عنهم أن لهم مناكير عن شيخ معين، فهل بإمكان أحدنا أن يجمع رواياتٍ لذلك الراوي عن ذلك الشيخ، ويرى مخالفته وموافقته ... أم أن ذلك متروكٌ للأئمة ؟ ]ـ نعم بإمكان طالب العلم أن يجمع رواياتٍ لذلك الراوي عن ذلك الشيخ المعين، ويرى مخالفته وموافقته-سواء بالإسناد أو المتن- .. بحيث تكون هذه قرينة مساعدة في الحكم على هذا الراوي-وهذا القيد مهم-، وربما يدلك هذا الجمع على دقائق تتعلق بهذا الراوي ربما لا تستطيع الظفر بها لو لم تجمع أحاديثه. وبمثل هذا الجمع والسبر والتتبع تميز بعض الفضلاء في هذا العصر على غيرهم وأصبح عندهم ملكة ودقة في الكلام على الرجال والأحاديث، لأنَّ مسالة جمع الروايات والنظر فيها ليست سهلة كما يتصور بعضهم، بل تحتاج إلى جهد وصبر ودقة نظر، وطول تأمل. ومن المفيد هنا التنبيه أنّه في هذا العصر أنعم الله علينا بهذه البرامج الحاسوبية التي تمكنك من استعراض أحاديث الراوي في وقت وجيز- بشرط المعرفة الدقيقة بكيفية التعامل مع هذه البرامج، وتلافي عيوبها-.

стр. 105

ـ[لدى إشكال في حديث رواه الإمام أحمد في مسنده المجلد الخامس مسند البصريين حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن رجل منهم انه: أتى النبي ﷺ ف أسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه . فهل يحكم على مثل هذا الإسناد بالاتصال؟ وإن صح الحديث فما هو فقهه؟ ]ـ هذا الحديث أخرجه: ابن أبي شيبة في مسنده -كما في المطالب العالية (٩/ ٥٣٧) -قال: حدَّثنا وكيع بن الجراح. وأحمد بن حنبل في مسنده (٥/ ٢٤) قال: حدَّثنا محمد بن جعفر (٥/ ٣٦٣) قال: حدَّثنا وكيع. وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم٩٤١) قال: حدثنا أبو موسى أخبرنا محمد بن جعفر. كلاهما (محمد بن جعفر، ووكيع) قالا: حدَّثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأسْلَمَ عَلَى أنَّهُ لاَيُصَلِّي إِلاَّ صَلاَتَيْنِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ. وهذا الحديث إسناده صحيح متصل:

стр. 106

فشعبة وقتادة متفق على توثيقهما وجلالتهما، وقتادة معروف بالإرسال ويدلس فيتأنى في روايته، ولكن هذا الإسناد من رواية شعبة عنه، وشعبة لا يحدث عن شيوخه الذين ربما دلسوا إلا بما تحقق أنهم سمعوه، قال ابن حجر: «فالمعروف عنه أنه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه فقد روينا من طريق يحيى القطان عنه أنه كان يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال: سمعت وحدثنا حفظته وإذا قال: عن فلان تركته رويناه في المعرفة للبيهقي، وفيها عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبو إسحاق وقتادة، وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها» النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٣٠) وقال نحوا من ذلك في طبقات المدلسين (ص٥٨) وهو متصل إذ الصحيح أنّ التابعي الثقة إذا قال: حدثني رجل من الصحابة أو عن رجل من الصحابة ونحو ذلك أنه حجة ما لم تدل قرينة على غير ذلك. وقد قال الحميدي -شيخ البخاريّ-: «إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل» وفي هذه المسألة مناقشات مبسوطة في موضعها من كتب علوم الحديث، وقول نصر بن عاصم: «عن رجل منهم» يشعر بمعرفته الصحابي وبسماعه منه. وابن أبي عاصم ذكر هذا الحديث في مسند معاوية الليثي، وذكر قبله حديث قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن معاوية الليثي أن رسول الله ﷺ قال: يصبح الناس مجدبين فيأتيهم برزق من عنده فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فاستفاد من هذا الحديث أن الرجل المبهم في حديث الصلاة أنه معاوية الليثي، وهذا المأخذ- في رأيي - قوي إن سلم هذا الحديث من علة الاضطراب!. ونلحظ أنّ الإمام أحمد بن حنبل لم يذكر في مسند معاوية الليثي من مسنده إلا الحديث الثاني فقط والذي فيه التصريح باسمه، وكذلك فعل أبو داود الطيالسي في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير.

стр. 107

ملحوظة: أخرج الحديث أبونعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (رقم٧٣٠٣) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدَّثنا محمد بن جعفر قال: حدَّثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ ?، فَأسْلَمَ ألا يصلي إِلاَّ صَلاَتَيْنِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فقال: «إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس». وقوله: «إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس» زيادة غريبة وهي غير موجودة في المسند، ويظهر لي أنها زيادة تفسيرية من الراوي إمَّا من أبي نعيم أو من شيخه، والله أعلم. وأمَّا فقه الحديث: فيمكن إيجازه بالنقاط الآتية: ١ - هذا الحديث يتعلق «بفقه دعوة الكفار إلى الإسلام» وهو التدرج معهم وتأليف قلوبهم ولذا بوّب ابن حجر على الحديث بقوله: «باب التألف على الإسلام» كما في المطالب العالية (٩/ ٥٣٧)، وهنا يتفطن أنه ربما لا يفقه بعض الكفار الدين الإسلامي حقيقة أو يثقل عليه شيء منه ولكن ما إن يدخل في الإسلام وتستقر حلاوة هذا الدين في قلبه حتى يكون أشد حماسا وتمسكا من بعض المسلمين الأصليين، وهذا أمر مشاهد، وقال أبو داود في السنن: حدثنا الحسن بن الصباح أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم عن أبيه عن وهب قال: سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلمو". ٢ - وفي الحديث دليل على صحة الإسلام مع الشرط الفاسد فيقبل منه الإسلام قبولا مبدئيا ترغيبا له فيه ثم يرشد وينصح ويأمر بالخمس كلها لذا بوب مجد الدين ابن تيمية على هذا الحديث وغيره بقوله: «باب صحة الإسلام مع الشرط الفاسد» كما في المنتقى (٢/ ٤١٦٤) قلتُ: ويشبهه الشرط الفاسد في البيوع فيصح البيع مع فساد الشرط!.

стр. 108

٣ - وهذا الحديث يدخل في باب المصالح والمفاسد فمصلحة أن يسلم مع النقص الذي يرجى تكميله أولى من أن يبقى على الكفر المحض، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٢). ٤ - وللحافظ ابن رجب كلام جيد حول الحديث قال فيه: «ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا أن لا يزكوا ففي مسند الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليهم ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال سيتصدقون ويجاهدون وفيه أيضا عن نصر بن أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي ﷺ على أن لا آخر إلا قائما قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس ﵁ قال لم يكن النبي ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد ﷺ وبالإسلام وذلك قول الله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المجادلة وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه ﷺ أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة وكان من سأله عن الإسلام يذكر له

стр. 109

مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل ﵊ لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام» جامع العلوم والحكم (ص٨٤). ٥ - ومن خلال ما تقدم يتبين أن الكلام كله في الكافر الأصلي وأما لو جاءنا مسلم وقال: سأكتفي بصلاتين فقط لهذا الحديث، فنقول: إن هذا لا يقبل منه أبداً لما تقدم تقريره، والله أعلم. ـ[وددت بيان حكم هذا الحديث، مشفوعًا بكلام أهل العلم المتقدمين من جهة السند والمتن، إن كانت ثمت علل، وهو ما رواه أبوداود والترمذي والنسائي وأحمد (بأسانيدهم) عن أبي جريٍّ جابر بن سليم الهجيمي ﵁ قال: رأيت رجلاً يَصْدُرُ الناسُ عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صَدَرُوا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ . قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين. قال: "لا تقل: عليك السلام، فإِنّ عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك". قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟. قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرُّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنةٍ فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرضٍ قفراء أو فلاةٍ فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إليَّ. قال: "لا تسبَّنَّ أحداً، قال: فما سببت بعده حرّاً ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة. قال: "ولا تحقرنَّ شيئاً من المعروف، وإن تكلم أخاك وأنت منبسطٌ إليه وجهك؛ إنَّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإِن أبيت فإِلى الكعبين، وإياك وإسبال الإِزار فإِنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإِنما وبال ذلك عليه. ]ـ هذا الحديث من أوسع الأحاديث التي مرت عليّ من حيث الألفاظ والروايات، وهو جديرٌ بأن يفرد بجزء يجمع طرقه ورواياته وألفاظه - فمرة يروى مطولا ومرة مختصرا-، وكذلك يجمع أقوال النقاد في الكلام عليه!، خاصةً وأنَّ الحديث متضمن لوصايا عظيمة من لدن النبي ? لهذا الصحابي الجليل، وهذه الوصايا تشمل: -أموراً عقدية لذا خرجه بعض من كتب في عقيدة السلف منهم الدارمي في رده المريسي. -وأحكاماً شرعية من الأوامر والنواهي لذا خرجه من عني بأحاديث الأحكام. -وآدابا وأخلاقا زكية لذا خرجه من عني بأحاديث الآداب والفضائل والترغيب والترهيب. قال ابن عبد البر في ترجمة جابر بن سليم: «له حديث حسنٌ في وصية رسول الله إياه» الاستيعاب (١/ ٢٢٥).

стр. 110

وأمّا ما يتعلق بدرجة الحديث فالذي يظهر لي أنّ الحديث بالجملة صحيح وممن قواه من العلماء الذين وقفت عليهم: - الترمذيُّ قال -عن بعض طرقه-: «حديث حسن صحيح» -كما في جامعه (رقم٢٧٢٢) - - وصححه الدارمي كما في رده المريسي (عقائد السلف ص٤٠٧) - وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» المستدرك على الصحيحين (٤/ ٢٠٦). - والنووي قال: «رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح» - وصححه ابن القيم في زاد المعاد، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية. - وابن مفلح قال: «ولأبي داود بإسناد حسن» الآداب الشرعية (٢/ ١٢) - وقال العراقي: «إسناد جيد» تنبيهات: ١ - قلتُ -فيما تقدم-عن الحديث أنه صحيح بالجملة نظرا لأنَّ بعض طرق الحديث لا تخلو من مقال، فعليه لا بدّ من التأكد من صحة الطريق المعين، وقد أعلَّ البخاريّ بعض طرق الحديث فقال كما في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٥رقم٢٢٠٥): «جابر بن سليم أبو جرى الهجيمي حديثه في البصريين.
следующие страницы →