Полный текст (135 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْأُسْتَاذ سيد قطب (١٣٢٤ - ١٣٨٦هـ / ١٩٠٦ - ١٩٦٦ه ـ)
...
(٤) الْأُسْتَاذ سيد قطب
(١٣٢٤ - ١٣٨٦هـ / ١٩٠٦ - ١٩٦٦م)
تَرْجَمته:
ولد سيد قطب إِبْرَاهِيم فِي إِحْدَى قرى مُحَافظَة أسيوط بصعيد مصر فِي ٩/١٠/١٩٠٦م. وَنَشَأ نشأة دينية، حَيْثُ حفظ الْقُرْآن الْكَرِيم كَامِلا وَهُوَ فِي نِهَايَة الصَّفّ الرَّابِع الابتدائي (وَكَانَ فِي الْعَاشِرَة من عمره) . وَبعد إِتْمَامه دراسته الابتدائية الْتحق بمدرسة المعلمين الأولية، وَحصل مِنْهَا على إجَازَة الْكَفَاءَة بتفوق، مِمَّا أَهله للالتحاق بتجهيزية دَار الْعُلُوم، وَمن ثمَّ بدار الْعُلُوم ذَاتهَا، الَّتِي حصل مِنْهَا على الْإِجَازَة الْعَالِيَة (الليسانس) فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وآدابها عَام ١٩٣٣م. وَفِي دَار الْعُلُوم درس سيد قطب الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعربية، والمنطق وَالْكَلَام والفلسفة، واللغتين العبرية والسريانية، والتاريخ، والاقتصاد السياسي.. وَغير ذَلِك. وَبعد تخرجه عيِّن مدرساً فِي وزارة المعارف، ثمَّ تنقل بَين إدارات الوزارة، حَتَّى استقال مِنْهَا نهائياً فِي١٨/١٠/١٩٥٢م
وَكَانَ سيد قطب مُنْذُ شبابه الأول شَاعِرًا موهوباً، وكاتباً متميزاً فِي فن الْمقَالة، حَيْثُ كتب فِي مُعظم الصُّحُف والمجلات الثقافية والأدبية والسياسية الَّتِي كَانَت تصدر فِي مصر فِي تِلْكَ الفترة، كَمَا أَنه حاول إصدار عددٍ من المجلات الثقافية، إِلَّا أَن أياً مِنْهَا لم يسْتَمر طَويلا. وَكَانَت لَهُ صلات قَوِيَّة بأدباء ومثقفي عصره، وَكَانَ لَهُ حُضُور بارز فِي الساحة الثقافية عُمُوما.
وَكَانَت بداية اتِّصَاله بحركة (الإخوان الْمُسلمُونَ) فِي أَوَاخِر سنة ١٩٥٠م، حَتَّى انْضَمَّ إِلَيْهَا بِصُورَة كَامِلَة فِي مطلع عَام ١٩٥٣م، لتأْخذ
стр. 72
توجهاته الإسلامية - الَّتِي تخللت مسيرته الثقافية والأدبية مُنْذُ ثلاثينيات الْقرن الْعشْرين - وجهة حركية، أدَّت إِلَى اعتقاله عشر سنوات (١٩٥٤ - ١٩٦٤) ، ثمَّ أفرج عَنهُ بِعَفْو صحي - لانهيار صِحَّته الحاد فِي السجْن -، لتمرَّ بضعَة أشهر قبل أَن يُعَاد إِلَى السجْن مرّة أُخْرَى فِي صيف ١٩٦٥، وَهُوَ الاعتقال الَّذِي انْتهى بإعدامه فِي صباح يَوْم الِاثْنَيْنِ ١٣ جُمَادَى الأول ١٣٨٦هـ، الْمُوَافق ٢٩ أغسطس ١٩٦٦م ﵀ (١) .
وعَلى امتداد نَحْو أَرْبَعِينَ عَاما أصدر سيد قطب سِتَّة وَعشْرين كتابا مطبوعاً، بِالْإِضَافَة إِلَى عددٍ كَبِير من المقالات والدراسات الَّتِي لم تجمع من بطُون الصُّحُف والمجلات، وبالإضافة كَذَلِك إِلَى عددٍ من الْكتب أعلن عَنْهَا وَلم يكملها، أَو أكملها وفقدت مِنْهُ بِسَبَب محنته.
وأهم هَذِه الْكتب على الْإِطْلَاق تَفْسِيره الشهير (فِي ظلال الْقُرْآن) بِالْإِضَافَة إِلَى عدد من الْكتب الَّتِي أثارت - وَلَا تزَال - جدلاً وَاسِعًا حول أفكاره وفهمها، وأبرزها على الْإِطْلَاق كِتَابه الصَّغِير (معالم فِي الطَّرِيق) .
دراساته القرآنية:
صلَة سيد قطب بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم قديمَة.. فقد بدأت مُنْذُ طفولته، حَيْثُ نَشأ مُنْذُ نعومة أَظْفَاره على الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ من وَالِده وَمن المذياع، ثمَّ بَدَأَ حفظه، حَتَّى أتمه وَهُوَ فِي الْعَاشِرَة من عمره - كَمَا ذكرنَا -.. وَكَانَ مِفْتَاح تَأْثِير الْقُرْآن فِي نَفسه هُوَ (الْمِفْتَاح الجمالي) ، وروعة التَّصْوِير فِيهِ - كَمَا يذكر د. صَلَاح
(١) اعتمدت فِي تكوين هَذِه التَّرْجَمَة الموجزة جدا على كتاب الدكتور صَلَاح عبد الفتاح الخالدي: سيد قطب.. الأديب النَّاقِد، والداعية الْمُجَاهِد، والمفكر الْمُفَسّر الرائد (سلسلة أَعْلَام الْمُسلمين، رقم (٨١) ، دَار الْقَلَم - دمشق، ط١ / ١٤٢١هـ - ٢٠٠٠ م.
стр. 73
الخالدي وَغَيره من دارسي سيد قطب -.. حَيْثُ كَانَ أديباً ذواقة بالطبع، يحسن التذوق، ويبالغ فِي التخيُّل.. حَتَّى إِنَّه كَانَ يرسم صوراً فنية متكاملة لما يقْرَأ من آيَات الْقُرْآن أَو يستمع مِنْهَا.. كَمَا ذكر ذَلِك بِنَفسِهِ فِي كِتَابه الماتع (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن) .. وَكَانَ يحس - بذائقته الأدبية الْعَالِيَة تِلْكَ - أَن لِلْقُرْآنِ طَريقَة خَاصَّة فِي عرض مُخْتَلف مَوْضُوعَاته، وَأَنه يكَاد يجسِّم صوراً حَيَّة متحركة من خلال أساليبه الباهرة.
وَقد بقيت هَذِه العلاقة الْخَاصَّة مَعَ الصُّور الفنية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي نَفسه، حَتَّى عبر عَنْهَا فِي مقالين بعنوان (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن الْكَرِيم) (١) .. ثمَّ لم يلبث أَن عمل تطويرهما فِي كِتَابه البديع (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن) وَالَّذِي صدرت طبعته الأول فِي الْقَاهِرَة - عَن دَار المعارف - عَام ١٩٤٥م.
وَقد اهتم فِي هَذَا الْكتاب - ضمن مَا اهتم بِهِ - بموضوع التناسق الفني فِي الْقُرْآن. وأوضح أَن من أهم ألوان التناسق هُوَ ذَلِك التسلسل الْمَعْنَوِيّ بَين الْأَغْرَاض فِي سِيَاق الْآيَات، وَكَذَلِكَ التناسب فِي الِانْتِقَال من غَرَض إِلَى غَرَض. وَإِن كَانَ يعيب، فِي أثْنَاء ذَلِك، على بَعضهم التمحُّل لإبراز هَذَا التناسق تمحُّلاً لَا ضَرُورَة لَهُ، حَتَّى إِنَّه ليصل - على حدّ تَعْبِيره - إِلَى حدٍّ من التَّكَلُّف، لَيْسَ الْقُرْآن فِي حَاجَة إِلَى شَيْء مِنْهُ (٢) .
كَمَا أَشَارَ فِيهِ إِلَى استفادته مِمَّن حاولوا تبين هَذَا الملمح المهم فِي إعجاز الْقُرْآن، لَا سِيمَا جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ، الَّذِي قَالَ عَن محاولته تلمُّس ذَلِك فِي الحواشي
(١) انْظُر: سيد قطب.. الأديب النَّاقِد ...، نشرهما فِي مجلة (المقتطف) ، فِي شهر فبراير من عَام (١٩٣٩م) ص ٣٦٤(٢) انْظُر: التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن، سيد قطب، دَار الشروق، ط ٦ / ١٩٨٠ م، ص ٧٣стр. 74
آيَات سُورَة الْفَاتِحَة: ((.. فَهَذَا - أَي كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي آيَات الْفَاتِحَة - نوعٌ من التَّوْفِيق فِي تَصْوِير التناسق النَّفْسِيّ بَين الأحاسيس المتتابعة المنبعثة من تتَابع الْآيَات. وَهُوَ لون من ألوان التناسق الأولية فِي الْقُرْآن)) .. وَرَغمَ ذَلِك، يُؤَكد على ضَرُورَة اجْتِنَاب التَّكَلُّف فِي محاولة إبرازه.. وَيَقُول: ((.. وَلَقَد حاول بعض الْمُفَسّرين أَن يعثروا على مَوَاضِع من هَذَا التناسق؛ فَلم يصلوا إِلَّا للترابط الْمَعْنَوِيّ فِي بعض الْمَوَاضِع دون بَعْضهَا الآخر، وَدون الاهتداء إِلَى قَاعِدَة شَامِلَة. ثمَّ إِنَّهُم فِي أحيان كَثِيرَة، يتمحلون ذَلِك تمحُّلاً شَدِيدا!)) (١) .
وَلذَلِك؛ فقد حاول سيد قطب فِي كِتَابه هَذَا أَن يعرض لمسائل التناسق - بألوانه المتنوعة الَّتِي فصَّلها - بروحٍ متحررة عَن التَّقْلِيد والتكلف مَعًا، فوفق فِي كثير مِمَّا حاول تَوْفِيقًا ظَاهرا، مِمَّا جعل من كِتَابه هَذَا مصدرا من أهم المصادر الَّتِي تعرضت لهَذِهِ الْقَضِيَّة الدقيقة فِي مجَال بَيَان إعجاز الْقُرْآن.
وَقد عمل على تطبيق مَا قَرَّرَهُ فِي كِتَابه هَذَا فِي كِتَابه الَّذِي تلاه (مشَاهد الْقِيَامَة فِي الْقُرْآن) (صدرت طبعته الأولى فِي الْقَاهِرَة، فِي أبريل من عَام ١٩٤٧م) وَالَّذِي هدف فِيهِ إِلَى بَيَان التناسق الفني البديع فِي الْآيَات الَّتِي تناولت وصف يَوْم الْقِيَامَة ومشاهده فِي طول الْقُرْآن وَعرضه، بعد أَن رتَّب السُّور الَّتِي وَردت فِيهَا هَذِه الْمشَاهد بِحَسب تَرْتِيب النّزول.. وَأما إنجازه الأهم فِي هَذَا السِّيَاق، فقد كَانَ فِي عمله الْأَعْظَم (فِي ظلال الْقُرْآن) .
(فِي ظلال الْقُرْآن) .. والتناسب:
بَدَأَ سيد قطب فِي كِتَابَة تَفْسِيره هَذَا فِي نِهَايَة ١٩٥١م، عبر سبع حلقات نشرها مسلسلة فِي مجلة (الْمُسلمُونَ) الَّتِي كَانَ يصدرها الْأُسْتَاذ سعيد رَمَضَان الحواشي
(١) السَّابِق، ص ٢٥стр. 75
أحد قادة الإخوان الْمُسلمين (١) .. ثمَّ بدا لَهُ أَن يكمل تأملاته فِي الْقُرْآن فِي شكل عملٍ متكامل، ظهر جزؤه الأول فِي أكتوبر ١٩٥٢م، وأصدر مِنْهُ سِتَّة عشر جُزْءا قبل أَن يسجن سجنه الأول، ويكمل الْأَجْزَاء المتبقية فِي السجْن (فِي نِهَايَة الخمسينيات) ..
ثمَّ نظر سيد فِي عمله - بعد أَن تكاملت صورته، وصدرت طبعته الأولى - وَأعَاد تَنْقِيح ثَلَاثَة عشر جُزْءا مِنْهُ (حَتَّى آخر سُورَة إِبْرَاهِيم) ، وَأعَاد كتَابَتهَا فِي ضوء خبرته وتجربته فِي الْعَمَل الإسلامي، وَحَال اعتقالُه الثَّانِي ثمَّ إعدامه دون إِكْمَال تَنْقِيح بَقِيَّة الْأَجْزَاء (٢) .
وَقد تحدث فِي مُقَدّمَة الطبعة الأولى من (الظلال) عَن قصَّة تَأمله فِي كتاب الله، وقصة كِتَابَته هَذِه الظلال.. وَمِمَّا يهمنا فِي سياقنا الَّذِي نَحن فِيهِ قَوْله:
((.. كل مَا حاولته ألَاّ أغرق نَفسِي فِي بحوث لغوية أَو كلامية أوفقهية تحجب الْقُرْآن عَن روحي، وتحجب روحي عَن الْقُرْآن. وَمَا استطردت إِلَى غير مَا يوحيه النصُّ القرآني ذَاته، من خاطرة روحية أَو اجتماعية أَو إنسانية.. وَمَا أحفل الْقُرْآن بِهَذِهِ الإيحاءات! كَذَلِك.. حاولت أَن أعبِّر عَمَّا خالج نَفسِي من إحساس بالجمال الفني العجيب فِي هَذَا الْكتاب المعجز، وَمن شعورٍ بالتناسق فِي التَّعْبِير والتصوير..)) (٣) .
وَمن هَذَا النَّقْل يظْهر اهتمام سيد قطب الْأَصْلِيّ بموضوع التناسق، وعدُّه إِيَّاه باعثاً من أهم البواعث الَّتِي دَفعته إِلَى تسجيل أفكاره تِلْكَ.. الحواشي
(١) انْظُر: سيد قطب.. الأديب النَّاقِد ...، ص ٤٣٨، ٤٣٩(٢) انْظُر نفس الْمصدر: ص ٤٤٠، ٤٤٤(٣) نقلا عَن نفس الْمصدر، ص ٤٤٧стр. 76
وَقد اهتم بِالْفِعْلِ - ضمن مَا اهتم بِهِ - بِالْبَيَانِ التطبيقي للوحدة الموضوعية لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، بعد النّظر إِلَيْهِ نظرة كُلية شَامِلَة، انطلاقاً من مُرَاعَاة مقاصده الأساسية الَّتِي دارت عَلَيْهِ آياتُه وسوره.
وَهُوَ يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك عَن طَرِيق قِرَاءَة السُّورَة الَّتِي يتَعَرَّض لتفسيرها عدَّة مَرَّات، حَتَّى يَهْتَدِي إِلَى موضوعها الأساس، وَحَتَّى يضع يَده على (شخصيتها) المستقلة - بِحَسب تَعْبِيره -، وَحَتَّى يحدِّد محورها الْعَام الَّذِي تَدور عَلَيْهِ سَائِر موضوعاتها الفرعية الْأُخْرَى (١) .
وَفِي ذَلِك يَقُول ﵀: ((يلحظ من يعِيش فِي ظلال الْقُرْآن أَن لكل سُورَة من سوره شخصية مُمَيزَة ﴿شخصية لَهَا روح، يعِيش مَعهَا الْقلب كَمَا لَو كَانَ يعِيش مَعَ روح حيّ مميّز الملامح والسمات والأنفاس﴾ وَلها مَوْضُوع رَئِيس، أَو عدَّة مَوْضُوعَات رئيسة مشدودة إِلَى محور خَاص. وَلها جوٌّ خَاص، يظلِّل موضوعاتها كلَّها، وَيجْعَل سياقها يتَنَاوَل هَذِه الموضوعات من جَوَانِب مُعينَة، تحقِّق التناسق بَينهَا وفْق هَذَا الجو. وَلها إيقاعٌ موسيقي خَاص، إِذا تغير فِي ثنايا السِّيَاق؛ فَإِنَّهُ يتَغَيَّر لمناسبة موضوعية خَاصَّة. وَهَذَا طابعٌ عَام فِي سور الْقُرْآن جَمِيعًا..)) (٢) .
وَقد طبق سيد قطب هَذِه الرُّؤْيَة الفنية المتكاملة على سور الْقُرْآن الْكَرِيم جَمِيعهَا: طوالها وقصارها، وَذَلِكَ فِيمَا قدَّم لكلٍّ مِنْهَا فِي مُقَدّمَة ممهِّدة لتفسير آياتها مُفْردَة.. وَقد جلَّى فِي هَذِه الْمُقدمَات البديعة ملامح كل سُورَة، وَوضع يَده على (مفتاحها) ، و (روحها الْخَاصَّة) و (شخصيتها المميزة) . الحواشي
(١) السَّابِق، ص ٤٦٦(٢) فِي ظلال الْقُرْآن، سيد قطب، دَار الشروق، ١٩٧٣ م، ١/٢٧، ٢٨стр. 77
فعلى سَبِيل الْمِثَال: شخصية سُورَة الْبَقَرَة الرئيسة هِيَ قَضِيَّة بَيَان موقف بني إِسْرَائِيل من الدعْوَة الإسلامية، وموقف الْجَمَاعَة الْمسلمَة وإعدادها (١) . وشخصية آل عمرَان هِيَ إِيضَاح حَقِيقَة التَّوْحِيد ومقتضياتها (٢) . وشخصية سُورَة النِّسَاء هِيَ الْعَمَل على محو ملامح الْمُجْتَمع الجاهلي (٣) . وشخصية سُورَة الْمَائِدَة هِيَ بَيَان وحدة هَذَا الدّين، الْقَائِمَة على وحدانية الله تَعَالَى (٤) . وشخصية سُورَة الْأَنْعَام هِيَ مظَاهر الروعة الباهرة فِي عرض حَقِيقَة الألوهية (٥) . وشخصية سُورَة الْأَعْرَاف هِيَ حِكَايَة قصَّة موكب الْإِيمَان يحمل العقيدة (٦) .
.. وَهَكَذَا يفعل فِي كل سور الْقُرْآن سُورَة سُورَة، وَلَا يَتَّسِع الْمقَام لسرد مَا قَالَ - وَلَو موجزاً - فِي كُلٍّ مِنْهَا، غير أَنا سنرجع إِلَيْهِ مرّة ثَانِيَة فِي المبحث السَّادِس الَّذِي سنخصصه - بعون الله - لنماذج تطبيقية على مبادئ علم الْمُنَاسبَة.
وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك الْآن، أَن كِتَابَة سيد قطب - لَا سِيمَا فِي عمله الحواشي
(١) نفس الْمصدر، ١/٢٨(٢) نَفسه، ١/٣٥٧(٣) نَفسه، ١/٥٥٥(٤) نَفسه، ٢/٨٢٥(٥) نَفسه، ٢/١٠١٥(٦) نَفسه، ٣/١٢٤٤
لَعَلَّ من الْمُفِيد هُنَا أَن أُشير إِلَى فهرس الموضوعات الْجيد الَّذِي أعده الْأُسْتَاذ مُحَمَّد يُوسُف عَبَّاس فِي كِتَابه الْكَبِير: مِفْتَاح كنوز (فِي ظلال الْقُرْآن) ، دَار طيبَة - الرياض، ط١ ١٤٠٧? - ١٩٨٧، ص ٣٢٣: ٣٢٧، فقد استخرج فِيهِ رُؤُوس كَلَام سيد قطب فِي سورالقرآن سُورَة سُورَة، وفهرس لَهُ فهرسة جَيِّدَة.стр. 78
الأهم (فِي ظلال الْقُرْآن) - إِضَافَة مهمة وأساسية فِي سِيَاق الاهتمام بإبراز تناسب وترابط الْقُرْآن الْكَرِيم وسوره.
إِنَّه، فِي كل مَا كتب حول الْقُرْآن الْمجِيد، يُؤَكد على ضَرُورَة الْوُقُوف على الْآيَات فِي سياقها القرآني، وعَلى وجوب تدبرها فِي ذَلِك السِّيَاق ويلحُّ على الْقَارئ أَن يفعل ذَلِك بِنَفسِهِ، وَبِدُون وساطة أحدٍ، حَتَّى يتأثر بإيقاعه، وينضج بحرارته وإشعاعه وإيحائه، ويتكيف بعد ذَلِك وفْق حقائقه وقيمه وتصوراته (١) .
وَقد كَانَ موفقاً - إِلَى حد كَبِير فِي تطبيقه أفكاره فِي ذَلِك.. ساعده على ذَلِك - بعد فتح الله عَلَيْهِ - إشراقُ بَيَانه، وصفاءُ عقله، وحرارةُ إيمَانه.. ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة، وجزاه عَن كِتَابه وَدينه خير الْجَزَاء. الحواشي
(١) انْظُر كَلَامه المهم حول ذَلِك فِي مقدمته لتفسير سُورَة الرَّعْد.стр. 79
المبحث الْخَامِس: أَنْوَاع المناسبات
أَولا: المناسبات فِي الْآيَات
...
المبْحثُ الْخَامِس: أَنْوَاع المناسبات
من الْمَعْلُوم أَن تقسيمات الْعُلُوم اصطلاحية، فَرُبمَا يختزل الْبَعْض أَقسَام علمٍ مَا - وَهِي متكاثرة - فِي قسمَيْنِ أَو أَكثر، وَرُبمَا يفصِّل الْبَعْض الآخر الْأَقْسَام - وَهِي محدودة - فتغدو مُتعَدِّدَة، وعَلى كلٍّ، فَنحْن فِي هَذَا الْفَصْل سنتكلم عَن ثَلَاثَة أَنْوَاع رئيسة من المناسبات،
وَهِي: المناسبات فِي الْآيَات، وَفِي السُّورَة الْوَاحِدَة، وَفِيمَا بَين السُّور.
أَولا: المناسبات فِي الْآيَات:
سبق مَعنا فِي المبحث الأول أَن الْآيَة (مِقْدَار من الْقُرْآن مركَّب، وَلَو تَقْديرا أَو إِلْحَاقًا) وَأَن اتساق الْآيَات - فضلا عَن الْكَلِمَات والحروف - بِوَحْي وتوقيف من النَّبِي (، كَمَا أَنه مرَّ مَعنا النَّقْل عَن الشَّيْخ الْجَلِيل مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور قَوْله: ((.. وَلما كَانَ يَقِين الْآيَات الَّتِي أَمر النَّبِي (بوضعها فِي أماكنها فِي مَوضِع معِين غير مروى إِلَّا فِي عددٍ قَلِيل، كَانَ حَقًا على الْمُفَسّر أَن يتطلب مناسبات لمواقع الْآيَات، مَا وجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا، وَإِلَّا.. فليُعرِضْ عَنهُ، وَلَا يكن من المتكلفين)) (١) .. وَقد رَأينَا إِجْمَاع أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ على حُسن الْبَحْث فِي تِلْكَ المناسبات، بل وضرورته وأهميته، باستثناء مَا خَالف فِيهِ سُلْطَان الْعلمَاء وَشَيخ الْإِسْلَام الْعِزّ بن عبد السَّلَام ﵀ وَمن قلَّده - وهم قَلِيل جدا على أَيَّة حَال! -..
والمناسبة قَائِمَة فِي الأسلوب القرآني، ومتمثلة فِي اتِّصَال كَلِمَاته الحواشي
(١) التَّحْرِير والتنوير، ١/٨٠стр. 80
وتماسكها، والكلمة القرآنية فِي تلاحمها وتماسكها هِيَ المقياس للفكر والمعرفة، وَلَا تقاس بهَا معارف النَّاس وأفكارهم، فَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي المعارف، متفاوتون فِي الأفكار، وَمن هُنَا كَانَت الْكَلِمَة القرآنية فِي ثباتها ورسوخها، وحُسن موقعها، والمناسبة المعقودة بَينهَا، محوراً تَدور الأفكار حوله.. تلتمس الْحق، وتنشر الْيَقِين، حِين تصل إِلَى تِلْكَ الْمُنَاسبَة وتذكرها (١) .
وَقد جمع السُّيُوطِيّ فِي إتقانه أصولاً مهمة فِي طَرِيق إِدْرَاك مرجع الْمُنَاسبَة والارتباط فِي الْآيَات، وَقد أحسن الشَّيْخ عبد المتعال الصعيدي ﵀ عرضهَا، بعد تهذيبها وَالزِّيَادَة فِي بَيَانهَا، فَقَالَ:
((.. وَقد جَاءَ فِي كتاب الإتقان أَن مرجع الْمُنَاسبَة فِي الْآيَات إِلَى معنى رابطٍ بَينهَا: عَام أَو خَاص، عَقْلِي أَو حسي، أَو خيالي.. أَو غير ذَلِك من أَنْوَاع العلاقات. أَو التلازم الذهْنِي: كالسبب والمسبَّبب، وَالْعلَّة والمعلول، والنظيرين، والضدين.. وَنَحْو ذَلِك.
والارتباط بَين الْآيَتَيْنِ إِمَّا أَن يكون ظَاهرا؛ لتَعلق الْكَلَام بعضه بِبَعْض وَعدم تَمَامه بِالْأولَى، أَو لكَون الثَّانِيَة وَاقعَة من الأولى موقع التَّأْكِيد أَو التَّفْسِير، أَو الِاعْتِرَاض، أَو الْبَدَل. وَإِمَّا أَن يكون غير ظَاهر؛ لكَون كلِّ جملةٍ مُسْتَقلَّة عَن الْأُخْرَى. وَالْقسم الأول لَا كَلَام فِيهِ لظُهُوره. وَالثَّانِي.. إِمَّا أَن تكون الْجُمْلَة الثَّانِيَة فِيهِ معطوفة على الأولى بحرفٍ من حُرُوف الْعَطف المشركة فِي الحكم، أَو غير معطوفة.
فَإِن كَانَت معطوفة؛ فَلَا بُدَّ أَن تكون بَينهمَا جهةٌ جامعةٌ اقْتَضَت عطفهما، الحواشي
(١) انْظُر: فِي الدراسات القرآنية: الْجَانِب التاريخي - الْجَانِب الأسلوبي - الْجَانِب البلاغي، د. السَّيِّد أَحْمد عبد الْغفار، دَار الْمعرفَة الجامعية بالإسكندرية (بِدُونِ تَارِيخ نشر) ، ص ٩٥.стр. 81
كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (الْحَدِيد/٤) للتضاد بَين الْقَبْض والبسط، والولوج وَالْخُرُوج، والنّزول والعروج، وَشبه التضاد بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. وَمِمَّا فِيهِ مُنَاسبَة التضاد: ذكرُ الرَّحْمَة بعد الْعَذَاب، وَالرَّغْبَة بعد الرهبة - أَو الْعَكْس - وَقد جرت عَادَة الْقُرْآن إِذا ذكر أحكاماً، ذكر بعْدهَا وَعدا ووعيداً؛ ليَكُون باعثاً على الْعَمَل بهَا، ثمَّ يذكر آيَات توحيده وتنْزيهه، ليُعلم عَظمَة الْآمِر والناهي.. وَهَذَا كَمَا فِي سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء والمائدة.
.. وَإِن لم تكن معطوفة؛ فَلَا بُدَّ من رابطة تؤذن باتصال الْكَلَام، وَهِي قَرَائِن معنوية تؤذن بالربط، وَله أَسبَاب:
أَولهَا التنظير: لِأَن إِلْحَاق النظير بالنظير من شَأْن الْعُقَلَاء، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى فِي الْآيَة الْخَامِسَة من سُورَة الْأَنْفَال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ عقب قَوْله فِي الْآيَة الرَّابِعَة مِنْهَا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ .. فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمر رَسُوله (أَن يمضى فِي قسْمَة الْغَنَائِم على كُرهٍ من أَصْحَابه، كَمَا مضى فِي خُرُوجه من بَيته لطلب العير أَو الْقِتَال على كُرهٍ مِنْهُم، وَقد كَانَ فِي الْخُرُوج النصرُ وَالْغنيمَة، فَهَكَذَا يكون مَا فعله فِي الْقِسْمَة.. فليطيعوا مَا أمروا بِهِ، وليتركوا هوى أنفسهم.
وَثَانِيها المضادَّة: كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ (الْآيَة/٥) ، فَإِن أول السُّورَة كَانَ حَدِيثا عَن الْقُرْآن، وَأَن من شَأْنه الْهِدَايَة للْقَوْم الموصوفين بِالْإِيمَان، فَلَمَّا أكمل وَصفهم، عقَّب بِحَدِيث الْكَافرين، فبينهما جامعٌ وهمي يُسمى بالتضاد، فَإِن قيل: هَذَا جَامع بعيد؛ لِأَن الحَدِيث عَن الْمُؤمنِينَ أَتَى بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ، وَالْمَقْصُود بِالذَّاتِ إِنَّمَا هُوَ الحَدِيث عَن الْقُرْآن، فَالْجَوَاب: أَنه
стр. 82
يَكْفِي التَّعَلُّق على أيِّ وَجه؛ لِأَن الْمَقْصُود تَأْكِيد أَمر الْقُرْآن والحث على الْإِيمَان؛ وَلِهَذَا لمَّا فرغ من ذَلِك قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ...﴾ (الْآيَة /٢٣) ، فَرجع ثَانِيًا إِلَى الحَدِيث عَن الْقُرْآن.
وَثَالِثهَا الاستطراد: وَهُوَ من مَقَاصِد البلغاء، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الْأَعْرَاف/٢٦) .. فَهَذِهِ الْآيَة أَتَت على سَبِيل الاستطراد عقب ذكر بدوّ السوءات وخصف الْوَرق عَلَيْهَا، إِظْهَارًا للمنة فِيمَا خلق من اللبَاس، وَلما فِي العرى من المهانة والفضيحة، وإشعاراً بِأَن التستر بَاب عَظِيم من أَبْوَاب التَّقْوَى.
وَرَابِعهَا _ وَيقرب من الاستطراد_ حُسن التَّخَلُّص: وَهُوَ أَن ينْتَقل مِمَّا ابتدئ الْكَلَام بِهِ إِلَى الْمَقْصُود على وَجه سهل، يختلسه اختلاساً دَقِيق الْمَعْنى، بِحَيْثُ لَا يشْعر السَّامع بالانتقال إِلَّا وَقد وَقع عَلَيْهِ الثَّانِي؛ لشدَّة الالتئام بَينهمَا. وَفِي الْقُرْآن من التخلصات العجيبة مَا يحير الْعقل! وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف.. فقد ذكر فِيهَا الْأَنْبِيَاء والقرون الْمَاضِيَة والأمم السالفة، ثمَّ ذكر مُوسَى ﵇، إِلَى أَن قصّ حِكَايَة السّبْعين رجلا ودعاءه لَهُم ولسائر أمته بقوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ...﴾ (الْآيَة ١٥٦) وَجَوَابه - تَعَالَى - عَنهُ.. ثمَّ تخلص بمناقب سيدنَا مُحَمَّد (، بعد تخلصه لأمته، بقوله: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿.. الَّذين يتبعُون الرَّسُول النبيَّ الأميَّ ...﴾ (الْآيَتَانِ ١٥٦، ١٥٧) .. وَأخذ يذكر صِفَاته الْكَرِيمَة وفضائله (.
وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي سُورَة الْكَهْف.. فقد حكى قَول ذى القرنين فِي السدِّ بعد دكِّه - الَّذِي هُوَ من أَشْرَاط السَّاعَة -.. ثمَّ ذكر النفخ فِي الصُّور، وَذكر
стр. 83
الْحَشْر، وَوصف مَا للْكفَّار وَالْمُؤمنِينَ.
وَقد فرَّق بَعضهم بَين التَّخَلُّص والاستطراد، بِأَن التَّخَلُّص تتْرك فِيهِ مَا انْتَقَلت عَنهُ من غير عودٍ إِلَيْهِ، أما الاستطراد فتمرُّ فِيهِ بِمَا استطردت إِلَيْهِ كالبرق الخاطف، ثمَّ تتركه وتعود إِلَى مَا كنت فِيهِ كَأَنَّك لم تقصده، وَإِنَّمَا عَرض عُروضاً، وعَلى هَذَا يكون مَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف من الاستطراد لَا التَّخَلُّص؛ لِأَنَّهُ عَاد فِيهَا بعد ذَلِك إِلَى قصَّة مُوسَى بقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ...﴾ (الْآيَة ١٥٩) .
وَيقرب من حسن التَّخَلُّص الِانْتِقَال من حَدِيث إِلَى آخر تنشيطاً للسامع، مَفْصُولًا بَينهمَا بِلَفْظ (هَذَا) ، كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة ص بعد ذكر الْأَنْبِيَاء: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (الْآيَة ٥٥) ، فَإِن هَذَا الْقُرْآن نوع من الذّكر، فَلَمَّا انْتهى ذكر الْأَنْبِيَاء - وَهُوَ نوع من التنْزيل - أَرَادَ أَن يذكر نوعا آخر، وَهُوَ ذكر الْجنَّة وَأَصلهَا، فَلَمَّا فرغ من هَذَا قَالَ: ﴿هَذَا وإنَّ للطاغين لشرَّ مآب﴾ ، فَذكر النَّار وَأَهْلهَا.
وَيقرب من حسن التَّخَلُّص أَيْضا حسنُ الْمطلب، وَهُوَ أَن يخرج إِلَى الْغَرَض بعد تقدم الْوَسِيلَة، كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة الْفَاتِحَة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ )) (١) .
ثمَّ نقل السُّيُوطِيّ عَن ((بعض الْمُتَأَخِّرين)) مَا يصلح أَن يكون قَاعِدَة عَامَّة مركَّزة فِيمَا يجب على طَالب الْمُنَاسبَة من أُمُور يجب أَن يُحكمها، ومعارف يلْزم أَن ينظر فِيهَا.. وَقد أحسن الشَّيْخ عبد المتعال الصعيدي - أَيْضا - فِي تهذيبها، الحواشي
(١) انْظُر: النّظم الفني فِي الْقُرْآن، ص ٢٨: ٣١، وَانْظُر أصل الْكَلَام عِنْد السُّيُوطِيّ فِي الإتقان: ٢/٩٧٨: ٩٨١، وَقد استفاده بدوره من كَلَام الزَّرْكَشِيّ، برهانه: ١/ ٤٠: ٥٠.стр. 84
وَذَلِكَ فِي قَوْله:
((وَالْقَاعِدَة الَّتِي يُرجع إِلَيْهَا فِي معرفَة ارتباط الْآيَات فِي جَمِيع الْقُرْآن: هُوَ أَن تنظر - كَمَا سبق - فِي الْغَرَض الَّذِي سيقت لَهُ السُّورَة، ثمَّ تنظر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض من المقدِّمات، وَتنظر إِلَى مَرَاتِب تِلْكَ الْمُقدمَات فِي الْقرب والبعد من الْمَطْلُوب، وَتنظر عِنْد انجرار الْكَلَام فِي الْمُقدمَات إِلَى مَا يستتبعه من استشراف نفس السَّامع إِلَى الْأَحْكَام واللوازم الَّتِي تَقْتَضِي البلاغة شِفَاء الغليل بِدفع عناء الاستشراف إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهَا، فَهَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَة المهيمنة على حكم الرَّبْط بَين جَمِيع أَجزَاء الْقُرْآن، فَإِذا عقلتها، تبيَّن لَك وَجه النّظم مفصَّلاً بَين كلِّ آيةٍ وآيةٍ فِي كلِّ سُورَة)) (١) . الحواشي
(١) النّظم الفني، ص ٣١، وانظره فِي الإتقان: ٢/٩٨٢. وَقد ذكر البقاعي فِي نظم الدُّرَر (١/١٨) ذَات الْقَاعِدَة بنصها، وصرَّح بنسبتها إِلَى الإِمَام الْمُحَقق أبي الْفضل مُحَمَّد بن مُحَمَّد المشدَّالي المغربي الْمَالِكِي.стр. 85
ثَانِيًا: الْمُنَاسبَة فِي السُّورَة (السُّورَة كوحدة مُسْتَقلَّة) :
سبق مَعنا فِي تَعْرِيف السُّورَة أَنَّهَا (قطعةٌ من الْقُرْآن مُعَيَّنةٌ بمبدأ وَنِهَايَة لَا يتغيران، مُسَمَّاة باسم مَخْصُوص، تشْتَمل على ثَلَاث آيَات فَأكْثر، فِي غَرَض تَامّ ترتكز عَلَيْهِ مَعَانِيهَا) .
وَمَا من سُورَة إِلَّا وَلها من (المعالم) مَا يخْتَص بهَا، سَوَاء فِي ذَلِك السُّور الْقصار والطوال، وَكلما قصرت السُّور كَبرت هَذِه الْخَاصَّة، ويتضح ذَلِك من أَن الله تَعَالَى لم يَجْعَل السُّور الْقصار سُورَة وَاحِدَة مُسْتَقلَّة إِلَّا لحكمة عَظِيمَة، وَهِي اسْتِقْلَال كل وَاحِدَة مِنْهَا بِمَا يميزها عَن سواهَا عَن سواهَا (٢) . وَمن أحسن الحواشي
(٢) انْظُر: دَلَائِل النظام، ص ٨٢стр. 86
مَنْ عبَّر عَن ذَلِك الْأُسْتَاذ سيد قطب ﵀ ببيانه الْمشرق، وأسلوبه الماتع.. وَذَلِكَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كِتَابه الْعَظِيم (فِي ظلال الْقُرْآن) .. وَمن ذَلِك قَوْله: ((إِن الشَّأْن فِي سور الْقُرْآن من هَذِه الوجهة - أَي وجهة اسْتِقْلَال كلٍّ مِنْهَا بشخصية (هَكَذَا ﴿) مميِّزة - كالشأن فِي نماذج الْبشر الَّتِي جعلهَا الله متميزة.. كلهم إِنْسَان، وَكلهمْ لَهُ خَصَائِص الإنسانية، وَكلهمْ لَهُ التكوين العضوي والوظيفي الإنساني.. وَلَكنهُمْ - بعد ذَلِك - نماذجُ متنوعة أشدَّ التنوع، نماذج فِيهَا الْأَشْبَاه الْقَرِيبَة الملامح، وفيهَا الأغيار الَّتِي لَا تجمعها إِلَّا الخصائص الإنسانية الْعَامَّة.
هَكَذَا عدتُ أتصور سور الْقُرْآن، وَهَكَذَا عدتُ أحسُّها، وَهَكَذَا عدتُ أتعامل مَعهَا.. بعد طول الصُّحْبَة، وَطول الألفة، وَطول التَّعَامُل مَعَ كل مِنْهَا.. وفْق طباعه، واتجاهاته، وملامحه وسماته﴾ وَأَنا أجد فِي سور الْقُرْآن - تبعا لهَذَا - وفْرةً بِسَبَب تنوع النماذج، وأُنْساً بِسَبَب التَّعَامُل الشخصي الوثيق، ومتاعاً بِسَبَب اخْتِلَاف الملامح والطباع، والاتجاهات والمطالع! إِنَّهَا أصدقاء.. كلُّها صديق، وكلُّها أليف، وكلُّها حبيب، وكلُّها ممتع، وكلُّها يجد الْقلب عِنْده ألواناً من الاهتمامات طريفة، وألواناً من الْمَتَاع جَيِّدَة، وألواناً من الإيقاعات، وألواناً من المؤثرات.. تَجِد لَهَا مذاقاً خَاصّا، وجواً متفرداً.
ومصاحبة السُّورَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا رحْلَة.. رحْلَة فِي عوالم ومشاهد، ورؤىً وحقائق، وتقديرات، وموحيات، وغوص فِي أعماق النُّفُوس، واستجلاء مشَاهد الْوُجُود.. وَلكنهَا مَعَ ذَلِك رحْلَة متميزة المعالم.. فِي كل سُورَة، وَمَعَ كل سُورَة)) (١) . الحواشي
(١) فِي ظلال الْقُرْآن، ٣/١٢٤٣، وانظره كَذَلِك فِي هَذِه الْمَوَاضِع على سَبِيل الْمِثَال: ١/٢٧، ٢٨، و: ١/٥٥٥، و: ٢/٨٣٣.. ولسيد قطب كَلَام كثير رائع حول (جوِّ) كل سُورَة الْخَاص، وشخصيتها المميِّزة.. وَقد سبق أَن أَشَرنَا إِلَى شَيْء من ذَلِك فِيمَا سبق من كلامٍ خَاص عَنهُ وَعَن تَفْسِيره، ونلاحظ أَنه يسْتَعْمل الأسلوب الحَدِيث، وَقد لَا يتناسب مَعَ قدسية الْقُرْآن، وَلكنهَا الْأَمَانَة فِي النَّقْل.стр. 87
وطرق إِدْرَاك هَذِه الْوحدَة فِي السُّور الْوَاحِدَة، وَوضع الْيَد على شخصيتها المميِّزة، لَيْسَ بِالْأَمر الْيَسِير - وَإِن بدا على غير ذَلِك! -.. فَإِنَّهُ يتطلب بصراً نَافِذا بمرامى الْكَلَام، وإدراكاً واعياً لاتجاهاته، وربطاً حكيماً لأطرافه.. وَذَلِكَ حَتَّى لَا يصير الْكَلَام فِي هَذَا إِلَى ضرب من تكْرَار القَوْل، وترداد قوالب لفظية لَا تكَاد تضيف شَيْئا ذَا بالٍ فِي إثراء هَذَا الْبَاب من النّظر فِي كتاب الله الْمجِيد.
وأغمض من هَذَا وأدقُّ، مَا أَشَارَ إِلَيْهِ البقاعي من كَون اسْم كل سُورَة مترجماً عَن مقصودها الأساس؛ لِأَن اسْم كل شَيْء يُظهر الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين مسمَّاه، وعنوانه يدلُّ إِجْمَالا على تَفْصِيل مَا فِيهِ (١) .. وَلَا يعكِّر على هَذَا الْمَعْنى مَا يُروى من تعداد أَسمَاء بعض السُّور؛ فَإِن الْقُرْآن كُله مبنيٌّ على تعدد الْمعَانِي، فَلَا بَأْس من كَثْرَة وُجُوه التَّأْوِيل تبعا لتَعَدد الْأَسْمَاء - طالما أَنَّهَا لَا تُؤدِّي إِلَى تضَاد أَو تنَاقض - كَمَا أَنه لَا بَأْس من تَكْثِير وُجُوه الْحِكْمَة فِي أمرٍ وَاحِد.. وَذَلِكَ مِمَّا يدل على ثراء الْمَعْنى فِي الْقُرْآن الْعَزِيز (٢) .
وَلَكِن المهم فِي ذَلِك كلِّه هُوَ - كَمَا كررنا غير مرّة - الِاحْتِرَاز من التَّكَلُّف فِي التمَاس وُجُوه الِاتِّصَال والمناسبة، فَإِن التَّكَلُّف فِي ذَلِك، والاجتراء الحواشي
(١) انْظُر: نظم الدُّرَر، ١/١٨، ١٩، و: مصاعد النّظر، ١/٢٠٩.(٢) انْظُر فِي ذَلِك: دَلَائِل النظام، ص ٧٩стр. 88
عَلَيْهِ من غير استكمال الأدوات وبذل غَايَة الوسع، هُوَ مَا يدْفع الْبَعْض إِلَى إِنْكَاره، أَو عدم الاهتمام بِمَا يُقَال فِيهِ على أقل تَقْدِير.. وَقد سبق أَن ذكرنَا شَيْئا من ذَلِك فِيمَا نقلنا عَن الإِمَام الفراهي عِنْد الحَدِيث عَن أهمية علم الْمُنَاسبَة، وَهُوَ مَا سنشير إِلَيْهِ لاحقاً أَيْضا فِي النَّوْع الثَّالِث من أَنْوَاع الْمُنَاسبَة.
стр. 89
ثَالِثا: الْمُنَاسبَة بَين السُّور (الْقُرْآن كوحدة وَاحِدَة) :
وَهَذَا النَّوْع أدقُّ وأغمض من سابقيه، وَهُوَ النّظر إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم كلِّه على أَنه (كلمة وَاحِدَة) - كَمَا قَالَ الزركشى فِي تَعْبِيره المكثَّف (١) - وَهُوَ مَا عبر عَنهُ أديب الْعَرَبيَّة الْكَبِير الْأُسْتَاذ مصطفى صَادِق الرَّافِعِيّ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - (١٨٨١ - ١٩٣٧م) بـ (روح التَّرْكِيب) فِي الْقُرْآن.. وَفِي ذَلِك يَقُول - ببيانه العالي، وديباجته الرائعة -:
((.. وَفِي الْقُرْآن مظهر غَرِيب لإعجازه المستمر، لَا يحْتَاج فِي تعرُّفه إِلَى رويَِّةٍ وَلَا إعنات، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن يرَاهُ من اعْترض شَيْئا من أساليب النَّاس حَتَّى يَقع فِي نَفسه معنى إعجازه؛ لِأَنَّهُ أَمر يغلب على الطَّبْع، وينفرد بِهِ، فيُبين عَن نَفسه بِنَفسِهِ، كالصوت المطرب الْبَالِغ فِي التطريب.. لَا يحْتَاج امْرُؤ فِي مَعْرفَته وتمييزه إِلَى أَكثر من سَمَاعه ! ذَلِك.. هُوَ وَجه تركيبه، أَو هُوَ أسلوبه، فَإِنَّهُ مباينٌ بِنَفسِهِ لكلِّ مَا عرف من أساليب البلغاء فِي تَرْتِيب خطابهم، وتنْزيل كَلَامهم، وعَلى أَنه يواتى بعضُه بَعْضًا، وتناسب كل آيَة مِنْهُ كل آيَة أُخْرَى فِي النّظم والطريقة، (وتترابط كل سُورَة مِنْهُ مَعَ سابقتها ولاحقتها فِي الرّوح الْعَامَّة) .. على اخْتِلَاف الْمعَانِي، وتباين الْأَغْرَاض.. سَوَاء فِي ذَلِك مَا كَانَ مُبْتَدأ بِهِ من مَعَانِيه وأخباره، وَمَا الحواشي
(١) الْبُرْهَان، ١/٣٩.стр. 90
كَانَ متكرراً فِيهِ.. فَكَأَنَّهُ قِطْعَة وَاحِدَة ﴿)) (١) .
وَيَقُول فِي مَوضِع آخر:
((.. فَأَنت مَا دمت فِي الْقُرْآن حَتَّى تفرغ مِنْهُ لَا ترى غير صُورَة وَاحِدَة من الْكَمَال، وَإِن اخْتلفت أجزاؤها فِي جِهَات التَّرْكِيب، وَمَوْضِع التَّأْلِيف، وألوان التَّصْوِير، وأغراض الْكَلَام.. كَأَنَّهَا تُفضي إِلَيْك جملَة وَاحِدَة، حَتَّى تُؤْخَذ بهَا، ويغلب عَلَيْك شَبيه فِي التَّمْثِيل مِمَّا يغلب أهل الحِسِّ بالجمال إِذا عَرضت لأَحَدهم صُورَة من صوره الْكَامِلَة، فَإِن لَهُم ضربا من النّظر يعتريهم فِي تِلْكَ الْحَالة الْوَاحِدَة، وَلَو سميته (حِسَّ النّظر الفكري) لم تبعد، فَهُوَ يَبْتَدِئ فِي الصُّورَة الجميلة، ويستتم فِي النَّفس، فَلَو أَنَّهَا أغمضت الْعين دونهَا؛ لبقيت الصُّورَة ماثلة بجملتها فِي الْفِكر، وَلَو وقفت الْعين على جهةٍ وَاحِدَة مِنْهَا، لوصلها الْفِكر بِسَائِر أَجْزَائِهَا، فتمثلت بِهِ سويةَ التَّرْكِيب، تَامَّة الْخلق.. فِي حِين لَا ترى الْعين إِلَّا هَذِه الْجِهَة وَحدهَا﴾ (...) .
وَهَذِه الرّوح (أَي روح التَّرْكِيب) لم تُعرف فِي كلامٍ عربيٍّ غير الْقُرْآن، وَبهَا انْفَرد نظامه، وَخرج مِمَّا يطيقه النَّاس، ولولاها لم يكن بِحَيْثُ هُوَ كَأَنَّهُ وُضع جملَة وَاحِدَة، لَيْسَ بَين أَجْزَائِهَا تفاوتٌ أَو تبَاين؛ إِذْ ترَاهُ ينظر فِي التَّرْكِيب إِلَى نظم الْكَلِمَة وتأليفها، ثمَّ إِلَى تأليف هَذَا النّظم، فَمن هَاهُنَا كَانَ تعلُّقه بعضه على بعض، وَخرج فِي معنى تِلْكَ الرّوح صفة وَاحِدَة، هِيَ صفة إعجازه فِي جملَة التَّرْكِيب كَمَا عرفنَا، وَإِن كَانَ فِيمَا وَرَاء ذَلِك مُتَعَدد الْوُجُود الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا الحواشي
(١) إعجاز الْقُرْآن، مصطفى صَادِق الرَّافِعِيّ، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ - بيروت، ص ٢٠١، مَعَ التَّنْبِيه إِلَى أَن مَا بَين القوسين الكبيرين من زيادتنا، مِمَّا استفدنا من كَلَام الرَّافِعِيّ فِي السِّيَاق كُله.стр. 91
- من أغراض الْكَلَام ومناحي الْعبارَات - على جملَة مَا حصل بِهِ من جِهَات الْخطاب، كالقصص والمواعظ، وَالْحكم والتعليم وَضرب الْأَمْثَال.. إِلَى نَحْوهَا مِمَّا يَدُور عَلَيْهِ. وَلَوْلَا تِلْكَ الرّوح، لخرج أَجزَاء مُتَفَاوِتَة، على مِقْدَار مَا بَين هَذِه الْمعَانِي ومواقعها فِي النُّفُوس، وعَلى مِقْدَار مابين الْأَلْفَاظ والأساليب الَّتِي تؤديها حَقِيقَة ومجازاً ...)) (١) .
وَفِي تَلْخِيص دالٍّ يَقُول - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -:
((وَبِالْجُمْلَةِ.. فَإِن هَذَا الإعجاز فِي مَعَاني الْقُرْآن وارتباطها أَمر لَا ريب فِيهِ، وَهُوَ أبلغ فِي مَعْنَاهُ الإلهي إِذا انْتَبَهت إِلَى أَن السُّور لم تنزل على هَذَا التَّرْتِيب، فَكَانَ من الأحرى ألَاّ تلتئم، وألَاّ يُنَاسب بَعْضهَا بَعْضًا، وَأَن تذْهب آياتها فِي الْخلاف كلَّ مَذْهَب.. وَلكنه روح من أَمر الله.. تفرق معجزاً، فَلَمَّا اجْتمع، اجْتمع لَهُ إعجاز آخر ليتذكر بِهِ أولو الْأَلْبَاب)) (٢) .
وعَلى رغم جمال هَذَا اللَّوْن من التناسب، وأهميته فِي إبراز وَجه من وُجُوه إعجاز الْقُرْآن الباهرة، فقد اعْترض عَلَيْهِ بعض الْعلمَاء المعاصرين، خوفًا مِمَّا شَاب الْكَلَام فِيهِ من تكلّف ممجوج..
ولعلَّ أوفى مَنْ عبّر عَن هَذَا الرَّأْي الْمعَارض هُوَ الشَّيْخ الدكتور صبحي الصَّالح ﵀.. وحرصاً على عرض رَأْيه وَاضحا، فسننقله كَامِلا كَمَا ذكره.. حَيْثُ قَالَ بعد أَن تكلم عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي وَسَبقه إِلَى إِظْهَار علم الْمُنَاسبَة فِي مجالسه ودروسه:
((.. وَفِي صَنِيع أبي بكر النَّيْسَابُورِي هَذَا اتجاه جَدِيد إِلَى الْكَشْف عَن الحواشي
(١) السَّابِق، ص ٢٤١، ٢٤٥(٢) السَّابِق، حَاشِيَة ص ٢٤٤стр. 92
الترابط بَين السُّور، إِلَى جَانب الْكَشْف عَن التناسب بَين الْآيَات، والحقُّ أَن الَّذِي يَنْبَغِي التنقيب عَنهُ، والاستيثاق من نتائجه، هُوَ - بالْمقَام الأول - وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْآيَات، إِذْ يُبحث أول كل شَيْء عَن الْآيَة: أمكملة لما قبلهَا أم مُسْتَقلَّة؟ ثمَّ: المستقلة.. مَا وَجه مناسبتها لما قبلهَا؟ ولِمَ سيقت هَذَا المساق؟
أما التمَاس أوجه الترابط بَين السُّور - على مَا فِيهِ من تعسُّفٍ وتكلُّف - فَهُوَ مبنيُّ على أَن تَرْتِيب السُّور توقيفي، وَلِهَذَا انتصرنا، وَعَلِيهِ عوّلنا. إِلَّا أَن تَرْتِيب السُّور التوقيفي لَا يسْتَلْزم حتما أَن يكون بَين كل سُورَة سَابِقَة وكل سُورَة لاحقة أواصرُ قُربى، كَمَا أَن تَرْتِيب الْآيَات التوقيفي لَا يقتضى عقلا ارتباط إِحْدَاهَا بِالْأُخْرَى إِذا وَقعت كلٌّ مِنْهَا على أَسبَاب مُخْتَلفَة. وَإِنَّمَا يغلب فِي السُّورَة الْوَاحِدَة أَن تكون ذَات مَوْضُوع بارز كليٍّ، تأتلف عَلَيْهِ جزئياتها كلهَا فِي مقاطعها المتلاحقة المترابطة، لَكِن الْوحدَة الموضوعية فِي كل سُورَة على حِدة لَا يَنْبَغِي أَن تكون هِيَ الْوحدَة الموضوعية عينهَا فِي السُّور كلهَا مجتمعة، وَلم يبلغ المفسِّرون هَذَا الْمبلغ من التَّكَلُّف، بل اكتفوا بِإِظْهَار العلاقة بَين ختام السُّور السَّابِقَة وفاتحة السُّور اللاحقة، كَأَن الترابط بَينهمَا - لَوْلَا فصلهما بالبسملة - وَقع عَن طَرِيق الْآيَات موقعاً جزئياً، لَا عَن طَرِيق السورتين موقعاً شَامِلًا كلياً.
ومعيار الطَّبْع أَو التَّكَلُّف فِيمَا لُمح من ضروب التناسب بَين الْآيَات والسور يرتدُّ فِي نَظَرِي إِلَى دَرَجَة التَّمَاثُل أَو التشابه بَين الموضوعات، فَإِن وَقع فِي أمورٍ متحدةٍ مرتبطةٍ أوائلها بأواخرها، فَهَذَا تناسب مَعْقُول مَقْبُول، وَإِن وَقع على أَسبَاب مُخْتَلفَة، وَأُمُور متنافرة، فَمَا هَذَا من التناسب فِي شَيْء، وَمَا أصدق قَول الْقَائِل: ((الْمُنَاسبَة أمرٌ مَعْقُول، إِذا عرض على الْعُقُول تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ)) !
الحواشي
(١) فصل ذَلِك فِي كِتَابه مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص ٦٩: ٧٤
انْظُر: الْبُرْهَان، ١ / ٣٥стр. 93
وَأَقل مَا يعنيه هَذَا المعيار الدَّقِيق أنَّ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْآيَات أَو بَين السُّور يخفى تَارَة وَيظْهر أُخْرَى، وَأَن فرص خفائه تقل بَين الْآيَات، وفرص ظُهُوره تندر بَين السُّور، ذَلِك بِأَن الْكَلَام قلَّما يتم بِآيَة وَاحِدَة، فتتعاقب الْآيَات فِي الْمَوْضُوع الْوَاحِد تَأْكِيدًا وتفسيراً، أَو عطفا وبياناً، أَو اسْتثِْنَاء وحصراً، أَو اعتراضاً وتذييلاً.. حَتَّى تبدو الْآيَات المتعاقبات كالنظائر والأتراب)) (١) .
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ ﵀: ((.. وَمَا على قَارِئ الْقُرْآن ليستبين وَجه التناسب بَين الْآيَات إِلَّا أَن يحتكم إِلَى ذوقه الأدبي تَارَة، ومنطقه الفطري تَارَة أُخْرَى. وَحِينَئِذٍ يَقع على ربط عَام أَو خَاص، ذهني أوخارجي، عَقْلِي أَو حسى أَو خيالي، من غير أَن تقوم لهَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي نَفسه مدلولات اصطلاحية أَو فلسفية، فكثيراً مَا يَدُور التلازم بَين الْآيَات دوران الْعلَّة والمعلول، فَإِن لم تتلاق، ويستلزم بَعْضهَا بَعْضًا، تقابلت الأضداد.. كذكر الرَّحْمَة بعد ذكر الْعَذَاب، وَوصف الْجنَّة بعد وصف النَّار، وتوجيه الْقُلُوب بعد تَحْرِيك الْعُقُول، واستخلاص الموعظة بعد سرد الْأَحْكَام (...) واستناداً إِلَى هَذَا الْمنطق الفطري، الَّذِي يقتنص أوجه التناسب بَين الْآيَات برشاقة وخفة، نحسب أَن فرص الغموض فِي استجلاء هَذِه الْوُجُوه لَا تكْثر إِلَّا فِي الروابط بَين السُّور، وَلَو وَقع إِلَيْنَا كتاب أبي جَعْفَر بن الزبير (الْبُرْهَان فِي مُنَاسبَة تَرْتِيب سور الْقُرْآن) ؛ لرأينا أنماطاً من هَذَا الغموض، الحواشي
(١) مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، د. صبحي الصَّالح، دَار الْعلم للملايين - بيروت، ط ١٠/ ١٩٧٧م، ص ١٥١، ١٥٢.
انْظُر قَرِيبا من ذَلِك فِي الإتقان: ٢/٩٧٨
أَشَارَ إِلَيْهِ البقاعي وَالزَّرْكَشِيّ والسيوطي، وَغَيرهم مِمَّن ذكر الْكتب المصنفة فِي هَذَا الْعلم.. وَقد سبق مَعنا كَذَلِك.стр. 94
وصوراً من هَذَا الخفاء، وَمَا نظنُّ احتفال الْمُفَسّرين قَلِيلا بِهَذَا النَّوْع لدقته وَحسب، بل لقلَّة جدواه، وَكَثْرَة التَّكَلُّف فِيهِ.. فَإِنَّهُم يقطعون أنفاسهم من شدَّة اللهاث وهم يَلْتَمِسُونَ بَين سورتين لفظين يتشابهان، أَو آيَتَيْنِ تتناظران، حَيْثُمَا كَانَ موضعهما من السُّورَة.. فِي الْبِدَايَة أَو الْوسط أَو الختام ﴿)) (١) .
وَبعد أَن يذكر الشَّيْخ صبحي الصَّالح نماذج لما يرَاهُ تعسُّفاً فِي الرَّبْط بَين السُّور يَقُول: ((.. وأياً مَا يكن تكلُّف المتكلفين فِي إبراز التناسب بَين الْآيَات والسور، فمما لَا ريب فِيهِ أَن الْمُفَسّرين الْمُحَقِّقين جنَوا أطيب الثَّمر لمَّا ضربوا صفحاً عَن كل تعسف، ووسعهم أَن يقتنعوا - ويقنعوا الدارسين - بِأَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي نزل فِي نيِّفٍ وَعشْرين سنة - فِي أَحْكَام مُخْتَلفَة، ولأسباب متباينة - قد تناسقت الْآيَات فِي كل سورةٍ من سوره أكمل تناسق وأوفاه، حَتَّى أغْنى تناسقها فِي مَوَاطِن كَثِيرَة عَن التمَاس أَسبَاب نُزُولهَا، وعوَّض انسجامها الفنيُّ وَاقعهَا التاريخيَّ.. ثمَّ بَدَت السُّور كلهَا - بآياتها المتناسقة - مئة وَأَرْبع عشرَة قلادة طوَّقت جيد الزَّمَان﴾ )) (٢) . انْتهى كَلَام الشَّيْخ صبحي الصَّالح ﵀ فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمَوْضُوع، وَقد آثرتُ نَقله كَامِلا على طوله لما احتواه من نقاط جَيِّدَة لَا أختلف مَعَه عَلَيْهَا، وَلَعَلَّ أهمها هِيَ التخوف من الْآثَار السَّيئَة للتكلُّف فِي الْبَحْث عَن أَسبَاب التناسب بَين السُّور، وللتعسُّف فِي تجلية وجوهها.. من غير احتكام إِلَى الْقَوَاعِد الضابطة لهَذَا الشَّأْن، وَالَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هُوَ نَفسه فِي سِيَاق حَدِيثه.
وَلَكِن الْأَمر الَّذِي أختلف مَعَه فِيهِ، هُوَ دعوتُه إِلَى إغلاق مجَال الْبَحْث فِي الحواشي
(١) مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص ١٥٥، ١٥٦(٢) السَّابِق، ص ١٥٧стр. 95
هَذَا بِالْكُلِّيَّةِ ((لقلَّة جدواه وَكَثْرَة التَّكَلُّف فِيهِ)) .. وأحسب أَن رهافة الشَّيْخ وحُسن تأدُّبه منعاه من أَن يسيء القَوْل، كَمَا فعل غَيره حِين استخدم عِبَارَات قاسية - وَلَا ضَرُورَة لَهَا بِوَجْه - فِي التنفير عَمَّا حاوله المحاولون فِي هَذَا ﴿ (١) .. وَمَعَ ذَلِك؛ فَإِن هَذَا لَا يعُفينا من التَّعَجُّب من افتيات الشَّيْخ ﵀ على الْعلم والتاريخ حِين يجْزم بِأَن كتاب أبي جَعْفَر بن الزبير (الْبُرْهَان فِي مُنَاسبَة تَرْتِيب سور الْقُرْآن) ، وَالَّذِي قَرَأنَا عَنهُ وَلم نره، لَو وَقع إِلَيْنَا لرأينا - هَكَذَا﴾ - أنماطاً من الغموض، وصوراً من الخفاء.. فهلَاّ انْتظر الشَّيْخ حَتَّى نقرأه أَولا ﴿
وعَلى كلٍّ.. فإنني لَا أَشك فِي حسن نِيَّة أَصْحَاب هَذَا الرَّأْي؛ إِذْ إِنَّهُم لَا يقصدون غير صون كتاب الله تَعَالَى من سمج الْكَلَام، ومتعسَّف القَوْل.. وَلَكِن هَذَا لَا يضطرني إِلَى إِنْكَار أمرٍ يعدُّ من أهم مجالى إعجاز الْقُرْآن.. بل يحثُّني على مزيدٍ من التأني قبل الْخَوْض فِيهِ، وَإِلَى استكمال عُدَّته، وإحكام أدواته؛ ليَكُون الْفِكر فِيهِ أثقب، والرأي فِيهِ أنفذ..
ولعلَّ أحسن وأتقن جوابٍ على شُبَه المعارضين هَؤُلَاءِ، هُوَ مَا فتح الله بِهِ على الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الحميد الفراهي ﵀ وَالَّذِي نقلتُ كَلَامه - الْبَالِغ الأهمية والإحكام - كَامِلا عِنْد ذكري من أنكر وجود التناسب عُمُوما بَين آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم.. فَلَا نطيل بتكراره هُنَا.. وَلَكِن حسبي أَن أستعيد مِنْهُ قولته الحكيمة: ((إِن عدم الْقَصْد لشَيْء رُبمَا يكون صَحِيحا.. وَلَكِن سوءٍ التَّدْبِير لذَلِك الْغَرَض منقصة ظَاهِرَة﴾ )) (٢) . الحواشي
(١) انْظُر ذَلِك فِيمَا سبق، فِي المبحث الثَّانِي (موقع علم الْمُنَاسبَة من عُلُوم الْقُرْآن) .(٢) انْظُر كَلَام الفراهي بتمامة فِي: دَلَائِل النظام، ص ٢١: ٢٦، ص ٤٠.. وانظره فِي هَذَا الْبَحْث فِي المبحث الثَّانِي الْمشَار إِلَيْهِ آنِفا.стр. 96
فلنمسك عَن الْكَلَام فِي مثل هَذِه المباحث الدقيقة - طالما لم نستكمل أَسبَاب الإجادة فِيهَا - حفظا لهيبة كتاب الله الْعَزِيز أَن تُمسَّ.. وَإِلَّا فلنحاول - مستعينين بِاللَّه تَعَالَى، وطالبين الْفَتْح مِنْهُ - بالتسديد والمقاربة، حَتَّى تبدو سور الْقُرْآن الْمجِيد كمئة وَأَرْبع عشرَة دُرةً فِي قلادةٍ واحدةٍ.. طوَّقت جِيدَ الزَّمَان!
стр. 97
المبحث السَّادِس: نماذج تطبيقية على علم الْمُنَاسبَة
أَولا: التناسب فِي الْآيَات
...
المبْحثُ السَّادس: نماذج تطبيقية على علم الْمُنَاسبَة
كَانَت هَذِه المباحث الْمُتَقَدّمَة أقرب إِلَى أَن تكون مدخلًا نظرياً لدراسة علم الْمُنَاسبَة، والآن جَاءَ أَوَان النّظر فِي التطبيقات العملية لمبادئ هَذَا الْعلم الشريف وأغراضه السامية، من خلال عرضٍ لبَعض نماذج مَا تعرض لَهُ الكاتبون فِيهِ، والمهتمون بِهِ.
وسوف نَخْتَار نماذج ثَلَاثَة فَقَط، حَتَّى لَا يخرج الْكَلَام بِنَا عَن حُدُود هَذِه الدراسة، آملين أَن تكون دَالَّة على أهمية هَذَا الْعلم، وضرورة مُتَابعَة النّظر فِيهِ (نظريا وتطبيقاً) ، حَتَّى يَسْتَوِي كلٌّ منا على سُوقه، ويتحقق المُرَاد الْأَعْظَم مِنْهُ، وَهُوَ الاهتداء بهداية الْقُرْآن الْعَظِيم، وَالنَّظَر إِلَيْهِ كوحدة وَاحِدَة، من شَأْن الاعتناء بهَا (علما وَعَملا) أَن يخرج الْأمة من أزمتها، وَيُعِيد إِلَيْهَا سالف مجدها وعزتها.
وَقد اخترتُ النماذج بِحَسب النّظر إِلَى أَنْوَاع علم الْمُنَاسبَة الرئيسة؛ وَلذَا جَاءَت تمثيلاً للتناسب بَين الْآيَات، ثمَّ فِي السُّورَة الْوَاحِدَة، ثمَّ فِيمَا بَين السُّور.
وَبِاللَّهِ الْهِدَايَة، وَمِنْه التَّوْفِيق، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ.
أَولا: التناسب فِي الْآيَات:
لعلَّ من أَكثر آيَات الْقُرْآن الْمجِيد إشْكَالًا من جِهَة بَيَان مناسبتها لسياق السُّورَة الَّتِي وَردت فِيهَا، هِيَ هَذِه الْآيَات الْأَرْبَع من سُورَة الْقِيَامَة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١٦:١٩) ، ولعلَّ أهمية حلِّ إِشْكَال تناسب هَذِه الْآيَات يرجع إِلَى أَنَّهَا كَانَت من قديمٍ محلَّ جدل وتشكك من قبل الطاعنين فِي هَذَا الْكتاب الْمجِيد، وَفِي هَذَا
стр. 98
يَقُول الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ: ((زعم قوم من قدماء الروافض أَن هَذَا الْقُرْآن قد غُيِّر وبُدِّل، وَزيد فِيهِ وَنقص عَنهُ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَات (من سُورَة الْقِيَامَة) وَبَين مَا قبلهَا، وَلَو كَانَ هَذَا التَّرْتِيب من عِنْد الله تَعَالَى لما كَانَ الْأَمر كَذَلِك ...)) (١) .
وَلِهَذَا السَّبَب اخترنا هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة لتَكون مِثَالا للنَّظَر فِيمَا تكلم بِهِ عُلَمَاء الْقُرْآن المهتمون بِأَمْر التناسب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.
وَحَتَّى لَا نقع فِي مَحْذُور تكْرَار الْأَقْوَال، وتزاحم النقول، بِمَا قد لَا يُفِيد كثيرا، فقد اخترتُ عشرَة من أهمِّ من تكلمُوا فِي هَذَا الْموضع، وعرضتُ لأقوالهم بِحَسب تَرْتِيب وَفِياتهم، حَيْثُ إِن كَلَام بَعضهم أصبح عُمْدَة من بعدهمْ، الحواشي
(١) مَفَاتِيح الْغَيْب، ٣٠/٢٢٢. وَانْظُر فِي ذَلِك كتاب شَيخنَا الدكتور مُحَمَّد أَحْمد يُوسُف الْقَاسِم - بَارك الله فِيهِ وأمتع بِهِ -: الإعجاز الْبَيَانِي فِي تَرْتِيب آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم وسوره، ص ٤٧٠: ٥٠٢، وَكَذَلِكَ: ص ٥٢٢: ٥٢٦، وَانْظُر كَذَلِك فِي الرَّد على هَذِه المطاعن الْبَاطِلَة مُقَدّمَة كتاب (المباني فِي نظم الْمعَانِي) لمؤلف مغربي - فِيمَا يظْهر - مَجْهُول (كتبهَا فِي حُدُود سنة ٤٢٥?) ، وَالَّتِي نشرها المستشرق الإنجليزي آرثر جفري ضمن كِتَابه (مقدمتان فِي عُلُوم الْقُرْآن) نشر مكتبة الخانجي، ط٢ /١٩٧٢م، وَلَا سِيمَا فِي الْفَصْل الرَّابِع مِنْهَا (ص ٧٨: ١١٧) . وعنوانه (فصل فِي بَيَان مَا ادعوا على الْمُصحف من الزِّيَادَة وَالْخَطَأ وَالنُّقْصَان، والكشف عَنْهَا بأوجز بَيَان) . وَلَعَلَّ من أقوى وأمتع مَا كتب فِي دحض هَذِه المفتريات الْوَاهِيَة، هُوَ مَا دبَّجه قلم الإِمَام الثبت الْحجَّة أبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني (ت٤٠٣?) - طيب الله ثراه -، وَذَلِكَ فِي كِتَابه بَالغ الأهمية فِي هَذَا السِّيَاق (الِانْتِصَار لِلْقُرْآنِ) - وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من قبل -.. فَفِيهِ دفاع متين، وحجج ناهضة، وردود قَوِيَّة عَن كَافَّة الأسئلة والشكوك الَّتِي تعرضت لِلْقُرْآنِ الْمجِيد من شَتَّى الْجِهَات: التاريخية، والعقدية، واللغوية، والأسلوبية.. كل ذَلِك بطريقة الباقلاني الكلامية المحكمة، وعقليته المنهجية الراسخة.стр. 99
فهم ينقلونه نقلا حرفياً، وَلَا يكادون يزِيدُونَ عَلَيْهِ، وَأَحْيَانا لَا يشيرون إِلَى مصدره الَّذِي أَخَذُوهُ مِنْهُ.
(١) جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ (ت٥٣٨هـ) : قَالَ ﵀: ((فَإِن قلت: كَيفَ اتَّصل قَوْله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ..﴾ بِذكر الْقِيَامَة؟ قلتُ: اتصالُه من جِهَة هَذَا التَّخَلُّص مِنْهُ إِلَى التوبيخ بحب العاجلة وَترك الاهتمام بِالآخِرَة)) (١) .
وَهَذَا حسن لَوْلَا أَنه اقْتصر على بَيَان الْمُنَاسبَة للآيات اللاحقة، وَلم يتَعَرَّض لمناسبتها للآيات السَّابِقَة.
(٢) فَخر الدّين الرَّازِيّ (ت ٦٠٦هـ) : ذكر ﵀: فِي وَجه الْمُنَاسبَة سِتَّة وُجُوه، هاك ملخَّصها:
فأولها: أَنه مُرْتَبِط بِسَبَب النّزول (٢) ، حَيْثُ اتّفق الاستعجال الْمنْهِي عَنهُ للرسول (عِنْد إِنْزَال السُّورَة عَلَيْهِ، فتخلَّل النَّهْي عَن ذَلِك الاستعجال آياتها الَّتِي تَتَحَدَّث عَن الْقِيَامَة.. وَهَذَا كَمَا أَن الْمدرس قد يُخَاطب تِلْمِيذه إِذْ يتشاغل عَنهُ بقوله فِي أثْنَاء الدَّرْس: لَا تلْتَفت عني.. ثمَّ يعود إِلَى درسه، فَمن لم يعرف السَّبَب يَقُول: إِن وُقُوع هَذِه الْكَلِمَة فِي أثْنَاء الدَّرْس غير مُنَاسِب، لَكِن من عرف الْوَاقِعَة علم أَنَّهَا مُنَاسبَة.
وَثَانِيها: أَنه مُرْتَبِط بِذكر حُبِّ الْكفَّار السَّعَادَة والعاجلة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْأِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، فَبين بِهَذِهِ الْآيَات الْأَرْبَع أَن الحواشي
(١) الْكَشَّاف، ٤/١٩٢.(٢) مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم (وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ) عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِي (إِذا نزل عَلَيْهِ الوحيُ حرَّك لِسَانه ... يُرِيد أَن يحفظه فَأنْزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ..﴾ . صَحِيح البخارى. صَحِيح مُسلم (١/٣٣٠) .стр. 100
التعجل مَذْمُوم مُطلقًا، حَتَّى وَلَو كَانَ فِي أُمُور الدّين، فَكيف إِذا كَانَ فِي أُمُور الدُّنْيَا؟!
وَثَالِثهَا: أَن الرَّسُول ﷺ كَانَ يُظهر التعجُّل فِي الْقِرَاءَة مَعَ جِبْرِيل، وَأَنه كَانَ يَجْعَل الْعذر فِيهِ خوف النسْيَان، فَقدم لَهُ الله تَعَالَى بقوله: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ، حَيْثُ أَفَادَ أَن الْإِنْسَان وَإِن اعتذر عَن نَفسه، وجادل عَنْهَا، وأتى بِكُل عذرٍ وَحجَّة، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعهُ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ شَاهد على نَفسه، وَهَاهُنَا قيل للنَّبِي ﷺ : إِنَّك إِذا أتيت بِهَذَا الْعذر، فَإنَّك تعلم أَن الْحِفْظ لَا يحصل إِلَّا بِتَوْفِيق الله وإعانته، فاترك هَذَا التعجل، وَاعْتمد على هِدَايَة الله تَعَالَى.
وَرَابِعهَا: مُرْتَبِط أَيْضا بقوله: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مُحَمَّد: إِن غرضك من هَذَا التعجل أَن تحفظ الْوَحْي وتبلغه إِلَيْهِم، لَكِن لَا حَاجَة إِلَى هَذَا، فَإِن الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة، وهم بقلوبهم يعلمُونَ أَن الَّذِي هم عَلَيْهِ من الْكفْر وإنكار الْبَعْث بَاطِل، فَإِذا كَانَ غرضك من التعجل أَن تعرفهم قبح مَا هم عَلَيْهِ _ وَهَذِه معرفَة حَاصِلَة عِنْدهم فِي قرارة نُفُوسهم _ فَإِن فِعْلَك هَذَا من التعجُّل لَا فَائِدَة مِنْهُ.
وخامسها: أَنه - تَعَالَى - حكى عَن الْكَافِر أَنه يَقُول: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ .. فالكافر كَأَنَّهُ يفرُّ من الله إِلَى غَيره، فَقيل للنَّبِي ﷺ : يَا مُحَمَّد، إِنَّك فِي طلب حفظ الْقُرْآن تستعين بالتكرار، وَهَذَا استعانةٌ مِنْك بِغَيْر الله، فاترك هَذِه الطَّرِيقَة، واستعِنْ فِي هَذَا الْأَمر بِاللَّه، وفرَّ إِلَيْهِ؛ لتَكون مضاداً لذَلِك الْكَافِر الفار مِنْهُ .
وسادسها: نَقله الرَّازِيّ عَن القفّال وَلم يُعقِّب عَلَيْهِ.. وَهُوَ أَن الْخطاب فِي: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ لَيْسَ للرسول ﷺ ، بل هُوَ خطاب للْإنْسَان الْمَذْكُور فِي قَوْله
стр. 101
تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ، حَيْثُ إِنَّه إِذا عُرض عَلَيْهِ كتابُه يَوْم الْقِيَامَة، ودُعي إِلَى قِرَاءَته، وَرَأى مَا فِيهِ من قبائح أَفعاله يتلجلج لِسَانه من شدَّة الْخَوْف وَسُرْعَة الْقِرَاءَة، فَيُقَال لَهُ حينئذٍ: لَا تُحرِّك بِالْقِرَاءَةِ لسَانك، فَإِن علينا - بِحكم الْوَعْد أَو الْحِكْمَة - أَن نجمع أعمالك، وَأَن نقرأها عَلَيْك.. فَإِذا قرأناه فَاتبع قِرَاءَته بِالْإِقْرَارِ بأنك فعلت تِلْكَ الْأَفْعَال.. ثمَّ إنَّ علينا بَيَان الْإِنْسَان وَمَا يتَعَلَّق بعقوبته..
ثمَّ قَالَ القفَّال: ((فَهَذَا وَجه حسن، لَيْسَ فِي الْعقل مَا يَدْفَعهُ، وَإِن كَانَت الْآثَار غير وَارِدَة بِهِ)) (١) .
والحقُّ أَن الْوَجْه الأول - من هَذِه السِّتَّة - لَا تعلق لَهُ بِبَيَان الْمُنَاسبَة، بل هُوَ - باعتماده على سَبَب النّزول وَحده - مِمَّا يؤكِّد إِشْكَال التناسب؛ فَهُوَ يصلح لعرض أساس المشكلة، وَلَا يصلح لِأَن يكون وَجها من وُجُوه الْمُنَاسبَة، وَقد قَالَ فِيهِ الألوسي: ((هَذَا عِنْدِي بعيد، لم يتَّفق مثله فِي النّظم الْجَلِيل، وَلَا دَلِيل لمن يرَاهُ على وُقُوع الْجُمْلَة فِي أثْنَاء هَذِه الْآيَات سوى خَفَاء الْمُنَاسبَة)) (٢) .
وَكَذَلِكَ الْوَجْه الْأَخير - الَّذِي نَقله الرَّازِيّ عَن الْقفال وَسكت عَنهُ - ففوق أَن الأسلوب الْعَرَبِيّ، ومعاني الْأَلْفَاظ تنبو عَنهُ - كَمَا قَالَ الطَّاهِر بن عاشور - فَإِنَّهُ يُهمل سَبَب النّزول إهمالاً كَامِلا، ويتكلف فِي الْآيَات مَا لَا سَبِيل إِلَى قبُوله، هَذَا على الرغم من قبُول بعض الدراسين لَهُ وتفضيلهم إِيَّاه، وَمن هَؤُلَاءِ الدكتور أَحْمد أَحْمد البدوي الذى نَقله وعقَّب عَلَيْهِ - بعد أَن ذكرأنه الحواشي
(١) انْظُر هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة فِي: مَفَاتِيح الْغَيْب، ٣٠/٢٢٢: ٢٢٤(٢) روح الْمعَانِي فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم والسبع المثاني، الآلوسي الْبَغْدَادِيّ، طبعة المنيرية، ٢٩/١٤٣.стр. 102
أفضل تَوْجِيه رَآهُ - بقوله:
((.. وَإِذا كنت أوافقه فِي أصل الفكرة، فَإِنِّي أخالفه فِي تفصيلاتها، فَالْمَعْنى - على مَا أرى -: ينبأ الْإِنْسَان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر، وَذَلِكَ - كَمَا أخبر الْقُرْآن - فِي كتابٍ مسطور، وَفِي تِلْكَ الْآيَات يصف الْقُرْآن موقف الْمَرْء من هَذَا الْكتاب، فَهُوَ يتلوه فِي عجلٍ كي يعرف نتيجته، فَيُقَال لَهُ: لَا تُحرِّك بِالْقِرَاءَةِ لسَانك لتتعجل النتيجة، إِن علينا أَن نجمع مَا فِيهِ من أَعمال فِي قَلْبك، وَأَن نجعلك تقرؤه فِي تدبُّرٍ وإمعان، فَإِذا قرأته، فاتجه الاتجاه الَّذِي يهديك، وَإِن علينا بَيَان هَذَا الاتجاه وإرشادك إِلَيْهِ.. إِمَّا إِلَى الْجنَّة، وَإِمَّا إِلَى السعير، وَبِذَلِك يَتَّضِح ألَاّ خُرُوج فِي الْآيَات على نظم السُّورَة وهدفها)) (١) .
والحقُّ أَن هَذَا أوغلُ فِي التكلُّف من كَلَام القفَّال.
وعَلى كلٍّ، فكلاهما لَا ينسجم وسياقَ السُّورَة، وَلَا يتَّفق ومعانيَ الْآيَات الظَّاهِرَة ذَاتهَا.. فَوق أَنه مخالفٌ للصحيح الْمَأْثُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور، من أَن ذَلِك الْخطاب إِنَّمَا هُوَ للنبيِّ ﷺ .
(٣) أَبُو حَيَّان الأندلسي (ت ٧٥٤هـ) : قَالَ ﵀: ((.. وَيظْهر أَن الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا أَنه تَعَالَى لما ذكر مُنكر الْقِيَامَة والبعث، معرضًا عَن آيَات الله تَعَالَى ومعجزاته، وَأَنه قاصرٌ شهواته على الْفُجُور، غير مكترثٍ بِمَا يصدر مِنْهُ ذكر حَال من يثابر على تعلم آيَات الله وحفظها وتلقفها وَالنَّظَر فِيهَا، وعرضها على من ينكرها رَجَاء قبُوله إِيَّاهَا، فَظهر بذلك تبَاين من يرغب فِي تَحْصِيل آيَات الله وَمن يرغب عَنْهَا، وبضدها تتَمَيَّز الْأَشْيَاء)) (٢) . الحواشي
(١) من بلاغة الْقُرْآن، د. أَحْمد أَحْمد البدوي، مكتبة نهضة مصر، ط ٣/١٩٥٠م، ص ٢٣٧.(٢) الْبَحْر الْمُحِيط، أَبُو حَيَّان الأندلسي، تَصْوِير دَار الْفِكر - بيروت، ٨/٣٨٨.стр. 103
وَهَذَا قريبٌ من الْوَجْه الْخَامِس من وُجُوه الْفَخر الرَّازِيّ، وَهُوَ مقبولٌ إِلَى حدٍّ مَا، غير أَن فِيهِ أَنه يحسن بعد تَمام مَا يتَعَلَّق بذلك الْمُنكر، وَالظَّاهِر أَن ﴿لَا تُحرِّك﴾ وَقع فِي الْأَثْنَاء - كَمَا قَالَ الألوسي - فَلَا تزَال الْمُنَاسبَة غير ظَاهِرَة.
(٤) برهَان الدّين البقاعي (ت٨٨٥هـ) : وسوف نتجاوزه قَلِيلا حَتَّى ننتهي من عرض بَقِيَّة الْأَقْوَال، حَيْثُ إِنَّه من أحسن مَنْ تكلم عَن وَجه مناسبةٍ مَقْبُول، وسنرجع إِلَيْهِ ثَانِيَة بِإِذن الله.
(٥) إِسْمَاعِيل حَقي البروسوي (ت ١٣٧هـ) : قَالَ ﵀: ((.. لَاحَ لي فِي سرِّ الْمُنَاسبَة وجهٌ لطيف، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى بيَّن قبل قَوْله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ جمع الْعِظَام ومتفرقات العناصر، الَّتِي هِيَ أَرْكَان ظَاهر الْوُجُود، ثمَّ انْتقل إِلَى جمع الْقُرْآن وأجزائه، الَّتِي هِيَ أساس خلق الْوُجُود، فَقَالَ بعد قَوْله: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ فَاجْتمع الْجمع بِالْجمعِ، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين)) (١) .
وَهُوَ وَجه لطيف حَقًا.. بَيْدَ أَنه يُشم وَلَا يُفْرك!
(٦) شهَاب الدّين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ) : نقل الألوسي أَكثر من وجهٍ للمناسبة، غير أنني أقتصر على اثْنَيْنِ مِنْهَا، حَتَّى لَا أكرر مَا سبق.
أما الأول فَهُوَ أَن قَوْله : ﴿لَا تُحَرِّكْ﴾ متوسطٌ بَين حبِّ العاجلة: حبِّها الَّذِي تضمنه: ﴿بَلْ يُرِيدُ..﴾ تَلْوِيحًا، وحبّها الَّذِي آذن بِهِ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ..﴾ تَصْرِيحًا، لحسن التَّخَلُّص مِنْهُ إِلَى المفاجأة وَالتَّصْرِيح، فَفِي ذَلِك تدرجٌ ومبالغةٌ فِي التقريع. والتدرج وَإِن كَانَ يحصل لَو لم يُؤْت بقوله - سُبْحَانَهُ الحواشي
(١) روح الْبَيَان، إِسْمَاعِيل حَقي البروسوى، تَصْوِير دَار إحيار التراث الْعَرَبِيّ - بيروت ١٠/٢٤٩.стр. 104
-: ﴿لَا تُحَرِّكْ﴾ فِي الْبَين (أَي الْوسط) أَيْضا، إِلَّا أَنه يلْزم حينئذٍ فَوَات الْمُبَالغَة فِي التقريع.. وَأَنه إِذا لم تُجزِ العجلةُ فِي الْقُرْآن - وَهُوَ شفاءٌ وَرَحْمَة - فَكيف فِيمَا هُوَ فجورٌ وثبورٌ؟ ! .. وَيَزُول مَا أُشير إِلَيْهِ من الْفَوَائِد، فَهُوَ استطرادٌ يُؤَدِّي مؤدى الِاعْتِرَاض.
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ: ((هَذَا خُلَاصَة مَا رمز إِلَيْهِ جَار الله)) (١) .. ثمَّ قَالَ فِي آخر عرضه لما ذكر من وجوهٍ: ((.. واللائق بجزالة التَّنْزِيل ولطيف إشاراته مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ذُو الْيَد الطُولى جارُ الله..)) (٢) .
وَلذَلِك، فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا يرد على كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ، وَالَّذِي ذكرتُه آنِفا، وَإِن كَانَ هَذَا أقرب إِلَى ملاءمة السباق واللحاق.
وَأما الْوَجْه الثَّانِي الَّذِي يهمنا من الألوسي، فحاصله أَن الْخطاب فِي ﴿لَا تُحرِّك﴾ لسَيِّد المخاطَبين ﷺ حَقِيقَة، أَو من بَاب (إياكِ أَعنِي، واسمعي يَا جَارة) ، أولكل من يصلُح لَهُ الْخطاب.. وَأَن الضَّمِير فِي ﴿بِهِ﴾ إِنَّمَا هُوَ ليَوْم الْقِيَامَة، وَأَن الْجُمْلَة اعتراضٌ جِيءَ بِهِ لتأكيد تهويله وتفظيعه، مَعَ تقاضي السباق لَهُ.. وَالْمعْنَى على ذَلِك: لَا تسْأَل عَن تَوْقِيت ذَلِك الْيَوْم الْعَظِيم، مستعجلاً معرفَة ذَلِك، فَإِنَّهُ الْوَاجِب علينا حِكْمَة حشر الْجَمِيع فِيهِ، وإنزال قُرْآن يتَضَمَّن بَيَان أَحْوَاله، ليُستعَدَّ لَهُ، وإظهاره بالوقوع الَّذِي هُوَ الداهية الْعُظْمَى، وَأما مَا عدا ذَلِك من تعْيين وقته، فَلَا يجب علينا حِكْمَة، بل هُوَ منافٍ للحكمة، فَإِذا سَأَلت، فقد سَأَلت مَا ينافيها، فَلَا تجاب. الحواشي
(١) روح الْمعَانِي، ٢٩ / ١٤٢، ١٤٣(٢) السَّابِق، ٢٩/١٤٤стр. 105
وَقد كفانا الألوسيُّ نَفسه مؤونة نقض هَذَا الْوَجْه - لبعده الشَّديد عَن الظَّاهِر، وَعَن سَبَب النّزول الَّذِي هُوَ مَحل اتِّفَاق الْجُمْهُور كَمَا سبق - بقوله: ((.. وَفِيه مَا فِيهِ، وَمَا كنت أذكرهُ لَوْلَا هَذَا التَّنْبِيه)) (١) .
(٧) الشَّيْخ عبد الحميد الفراهي (ت ١٣٤٩هـ) : لَيْسَ بَين أَيْدِينَا - مَعَ الأسف الشَّديد - تَفْسِير الفراهي الَّذِي سَمَّاهُ (نظام الْقُرْآن وَتَأْويل الْفرْقَان بالفرقان) ، وَالَّذِي ذُكر أَنه طبق فِيهِ تنظيره فِي مجَال التناسب، وَالَّذِي أطلق عَلَيْهِ (النظام) - كَمَا أشرتُ من قبل -.. وَلذَا، فإنني أنقل عَن رِسَالَة الدكتوراه المُعدَّة عَنهُ مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمقَام، فقد ذكر الباحث سيد سعيد أحسن العابدي أَن الفراهي تكلم عَن أَن الْمُفَسّرين لمَّا خَفِي عَلَيْهِم رِبَاط الْكَلَام فِي هَذِه السُّورَة، جعلُوا هَذِه الْآيَات الْأَرْبَع كلَاما مستأنفاً، غير مربوط بمضمون السُّورَة، وظنوا أَن النَّبِي اعتراه الْعجل، فَكَلمهُ جِبْرِيل ناهياً عَنهُ.. ثمَّ قَالَ الفراهي: ((نعم.. إِن نزُول الْقُرْآن كنُزول الْغَيْث، ينْتَظر انبعاثاً لكَي يُطَابق بِالْحَال، وَقد وَقع عِنْد إِلْقَاء الْكَلَام أَن النَّبِي ﷺ كَانَ عَاجلا لتلقي الْوَحْي، حرصاً عَلَيْهِ لشدَّة حرصه على إنذار قومه، فَاعْلَم أَن النَّبِي ﷺ بعد مَا أوحى إِلَيْهِ، كَانَ يحْسب أَن حملا باهظاً قد أُلقي عَلَيْهِ، فَإِن نسي مِنْهُ شَيْئا كَانَ مسؤولاً عَنهُ، وَمَعَ ذَلِك كَانَ يشتاق إِلَى زِيَادَة الْوَحْي، لَعَلَّ قومه يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَجَاءَت التسلية حسب هذَيْن الْأَمريْنِ، مَعَ رِعَايَة وَجه الْكَلَام فِي هَذِه السُّورَة، فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ: لِم تجتهد هَكَذَا فِي تلقي الْوَحْي؟ ! أما حفظه أَو جمعه فعلينا، وَأما هِدَايَة قَوْمك، فهم منهمكون فِي محبَّة العاجلة، فكثير القَوْل وقليله سواءٌ عَلَيْهِم)) (٢) . الحواشي
(١) السَّابِق، ٢٩ / ١٤٤(٢) ذكر الدكتور العابدي فِي رسَالَته تِلْكَ (ص ١٤٨، ١٤٩) أَن هَذَا الْكَلَام من تَفْسِير الفراهي، ص ١١: ١٤ بِتَصَرُّف.стр. 106
والحقُّ أَن وَجه الْمُنَاسبَة لم يَتَّضِح - كَمَا يَنْبَغِي - من خلال هَذَا الْكَلَام؛ إِذْ يرِدُ عَلَيْهِ مَا أوردناه من قبل على تَوْجِيه الزَّمَخْشَرِيّ، من كَونه يحلُّ الْمُنَاسبَة بِالنّظرِ إِلَى الْآيَات اللاحقة فَقَط، دون النّظر إِلَى الْآيَات السَّابِقَة، ولعلنا إِن رَجعْنَا إِلَى أصل كَلَام الفراهي تكون الصُّورَة أَكثر وضوحاً.. وَالله أعلم.
(٨) الْأُسْتَاذ سيد قطب (ت ١٣٨٦هـ) : وسوف أتجاوزه أَيْضا قَلِيلا.. حَيْثُ إِنَّنِي سأختار تَوْجِيهه فِي بَيَان التناسب.
(٩) الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور (ت ١٣٩٧هـ) : فالشيخ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - على دقة فهمه، وَبعد غوره، فِي التَّنْبِيه إِلَى لطائف الْكتاب الْعَزِيز، والاستدراك على هَنَات السَّابِقين، والإسهام الرائع فِي الإضافات المبتكرة، لم يُنبه أَو يُعلق على بَيَان وَجه مناسبةٍ يحلُّ من إِشْكَال هَذِه الْآيَات، وَاكْتفى بِأَن قرَّر أَنَّهَا مدمجةٌ فِي السُّورَة؛ لِأَنَّهَا نزلت فِي أثْنَاء نُزُولهَا (١) .. ثمَّ قَالَ:
((هَذِه الْآيَة وَقعت هُنَا معترضةٌ، وَسبب نُزُولهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن يحرِّك بِهِ لِسَانه، يُرِيد أَن يحفظه، مخافةَ أَن يتفلَّت مِنْهُ، أَو من شدَّة رغبته فِي حفظه، فَكَانَ يلاقي من ذَلِك شدَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ ، قَالَ: جمعَه فِي صدرك، ثمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، قَالَ: فاستمع لَهُ وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَن نبينه بلسانك، أَي: أَن تَقْرَأهُ. أ? (٢) . فَلَمَّا نزل هَذَا الْوَحْي فِي أثْنَاء نزُول السُّورَة للغرض الَّذِي نزل فِيهِ، وَلم تكن سُورَة مُسْتَقلَّة، كَانَ مُلْحقًا بالسورة، وواقعاً بَين الحواشي
(١) التَّحْرِير والتنوير، ٢٩/٣٣٧(٢) صَحِيح البخارى (٦/٧٦) ، صَحِيح مُسلم (١/٣٣٠) .стр. 107
الْآي الَّتِي نزل بَينهَا)) (١) .
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ ﵀: ((.. فَيكون وُقُوع هَذِه الْآيَة فِي هَذِه السُّورَة مثل وُقُوع ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ فِي سُورَة مَرْيَم، وَوُقُوع: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فِي أثْنَاء أَحْكَام الزَّوْجَات فِي سُورَة الْبَقَرَة)) (٢) .
وَبعد أَن نقل وَجه القفَّال - الَّذِي نَقله الرَّازِيّ - وعقَّب عَلَيْهِ بِأَن الأسلوب الْعَرَبِيّ ومعاني الْأَلْفَاظ تنبو عَنهُ.. قَالَ: ((.. وَالَّذِي يلوح لي فِي موقع هَذِه الْآيَة هُنَا، دون أَن تقع فِيمَا سبق نُزُوله من السُّور قبل هَذِه السُّورَة، أَن سور الْقُرْآن حِين كَانَت قَليلَة كَانَ النبيُّ ﷺ لَا يخْشَى تفلُّتَ بعض الْآيَات مِنْهُ، فَلَمَّا كثرت السُّور، فبلغت زهاء ثَلَاثِينَ - حسب مَا عدّه سعيد ابْن جُبَير فِي تَرْتِيب نزُول السُّور -؛ صَار النَّبِي ﷺ يخْشَى أَن ينسى بعض آياتها، فَلَعَلَّهُ ﷺ أَخذ يُحَرك لِسَانه بِأَلْفَاظ الْقُرْآن عِنْد نُزُوله احْتِيَاطًا لحفظه، وَذَلِكَ من حرصه على تَبْلِيغ مَا أُنزَلَ إِلَيْهِ بنصِّه، فَلَمَّا تكفل الله بحفظه، أمره ألَاّ يُكَلف نَفسه تَحْرِيك لِسَانه، فالنهيُ عَن تَحْرِيك لِسَانه نهي رحمةٍ وشفقة، لما كَانَ يلاقيه فِي ذَلِك من الشدَّة)) (٣) .
ثمَّ عَاد الشَّيْخ وأكد كَون هَذِه الْآيَات مُعْتَرضَة فِي السِّيَاق، إِذْ قَالَ عِنْد كَلَامه على قَوْله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ : ((رُجُوع إِلَى مِهْيَع الْكَلَام الَّذِي الحواشي
(١) التَّحْرِير والتنوير، ٢٩/٣٤٩.(٢) السَّابِق، ٢٩/٣٥٠(٣) التَّحْرِير والتنوير، ٢٩/٣٥٠.
أَي سِيَاق الْكَلَام ونسقه، قَالَ صَاحب اللِّسَان: مهيع، وَاضح وَاسع بيِّن، وجَمعُه مهايع. انْظُر مَادَّة (هيع) .стр. 108
بنيت عَلَيْهِ السُّورَة، كَمَا يرجع الْمُتَكَلّم لوصل كَلَامه بعد أَن قطعه عَارض أَو سَائل)) (١) .
(١٠) الْأُسْتَاذ مُحَمَّد عِزَّةْ دَرْوَزة (ت ١٤٠٤هـ) : لم يشفِ - الْأُسْتَاذ دروزة النفسَ بِمَا كَانَ ينْتَظر من مثله - وَهُوَ من ذكر فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره - كَمَا نقلتُ عَنهُ من قبل - أَن من صلب منهجه ((الاهتمام لبَيَان مَا بَين آيَات وفصول السُّور من ترابط، وَعطف الْجمل القرآنية على بَعْضهَا (سياقاً أَو مَوْضُوعا) ، كلما كَانَ ذَلِك مَفْهُوم الدّلَالَة، لتجلية النّظم القرآني والترابط الموضوعي فِيهِ)) .. إِذْ أَنه اكْتفى بقوله - بعد أَن ذكر رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم فِي سَبَب النّزول -: ((.. وَالرِّوَايَة متسقةٌ مَعَ الْآيَات، وورودها فِي الْموضع الَّذِي وَردت فِيهِ - وَالَّذِي يَبْدُو عجيباً لَا يَسْتَقِيم _ وَالله أعلم _ إِلَّا بغرض أَن تكون هَذِه الْحَادِثَة وَقعت أثْنَاء نزُول الْآيَات السَّابِقَة لَهَا، فَأوحى الله بِهَذِهِ الْآيَات فَوْرًا لبَيَان مَا فِي الْعَمَل من عجلة لَا ضَرُورَة لَهَا، فأملى النبيُّ ﷺ على كَاتبه الْآيَات مَعَ الْآيَات الْأُخْرَى، وَلَو لم تكن مُتَّصِلَة بهَا مَوْضُوعا)) (٢) .
وَهَكَذَا.. ترك الْأُسْتَاذ المشكلة من غير حلٍّ!
وَهنا تَأتي أهمية الرُّجُوع إِلَى البقاعي وَسيد قطب - اللَّذين تجاوزنا ترتيبهما.
أما برهَان الدّين البقاعي.. فقد حاول فِي كِتَابه الْعَظِيم (نظم الدُّرَر) حلَّ الْإِشْكَال بمراعاة مَا ذكره فِي أَوله من النّظر إِلَى سِيَاق السُّور، وربط أَجْزَائِهَا بِبَعْض، فَبعد كلامٍ جيد حول قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى الحواشي
(١) التَّحْرِير والتنوير، ٢٩/٣٥١.(٢) التَّفْسِير الحَدِيث، مُحَمَّد عزة دروزة ٢/١٠.стр. 109
مَعَاذِيرَهُ﴾ حَاصله أَن الْإِنْسَان المقصر، المجادل عَن نَفسه، حجةٌ على نَفسه، وَلَو احْتج عَنْهَا واجتهد فِي ستر عيوبها، فَلَا تقبل مِنْهُ الْأَعْذَار؛ لِأَنَّهُ أُعطي البصيرة - وَهِي نور الْمعرفَة المركوزة فِي الْفطْرَة الأولى - فأعماها بهوى النَّفس وشهواتها.. بعد ذَلِك قَالَ ﵀:
((.. وَمعنى هَذَا كُله أَن الْإِنْسَان محجوبٌ فِي هَذِه الدَّار عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق، بِمَا فِيهِ من الحظوظ والكسل والفتور، وَلما فِيهِ من النقائص، بَيْنَمَا كَانَ النبيُّ ﷺ مبرَّءاً من ذَلِك؛ لخلق الله إِيَّاه كَامِلا، وترقيته بعد ميلاده كلَّ يومٍ فِي مراقي الْكَمَال (...) . وَلكنه ﷺ لتعظيمه لهَذَا الْقُرْآن، لما لَهُ فِي نَفسه من الْجَلالَة، وَلما فِيهِ من خَزَائِن السَّعَادَة، والعلوم الَّتِي لَا حدَّ لَهَا (...) كَانَ يُحرِّك بِهِ لِسَانه استعجالاً لتعهُّده؛ ليحفظه وَلَا يشذَّ عَنهُ مِنْهُ شَيْء، وَلما كَانَ قد ختم - سُبْحَانَهُ - مَا قبلهَا - أَي مَا قبل هَذِه الْآيَات الْأَرْبَع - بالمعاذير، وَكَانَت العجلة مِمَّا يُعتذر عَنهُ، وَكَانَ الْحَامِل على جَمِيع مَا يُوجب الْمَلَامَة والاعتذار مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان من حب العاجلة، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لِئَلَّا يمِيل إِلَى العاجلة، وَلَا يَقع فِي مخالفةٍ، إعلاماً بِأَنَّهُ قد دفع عَن نبيه ﷺ تِلْكَ الْحجب، وأوصله من رُتْبَة (لوكشف الغطاءُ مَا ازددتُ يَقِينا) إِلَى أنهاها، وَبِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قادرٌ على مَا يُرِيد من كشفِ مَا يُرِيد لمن يُرِيد، كَمَا يكْشف لكل إنسانٍ عَن أَعماله فِي الْقِيَامَة، حَتَّى يعرف مَا قدَّم مِنْهَا وَمَا أخَّر، وتنبيهاً على أَنه ﷺ لَا كسب لَهُ فِي هَذَا الْقُرْآن غير حسن التلقي، إبعاداً لَهُ عَن قَول الْبشر، (...) وَلما لم يكن لهَذَا التحريك فَائِدَة - مَعَ حفظ الله لَهُ على كل حَال - إِلَّا قصد الطَّاعَة بالعجلة، وَكَانَت العجلة هِيَ الْإِتْيَان بالشَّيْء قبل أَوَانه الْأَلْيَق بِهِ، وَلِأَن هَذِه العجلة وَإِن كَانَت من الكمالات بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ ، وَإِلَى إخوانه
стр. 110
الْأَنْبِيَاء - فَإِنَّهُ هَذَا التحريك من النَّفس اللوّامة، الَّتِي تلوم على ترك الْمُبَادرَة إِلَى أَفعَال الْخَيْر، وَغَيرهَا من أَفعَال النَّفس المطمئنة أكملُ مِنْهَا - فَنقل ﷺ من مقامٍ كَامِل إِلَى أكملَ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا الْكَلَام الْمُتَعَلّق بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي بعده فرقاناً بَين صِفَتي اللوّامة فِي الْخَيْر واللوّامة فِي الشَّرّ..)) (١) .
وَهَكَذَا.. لَا يَكْتَفِي البقاعي بربط الْآيَات بِمَا سبقها مُبَاشرَة، بل يصل بهَا فِي بَيَان الْمُنَاسبَة إِلَى مطلع السُّورَة الْكَرِيمَة، لَا سِيمَا الْآيَة الثَّانِيَة مِنْهَا: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ .
ثمَّ يُصَرح ﵀ بمناسبة الْآيَات لسورة المدثر الَّتِي قبلهَا بقوله: ((.. وَالْآيَة ناظرةٌ إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي المدثر حِكَايَة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ، وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض فِي وصف حَال الْقِيَامَة، جرَّ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ )) .
وَهَذَا ملمح ذكيٌّ مِنْهُ، حَيْثُ ربط بَين السورتين وكأنهما فِي سِيَاق واحدٍ، وَجعل مَا اعْتَبرهُ (اعتراضاً) مقسمًا على السورتين، وَهَذَا مِنْهُ وفاءٌ لمنهجه الَّذِي ذكر فِيهِ أَنه ينظر إِلَى الْغَرَض الَّذِي سيقت لَهُ السُّورَة، ثمَّ ينظر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض من الْمُقدمَات، ومراتبها فِي الْقرب والبعد من الْمَطْلُوب، ثمَّ ينظر عِنْد انجرار الْكَلَام فِي الْمُقدمَات إِلَى مَا يستتبعه من استشراف نفس السَّامع إِلَى الْأَحْكَام واللوازم التابعة لَهُ، وَالَّتِي تَقْتَضِي البلاغة شِفَاء الغليل بِدفع عناء الحواشي
(١) انْظُر: نظم الدُّرَر، ٢١/٩٧: ١٠٠، وَكَلَام البقاعي فِيهِ نَفِيس جدا، لَوْلَا مَا يشوبه من كَثْرَة الاستطراد، وَطول الْجمل المعترضة، فَهُوَ بحاجة إِلَى شَيْء من التصفية والتهذيب، وَلَعَلَّ مَا قمتُ بِهِ هُنَا يَفِي بغرض توضيح مُرَاده.. وَالله أعلم.следующие страницы →