← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها «دراسة نقدية شرعية» تأليف الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي [المجلد الأول]

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دار الأندلس الخضراء المملكة العربية السعودية - جدة الإدارة: ص. ب: ٤٢٣٤٠ - جدة: ٢١٥٤١ هاتف: ٦٨١٠٥٧٧ - فاكس ٦٨١٠٥٧٨ المكتبات: • حي السلامة - شارع عبد الرحمن السديري - مركز السلامة التجاري هاتف - فاكس: ٦٨٢٥٢٠٩ • حي الثغر - شارع باخشب - سوق الجامعة التجاري هاتف: ٦٨١٥٠٢٧ - فاكس: ٦٨١٠٥٧٨ • فرع الرياض: حي السويدي الغربي - بجوار أسواق اليمامة هاتف: ٢٤٣٤٩٣٠ - فاكس ٤٣٣٣٦٥٧ http:www.al-andalus-kh.com E-MAIL:info@al-andalus-kh.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة مقدمة إلى كلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الدكتوراه. ونال بها المؤلف درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، إثر مناقشة علمية تمت في تاريخ ٢٦/ ١/ ١٤٢٠ هـ، وكانت لجنة المناقشة مكونة من: ١ - سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه آل الشيخ، مفتي عام المملكة العربية السعودية، مشرفًا ومقررًا. ٢ - معالي الشيخ أ. د صالح بن عبد اللَّه بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام وعضو هيئة كبار العلماء، ورئيس مجلس الشورى، عضوًا. ٣ - فضيلة الشيخ أ. د ناصر بن عبد الكريم العقل، عضو هيئة التدريس في كلية أصول الدين في الرياض، عضوًا. ٤ - سعادة الأستاذ د. حسن بن فهد الهويمل، عضو هيئة التدريس في كلية اللغة العربية في القصيم ورئيس نادى القصيم الأدبي، عضوًا.

стр. 4

المقَدّمَة الحمد للَّه رب الناس، ملك الناس، إله الناس، خالق الخلق أجمعين، الإله الحق المبين، خلق الإنسان من سلالة من طين، وخلق الملائكة من نور مبين، وخلق الجان من مارج من نار، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وقدر المقادير، وشرع الشرائع، وخلق الدنيا والآخرة، والموت والحياة، والجنة والنار، وجعل الجنة للمؤمنين دارًا، والنار للكافرين قرارًا. وصلى اللَّه وسلم على خاتم أنبيائه، المبعوث رحمة للعالمين أجمعين، بالدين القويم، والصراط المستقيم، فدعا إلى اللَّه وجاهد في سبيله، وأقام منارات العلم والهدى والخير والعدل، وأثبت أحكام الإسلام في خير دولة أقيمت على وجه الأرض، وأنشأ مجتمعًا هو خير مجتمع ظهر على وجه البسيطة، اتبعوا أوامر اللَّه فلم يضلوا، وحكَّمُوا شريعته فلم يذلوا، وساروا على الهدى المستقيم فكانوا خير أمة أخرجت للناس، ﵃ وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أمَّا بعد: فإنه لما كثرت سهام الشبهات التي يرميها أعداء الإسلام، وتطاول أهلها، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، وبثوا سمومهم الفكرية والسلوكية، على شبيبة الأمة الإسلامية، محاولين إغراقهم في الضلالات، وإخراجهم من النور إلى الظلمات، وتبديل يقينهم وإيمانهم، وطرحهم في مفاوز الشكوك والريب والترهات؛ كان لزامًا على من علم ذلك أن يبين لأمته وأبناء ملته خطورة هذه المسالك، وفظاعة هذه المهالك، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ (١).

стр. 5

١ - أهمية الموضوع وسبب اختياره: إن من أخطر وأشنع ما فعله أعداء الإسلام لتحصيل تلك المطالب الخبيثة، وتحقيق تلك المقاصد الضالة ما اتخذ في زمننا هذا من أساليب ثقافية ظاهرها "الأدب والشعر والثقافة والنقد" وباطنها الكفر والشك والنفاق. ذلك أن أعداء الإسلام استطاعوا أن يبذروا في أرض المسلمين بذور حقدهم، ويستنبتوا فيها -في غفلة وضعف من أهلها- نباتات الشجرة الخبيثة، شجرة المادية الملعونة، فإذا بالمسلمين يرون ويسمعون من ينادي بالكفر جهرة ويدعو إلى الضلال صراحة، ويروج للرذائل الفكرية والخلقية علانية، مرة تحت قناع "الأدب الحديث" ومرة تحت شعار "الثقافة الإنسانية" وأخرى تحت لافتة "التحديث ومجاراة العصر وتداخل الثقافات" وأخر لا تحصى تحت عناوين كثيرة تدور كلها تحت معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٢). فالإضلال والإفساد غايتهم ومسلكهم ومنهجهم مستخدمين في ذلك وسائل الشهوات والشبهات، ومع كل ذلك يزعمون ويدعون أنهم يريدون الإصلاح، والنهضة والتقدم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (٣). إن الخبرة الإسلامية في مواجهة أرباب التضليل والإفساد خبرة طويلة مريرة، بيد أن أشدها مرارة، وأقساها وطأة هي ما تمر به الأمة في هذه الأزمنة، إثر ما يسمى بـ "الصدمة الحضارية" التي أنتجت أجيالًا من أبناء المسلمين، انسلخت من دينها وقيمها، وراحت تلهث خلف سراب المذاهب المادية، والعقائد الجاهلية المعاصرة، وأصحابها يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، ويغرونهم، ويمكنون لهم -بحكم غلبتهم ونفوذهم- في شتى الميادين. إن مختلف النظم الفكرية المعاصرة المستوردة، تحمل في طياتها ألوانًا

стр. 6

عديدة من الانحرافات؛ ذلك لأنها إفراز نظريات مادية ذات جذور وثنية. ومن أخطر هذه النظم المستوردة: النظام اللاديني المسمى بـ "العلمانية" والذي يظهر في أردية شتى، منها الرداء الثقافي والأدبي المسمى بـ "الحداثة" التي أولع بها بعض أبناء البلاد الإسلامية فراحوا يبثون من خلالها السموم الفكرية، ويرسخون المفاهيم الضلالية فاتحين أمام شباب الأمة أبواب التمرد -باسم الثقافة والأدب- ونوافذ التحدي للدين والسلوك القويم. كل همهم ترويج أصناف الزيف تحت شعار الحرية الفكرية وعالمية الفكر الإنساني والموضوعية العلمية، وهم أبعد الناس عن الحرية؛ لأنهم مجرد أتباع مقلدين، وأبعد الناس عن الموضوعية؛ لأنهم أصحاب أهواء تجارت بهم تجاري الكَلَب بصاحبه. ولكنهم -بسبب غفلة أو تغافل، جهل أو عمالة- رسّخت لهم أقدام في مواضع التأثير، فإذا بالأمة ترى من أبنائها من يدعو إلى الإلحاد ويجاهر بالكفر ويحارب دين اللَّه جهارًا نهارًا، ومن لم يكن على هذا القدر من الشطط في الكفر، أو لم تكن له القدرة على التصريح به، تجده ملفوفًا بالشكوك في كل ما يتعلق بالإسلام من عقائد وشرائع وأخلاق، يتناولها تناول المستريب، ويحاكمها محاكمة المتهم. وهؤلاء وهؤلاء لا يفتأون يذكرون أئمة الكفر بالذكر العاطر، ويجعلون منهم قدوات، ويرسمونهم أمام أعين الأجيال في أحسن صورة وأجمل وصف، ويغدقون عليهم ألوان المديح والإطراء والتبجيل والتمجيد. وهناك صنف ثالث تسيطر عليه بعض أوهام المروجين للخمور الفكرية، فيرى أن الإسلام دين سماويّ يعتني بالقيم والأخلاق والشعائر، والعقائد المجردة، لكنه لا يستوعب الواقع ولا يتدخل فيه، ولا يعنيه من أمور الناس إلّا ما كان في إطار السلوك والشعائر، أمَّا الأدب والفكر والثقافة أو السياسة والاقتصاد، فهذه لها ميادينها المستقلة عن الدين وأحكامه ومعاييره، وهذا الصنف -على إغراقه في الانحراف- يعتبر من أمثلهم طريقة. وهناك صنف رابع ضُربت عليهم عماية الجهل أو التجاهل، ورانت على قلوبهم غشاوة الغباء أو التغابي، فإذا هم يهونون من خطر هؤلاء ويحسنون بهم الظن، ويدافعون عنهم، ويميّعون النظرة الحقيقية الجادة، ويضفون البراءة

стр. 7

عليهم وعلى أعمالهم الشائنة، تحت حجج واهية بليدة، أو يساعدون في إضفاء نوع من الضبابية على جوانب من طرحهم وفكرهم، وكأن لسان حال هذا الصنف ينطق بـ ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (١). بل كأنهم لم يسمعوا قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ (٢). وبين هذه الأصناف جميعًا درجات من الانحراف والضلال بعضها أشر من بعض، كما أن بعضها أخف من بعض. ومما يزيد الأمر سوءًا أن هؤلاء الممسوخين لهم نفوذ صارخ في أجهزة التوجيه والإعلام في كثير من بلاد المسلمين، ولا شغل لهم إلّا نقل النفايات البشرية، أو المماحكة فيما فرغ الشرع المعصوم من تقريره وإثباته. قضيتهم الكبرى استيراد الآراء النظرية المتناقضة، وتخدير إحساس الأمة بآلاف الدواوين والمسرحيات والرسوم والمقالات النقدية وغير النقدية، من خلال الإثارة والجاذبية والمتعة الفنية في الشعر والرواية والقصة، وتهريج المسرح وأصباغ الرسوم، ومن خلال صناعة النجوم. وإذا بنا نرى كل طائفيّ -يحمل أحقاده التاريخية على الإسلام- يخفي دمامة معتقداته تحت فلسفهْ الحداثة والعلمنة، ويخرج سمومه القاتلة من أكمام الثوب الأدبيّ الفضفاض. كما نرى الوثنية والنصرانية واليهودية تبرز في أقلام المبغضين لقرون الهجرة المباركة، المعادين لتراث الأمة. وإذا بنا نرى جهودهم وخبراتهم وقدراتهم تصب في إناء اليهودية التلمودية، لتجتمع كلها تحت لواء الرغبة الجامحة للإجهاز على الإسلام وعقيدته وشريعته وتراثه وحضارته وتاريخه المجيد.

стр. 8

ومما يفت فؤاد المسلم أن يجد لهؤلاء الأرجاس أدوات من بني جلدتنا، استقطبتهم زمزمة كهان الحداثة، في حين غفلة منهم عن دينهم، وعجز منهم عن تحقيق وجودهم بتحصيل علميّ رصين، فإذا هم يرددون أفكار الزنادقة والملاحدة، ويضاهون اليهود والنصارى والوثنيين -ببلاهة وغوغائية- في عبارات مطاطة وألفاظ مبهمة، وتراكيب غامضة إذا حققتها وجدتها التبعية والتقليد ليس غير. وليست المأساة متوقفة عند هذا الحد، بل تجدها تزداد خطورة عندما تلتفت إلى الركام الهائل من المؤلفات والمجلات والملاحق الأدبية، والمراكز الثقافية في كثير من البلدان العربية، فلا تجد عليها إلَّا طائفيًا نبت في الظلام وخرج من وراء الكواليس ليكون هو وأضرابه من معالم الأدب الحديث، أو نصرانيًا ترعرع تحت ظل الصليب يتسنم التوجيه والتثقيف، أو ملحدًا وجوديًا أو ماركسيًا أو إباحيًا يبرز من أعطاف جثة المادية الغربية ليكون من رموز العلم والأدب والفن، أو تابعًا لهؤلاء لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري. أمَّا إذا تأملت في تعبيراتهم ورموزهم، فإنك تجدها -إلا القليل منها- على قسمين، أحدهما: مكشوف، والآخر مقنّع، وكلاهما مسخر لخدمة الحداثة ومضامينها، وموجه لتحطيم دين اللَّه تعالى والإرث المبارك والتراث الخيِّر، ومؤسس للقيام بدور التخريب الفكري، والتلويث الثقافي، والانحلال الخلقي، فتجد في إنتاجهم المجاهرة بإنكار الرب ، وجودًا وألوهية، والاستهانة بأسمائه -تعالى- وصفاته، وجحد وجود الملائكة والسخرية منهم، وتكذيب الرسل والأنبياء وإنكار قضية الوحي جملة وتفصيلًا أو التشكيك فيها، وجحد الكتب المنزلة والسخرية بكل ذلك، وإضفاء صفة النبوة والمعجزة على الشاعر والحداثي المبدع، وجعل الأساطير بديلًا للوحي الكريم، والآلهة الوثنية شريكًا للَّه العظيم، مع تكذيب بالقدر واستهانة به، وتهكم بالمؤمنين به، وجحد المعاد وسائر الغيبيات، مع الإيمان بغيبيات وثنية جاهلية، ولذلك تجدهم يوظفون الرموز الوثنية واليهودية والنصرانية في أعمالهم بشكل بارز وكثيف. أمَّا إذا جاؤوا إلى تاريخ الإسلام فإنهم لا يستخرجون منه سوى أمثالهم من أهل الزيغ والشك والانحراف والزندقة، وهم مع كل ذلك يطرحون فكرتهم على أساس أنها فكرة كلية شاملة، متطورة أبدًا، قادرة على احتواء كل قضايا الكون والحياة والإنسان، وعلى ذلك فقد توجهوا بعنف وحقد لمحاربة الحكم

стр. 9

الإسلامي والسخرية من أخلاق الإسلام، والسعي لترسيخ ألوان الانحرافات الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية، والدعوة للانحلال والفوضى الخلقية، والدعوة إلى استبدال شرع غير اللَّه بشرع اللَّه الحكيم، إلى غير ذلك من مفردات الانحرافات التي لا تكاد تحصى لكثرتها وتنوعها. أمَّا المقنَّع من أفكارهم تحت أردية الغموض والرمزية فهو كثير كذلك، ولا يخرج عن المضامين السابقة، بل هو في خوضها الآسن غارق. فإذا أرادوا -مثلًا- الحديث عن القرآن سموه "صوت الألوهية" أو "نتاج الغيبوبة"، والحكم الإسلامي يرمزون له بالملح والرماد والجفاف، وقرون الهجرة والفتح الإسلامي والخلافة رمزوا لها بالإبل والسفر والنخيل والبخور والتعاويذ والصحراء والهجير والرمال الضريرة، والعمائم المتخمة والأعشاب الميتة، وأرض الحروف عندهم أرض النبوات والإسلام والهدى، والأغوار الخرساء يريدون بها التاريخ الإسلامي، والشريعة والصلاة والمنارة يرمزون لها بالستارة السوداء، والإصلاح والدعوة وإحياء الإسلام يعبرون عن موقفهم منها بقولهم: "أهدم كل لحظة مدائن الغزالي" ونبذ التراث والإقبال على الغرب يأتي تحت قولهم: "أرفضُ الرمل واتجه نحو البحر"، والحداثة يسمونها: الشمس وفاطمة وفضة ونافذة الضوء ورياح المواقع والتضاريس والمطر والخصب، والتكوين الآتي إلى آخر ما هنالك من رموز وألفاظ تحتها الأفاعي والحيات. إضافة إلى إحياء الرموز الباطنية، وأسسها الفلسفية؛ لتشكل ملامح غير معروفة إلّا لذي التتبع، والعبث بلغة القرآن، ودلالات ألفاظها وتراكيبها، وذلك بإعطاء اللغة العربية دلالات غير دلالاتها الأصلية، وهو جانب آخر من جوانب الخطورة التي ينطوي عليها المشروع الحداثي يتمثل في دعوتهم إلى "تفجير اللغة" أو "التحديث اللغوي"، فإذا انضاف إلى ذلك سعيهم لهدم أصول الفقه، وضوابط تلقي الوحي وفهمه وتطبيقه؛ علمنا أن القوم لا يهدفون إلى تجديد في الأساليب ولا تحديثٍ في الصيغ بقدر ما يستهدفون هدم ملة الإسلام، وإقامة ملة الحداثة مكانها ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (١). من هذا كله وغيره كان الموضوع على جانب كبير من الأهمية، وكان

стр. 10

اختياري له بعد مدة طويلة من المتابعة لإصداراتهم والنظر في أعمالهم والتأمل في مقالاتهم، والمناظرة والمناقشة مع بعض أتباع هذه النحلة محليًا وعربيًا. فكتبت فيه كتابي هذا لأبين بعض جوانب الخطورة في الأدب العربي المعاصر، لعله يكون سببًا في صحوة من غفا، ودلالة من غامت في نفسه طرق الهدى، وسببًا في كبت من أعرض ونأى، وكشف سبل المجرمين، وسببًا لإيضاح الحق لمن استغفل وجرى في مجراهم مؤيدًا أو منافحًا؛ لعله يعود إلى الهدى، وسببًا لتحريك حمية أهل الإيمان فيلتفتوا إلى دعاة جهنم ممن يتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا ويعيشون بين ظهراني المسلمين. وأكبر آمالي أن يكتب اللَّه لي أجر المنافحة عن دينه والمغايظة لأعدائه، وإبانة سبيل المجرمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة. ٢ - حدود الموضوع: وقد قسمت هذا البحث إلى أربعة أبواب وخاتمة، وصدرته بالمقدمة والتمهيد. فالمقدمة تحدثت فيها عن أهمية الموضوع وسبب اختياره، وعن حدود الموضوع وبعض الدراسات السابقة فيه. والتمهيد تحدثت فيه بإيجاز عن شمول الإسلام لكل أعمال الإنسان ومناشطه، وعن علاقة الأدب بالاعتقاد، ونبذة عن الانحرافات العقدية المعاصرة في مجال الثقافة والفن والأدب. أمَّا الباب الأول فهو بعنوان: الانحرافات المتعلقة باللَّه ، وتحته أربعة فصول: الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة بالربوبية. الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالألوهية. الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات. وأمَّا الباب الثاني فهو بعنوان: الانحرافات المتعلقة بالملائكة والكتب المنزلة والأنبياء، وتحته ثلاثة فصول: الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة بالملائكة ﵈. الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالكتب عامة والقرآن خاصة.

стр. 11

الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام. وأمَّا الباب الثالث فهو بعنوان: الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر والقدر، وتحته ثلاثة فصول: الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر. الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالقدر. الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالغيبيات الأخرى. وأمَّا الباب الرابع فهو بعنوان: الانحرافات المتعلقة بالأحكام والسلوك ونظام الحياة، وتحته خمسة فصول: الفصل الأول: العبث بالمصطلحات الشرعية والشعائر الإسلامية. الفصل الثاني: محاربة الحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره. الفصل الثالث: السخرية من الأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية. الفصل الرابع: الانحرافات في القضايا الاجتماعية والنفسية. الفصل الخامس: الانحرافات في القضايا السياسية والاقتصادية. وأمَّا الخاتمة ففيها: بيان أسباب الانحراف العقدي في الأدب العربي الحديث، ومقترحات لمواجهة الانحراف العقدي في الأدب العربي الحديث. هذا وقد بدأت أهتم بهذا الموضوع وأعتني بجمع الكتب فيه من أيام الدراسة الجامعية، يوم شعرت أن بعض الطلاب قد تأثرت عقائدهم بشكوك قادت بعضهم إلى الإلحاد الصريح، وبعضهم إلى ريب في وجود اللَّه تعالى والنبوات والمعاد، وكنت أراهم يتداولون دواوين شعراء الحداثة وكتبهم النقدية والفكرية، وأظن أن ذلك من باب الحرص على التجديد الفني والأدبي كما كانوا يزعمون، فلما اطلعت على ما لديهم وجدت أن الأمراض الاعتقادية قد تسربت إليهم من مجالسات أهل الشبه والأهواء، ومن الكتب التي كان جلساؤهم بل أساتذتهم في الشر يوجهونهم لشرائها، واقتنائها وكانت هناك مكتبة لأحد الحداثيين تجلب كتب أهل الحداثة ومجلاتهم، والقوم على أرففها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، يتهافتون على شرائها ثم توزيعها إهداء أو إعارة. وكانت لي معهم مناقشات ومحاورات في القضايا الكبرى؛ قضية وجود اللَّه، وقضية القدر، والنبوة، والمعاد، وأحكام الشريعة، وغير ذلك.

стр. 12

ثم واصلت متابعتي لهذا التيار على مستوى الصحف المحلية، والأندية الأدبية، والأمسيات الشعرية، وجرى فيها من الأحداث ما يطول شرحه. وفي عام ١٤٠٧ هـ سجلت على شريطين مادة علمية عن هذا الاتجاه بعنوان "الحداثة حقائق ووثائق" كانت ذات أثر على صعيدين: الأول: أهل الدين والإيمان؛ فهؤلاء تبين لهم خطورة هذا المذهب، وضلاله وبشاعته، وعظم انحرافاته. الثاني: أهل الحداثة والعلمنة؛ وقد وقع هذا العمل منهم موقع الصيحة، فهبوا يدافعون في الصحف والأندية، وفي المنشورات، وطفقوا يبحثون عن أي شيء به يحتمون، أو من خلاله يهاجمون، واستعدوا وألَّبُوا، وتناصروا، واستخدموا بعض الفئات الجاهلة أو المتجاهلة، وظاهرهم إخوانهم من الحداثيين العرب في مصر وبيروت ولندن وباريس. وفي أثناء هذه المسيرة الطويلة من المرحلة الجامعية حتى تسجيل هذا البحث جمعت كميات كبيرة من كتبهم ومجلاتهم وقصاصات كثيرة من صحفهم وملاحقهم الأدبية، ولما جئت لكتابة هذا البحث وجدت أمامي ركامًا هائلًا مما هو في ملكي، فضلًا عما في الأندية الأدبية والمكتبات الكبيرة، وكان من المستحيل أن أجمع مادة هذا البحث من كل هذه الكتب والمجلات والملاحق، فعمدت إلى كتب ودواوين وروايات أكابر عتاة هذه النحلة، وأعرضت عن التلاميذ الصغار الذين يحاكون اساتذتهم ويرددون مقالاتهم، وقد قرأت بعد تسجيلي لهذا البحث ما يزيد على خمسة عشر ألف صفحة من كتبهم، ولا يدخل في هذا العدد ما قرأته من مجلات وملاحق، ولا ما سبق لي قراءته طوال ثلاثة عشر عامًا من أواسط المرحلة الجامعية حتى تاريخ تسجيل هذا البحث، ولا ما قرأته من كتب مضادة للحداثة والعلمانية. وما دمت أتحدث عن حدود الموضوع فإني أرغب في تبيان عدة أمور: ١ - أنه بعد النظر في كتب أهل الأدب الحديث تبين لي أن أكثرهم يطلقون لفظ "المعاصرة" و"الأدب المعاصر" على أدب الحداثة (١).

стр. 13

ذلك أن الحداثة عندهم مصطلح عسير التحديد مضطرب الحدود محملٌ بمعان مشكلة ملتبسة، وأكثر ما تجد التباسه مع لفظ "المعاصر" و"الجديد" و"العصري"، بحيث يضفي هذا الالتباس على هذا المصطلح طابعًا مضطربًا قلقًا، يجعله متداخلًا بعمق -في استعمالهم- مع مصطلح "المعاصر" و"الجديد" في الإشارة إلى مفهوم الحداثة. وعلى هذا فعنوان الكتاب وموضوعه يتجه مباشرة لمعالجة موضوع الحداثة، من غير التفات إلى الخلاف الطويل بين المختصين في موضوع الاتصال والانفصال بين مصطلحي الحداثة والمعاصرة. ٢ - وبناء على ما سبق فإني ابتدأت في هذا البحث من بداية الحداثة الشعرية العربية في العراق على يد السياب (١) أو نازك الملائكة (٢) حسب اختلاف الحداثيين، وكلاهما ظهر في حقبة واحدة ما بين ١٣٦٦ هـ - ١٣٨٠ هـ/ ١٩٤٦ م - ١٩٦٠ م. على أنني قد أتحدث عن بعض من سبقهم مثل جبران خليل جبران (٣) وميخائيل نعيمه (٤) ومعروف الرصافي (٥)، والرابطة القلمية وجماعة أبولو والديوان وغيرهم ممن قد يعد من قريب أو بعيد من مقدمات وإرهاصات الحداثة العربية الفكرية والأدبية. ٣ - ركزت على دواوين وكتب أكابر الحداثيين وآوائلهم ومشاهيرهم في البلاد العربية، وإن ذكرت بعض تلاميذهم فعلى سبيل الاستطراد أو الاستشهاد في قضية محددة، ولذلك لم أتعرض -إلَّا لمامًا- للحداثة المحلية؛ لأنني

стр. 14

رأيتهم مجرد نقلة ومحاكين لأولئك الأوائل، الذين كانوا هم بدورهم -في أكثر أحوالهم- مجرد نقلة ومقلدين للحداثيين الغربيين. ٤ - رتبت أكثر الفصول على الطريقة التالية: أبدأ بذكر إجمالي لمعتقد أهل السنة والجماعة في القضية المتناولة، ثم أذكر -غالبًا- الجذور الفكرية للانحرافات الاعتقادية عند أهل الأدب العربي المعاصر، ثم أورد أوجه الانحرافات والشواهد عليها، وأعقب على بعض الشواهد ناقدًا ومفندًا، وأترك أكثرها من غير تعقيب لوضوح انحرافها وشططها، أو اكتفاء بما مهدت به للفصل من ذكر لمجمل عقيدة أهل السنة، والجذور الفكرية للانحرافات الحداثية. ٥ - ركزت في ذكر الشواهد على ما يسمونه شعرًا، ثم على بعض الروايات، ولم أفرق بين الحداثة الشعرية والحداثة الفكرية؛ لأنه لا فرق بينهما في الحقيقة، إلّا كالفرق بين النصرانية وترانيم يوم الأحد في الكنيسة. فالحداثة الفكرية قاعدة الصنم، والحداثة الأدبية بقية أجزائه. ٦ - عُنِيتُ بإيراد شواهد كثيرة على انحرافاتهم، وأحلت في الهوامش على مواضع أكثر؛ مما قد يؤدي إلى الاستطراد، والتكرار، ويشعر بالإقحام، وما ذلك إلا من أجل تحقيق مقتضى من مقتضيات هذا الموضوع، وتحصيل مطالب علمية من لوازم البحث العلمي ويمكن للقارئ أن يلحظ تكرارًا في بعض الشواهد والأمثلة، وذلك أن النص المستشهد به يصلح في أكثر من موضع ولأكثر من قضية، كما أن ذلك يحقق أحد أهم أهداف هذا الكتاب، وهو إثبات انحرافاتهم، بأدلة من كلامهم، وبشهادات بعضهم على بعض، بيد أني لم أورد كل ما جمعته من مادة في هذا الصدد؛ لكثرته، وما إيرادي للشواهد العديدة من كلامهم إلّا لأن (. . . اللفظ دليل مادي قائم على حقيقة اللافظ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾) (١) (٢)، فإذا نقلت نص كلامهم وضعته بين قوسين، وذكرتُ اسم المرجع في الهامش، وإذا نقلت المعنى كتبتُ في الهامش "انظر". ٧ - بذلت جهدي في ترجمة من ترد أسماؤهم، وجعلت ثبتًا في الأخير

стр. 15

للأسماء المترجم لها، غير أن بعض الأسماء لم أترجمها؛ لأنني لم أجد مصدرًا للترجمة، ولا معلومات لدي عنها، بيد أني لم أترك ترجمة الشخصيات ذات التأثير في حركة الحداثة الفكرية والأدبية. ٨ - حاولت أن أقرن كل تاريخ ميلادي بتاريخ هجري، ولم أتعمد ترك شيء من هذه التواريخ إلّا ما كان في داخل نص منقول. ٩ - أوردت الشعر الحداثيّ على طريقتهم في الكتابة، ووضعت نقاطًا تدل على الحذف. ١٠ - علقت على بعض النصوص التي تحتاج إلى تعليق، وسردت نصوصًا أخرى في مجال الاستشهاد على قضية من قضايا الانحراف دون تعليق عليها؛ لأن المراد هو إثبات هذا الوجه من الانحراف أو ذاك. ١١ - كان التركيز على الاستشهاد بالشعر الحداثي أكثر من غيره لأسباب عديدة أهمها: أن الحداثيين أنفسهم اعتبروا الشعر أساس مشروعهم، وأهم أعمالهم، وأخطر إبداعاتهم، ثم لكثرة الأعمال الشعرية وانتشارها، وكثرة قرائها. ١٢ - أوردت في الكتاب -في مواطن عديدة- أوجه الصلة والتشابه بين الحداثيين وبعض الفرق القديمة المنتسبة إلى الإسلام، وقد يظن أن هذا من باب نسبة هؤلاء إلى أولئك القدامى، وهذا غير دقيق، فإن الفِرَق القديمة التي لم تخرج ببدعتها عن الإسلام، حسنة القصد -في الغالب- محبة للإسلام محترمة له ولنبيّه وكتابه، معترفة بألوهية اللَّه وربوبيته، مؤمنة باللَّه جملة وعلى الغيب، بخلاف ما عند أكثر هؤلاء المعاصرين من الحداثيين والعلمانيين. ١٣ - ذكرت أثناء عرض أفكار وعقائد القوم، الأوصاف التي يستحقونها، وتنطبق على ما فاهوا به من كلام، مثل أوصاف الضلال والزيغ والإلحاد والانحراف والسخف والتهافت والانحدار والتبعية والغثائية ونحو ذلك، كما أني صرحت بأسماء من نقلت عنهم، وسبب ذلك أن التصريح بالأسماء هو الموافق لأهداف الكتاب، ولا قيمة للبحث بدون ذلك. وأمَّا ذكر الأوصاف؛ فلأنها تنطبق عليهم حقيقة، بل إن بعضهم اعترف صراحة بالإلحاد والكفر والزنى واللواط والمخدرات، فلا ضير في ذكر هذه الأوصاف في المواطن المناسبة لها، ولا منافاة بين ذكرها والموضوعية اللازمة، والعرض العلميّ.

стр. 16

والمتأمل في أسلوب القرآن العظيم في معالجته لقضايا الكفر والنفاق وأنواع الانحرافات الأخرى، يجد المحاجة بالبرهان والمجادلة بالدليل جنبًا إلى جنب مع ذكر الأوصاف المطابقة للموصوفين مثل ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١)، ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤)، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٥)، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٦)، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٧)، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٨)، إلى غير ذلك من آيات القرآن العظيم، وقد نظرت في كتب الصراع بين أهل الإسلام وأصحاب الانحرافات المعاصرة منذ بدأت موجات الغزو التغريبي الماديّ المعاصر، فرأيت كثيرًا من أهل الغيرة الإيمانية يتجنب في كتاباته ذكر الأوصاف اللائقة بأصحابها، ظنًا منه أن ذلك يناقض الموضوعية أو ينافي أصول الطرح العلميّ، تحت ظنون ما يسمى بالتجرد العلمي ونزع الذاتية والترفع المعرفيّ ونحو ذلك، وقد فاتهم أنهم بهذا الأسلوب قد أسهموا نوع إسهام في إرساء مطلب من مطالب الحداثيين والعلمانيين، وذلك بنزع الوصف الاعتقاديّ أو المعرفيّ عن أقوالهم، بحيث تذوب هذه الأقوال الشنيعة في أحماض التناولات الثقافية المجردة، والتحليلات النقدية الباردة. ثم إنه بالنظر إلى كون أصحاب هذه الأقوال راضين عن أقوالهم مرتاحي القلوب إليها، باذلي الجهد في نشرها وترويجها، فلا شطط في وصفهم بما اطمأنت إليه نفوسهم وبما استبطنته قلوبهم، كما تشهد بذلك أقلامهم وأعمالهم.

стр. 17

وأرى أن هذه الأوصاف لازمة للحط من منازلهم في قلوب من أشرب حبهم بجهل أو تجاهل، بقدر ما حازوه من هذه القلوب بغير حق. ثم إني ما قسوت في القول -إن عُدَّت هذه الأوصاف قسوة- إلّا على الذين قست أقوالهم في حق ركن من أركان الإيمان أو قضية من قضايا الإسلام أو علم من علومه. أضف إلى ذلك أنهم حين يناقشون أهل الإسلام فإنهم لا يترددون في رميهم بأقذع الألفاظ وأخبث الشتائم، وأسخف الأكاذيب، ولم أكن فيما وصفتهم به -وللَّه الحمد- في شيء من ذلك، بل كان نعتي لمن أطالوا التلاعب بعقول القراء، وعرضوا الباطل وكأنه الحق، وسوقوا الانحرافات، وكانوا سماسرة ووكلاء لأعداء الإسلام؛ نعتًا لا يتجاوز ما هم عليه، إن لم يكن فيه تقصير عن وصف حالهم أسأل اللَّه العفو عنه، وكم من غصة نشبت في قلبي، وغضبة جاشت في نفسي، ونومة طارت من عيني إثر قراءتي لما قالوه في حق اللَّه تعالى وحق أنبيائه وكتبه وشريعته وأخباره. فأنا أمام محاربين ألدّاء لعقيدة الإسلام وشريعته وأحكامه وتاريخه وحضارته، محاربة مباشرة أو من وراء حجب الألفاظ والرموز، واللين مع المحارب من صفات الأحمق أو العاجز (١). وهذا البحث لا يواجه ظواهر أدبية أو فنية، وإنّما يواجه ظواهر وأساسات وقواعد فكرية واعتقادية، ومدارك ومنطلقات وأوجه هذه المضامين؛ لحمل النفوس المؤمنة على إعمال سنّة الدفاع عن حرمات الإسلام، ورفع وطأة أهل الأهواء والشبهات، وسد سبل انحرافاتهم الكثيرة، وكشف المضلين المفتونين، المنطوين على أسقام أصابت عقولهم وقلوبهم، فرشح عنها ما رشح من آراء باطلة وجهالات ساقطة، وانحرافات يخزي بعضها بعضًا، هذا و (إن تصور مذهب هؤلاء: كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنّما تقع الشبهة؛ لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من

стр. 18

الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضًا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه (١). . . وكل مَن يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين، إمَّا جاهل بحقيقة أمرهم، وإمَّا ظالم يريد علوًا في الأرض وفسادًا، أو جامع بين الوصفين، وهذه حال أتباع فرعون الذين قال اللَّه فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (٢) وحال القرامطة مع رؤسائهم، وحال الكفار والمنافقين في أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) (٣). على أنني -مع ذلك- لم أتجاوز قواعد البحث والمناقشة، من خلال إيراد نصوصهم ونقدها وإبانة ما فيها من فساد وعوار. وأعلم مسبقًا أن هناك مَن سينتقد أسلوب إطلاق الأوصاف على مستحقيها ويعتبر ذلك تحاملًا وأحكامًا مسبقة، وتهكمًا واستنقاصًا ينافي الموضوعية العلمية؛ ولذلك بينت وجهة نظري في هذه القضية، مع اعترافي بأن وجهة النظر المخالفة لها مسوغاتها وحيثياتها العصرية ودوافعها الفكرية والسلوكية من الموافقين والمخالفين. ١٤ - أرى أنه على مَن يشتغل بالمناظرة مع الملحدين والمرتابين والمقلدين للأوروبيين أن ينتبه للشراك المنصوبة باسم "الموضوعية" و"الحوار" و"الانفتاح الثقافي" و"حرية الرأي" وخاصة عندما يصور نفسه في موضع الخصم؛ وذلك لأنه إذا أذعن لمقتضيات هذا المعتقد ولوازمه، فإنه يلتحق سرًا وبطريقة تدريجية من حيث لا يشعر بخصومه، إذ بكثرة تكرار فوض نفسه في موقع الخصم يقيم في عقله خصمًا خياليًا يتولد منه في الذهن والقلب قوة تصير وكيلًا لخصمه داخليًا، فينبت الوهن والضعف في أعماق النفس الأمّارة بالسوء ويقوى الشيطان في ظل تلك القوة، ويتحول الحق عن سبيله القويم ولو نوع تحول، فينتقص من الحق الذي معه بمقدار هذا التحول، وهذا منافٍ لمقاصد الموضوعية، ومخالف للعدل والإنصاف. ١٥ - ينبغي أن يُعرف بأن الحداثيين ليسوا على درجة واحدة بل هم في

стр. 19

دركات مختلفة، وليس كل قول قاله واحد منهم يعتبر قولًا لكل حداثي على درجة التعيين، وإن كان ذلك داخلًا ضمن مذهبه الذي اعتنقه ومنهجه الذي ارتضاه على درجة العموم، فهو منسوب إليه بوجه من الوجوه، ما لم يعلن براءته من هذا القول، فكيف إذا كان يثني على صاحب القول المنحرف، ويرسمه في أعين الآخرين مثالًا رائعًا في الثقافة والأدب والفكر؟! فكيف إذا كان يدافع عنه ولا يقبل فيه نقدًا؟! ١٦ - تحريت العدل والإنصاف في فهم النصوص الحداثية والحكم عليها، وما ظهر من استنتاج لبعض النصوص والرموز المحتملة والسياقات الموهمة، مما قد لا يوافق عليه البعض فإنني أعتمد فيه على عدة أمور علمية منهجية وأتكئ فيه على الأصل الحداثي القائل بأن النص إذا قاله صاحبه خرج من نطاقه إلى نطاق المتلقي يفهمه ويحكم عليه بطريقته الخاصة ووفق قيمه ومعاييره، هذا في النصوص الغائمة والأقوال الغامضة والعبارات الملبسة، أما ما كان منها واضحًا جليًا فإنه شاهد على ذاته بذاته. ١٧ - لا يقتصر هذا الكتاب على نصوص أدبية، بل يتضمن كذلك نصوصًا نثرية من مقالات وكتابات وقصص وروايات ودراسات وموضوعات فكرية. ٣ - الدراسات السابقة في الموضوع: هناك مجموعة من المؤلفات التي تعرضت لهذا الموضوع، أو بالأحرى لبعض القضايا فيه، حيث لم أجد كتابًا جامعًا تحدث عن موقف الحداثيين من أركان الإيمان ومقتضياتها العملية. وهذه المؤلفات تختلف من حيث حجمها، ونوعية التناول للموضوع، ومقدار العمق والشمول في محاكمة القضايا إلى عقيدة الإسلام وشريعته وغير ذلك من أمور، وسوف أذكر جملة منها مرتبة حسب الترتيب الهجائي معطيًا نبذة يسيرة عن كل واحد منها: ١ - أباطيل وأسمار: للأستاذ محمود محمد شاكر ﵀، يقع في جزأين كبيرين يحتويان على ٦٣٠ صفحة، وفيه مناقشة علمية وأدبية واعتقادية لأوائل جذور الانحراف، وخاصة لويس عوض ثم توفيق الحكيم ومحمد مندور وطه حسين وغالي شكري ومحمد خلف اللَّه وغيرهم، وقد تحدث عن هؤلاء

стр. 20

وخلفياتهم الفكرية، وتاريخ عمالتهم وارتباطهم بالمستعمر والكنيسة، وتلاعبهم بالألفاظ والمصطلحات، وتدليسهم للمفاهيم، ودعوتهم إلى العامية، وسيرهم في مخطط التبشير والاستشراق وأثر العقيدة النصرانية على أعمالهم الكتابية، وممارساتهم العملية، وكشف عداوتهم للقرآن وأخباره، والإسلام وأحكامه، واللغة ومدلولاتها. على رقي في أسلوبه، وفخامة في ألفاظه، وجمال في ترتيبه، وجدير بكل متخصص في هذا الشأن، أو مريد العلم فيه أن يطلع على هذا السفر النفيس. ٢ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: للدكتور محمد محمد حسين ﵀، ويقع في ٤٧٠ صفحة، وهو من أجل الكتب وأنفعها في مضمار بيان أوجه الصراع بين الكفر والإسلام في هذا العصر، وتاريخ هذا الصراع، وامتداداته، كتبت بقلم محب للإسلام عميق الفهم فيه وفي أساليب ومقاصد أعدائه. وقد تحدث عن الخلافة الإسلامية، وأثر إلغائها في ترسيخ العقائد الجاهلية المعاصرة، وأثر ذلك على الآثار الأدبية والفكرية، وكيف بدأت إثر ذلك الدعوات العلمانية اللادينية، والقومية، والمناداة بالجامعة العربية بديلًا من الجامعة الإسلامية، ثم الدعوات الإقليمية، ثم تعرض لقضية "القديم والجديد" وكيف تجلت المعارك في هذه القضية عن صراع بين الإسلام ومقتضياته، والتغريب وملحقاته، وما تلا ذلك من دعوات للعلمانية والإلحاد، وإفساد المرأة والتعليم والإعلام والأدب، وهدم للدين والأخلاق واللغة العربية، وقد استغرق ذلك منه ما يقارب نصف الكتاب وفيه تجلت قدرة المؤلف رحمه اللَّه تعالى في الربط بين هذه الاتجاهات وجذورها، ودوافعها ومشروعاتها المستقبلية. ومن أراد الاطلاع على أبعاد الحرب القائمة ضد الإسلام وخلفياتها التاريجية والاعتقادية والفكرية، وأساليبها العملية، وأبعادها المستقبلية فلا غنى له من الاطلاع على هذا الكتاب النفيس، الذي نال حظًا من القبول عند المثقفين المسلمين قلما يناله غيره، وهو جدير بهذه المنزلة. ٣ - أدب الردة، قصة الشعر العربي الحديث: للأستاذ جمال سلطان، ويقع في ١٥١ صفحة، وهو كتاب جيد من كاتب عرف باطلاعه العميق في الاتجاهات المعاصرة. وقد بدأ كتابه بعرض تاريخيّ فكريّ موجز لنشأة الحداثة الشعرية في

стр. 21

البلدان العربية من الديوان وأبولو والمهجر وغيرها، ومن حداثة العراقيين إلى المصريين إلى مجلة شعر في لبنان، ثم جال جولة سريعة في بعض المذاهب الأدبية من الرومانسية حتى الواقعية الاشتراكية ثم تعرض لمفهوم العالمية عند شعراء الحداثة، وبيّن أن المراد به أوروبا مكانًا والعصر الحديث زمانًا، والمادية فكرًا واعتقادًا، ثم تحدث عن مفهوم التجديد وموقفهم من الثابت والمحافظ، ودعوتهم للهدم الكامل والتطور المطلق، ثم تحدث عن التيارات المشبوهة التي تقف خلف هذا الشعر الحديث. ويتميز المؤلف بقدرته الفذة على ربط كل هذه القضايا بالمفاهيم الإسلامية، واستشهاده الدقيق والمتنوع بكلامهم حيث حشد جملة كبيرة من الشواهد المختلفة لحداثيين من بلدان عديدة، وهي ميزة كبيرة لهذا الكتاب، الذي تميز أيضًا برصانة الأسلوب، وجودة السبك، وجمال العبارة والتركيب. ٤ - أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب: للدكتور السيد أحمد فرج، ويقع في ٣٢٥ صفحة، وهو وإن كان يتحدث عن نجيب محفوظ إلّا أنه يعد -بحق- من الدراسات الناضجة، التي يُمكن الاتساء بها في مناقشة قضية العلمانية والحداثة في البلاد الإسلامية، لاسيما وأن مؤلفه صاحب خبرة دقيقة في هذا المجال، والمطلع على كتابه "جذور العلمانية" يجده على صغر حجمه من أعمق الكتب وأنضجها في هذا المجال. تحدث المؤلف في كتابه "أدب نجيب محفوظ" عن الجذور الاعتقادية التي انطلق منها، وجعل القسم الأول منه عن حياة نجيب محفوظ بكل خلفياتها ومؤثراتها الزمانية والمكانية والفكرية، ومدى تأثير كل ذلك على فكره وإنتاجه، وجعل القسم الثاني عن القضايا الفكرية التي اهتم نجيب محفوظ بطرحها من خلال رواياته من اشتراكية وحرية جنسية، ودعوة تغريبية جلية، وعمالة لليهود واستخذاء للنصارى وخضوع للماديين. والكتاب بقدر ما يتحدث عن نجيب محفوظ إلّا أنه أيضًا يتحدث عن التيار التغريبي الذي يستهدف تقويض الإسلام، وإلحاق المجتمع الإسلامي -في تبعية مهينة ذليلة- بالغرب في العقيدة والسلوك ونظام الحياة، فهو بحق يصور إشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب من خلال رؤية إسلامية واضحة، وروح إيمانية جياشة.

стр. 22

٤ - الإسلام والحداثة: لعبد المجيد الشرفي من تونس، ويقع في ٣٤٦ صفحة، وهو كتاب لا علاقة له بموضوع هذا البحث، وإنّما أوردته لرفع التباس قد يرد من قراءة العنوان. وهو كتاب علماني المنهج والمقصد، يحاكم قضايا علم أصول الفقه والفقه والتفسير والحديث، والقضايا العملية: السياسية والحكمية المتفرعة عنها، محاكمة علمانية مادية قبيحة، يظهر فيها التحامل على الإسلام، والتبجيل للعلمانية والماركسية وغيرها من المذاهب المادية المعاصرة. ٥ - أسلوب جديد في حرب الإسلام: للأستاذ جمعان بن عايض الزهراني، ويقع في ٢١١ صفحة، وهو كتاب جليل النفع، يدل على غيرة متألقة، وقلب شجاع. تحدث فيه مؤلفه عن الحداثة، ومفهومها الشمولي عند سدنتها، ثم تعرض لكاهنها الأكبر الباطني أدونيس ومضامين أطروحاته وفكره الماديّ، وعمق عداوته للإسلام واللغة العربية والمجتمع الإسلاميّ، ثم خصص فصلًا متميزًا عن الأساس العقائدي للحداثة، أوضح فيه جملة من الأطر الاعتقادية المنحرفة التي تمر من خلالها الحداثة العربية وكلها تتجه نحو هدف واحد "مضادة الإسلام ومناقضته" وقد أورد جملة من الشواهد الصارخة ذات الدلالة الواضحة على عداوتهم للإسلام، واستعارتهم الأفكار والعقائد المنحرفة والسعي في ترويجها، ثم تحدث في فصل آخر عن الحرية الإبداعية والماسونية العالمية، بيّن فيه أثر الماسونية في الحركة الحداثية، وملامح التشابه بين الحركتين، في أصل المخطط وأهدافه ووسائله، وأصوله الفكرية، ثم تحدث عن المثالب الخلقية والسلوكية التي كست جسد الحداثيين. والكتاب كله يحتوي على دراسة جيدة للحداثة وجذورها الفكرية ومخططاتها التخريبية، من منطلق اعتقادي أولًا -وهو أهم وأخطر منطلق- ثم من منطلق فكريّ وثقافيّ وفنيّ في درجة ثانية، وهو وإن كان معظمه عن أدونيس إلّا أنه يحتوي على حقائق عامة تنطبق على أكثر أهل الحداثة. ٦ - التجديد في الشعر الحديث، بواعثه النفسية وجذوره الفكرية: للدكتور يوسف عزّ الدين: ويقع في ٢٧٩ صفحة، وهو من إصدارات نادي جدة الأدبي. وقد بين فيه حجم التلوث الفكري في أدب الحداثة وأوجه التبعية للغرب،

стр. 23

والشعور الكامن لديهم بالضعف والنقص أمام الغرب، وأثر فرويد عليهم، ثم تحدث عن مسيرة التجديد في الشعر العربي وما خالطها من أخلاط ومفاسد فكرية وفنية، ثم تحدث عن بواعث التجديد وجذوره، وأنه من أول بداية له كانت تقليدًا للغرب، والذي يعاني من فراغ روحيّ، تسرب إلى مقلديه من العرب، ثم تحدث عن ظواهر فنية ولغوية في الشعر الحديث، ثم عن مضامين الشعر الجديد، وأهم ما في الكتاب حديثه تحت عنوان "الحداثة المدمرة، والشعر الحديث، والأسطورة". والكتاب في الجملة جيد من حيث المناقشة الفنية والفكرية، وفيه بعض الأخطاء الفكرية كتسليمه بالتطور المطلق، والثناء على بعض رموز الحداثة كالسياب وحجازي وعبد الصبور بل وصفهم أحيانًا بالخيرية!!. ومع إعلان المؤلف غيرته الدينية والعربية إلّا أنه لم يستطع أن يظهرها في عمق وشمول عند تناوله لشعر الحداثيين. ٧ - تحت راية القرآن: للأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه اللَّه تعالى، ويقع في ٤١٣ صفحة، وفيه وقائع معركته مع طه حسين الذي كان يمثل طليعة التوجه العلمانيّ والحداثيّ، وخاصة في كتابه "في الشعر الجاهلي". والكتاب شهير، وكاتبه أشهر من نور على علم، وهو لا يتحدث عن الحداثة بوجه خاص، ولكنه يعالج مشكلة التغريب في الفكر والأدب العربي المعاصر، وهو سجل حافل لوقائع تلك المعركة بين أهل الإسلام والمنهزمين من أبناء المسلمين. ٨ - جناية الشعر الحر: للأستاذ أحمد فرح عقيلان، ويقع في ١١٥ صفحة، وهو من إصدارات النادي الأدبي في أبها، وأصله محاضرة ألقيت بهذا العنوان، وقد أحدث هذا الكتاب ردة فعل عنيفة لدى أتباع الحداثة المحليين فكتبوا ضده واستعدوا عليه، وسخروا منه. يتحدث الكاتب عن الجناية القاتلة التي أحدثها شعراء الحداثة في الدين والأخلاق والمفاهيم واللغة، وقد أورد المؤلف جملة من الشواهد الدالة على مقدار الهبوط في الذائقة الفنية والسلوكية والأدبية، لدى شعراء الحداثة، في أسلوب لاذع، وتحدث في هذا الكتاب بإيجاز عن الانحرافات المواكبة للحداثة مثل الدعوة للعامية، وقطع الصلة بالشرق، ودعوات إفساد المرأة، ثم بين أن

стр. 24

كثيرًا من شعراء الحداثة لا يطمأن إلى ماضيهم ولا إلى عقيدتهم، وخصص الكلام عن السياب وأدونيس والبياتي ولويس عوض وسعيد عقل، وأتى بنماذج من كلامهم ومواقفهم وذكر خلفياتهم الدينية، وانتماءاتهم الاعتقادية. ثم ذكر جنايتهم على اللغة العربية وأوجه هذه الجناية، وجنايتهم على التراث العربي، والعبارات الشاذة والقبيحة التي شاعت في كلامهم، وتهجمهم على الشعر القديم، ثم ذكر النظريات الفلسفية التي أثرت في شعرهم مثل الوجودية والفرويدية والبرناسية والواقعية والماركسية، ثم تحدث عن نفوذ الحداثيين في الصحافة واستغلالهم لهذا النفوذ في ترويج باطلهم، ثم تحدث عن بعض الجوانب الفنية. والكتاب على صغر حجمه يعتبر شهادة حق من غيور على الدين والأمة والمجتمع، وبيان قوي لأبعاد هذا السرطان الثقافي. ٩ - الحداثة بين التعمير والتدمير: للدكتور حسن بن فهد الهمويمل، ويقع في ٥٥ صفحة من الحجم المتوسط. وقد انطلق فيه مؤلفه من منطلق اعتقاديّ، لبيان حجم التدمير الحداثي للإنسان والأديان والأخلاق وغير ذلك من مناحي الحياة، في عبارة حديثة، وصياغة متألقة، وأصل الكتاب محاضرة ألقاها المؤلف بالعنوان نفسه، ومن أهم مضامينه بيانه أن الحداثة ليست مجرد التغيير الفنيّ بل هي البحث عن الضد المعرفيّ والثقافيّ والاعتقاديّ. وقد ساق جملة من المفاهيم النافعة بصورة مختصرة سريعة، وددت أن المؤلف بسط هذه المفاهيم واستشهد لها بشواهد من كلامهم وهو قادر -بحكم علمه الواسع في هذا الميدان، واطلاعه وأصالة منهجه- أن يأتي بالجديد المفيد في إبانة خطر هذا المنهج التدميريّ. بيد أنه ينبغي للمؤلف أن يحذف من عنوان كتابه لفظ "التعمير"؛ لأن الحداثة لا تنطوي على أي عنصر بناء، اللهم إلّا إن كان مراده تعمير الحداثة والحداثيين للإلحاد والكفر والضلال، والأصنام الوثنية، فذلك شيء حقيقي، وإن كان العنوان لا يدل عليه، أو أنه أراد تضمين دعواهم في هذا العنوان ليبين زيف ذلك، فهذا لا ضير فيه. ١٠ - الحداثة تعود: للدكتور حلمي محمد القاعود، ويقع في ٥٤ صفحة

стр. 25

من الحجم الصغير. وهو خطاب مبسط للقارئ العادي، يكشف فيه مؤلفه المغالطات الحداثية التي يدلس بها أهل الحداثة على الناس، ومؤلفه من الكتاب المعروفين بالمتابعة والتصدي للتيارات الحداثية والعلمانية. تحدث المؤلف عن مصطلح الحداثة ومضامينه، وبراءة بعضهم من حداثة أدونيس لما انكشفت سوأتها، وبين أن هذه البراءة مجرد خدعة؛ لأن الواقع أنهم جميعًا في مضمار واحد، ثم تحدث عن مجموعة من الأساليب التلبيسية التي يستخدمها أهل الحداثة. والكتيب في الجملة عبارة عن رأي وانطباع وتأملات وتحليلات سريعة حول موضوع الحداثة. ١١ - الحداثة في الشعر العربي المعاصر، حقيقتها وقضاياها، رؤية فكرية وفنية: للدكتور وليد قصاب، ويقع في ٢١٠ صفحة من القطع الكبير، وهو من أحسن الكتب التي تناولت موضوع الحداثة من زاوية فكرية اعتقادية، اعتنى فيه مؤلفه بجانب المضمون والمحتوى الحداثي، والأصول الفكرية، وقد اطلعت عليه بعد انتهائي من كتابة وطباعة هذا البحث، وتمنيت أن أكون قد اطلعت عليه من قبل لأفيد منه، ويقع هذا الكتاب في خمسة فصول، قبلها تمهيد عن أوهام حول الحداثة. وقد تحدث في الفصل الأول عن مسيرة التحديث في الشعر العربي وعلاقة ذلك بالتغريب، والمدارس والمذاهب الغربية، أما الفصل الثاني فكان عن الحداثة الغربية وبيان مفاهيمها الأساسية وحقيقتها الفكرية وأثر ذلك على الحداثة العربية، أما الفصل الثالث فكان عن الحداثة العربية وإثبات استنساخها من الغرب، ثم بيان أظهر ملامحها الفكرية، وتحدث في الفصل الرابع عن قضايا متعلقة بالحداثة العربية مثل اللغة ومفهوم الشعر، ثم ختم بالفصل الخامس المتضمن شهادات طائفة من شعراء وأدباء ومفكري الحداثة العربية على إدانة الحداثة. بيد أن الكتاب في مجمله متوجه لدراسة الشعر الحداثي أكثر من غيره. ١٢ - الحداثة في منظور إيماني: للدكتور عدنان علي رضا النحوي، ويقع في ١٧٠ صفحة من القطع الكبير، وقد قسمه إلى أربعة أبواب: الأول عن لفظة الحداثة بين القديم والجديد، وتحته حديث عن مصطلح الحداثة ومدلولها اللغويّ ومضامينها الفكرية وجذورها اللغوية.

стр. 26

والثاني نماذج من فكر الحداثة وآدابها، استعرض فيه كتاب أدونيس "مقدمة في الشعر العربي" كنموذج كاشف لحقيقة الحداثة، عقب على بعض المقاطع، ثم تحدث في الفصل التالي عن كتاب "جدلية الخفاء والتجلي" لكمال أبو ديب، وناقش بعض مضامينه، ثم الفصل الذي يليه عن كتاب "الخطيئة والتكفير" لعبد اللَّه الغذامي وفيه ناقش بعض المفاهيم البنيوية التي علق عليها الغذامي أبحاثه في كتابه هذا، واستطرد في قضية الخطيئة والتكفير. وفي الباب الثالث الحداثة بين الشعر والنثر، وهو باب مختص بالأمور الفنية والجمالية. ثم أعقبه بالباب الرابع عن امتداد الحداثة بين الشرق والغرب مركزًا على قضية البنيوية، وأثر الماركسية والبعثية في الحداثة، ثم لخص جملة من الركائز الأساسية في الفكر الحداثي والبنيوي، ثم تحدث عن الحداثة والمادية الجدلية. والكتاب مليء بالمناقشة العلمية الشرعية لكثير من المفاهيم التي تعرض لها. ١٣ - الحداثة في ميزان الإسلام: للشيخ الدكتور عوض بن محمد القرني، ويقع في ١٣٩ صفحة من الحجم الكبير، وقد قدم له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وصدر هذا الكتاب عام ١٤٠٨ هـ وكان لإصداره أصداء واسعة على كل المستويات العلمية والثقافية، وما يزال يعد من أهم المراجع التي تناولت قضية الحداثة. وقد تألب الحداثيون المحليون والإقليميون على هذا الكتاب، وأظهروا حنقهم الشديد على مؤلفه ومقدمه، فكتبوا في ذلك المقالات ونشروا المنشورات وعقدوا الندوات، مما يدل على عمق وحرارة الطعنة التي تلقوها. وقد تحدث مؤلفه فيه عن الجذور التاريخية للحداثة، ثم عن الغموض في أدب الحداثة والغاية منه، ثم خصص مقطعًا من كتابه لبيان أن الحداثة منهج فكري يسعى لتغيير الحياة، وأعقبه بالحديث عن الحداثيين المحليين وموقفهم من الإسلام وقيمه، ثم عن بعض رموز الحداثة العربية وارتباط الحداثيين المحليين بهم، ثم عن أساليب الحداثيين في نشر فكرهم. والكتاب على صغر حجمه -نسبيًا- إلّا أنه يعتبر من أفضل ما كتب في هذا المجال، فقد تناول القضايا الحداثية بصراحة، وكشف مراميها وأهدافها بوضوح، معتمدًا على معايير الإسلام الاعتقادية والشرعية، معضدًا أقواله

стр. 27

بالشواهد والأدلة من كلامهم، معقبًا عليها تعقيبات سديدة مفيدة، في أسلوب واضح وعبارة سلسة، وتوجه إلى المقصود من غير تعمية ولا التباس. وجملة القول: هذا الكتاب من أفضل ما كتب عن الحداثة من كاتب غيور على دينه وأمته، ومهما قلت في هذا الكتاب فإن مخبَرَه الحقيقي أكبر من الإخبار عنه (١). ١٤ - حوار مع الشعر الحر: لسعد دعبيس من ليبيا، ويقع في ١٠٤ صفحات، وهو مخصص في بحث الخصائص الفنية المشتركة بين الشعر الحر والشعر القديم، ولا علاقة له بموضوع هذا البحث. ١٥ - الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث: للدكتور محمد الكتاني، ويقع في ١٣٦٠ صفحة، تحدث فيها المؤلف عن قضية الصراع حديثًا موسعًا يدل على جهد كبير ودأب وسعة اطلاع، وتمكن قوي في مجال الثقافة والأدب، إلّا أن المعيارية الشرعية والاعتقادية لديه شبه معدومة، ولذلك لم تأخذ حيزًا في نظرته إلى قضية الصراع، بل تتناول الموضوع تناولًا حياديًا، وهذا من أكبر المآخذ على هذا الكتاب الضخم، حيث حاول أن يمسك العصا من الوسط -كما يقال- ولايغضب أيًا من الفئتين، وأظنه أخفق في ذلك غاية الإخفاق، بيد أن المهم في هذا الصدد أنه أسقط المعيارية الإسلامية الاعتقادية والشرعية. وعلى كل حال فالكتاب يحتوي على رصد دقيق وشامل لقضية الصراع وتاريخه وجذوره وامتداداته، وأشكاله ومدارسه واتجاهاته الفكرية، ويُمكن الاستفادة منه في هذه المجالات أيما استفادة. ١٦ - الغارة على التراث الإسلامي: للأستاذ جمال سلطان، ويقع في ١٥٥ صفحة من القطع الكبير، وهو كتاب جليل النفع، من كاتب عرف بغيرته على الإسلام وبقلمه الرصين. وفيه تحدث عن المخططات التخريبية الحداثية والعلمانية الموجهة إلى التراث الإسلامي، وخلفيات الأحلاف الفكرية المشبوهة في حربهم لتراث الإسلام وآمال الصحوة الإسلامية، وتحدث عن موقف الحداثة الفكرية

стр. 28

والعلمانية الفكرية والعملية الموجهة بشراسة وحقد عميق إلى التراث الإسلامي مستشهدًا على ذلك بشواهد عديدة، أظهرها ما يجري في الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي جامعة الدول العربية. ١٧ - في خيمة النص، قراءات في أدب المرحلة: للأستاذ علي بن موسى التمني، ويقع في ١٥٣ صفحة من القطع الكبير وهو عبارة عن مجموعة من المقالات النقدية الفكرية، أجاد فيها مؤلفها العرض والمناقشة، وأفاد من خبرته الطويلة في مقاومة التيار الحداثي، ووضوح رؤيته العقدية والفكرية في التعامل مع النصوص الحداثية. وقد بدأ الكاتب حديثه عن التجديد الحداثي وصلته الوثيقة بالتغريب، وضرب أمثلة من المسرح والشعر والقصة والرواية والنقد وبين ضوابط التجديد بينه وبين التبعية والاستعارة الفكرية، ثم تحدث عن الأدب الإسلامي وموقف الرافضين له مصطلحًا ومنهجًا، ثم تحدث عن التبعية الفكرية والاعتقادية المسيطرة على أدب الحداثة مضمونًا وأسلوبًا، ثم حلل طريقة الخطاب الحداثي وما يحتويه من غموض ولبس وهذيان، ثم تحدث عن الرؤية الفكرية المستوردة على ضوء دراسة معجب الزهراني لمجموعة "والضلع حين استوى" القصصية لأميمة الخميس، وما في هذه الدراسة من مضادة للنصوص الشرعية، ثم تحدث عن النتاج القصصي الحداثي، ثم عن التمرد والرفض الحداثي وماذا يعني، ثم رؤيته لمحاضرة حداثية عن "وطننا في عيون بعض الروائيين العرب" ثم أطل على شيء من ثقافة المرحلة "الحداثية" وما تميزت به من عقم وأسن، وساق شواهد على ذلك، ثم تحدث عن مجموعة من شعراء الهزيمة، وأمثلة من شعرهم، ثم أجرى قلمه السيال في حديث عن مجلات حداثية: مجلة "النص الجديد" ومجلة "إبداع" ومجلة "القاهرة" ذاكرًا بعض توجهاتها ومضامينها، وقد ركز المؤلف جزءًا كبيرًا من هذا الكتاب على الحداثيين المحليين، وتميز إضافة إلى جودة الفكرة ووضوحها جدة الأسلوب وروعة العرض. ١٨ - في النقد الحديث: للدكتور نصرت عبد الرحمن، ويقع في ٢٠٦ صفحة، وهو دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية، وجذورها الفلسفية الغربية، وتأثير هذه الفلسفات على المذاهب النقدية، وتسلسل هذه التأثيرات إلى النقد والشعر الحداثيّ العربيّ.

стр. 29

ولم يركز المؤلف على المضامين الاعتقادية بل كان تركيزه على القضايا النقدية والفنية وأسسها الفلسفية، وقد أجاد في الربط بينهما، وفي إعادة كل مذهب نقديّ تعرض له إلى قاعدته الفكرية. ١٩ - القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز: لأبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، ويقع في ٢٨٦ صفحة من القطع الكبير. وفيه دراسة احتفالية بالشعر الحديث، وثناء على إنجازاته الفنية واللغوية، ومدح لأصحابه الذين استطاعوا أن يتجاوزوا الظواهر الفنية القديمة، ويأتوا بملامح فنية جديدة لم يستطع الأصلاء المهدفون إهداف النواعير أن يفهموها "حسب تعبيره" ثم امتدح الآفاق العالمية، والغناء الفكريّ والهم الجماعيّ، وعزائم الحداثة الممتعة للعقل والقلب والروح، والقيم الجمالية الممثلة للعطاء الحضاريّ إلى آخر ما هنالك من عبارات إطراء، يقابلها عبارات تعريض وقدح لغير الحداثيين الذين يرى أنهم تشغلهم الصورة الجزئية، ولم يحسوا بالجمال الفني المتجدد؛ لأنهم يقيسون بالمقاييس الجامدة في كتب البلاغة والنقد القديم، ويستمتعون باسترجاع النماذج الماضية، ووأد القيم الجمالية الحديثة، وقتلنا بما أتخمنا به من الاسترجاع للماضي، وغلواء التقرير والمباشرة، وانعدام الآفاق الحضارية والفلسفية والتراث العالمي التي تضمنها الشعر الحديث إلى آخر ما قال. وتعرض في كتابه أيضًا وبأسلوب قويّ رصين وعبارات حادة أحيانًا للمخاطر الفكرية والاعتقادية للحداثة، بما يوحي بالتناقض بين مدحه وقدحه، غير أن محوره الأساسي هو أن الشرط الجمالي والقيم الجمالية في الإبداع لها استقلال عن كل المعايير، ولها موازينها الخاصة الذاتية التي يُمكن التحاكم إليها وحدها، حيث يقول في ص ٣٥: (إن ما نحتاجه اليوم -في دراسة الأدب الحديث- يجب أن يكون خالصًا لشفافية الفنان، ورؤية الأديب، وتذوق الأكاديميّ، فيما يخدم النص تفسيرًا وامتلاكًا، ولا نأخذ من الثقافة إلّا ما يخدم معايشتنا للنص). وهذه من أعظم فواقر نظرته لموضوع الحداثة، وبناء على ذلك فقد امتدح مجموعة من شعراء الحداثة، وأثنى على شرف مضامين بعضهم!!، ونفى عن بعضهم الانحراف وامتدح الفحولة الشعرية لبعضهم، وأثنى على القصيدة

стр. 30

الحديثة؛ لأن قوامها الفكر وسعة الثقافة، ولا أدري لماذا أغفل ما فيها من إلحاديات ودعارة صريحة، وأعطى عبد الصبور والسياب والبياتي وحجازي من عبارات التزكية والمدح ما ليس فيهم وما لا يستحقونه. والشيء الذي أجاد فيه هو نقده الاعتقاديّ والفكريّ والسياسيّ لحداثة عصابة "شعر" ومن لفّ لفهُم، غير أنه كان يجب عليه عدم التفريق بين المتماثلات، وقد ناقشت بعض أقواله في ثنايا البحث. ٢٠ - مذاهب الأدب الغربي: للدكتور عبد الباسط بدر، ويقع في ١٥٢ صفحة من القطع الصغير، وهو كتاب صغير الحجم كبير الفائدة، حيث أتى بالمذاهب الأدبية الغربية وبين أصول نشأتها وأبعاد منطلقاتها، ثم نقدها نقدًا حصيفًا على ضوء العقيدة الإسلامية، فأجاد فيه أيّما إجادة، ومن أراد معرفة المذاهب الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والبرناسية والرمزية والسريالية والوجودية، معرفة مؤصلة برؤية إسلامية واضحة، فليقرأ هذا الكتاب النادر في بابه. ٢١ - مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي: للدكتور عبد الباسط بدر، ويقع في ١٥٢ صفحة من القطع الكبير، وهو من أحسن ما قرأت في بابه، وأرى أنه لا يستغنى عنه بغيره لمن أراد معرفة حقيقة الصراع بين الأدب الحديث وعقيدة الإسلام. ومؤلفه ضليع في الأدب والفكر والثقافة وراسخ في الربط بينها وبين العقيدة الإسلامية، من منطلق إسلامي واضح، ورؤية اعتقادية جلية، وللحق فإن الكتاب ليس مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي فحسب، بل فيه نقد اعتقادي، وتصنيف فكريّ لأدب الحداثة وأدبائها، وفيه رد على شبهات المعارضين للأدب الإسلامي. وحقيقة الكتاب أعمق بكثير مما ذكرت ووصفت. ٢٢ - نقض أصول الشعر الحر: لإسماعيل جبرائيل العيسى، ويقع في ٢١٢ صفحة من القطع الكبير، وهو كتاب فني نقديّ يعتني بدراسة العروض وأوزان الشعر الحر، وفيه دراسة موجزة لـ "موقف أصحاب ظاهرة الشعر الحر من التراث العربي" في عشر صفحات. ٢٤ - هذا الشعر الحديث: لعمر فروخ، ويقع في ٢٧٢ صفحة من القطع

стр. 31

الكبير، وهو في غالبه مناقشة فنية تهتم بالشكل والتركيب، وليس فيه عن المضمون إلّا القليل النادر. وفي ختام هذه المقدمة أحمد اللَّهَ تعالى الذي هداني لدين الإسلام، ووفقني إلى قفو الأثر، وأسأله سبحانه سلامة النية فيما آتي وأذر، وصلاح القصد في هذا العمل وغيره، وأشكره سبحانه وهو أحق من شكر، وأحمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمدًا يملأ السموات والأرض وما بينهما وما شاء ربنا من شيء بعد، ثم أشكر شيخي الفاضل المشرف على هذا البحث فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، الذي شرفت بإشرافه على هذه الرسالة، وأفدت من علمه وفضله، ورأيت في تعامله وسلوكه نعمة اللَّه على بعض خلقه بما وهبهم من خلق حسن ومروءة عالية ونبل وفضل، وإني وإياه كما قال الشاعر: من زار بابك لَمْ تبرح جوارحه … تروي أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرة والكف عن صلة … والقلب عن جابر والسمع عن حسن (١) كما أشكر كل من أعانني في هذا البحث بأي نوع من الإعانة وأخص بالذكر الأخ علي بن أحمد دخيخ الغامدي وسائر الإخوة الفضلاء الذين تفضلوا بمساعدتي، أسأل اللَّه تعالى أن يجزيهم عني خير الجزاء، وأن يعظم لهم الأجر، ويجزل لهم المثوبة، إنه قريب مجيب. • • •

стр. 32

التمهيد ١ - شمول الإسلام لكل أعمال الإنسان ومناشطه. ٢ - علاقة الأدب بالاعتقاد. ٣ - نبذة عن الانحرافات العقدية المعاصرة في مجال الثقافة والفن والأدب.

стр. 33

١ - شمول الإسلام لكل أعمال الإنسان ومناشطه خلق اللَّه الإنسان وأوجد فيه الإرادة والقدرة على العمل، وجعل له القلب والعقل، العاطفة والفكر، ووهبه أدوات التعلم والتعليم سمعًا وبصرًا وفؤادًا، وسخر له من المخلوقات ما يناسب ضرورته، ويحقق حاجته، المعيشية، ورغبته التحسينية وجعله متميزًا بعقله ونطقه وإرادته. ومنذ أن خلق اللَّه الإنسان أمره ونهاه، أمره وزوجه أن يسكنا الجنة ونهاهما عن أكل الشجرة، وكان الأمر والنهي منه -سبحانه- لمقتضى ألوهيته وربوبيته موجهًا إلى من كانت مقتضيات بشريته وآدميته ومؤهلات الخلقة فيه صالحة للعبودية التامة وقابلة لاتباع أوامر اللَّه واجتناب نواهيه. هذه الحقيقة الأولية التي تظافر على إثباتها البرهان العقلي النقيّ، والفطرة القويمة السليمة، وجاء الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- لترسيخ وإيضاح هذا المعنى كلما لجّت البشرية في غواية الأهواء واسترسلت في اتباع الشياطين من الجن والإنس. إن حقيقة كون الإنسان عبدًا مخلوقًا لإله خالق مدبر إليه المصير؛ هي أم الحقائق وأساس المنطلق لحياة إنسانية حقيقية كريمة، والقاعدة الأولية لمن أراد الدخول في الإسلام أن هذه القضية بمعطياتها ودواعيها وأسبابها وبمقتضياتها ولوازمها ومفرداتها هي أساس الصراع أصلًا بين الحق والباطل والخير والشر والفضيلة والرذيلة والهدى والضلال والاستقامة والانحراف. إنها أساس المعركة بين التوحيد والشرك، والإسلام والكفر، والإيمان والنفاق، ولذلك كانت عقيدة الرسل الكرام ﵈ تنادي ابتداءً

стр. 34

بإفراد اللَّه تعالى بالعبودية والطاعة المطلقة له، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١). إن هذا المعنى يتجلى أول ما يتجلى في الفرق الحاسم بين ربوبية اللَّه تعالى المقتضية للخلق وألوهيته المقتضية للأمر، كما يشاء وفق علمه وحكمته ومشيئته، وبين عبودية المخلوق المقتضية للسمع والانقياد وفق التركيب الربانيّ الموجود في هذا الكائن الحيّ الناطق، الملخص وصفه في أنه "حارث وهمام" (٢) أي له قدرة وإرادة. ومن هنا تتقرر قاعدة الحق والخير والعدل في الوجود كله، وفي علاقة الإنسان والكون بالإله الخالق العظيم؛ وذلك بالتفريق بين حقيقة الألوهية ولوازمها، وحقيقة العبودية بحدودها وضوابطها ونتائجها وما يترتب على هذا كله من صفات وعلامات ونتائج. إن البداية الأولى للإنسان الأول (آدم وزوجه) بدأت من هذا المنطلق، وكلما فتر هذا المعنى في حس البشر أو تزعزع أرسل اللَّه الرسل لإيضاح مهمة الإنسان في هذا الوجود، وتبيان وظيفته في هذه الحياة، وتجلية دوره وعلاقته بربه وخالقه . لقد كان جهاد الأنبياء عظيمًا في مواجهة الانحرافات التي طرأت على البشر، وأهمها تلك الانحرافات المتعلقة بالعقيدة؛ إذ بسببها تقع الانحرافات الأخرى في السلوك والنُّظُم والأعمال والعلاقات، وأخطر تلك الانحرافات الاعتقادية تعددُ الآلهة وكثرة المتبوعين والمطاعين مع اللَّه أو من دون اللَّه، آلهة الأهواء والأعراف والشهوات وآلهة الأصنام والأوثان، كلها تعبد وتطاع، والأرباب في الجاهلية أرباب عديدون وليست هي الأصنام وحدها وإن كانت هي أظهر أنواع الشرك الحسي، فقد كانت القبيلة ربًا معبودًا يطاع، كما قال الشاعر الجاهلي:

стр. 35

وهل أنا إلّا من غزية، إن غوت … غويت، وإن ترشد غزية أرشد (١) وكانت عادات الآباء والأجداد ربًا مطاعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٢). وكانت أنظمة الحكم العرفية تؤصل سلطانها في مثل دار الندوة وأشباهها، وكانت ربًا يطاع، كما كانت الأعراف الأخرى التي يحلّون بها الحرام ويحرمون بها الحلال ويبيحون ويمنعون. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا

стр. 36

رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ (١). وليس هذا حال الجاهلية العربية الذين بعث فيهم خاتم الأنبياء ﷺ بل كان كذلك حال الجاهليات السابقة؛ ولذلك كانت قضية التوحيد هي قضية كل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأن جميع القضايا الأخرى والأعمال والتصرفات تنبني عليها وتقوم على قاعدتها. وكانت الجاهلية في أعصارها المختلفة تقف ضد هذا المعنى وتتصدى للداعين إليه؛ وهو أمر تفرضه طبيعة الاتجاه بين كلتا الفتئتين: الطواغيت وأتباعهم، والأنبياء وأتباعهم. فالطواغيت الجاهلية الكثيرة تفرض سلطانها على الناس وتريد أن تسيرهم وفق ضلالاتها وأهوائها وأعرافها وتسعى لتخرج الناس من النور إلى ظلمات الآلهة المتشاكسة المتخاصمة. والأنبياء جاؤوا لرد البشرية إلى بارئها وتخليصها من ربقة الطواغيت والآلهة والأرباب، وتوجهيهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له. ووقفت الجاهليات أمام دعوة الأنبياء موقفًا واحدًا برغم تباعد الأعصار واختلاف الشعوب والأمصار وقفت موقف الصد والرد والإعراض والاستكبار والتشنيع والسخرية والاستهزاء، ومنذ أن أرسل اللَّه نوحًا ﵊ إلى قومه وقف الملأ المستكبرون -كعادتهم في كل جاهلية- موقف المضادة والمعاندة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ (٢). وكذلك فعل قوم عاد كما أخبر تعالى عن حالهم مع نبيهم هود -عليه

стр. 37

الصلاة والسلام-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ (١). وجاء من بعد عاد قوم ثمود ليقولوا المقولة نفسها ويقفوا الموقف نفسه من نبى اللَّه صالح ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ (٢). وهكذا سارت قافلة الأنبياء تدعو إلى هذا التوحيد الشامل وإلى الإسلام الكامل للَّه تعالى وإلى العبودية المطلقة للَّه -جَلَّ وَعَلَا-، وجاء نبينا محمد ﷺ بالدين نفسه وبعث بالقضية ذاتها، وأخبر ﷺ بأنه وإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، فقال: "الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٣). ونزل القرآن على نبينا محمد ﷺ ليقرر هذا الركن العظيم، ويكرر الكلام حول هذه القضية الكبيرة: "قضية توجيه العبادة كلها للَّه وحده واتباع ما أنزل اللَّه في التحريم والتحليل" ولا غرو أن يكون -حينئذ- الركن الأول

стр. 38

من أركان الإسلام هو "شهادة ألا إله إلّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه" قبل الأركان الأخرى، قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وقبل أي تشريع آخر من تشريعات الإسلام فقد شغلت هذه القضية -قضية التوحيد- الحيز الكبير من القرآن العظيم وشغلت أكثر وقت النبي الكريم ﷺ . بل إننا إذا نظرنا في القرآن نظرة تأمل وتدبر وجدناه كله يدور حول هذه القضية، وأن سواها لا يقوم إلّا بها ولا يصح إلّا بصحتها، ولا يقبل عمل ولا يستقيم سلوك ولا تصح عبادة ولا تستقر حياة إلّا بصحة واستقامة واستقرار المعنى العظيم الذي تحتويه كلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه". ويوضح هذا المعنى خير إيضاح ما جاء في مدارج السالكين من قول مؤلفه ﵀: (وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن: إمَّا خبر عن اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلميّ الخبريّ، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإراديّ الطلبيّ، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة اللَّه لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرَج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (١). ومن ينظر إلى سور القرآن وكلام المصطفى ﷺ يجد أنها كلها تدور حول هذه القضايا التي جاءت في النص السابق ولا تخرج عنها، ويجد تبعًا لذلك أن الإسلام اهتم بقضية التوحيد المقتضي لشمول الإسلام لأعمال

стр. 39

الإنسان وطلب عبودية الإنسان في كل أعماله للَّه تعالى. إن هذه سمة بارزة في نصوص الوحي في أعمال الرسول ﷺ وأصحابه سواء كان ذلك في مكة أو بعد الهجرة إلى المدينة، فأمَّا بروز هذه القضية في العهد المكيّ فأمر واضح للعيان، وقد يظن ظان أن هذا الاهتمام الكبير بالتوحيد في مكة هو لكون المخاطبين كانوا قومًا مشركين، فكان من المناسب أن يتم التركيز والتأكيد على قضية العقيدة، ولكننا نجد أن القرآن استمر في الحديث عنها في العهد المدنيّ بعد أن قامت دولة الإسلام وظهر المجتمع الإسلامي واستقرت العقيدة في قلوب الصحابة والتزم الناس بأحكام الإسلام. وفي هذا دلالة كاملة على أن قضية القضايا وأصل الأصول هي قضية التوحيد ومقتضياته ولوازمه. بيد أن قضية التوحيد والعقيدة ليست في دين الإسلام مجرد اعتقادات قلبية أو مشاعر وجدانية أو قيم خلقية، كما يدعي بعض العلمانيين والحداثيين في بلدان المسلمين، والذين يصفون أنفسهم بالاعتدال في مقابل غلاة العلمانيين وهم الملاحدة الذين ينكرون وجود اللَّه تعالى. وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء وهؤلاء على شعب الضلال والكفر إلّا أن بعضهم أشد وأعتى في كفره من الآخر، في حين أن القسم الأول والذي ينعت بالاعتدال أخطر في بث سمومه وانحرافاته الاعتقادية الخطيرة؛ وذلك بسبب ما يتلبس به من ذكر للإسلام وامتداح لبعض جوانبه وثناء على بعض قضاياه وممارسة بعض أعماله في الوقت الذي يعتقد في قلبه أن الإسلام مجرد علاقة فردية بين العبد وربه أو مجرد عقائد إلهية لا لوازم لها في الواقع ولا مقتضيات لها في الحياة، فيغر الأغرار بما يتلفظ به من ادعاء للإسلام، أو امتداح لبعض قضاياه، ويدس سموم شكوكه وانحرافاته في هذا التظاهر الكاذب المخادع، فيكون حاله أشبه بحال المنافقين الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين، ويدّعون الإسلام وهم يبطنون بغضه أو بغض بعض أحكامه. ومن هنا كانت خطورة هؤلاء على المسلمين، لاسيما إذا نظرنا إلى

стр. 40

رؤوس الضلال العلمانيّ، وما يحيط بهم من هالات الاحتفاء الإعلامي ودعايات الامتداح والاهتمام والإشادة، ثم ما يحيطون به أنفسهم من ادعاء العلم بشريعة الإسلام وتاريخ المسلمين، وما يقتطعونه من أقوال هنا وهناك مبثوثة في كتب العلم أو كتب التاريخ محاولين أن يثبتوا من خلالها أنهم إنّما يتكلمون عن علم بالدين والتاريخ، وأنهم من أهل ملة الإسلام، ثم إذا ترسخ هذا وثبت جاؤوا بالعلمانية في ثوب أدب وشعر ونقد، أو في ثوب ثقافة وفكر، أو في ثوب نظام ودستور، مؤكدين أنهم يحبون الإسلام وأهله، ويفهمون الشرع ومنهجه، وأن هذا الذي يقولونه ليس إلّا فهمًا صحيحًا أو عصريًا أو تنويريًا للدين الإسلامي!!!. أمَّا إذا أردنا أن نسأل: لماذا يتلبس هؤلاء بكل هذه الألبسة؟ ولماذا يموّهون؛ أمورهم بكل هذا التمويه؟. فإننا نجد الإجابة الصريحة الواضحة في قول اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .﴾ (١). (وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات، من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار) (٢).
следующие страницы →