Полный текст (135 стр.). Показаны 106–135 · переход к 111.
стр. 106
والحقُّ أَن وَجه الْمُنَاسبَة لم يَتَّضِح - كَمَا يَنْبَغِي - من خلال هَذَا الْكَلَام؛ إِذْ يرِدُ عَلَيْهِ مَا أوردناه من قبل على تَوْجِيه الزَّمَخْشَرِيّ، من كَونه يحلُّ الْمُنَاسبَة بِالنّظرِ إِلَى الْآيَات اللاحقة فَقَط، دون النّظر إِلَى الْآيَات السَّابِقَة، ولعلنا إِن رَجعْنَا إِلَى أصل كَلَام الفراهي تكون الصُّورَة أَكثر وضوحاً.. وَالله أعلم.
(٨) الْأُسْتَاذ سيد قطب (ت ١٣٨٦هـ) : وسوف أتجاوزه أَيْضا قَلِيلا.. حَيْثُ إِنَّنِي سأختار تَوْجِيهه فِي بَيَان التناسب.
(٩) الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور (ت ١٣٩٧هـ) : فالشيخ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - على دقة فهمه، وَبعد غوره، فِي التَّنْبِيه إِلَى لطائف الْكتاب الْعَزِيز، والاستدراك على هَنَات السَّابِقين، والإسهام الرائع فِي الإضافات المبتكرة، لم يُنبه أَو يُعلق على بَيَان وَجه مناسبةٍ يحلُّ من إِشْكَال هَذِه الْآيَات، وَاكْتفى بِأَن قرَّر أَنَّهَا مدمجةٌ فِي السُّورَة؛ لِأَنَّهَا نزلت فِي أثْنَاء نُزُولهَا (١) .. ثمَّ قَالَ:
((هَذِه الْآيَة وَقعت هُنَا معترضةٌ، وَسبب نُزُولهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن يحرِّك بِهِ لِسَانه، يُرِيد أَن يحفظه، مخافةَ أَن يتفلَّت مِنْهُ، أَو من شدَّة رغبته فِي حفظه، فَكَانَ يلاقي من ذَلِك شدَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ ، قَالَ: جمعَه فِي صدرك، ثمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، قَالَ: فاستمع لَهُ وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَن نبينه بلسانك، أَي: أَن تَقْرَأهُ. أ? (٢) . فَلَمَّا نزل هَذَا الْوَحْي فِي أثْنَاء نزُول السُّورَة للغرض الَّذِي نزل فِيهِ، وَلم تكن سُورَة مُسْتَقلَّة، كَانَ مُلْحقًا بالسورة، وواقعاً بَين стр. 107
الْآي الَّتِي نزل بَينهَا)) (١) .
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ ﵀: ((.. فَيكون وُقُوع هَذِه الْآيَة فِي هَذِه السُّورَة مثل وُقُوع ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ فِي سُورَة مَرْيَم، وَوُقُوع: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فِي أثْنَاء أَحْكَام الزَّوْجَات فِي سُورَة الْبَقَرَة)) (٢) .
وَبعد أَن نقل وَجه القفَّال - الَّذِي نَقله الرَّازِيّ - وعقَّب عَلَيْهِ بِأَن الأسلوب الْعَرَبِيّ ومعاني الْأَلْفَاظ تنبو عَنهُ.. قَالَ: ((.. وَالَّذِي يلوح لي فِي موقع هَذِه الْآيَة هُنَا، دون أَن تقع فِيمَا سبق نُزُوله من السُّور قبل هَذِه السُّورَة، أَن سور الْقُرْآن حِين كَانَت قَليلَة كَانَ النبيُّ ﷺ لَا يخْشَى تفلُّتَ بعض الْآيَات مِنْهُ، فَلَمَّا كثرت السُّور، فبلغت زهاء ثَلَاثِينَ - حسب مَا عدّه سعيد ابْن جُبَير فِي تَرْتِيب نزُول السُّور -؛ صَار النَّبِي ﷺ يخْشَى أَن ينسى بعض آياتها، فَلَعَلَّهُ ﷺ أَخذ يُحَرك لِسَانه بِأَلْفَاظ الْقُرْآن عِنْد نُزُوله احْتِيَاطًا لحفظه، وَذَلِكَ من حرصه على تَبْلِيغ مَا أُنزَلَ إِلَيْهِ بنصِّه، فَلَمَّا تكفل الله بحفظه، أمره ألَاّ يُكَلف نَفسه تَحْرِيك لِسَانه، فالنهيُ عَن تَحْرِيك لِسَانه نهي رحمةٍ وشفقة، لما كَانَ يلاقيه فِي ذَلِك من الشدَّة)) (٣) .
ثمَّ عَاد الشَّيْخ وأكد كَون هَذِه الْآيَات مُعْتَرضَة فِي السِّيَاق، إِذْ قَالَ عِنْد كَلَامه على قَوْله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ : ((رُجُوع إِلَى مِهْيَع الْكَلَام الَّذِي стр. 108
بنيت عَلَيْهِ السُّورَة، كَمَا يرجع الْمُتَكَلّم لوصل كَلَامه بعد أَن قطعه عَارض أَو سَائل)) (١) .
(١٠) الْأُسْتَاذ مُحَمَّد عِزَّةْ دَرْوَزة (ت ١٤٠٤هـ) : لم يشفِ - الْأُسْتَاذ دروزة النفسَ بِمَا كَانَ ينْتَظر من مثله - وَهُوَ من ذكر فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره - كَمَا نقلتُ عَنهُ من قبل - أَن من صلب منهجه ((الاهتمام لبَيَان مَا بَين آيَات وفصول السُّور من ترابط، وَعطف الْجمل القرآنية على بَعْضهَا (سياقاً أَو مَوْضُوعا) ، كلما كَانَ ذَلِك مَفْهُوم الدّلَالَة، لتجلية النّظم القرآني والترابط الموضوعي فِيهِ)) .. إِذْ أَنه اكْتفى بقوله - بعد أَن ذكر رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم فِي سَبَب النّزول -: ((.. وَالرِّوَايَة متسقةٌ مَعَ الْآيَات، وورودها فِي الْموضع الَّذِي وَردت فِيهِ - وَالَّذِي يَبْدُو عجيباً لَا يَسْتَقِيم _ وَالله أعلم _ إِلَّا بغرض أَن تكون هَذِه الْحَادِثَة وَقعت أثْنَاء نزُول الْآيَات السَّابِقَة لَهَا، فَأوحى الله بِهَذِهِ الْآيَات فَوْرًا لبَيَان مَا فِي الْعَمَل من عجلة لَا ضَرُورَة لَهَا، فأملى النبيُّ ﷺ على كَاتبه الْآيَات مَعَ الْآيَات الْأُخْرَى، وَلَو لم تكن مُتَّصِلَة بهَا مَوْضُوعا)) (٢) .
وَهَكَذَا.. ترك الْأُسْتَاذ المشكلة من غير حلٍّ!
وَهنا تَأتي أهمية الرُّجُوع إِلَى البقاعي وَسيد قطب - اللَّذين تجاوزنا ترتيبهما.
أما برهَان الدّين البقاعي.. فقد حاول فِي كِتَابه الْعَظِيم (نظم الدُّرَر) حلَّ الْإِشْكَال بمراعاة مَا ذكره فِي أَوله من النّظر إِلَى سِيَاق السُّور، وربط أَجْزَائِهَا بِبَعْض، فَبعد كلامٍ جيد حول قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى стр. 109
مَعَاذِيرَهُ﴾ حَاصله أَن الْإِنْسَان المقصر، المجادل عَن نَفسه، حجةٌ على نَفسه، وَلَو احْتج عَنْهَا واجتهد فِي ستر عيوبها، فَلَا تقبل مِنْهُ الْأَعْذَار؛ لِأَنَّهُ أُعطي البصيرة - وَهِي نور الْمعرفَة المركوزة فِي الْفطْرَة الأولى - فأعماها بهوى النَّفس وشهواتها.. بعد ذَلِك قَالَ ﵀:
((.. وَمعنى هَذَا كُله أَن الْإِنْسَان محجوبٌ فِي هَذِه الدَّار عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق، بِمَا فِيهِ من الحظوظ والكسل والفتور، وَلما فِيهِ من النقائص، بَيْنَمَا كَانَ النبيُّ ﷺ مبرَّءاً من ذَلِك؛ لخلق الله إِيَّاه كَامِلا، وترقيته بعد ميلاده كلَّ يومٍ فِي مراقي الْكَمَال (...) . وَلكنه ﷺ لتعظيمه لهَذَا الْقُرْآن، لما لَهُ فِي نَفسه من الْجَلالَة، وَلما فِيهِ من خَزَائِن السَّعَادَة، والعلوم الَّتِي لَا حدَّ لَهَا (...) كَانَ يُحرِّك بِهِ لِسَانه استعجالاً لتعهُّده؛ ليحفظه وَلَا يشذَّ عَنهُ مِنْهُ شَيْء، وَلما كَانَ قد ختم - سُبْحَانَهُ - مَا قبلهَا - أَي مَا قبل هَذِه الْآيَات الْأَرْبَع - بالمعاذير، وَكَانَت العجلة مِمَّا يُعتذر عَنهُ، وَكَانَ الْحَامِل على جَمِيع مَا يُوجب الْمَلَامَة والاعتذار مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان من حب العاجلة، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لِئَلَّا يمِيل إِلَى العاجلة، وَلَا يَقع فِي مخالفةٍ، إعلاماً بِأَنَّهُ قد دفع عَن نبيه ﷺ تِلْكَ الْحجب، وأوصله من رُتْبَة (لوكشف الغطاءُ مَا ازددتُ يَقِينا) إِلَى أنهاها، وَبِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قادرٌ على مَا يُرِيد من كشفِ مَا يُرِيد لمن يُرِيد، كَمَا يكْشف لكل إنسانٍ عَن أَعماله فِي الْقِيَامَة، حَتَّى يعرف مَا قدَّم مِنْهَا وَمَا أخَّر، وتنبيهاً على أَنه ﷺ لَا كسب لَهُ فِي هَذَا الْقُرْآن غير حسن التلقي، إبعاداً لَهُ عَن قَول الْبشر، (...) وَلما لم يكن لهَذَا التحريك فَائِدَة - مَعَ حفظ الله لَهُ على كل حَال - إِلَّا قصد الطَّاعَة بالعجلة، وَكَانَت العجلة هِيَ الْإِتْيَان بالشَّيْء قبل أَوَانه الْأَلْيَق بِهِ، وَلِأَن هَذِه العجلة وَإِن كَانَت من الكمالات بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ ، وَإِلَى إخوانه
стр. 110
الْأَنْبِيَاء - فَإِنَّهُ هَذَا التحريك من النَّفس اللوّامة، الَّتِي تلوم على ترك الْمُبَادرَة إِلَى أَفعَال الْخَيْر، وَغَيرهَا من أَفعَال النَّفس المطمئنة أكملُ مِنْهَا - فَنقل ﷺ من مقامٍ كَامِل إِلَى أكملَ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا الْكَلَام الْمُتَعَلّق بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي بعده فرقاناً بَين صِفَتي اللوّامة فِي الْخَيْر واللوّامة فِي الشَّرّ..)) (١) .
وَهَكَذَا.. لَا يَكْتَفِي البقاعي بربط الْآيَات بِمَا سبقها مُبَاشرَة، بل يصل بهَا فِي بَيَان الْمُنَاسبَة إِلَى مطلع السُّورَة الْكَرِيمَة، لَا سِيمَا الْآيَة الثَّانِيَة مِنْهَا: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ .
ثمَّ يُصَرح ﵀ بمناسبة الْآيَات لسورة المدثر الَّتِي قبلهَا بقوله: ((.. وَالْآيَة ناظرةٌ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي المدثر حِكَايَة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ، وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض فِي وصف حَال الْقِيَامَة، جرَّ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ )) .
وَهَذَا ملمح ذكيٌّ مِنْهُ، حَيْثُ ربط بَين السورتين وكأنهما فِي سِيَاق واحدٍ، وَجعل مَا اعْتَبرهُ (اعتراضاً) مقسمًا على السورتين، وَهَذَا مِنْهُ وفاءٌ لمنهجه الَّذِي ذكر فِيهِ أَنه ينظر إِلَى الْغَرَض الَّذِي سيقت لَهُ السُّورَة، ثمَّ ينظر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض من الْمُقدمَات، ومراتبها فِي الْقرب والبعد من الْمَطْلُوب، ثمَّ ينظر عِنْد انجرار الْكَلَام فِي الْمُقدمَات إِلَى مَا يستتبعه من استشراف نفس السَّامع إِلَى الْأَحْكَام واللوازم التابعة لَهُ، وَالَّتِي تَقْتَضِي البلاغة شِفَاء الغليل بِدفع عناء стр. 111
الاستشراف إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهَا (١) . . وَهَكَذَا.. حَتَّى يظْهر بِالْفِعْلِ مصداق كلمة الشَّيْخ ولي الله الملوي فِي آيَات الذّكر الْحَكِيم: ((إِنَّهَا على حسب الوقائع تنْزيلاً، وعَلى حسب الْحِكْمَة ترتيباً)) (٢) .
وعَلى الرغم من هَذِه الإجادة من البقاعي ﵀ وَأحسن إِلَيْهِ - فِي هَذَا الْوَجْه من التناسب؛ إِلَّا أنني أرى أَن الْأُسْتَاذ الأديب الذواقة سيد قطب ﵀ هُوَ أقرب من تعرضوا لهَذِهِ الْآيَات إِلَى إِصَابَة المحزِّ فِي بَيَان تساوق آيَات السُّورَة كلهَا فِي الْإِشَارَة إِلَى مقصدٍ كليٍّ.. وَذَلِكَ حِين يشدًّ آيَات السُّورَة كلهَا إِلَى معنى أساسي وَاحِد تَجْتَمِع عَلَيْهِ، وترتدُّ إِلَيْهِ، وَهُوَ معنى ((الجِدِّ الْخَالِص)) الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُنظر إِلَى هَذَا الدّين كُله - بتعاليمه، وعقائده، وَأَحْكَامه - على أساسٍ مِنْهُ.. يَقُول ﵀ فِي مُقَدّمَة السُّورَة:
((.. وَفِي ثنايا السُّورَة وحقائقها ومشاهدها تعترض أَربع آياتٍ تحتوي توجيهاً خَالِصا للرسول ﷺ ، وتعليماً لَهُ فِي شَأْن تلقي هَذَا الْقُرْآن، ويبدو أَن هَذَا التَّعْلِيم جَاءَ بمناسبةٍ حَاضِرَة فِي السُّورَة ذَاتهَا؛ إِذْ كَانَ الرَّسُول ﷺ يخَاف أَن ينسى شَيْئا مِمَّا يُوحى إِلَيْهِ، فَكَانَ حرصه على التحرُّز من النسْيَان يَدْفَعهُ إِلَى استذكار الْوَحْي فقرةً فقرةً فِي أثْنَاء تلقيه، وتحريك لِسَانه بِهِ ليستوثق من حفظه، فَجَاءَهُ هَذَا стр. 112
التَّعْلِيم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ ليطمئنه إِلَى أَن هَذَا الْوَحْي، وَحفظ هَذَا الدّين، وَجمعه، وَبَيَان مقاصده، كل أُولَئِكَ موكولٌ إِلَى صَاحبه، ودورُه هُوَ التلقي والبلاغ، فليطمأنَّ بَالا، وليتلقَّ الْوَحْي كَامِلا، فيجده فِي صَدره مَنْقُوشًا ثَابتا، وَهَكَذَا كَانَ)) (١) .
ثمَّ يَقُول ﵀: ((.. وبالإضافة إِلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مُقَدّمَة السُّورَة عَن هَذِه الْآيَات، فَإِن الإيحاء الَّذِي تتركه فِي النَّفس هُوَ تكفُّل الله الْمُطلق بشأن هَذَا الْقُرْآن: وَحيا، وحفظاً، وجمعاً، وبياناً، وإسنادُه إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَيْسَ للرسول ﷺ من أمره إِلَّا حملُه وتبليغُه، ثمَّ لهفةُ الرَّسُول ﷺ وَشدَّة حرصه على اسْتِيعَاب مَا يُوحى إِلَيْهِ، وَأَخذه مَأْخَذ الْجد الْخَالِص، وخشيتُه أَن ينسى مِنْهُ عبارَة أَو كلمة، مِمَّا كَانَ يَدعُوهُ إِلَى مُتَابعَة جِبْرِيل ﵇ فِي التِّلَاوَة آيَة آيَة، وَكلمَة كلمة، يستوثق مِنْهَا أَن شَيْئا لم يفُتْه، ويتثبت من حفظه لَهُ فِيمَا بعد، وتسجيل هَذَا الْحَادِث فِي الْقُرْآن المتلوِّ لَهُ قِيمَته فِي تعميق هَذِه الإيحاءات الَّتِي ذكرنَا هُنَا وَفِي مُقَدّمَة السُّورَة بِهَذَا الْخُصُوص)) (٢) .
ولننظر فِي أَمر هَذَا (الجدِّ الْخَالِص) الَّذِي ردَّ إِلَيْهِ سيد قطب آيَات السُّورَة، وَجعله المحور الَّذِي تَدور عَلَيْهِ.
أَلَيْسَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بِالنَّفسِ اللوَّامة فِي مطْلعهَا؟! . .
ثمَّ بِالْإِشَارَةِ إِلَى أُولَئِكَ الَّذين يحسبون أَن الْمَوْت هُوَ نِهَايَة الرحلة؛ وَلذَلِك يُرِيدُونَ ليفجروا فِي حياتهم من غير أَن يشعروا بأية مسؤولية تحدُّ من عُتوِّهم، стр. 113
أَو آخرةٍ سيُحاسبون فِيهَا على أَعْمَالهم.
ثمَّ بتقرير أَن الْإِنْسَان ذَاته بصيرةٌ على نَفسه، وَأَن معاذيره الكاذبة لن تَنْفَعهُ.. يَوْم تُبلى السرائر.
ثمَّ بعد ذَلِك - بعد الْآيَات (المعترضة) مُبَاشرَة - يَأْتِي ذكر أُولَئِكَ المتعجِّلين من قصار النّظر، الَّذين لَا يرَوْنَ أبعد من أنوفهم، فيحبون العاجلة ويذرون الْآخِرَة.
ثمَّ يَأْتِي تَصْوِير حَال الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ، إِذْ يعاين سَكَرَات الْمَوْت، ويتبدَّى ضعفه التَّام، وضآلته الْبَالِغَة أَمَام الْحَقِيقَة الرهيبة الَّتِي طالما تصامم عَنْهَا، وتشاغل عَن الِالْتِفَات إِلَيْهَا، حقيقةِ الْمَوْت، مصيرِه ومصيرِ جَمِيع الْخلق، وحينها - حِين تبلغ روحه التراقي، ويُهرع أَهله وَمن حوله إِلَى من يرقيه.. بَيْنَمَا يُوقن هُوَ وَهُوَ على أَبْوَاب الْآخِرَة أَنَّهَا النِّهَايَة - حينها فَقَط يعلم أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين، بَيْنَمَا كَانَ - فِي فرصه الْإِمْكَان - يعِيش حَيَاته لاهياً عابثاً، وَلَا يَأْخُذ هَذِه الْحَقَائِق مَأْخَذ (الْجد الْخَالِص) الَّذِي يَنْبَغِي لَهَا.
ثمَّ تُقرِّر السُّورَة فِي آياتها الْأَخِيرَة هَذِه الْحَقِيقَة، عَن طَرِيق الِاسْتِفْهَام الإنكاريِّ التوبيخي: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ لِترد عجزها إِلَى صدرها، لتلتقي الْمُقدمَة والمؤخرة على بَيَان وجوب (الْجد الْخَالِص) ، الَّذِي لن ينجو إِنْسَان بِغَيْرِهِ.
يَقُول سيد قطب ﵀: ((.. وَهَكَذَا تعالج السُّورَة عناء هَذَا الْقلب، وإعراضه، وإصراره، ولهوه، وتُشعره بالجدِّ الصارم الحازم فِي هَذَا الشَّأْن، شَأْن الْقِيَامَة، وشأن النَّفس، وشأن الْحَيَاة المقدّرة بحسابٍ دَقِيق، ثمَّ شَأْن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي لَا يُخرم مِنْهُ حرف؛ لِأَنَّهُ من كَلَام الْعَظِيم الْجَلِيل، الَّذِي تتجاوب جنباتُ
стр. 114
الْوُجُود بكلماته، وَتثبت فِي سجل الْكَوْن الثَّابِت، وَفِي صلب هَذَا الْكتاب الْكَرِيم)) .
ثمَّ يَقُول - قبيل تَفْصِيله القَوْل فِي الْآيَات بمفردها -:
((.. وَقد عرضنَا نَحن لحقائق السُّورَة ومشاهدها فُرَادَى لمُجَرّد الْبَيَان، وَهِي فِي نسق السُّورَة شيءٌ آخرٌ؛ إِذْ إِن تتابعها فِي السِّيَاق، والمزاوجة بَينهَا هُنَا وَهُنَاكَ، ولمسة الْقلب بِجَانِب من الْحَقِيقَة مرّة، ثمَّ العودة إِلَيْهِ بالجانب الآخر بعد فَتْرَة، كل ذَلِك من خَصَائِص الأسلوب القرآني فِي مُخَاطبَة الْقلب البشري، مِمَّا لَا يبلغ إِلَيْهِ أسلوب آخر، وَلَا طَريقَة أُخْرَى)) (١) .
وَهَكَذَا.. بعد هَذَا التطواف - الَّذِي طَال قَلِيلا - مَعَ هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة من سُورَة الْقِيَامَة، نتبين أَن ثمَّة رابطةً قَوِيَّة تشدُّها إِلَى محور السُّورَة، وَأَن التناسب وَاضح - عِنْد إمعان النّظر، وتعميق التَّأَمُّل - بَين آياتها كلهَا، وَبَينهَا وَبَين سابقتها ولاحقتها.
ويهمُّني فِي نِهَايَة هَذَا الْعرض لأقوال الْمُفَسّرين المتعددة - وَبعد أَن رجحتُ تَوْجِيه البقاعي، ثمَّ فضلتُ عَلَيْهِ تَوْجِيه سيد قطب - أَن أُشير إِلَى مسألةٍ مهمة فِي هَذَا السِّيَاق.. وَهِي أَنه مهما اخْتلفت الآراء أَو تنوعت، حول توضيح نوع الارتباط بَين هَذِه الْآيَات المشكلة - أَو مَا يشابهها من حَيْثُ عدم ظُهُور الْمُنَاسبَة فِي بادىء النّظر -.. إِلَّا أنني ألحظ - عِنْد بذل شيءٍ من الوسع وتدقيق النّظر - توافقاً على وجهٍ مَا، وترابطاً على نحوٍ أَو آخر، وَقد يظنُّ صَاحب النظرة العجلى أَن هُنَاكَ تباعداً بَين مَوْضُوعَات الْآيَات والأحداث الَّتِي تُشِير إِلَيْهَا أَو تتناولها، إِلَّا أَن تدبُّر الْآيَات مرّة بعد مرّة، ومحاولة دراسة ظروف النَّص، وسَبْرِ أغوار стр. 115
الْمَعْنى، يَنْفِي أيَّ تنافرٍ أَو تباعدٍ بَين الْآيَات، وسرعان مَا يطمئنُّ الْمَرْء إِلَى وجود صلَة، وَحُصُول علاقَة، وتوفر مُنَاسبَة، وَهَذَا مَا يوحي بِهِ قَول الباقلاني: ((.. هَذَا خروجٌ لَو كَانَ فِي غير هَذَا الْكَلَام لتُصوِّر فِي صُورَة الْمُنْقَطع.. وَقد تمثل فِي هَذَا النّظم لبراعته وَعَجِيب أمره، وموقع لَا ينفكُّ مِنْهُ القَوْل)) (١) مُشِيرا بذلك إِلَى الترابط والتلاحم الَّذِي يقوم عَلَيْهِ النّظم القرآني (٢) .
وثمَّةَ أمرٌ آخرٌ تجدر الْإِشَارَة إِلَيْهِ أَيْضا، وَهُوَ أَن ترجيحي مَا رجحت لَا يَنْفِي مَا قد يكون من صِحَة غَيره مِمَّا ذكرتُ - أَو مِمَّا لم أقع عَلَيْهِ - وَذَلِكَ أَن السُّورَة أَو الْجُمْلَة من الْقُرْآن الْمجِيد قد تحْتَمل أَكثر من وجهٍ فِي بَيَان نظامها وارتباطها، وَلَا بَأْس بِتَعَدُّد هَذِه الْوُجُوه - مَا لم تؤدِّ إِلَى تعارضٍ أَو تناكُرٍ - لِأَن الْقُرْآن مبنيٌّ على تعدُّد الدّلَالَة (٣) .. وَكَيف لَا، وَهُوَ كَلَام الله الآخر إِلَى البشرية حَتَّى قيام السَّاعَة؟ ! فَلَا تزَال دَائِرَة دلالاته تتسع وتتنوع، وَلَا يزَال مجَال الْأَخْذ مِنْهُ يتراحب، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (الْكَهْف / ١١٠) . стр. 116
ثَانِيًا: التناسب فِي السُّورَة الْوَاحِدَة:
ثمَّة أُمُور عدَّة يُنظر إِلَيْهَا عِنْد بَيَان تناسب السُّورَة الْوَاحِدَة، وَمِنْهَا: تَحْدِيد (شخصية السُّورَة) ، وتحديد (عمودها) الَّذِي تقوم عَلَيْهِ، وإبراز مقاصدها الْكُلية، ومناسبة فَاتِحَة السُّورَة لخاتمتها، ومناسبة اسْمهَا لموضوعها الرئيس.
وسوف أحاول أَن أنظر فِي هَذِه الْمسَائِل على ضوء مثالٍ تطبيقي.. وَليكن
стр. 117
الْمِثَال هُوَ سُورَة الْأَعْرَاف.. وهى من الطوَال (٢٠٦ آيَة) ، وَقد تشابكت فِيهَا الموضوعات والقصص، بِمَا يصلح لكَونهَا أنموذجاً لتطبيق مَا أرَاهُ من التناسب فِي سور الْقُرْآن الْكَرِيم..
(١) سُورَة الْأَعْرَاف: لَيْسَ أفضل من سيد قطب.. ليحدد ملامح سور الْقُرْآن، وليرسم - بقلمه الصَّنَاع، وحسِّه المرهف - ملامحها الْخَاصَّة! وَهُوَ يحدد ملامح سُورَة الْأَعْرَاف فِي كَونهَا تقصُّ تَارِيخ رحْلَة موكب الْإِيمَان يحمل العقيدة.. فَهِيَ تعالج مَوْضُوع العقيدة فِي المجال التاريخي الحركي، بَيْنَمَا عَالَجت سُورَة الْأَنْعَام - السَّابِقَة لَهَا مُبَاشرَة - ذَات الْمَوْضُوع، وَلَكِن فِي المجال التنظيري التقريري.. يَقُول سيد قطب ﵀ عَن سُورَة الْأَعْرَاف: ((.. إِنَّهَا تعرضه (مَوْضُوع العقيدة) فِي مجَال التَّارِيخ البشري.. فِي مجَال رحْلَة البشرية كلهَا، مبتدئة بِالْجنَّةِ وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وعائدة إِلَى النقطة الَّتِي انْطَلَقت مِنْهَا. وَفِي هَذَا المدى المتطاول تعرض (موكب الْإِيمَان) من لدن آدم ﵇ إِلَى مُحَمَّد ﵊.. تعرض هَذَا الموكب الْكَرِيم، يحمل هَذِه العقيدة، ويمضي بهَا على مدَار التَّارِيخ، يواجه بهَا البشرية جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل، ويرسم سِيَاق السُّورَة فِي تتابعه كَيفَ اسْتقْبلت البشرية هَذَا الموكب وَمَا مَعَه من الْهدى؛ كَيفَ خاطبها هَذَا الموكب؟ وَكَيف جاوبته؟ وَكَيف وقف الْمَلأ مِنْهَا لهَذَا الموكب بالمرصاد؟ وَكَيف تخطى هَذَا الموكب أرصادها وَمضى فِي طَرِيقه إِلَى الله؟ وَكَيف كَانَت عَاقِبَة المكذبين وعاقبة الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟..
إِنَّهَا رحْلَة طَوِيلَة.. طَوِيلَة. وَلَكِن السُّورَة تقطعها مرحلةً مرحلةً، وتقف مِنْهَا عِنْد مُعظم المعالم البارزة، فِي الطَّرِيق المرسوم.. ملامحه وَاضِحَة، ومعالمه قَائِمَة، ومبدؤه مَعْلُوم، ونهايته مرسومة.. والبشرية تخطو فِيهِ بمجموعها الحاشدة، ثمَّ
стр. 118
تقطعه رَاجِعَة إِلَى حَيْثُ بدأت رحلتها فِي الْمَلأ الْأَعْلَى)) (١) .
ثمَّ يَقُول ﵀ بعد تَفْصِيل ماتع، سرده بأسلوبه الأدبى الرفيع -: ((إِنَّهَا قصَّة البشرية بجملتها، فِي رحلتها.. ذَهَابًا وإياباً ﴿تتمثل فِيهَا حَرَكَة هَذِه العقيدة فِي تَارِيخ البشرية ونتائج هَذِه الْحَرَكَة فِي مداها المتطاول.. حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى غايتها الْأَخِيرَة فِي نقطة المنطلق الأولى..)) .
وتلتقي سورتا الْأَنْعَام والأعراف - كَمَا سبقت الْإِشَارَة - على غَرَض (عرض العقيدة) .. وَلَكِن تبقى لكلٍّ مِنْهُمَا شخصيتها فِي تنَاوله.. وَكَذَلِكَ تبقى لكلٍّ مِنْهُمَا شخصيتها الفنية، من حَيْثُ الْأَدَاء التعبيري والأسلوب ...
((فالتعبير فِي كل سُورَة يُنَاسب منهجها فِي عرض الْمَوْضُوع. فَبَيْنَمَا يمْضِي السِّيَاق فِي الْأَنْعَام فِي موجات متدافعة، وبينما تبلغ الْمشَاهد دَائِما دَرَجَة اللألاء والتوهُّج والالتماع، وتبلغ الإيقاعات دَرَجَة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع.. إِذا السِّيَاق فِي الْأَعْرَاف يمْضِي هادئ الخطو، سهلَ الْإِيقَاع، تقريريَّ الأسلوب، وكأنما هُوَ الْوَصْف المصاحب للقافلة فِي سَيرهَا المديد.. خطْوَة خطْوَة، ومرحلة مرحلة.. حَتَّى تؤوب﴾ وَقد يشْتَد الْإِيقَاع أَحْيَانًا فِي مَوَاقِف التعقيب، وَلكنه سرعَان مَا يعود إِلَى الخطوة الوئيد الرتيب ﴿ ... وهما، بعدُ، سورتان مكيتان من الْقُرْآن﴾ )) (٢) .
(٢) عَمُود السُّورَة: وَهَذَا، كَمَا تقدم، من مصطلحات الشَّيْخ الفراهي ﵀.. وَهُوَ يقْصد بِهِ العنوان الرئيس للسورة، الَّذِي تُؤدِّي مَعْرفَته إِلَى ردِّ جَمِيع مَقَاصِد السُّورَة وموضوعاتها إِلَيْهِ - كَمَا سبق تَفْصِيله فِي المبحث الثَّالِث - стр. 119
. وَقد ذكر الشَّيْخ الفراهي أَن عَمُود سُورَة الْأَعْرَاف هُوَ إنذار أهل الْقرى، وتوعُّدهم بالهزيمة، وَتَقْرِير غَلَبَة الْحق.. (١) .
وَهَذَا حقٌّ، وَيدل عَلَيْهِ مَا سبق من كلامٍ فِي (ملامح السُّورَة) الَّتِي هِيَ ((قصُّ رحْلَة موكب الْإِيمَان حَامِلا العقيدة)) ، وَالَّتِي تُستنبط من نتائج هَذِه الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِيهَا، من نصر الله أنبياءه وَرُسُله،، ودوران الدائرة على أعدائهم.. بداية من لعن الشَّيْطَان الرَّجِيم وتحقير شَأْنه، وَحَتَّى تَمْكِين الْمُسْتَضْعَفِينَ من بني إِسْرَائِيل فِي الأَرْض بعد دمار فِرْعَوْن وَجُنُوده.. فَهَذِهِ النهايات كلهَا تذكير لـ (أهل الْقرى) من مُشْركي مَكَّة، وَمن كل الطغاة من بعدهمْ بِأَن نور الله غَالب، وَأَن كَلمته هِيَ الْبَاقِيَة، وَأَن جنده هم المنصورون.
(٣) مَقَاصِد السُّورَة: بِالْإِضَافَة إِلَى الْمَقْصد الرئيس السَّابِق، والمعبَّر عَنهُ بـ (عَمُود السُّورَة) ، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَيْضا البقاعي بقوله: ((.. ومقصودها إنذار من أعرض عَمَّا دَعَا إِلَيْهِ الكتابُ فِي السُّور الْمَاضِيَة، من التَّوْحِيد والاجتماع على الْخَيْر، وَالْوَفَاء لما قَامَ على وُجُوبه من الدَّلِيل فِي الْأَنْعَام، وتحذيره بقوارع الدَّاريْنِ)) (٢) .. بِالْإِضَافَة إِلَى هَذَا؛ ثمَّة مَقَاصِد أُخْرَى تنطوي فِي هَذَا الْمَقْصد الْأَعَمّ.. وَقد أحسن عرض هَذِه الْمَقَاصِد الشَّيْخ الطَّاهِر بن عاشور ﵀.. وَعنهُ نذكرها - ملخَّصةً ومنسقةً - (٣) ..
١ - تَقْرِير التَّوْحِيد، وَالنَّهْي عَن اتِّخَاذ الشُّرَكَاء من دون الله، وإنذار الْمُشْركين. стр. 120
٢ - التَّذْكِير بِمَا أودع الله فِي فطْرَة الْإِنْسَان من وَقت تكوين أَصله من الْقبُول بِالْإِيمَان، وتحذير النَّاس من التلبُّس ببقايا مكر الشَّيْطَان الَّذِي أغوى بِهِ أبويهما الْأَوَّلين، وَالدّلَالَة على طَرِيق النجَاة من تلبيسه ووسوسته.
٣ - التَّذْكِير بِالْبَعْثِ وتقريب دَلِيله، وَوصف أهوال يَوْم الْجَزَاء، وأحوال أَهله من الْمُجْرمين والمتقين..
٤ - تذكير النَّاس بِنِعْمَة خلق الأَرْض، وتمكين النَّوْع الإنساني من خيراتها، وَالنَّهْي عَن الْفساد فِيهَا، والدعوة إِلَى إصلاحها وإعمارها لصالح الإنسانية.
٥ - الْإِفَاضَة فِي قصِّ أَخْبَار الرُّسُل مَعَ أقوامهم، وَمَا لاقوه من عنادهم وأذاهم، ثمَّ مَا آل إِلَيْهِ أُولَئِكَ المكذِّبون من سوء الْمصير فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة.. وَحسن التَّخَلُّص من هَذَا إِلَى ذكر الْبشَارَة بِنَبِي الرَّحْمَة ﷺ ، وَصفَة أمته، وَفضل دينه الْخَاتم.
هَذِه رُؤُوس الْمَقَاصِد الفرعية، المنطوية فِي (عَمُود السُّورَة) الرئيس.. وغنىٌّ عَن الذّكر أَن نشِير إِلَى أَن الحَدِيث عَن هَذِه الْمَقَاصِد جَاءَ موزعاً على آيَات السُّور، من أَولهَا إِلَى آخرهَا، بِحَيْثُ ترتبط بدايتها بنهايتها فِي وشيجة وَاحِدَة، وقالب خَاص.. وبإعجاز باهر.. بِحَيْثُ لَو تكلّف متكلف أَن يعبر عَن هَذِه الموضوعات المتواشجة المترابطة بأضعاف كلماتها الَّتِي سيقت بهَا فِي هَذِه السُّورَة الْعَظِيمَة - لم يسْتَوْف عُشْرَ معشار مَا استوفته.. ثمَّ إِنَّك تَجِد فِيمَا قد يتكلفه معَارض الْقُرْآن الْمجِيد ((ثِقَل النّظم، ونفور الطَّبْع، وشِرَاد الْكَلَام، وتهافت القَوْل، وتمنُّع جَانِبه، والقصور عَن الْإِيضَاح عَن واجبه. ثمَّ إِنَّك لَا تقدر على أَن تنْتَقل من قصَّة إِلَى قصَّة، وَفصل إِلَى فصل، حَتَّى تتبين لَك مَوَاضِع الْوَصْل، وتستصعب عَلَيْك أَمَاكِن الْفَصْل. ثمَّ لَا يمكنك أَن تصل بالقصص مواعظَ زاجرة، وأمثالاً
стр. 121
سائرة، وَحكما جليلة، وأدلةً على التَّوْحِيد بيِّنة، وكلمات فِي التنْزيه والتحميد شريفة. (...) وَلَو لم يكن إِلَّا حديثٌ وَاحِد على هَذَا النمط الباهر لكفى، وأقنع وشفى ﴿وَلَو لم تكن إِلَّا سورةٌ وَاحِدَة لكفت فِي الإعجاز.. فَكيف بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم؟﴾ )) (١) ..
(٤) مُنَاسبَة فَاتِحَة السُّورَة لخاتمتها: وَرَغمَ أَن هَذَا يظْهر من خلال عرض مَقَاصِد السُّورَة، الَّتِي تردُّ الآخر إِلَى الأول، وتمهد بِالْفَاتِحَةِ للخاتمة.. إِلَّا أنَّا نخصه بِالذكر لزِيَادَة الْبَيَان على هَذَا الاتساق والترابط فِي بُنيان السُّورَة الْوَاحِدَة.
فقد قصَّت السُّورَة الْكَرِيمَة فِي أوائلها كَيفَ نجح الشَّيْطَان فِي إِخْرَاج آدم من الْجنَّة، وبينت أَن محاولاته لتضليل بنيه لن تَنْتَهِي.. وَفِي أثْنَاء السُّورَة تناولت - عبر قصَص أَنْبيَاء الله نوح وَهود وَصَالح وَلُوط وَشُعَيْب ومُوسَى، مَعَ أقوامهم - كَيفَ نجح اللعين مرّة أُخْرَى فِي إغواء من أغوى عبر تَارِيخ الإنسانية، وَلكنهَا عَادَتْ فِي الْأَخير لتذكر بِأَن الشَّيْطَان، مهما بلغ، لَا يملك أَكثر من الوسوسة.. فكيده، مهما عظم، ضَعِيف.. ومكره، مهما استخفى، لَا يَحِيق إِلَّا بِهِ وبأوليائه.. وَمَا دَامَ الْإِنْسَان معتصماً بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم، فستنهزم عَنهُ وساوس اللعين وترتد مدحورةً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الْآيَة ٢٠١) .. وَخير مَا يعْصم الْمَرْء تشبثُه بِذكر الله تَعَالَى؛ فَإِن هَذَا الذّكر هُوَ الَّذِي يعصمه من الزلل، ويستبقيه فِي مستوى الْإِيمَان الرفيع. وَخير الذّكر هُوَ الْقُرْآن الْمجِيد، الَّذِي افتتحت السُّورَة بتقرير حقيته: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الْآيَة ٢) ، واختتمت بتعظيم شَأْنه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الْآيَة ٢٠٤) .. وَبِهَذَا الذّكر يَنْتَظِم стр. 122
الْمُؤمن العابد مَعَ الْكَوْن كُله فِي أنشودة حمد الله وتعظيمه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الْآيَة ٢٠٦) (١) ..
أَرَأَيْت، إِذن، إِلَى هَذِه الْمُنَاسبَة التَّامَّة، والرابطة الْوَثِيقَة، والوشيجة المتينة، بَين فَاتِحَة السُّورَة وخاتمتها - وَمَا بَينهمَا؟ ﴿
أَلا تبدو لَك السُّورَة - على طولهَا - وَكَأَنَّهَا - بِالْفِعْلِ - وحدة وَاحِدَة؟﴾
فعزَّ من هَذَا كَلَامه، وَسُبْحَان مَنْ هَذَا بيانُه ﴿
(٥) مُنَاسبَة اسْم السُّورَة لمقاصدها وعمودها: وَهَذَا أَمر دَقِيق جدا؛ إِذْ إِنَّه يجمع (عَصَب) السُّورَة كلَّه فِي اسْمهَا، فَكَأَن هَذَا الِاسْم (شفرة) لبنيانها كلِّه﴾ .. فلنحاول.. وَالله الْمُوفق!
لم يخْتَلف المفسِّرون فِي تَسْمِيَة هَذِه السُّورَة بـ (الْأَعْرَاف) ، وَلم يذكرُوا لَهَا اسْما آخر - كَمَا هُوَ حَال كثير من السُّور الْأُخْرَى -..
وَقد جَاءَ ذكر (الْأَعْرَاف) فِي قَوْله - تَعَالَى - فِي سِيَاق الحَدِيث عَن أهل الْجنَّة وَأهل النَّار، بعد اسْتِقْرَار كلٍّ فِي محلِّه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ﴾ (الْآيَة ٤٦) ، ثمَّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (الْآيَة ٤٨)
وثمة أَقْوَال كَثِيرَة متضاربة فِي تَحْدِيد المُرَاد من الْأَعْرَاف، ثمَّ تَحْدِيد أَهله (٢) . стр. 123
وجرياً على طَريقَة الشَّيْخ الفراهي، وَالَّتِي دَعَا فِيهَا إِلَى عدم الِاسْتِغْرَاق فِي خضم هَذِه الْأَقْوَال المتعارضة - لَا سِيمَا وَأَنه لَا حَدِيث مَرْفُوعا صَحِيحا يحدِّد الدّلَالَة النهائية المتعينة مِنْهَا -، وَذَلِكَ حَتَّى لَا تفلت منا الحكمةُ المستكنَّة فِي آيَات الله، وَالَّتِي هِيَ - وَحدهَا، لَا تأويلات النَّاس واحتمالاتهم! - الْهدى والنور.
نقُول: جَريا على هَذِه الطَّرِيقَة الحميدة المرضية، نَخْتَار من هَذِه الْأَقْوَال المتكاثرة قولا وَاحِدًا، ونُجرى عَلَيْهِ الْمُنَاسبَة الْمَطْلُوبَة هُنَا..
فَنحْن نرى - مَعَ الْأُسْتَاذ الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَزالِيّ، ﵀ أَن أَصْحَاب الْأَعْرَاف هم الدعاة وَالشُّهَدَاء الَّذين بلَّغوا رسالات الْأَنْبِيَاء وقادوا الْأُمَم إِلَى الْخَيْر (١) .. وَإِلَيْك نصَّ كَلَامه فِي هَذَا.. قَالَ ﵀:
((.. واختصت هَذِه السُّورَة بِذكر أَصْحَاب الْأَعْرَاف، وَمِنْهُم أَخذ اسْمهَا.
والشائع بَين المفسِّرين أَن هَؤُلَاءِ قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم، فانتظروا حَتَّى يُبتَّ فِي أَمرهم.
وَأرى أَن أَصْحَاب الْأَعْرَاف هم الدعاة وَالشُّهَدَاء الَّذين بلَّغوا رسالات الْأَنْبِيَاء وقادوا الْأُمَم إِلَى الْخَيْر، فَإِن الْأَعْرَاف هِيَ القمم الرفيعة، وَمِنْهَا سُمي стр. 124
عُرفُ الديك عُرفاً..
وهم فِي الْآخِرَة يرقبون الجماهير والرؤساء فِي ساحة الْحساب، ويلقون بالتحية أهل الْجنَّة، وبالشماتة أهل النَّار.
وَحَدِيث الْقُرْآن عَنْهُم يرجح هَذَا الْفَهم. فهم يَتَكَلَّمُونَ بِثِقَة، ويوبِّخون المذنبين على مَا اقترفوا، ويستعينون بِاللَّه من مصيرهم. وَمن المستبعد أَن يكون ذَلِك موقف قومٍ اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم.. لَا يَدْرُونَ أَيْن يُذهب بهم!)) (١) .
وَهُوَ رأيٌ سديد.. وَقد أَشَارَ البقاعي إِلَى نحوٍ مِنْهُ فِي قَوْله:
((.. ومقصودها: إنذار من أعرض عَمَّا دَعَا إِلَيْهِ الكتابُ فِي السُّورَة الْمَاضِيَة (...) ، وأدلُّ مَا فِيهَا على هَذَا الْمَقْصد أمرُ الْأَعْرَاف، فَإِن اعْتِقَاده يتَضَمَّن الإشراف على الْجنَّة وَالنَّار، وَالْوُقُوف على حَقِيقَة مَا فِيهَا، وَمَا أعد لأَهْلهَا، الداعى - أَي هَذَا الإشراف والاطلاع - إِلَى امْتِثَال كل خير وَاجْتنَاب كل شَرّ، والاتعاظ بِكُل مرقِّق)) (٢) .
وعَلى هَذَا تتضح الْمُنَاسبَة التَّامَّة بَين السُّورَة وشخصيتها وعمودها، ومقاصدها الْكُلية. فَتكون الْإِشَارَة إِلَى (أهل الْأَعْرَاف) ومكانتهم فِي الْآخِرَة، إلماحاً إِلَى (أهل الشَّهَادَة) ووظيفتهم فِي الدُّنْيَا.. وهم الْأمة الخاتمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ..﴾ (الْبَقَرَة/١٤٣) .. وَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى هَذِه الشَّهَادَة - الملحوظة فِي (أهل الْأَعْرَاف) - فِي قَوْله - تَعَالَى - فِي هَذِه السُّورَة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ стр. 125
تَهْتَدُونَ﴾ (الْآيَة ١٥٨) ، وَقد قَالَ قبلهَا مُبَاشرَة: ﴿.. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الْآيَة ١٥٧) .. فهم أَصْحَاب الرسَالَة الْأَخِيرَة، الشاملة، الَّتِي لَا تخْتَص بِزَمَان وَلَا بمَكَان..
وَمن أجل أَن تكون شَهَادَة حَملَة هَذِه الرسَالَة حَقِيقَة بِالِاعْتِبَارِ؛ قصَّ الْحق عَلَيْهِم فِي هَذِه السُّورَة الْعَظِيمَة قصَّة (موكب الْإِيمَان) عبر تَارِيخ الإنسانية - من لدن آدم، وَحَتَّى بنى إِسْرَائِيل.. آخر من حُمِّلوا أَمَانَة الْإِيمَان قبلهم، وَلَا سِيمَا قصَّة أَصْحَاب السبت بَالِغَة الدّلَالَة فِي سِيَاق وَظِيفَة (الشَّهَادَة) ومقتضياتها -.. وَذَلِكَ حَتَّى تكون التجربة التاريخية الحقةُ حَاضِرَة أمامهم، ليستدلوا بهَا فِي هم الْأمة الخاتمة حركتهم، ويتأسَّوا بهَا فِي طريقهم، ولتكون حجَّة لَهُم فِي شَهَادَتهم على الْعَالمين.. أَلَيْسُوا الشاهدة؟ ﴿.. أَلَيْسُوا هم (أهل الْأَعْرَاف) فِي الْآخِرَة؟﴾
стр. 126
ثَالِثا: التناسب فِيمَا بَين السُّور:
النظرُ فِي هَذَا اللَّوْن من التناسب يتَّجه أساساً إِلَى أَمريْن رئيسين: الْمُنَاسبَة اللفظية (وتلحق بهَا مُنَاسبَة الفواتح والخواتم) ، والمناسبة الموضوعية..
فلننظر فِي ثَلَاث سور من الْقُرْآن الْمجِيد - على سَبِيل التَّمْثِيل -، هِيَ: الْمَائِدَة، والأنعام، والأعراف.. وأولاها مَدَنِيَّة، والآخريان مكيتان - لنرى كَيفَ تنتظم فِي عقد النّظم القرآني المتلاحم، الْمُتَّصِل لاحقُه بسابقه.
ولنبدأ بمقصود كلٍّ مِنْهَا، وارتباطه بمقصود سواهَا..
فمقصود سُورَة الْمَائِدَة هُوَ الْوَفَاء بِمَا هدى إِلَيْهِ الْكتاب الْحَكِيم، وَمَا دلَّ عَلَيْهِ مِيثَاق الْعقل من تَوْحِيد الْخَالِق، وَرَحْمَة الْخَلَائق، شكرا للنعمة، واستدفاعاً للنقمة.. وقصة (الْمَائِدَة) أدلُّ مَا فِيهَا على ذَلِك؛ فَإِن مضمونها أَن من زاغ عَن
стр. 127
الطُّمَأْنِينَة، وراغ عَن الثَّبَات والسكينة - بعد الْكَشْف الشافي، والإنعام الوافي - نُوقِشَ الْحساب، فَأَخذه الْعَذَاب (١) ..
وتتخذ السُّورَة الْكَرِيمَة إِلَى ذَلِك طَرِيق بِنَاء التَّصَوُّر الاعتقادي الصَّحِيح، وَبَيَان الانحرافات الَّتِي تتلبَّس بِهِ عِنْد أهل الْكتاب وَأهل الْجَاهِلِيَّة جَمِيعًا، وَبَيَان معنى (الدّين) ، وَأَنه الِاعْتِقَاد الصَّحِيح مرتبطاً بالتلقي عَن الله وَحده فِي التَّحْرِيم والتحليل، وَالْحكم وَالْقَضَاء.. ثمَّ أخيراً: توضيح شَأْن هَذِه الْأمة الْمسلمَة، وَبَيَان دورها الْحَقِيقِيّ فِي هَذِه الأَرْض، وكشف أعدائها المتربصين بهَا (٢) ..
وَهَذَا كلُّه يَقْتَضِي من أهل هَذِه الرسَالَة الخاتمة - الَّتِي رَضِي الله لَهُم الْإِسْلَام دينا، وأكمل لَهُم دينهم، وأتمَّ عَلَيْهِم نعْمَته - الْوَفَاء بِعَهْد الله وميثاقه الَّذِي واثقهم بِهِ: ليقومُنَّ بَين النَّاس بِالْعَدْلِ، وليشهدُنَّ عَلَيْهِم بِالْقِسْطِ، وليقيُمُنَّ فيهم حكم الله كَمَا أَرَادَ.. وَيُشِير إِلَى ذَلِك أوضح إِشَارَة تَسْمِيَتهَا بِسُورَة (الْعُقُود) .
ومقصود سُورَة الْأَنْعَام هُوَ الِاسْتِدْلَال على مَا دَعَا إِلَيْهِ الْكتاب الْكَرِيم فِيمَا سبق من سور؛ بِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْمُسْتَحق لجَمِيع الكمالات، والمتصرف بِالْقُدْرَةِ الباهرة على الإيجاد والإعدام (٣) .. فعمود السُّورَة هُوَ مَوْضُوع العقيدة.. بِكُل مكوِّناتها ومقوِّماتها (٤) .. وأنسب الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة فِيهَا لهَذَا الْمَقْصد هُوَ الْأَنْعَام - وَهُوَ مايربطها بالمائدة أعظم ربط؛ إِذْ ذكر فِيهَا السوائبُ وَغَيرهَا مِمَّا كَانَ يدين بِهِ أهل الْجَاهِلِيَّة (٥) -؛ لِأَن الْإِذْن فِيهَا مسبب عَمَّا ثَبت لَهُ - سُبْحَانَهُ - стр. 128
من الفَلْق، والتفرد بالخلق، لِأَنَّهُ المتوحد بالألوهية، والمتصرِّف بِالنَّهْي وَالْأَمر.. (١) . وَهُوَ مَا يربطها، أَيْضا بالمائدة، الَّتِي ذكر فِيهَا أَمر حاكميته الله تَعَالَى وَحده، والتحذير من التغافل عَمَّا أنزل من الْأَحْكَام.
وَأما سُورَة الْأَعْرَاف، فقد سبق قَرِيبا أَنَّهَا تلتقي مَعَ (الْأَنْعَام) فِي الْغَرَض الرئيس الْعَام، وَهُوَ عرض العقيدة.. وَلَكِن تتَمَيَّز بشخصيتها المستقلة فِي الْأَدَاء وَالتَّعْبِير، والقضايا المتنوعة الَّتِي تصبُّ فِي ذَات الْغَرَض.
هَذِه هى الرُّؤْيَة الْعَامَّة الَّتِي توضح ارتباط السُّور الثَّلَاث، على رغم اخْتِلَاف هُويتها بَين المكية والمدنية، وَأَيْضًا على رغم تنوع مَوْضُوعَات كلٍّ مِنْهَا..
والآن.. لنَنْظُر فِي شَيْء من التفاصيل حول ذَلِك.. وَالَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ الغُماري فِي كِتَابه (جَوَاهِر الْبَيَان) .. قَالَ ﵀:
((٥ - سُورَة الْمَائِدَة: قَالَ الصاوي فِي حَاشِيَته على تَفْسِير الجلالين: وَجه الْمُنَاسبَة بَينهَا وَبَين مَا قبلهَا أَنه حَيْثُ وعدنا الله بِالْبَيَانِ كراهةَ وقوعنا فِي الضلال (آخر آيَة من النِّسَاء) ، تمَّم ذَلِك الْوَعْد بِذكر هَذِه السُّورَة، فَإِن فِيهَا أحكاماً لم تكن فِي غَيرهَا. قَالَ الْبَغَوِيّ: عَن ميسرَة قَالَ: إِن الله تَعَالَى أنزل فِي هَذِه السُّورَة ثَمَانِيَة عشر حكما لم تنزل فِي غَيرهَا من الْقُرْآن.. (...)
٦ - سُورَة الْأَنْعَام: ختمت السُّورَة السَّابِقَة بقوله تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ فَنَاسَبَ أَن يُبيِّن سَبَب تِلْكَ الملكية ومنشأها، فَافْتتحَ هُنَا بجملة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورََ﴾ . فسبب ملكية الله للسماوات وَالْأَرْض أَنه خالقهما وَمَا فيهمَا، стр. 129
وَتلك ملكية حَقِيقِيَّة، لَا كملكية النَّاس لما يملكونه بشرَاء أَو هبة أَو تَوْرِيث، فَإِنَّهَا ملكية مجازية، والحقيقة فِيهَا لله تَعَالَى (...) وَفِي قَوْله - تَعَالَى - فِيهَا: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى أهل الْكتاب الَّذين ألَّهوا عِيسَى أَو عُزَيراً، وهم المذكورون فِي سُورَة الْمَائِدَة.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: افْتِتَاح الْأَنْعَام بِالْحَمْد مُنَاسِب لختم الْمَائِدَة بفصل الْقَضَاء، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الزمر/٧٥) . وَكَذَلِكَ؛ فَإِن الْمَائِدَة اشْتَمَلت على أَحْكَام لم تذكر فِي غَيرهَا، وَكَذَلِكَ الْأَنْعَام. (...)
٧ - سُورَة الْأَعْرَاف: نوَّه الله بِالْقُرْآنِ فِي أَوَاخِر السُّورَة السَّابِقَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ :.. إِلَى أَن توعد المكذبين بِهِ والمعرضين عَنهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ...﴾ ?؛ فَافْتتحَ هَذِه السُّورَة بنهي نبيه أَن يكون فِي صَدره ضيقٌ مِنْهُ، بِسَبَب تَكْذِيب قومه بِهِ، وصُدوفهم عَنهُ: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ ...)) (١) .
.. وَبِهَذَا ظهر ارتباط السُّور الثَّلَاث، والتحام مَعَانِيهَا..
وَلَا ريب أَن إِعَادَة النّظر فِي الْقِرَاءَة المتأنية لَهَا - ولسائر سور الْقُرْآن الْمجِيد - تفتح على المتأمل أبواباً لَا حصر لَهَا وَلَا نِهَايَة من التناسب والترابط المُحكَم، الَّذِي يظْهر وَحْدة الْقُرْآن الْكَرِيم الْكُلية، بِاعْتِبَارِهِ الكلمةَ الإلهيةَ الأخيرةَ للثقلين، إِلَى قيام السَّاعَة، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. стр. 130
الخاتمة
الْحَمد لله الَّذِي بنعمه تتمّ الصَّالِحَات، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الكائنات، سيدنَا محمدٍ.. وعَلى آله وَأَصْحَابه السَّابِقين إِلَى الْخيرَات.. وَبعد:
فها أَنا قد وصلتُ - بعد هَذَا التطواف بجوانب مَوْضُوع علم الْمُنَاسبَة - إِلَى الخاتمة.. وَيُمكن أَن أوجز هُنَا أهم نقاط الدراسة وَالَّتِي جَاءَت كالتالي:
(١) ربطتُ فِي دراستي هَذِه مَا بَين علم الْمُنَاسبَة (وموضوع التناسب والترابط عُمُوما) وَبَين مَا شاع فِي الْأَعْصَار الْأَخِيرَة من لونٍ تفسيرىٍّ مُهِمّ هُوَ (التَّفْسِير الموضوعى) ، وأوضحتُ مدى أهمية الْمُنَاسبَة كطريقٍ إِلَى التَّفْسِير الموضوعي الْأَكْمَل.
(٢) بينَّت أهمية النّظر إِلَى الْقُرْآن الْمجِيد كوحدة وَاحِدَة، حَتَّى تتمّ الْهِدَايَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ.
(٣) أوضحتُ مدى أهمية هَذِه النظرة الوحدوية إِلَى الْقُرْآن وأثرها فِي وحدة صف الْمُسلمين، ودورها فِي نزع الشقاق والنّزاع من بَينهم، حَتَّى لَا يَكُونُوا كأولئك الَّذين ذمَّهم الله باتخاذهم القرآنَ عِضينَ (أَي أجزاءَ مُتَفَرِّقَة) .
(٤) رددتُ على من رأى أَلا أهمية لمثل هَذَا اللَّوْن من التَّفْسِير، بزعم مَا يُخشى من التكُّلف فِي محاولة تطبيقه.
(٥) وحذَّرتُ كَذَلِك من الْخَوْض فِيهِ قبل استكمال عُدَّته اللَّازِمَة، من التضلُّع بعلوم الْكتاب المتنوعة، ودقَّة النّظر، واتساع الرُّؤْيَة.. حَتَّى لَا يكون التَّقْصِير فِي تطبيقه مدعاةً إِلَى التقليل من شَأْن الْعلم ذَاته.
(٦) ركزتُ على عددٍ من أبرز من اهتموا بالْكلَام فِي الْمُنَاسبَة (تنظيراً أَو
стр. 131
تطبيقاً) ، لَا سِيمَا الشَّيْخ الْهِنْدِيّ الْعَلامَة الْمُفَسّر عبد الحميد الفراهي، الَّذِي أوضحتُ أهميته الْبَالِغَة فِي هَذَا السِّيَاق، ومدى أَصَالَة أفكاره وجِدَّة تنظيره فِيهِ.. وَتَأْتِي أهمية ذَلِك فِي ظلّ عدم الاهتمام الْكَافِي - أَو عدم الاهتمام مُطلقًا - بِهَذَا الشَّيْخ الْجَلِيل، فِي ظلِّ عدم التواصل العلمي الجاد بَين أهل الْعلم فِي الْعَالم كُله، فِي الْوَقْت الَّذِي صَار فِيهِ الْعَالم وَكَأَنَّهُ قريةٌ وَاحِدَة! ..
(٧) كَمَا أنني اعتنيتُ بإبراز سبق الشَّيْخ الإِمَام برهَان الدّين البقاعي إِلَى التطبيق الموسَّع لهَذَا الْعلم، بِمَا يَجعله - بحقٍّ - فَارس هَذَا الميدان الأول، بِمَا كتبه فِي كِتَابه الْعَظِيم (نظم الدُّرَر) ، وَغَيره.. وَمِمَّا يتَّصل بِهَذَا الْإِشَارَة إِلَى ضَرُورَة إِعَادَة النّظر فِي هَذِه الموسوعة القرآنية الفريدة فِي بَابهَا.. مِمَّا يتطلب تَوْجِيه الاهتمام إِلَيْهَا، بتحقيقها تَحْقِيقا علمياً متقناً، وَكَذَلِكَ بمحاولة إِخْرَاج طبعه مهذبة مصفاة، تكون أقرب إِلَى فهم عَامَّة المثقفين، الْأَمر الَّذِي يعظِّم من الاستفادة من هَذَا السِّفْر الْجَلِيل.
(٨) ودعوتُ فِي هَذَا السِّيَاق إِلَى الاهتمام بكتابات الفراهي - وَغَيره من أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ -، وإعادة نشر مَا طبع مِنْهَا، فضلا عَن نشر مَا لم يطبع أصلا، لَا سِيمَا مَا يتَعَلَّق مِنْهَا بِالْقُرْآنِ الْمجِيد.
هَذَا.. وَالله أسأَل أَن ينفع بِهَذِهِ الدراسة، وَأَن يَجْعَلهَا سببَ حَرَكَة علمية مُتَّصِلَة بِهَذَا الْمَوْضُوع المهم، من أجل أَن يتعاظم انتفاعنا بِهَذَا الْقُرْآن الْمجِيد، وَمن أجل أَن ننهض بدورنا الْوَاجِب فِي خدمته وَالْقِيَام بِحقِّهِ..
وَالْحَمْد لله أَولا وآخراً، وظاهراً وَبَاطنا، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيم، أستغفره وَأَتُوب إِلَيْهِ، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا، وَآخر دعوانا أنِ الْحَمد لله رب الْعَالمين.
стр. 132
مصَادر ومراجع
...
أهم المراجع والمصادر
١ - الإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن، السُّيُوطِيّ، تَحْقِيق: د. مصطفى ديب البُغا، دَار ابْن كثير - بيروت، ط ٣/١٩٩٦م.
٢ - إعجاز الْقُرْآن، الباقلاني، تَحْقِيق: السَّيِّد أَحْمد صقر، دَار المعارف - الْقَاهِرَة.
٣ - إعجاز الْقُرْآن، مصطفى صَادِق الرَّافِعِيّ، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ - بيروت.
٤ - الإعجاز الْبَيَانِي فِي تَرْتِيب آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم وسوره، د. مُحَمَّد أَحْمد يُوسُف الْقَاسِم، ط ١/١٩٧٩ م.
٥ - الْإِشَارَة إِلَى الإيجاز فِي بعض أَنْوَاع الْمجَاز، الْعِزّ بن عبد السَّلَام، المكتبة العلمية - الْمَدِينَة المنورة.
٦ - الِانْتِصَار لِلْقُرْآنِ، الباقلاني، منشورات معهد تَارِيخ الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والإسلامية - ألمانيا، ١٩٨٦ م. (نُسْخَة مصورة عَن مخطوطة الْكتاب باستانبول، برعاية الْأُسْتَاذ فؤاد سزكين) .
٧ - الْبُرْهَان فِي عُلُوم الْقُرْآن، الزَّرْكَشِيّ، تَحْقِيق: مُحَمَّد أَبُو الْفضل إِبْرَاهِيم، الْحلَبِي - مصر، ط ٢/١٩٧٢ م.
٨ - الْبَحْر الْمُحِيط، أَبُو حَيَّان الأندلسي، تَصْوِير دَار الْفِكر - بيروت، ط٢/١٩٨٣م.
٩ - الباقلاني وَكتابه (إعجاز الْقُرْآن) .. دراسة تحليلية نقدية، د. عبد الرؤوف مخلوف، مكتبة الْحَيَاة - بيروت، ١٩٧٣ م.
١٠ - التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن، سيد قطب، دَار الشروق - الْقَاهِرَة / بيروت، ط ٦/١٩٨٠م.
стр. 133
١ - التَّحْرِير والتنوير، مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور، الدَّار التونسية للنشر، ١٩٨٤م.
٢ - التَّفْسِير الْكَبِير، فَخر الدّين الرَّازِيّ، تَصْوِير دَار الْكتب العلمية - طهران، ط٢.
٣ - التَّفْسِير الحَدِيث، مُحَمَّد عِزَّة دَرْوَزة، الحلبى - مصر، ط ١/١٩٦٢ م.
٤ - التَّفْسِير الْبَيَانِي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، د. عَائِشَة عبد الرَّحْمَن، دَار المعارف - الْقَاهِرَة، ١٩٦٢ م.
٥ - جَوَاهِر الْبَيَان فِي تناسب سور الْقُرْآن، عبد الله بن الصّديق الغماري، مكتبة الْقَاهِرَة - مصر.
٦ - دَلَائِل النظام، عبد الحميد الفراهي، الدائرة الحميدية ومكتبتها - الْهِنْد، ١٣٨٨?.
٧ - الرَّازِيّ مفسِّراً، د. محسن عبد الحميد، دَار الْحُرِّيَّة للطباعة - بَغْدَاد، ط ١/١٩٧٤ م.
٨ - الرَّازِيّ من خلال تَفْسِيره، عبد الْعَزِيز المجذوب، الدَّار الْعَرَبيَّة للْكتاب - تونس، ط ٢/١٩٨٠م.
٩ - روح الْبَيَان، إِسْمَاعِيل حَقي البروسوي، تَصْوِير دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ - بيروت.
١٠ - روح الْمعَانِي، شهَاب الدّين الآلوسي، ط - المنيرية - الْقَاهِرَة.
١١ - سيد قطب: الأديب النَّاقِد.. والداعية الْمُجَاهِد.. والمفسِّر الرائد، د. صَلَاح الدّين عبد الفتاح الخالدي، دَار الْقَلَم - دمشق (سلسلة أَعْلَام الْمُسلمين، رقم٨١) ، ط١/٢٠٠٠م.
صَحِيح البُخَارِيّ، للْإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ. تَحْقِيق
стр. 134
١ - مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي. ط. المكتبة الإسلامية – استانبول – تركيا.
٢ - صَحِيح مُسلم، للْإِمَام أبي الْحسن مُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي، تَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي. ط. دَار أَحيَاء التراث الْعَرَبِيّ ١٣٧٤?. بيروت.
٣ - الصراع بَين الْحق وَالْبَاطِل كَمَا جَاءَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف، د. عَادل مُحَمَّد صَالح أَبُو الْعلَا، مطبوعات مكتبة الْملك عبد الْعَزِيز الْعَامَّة بالرياض، ط١/ ١٤١٦? - ١٩٩٥ م.
٤ - فصلٌ فِي إعجاز الْقُرْآن، مَحْمُود مُحَمَّد شَاكر (مُقَدّمَة لكتاب الظَّاهِرَة القرآنية، مَالك بن نَبِي) دَار الْفِكر - دمشق، ١٩٨١ م - ١٤٠٢ هـ.
٥ - فتح الْقَدِير، الشَّوْكَانِيّ، تَصْوِير دَار الْمعرفَة - بيروت.
٦ - الفراهي وجهوده فِي الدعْوَة الإسلامية، د. مُحَمَّد سيد سعيد أحسن العابدي (رِسَالَة دكتوراه - لم تنشر بعد - مُقَدّمَة إِلَى قسم الدعْوَة والإرشاد بكلية أصُول الدّين، جَامِعَة الْأَزْهَر بِالْقَاهِرَةِ، عَام ١٩٧٦م) .
٧ - فِي الدراسات القرآنية: الْجَانِب التاريخي - الْجَانِب الأسلوبي - الْجَانِب البلاغي، د. السَّيِّد أَحْمد عبد الْغفار، دَار الْمعرفَة الجامعية بالإسكندرية.
٨ - فِي ظلال الْقُرْآن، سيد قطب، دَار الشروق - الْقَاهِرَة /بيروت، ١٩٧٣م.
٩ - كتَابنَا الْأَكْبَر، د. عَائِشَة عبد الرَّحْمَن، سلسلة محاضرات الْمَوْسِم الثقافي لجامعة أم درمان الإسلامية - السودَان، ٦٦/١٩٦٧ م.
١٠ - الْكَشَّاف، الزَّمَخْشَرِيّ، تَصْوِير دَار الْمعرفَة - بيروت.
١١ - كَيفَ نتعامل مَعَ الْقُرْآن، مُحَمَّد الْغَزالِيّ (مدارسة أجراها مَعَه عمر عبيد حَسَنَة) ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - أمريكا، ط ٣/١٩٩٢م.
стр. 135
١ - مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، د. صبحى الصَّالح، دَار الْعلم للملايين - بيروت، ط ١٠/١٩٧١ م.
٢ - الْمدرسَة القرآنية، السَّيِّد مُحَمَّد باقر الصَّدْر، دَار التعارف للمطبوعات - بيروت، ط ١/١٤٠١هـ - ١٩٨١ م.
٣ - معارج التفكُّر ودقائق التدبُّر: تَفْسِير تربوي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، عبد الرحمن حسن حبنَّكة الميداني، دَار الْقَلَم - دمشق، ط ١/١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠ م.
٤ - مقدمتان فِي عُلُوم الْقُرْآن، نشرهما: آرثر جفري، الخانجي - الْقَاهِرَة، ط ٢/١٩٧٢ م.
٥ - من بلاغة الْقُرْآن، د. أَحْمد أَحْمد البدوي، مكتبة نهضة مصر، ط٣/ ١٩٥٠م.
٦ - مصاعد النّظر للإشراف على مَقَاصِد السُّور، برهَان الدّين البقاعي، تَحْقِيق: د. عبد السَّمِيع مُحَمَّد أَحْمد، مكتبة المعارف - الرياض، ط١ / ١٤٠٨هـ - ١٩٨٧ م.
٧ - نظم الدُّرَر فِي تناسب الْآيَات والسور، برهَان الدّين البقاعي، مطبوعات دَائِرَة المعارف العثمانية - الْهِنْد، ط ١/١٩٦٩م: ١٩٧٦ م.
٨ - النبأ الْعَظِيم، نظرات جَدِيدَة فِي الْقُرْآن، د. مُحَمَّد عبد الله دراز، دَار الْقَلَم - الكويت، ط ٣/١٩٨٨م.
٩ - نَحْو تَفْسِير موضوعي لسور الْقُرْآن الْكَرِيم، مُحَمَّد الْغَزالِيّ، دَار الشروق - الْقَاهِرَة، ط ٤ / ٢٠٠٠ م.
١٠ - النّظم الفني فِي الْقُرْآن، عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الْآدَاب - الْقَاهِرَة.
١١ - النّظم القرآني فِي كشاف الزَّمَخْشَرِيّ، د. درويش الجندي، دَار نهضة مصر، ١٩٦٩ م.