← Фатава

Фатава · id 4382

لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء

ملتقى أهل الحديث

Полный текст (753 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فشعبة وقتادة متفق على توثيقهما وجلالتهما، وقتادة معروف بالإرسال ويدلس فيتأنى في روايته، ولكن هذا الإسناد من رواية شعبة عنه، وشعبة لا يحدث عن شيوخه الذين ربما دلسوا إلا بما تحقق أنهم سمعوه، قال ابن حجر: «فالمعروف عنه أنه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه فقد روينا من طريق يحيى القطان عنه أنه كان يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال: سمعت وحدثنا حفظته وإذا قال: عن فلان تركته رويناه في المعرفة للبيهقي، وفيها عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبو إسحاق وقتادة، وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها» النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٣٠) وقال نحوا من ذلك في طبقات المدلسين (ص٥٨) وهو متصل إذ الصحيح أنّ التابعي الثقة إذا قال: حدثني رجل من الصحابة أو عن رجل من الصحابة ونحو ذلك أنه حجة ما لم تدل قرينة على غير ذلك. وقد قال الحميدي -شيخ البخاريّ-: «إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل» وفي هذه المسألة مناقشات مبسوطة في موضعها من كتب علوم الحديث، وقول نصر بن عاصم: «عن رجل منهم» يشعر بمعرفته الصحابي وبسماعه منه. وابن أبي عاصم ذكر هذا الحديث في مسند معاوية الليثي، وذكر قبله حديث قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن معاوية الليثي أن رسول الله ﷺ قال: يصبح الناس مجدبين فيأتيهم برزق من عنده فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فاستفاد من هذا الحديث أن الرجل المبهم في حديث الصلاة أنه معاوية الليثي، وهذا المأخذ- في رأيي - قوي إن سلم هذا الحديث من علة الاضطراب!. ونلحظ أنّ الإمام أحمد بن حنبل لم يذكر في مسند معاوية الليثي من مسنده إلا الحديث الثاني فقط والذي فيه التصريح باسمه، وكذلك فعل أبو داود الطيالسي في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير.

стр. 107

ملحوظة: أخرج الحديث أبونعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (رقم٧٣٠٣) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدَّثنا محمد بن جعفر قال: حدَّثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ ?، فَأسْلَمَ ألا يصلي إِلاَّ صَلاَتَيْنِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فقال: «إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس». وقوله: «إن يقبل منه، فإذا دخل في الإسلام أمر بالخمس» زيادة غريبة وهي غير موجودة في المسند، ويظهر لي أنها زيادة تفسيرية من الراوي إمَّا من أبي نعيم أو من شيخه، والله أعلم. وأمَّا فقه الحديث: فيمكن إيجازه بالنقاط الآتية: ١ - هذا الحديث يتعلق «بفقه دعوة الكفار إلى الإسلام» وهو التدرج معهم وتأليف قلوبهم ولذا بوّب ابن حجر على الحديث بقوله: «باب التألف على الإسلام» كما في المطالب العالية (٩/ ٥٣٧)، وهنا يتفطن أنه ربما لا يفقه بعض الكفار الدين الإسلامي حقيقة أو يثقل عليه شيء منه ولكن ما إن يدخل في الإسلام وتستقر حلاوة هذا الدين في قلبه حتى يكون أشد حماسا وتمسكا من بعض المسلمين الأصليين، وهذا أمر مشاهد، وقال أبو داود في السنن: حدثنا الحسن بن الصباح أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم عن أبيه عن وهب قال: سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلمو". ٢ - وفي الحديث دليل على صحة الإسلام مع الشرط الفاسد فيقبل منه الإسلام قبولا مبدئيا ترغيبا له فيه ثم يرشد وينصح ويأمر بالخمس كلها لذا بوب مجد الدين ابن تيمية على هذا الحديث وغيره بقوله: «باب صحة الإسلام مع الشرط الفاسد» كما في المنتقى (٢/ ٤١٦٤) قلتُ: ويشبهه الشرط الفاسد في البيوع فيصح البيع مع فساد الشرط!.

стр. 108

٣ - وهذا الحديث يدخل في باب المصالح والمفاسد فمصلحة أن يسلم مع النقص الذي يرجى تكميله أولى من أن يبقى على الكفر المحض، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٢). ٤ - وللحافظ ابن رجب كلام جيد حول الحديث قال فيه: «ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا أن لا يزكوا ففي مسند الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليهم ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال سيتصدقون ويجاهدون وفيه أيضا عن نصر بن أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي ﷺ على أن لا آخر إلا قائما قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس ﵁ قال لم يكن النبي ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد ﷺ وبالإسلام وذلك قول الله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المجادلة وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه ﷺ أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة وكان من سأله عن الإسلام يذكر له

стр. 109

مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل ﵊ لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام» جامع العلوم والحكم (ص٨٤). ٥ - ومن خلال ما تقدم يتبين أن الكلام كله في الكافر الأصلي وأما لو جاءنا مسلم وقال: سأكتفي بصلاتين فقط لهذا الحديث، فنقول: إن هذا لا يقبل منه أبداً لما تقدم تقريره، والله أعلم. ـ[وددت بيان حكم هذا الحديث، مشفوعًا بكلام أهل العلم المتقدمين من جهة السند والمتن، إن كانت ثمت علل، وهو ما رواه أبوداود والترمذي والنسائي وأحمد (بأسانيدهم) عن أبي جريٍّ جابر بن سليم الهجيمي ﵁ قال: رأيت رجلاً يَصْدُرُ الناسُ عن رأيه لا يقول شيئاً إلا صَدَرُوا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ . قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين. قال: "لا تقل: عليك السلام، فإِنّ عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك". قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟. قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرُّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنةٍ فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرضٍ قفراء أو فلاةٍ فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إليَّ. قال: "لا تسبَّنَّ أحداً، قال: فما سببت بعده حرّاً ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة. قال: "ولا تحقرنَّ شيئاً من المعروف، وإن تكلم أخاك وأنت منبسطٌ إليه وجهك؛ إنَّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإِن أبيت فإِلى الكعبين، وإياك وإسبال الإِزار فإِنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإِنما وبال ذلك عليه. ]ـ هذا الحديث من أوسع الأحاديث التي مرت عليّ من حيث الألفاظ والروايات، وهو جديرٌ بأن يفرد بجزء يجمع طرقه ورواياته وألفاظه - فمرة يروى مطولا ومرة مختصرا-، وكذلك يجمع أقوال النقاد في الكلام عليه!، خاصةً وأنَّ الحديث متضمن لوصايا عظيمة من لدن النبي ? لهذا الصحابي الجليل، وهذه الوصايا تشمل: -أموراً عقدية لذا خرجه بعض من كتب في عقيدة السلف منهم الدارمي في رده المريسي. -وأحكاماً شرعية من الأوامر والنواهي لذا خرجه من عني بأحاديث الأحكام. -وآدابا وأخلاقا زكية لذا خرجه من عني بأحاديث الآداب والفضائل والترغيب والترهيب. قال ابن عبد البر في ترجمة جابر بن سليم: «له حديث حسنٌ في وصية رسول الله إياه» الاستيعاب (١/ ٢٢٥).

стр. 110

وأمّا ما يتعلق بدرجة الحديث فالذي يظهر لي أنّ الحديث بالجملة صحيح وممن قواه من العلماء الذين وقفت عليهم: - الترمذيُّ قال -عن بعض طرقه-: «حديث حسن صحيح» -كما في جامعه (رقم٢٧٢٢) - - وصححه الدارمي كما في رده المريسي (عقائد السلف ص٤٠٧) - وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» المستدرك على الصحيحين (٤/ ٢٠٦). - والنووي قال: «رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح» - وصححه ابن القيم في زاد المعاد، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية. - وابن مفلح قال: «ولأبي داود بإسناد حسن» الآداب الشرعية (٢/ ١٢) - وقال العراقي: «إسناد جيد» تنبيهات: ١ - قلتُ -فيما تقدم-عن الحديث أنه صحيح بالجملة نظرا لأنَّ بعض طرق الحديث لا تخلو من مقال، فعليه لا بدّ من التأكد من صحة الطريق المعين، وقد أعلَّ البخاريّ بعض طرق الحديث فقال كما في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٥رقم٢٢٠٥): «جابر بن سليم أبو جرى الهجيمي حديثه في البصريين.

стр. 111

- قال لي عبد الله بن أبي شيبة العبسي نا خالد بن مخلد سمع عبد الملك بن حسن الحارثي سمع سهم بن المعتمر عن الهجيمي أنه لقي النبي ﷺ وإذا هو متزر بإزار قطن - وقال لنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد السلام بن غالب وقال موسى وخالفنا بعضهم فقال عبد السلام بن عجلان سمع عبيدة سمع جابر أبا جرى الهجيمي قال: رأيت النبي ﷺ وعليه بردة له من صوف فقال: لا تحقرن من الخير شيئا ولو تصب فضل دلوك في إناء المستسقي. - وقال لنا موسى حدثنا يونس بن أبي الفديك سمع محمد بن سيرين عن الهجيمي أن النبي ﷺ احتبى ببردة وهدبتها على قدميه. - وقال لنا موسى حدثنا عيسى بن المنهال سمع غالبا عن الحسن أن النبي ﷺ قال: يا جابر بن سليم لا تحقرن شيئا من المعروف. - وقال الحكم بن المبارك حدثنا داود سمع حبيب المعلم عن أبي رجاء العطاردي عن سليم بن جابر قال: قال النبي ﷺ مثله والأول أصح. - وقال لنا موسى حدثنا سلام بن مسكين عن عقيل بن طلحة السلمي حدثني أبو جرى قال: قال النبي ﷺ : لا تحقرن من المعروف. - وقال وكيع عن سلام عن عقيل عن أبي جزي وهو وهم - حدثني عمرو بن علي قال نا عبد العزيز بن عبد الصمد قال نا يونس بن عبيد عن عبيدة عن جابر بن سليم أتيت النبي ﷺ » ٢ - توسع النَّسَائِي في ((سننه الكبرى)) (٨/ ٤٣١رقم٩٦١١/ كتاب الزينة، وفي عمل اليوم والليلة) في ذكر طرق الحديث وألفاظ المتن.

стр. 112

٣ - الضمير في قوله: «فدعوته» في المواضع الثلاثة يعود على الله قولا واحدا أي: «أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرُّ فدعوته-أي الله- كشفه عنك، ... » بدلالة السياق وكذلك النصوص القطعية من القرآن والسنة الدالة على المنع من دعاء غير الله، وأنَّ من دعا غير الله فقد أشرك قال تعالى: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً»، وقال تعالى: «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ» والآيات في هذا المعنى كثيرة. ـ[عندي إشكال بسيط وهو أن الشيخ الألباني ﵀ قد ضعف حديث الجارية والذي فيه: أين الله؟ قالت: في كل مكان وهذا موجود في ضعيف أبي داود مع أن الحديث موجود في صحيح مسلم فهل الشيخ ﵀ فعلا يضعف الحديث أم أنه رجع عن ذلك أم ماذا؟ ]ـ أولا: أنبه أنّ لفظ الحديث: «أين الله؟ قالت: في السماء .. » فيبدو أن السائل وهم في لفظ الحديث في قوله: «قالت: في كل مكان»، وهو على الصواب في ضعيف أبي داود. ثانياً: الذي ضعفه الشيخ ليس في صحيح مسلم بل رواية أخرى للحديث من طريق المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء يعني أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة، ضعيف أبي داود [جزء ١ - صفحة ٣٣١].

стр. 113

وأمّا الذي في صحيح مسلم فقد جاء من طرق عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ وفيه)) وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدم، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ?، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عليَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: ائْتِنِي بِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)). وهذه الرواية صححها الشيخ الألباني في عدد من كتبه. ـ [هل حديث الشجة المشهور متفق على ضعفه ؟ وما علته؟ وهل له شواهد تقويه؟ ]ـ يقصد الأخ السائل-وفقه الله- الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه (٣٣٦) قال: حدَّثنا مُوسَى بن عَبْد الرَّحْمن الأَنْطَاكِي، حدَّثنا مُحَمد بن سَلَمَة، عن الزُّبَيْر بن خُرَيْق، عن عَطَاء، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِرَ، أَوْ يَعْصِبَ، (شَكَّ مُوسَى) عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. )) ..

стр. 114

والحديث مختلف في صحته فمن النقاد من قواه، ومنهم من ضعفه، فممن قواه-أو قوى بعض طرقه- ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الملقن -كما في البدر المنير (٢/ ٦١٥) -ويلاحظ أن غالب المقوين للحديث ممن لا يلتفت للعلل الدقيقة والعلة هي السبب الرئيس لضعف هذا الحديث في نظري، وممن ضعفه الدارقطني، وقال البيهقي: «ولم يثبت في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن رباح مع الاختلاف في إسناده ومتنه» معرفة السنن والآثار (١/ ٣٠١). وعلته أنَّ الزُّبَيْر بن خُرَيْق مع لينه خالف الأوزاعي في إسناده ومتنه، وقد بين هذا الدارقطني فقال في السنن (١/ ٣٥٠): «قال أبو بكر: هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهلُ الجزيرة. لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس واختلف على الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء، وقيل عنه بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي ﷺ وهو الصواب» قلتُ: وأبو بكر الذي نقل عنه الدارقطني في أول الكلام شيخه عبد الله بن سليمان السجستاني وهذا الحديث من روايته عنه. فالخلاصة أن حديث الشجة لا يصح، ولا أعرف للحديث شواهد قوية يعتضد بها. ومما ينبغي التفطن له أن بعض الباحثين يورد الاختلافات الواقعة في رواية عطاء ظانا أنها من قبيل المتابعات والشواهد، وهي في الحقيقة تزيد الحديث وهنا!!، وهذا الذي يجعلنا نحث الأخوة على العناية بعلم علل الحديث، ونقرر أنه لا يجوز لمن جهل هذا الفن أن يحكم على الأحاديث، لأنه سوف يصحح أحاديث متفق على ضعفها، ويضعف أحاديث صححها من تقدم، ومن هنا أوتي بعض الفضلاء الذين اشتغلوا بالتصحيح والتضعيف دون تحديد منهجية ثابتة لهم في باب علل الحديث.

стр. 115

ـ[أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري،، (الجزء العاشر، صفحة ٧٣٥، حديث ٦٢٢١)،،،، حديثاً نقله عن التهذيب للطبري وجود إسناده، ونص الحديث: عن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي ﷺ فقال: الحمد لله، فقال له النبي: يرحمك الله، وعطس آخر، فقال: الحمد لله رب العالمين حمدا طيبا مباركا فيه، فقال: ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة". إلا أني بعد البحث لم أجد للأسف متن الحديث، وحقيقة لا أدري ربما يكون من القسم المفقود للتهذيب (المخطوط)، ف هل لنا أن نورد الحديث ونحكم بصحة الحديث ونحن لم نرى متنه ؟ ]ـ يبدو أن كلمة (الإسناد) تصحفت إلى (متن) في سؤال الأخ -بارك الله فيه- فيكون صواب السؤال: إلا أني بعد البحث لم أجد للأسف إسناد الحديث، .. فهل لنا أن نورد الحديث ونحكم بصحة الحديث ونحن لم نرى إسناده؟ لأن متن الحديث مذكور في السؤال، والذي لم يذكر الإسناد فقط. وعلى كل حال لا بد للحكم على الحديث من نظرين: -نظر في الإسناد ومدى استيفائه لشروط القبول. -ونظر في المتن للتأكد من سلامته من النكارة والشذوذ. وعليه في مثل هذه الحالة نتوقف عن الحكم حتى نجد علما. وفي مسألتك نجد أنّ الحافظ ابن حجر قد كفاك مؤنة الحكم على الإسناد فقال: «خرج أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به عن أم سلمة قالت ... »، وهنا خرجت أنت من العهدة بنقلك كلام ابن حجر، ومن أحيل على مليء فليتبع!. ـ[وهو في مسألة تقسيم أئمة الجرح والتعديل إلى متشدد ومعتدل ومتساهل ، فإن بعضهم ينكر ذلك، وأذكر أن أحدهم وضع بحثاً مطولاً في هذا الملتقى ليثبت بطلان هذا التقسيم. السؤال: هل في هذا التقسيم إشكال؟ ]ـ لا إشكال عندي في هذا التقسيم، بل هذا يدل عليه متفرقات من كلام أئمة الحديث المتقدمين، وكثير من تطبيقاتهم العملية، وحكاياتهم وقصصهم النقدية تدل على هذا دلالة واضحة، ومما يحضرني في هذا قول علي بن المديني: «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد» تاريخ بغداد [جزء ١٠ - صفحة ٢٤٣]. وقال علي بن المديني: «سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ فقال: لا بل أشدد، قال: ليس هو ممن تريد كان» العلل الصغير (ص٧٤٤).

стр. 116

وقال ابن المديني أيضا: «أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال هؤلاء لا يدعون أحدا إلا وقعوا فيه» تهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٨). قال الذهبي: «يعني أنه لا يختار قولهما في الجرح لتشديدهما، فأما إذا وثقا أحدا فناهيك به» سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٥٠). وقال أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدم من البصرة: لم لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نهيت، فقال: إنّ عفّان كان يرضى عمرو بن مرزوق ومن كان يرضي عفّان!. انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٣رقم١٤٥٦)، وقال أبو زرعة عن فضيل بن سليمان: «لين الحديث روى عنه علي بن المديني وكان من المتشددين» الجرح والتعديل (٧/ ٧٢) ولكن مما ينبغي معرفته أن قولنا فلانٌ متشدد ومعتدل ومتساهل أنه نتيجة مبنية على مقدمات، وتحتاج إلى ضوابط وهنا-في رأيي- موطن الإشكال والاختلاف: فكيف عُرف أنّ فلانا متشدد ومعتدل ومتساهل؟ وهل هذا التشدد في العبارة أو في الحكم أو في كليهما؟ وهل هو مطرد في جميع الرواة أو فيه تفصيل فتارة يتشدد وتارة يتساهل؟ أوربما تشدد في بلد دون بلد أو مذهب دون مذهب أو فئة من الرواة-مثل الذين يدخلون على السلاطين، أو قالوا بخلق القرأن كرها- دون غيرهم؟ فمثل هذه القضايا لا بدَّ من مراعاتها وتحقيقها جيدا للوصول للنتيجة السابقة ووضع الضوابط والمحترزات التي تضبط هذه المسألة. ومن أجود ما قرأت في الإشارة إلى هذا ما قاله العلامة المعلميّ بقوله: «ما اشُتهر أنَّ فلاناً من الأئمة مُسَهِّل، وفلاناً مُشّدِّد، ليس على إطلاقه، فإنَّ منهم من يُسهل تارةً، ويُشدد أُخرى، بحسب أحوال مختلفة، ومعرفةُ هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلاَّ باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام». وهذا كلام نفيسٌ للغاية، جديرٌ بالعناية.

стр. 117

وأمَّا نصوص المتأخرين من العلماء في تقرير هذا فهي كثيرة، ومن أشهرها أقوال الذهبي في عدد من كتابه منها قوله في الموقظة (ص ٨٣ - ٨٤): ((فمنهم من نفسه حاد في الجَرْح، ومنهم من هو معتدل، ومنهم من هو متساهل، فالحاد فيهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خراش، وغيرهم، والمعتدل فيهم: أحمد بن حنبل، والبخَاريّ، وأبوزرعة، والمتساهل: كالترمذي، والحاكم، والدارقطنيِّ في بعض الأوقات)). وقال في موضعٍ آخر: ((والكلُّ أيضاً على ثلاثة أقسام: قسمٌ منهم متعنِّت في الجَرْح، متثبِّت في التَّعديل، يغمزُ الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُليِّنُ بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصاً فعضَّ على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يُوثق ذاك أحدٌ من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلاَّ مفسراً، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين، وأبو حاتم، والجُوْزَجانيّ: متعنتون، وقسمٌ في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون، وقسمٌ كالبخَاريّ، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عديّ: معتدلون منصفون)) ذكر من يعتمد قوله في الجَرْح والتَّعديل ص ١٧٠ - ١٧١.

стр. 118

ـ[بخصوص أبي الفتح الأزدي ذكر ابن حجر في عدة مواضع من هدي الساري في الفصل المتعلق بالرواة المتكلم فيهم الذين روى لهم البخاري .. أن أبو الفتح لا يعتدّ بتضعيفه ! وذكر أن ذلك راجع إلى أن أبو الفتح ضعيف فكيف يضعف الثقات!! وكأنه ﵀ جعل ذلك قاعدة عامة!. . الشق الأول من السؤال: هل يصح تعليل ابن حجر في أبي الفتح الأزدي؟. . الشق الثاني: هل تصح هذه قاعدة عامة حيث يقال (تضعيف الضعيف للثقة لا يعتد به)؟. . الشق الثالث من السؤال: كنت سمعت في أشرطة الشيخ عبد الله السعد - حفظه الله - ذكره لطبقات النقاد، من ناحية التساهل والتشدد والاعتدال، فذكر الشيخ ضمن طبقة المتشددين أبو الفتح الأزدي، وقال الشيخ بعبارة صريحة واضحة (كلام أبو الفتح الأزدي ينظر فيه ولا يعتد به) وعلل ذلك بكون أبو الفتح من المتشددين في الجرح والتعديل .. فهل العلتان مجتمعة في أبي الفتح الأزدي أم أن إحداهما مترجحة على الأخرى، وما هي؟. . من ضمن المواضع التي ذكر ابن حجر كلامه في أبو الفتح الأزدي صـ٤٠٠ من هدي الساري، النسخة السلفية البازية القديمة المشهورة! ]ـ أبو الفتح الأزدي هو: محمد بن الحسين الموصلي، نزيل بغداد، مات سنة (٣٧٤) له مصنف كبير في الضعفاء، قال الذهبي: «وعليه في كتابه في الضعفاء مؤاخذات فانه ضعف جماعة بلا دليل بل قد يكون غيره قد وثقهم» سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٤٨) وقد تكلم فيه بعض النقاد بسبب الغرائب والمناكير التي يرويها، وأسباب أخرى ليس موضع ذكرها ومناقشتها، قال الخطيب البغدادي: «في حديثه غرائب ومناكير وكان حافظا صنف كتابا في علوم الحديث وسألت محمد بن جعفر بن علان عنه فذكره بالحفظ وحسن المعرفة بالحديث وأثنى إليه قال أبو النجيب الأرموي رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح الأزدي جدا ولا يعدونه شيئا قال وحدثني محمد بن صدقة الموصلى إن أبا الفتح قدم بغداد على الأمير يعني ابن بويه ووضع له حديثا أن جبرائيل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ في صورته قال فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة قال وسألت أبا بكر البرقاني عن أبي الفتح الأزدي فأشار إلي أنه كان ضعيفا وقال رأيته في جامع المدينة وأصحاب الحديث لا يرفعون به رأسا ويتجنبونه» تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٤). ولشيخنا وزميلنا الدكتور: عبد الله السؤالمة رسالة بعنوان: «الحافظ أبو الفتح الأزدي بين الجرح والتعديل» نُشرت في مجلة كلية التربية، جامعة الملك سعود، ١٤١٢هـ.

стр. 119

خلاصة ما ذهب إليه أنّه لا يقبل قول الأزدي إذا عارض قول غيره من كبار النقاد-وكثيرا ما ينبه الذهبي وابن حجر على هذا في كتبهم خاصة في الميزان، ومقدمة الفتح-، ويقبل قوله في المجهولين الذين لا يوجد فيهم كلام. قلتُ: يؤيد هذا أنّ الحفاظ ينقلون كلامه في كتب الرجال، وعده الذهبي من النقاد الذين يعتد بقولهم في نقد الرواة، فقد ذكره في رسالته "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" فالقول بأنَّ (تضعيف الضعيف للثقة لا يعتد به) كلام صحيح ويؤيده أقوال النقاد المتقدمين منها قول أحمد بن حنبل لما سأله أبو داود عن عمير بن سعيد قال: لا أعلم به بأسا، قلت له: فإن أبا مريم-يقصد عبد الغفار بن القاسم- قال: تسلني عن عمير الكذاب قال: وكان عالما بالمشايخ فقال أحمد: حتى يكون أبو مريم ثقة. سؤالات أبي داود (ص٢٩٢رقم٣٤٢)، والضعفاء للعقيلي (٣/ ١٠١). فاجتمع في الأزدي العلتان: تشدده في الرواة من جهة، ونقص في مكانته من جهة الضبط والحفظ من جهة أخرى، فإذا وافق غيره يستفاد من كلامه -وهو ما يعمله الحفاظ حيث ينقلون كلامه في كتب الرجال-.

стр. 120

ـ[ما رأيك في من يضعف حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله قال: من عادى لي وليّاً؛ فقد آذنته بالحرب . . . وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَته)). رواه البخاري (٦٥٠٢). واستند إلى قول الذهبي في الميزان عند ترجمة خالد بن مخلد القطواني بعد أن ساق هذا الحديث: " فهذا الحديث غريب جداً, لولا هيبة الجامع الصحيح لعدّوه من منكرات خالد بن مخلد, وذلك لغرابة لفظه, ولأنه مما ينفرد به شريك, وليس بالحافظ, ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد, ولا خرجه من عدا البخاري, ولا أظنه في مسند أحمد" أهـ. ثم سرد قول من يضعف خالد هذا: قال ابن سعد: كان متشيعا منكر الحديث، في التشيع مفرطا، وكتبوا عنه للضرورة. قال الجوزجاني: (كان شتاماً معلنا لسوء مذهبه. ) قال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب ـ يعنى بالمثلثة لا بالنون ـ. ). . وحكى أبو الوليد الباجي في " رجال البخاري " عن أبى حاتم أنه قال: لخالد بن مخلد أحاديث مناكير ويكتب حديثه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: له أحاديث مناكير. ثم ذكر أن في الإسناد شريكا وهو متكلم فيه من جهة حفظه والسؤال: هل الحديث كما ذكر؟ ثم هل هناك كلام للأئمة المتقدمين في هذا الحديث؟ ]ـ قبل أن أجيب عن هذا السؤال بعينه أنبه أنَّ هذا السؤال يتعلق بمسألة كثر الخوض فيه في هذا الزمان بعلمٍ تارة وبجهل تارات، وبقصد حسن تارة وبقصد سيئ تارات وهي هل في الصحيحين أحاديث ضعيفة؟ وهل هما بمعزل عن النقد؟ وماذا يفسر صنيع الحفاظ الذين نقدوا بعض الأحاديث؟ وأوجز الكلام على هذه المسألة في نقاط:

стр. 121

١ - أن غالب من ينتقد أحاديث الصحيحين في هذا العصر لا يظهر منهم العمق العلمي والنفس الحديثي الذي يمكنهم من نقد أحاديث الصحيحين بموضوعية ونصفة وعدل!، ويظهر ذلك من خلال الخوض معهم في تفصيلات النقد الحديثي ودقائق العلل ولذا ربما قال بعضهم عن حديث أخرجه البخاري في صحيحه: فيه فلان ضعفه ابن حجر!! مغفلا جميع القرائن التي احتفت بالخبر والتي يراعيها كبار الأئمة خاصة صاحبا الصحيح، وربما سمعنا من بعضهم أن عددا من المحدثين- مثل: ابن عمار الشهيد، والدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي، والغساني وغيرهم، - انتقدوا أحاديث في صحيحين فإذا سألتَ هذا القائل عن نوعية نقد هؤلاء الأعلام للأحاديث؟، وهل له أثر على الحديث صحة وضعفا؟ وهل يلزم منه الرد أو أنه راجع إلى الصناعة الحديثية؟ لا تجد في الغالب كلاما علميا يوثق به، بل يلقون مثل هذه الشبه بدون خوض في التفصيلات، وربما لا يعرف بعضهم اسم الكتاب الذي ألفه الناقد ولم يره في حياته، وهذه الصفة تغلب على العصرانيين ومقلديهم والمتأثرين بهم. وهذه النقطة تجر إلى النقطة الثانية وهي:

стр. 122

٢ - أنه ينبغي أن يبين للمخالف أنّ دفاعنا عن الصحيحين ليس عاطفة وتقليدا محضا، أو دعوى أن صاحبي الصحيح معصومان-كما قد يظن البعض وربما صرح بعضهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم، فأهل السنة ليس عندهم معصوم إلاّ الرسل والأنبياء في تبليغ الرسالة-، بل دفاعنا عن الصحيحين نتاج معرفتنا بواقع الكتابين ودقة المنهجية التي سلكها مؤلفا الكتاب، وشدة تحريهما في تحقيق شرطهما، والنقد التفصيلي يدل على هذا، بل ويدعو للإعجاب والثقة بهذين الكتابين حتى نالا لقب أصح الكتب بعد كتاب الله، وحظيا بقبول الأمة- بالجملة - ومما يدل على أهمية سلوك هذا المنهج في مناقشة الأحاديث المنتقدة أن بعض من يتبنى هذا التوجه يتفاجأ بهذه التفصيلات الدقيقة، ويصرح بأنه لأوَّل مرة يسمعها، وأن الذي تعلمه أن سبب التعظيم لهذين الكتابين التقليد والعاطفة فحسب!. ومن نعم الله أنَّ الدراسات العلمية الدقيقة والموضوعية حول الصحيحين أثبتت هذا بجلاء، ومن خلال إشرافي على رسالة لأحد طلابي والتي بعنوان: «أحاديث الصحيحين التي أعلها الدارقطني في كتابه"العلل"وليست في"التتبع" من أول حديث أبي بكر الصديق إلى نهاية حديث أبي سعيد الخدري _جمع وتخريج ودراسة» تأكد لي أنّ جل الانتقادات منصبة على الصناعة الحديثية-بغض النظر عن أيهم المصيب- وأما المتون فهي صحيحة. ٣ - ومما أبينه هنا أنَّ للبخاريّ وكذلك مسلم عند تخريج الحديث نظرات عديدة أبرزها: - نظرة في شيوخ الراوي. - نظرة في تلاميذ الراوي. - نظرةٌ في متن الحديث المراد تخريجه من حيث كونه في الأصول أو في المتابعات أو الشواهد ونحو ذلك، وهل هو في الأحكام أم في الرقاق.

стр. 123

وله في كل ذلك نكت حديثية دقيقة بديعة!، ومن هنا يُعلم أنّ وصفَ حديثٍ ما بأنه على شرط الشيخين أو شرط البخاري أو مسلم أمرٌ في غاية الصعوبة، وقد قال ابن الأخرم ـ وهو من كبار الحفاظ-: «قلَّ ما يفوت البخاري ومسلم حديث على شرطهما»، وقال ابنُ حجر: «وقرأتُ بخط بعض الأئمة أنه رأى بخط عبد الله بن زيادن المسكي قال: أملى على الحافظ أبومحمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي سنة خمس وتسعين وخمسمائة قال: نظرت إلى وقت إملائي عليك هذا الكلام فلم أجد حديثاً على شرط البخاري ومسلم لم يخرجاه إلا أحاديث: (١) حديث أنس"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة". (٢) وحديث الحجاج بن علاط لما أسلم. (٣) وحديث علي "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع" النكت لابن حجر (١/ ٣١٣). ولابن عبد البر كلامٌ نحو هذا. قال ابن عبد الهادي: «واعلم أن كثيرا ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له ولا يخرجون حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه ولا معروف بضبط حديثه أو لغير ذلك فيجيء من لا تحقيق عنده فيرى ذلك الرجل المخرج له في الصحيح قد روى حديثا عمن خرج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل فيقول هذا على شرط الشيخين أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة وهذا فيه نوع تساهل فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون على شرطهما» الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص٢٥٦) ٤ - ومما ينبغي التفطن له أنّ من منهج الإمامِ البخاريّ في الرواية عن شيوخه المتكلم فيهم أنْ ينتقي من أصولهم ما صحَّ من حديثهم، ومما يدل على ذلك:

стр. 124

- قول البخاريّ: ((كَانَ إسماعيلُ بنُ أبي أُويس إذا انتَخَبتُ مِنْ كِتابهِ، نَسَخَ تلك الأحاديثَ لنفسِهِ، وَقَالَ: هذه الأحاديثُ انتخبها مُحَمَّد بنُ إسماعيل مِنْ حَدِيثي)). انظر: "تاريخ بغداد" (٢/ ١٩)، "تاريخ مدينة دمشق" (٥٢/ ٧٧). - وقول البخاريّ أيضاً: قَالَ لي مُحَمَّد بنُ سَلاَم: انظرُ في كتبي فما وجدتَ فيها من خطأ فاضرب عليه كي لا أرويه، فَفَعلتُ ذلكَ. "تاريخ مدينة دمشق" (٥٢/ ٧٧)، "مقدمة فتح الباري" (ص٤٨٣). - قول الحافظ ابن حجر في "مقدمة الفتح" (ص٣٩١): ((روينا في "مناقبِ البخاريِّ" بسندٍ صحيحٍ أنّ إسماعيلَ أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأنْ يعلمَ لهُ على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعرٌ بأنَّ ما أخرجه البخاريُّ عنه هُو مِنْ صحيحِ حديثه لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه)). -وقال أيضاً في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٢٨٨): ((الذينَ انفردَ بهم البخاريُّ ممنْ تُكُلمُ فيهِ أكثرهُمْ مِنْ شيوخهِ الذينَ لَقِيهم، وَعَرَفَ أحوالَهُم، وَاطلع عَلَى أحاديثهم فميّز جيدها مِنْ رديها بخلافِ مُسلم، فإنَّ أكثرَ مَنْ تفردّ بتخريجِ حَدِيثه ممن تُكُلمُ فيه مِنْ المتقدمين، وقد أخرج أكثر نسخهم كما قدمنا ذكره. ولا شكَ أنَّ المرءَ أشدّ معرفة بحديثِ شيوخهِ، وبصحيحِ حَدِيثهم مِنْ ضعيفه ممن تقدم عَنْ عصرهم)). وقال نحوه في "مقدمة الفتح" (ص١٢). وانظر: "مقدمة الفتح" (ص٣٨٧، ٣٨٨، ٤١٣)، "فتح المغيث" (١/ ٢٩).

стр. 125

وكذلك الانتقاء من منهج مسلم في صحيحه قال ابن القيم: «ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سئ الحفظ فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان» قلتُ: وَمَنهجُ انتقاء ما صحَّ من مرويات المجروحين مما في أصولهم منهجٌ لكبار نقاد الحديث؛ ومما يدل على ذلك: قولُ البرذعيّ رأيتُ أبا زُرْعةَ يسيىءُ القولَ فيه-أي في سُوَيد بنِ سَعِيد- فقلتُ له: فأيش حَاله؟ قَالَ: أمَّا كُتُبهُ فَصِحَاحٌ، وكنتُ أتتبعُ أصولَهُ وَأكتبُ مِنْها، فَأمَّا إذا حدّثَ مِنْ حفظهِ فلا. سؤالات البرذعي (ص٤٠٩).

стр. 126

ولابن القيم كلام متين في هذه المسألة قال فيه: «وربَّما يظنُّ الغالط الذي ليس له ذوق القوم ونقدهم أَنَّ هَذَا تناقض مِنْهُم، فإنهم يحتجون بالرَّجل ويوثقونه فِي موضع، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجُّون به فِي موضع آخر. ويقولون إن كَانَ ثقة وجب قبول روايته جملة، وإن لم يكن ثقة وجب ترك الاحتجاج به جملة. وهذه طريقة فاسدة مجمع بين أهل الحديث عَلَى فسادها، فإنهم يحتجُّون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس أوانفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه. إذ الغلط فِي موضع لا يوجب الغلط فِي كل موضع والإصابة فِي بعض الحديث أو فِي غالبه لا توجب العصمة من الخطأ فِي بعضه ولا سيما إذا علم من مثل هذا أغلاط عديدة ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه عليه فإنه يغلب عَلَى الظن أو يجزم بغلطه. وهنا يعرض لمن قصر نقده وذوقه هنا عَنْ نقد الأئمة وذوقهم فِي هذا الشأن نوعان من الغلط ننبه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما: - - أحدهما: - أن يرى مثل هذا الرجل قد وثق وشهد له بالصدق والعدالة أو خرج حديثه فِي الصحيح فيجعل كل ما رَواهُ عَلَى شرط الصحيح، وهذا غلط ظاهر فإنه إِنَّمَا يكون عَلَى شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة وتوبع عليه فأما مع وجود ذَلِكَ أو بعضه فإنه لا يكون صحيحاً ولا عَلَى شرط الصحيح. ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه فِي تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم فِي صحيحه، علم إمامته وموقعه من هذا الشأن وتبين به حقيقة ما ذكرنا.

стр. 127

- النوع الثاني من الغلط: - أن يرى الرجل قد تكلِّم فِي بعض حديثه وضعِّف فِي شيخ أو فِي حديث فيجعل ذَلِكَ سببا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم وهذا أَيْضَاً غلط فان تضعيفه فِي رجل أو فِي حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقاً. وأئمة الحديث عَلَى التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثِّقَات. وهذه كلمات نافعة فِي هذا الموضع تبين كيف يكون نقد الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه «ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورَاً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ» انتهى من كتاب الفروسية (ص٢٤٢). وانظر: "العلل الكبير" للترمذي (ص ٣٩٤ تحقيق: السامرائي) "الجرح والتعديل" (٥/ ١٤٧)، "زاد المعاد" (١/ ٣٦٤)، "شرح علل الترمذي" (١/ ٤٢٠)، "التنكيل" للمعلمي (١/ ١٢٣). ٥. ومما ينبه عليه أنّ الأحاديث في الصحيحين على قسمين:

стр. 128

١ - قسم تكلم فيه أئمة الحديث وكبار النقاد سواء من حيث الصناعة الحديثية -وهو الغالب على كلام أئمة الحديث الذين لهم تعقبات وتتبعات على الصحيحين ممن تقدم ذكره- أو من حيث نقد بعض الأحاديث جملة-وهو قليل ونادر- أو من حيث نقد بعض الألفاظ فهذه سبيله النظر في الخبر وما أحتف به من قرائن ووجه النقد ومن ثمّ الموازنة، والترجيح، وكلّ حديث له نَظَرٌ خَاص، فكيفما دار طالب العلم دار على ملي، ومن أحيل على ملي فليتبع!. قال ابن حجر: «ينبغي لكل منصف أنْ يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهي ما ادَّعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإنَّ هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التَّلقي ما حصل لمعظم الكتاب وقد تعرَّض لذلك ابن الصلاح في قوله "إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره" وقال في مقدمة شرح مسلم له: ما أخذ عليهما يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، انتهى. ٢ - قسم لم يتكلم فيه أحد من أئمة الحديث المتقدمين وكبار النقاد فهذا القسم لا يقبل الكلام عليه من المعاصرين، ولو تأمل الأخ السائل عبارة الذهبي وهي قوله: «لولا هيبة الجامع الصحيح ... » فالذهبي على جلالته وبراعته في هذا الفن يقول مثل هذا، لمَّا لم يتبين له وجه إخراج البخاري لهذا الحديث لم يضعفه كما يفعل بعض المعاصرين، ومع ذلك أرى أن من يتكلم في الصحيحين من الأخوة الذين يريدون الحق ولكن عندهم نقص في دقائق الحديث أن يتلطف معهم ويرفق بهم ويعلمون ما تقدم ذكره، وتسهل لهم العبارة وتوضح لهم شروط صاحبي الصحيح وشيء من دقيق مسالكهما .. وهذا هو المطلوب، والهداية والتوفيق من الله.

стр. 129

إذا تبين ما تقدم سهل الإجابة عن هذا السؤال بعينه وهو تفرد البخاري بهذا الحديث وما نقله الأخ السائل-بارك الله فيه- من كلام حول هذا الحديث: وهنا لنا نظران: -النظر الأوَّل: تحقيق القول في حال خالد بن مخلد القطواني وهل هو ثقة أم لا أم فيه تفصيل؟ وكيفية رواية البخاري عنه؟ وكم روى له، ومن هم شيوخه وتلاميذه الذين اعتمدهم في الرواية عنه؟ وهل هو من شيوخه الذين ميز أحاديثهم أم لا؟ وما هو السر في أنّ البخاري يروي عنه مباشرة وأحيانا يروي عنه بواسطة؟! فيلاحظ عناية البخاري بالرواية عنه، فمثل هذه الأسئلة الافتراضية تخدم الكلام على هذا الحديث وتؤدي إلى إجابات علمية موضوعية. وتحقيق القول في خالد بن مخلد أنه من كبار شيوخ البخاري الذين ميز حديثهم من خلال كتبهم أو من خلال موافقتهم للثقات أو من خلال استقامت المتون التي يرويها، وأنه -بالجملة-صدوق، ولكنه في روايته عن سليمان بن بلال متقن، رمي بالتشيع وله بعض المنكرات خاصة عن الإمام مالك، ولكن لم يذكر أحد من المتقدمين هذا الحديث من منكراته، يراجع الكامل لابن عدي (٣/ ٣٤). قال الذهبي: «خالد بن مخلد القطواني من شيوخ البخاري صدوق إن شاء الله».

стр. 130

وهاهنا أمر في غاية الأهمية في هذه المسألة وهو أنه يلاحظ أن البخاري أكثر من الرواية عن خالد بن مخلد القطواني عن شيخه سليمان بن بلال دون غيره، وهو شيخه في هذا الحديث المنتقد، مما يدل على عناية خالد بن مخلد بمرويات شيخه سليمان، وتأمل هذه النصوص النفيسة التي لم يتفطن لها بعض المعاصرين ممن تكلم على الحديث، قال ابن رجب: «ومنهم-أي من الضرب الثاني من حدث عن أهل مصر أو إقليم فحفظ حديثهم وحدث عن غيرهم فلم يحفظ - خالد بن مخلد القطواني، ذكر الغلابي في تاريخه قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة وابن بلال فقط، يريد سليمان بن بلال، ومعنى هذا أنه لا يؤخذ عنه إلا حديثه عن أهل المدينة وسليمان بن بلال منهم لكنه أفرده بالذكر» شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٦). وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي (١/ ٢٥٦): «فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره؛ فلا يكون على شرطهما، وهذا كما يخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وعلي بن مسهر وغيرهما، ولا يخرجان حديثه عن عبد الله بن المثنى، وإن كان البخاري قد روى لعبد الله بن المثنى من غير رواية خالد عنه». وهذه الجملة التي ذكرتها تحتاج إلى صفحات لبيانها ونقل أقوال العلماء فيها، ولكن أكتفي بنصوص يسيرة تدل على ما ورائها: -قال ابن حجر: «خالد بن مخلد القطواني الكوفي أبو الهيثم، من كبار شيوخ البخاري، روى عنه، وروى عن واحد عنه!. قال العجلي: ثقة فيه تشيع، وقال ابن سعد: كان متشيعا مفرطا، وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهما بالغلو في التشيع، وقال أحمد بن حنبل: له مناكير، وقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.

стр. 131

قلتُ: أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره؛ لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كاملة وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة (من عادى لي وليا) الحديث» مقدمة الفتح (ص٤٠٠)، والذي يقوى عندي أن رواية المبتدع مقبولة مطلقا حتى لو كان داعية. -قال المعلمي: «أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من (جامع الترمذي): (قال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً) والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله (لا أروي عنه) أي بواسطة، وقوله (وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً) يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة. وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه. فإن قيل قد يعرف بموافقته الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة فإن ابن ليلى عند البخاري وغيره صدوق وقد وافق عليه الثقات في كثير من أحاديثه ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فبما وافق عليه الثقات، وقريب منه من عرف بقبول التلقين فأنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما حد ثوابه ولكنه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم فأنه قد يسمع من أقرأنه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم.

стр. 132

فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الرواي من شيوخه بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف صحيح حديثه بتحديثه وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة كيحيى بن عبد الله بكير روى عنه البخاري وقال في (التاريخ الصغير): ما روى يحيى [بن عبد الله] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني اتقيه ... )) انتهى كلام المعلمي من التنكيل وهو كلام في غاية الجودة. قلتُ: والأمر في شريك بن عبد الله بن أبي نمر أخف لأنه أوثق من خالد فلا نطيل الكلام عليه. -النظر الثاني: في متن الحديث فهذا المتن أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع، ومثل هذه المتون لا يتشدد فيها المحدثون بخلاف أحاديث العقائد أوالحرام والحلال، مع وجود شواهد للحديث وإن كانت ضعيفة، قال ابن رجب: «وقد روى هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال ورواه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة مولي عروة ابن الزبير عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: من آذي لي وليا فقد استحل محاربتي وما تقرب إلى عبد بمثل أداء فرائضي وإن عبدي ليتقرب إلى بالنوافل ... » جامع العلوم والحكم (ص٣٥٨).

стр. 133

قال ابن حجر: «ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا منها: عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها، وذكر ابن حبان وابن عدي أنه تفرد به، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة، وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد، ومنها عن أبي أمامة أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد بسند ضعيف، ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي، وعن ابن عباس أخرجه الطبراني وسندهما ضعيف، وعن أنس أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي سنده ضعف أيضا، وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرا وسنده حسن غريب، وعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجة وأبو نعيم في الحلية مختصرا وسنده ضعيف أيضا، وعن وهب بن منبه مقطوعا أخرجه أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية، وفيه تعقب على ابن حبان حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة: لا يعرف لهذا الحديث إلا طريقان يعني غير حديث الباب وهما هشام الكناني عن أنس وعبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة وكلاهما لا يصح» فتح الباري (١١/ ٣٤١).

стр. 134

وأمّا غرابة لفظه فلم يتبين لي وجه ذلك بدقة، فالبخاري وغيره صححوا الحديث ويلزم من ذلك-هنا-صحة المتن، ثمّ الغرابة في هذا شيء نسبي تقوم في أذهان بعض الناس دون آخرين، فربما استغربتَ معنى ما في حديث لم يتبين لك وجهه، بينما غيرك بان له المعنى بوضوح ومن طالع كتب شروح الحديث وجد هذا جليا، فعالم يستشكل مسألة ما، والآخر يستغرب هذا الاستشكال ويبين أنه ليس مشكلاً .. وهكذا، والخطير في هذه المسألة ما وقع في هذا العصر من بعض المسلمين المنهزمين حيث ردوا بعض النصوص الثابتة لأنها لم توافق عقولهم .. ولست أدري هل هناك عقل بشري كمدلول مطلق نحتكم إليه؟! .. هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعلان وهذه عقول متفاوتة واقعة تحت مؤثرات شتى علمية .. ومكانية .. وزمانية .. وغيرها .. ففتح هذا الباب بدون مراعاة الضوابط التي سار عليها سلفنا الصالح أئمة الحديث ونقاده أمر بالغ الخطورة، وله أثر سيء في الأمة، نسأل الله السلامة والعافية. وقد قلتُ في كتابي (إِشْكَالٌ وَجَوَابُهُ-في حَدِيثِ أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان-): «إنّ كثيراً من هذه الإشكالات التي تورد على الأحاديث الصحيحة في هذا العصر إنّما هي إشكالات تعرض نتيجةً لضعفِ التسليم لله ولرسوله ?، أولقلة العلم، أولضعف الديانة، أو لنصرة مذهب وقول، وكلما بعد الزمان أثيرت شبهات وإشكالات متوهمة لم تكن عند السلف الصالح وهذا مصداق لقوله ?: (لا يَأْتِي زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)»

стр. 135

وقد علق المعلمي على حديث من (من عادى لي وليا) فقال: «هو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص ٣٤٥ - ٣٤٨ وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق»، وقال أيضاً - تعليقا على قول أبي رية ((ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية)) -: «أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد ﷺ . ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية اخشم فاقد الشم أو فاسدة» الأنوار الكاشفة (ص١٩٣). ومما تقدم يعلم أنَّ الكلام على أحاديث الصحيحين ليس من السهولة لمن لم يستفرغ وسعه في البحث والتنقيب والتتبع، مع سؤال الله دائما أن يعلمه ويفهمه، ويبعد عنه حب الشهرة والثناء والتصدر، والولع بالغرائب والشواذ من الأقوال، ففي معرفة العلم البين الواضح الذي ورثه لنا سلفنا الصالح كفاية وغنية، والله المستعان. ـ[ورد التثبت في رواية الراوي الواحد، ف هل ورد التثبت في رواية الراويين الثقتين !! وهل رواية الاثنين يخرجها عن رواية الآحاد؟ ]ـ المقصود بالآحاد: ما لم يجمع شروط المتواتر سواء كان رواته واحدا، أو اثنين أو أكثر ولم يبلغ حد التواتر، والتواتر: ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه. إذا تبين هذا علم أنّ التثبت مطلوب دائما سواء في رواية الواحد أو الاثنين أو أكثر.

стр. 136

ومما أنبه عليه أنّ خبر الواحد الذي توفرت فيه شروط القبول يفيد العمل باتفاق أهل السنة، وأنه حجة سواء أكان في العقائد أم في الأحكام أم في غيرها، وأدلة هذا كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة وعمل الصحابة، وقد عني كثير من العلماء في هذا العصر بتحرير هذه المسألة وتصنيف الكتب فيها، ومن هذه المصنفات كتاب: حجية السنة النبوية للشيخ عبد الغني عبد الخالق، وكتاب: وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة والأحكام للشيخ الألباني-﵀، وكتاب: أخبار الآحاد في الحديث النبوي، حجيتها، مفادها، العمل بموجبها للشيخ عبد الله الجبرين. ـ [ما الفرق بين مسند البزار المعلل وعلل الدارقطني، وبماذا يفسر منهج الأخير في العلل والسنن، وتباين ذلك . ]ـ من أهم الفروق التي تظهر لي بين مسند البزار المعلل وعلل الدارقطني: - أنَّ البزار عني بجمع الغرائب والأفراد، ولذا تجده ينبه على ذلك بعد رواية الحديث، ولذا كان كتابه من أشهر الكتب التي هي مظنة الأحاديث الأفراد، قَالَ ابنُ حجر: ((تنبيه: من مظان الأحاديث الأفراد: مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدارقطني في"كتاب الأفراد"، وهو ينبئ على اطلاع بالغ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيراً بحسب اتساع الباع وضيقه، أو الاستحضار وعدمه، وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه!، فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد. وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به، لاحتمال أن يريدوا شيئاً من ذلك بإطلاقهم والذي يرد على الطبراني، ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرد على البزار لأنَّ البزارَ حيثُ يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول: "لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان"، وأما غيره، فيعبر بقوله: "لم يروه عن فلان إلا فلان"، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه، والله أعلم)) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٧٠٨). ومعرفة الأفراد والغرائب من أهم وسائل الكشف عن العلة كما قال ابن الصلاح في مقدمته (ص٨١): «ويستعان على إدراكها-يعني العلة- بتفرد الرواي» وأمَّا أبو الحسن الدارقطني فعني في كتابه العلل بجمع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف على أحد الرواة. - ومن الفروق أنّ الدارقطني يوضح لك الاختلافات ويحدد مدار الحديث وكيفية وقوع الخلاف فهو مدرسة في تعليم العلل وتسهيلها على طلاب هذا الفن، والبزار ربما فعل هذا، ولكن بقلة مقارنة بعمل الدارقطني في كتابه.

стр. 137

- ومن الفروق أنّ الدارقطني أكثر توسعا وبسطا من البزار، فنَفَس الدارقطني في بيان الاختلافات وسرد الطرق طويل، ولذا كان كتابه أوسع كتاب في بيان علل الأحاديث، قال ابن كثير: «وقد جمع أزمة ما ذكرناه كلّه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتاب ذلك، وهو أجلّ كتاب بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفنّ، لم يسبق إليه مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله، وأكرم مثواه» اختصار علوم الحديث (ص: ٦٤). ومما أنبه عليه أن الدارقطني ربما ترك ذكر بعض الاختلافات والأوجه لأسباب منها: شدة ضعف هذا الوجه أو الطريق لأنّ رواية ضعيف جدا أو متروك وما كان كذلك لا يعول عليه في الترجيح والجمع، فلا فائدة من إطالة الخلاف بذكره إلاّ إذا كان من باب التنبيه عليه. ومن الأسباب أيضا: ظهور الترجيح في الأسانيد المذكورة كأن تكون من رواية كبار الحفاظ الأثبات فلا حاجة للتطويل في ذكر بقية الأوجه الموافقة، ومن الأسباب أيضا: عدم حفظ الدارقطني للطريق المعين في تلك الساعة، وقد قال في عدد من المواضع عن بعض الطرق: «لا أَحْفَظُهُ السَّاعَةَ». وهذه النقطة تسوقنا إلى الفرق الآخر وهو: - أنّ البزار يسند أحاديثه في الغالب الأعم-يعني يرويها بإسناده- بخلاف الدارقطني حيث يغلب عليه تعليق الأسانيد، وإسناد الحديث عند البزار أعطاه ميزة على «علل الدارقطني»، ومن أسباب تعليق الدارقطني للأوجه والطرق التي يرويها في علله: أنّ الدارقطني لو أسند جميع الأوجه والطرق لكان الكتاب كبير الحجم جدا، فانظر مثلاً إلى حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر ذكر الدارقطنيُّ الاختلافاتِ في أسانيد الحديث ثم أسند جميع هذه الاختلافات فبلغت قرابة المئة حديث-إسنادا ومتناً-، هذا حديثٌ واحد فقط، فما بالك بجميع الكتاب لو أسنده؟! وكذلك حديث أم كرز في العقيقة أسنده فبلغت قرابة ستين حديثا.

стр. 138

- ومن الفروق أيضاً النظر في منزلة المصنفين فمنزلة الدارقطني في هذا الفن أجل بكثير من البزار، ومن طالع ترجمة الرجلين، وقرأ في كتابيهما بان له هذا بوضوح، وهذا الفرق يعطي كتاب «علل الدارقطني» ميزة أنه من تأليف إمام مبرز من أئمة العلل. وهناك فروق أخرى لا نطيل بذكرها مثل: كثرة أحكام الدارقطني على الأوجه والطرق وغيرها. والجواب عن قول الأخ السائل-بارك الله فيه-: «وبماذا يفسر منهج الأخير في العلل والسنن، وتباين ذلك» أنه لا تباين بين منهج الدارقطني في العلل والسنن بل بين الكتابين توافق يدل على أنّ مؤلف الكتابين إمام في علل الحديث يوضح هذا أمران: الأمر الأوَّل: أنّ مقصد الدارقطني من تأليف سننه بيان غرائب وعلل أحاديث أحكام، وقد نصّ على ذلك أبو علي الصدفي، وابن تيمية، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وأكد ذلك -من خلال دراسةٍ عميقة بالأرقام- الباحث عبد الله الرحيلي في رسالته العلمية «الإمام الدارقطني وكتابه السنن». ولمّا كان مقصد الدارقطني كذلك لم يبوب سننه، قال أبو علي حسين بن محمد الصّدفي (ت٥١٤) -وهو من أتقن من روى "سنن الدارقطني" -: ((الكتاب غير مبوّب، قرأته على ابن خَيْرون .. وكان عند ابن خَيْرون منه أجزاء بخط الدارقطني، فكان إذا أشكل من الكتاب شيء استخرج تلك الأجزاء، فربما وجد فيه اختلافاً، وفي النسخة مواضع علمتُ على بعضها لم يتجه لي أمرها ... ))، المعجم في أصحاب أبي على الصدفي" لابن الأبار (ص: ٨٠). وما يوجد من تبويبات وتراجم هي من عمل النساخ، والناشرين-انظر: مقدمة محقق"سنن الدارقطني" (١/ ٣٨ - ٥٨) تحقيق: شعيب-. وعندي أنّ هذا العمل فيه تجاوز لوظيفة المحقق الأصلية، وهي إثبات النص كما أراده مؤلفُهُ بدون تعديل أو تحسين.

стр. 139

الأمر الثاني: النَّفَسُ النقدي في الكتاب يوافق تماما نفس الدارقطني في كتابه العلل يَبين ذلك من خلال تعليل الأحاديث، وبيان الاختلافات، والحكم على الأسانيد والرجال- مع الفرق بين طبيعة الكتابين المنهجية-. وأرجو من الأخ السائل -بارك الله فيه- أن يقرأ في الكتابين، ويكثر من ذلك ليلحظ هذا بنفسه، والله أعلم. ـ[ما هي الطريقة المثلى في التعامل مع أحاديث الرواة الذين خف ضبطهم ومن ثم اختلطوا ، أريد منهج أو خطوات يسير عليها طالب العلم ليكون منصفا! بحيث لا تهمل أحاديث مثل هؤلاء؟ ]ـ الخطوات العلمية في مثل هؤلاء الرواة في نظري هي: -تحديد درجتهم في الرواية بدقة، وذلك من خلال النظر في أحاديث هذا الراوي، وكذلك أقوال النقاد، والتوسع في ذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية، ويلاحظ هنا أن مفهوم خفة الضبط واسع، فتحدد درجة هذا الرواي بعينه بدقة. وهنا يلاحظ: هل حديثه عَنْ جميع شيوخه متساوٍ أم فيه تفصيل؛ فقوي عَنْ بعضهم، وضعيف عَنْ البعض الآخر؟ وكذلك هل حديثُ تلاميذهِ عنه متساوٍ أم فيه تفصيل؛ فبعضهم أقوى من بعض؟ - ثم .. يحدد متى طرأ عليه الاختلاط؟ والتأكد من نوعية الاختلاط بمعنى هل هو تغير أواختلاط؟ وهل هذا التغير ضار أم غير ضار؟ وهل حدّث بعد التغير أم لا؟ وهل ظهرت له مناكير بعد التغير أم لا؟، وهل هناك تلاميذ ضبطوا حديثه بعد الاختلاط وآخرون لم يضبطوا .... ؟ جميع هذه الأسئلة الافتراضية تقود إلى منهجية علمية سليمة في التعامل مع هؤلاء الرواة من خلال النظر في الأمرين السابقين: النظر في أحاديث هذا الراوي، والنظر في أقوال النقاد.

стр. 140

ـ[ما رأيك في سلسلة أبي الزبير عن جابر. ]ـ أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس القرشي المكي والأرجح أنه ثقة ثبت، وهو من أتقن الناس لحديث جابر بن عبد الله، قال أبو الزبير عن نفسه: كان عطاء بن أبي رباح يقدمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث، وقال عطاء: كنا نكون عند جابر، فإذا خرجنا من عنده، تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير، أحفظنا للحديث. المعرفة والتاريخ (٢/ ١٤). والأرجح أنّ تدليسه مقبول، لأنّ تدليسه عن الثقات أمثال: سليمان بن قيس اليشكري. وله عن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل سلسلة مشهورة، بلغت أحاديثها في الكتب الستة (٣٦٠) ستين وثلاثمائة حديث كما في تحفة الأشراف، وغالب هذه الأحاديث صرح أبو الزبير بسماعها من جابر، وهناك أحاديث لم يصرح أبو الزبير بسماعها فالأصل أنها مقبولة لما تقدم من أن تدليسه مقبول، ما لم يتبين غير ذلك. وقد حظيت سلسلة أبي الزبير عن جابر بالعناية في هذا العصر من لدن الباحثين والمتخصصين فكتبوا عددا من البحوث عن هذه السلسلة، وكان من أسباب هذه العناية أن بعض العلماء الأجلاء ضعف عددا من الأحاديث التي في صحيح مسلم بسبب رواية أبي الزبير عن جابر-والتي من غير رواية الليث بن سعد- معللا ذلك بتدليس أبي الزبير، ومن هذه الدراسات ما كتبه زميلنا الدكتور: خالد العيد -وفقه الله- في رسالته العلمية الماجستير بعنوان: «ضوابط تصحيح الإمام مسلم في صحيحه لمرويات أبي الزبير المكي بالعنعنة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁» وهذه الرسالة نوقشت عام ١٤١٩هـ، ومن الدراسات كذلك بحث قيم للدكتور: صالح بن أحمد رضا-وفقه الله- بعنوان «صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄» نشرت في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- العدد الثامن ١٤١٣هـ، ولزميلنا الدكتور: خالد الدريس-وفقه الله- رسالة نفيسة عن «رواية أبي الزبير عن جابر» كتبها سنة ١٤٠٩ أو قبل، ولعله أن يطبعها ففيها تحريرات نفيسة. وهذه البحوث المتخصصة أثبتت النتيجة السابقة، والله أعلم.

стр. 141

ـ[ما هي أصح الأقوال في مسألة ثبوت السماع بين المتعاصرين ؟ وما هو الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري؟ ]ـ الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري في هذه المسألة: أنّ البخاري يشترط العلم بالسماع واللقيا لاتصال السند المعنعن-وهو مذهب كبار أئمة الحديث ونقاده- ومنهج البخاري هذا دلَّ عليه منثور كلامه في الصحيح وفي التاريخ الكبير وفي جزء القراءة، بل ربما أورد البخاري حديثا في الصحيح من أجل بيان سماع راوٍ، وربما أثبت السماع بالقرائن. قال ابن حجر: «أن مسلما كان مذهبه على ما صرح به في مقدمة صحيحه وبالغ في الرد على من خالفه: أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه وأن لم يثبت اجتماعهما، إلا أن كان المعنعن مدلسا، والبخاريّ لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه وأكثر منه، حتى أنه ربما خرّج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئا معنعنا، وسترى ذلك واضحا في أماكنه إن شاء الله تعالى، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وأن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال» مقدمة فتح الباري (ص١٢).

стр. 142

ومما يبين هذا بجلاء قول البخاريّ في سليمان بن بريدة بن الحصيب: « .. ولم يذكر سليمان سماعا من أبيه» التاريخ الكبير (٤/ ٤رقم١٧٦١) فنص البخاري على هذا مع تحقق الإدارك والمعاصرة - حيث أدرك سليمان بن بريدة قرابة أربعين سنة من حياة أبيه - دال على عناية البخاري الشديد بمذهبه ودقته في هذا فهو استقرى جميع أحاديث سليمان فلم يره صرح بالسماع، لذا لم يخرج عنه في الصحيح!!، ومع هذا فقد حسن حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في موضعٍ-نقله عنه الترمذي في العلل الكبير- لما احتف برواية سليمان من قرائن قوية دالة على ثبوت السماع، ولهذا نظائر بينها زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه «موقف الإمامين البخاري ومسلم» (ص١٤١ومابعده). وأمّا الإمام مسلم فقد صرح برأيه في هذه المسألة في مقدمته صحيحه فقال: «القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أنَّ كلّ رجلٍ ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا» صحيح مسلم (ص٢٩). والذي أميل إليه في هذه المسألة العويصة ما كان عليه البخاري وكبار النقاد وأئمة الحديث في هذه المسألة، مع إعمال القرائن لإثبات السماع. تنبيهات: - أنّ في تطبيق رأي البخاري وكبار النقاد احتياطاً للسنة فكم رأينا من تساهل بعض المعاصرين في الحكم على الأحاديث المنقطعة، من غير نظر في سماع الرواة بعضهم من بعض، بل حتى الضوابط التي نصَّ عليها مسلم لا يلتفت إليها!، فرأي البخاري وكبار النقاد في هذه المسألة يجعل الباحث أشدّ عناية بتتبع السماع والعناية به.

стр. 143

- عني بتحرير هذه المسألة أئمة أجلاء وباحثون فضلاء ومن أفضل من كتب في هذه المسألة -حسب علمي- ابن رُشيد الفهري (المتوفى٧٢١) في كتابه القيم «السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الأمامين في السند المعنعن» وكذلك زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه النفيس «موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين»، وللشيخ الدكتور: إبراهيم اللاحم بحث ماتع حول هذه المسألة في كتابه «الاتصال والانقطاع» وهو جدير بالقراءة والعناية، ولفضيلة الشيخ الدكتور: حاتم الشريف رأي في هذه المسأله حرره في كتابه «إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين» انتصر فيه لقول مسلم، وبين أنه لا خلاف بين البخاري ومسلم في هذه المسألة، ومع تقديري الكبير للشيخ-وفقه الله ونفع بعلمه- إلاَّ أني لا أوافقه في هذا لما تقدم من ظهور قول البخاري في كتبه وتصرفاته، والله أعلم. - هذه المسألة من المسائل الدقيقة في علوم الحديث، والخلاف فيها قديم بين كبار المحدثين كما تقدم، فمن اختار هذا القول أو ذاك فهو مسبوق من قبل سلف صالح من أئمة الحديث المتقدمين، والمطلوب من الباحث المنصف أن يستفرغ وسعه في طلب الحق، وأن يؤيد كلامه بالحجج التي بانت له وأن يجيب عن الاعتراضات الواردة، وهو في ذلك بين أجر وأجرين. والله أعلم.

стр. 144

ـ[قال الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير. حدثنا أبو خالد (يعني الأحمر) عن حسين المعلم. ح قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم (واللفظ له) قال: أخبرنا عيسى بن يونس. حدثنا حسين المعلم عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ؛ قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة، بالتكبير. والقراءة، بالحمد لله رب العالمين. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه. ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا. وكان يقول، في كل ركعتين، التحية. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى. وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم. . . وهذا الحديث مما أشكل كثيراً، فهلا بينتم وجه تصحيح الإمام مسلم له؟. . والشيخ الألباني قوّى الحديث بمجموع طرقه في "مشكاة المصابيح"، وأورد له طريقاً من "كتاب الصلاة" لجعفر الفريابي، وفيها أن أبا الجوزاء أرسل رسولاً إلى عائشة. فما رأيكم. ]ـ وجه الإشكال في هذا الإسناد أنّ أبا الجوزاء لم يثبت سماعه من عائشة مع تحقق الإدارك والمعاصرة، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن هذا الإسناد على شرط مسلم الذي قرره في مقدمة صحيحه لما تقدم من أنّ أبا الجوزاء أدرك عائشة وعاصرها، وهذا التوجيه تبناه رشيد الدين العطار في كتابه القيم: «غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة» حيث يقول: «وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂، معلوم لا يختلف فيه وسماعه منها جائز ممكن، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه الصحيح، إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي، لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً، فحينئذ يكون الحديث مرسلاً والله أعلم»

стр. 145

ولكن يشكل على هذا التوجيه ما أخرجه جعفر الفريابي في كتاب «الصلاة» قال: حدثنا مزاحم بن سعيد حدثنا ابن المبارك حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثنا بديل العقيلي عن أبي الجوزاء قال: أرسلت رسولا إلى عائشة يسألها فذكر الحديث قال رشيد الدين العطار: «وهذا الحديث مخرج في كتاب الصلاة، لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، وهو أمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعناً، وقول أبي الجوزاء في أرسلت إلى عائشة، يؤيد ما ذكره ابن عبد البر». وقول ابن عبد البر الذي أشار إليه العطار ذكره العطار بنصه في أول كلامه- فقال: «حديث أخرج مسلم ﵀ في كتاب الصلاة، حديث أبي الجوزاء الربعي عن عائشة ... وأورده أبو عمر بن عبد البر النمري الحافظ في تمهيده، في ترجمة العلاء بن عبد الرحمن، وقال عقيبه ما هذا نصه: اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وأورده أيضاً في كتابه المسمى بالإنصاف، وقال عقيبه: رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يختلف في ذلك، إلا أنهم يقولون، أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة. وحديثه عنها إرسال» انظر: التمهيد (٢٠/ ٢٠٥). قال ابن حجر: «فهذا ظاهره أنه لم يشافهها لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء والله أعلم». والذي يظهر لي في الجواب عن إخراج مسلم لهذا الحديث أن هناك عددا من القرائن جعلت الإمام مسلم بن الحجاج يتساهل في إخراج الحديث من جهتين: -الأولى: أنّ أبا الجوزاء مع ثقته وجلالته - فهو من كبار العلماء - ومعاصرته لعائشة أرسل رسولا يثق به وبنقله ولولا ذلك لم يقبل خبره ولم يرسله أصلاً، ومعلوم قلة الكذب في التابعين، فمثل هذا مما يتساهل فيه، مع القرينة الثانية وهي:
следующие страницы →