← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 4410

مصابيح الدرر في تناسب آيات القرآن الكريم والسور

عادل بن محمد أبو العلاء

Полный текст (135 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبْحثُ الثَّالث: تَارِيخ علم الْمُنَاسبَة تنبَّه الشَّيْخ أَبُو الْفضل عبد الله بن الصّديق الغُماري ﵀ إِلَى التَّمْيِيز بَين نَوْعي علم الْمُنَاسبَة، وَهُوَ تمييزٌ جيد، يُفِيد فِي مجَال التأريخ لكتابته، ورصد المهتمين بِهِ.. قَالَ ﵀: ((الْمُنَاسبَة علم شرِيف عَزِيز، قلَّ اعتناء الْمُفَسّرين بِهِ لدقته، واحتياجه إِلَى مزِيد فكر وَتَأمل. وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحدهمَا: مُنَاسبَة الْآي بَعْضهَا لبَعض، بِحَيْثُ يظْهر ارتباطها وتناسقها كَأَنَّهَا جملَة وَاحِدَة. (...) وَثَانِيهمَا: مُنَاسبَة السُّور بَعْضهَا لبَعض)) (١) . وَلَعَلَّ أول من تكلم فِي علم الْمُنَاسبَة - على وَجه الْعُمُوم - هُوَ الشَّيْخ أبوبكر النَّيْسَابُورِي، كَمَا مرَّ مَعنا عِنْد كلامنا عَن المبادئ الْعشْرَة لهَذَا الْعلم. وَأما بِالنّظرِ إِلَى نوعيه.. فَلَعَلَّ الْحَافِظ برهَان الدّين البقاعي هُوَ أهم - إِن لم يكن أول - من صنف فِي نَوعه الأول بشكل مُسْتَقل، وَذَلِكَ فِي كِتَابه الْمَشْهُور (نظم الدُّرَر فِي تناسب الْآيَات والسور) .. ونظراً لأهمية البقاعي فِي هَذَا الْبَاب، فَسَوف أفرده بالْكلَام عِنْد الحَدِيث عَن أبرز أَعْلَام هَذَا الْعلم. ثمَّ جَاءَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فصنف (قطف الأزهار فِي كشف الْأَسْرَار) ، وَوَصفه بِأَنَّهُ ((كتاب فِي أسرار التنْزيل، وَبِأَنَّهُ جَامع لمناسبات السُّور والآيات، مَعَ مَا تضمنه من بَيَان وُجُوه الإعجاز وأساليب البلاغة)) . وثمة كَلَام لِابْنِ الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (سراج المريدين) - نَقله عَنهُ الزَّرْكَشِيّ فِي

стр. 37

برهانه (١) - يُشِير إِلَى أَن أحد الْعلمَاء السَّابِقين شرع فِي تصنيف كتابٍ فِيهِ ثمَّ لم يكمله، وَأَنه هُوَ نَفسه - أَي ابْن الْعَرَبِيّ - كَانَت تساوره الرَّغْبَة فِي التصنيف فِيهِ.. يَقُول ابْن الْعَرَبِيّ: ((ارتباط آي الْقُرْآن بَعْضهَا بِبَعْض حَتَّى تكون كالكلمة الْوَاحِدَة، متسقة الْمعَانِي، منتظمة المباني - علم عَظِيم، لم يتَعَرَّض لَهُ إِلَّا عَالم وَاحِد عمل فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة، ثمَّ فتح الله لنا فِيهِ.. فَلَمَّا لم نجد لَهُ حَمَلة، ورأينا الْخلق بأوصاف البطلة - ختمنا عَلَيْهِ، وجعلناه بَيْننَا وَبَين الله، ورددناه إِلَيْهِ)) . وَهَذَا عَن الْكتب المفردة فِيهِ، وَإِلَّا؛ فقد تناثر الْكَلَام فِي التناسب فِي أثْنَاء كَلَام المفسِّرين والمصنفين فِي إعجاز الْقُرْآن.. فقد أَشَارَ الزَّمَخْشَرِيّ - مثلا - إِلَى هَذِه الْوحدَة الفنية فِي سور الْقُرْآن، وَذَلِكَ عِنْد تعداده فَوَائِد تَفْصِيل الْقُرْآن وتقطيعه سوراً حَيْثُ قَالَ: ((.. وَمِنْهَا: أَن التَّفْصِيل سَبَب تلاحق الأشكال والنظائر، وملاءمة بَعْضهَا لبَعض. وَبِذَلِك تتلاحظ الْمعَانِي، ويتجاوب النّظم)) (٢) . وَلَئِن كَانَ الزَّمَخْشَرِيّ دلَّ بِمثل قَوْله هَذَا على إِدْرَاكه لهَذِهِ الْوحدَة الفنية فِي كتاب الله - وَهُوَ مَا لَا يخفى على مثله -؛ إِلَّا أَنه لم يسْلك الطَّرِيق العمليَّ التطبيقي - الَّذِي يَنْبَغِي لمثله - لبَيَان هَذِه الْوحدَة على سَبِيل الِاسْتِيعَاب وشفاء النَّفس مِنْهَا.. أما أبوبكر الباقلاني، فقد سبق إِلَى إِثْبَات ذَلِك عملياً فِي كِتَابه الْعَظِيم (إعجاز الْقُرْآن) .. فقد استعرض - فِي الْفَصْل الَّذِي عقده فِي إِثْبَات أَن نبوة النَّبِي (معجزتها الْقُرْآن - كلا من سورتي (غَافِر) و (فصلت) ، وَبَين الترابط الوثيق

стр. 38

بَين مَعَاني كل مِنْهُمَا، وأوضح أَن كلا مِنْهُمَا قد بنيت من أَولهَا إِلَى آخرهَا على بَيَان لُزُوم حجَّة الْقُرْآن، والتنبيه على وَجه معجزته، شَأْنهَا فِي ذَلِك شَأْن كل السُّور الَّتِي افتتحت بذكرالحروف الْمُقطعَة (١) .. كَمَا أَن الباقلاني سبق إِلَى مسِّ تِلْكَ الْوحدَة الفنية الَّتِي لمحها الزَّمَخْشَرِيّ، وَالَّتِي اصطُلح على تَسْمِيَتهَا فِيمَا بعد فِي النَّقْد الحَدِيث بـ (الْوحدَة العضوية) .. وَقد تلمسها الباقلاني فِي أَجزَاء السُّورَة الْوَاحِدَة حَتَّى تظهر كَأَنَّهَا خلقٌ متكامل يُمسك بعضه برقاب بعض.. فَهُوَ من أَوَائِل من عُنوا بإبراز هَذِه الْوحدَة فِي الصُّورَة الفنية، على النَّحْو الَّذِي تنَاول بِهِ سور الْقُرْآن حَيْثُ بيَّن ترابط أَجْزَائِهَا، ترابطاً يَتَّضِح فِيهِ اتِّصَال الْمُتَأَخر بالمتقدم، واللاحق بالسابق، واستدعاء آياتها بَعْضهَا بَعْضًا، بِحَيْثُ يدْخل عَلَيْهَا الْخلَل إِذا غُيّرت عَن موَاضعهَا بِتَقْدِيم أَو تَأْخِير، أَو إِسْقَاط لبَعض عباراتها. وَله فِي ذَلِك وقفات جَيِّدَة فِي كِتَابه (إعجاز الْقُرْآن) تؤكد عنايته بِإِظْهَار الْوحدَة بَين أَجزَاء النَّص، وَدلَالَة ذَلِك على فنيةٍ مبدعة.. كَالَّذي نرَاهُ فِي تَحْلِيله الرائع لآيَات سُورَة النَّمْل مثلا (٢) . وَفِي الْعَصْر الحَدِيث ظَهرت دراسات مستفيضة تركز على هَذَا اللَّوْن من التناسب والترابط بَين آيَات الذّكر الْحَكِيم، انطلاقاً من وجهة نظر بَيَانِيَّة وفنية فِي الْمقَام الأول..

стр. 39

وَلَعَلَّ من أهم هَذِه الدراسات مَا قَامَ بِهِ الْأُسْتَاذ أَمِين الخولي - رَحْمَة الله - (ت ١٩٦٦م) وتلامذته من أَبنَاء (مدرسة الْأُمَنَاء) ، الَّذين كَانُوا أوفياء لمنهجه فِي دراسة عُلُوم البلاغة وَالْأَدب والنقد فِي قِرَاءَة الْقُرْآن الْمجِيد.. وأبرز أَبنَاء هَذِه (الْمدرسَة) السيدة الجليلة الدكتوره عَائِشَة عبد الرَّحْمَن (بنت الشاطئ) - عَلَيْهَا رَحْمَة الله - (ت ١٩٩٨م) ، وَالَّتِي كَانَت وفية لشيخها وَزوجهَا الْأُسْتَاذ أَمِين الخولي، وحريصة على حمل لِوَاء منهجه، تأصيلاً وتطبيقاً فِي آنٍ.. وَفِي ذَلِك تَقول: ((.. وَالْأَصْل فِي مَنْهَج التَّفْسِير الأدبي - كَمَا تلقيته عَن شَيْخي - هُوَ التَّنَاوُل الموضوعي، الَّذِي يفرغ لدراسة الْمَوْضُوع الْوَاحِد فِيهِ، ليجمع كل مَا فِي الْقُرْآن عَنهُ، ويهتدي بمألوف اسْتِعْمَاله للألفاظ والأساليب، بعد تَحْدِيد الدّلَالَة اللُّغَوِيَّة لكل ذَاك. وَهُوَ مَنْهَج يخْتَلف تَمامًا عَن الطَّرِيقَة الْمَعْرُوفَة فِي تَفْسِير الْقُرْآن سُورَة سُورَة، حَيْثُ يُؤْخَذ اللَّفْظ أَو الْآيَة فِيهِ مقتطعاً من سِيَاقه الْعَام فِي الْقُرْآن كُله، مِمَّا لَا سَبِيل مَعَه إِلَى الاهتداء إِلَى الدّلَالَة القرآنية لألفاظه، أَو استجلاء ظواهره الأسلوبية وخصائصه البيانية. وَقد طبق بعض الزملاء هَذَا الْمنْهَج تطبيقاً ناجحاً فِي مَوْضُوعَات قرآنية اختاروها لرسائل الدكتوراه والماجستير، وأتجه بمحاولتي الْيَوْم إِلَى تطبيق الْمنْهَج فِي تَفْسِير بعض سورٍ قصار، ملحوظ فِيهَا وحدة الْمَوْضُوع، فضلا عَن كَونهَا جَمِيعًا من السُّور المكية، حَيْثُ الْعِنَايَة بالأصول الْكُبْرَى للدعوة الإسلامية. وقصدتُ بِهَذَا الاتجاه إِلَى توضيح الْفرق بَين الطَّرِيقَة الْمَعْهُودَة فِي التَّفْسِير، وَبَين

стр. 40

منهجنا الحَدِيث الَّذِي يتَنَاوَل النصَّ القرآني فِي جوِّه الإعجازي، ويلتزم - فِي دقة بَالِغَة - قولة السّلف الصَّالح: ((الْقُرْآن يفسِّر بعضُه بَعْضًا)) - وَقد قَالَهَا الْمُفَسِّرُونَ، ثمَّ لم يبلغُوا مِنْهَا مبلغا ﴿-، وَيُحَرر مَفْهُومه من كل العناصر الدخيلة، والشوائب المقحمة على أصالته البيانية)) (١) . وَتقول فِي مَوضِع آخر، فِي معرض بَيَان ملامح هَذَا الْمنْهَج الْبَيَانِي فِي قِرَاءَة الْقُرْآن ودرسه: ((.. ويأخذنا هَذَا الْمنْهَج بضوابط صارمة، لَا تجيز لنا أَن نفسِّر لفظا قرآنياً دون استقراء كَامِل لكل مَوَاضِع وُرُوده، بمختلف صيغه، فِي الْكتاب الْمُحكم. كَمَا لَا يُبِيح لنا أَن نتناول أيَّ مَوْضُوع قرآني دون تتبُّع دَقِيق لكل آيَاته فِي الْمُصحف، وتدبُّر سياقها الْخَاص فِي الْآيَة وَالسورَة، وسياقها الْعَام فِي الْكتاب كُله)) (٢) . وواضح من كَلَام بنت الشاطئ - عَلَيْهَا رَحْمَة الله - التمازج بَين مَوْضُوع الْمُنَاسبَة فِي الْقُرْآن وَبَين التَّفْسِير الموضوعي لَهُ، وَقد علمت فِي المبحث الأول مَا بَينهمَا من اتصالٍ وثيق. وعَلى هَذَا النمط كتبت دراسات كَثِيرَة فِي تنَاول آيَات الْقُرْآن وسوره وفْق هَذِه الْمنْهَج الْبَيَانِي، وَلَعَلَّ من أبرزها مساهمات الدكتور شوقي ضيف، والدكتور تَمام حسَّان - بِالْإِضَافَة إِلَى بنت الشاطئ﴾ .

стр. 41

فِي الْعَصْر الحَدِيث أَيْضا ثمَّة كتابات كَثِيرَة تعرضت لموضوع التناسب والترابط، وَإِن لم تلتزم هَذَا الْمنْهَج بِالذَّاتِ، وَمن غير أَن تكون محسوبة على (مدرسة الْأُمَنَاء) .. وَإِن كَانَت (الرُّؤْيَة البيانية) ذَات أثرٍ وَاضح فِيهَا، وَإِن لم تكن متفردة تَمامًا. وأهم هَذِه الْأَعْمَال على الْإِطْلَاق وأكملها، تَفْسِير الْأُسْتَاذ سيد قطب - عَلَيْهِ رَحْمَة الله - (ت ١٩٦٦م) وَالَّذِي سَمَّاهُ (فِي ظلال الْقُرْآن) ، وسنفرده بالْكلَام فِي المبحث التَّالِي بِإِذن الله. وَمِنْهَا محاولة الشَّيْخ عبد المتعال الصعيدي ﵀ (ت١٩٥٨م) فِي كِتَابه (النّظم الفني فِي الْقُرْآن) وَالَّذِي استوعب فِيهِ الْكَلَام عَن سور الْقُرْآن سُورَة سُورَة، محاولاً خدمَة هَذَا الْجَانِب الْبَيَانِي - أَو الفني، بِحَسب تَعْبِيره -، بعد أَن نعى على الْمُفَسّرين قلَّة اهتمامهم بِهِ على مَا يَلِيق، فغاية مَا يَفْعَله بَعضهم - كَمَا يَقُول -: ((أَن يُعنى بِإِظْهَار الْمُنَاسبَة بَين آيَة وَآيَة؛ فَلَا يَأْتِي فِي ذَلِك بالغرض الْمَطْلُوب، وَلَا ينظر فِي كل سُورَة نظرة عَامَّة، يعرف بهَا الْغَرَض الْمَقْصُود مِنْهَا، ثمَّ يقسمها إِلَى أَقسَام، يدْخل كل قسم مِنْهَا تَحت ذَلِك الْغَرَض الْعَام، وَلَا يخرج عَنهُ إِلَى أغراض أُخْرَى لَا تدخل فِيهِ. وَلِهَذَا وضعت كتابي (النّظم الفني فِي الْقُرْآن) فِي هَذَا الْمَوْضُوع الخطير، ليقوم بِهَذِهِ الْخدمَة الْعُظْمَى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، مستعيناً فِي ذَلِك بهداية الله وتوفيقه، ومستمداً من عونه وإرشاده)) (١) . وَمِنْهَا: (التَّفْسِير الحَدِيث) للأستاذ مُحَمَّد عِزَّة دَرْوَزة ﵀ (ت١٤٠٤هـ) ، وَالَّذِي سلك فِيهِ طَريقَة تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم بعد تَرْتِيب سوره

стр. 42

على حسب النّزول.. وَقد ذكر فِي مقدمته منهجه الَّذِي سَار عَلَيْهِ، وَقد جَاءَ فِيهِ: ((٨ - الاهتمام لبَيَان مَا بَين آيَات وفصول السُّور من ترابط، وَعطف الْجمل القرآنية على بَعْضهَا: سياقاً، وموضوعاً - كلما كَانَ ذَلِك مَفْهُوم الدّلَالَة -، لتجلية النّظم والترابط الموضوعي فِيهِ، لِأَن هُنَاكَ من يتَوَهَّم أَن آيَات السُّور وفصولها مَجْمُوعَة إِلَى بَعْضهَا بِدُونِ ارتباط وانسجام، فِي حِين أَن إمعاننا فِيهَا جعلنَا على يَقِين تَامّ بِأَن أَكْثَرهَا مترابط منسجم)) (١) . وَمِنْهَا: (نَحْو تَفْسِير موضوعي لسور الْقُرْآن الْكَرِيم) ، للأستاذ الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَزالِيّ ﵀، وَالَّذِي كَانَ همُّه الأساس فِيهِ أَن يعمد إِلَى محاولة رسم (صُورَة شمسية) لكل سُورَة - بِحَسب تَعْبِيره -، لتتبين روحها الْخَاصَّة.. وَفِي ذَلِك يَقُول: ((.. والهدف الَّذِي سعيت إِلَيْهِ أَن أقدم تَفْسِيرا موضوعياً لكل سُورَة من الْكتاب الْعَزِيز. وَالتَّفْسِير الموضوعي غير التَّفْسِير الموضعي. الْأَخير يتَنَاوَل الْآيَة أَو الطَّائِفَة من الْآيَات؛ فيشرح الْأَلْفَاظ والتراكيب وَالْأَحْكَام. أما الأول؛ فَهُوَ يتَنَاوَل السُّورَة كلَّها، ويحاول رسم صُورَة شمسية، لَهَا، تتَنَاوَل أَولهَا وَآخِرهَا، وتتعرف على الروابط الْخفية الَّتِي تشدُّها كلَّها، وَتجْعَل أَولهَا تمهيداً لآخرها، وَآخِرهَا تَصْدِيقًا لأولها..)) (٢) .. وحول طَرِيقَته فِي ذَلِك يَقُول: ((..إِنَّنِي أخْتَار من

стр. 43

الْآيَات مَا يُبرز ملامح الصُّورَة، وأترك غَيرهَا للقارئ.. يضمها إِلَى السِّيَاق المشابه، وَذَلِكَ حَتَّى لَا يطول الْعرض ويتشتت.. والإيجاز مقصودٌ لدىَّ)) (١) ،.. ((يجب أَن أغوص فِي أعماق الْآيَة، لأدرك رباطها بِمَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا، وَأَن أتعرَّف على السُّور كلهَا.. متماسكة، متساوقةً..)) (٢) . وثمة جهد آخر فِي هَذَا المجال لما يكتمل صدوره بعد، وَهُوَ ذَلِك التَّفْسِير الَّذِي يُتَابع إصداره الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن حسن حَبنَّكة الميداني (من عُلَمَاء دمشق الْكِبَار) ، الَّذِي يسير فِيهِ على وفْق تَرْتِيب نزُول السُّور - كَمثل مَا صنع عزة دروزة -.. وَقد سَمَّاهُ (معارج التفُّكر، ودقائق التدبُّر: تَفْسِير تدبرى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم) ، وَذكر أَنه محاولة تطبيقية مِنْهُ على كِتَابه (قَوَاعِد التدبُّر الأمثل لكتاب الله (٣) .. وَفِي مُقَدّمَة التَّفْسِير يَقُول الشَّيْخ الميداني - حفظه الله وَعَافَاهُ -: ((وَقد رَأَيْت بالتدبر الميداني للسور ان مَا ذكره المختصون بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم من تَرْتِيب نزُول، هُوَ - فِي معظمه - حق، أخذا من تسلسل التكامل التربوي. واكتشفت فِي هَذَا التدبُّر أموراً جليلة تتَعَلَّق بحركة الْبناء المعرفي لأمور الدّين، وحركة المعالجات التربوية الربانية الشاملة للرسول (وللذين آمنُوا بِهِ، وللذين لم يَسْتَجِيبُوا لدَعْوَة الرَّسُول، متريثين، أَو مكذبين كَافِرين)) (٤) .. وَالشَّيْخ الميداني

стр. 44

فِي تَفْسِيره هَذَا طويلُ النَّفَس.. يسْلك فِي شعاب الْمعَانِي طرقاً شَتَّى، وَلكنه فِي النِّهَايَة يرجع إِلَى تَلْخِيص مَوْضُوع السُّورَة الأساس، ومحورها الرئيس، فِيمَا سَمَّاهُ (شَجَرَة مَوْضُوع السُّورَة) . وَأحب أَن أنوِّه فِي ختام هَذَا الْعرض السَّرِيع لما اختره من الإسهامات الحديثة فِي هَذَا المجال - إِلَى أَنه لَيْسَ على سَبِيل الْحصْر والاستيعاب، وَلَا على سَبِيل التَّفْضِيل لما ذكرته على حِسَاب مَا لم أذكرهُ.. بل هُوَ على سَبِيل التَّمْثِيل فَقَط.. وَلَا ريب أَن ثمَّة جهوداً أُخْرَى، يسْتَحق كثير مِنْهَا التنويه والدرس.. ولكنني أكتفي الْآن بِهَذَا الْمِقْدَار، الَّذِي أعتقد أَنه كافٍ - بِإِذن الله - إِلَى حِين! .. وأعود الْآن إِلَى ثَانِي نَوْعي علم الْمُنَاسبَة.. وَهُوَ الْمُنَاسبَة بَين السُّور. والمصنفات المستقلة فِيهِ قَليلَة حَتَّى الْآن.. وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّيْخ الغماري - نقلا عَن الإِمَام البقاعي -: ((.. وَأول من أفرد هَذَا النَّوْع بالتأليف - فِيمَا أعلم - الْعَلامَة أَبُو جَعْفَر ابْن الزبير الأندلسي شيخ الْعَلامَة أبي حَيَّان، ألف كتابا سَمَّاهُ (الْبُرْهَان فِي مُنَاسبَة تَرْتِيب سور الْقُرْآن) . ثمَّ كتب الْحَافِظ السُّيُوطِيّ كِتَابه (تناسق السُّور) لخَّصه

стр. 45

من كِتَابه (قطف الأزهار) . وكتابي هَذَا ثَالِث كتابٍ فِي هَذَا الْعلم الشريف، ألهمنيه الله، وَله الْحَمد والْمنَّة)) (١) . ثمَّ قَالَ الشَّيْخ ﵀: ((وَهُوَ (أَي هَذَا النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي علم الْمُنَاسبَة) أَنْوَاع ثَلَاثَة: أَولهَا: تناسب بَين السورتين فِي موضوعهما، وَهُوَ الأَصْل والأساس. ثَانِيهَا: تناسب بَين فَاتِحَة السُّورَة وَالَّتِي قبلهَا، كالحواميم. ثَالِثهَا: مُنَاسبَة فَاتِحَة السُّورَة لخاتمة مَا قبلهَا، مثل: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ .. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ و: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .. ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وَيُوجد نوع رَابِع من الْمُنَاسبَة، وَهُوَ مُنَاسبَة فَاتِحَة السُّورَة لخاتمتها. أفرده السُّيُوطِيّ بالتأليف، وَكتب فِيهِ جُزْءا صَغِيرا سَمَّاهُ (مراصد الْمطَالع فِي تناسب المقاطع والمطالع) . وَيدخل فِي هَذَا النَّوْع: ردُّ العَجُز على الصَّدْر، وَهُوَ من المحسِّنات البديعية. وسننبه على شَيْء من ذَلِك فِي مَحَله من هَذَا الْكتاب، وَالله الْمُوفق إِلَى الصَّوَاب)) (٢) . قلتُ: هَذَا كلامٌ حسن، لَوْلَا أَن مَا ذكره الشَّيْخ فِي النَّوْع الرَّابِع - وَهُوَ مُنَاسبَة فَاتِحَة السُّورَة لخاتمتها - أقرب إِلَى أَن يدْخل فِي النَّوْع الأول من نوعى علم التناسب الرئيسيين، وَهُوَ مُنَاسبَة آي السُّورَة الْوَاحِدَة بَعْضهَا لبَعض، حَتَّى تبدو كالبناء المتكامل - كَمَا سبق مَعنا -.. فَالْكَلَام فِيهِ - أَي فِي النَّوْع الرَّابِع من

стр. 46

النَّوْع الثَّانِي - فِي صميم بِنْية السُّورَة الْوَاحِدَة، من غير نظر إِلَى علاقتها بِمَا قبلهَا أَو مَا بعْدهَا ... وَالله أعلم. وَمهما يكن من أَمر.. فلبعض الْعلمَاء اعتراضٌ على هَذَا النَّوْع الثَّانِي برُمَّته، وسوف أعرض لهَذَا الرَّأْي، وَأبين وَجه الصَّوَاب فِيهِ عِنْد الْكَلَام الموسَّع عَن أَنْوَاع التناسب.. وَالله الْمُوفق والمعين. .. وَهَذَا الْكَلَام السَّابِق كلُّه يتَعَلَّق بتاريخ التطبيق العملي لهَذَا الْفَنّ. وَأما على مستوى (التنظير) و (التقعيد) لَهُ، ومحاولة ضبط معالمه الفنية، وقواعده المنهجية، الَّتِي يُمكن أَن يترسَّمها من يُرِيد المساهمة فِيهِ بِوَجْه.. فثمة كلامٌ قديم حوله فِي كتب عُلُوم الْقُرْآن، وَلَا سِيمَا (الْبُرْهَان) للزركشي، الَّذِي خصص لَهُ النَّوْع الثَّانِي بعد (معرفَة أَسبَاب النّزول) مُبَاشرَة (١) .. وَقد اسْتَفَادَ مِنْهُ السُّيُوطِيّ - وَزَاد عَلَيْهِ بعض الشَّيْء - فِي (الإتقان) ، حَيْثُ خصص لَهُ النَّوْع الثَّانِي وَالسِّتِّينَ (٢) .. وكل من كتب فِي هَذَا الْفَنّ بعدهمَا عالةٌ عَلَيْهِمَا فِي أصل الْمَادَّة، وَإِن لم يخل الْأَمر، أَحْيَانًا، من إِضَافَة هُنَا أَو هُنَاكَ ! وَلَا يَتَّسِع الْمقَام هُنَا لتعداد من كتبُوا فِيهِ من المعاصرين؛ إِذْ إِن الْكِتَابَة فِيهِ (تنظيراً وتطبيقاً) قد اتسعت جدا؛ فَلَا يكَاد يَخْلُو كتاب فِي عُلُوم الْقُرْآن من فصلٍ عَنهُ.. وَلَكِن الْإِضَافَة الْحَقِيقِيَّة فِيهِ قَليلَة - مَعَ الأسف -. وَلَعَلَّ من أبرز مَا يُمكن أَن يرصد فِي هَذَا السِّيَاق، كِتَابَة الْأُسْتَاذ الْجَلِيل الدكتور الشَّيْخ مُحَمَّد عبد الله دراز - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -، فِي كِتَابه المهم (النبأ الْعَظِيم) ، وَالَّذِي عرض فِيهِ لقضية التناسب عرضا فائق الْجَوْدَة، وحاول تطبيقها على سُورَة الْبَقَرَة - أطول

стр. 47

سور الْقُرْآن الْكَرِيم على الْإِطْلَاق -، فوفِّق فِي ذَلِك تَوْفِيقًا عَظِيما.. كَمَا سلفت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك غير مرّة.. فجزاه الله عَن كِتَابه وَدينه خير الْجَزَاء. وَلَكِن المساهمة الْأَعْظَم فِي تقديري فِي هَذَا السِّيَاق، هِيَ - كَمَا سلف أَيْضا - تِلْكَ الَّتِي قدَّمها الْأُسْتَاذ الْجَلِيل الشَّيْخ عبد الحميد الفراهي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -، وَلَا سِيمَا فِي كِتَابه فائق الأهمية - على صغر حجمه - (دَلَائِل النظام) ، وَالَّذِي هدف فِيهِ إِلَى تطوير علم الْمُنَاسبَة، والمساهمة فِي (إنضاجه) فِيمَا سَمَّاهُ (علم النظام) .. وَهُوَ مَا سأعرض لَهُ بالتفصيل الْمُنَاسب بِإِذن الله تَعَالَى.

стр. 48

المبحث الرَّابِع: من أبرز أَعْلَام علم الْمُنَاسبَة مدْخل ... المبْحثُ الرَّابّع: من أبرز أَعْلَام علم الْمُنَاسبَة تتَابع اهتمام الْعلمَاء بإبراز قَضِيَّة التناسب والترابط بَين آيَات الْكتاب الْعَزِيز وسوره، وَكَانَت حظوظهم فِي التَّوْفِيق إِلَى ذَلِك مُتَفَاوِتَة، بِحَسب فتح الله - تَعَالَى - على كلٍّ مِنْهُم. وَلَكِن حَسْبُهم شرف المحاولة، ونيةُ خدمَة الْكتاب الْعَزِيز وَإِظْهَار إعجازه. وتكمن قيمَة هَذِه المحاولات جَمِيعًا - قويِّها وضعيفها - فِي أَنَّهَا تمهِّد السَّبِيل للاحقين؛ لينسجوا على ذَات المنوال، أَو ليطوّروا من الْمنْهَج - تقويماً، وَإِضَافَة، وإبداعاً - فَيكون لَهُم منوالهم الْخَاص، الَّذِي يلائم أعصارهم، ويواكب تطور الْعُلُوم والمعارف المستمر. فكتاب الله لَا تفنى عجائبه، وَلَا يخْلَقُ على كَثْرَة الرَّد، وَلَا يُمكن أَن يُحِيط بِجَمِيعِ جوانبه إِنْسَان، أَو يستقلَّ بِجَمِيعِ معارفه أهل عصرٍ مَا ... فحسبنا أَن نقارب، وَأَن نسدِّد ... وَفضل الله وَاسع، وفتوحاته لاحدَّ لَهَا، وإلهامه لَا مُنْتَهى لَهُ.. . وَلِأَن بحثي هَذَا لَا يحْتَمل اسْتِيعَاب الْكَلَام عَن جَمِيع المهتمين بِهَذَا الْعلم الشريف؛ فقد رَأَيْت أَن أقتصر بِالْحَدِيثِ الموسع بعض الشَّيْء على أَرْبَعَة أَعْلَام برَّزوا فِيهِ.. اثْنَيْنِ من القدماء، هما فَخر الدّين الرَّازِيّ وبرهان الدّين البقاعي.. وَآخَرين من الْعَصْر الحَدِيث، هما عبد الحميد الفراهي وَسيد قطب.. رحم الله الْجَمِيع، وجزاهم عَن دينه وَكتابه خير الْجَزَاء، وأقامنا على طريقهم، وَفتح علينا كَمَا فتح عَلَيْهِم.. إِنَّه هُوَ البرُّ الرَّحِيم.

стр. 49

الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ (٥٤٣هـ - ٦٠٦ه ـ) ... (١) الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ (٥٤٣ – ٦٠٦?) تَرْجَمته: هُوَ مُحَمَّد بن عمر بن الْحُسَيْن القرشيُّ التيميُّ البكْريُّ الطبرستاني، أَبُو الْمَعَالِي، الْمَعْرُوف بفخر الدّين الرَّازِيّ. شبَّ الرَّازِيّ على طلب الْعلم؛ فَتلقى على أَبِيه، ثمَّ على أكَابِر أهل بَلَده، قبل أَن يقوم بعدة رحلات علمية استغرقت من عمره سِنِين طَوِيلَة. وتنقل بَين كثير من بلدان مَا وَرَاء النَّهر.. طَالبا، ثمَّ معلما. وَبَقِي على هَذِه الْحَالة من الِاشْتِغَال الدَّائِم بِالْعلمِ - مِمَّا أكسبه قدرا كَبِيرا من الْمجد والاحترام وَالتَّقْدِير، وَإِن لم يخلُ بطبيعة الْحَال من بعض الأحقاد من حاسديه - حَتَّى توفّي بهراة يَوْم عيد الْفطر، الِاثْنَيْنِ من سنة ٦٠٦هـ. وَقيل: إِن الكرَّامية - أَشْرَس خصومه - سقوه السم، فَمَاتَ مِنْهُ بعد أَن كتب لأولاده وَصِيَّة مُؤثرَة، ضمَّنها خُلَاصَة تجربته، وابتهاله إِلَى الله فِي خشوعِ وسكينةِ الْمقبل عَلَيْهِ أَن يتَجَاوَز عَنهُ، ويتقبل مِنْهُ.. وَكَانَت ثقافة الرَّازِيّ موسوعية، كأتم مَا تكون الموسوعية! فقد برع فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية والطبيعية جَمِيعًا. وصنف فِيهَا كلِّها تصانيف مفيدة، تجاوزت - على مَا ذكر ابْن السَّاعِي - مئتي مُصَنف. بَقِي مِنْهَا، مطبوعاً ومخطوطاً، قدر كَبِير يدلُّ على قامة الرَّازِيّ الباذخة فِي تَارِيخ الْمُسلمين العلمي. وَفِي جملَة وَاحِدَة دَالَّة يصفه الدكتور محسن عبد الحميد بقوله: ((لَا أبالغ إِذا قلت: إِن الرَّازِيّ هُوَ أكبر مفكر إسلامي ظهر بعد الإِمَام الْغَزالِيّ.. غزارةَ علمٍ، وعمقَ تفكير)) (١) .

стр. 50

تَفْسِيره، وعنايته بموضوع التناسب: يعدُّ (مَفَاتِيح الْغَيْب) الْكتاب الْأَعْظَم للْإِمَام الرَّازِيّ، وَقد بَدَأَ كِتَابَته بعد إنجاز مُعظم كتبه، وانْتهى مِنْهُ قبل وَفَاته بسنوات قَليلَة، وَمن هُنَا يظْهر أَنه صنفه بعد أَن اكتملت أدواته، ونضج عقله، فحقَّ لَهُ أَن يَبْدُو فِي صُورَة الموسوعة الشاملة، الَّتِي جمعت - إِلَى جَانب التَّفْسِير - الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، والأسرار الْعَقْلِيَّة، والمباحث اللُّغَوِيَّة، والدقائق الكلامية، والإشارات الفلسفية.. مِمَّا يَجْعَل قارئه ينْتَقل فِيهِ من فنٍّ إِلَى فنٍّ، وَمن دَائِرَة إِلَى أُخْرَى.. فِي ترابطٍ عَجِيب، وترتيب منطقي لافت (١) . وَمَا يهمنا الْآن من تَفْسِير الرَّازِيّ الْجَامِع، هُوَ بَيَان اهتمامه الشَّديد بترتيب الْآيَات وتحليلها، وَبَيَان أَسبَاب مجيئها على هَذَا النَّحْو، وَالِاسْتِدْلَال بذلك على إعجاز الْقُرْآن الْمجِيد.. وَفِي ذَلِك يَقُول: ((.. وَمن تَأمل فِي لطائف نظم هَذِه السُّورَة (سُورَة الْبَقَرَة) ، وَفِي بَدَائِع تركيبها، علم أَن الْقُرْآن كَمَا هُوَ معجز بِحَسب فصاحة أَلْفَاظه، وَشرف مَعَانِيه، فَهُوَ أَيْضا معجز بِحَسب ترتيبه ونظم آيَاته، وَلَعَلَّ الَّذين قَالُوا إِنَّه معجز بِحَسب أسلوبه أَرَادوا ذَلِك، إِلَّا أَنِّي رَأَيْت جُمْهُور المفسِّرين معرضين عَن هَذِه اللطائف، غير منتبهين لهَذِهِ الْأُمُور.. وَلَيْسَ الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا كَمَا قيل:

стр. 51

والنجمُ تستصغرُ الْأَبْصَار رُؤْيَته ... والذنبُ للطَّرف لَا للنجم فِي الصغرِ )) (١) وَفِي بَيَان بعض عجائب هَذَا التَّرْتِيب الْحَكِيم يَقُول: ((اعْلَم أَن سنة الله فِي تَرْتِيب هَذَا الْكتاب الْكَرِيم وَقع على أحسن الْوُجُوه، وَهُوَ أَنه يذكر شَيْئا من الْأَحْكَام، ثمَّ يذكر عَقِيبه آيَات كَثِيرَة فِي الْوَعْد والوعيد، وَالتَّرْغِيب والترهيب، ويقرن بهَا آيَات دَالَّة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته.. ثمَّ يعود مرّة أُخْرَى إِلَى بَيَان الْأَحْكَام. وَهَذَا أحسن أَنْوَاع التَّرْتِيب، وأقربها إِلَى التَّأْثِير فِي الْقُلُوب لِأَن التَّكْلِيف بِالْأَعْمَالِ الشاقة لَا يَقع فِي موقع الْقبُول إِلَّا إِذا كَانَ مَقْرُونا بالوعد والوعيد، وَلَا يُؤثر فِي الْقلب إِلَّا عِنْد الْقطع بغاية كَمَال من صدر عَنهُ الْوَعْد والوعيد. فَظهر أَن هَذِه الترتيبات أحسن الترتيبات اللائقة)) (٢) . والرازي يحاول أَن يظْهر السُّورَة القرآنية من جِهَة، وَالْقُرْآن كُله - من جِهَة أُخْرَى - كوحدة متكاملة، وَفِي سَبِيل ذَلِك قد يرفض أَي شَيْء مِمَّا قد يُؤثر فِي نظرته الْكُلية إِلَى الْوحدَة القرآنية ... كَأَن يرفض سَبَب نزُول مثلا نَقله الْمُفَسِّرُونَ، وَيرى هُوَ أَنه يَقْتَضِي وُرُود آياتٍ لَا يتَعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْض، وَيُوجب أعظم أَنْوَاع الطعْن فِي الإعجاز القرآني.. وَذَلِكَ مثل كَلَامه حول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (فصلت / ٤٤) (٣) . كَمَا أَن الرَّازِيّ يهتم بِبَيَان حِكْمَة تَرْتِيب الْكَلِمَات فِي الْآيَة الْوَاحِدَة بِجَانِب تَرْتِيب الْآيَة فِي سياقها، لَا سِيمَا فِيمَا قد يدل ظَاهره على عدم مُرَاعَاة

стр. 52

التَّرْتِيب، وَمن ذَلِك كَلَامه على قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الْأَنْعَام / ٨٤: ٨٦) حَيْثُ قَالَ: ((فَإِن قيل: رِعَايَة التَّرْتِيب وَاجِبَة، وَالتَّرْتِيب إِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الْفضل والدرجة، وَإِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الزَّمَان والمدة، وَالتَّرْتِيب بِحَسب هذَيْن النَّوْعَيْنِ غير مُعْتَبر فِي هَذِه الْآيَة.. فَمَا السَّبَب؟ ! قلتُ: عِنْدِي فِيهِ وَجه من وُجُوه التَّرْتِيب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - خصَّ كل طَائِفَة من طوائف الْأَنْبِيَاء بنوعٍ من الْإِكْرَام وَالْفضل، ثمَّ بيَّن أَن كل مَجْمُوعَة من مجموعات الْآيَة تتصف بِصفة مُعينَة. وَلأَجل ذَلِك كَانَ ذكر الْأَنْبِيَاء ...)) (١) .. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يعْتَبر قَضِيَّة التَّرْتِيب - دَاخل الْآيَة، ثمَّ بَين آيَات السُّورَة مجتمعة - أعظم وَجه من وُجُوه الإعجاز القرآني، يَنْبَغِي تدقيق النّظر فِيهِ. هَذَا مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْجَانِب فِي تَفْسِير الرَّازِيّ بإيجاز بَالغ. وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك أَن الرَّازِيّ - كَمَا يَقُول د. محسن عبد الحميد - أكمل مَا بدأه الزَّمَخْشَرِيّ من تطبيق مَنْهَج الشَّيْخ الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ الْبَيَانِي، فِي إِدْرَاك مَوَاطِن الإعجاز، وَالْوُقُوف على دلائله، بل وَزَاد على الزَّمَخْشَرِيّ فِيمَا تكلم بِهِ فِي بعض الْأُمُور الَّتِي لم يستوعب الزَّمَخْشَرِيّ القَوْل فِيهَا، أَو لم يتَطَرَّق إِلَيْهَا أصلا، أعانته على ذَلِك عقلية فذة، وقدرة استنباطية فريدة، وذوق بلاغي رفيع، مِمَّا هيأ لَهُ إِضَافَة جَوَانِب مهمة على مَا بحث عُلَمَاء البلاغة

стр. 53

وَالْقُرْآن وقرروا، وَلَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالنظم والتناسب بَين الْآيَات والكلمات والموضوعات. وَبِذَلِك كُله يعْتَبر الرَّازِيّ - بِحَق - لبنة أساسية فِي بِنَاء دراسات الإعجاز القرآني، على أسس منهجية موضوعية رصينة، ومدافعاً صَادِقا وذكياً عَن التَّرْكِيب القرآني أَمَام مطاعن الْمَلَاحِدَة فِي عصره (١) .. فرحمة الله عَلَيْهِ كِفاءَ مَا قدَّم وبذل فِي خدمَة كِتَابه الْأَعْظَم.

стр. 54

الإِمَام برهَان الدّين البقاعي (٨٠٩ هـ - ٨٨٥ه ـ) ... (٢) الإِمَام برهَان الدّين البقاعي (٨٠٩ - ٨٨٥هـ) تَرْجَمته: هُوَ إِبْرَاهِيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط الدِّمَشْقِي، أَبُو الْحسن، الْمَعْرُوف ببرهان الدّين البقاعي. ولد بوادي الْبِقَاع (من أَرض لبنان الْآن) سنة ٨٠٩? فِي أسرة كَبِيرَة، لِأَبَوَيْنِ فقيرين، يعيشان عيشة الكفاف، وَبعد أَن حفظ الْقُرْآن، وَتعلم مبادئ الْعلم الأساسية، ثمَّ نزلت بأسرته كارثة قُتل فِيهَا والدُه وعمُّه، فَرَحل مَعَ أمه إِلَى دمشق، حَيْثُ وَاصل الطّلب. وتنقل بَينهَا وَبَين الْقُدس الشَّرِيفَة، قبل أَن يسْتَقرّ فِي الْقَاهِرَة، وفيهَا التقى بعلمائها، وبخاصة الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي، الَّذِي لَازمه وانتفع بِهِ غَايَة الِانْتِفَاع، وَقد أعجب بِهِ ابْن حجر بدوره، فَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا، وعدَّه من كبار أَصْحَابه، وَوَصفه بـ (الْعَلامَة) ، وَأثْنى على مؤلفاته.

стр. 55

وَلَكِن إِقَامَته بِالْقَاهِرَةِ لم تستمر حَتَّى النِّهَايَة، إِذْ عكَّرها حسدُ الحاسدين من أقرانه وعلماء زَمَانه - وَهُوَ الْأَمر الَّذِي شكا مِنْهُ مرَّ الشكوى فِي مُقَدّمَة كِتَابه (مصاعد النّظر) مِمَّا اضطره إِلَى الرُّجُوع إِلَى دمشق، حَيْثُ توفّي لَيْلَة السبت ١٨ من رَجَب سنة ٨٨٥هـ. وَكَانَ البقاعي - إِلَى جَانب علمه وتبريزه فِيهِ - مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله، حَيْثُ شَارك فِي حروب الفرنجة، الَّتِي دارت رحاها بَين المماليك والصليبيين، فشارك فِي غَزْوَة رودس وقبرص، ورابط فِي دمياط. وَكَانَ رَقِيق الْحَال، يعْمل بِيَدِهِ - حَيْثُ كَانَ حسن الْخط - ليكفي نَفسه مُؤنَة الْعَيْش، كَمَا كَانَ يقوم بتعليم الصّبيان مبادئ الْعُلُوم بِجَانِب الْقُرْآن الْكَرِيم، وَكَانَ ﵀ يُديم الْمكْث فِي الْمَسْجِد انْقِطَاعًا عَن أهل الدُّنْيَا، وليجد فِيهِ السكن والمأوى وَالْمَكَان اللَّائِق للكتابة والدرس، وليحاول كَذَلِك الابتعاد عَن حسد حاسديه وإيذاء شانئيه. وَقد أحَاط البقاعي بمعارف عصره، ونبغ فِي كَافَّة الْعُلُوم الَّتِي كَانَت سائدة فِيهِ، والناظر فِي تراثه - الَّذِي يُجَاوز الْخمسين مصنفاً - يدْرك بسهولة أَنه أَمَام شخصية علمية موسوعية، فَهُوَ مفسِّر، ومحدث، ومؤرخ، وأديب، وشاعر (١) . عَظِيم عنايته بقضية التناسب: يُعدُّ البقاعي - غيرَ منازَع - أوسع من كتب فِي تطبيق هَذَا الْعلم، وأغزرهم مَادَّة فِيهِ.

стр. 56

كَمَا يُعدُّ كِتَابه (نظم الدُّرَر فِي تنَاول الْآيَات والسور) (١) أول كتاب مستوعب وشامل فِي هَذَا الْفَنّ، وَقد كَانَ البقاعي معتزاً بِهِ غَايَة الاعتزاز - وحُقَّ لَهُ ذَلِك - وَيدل على ذَلِك مثلُ قَوْله: ((.. فَأَنا أَرْجُو (...) أَن الله تَعَالَى يجمع بكتابي هَذَا - الَّذِي خصني بإلهامه، وادخر لي المنحة بحلِّه وإبرامه، واعتناقه والتزامه - أهل هَذَا الدّين الْقيم جمعا عَظِيما، جَلِيلًا جسيماً، يظْهر لَهُ أثر بَالغ فِي اجْتِمَاعهم وحُسن تأسِّيهم برؤوس نقلته وَأَتْبَاعه)) (٢) . وَوَصفه فِي ختامه بِأَنَّهُ ((ترجمان الْقُرْآن، مبدي مناسبات الْفرْقَان، التَّفْسِير الَّذِي لم تسمح الْأَعْصَار بِمثلِهِ، وَلَا فاض عَلَيْهَا من التفاسير - على كَثْرَة أعدادها - كصيِّب وبْله)) (٣) .. وَهُوَ يُشِير إِلَى صعوبة إِدْرَاك الارتباط والتناسب، لِأَنَّهُ أَحْيَانًا يدقُّ وَيخْفى، وَرُبمَا تشكَّك ضَعِيف الْإِيمَان، أَو توقف كثير من الأذكياء عَن الدُّخُول فِي الدّين بِسَبَب هَذَا الغموض وَهَذِه الدقة فِي إِدْرَاك تناسب بعض الْآيَات، ((فَإِذا اسْتَعَانَ طَالب هَذَا الْعلم بِاللَّه، وأدام الطّرق لباب الْفرج، بإنعام التَّأَمُّل وَإِظْهَار الْعَجز، والوثوق بِأَنَّهُ فِي الذرْوَة من إحكام الرَّبْط، كَمَا كَانَ فِي الأوْج من حسن الْمَعْنى

стр. 57

وَاللَّفْظ؛ لكَونه كَلَام من جلَّ عَن شوائب النَّقْص، وَحَازَ صِفَات الْكَمَال، إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، وَتَصْدِيقًا بالرب، قَائِلا مَا قَالَ الراسخون فِي الْعلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ، فانفتح لَهُ ذَلِك الْبَاب، ولاحت لَهُ من وَرَائه بوارق أنوار تِلْكَ الْأَسْرَار، رقص الْفِكر مِنْهُ طَربا، وسكر وَالله استغراباً وعجباً، وطاش لِعَظَمَة ذَلِك جَنانه، فَرسَخ من غير مريةٍ إيمَانه)) (١) . وَهُوَ يذكر عناءه فِي التفكر فِي مسَائِل الْمُنَاسبَة، وبذله وَسعه فِي الْوُصُول إِلَى غوامضها.. وَيَقُول: ((.. وعَلى قدر غموض تِلْكَ المناسبات يكون وضوحها بعد انكشافها، وَلَقَد شفاني بعض فضلاء الْعَجم، وَقد سَأَلته عَن شيءٍ من ذَلِك، فَرَآهُ مُشكلا، ثمَّ قررت إِلَيْهِ وَجه مناسبته، وَسَأَلته: هَل وضح لَهُ؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدي.. كلامك هَذَا يتسابق إِلَى الذِّهْن ﴿)) .. ثمَّ يعقب على هَذِه الْوَاقِعَة بقوله: ((.. فَلَا تَظنن أَيهَا النَّاظر لكتابي هَذَا، أَن المناسبات كَانَت كَذَلِك قبل الْكَشْف لقناعها، وَالرَّفْع لستورها، فرُبَّ آيةٍ أَقمت فِي تأملها شهوراً (...) . وَمن أَرَادَ تَصْدِيق ذَلِك فَلْيتَأَمَّل شَيْئا من الْآيَات قبل أَن ينظر مَا قلته، ثمَّ لينظره، يظْهر لَهُ مِقْدَار مَا تعبت، وَمَا حصل لي من قِبَل الله من العون، سَوَاء كَانَ ظهر لَهُ وَجه كَذَلِك عِنْد تَأمله أَو لَا﴾ )) .. ثمَّ يرجع بالثناء على كِتَابه بقوله: ((.. وَلَا تنكشف هَذِه الْأَغْرَاض إِلَّا لمن خَاضَ غمرة هَذَا الْكتاب، وَصَارَ من أَوله وَآخره وأثنائه على ثقةٍ وصواب.. وَمَا يذكَّر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب!)) (٢) .

стр. 58

وَقد تبدو مثلُ هَذِه اللهجة الواثقة المتباهية مستغربةً بعض الشَّيْء من عَالم بِالْقُرْآنِ مثل البقاعي.. وَلَكِن الْمنصف يتقبلها مِنْهُ؛ فقد أوذي كثيرا من بنى عصره، وصُوِّبت إِلَى كتبه - وَلَا سِيمَا (نظم الدُّرَر) - سِهَام النَّقْد غير الْمنصف - وَلَا البريء ﴿-. حَتَّى اتُّهم بِأَنَّهُ سَرقه من شئ عثر عَلَيْهِ فنسبه إِلَى نَفسه﴾ وَقد دَافع عَن نَفسه - إِذْ لم يجد من يدافع عَنهُ ﴿- دفاعاً حاراً فِي مُقَدّمَة كِتَابه (مصاعد النّظر) ، وشكا بمرارةٍ بَالِغَة مَا لقِيه من حاسديه - كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك -.. ثمَّ قَالَ: ((.. فَلَا يعتب عليَّ أحد فِي هَذَا الْكَلَام، فَإِنَّهُ نفثة مصدور، ورميةُ مَعْذُور، شغله الذبابُ عَن كثير من مقاصده، ونفَّر عَنهُ كثيرا من مصايده﴾ )) (١) .. ثمَّ ذكر مَا قَالَ بَعضهم فِي كِتَابه ذَاك نظم الدُّرَر: ((إِنَّه لَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَلَا معوَّل عَلَيْهِ)) .. وَأجَاب عَن ذَلِك بقوله: ((.. على أَنه (يَعْنِي نظم الدُّرَر) بِمَا لولاه لافتضح أَكْثَرهم لَو وَافقه فِي الْقُرْآن مناظر، وحاوره فِي كثير من الْجمل من أهل الْملَل محاور - فِي مَكَان يَأْمَن فِيهِ الحيف، وَلَا يخْشَى سطوة السَّيْف ﴿-.. لَو قَالَ: أَنْتُم تَقولُونَ: إِن الْقُرْآن معجز، وَكَذَا آيَة مُسْتَقلَّة توازي الْكَوْثَر الَّتِي هِيَ أقصر سُورَة.. فَمَا قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ...﴾ (الْأَنْعَام / ٨٤: ٨٦) .. فَهَذِهِ الْآيَات بِمِقْدَار الْكَوْثَر نَحْو أَربع مَرَّات. إِن قلت: إِن المعجز مطلقُ نظمها بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ، فَأَنا أرتب من فِيهَا غير هَذَا التَّرْتِيب﴾ وَإِن قُلْتُمْ: إِنَّه أَمر يخص هَذَا النّظم على مَا هُوَ عَلَيْهِ من التَّرْتِيب؛ فبيِّنوه ﴿- لحيَّرهم﴾ )) . ثمَّ قَالَ - بعد أَن ذكر أَمْثِلَة أُخْرَى من سور النِّسَاء و (ص) و (ق) -:

стр. 59

((.. وَلَقَد أَخْبرنِي بعض الأفاضل أَن شخصا من الْيَهُود لقِيه خَالِيا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا قَالَ نَبِيكُم فِي الرّوح؟ فَقَالَ لَهُ: أنزل الله عَلَيْهِ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الْإِسْرَاء/ ٨٥) ، فَقَالَ لَهُ مستهزئاً: بيانٌ مليحٌ هَذَا ﴿ قَالَ: فأبهتني، ثمَّ تركني وَانْصَرف.. وَقد بلغ من نكايتي مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَمَا دريتُ مَا أُجِيبهُ﴾ وَلَو كَانَ يعرف مَا بِيَّنه فِيهَا كتابي هَذَا - الَّذين صوَّبوا إِلَيْهِ من الغضّ، مَا يكَاد الْجَبَل مِنْهُ يرفضُّ ﴿- لأخزاه وأخجله، ونكَّس رَأسه وجهَّله﴾ )) (١) . وذكرُ مثل هَذِه التفاصيل مُهِمّ جدا لبَيَان أهمية الْكَلَام فِي التناسب عُمُوما، وَقِيمَة وأهمية مساهمة البقاعي ﵀ فِي فتح أَبْوَاب التوسُّع فِيهِ، وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى شَيْء من ذَلِك فِيمَا سبق. وَرَغمَ أَن البقاعي ذهب - خلافًا لرأي الْجُمْهُور، وَخِلَافًا للصحيح من الْقَوْلَيْنِ كَذَلِك.. كَمَا سبق - إِلَى أَن تَرْتِيب السُّور كَانَ باجتهادٍ من الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - (٢) ؛ إِلَّا أَن ذَلِك لم يعكِّر على طَرِيقَته فِي إِظْهَار التناسب؛ لِأَنَّهُ عقَّب القَوْل بِكَوْن التَّرْتِيب اجتهادياً بتقرير أَن هَذَا هُوَ مَا رضيه الله تَعَالَى لكتابه الْحَكِيم، فوفق صحابة نبيه (إِلَيْهِ. وَهَذَا التعقيب لَا يمْنَع بحالٍ من نقد البقاعي فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِك، مُخَالفا جُمْهُور أهل الْعلم فِيهِ (٣) .

стр. 60

وَقد اختصر البقاعي كِتَابه الْكَبِير هَذَا فِي كتاب أَصْغَر مِنْهُ، سَمَّاهُ (أَدِلَّة الْبُرْهَان القويم على تناسب آي الْقُرْآن الْعَظِيم) ، وَهُوَ مخطوط حَتَّى الْآن (١) . وثمة كتاب آخر لَهُ على جانبٍ كَبِير من الأهمية فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ الْكتاب الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ أَكثر من مرّة (مصاعد النّظر للإشراف على مَقَاصِد السُّور) ، وَالَّذِي ذكر البقاعي فِي مقدمته أَنه يصلح أَن يُسمَّى (الْمَقْصد الأسمى فِي مُطَابقَة اسْم كل سُورَة للمسمى) (٢) ، وَهِي تَسْمِيَة دَالَّة على مَوْضُوعه، وَأَنه داخلٌ دُخُولا ظَاهرا فِي بَاب الاهتمام بإبراز التناسب؛ فَهُوَ يعْمل على إِثْبَات أَن لكل سُورَة من السُّور - وَإِن كَانَت فِي غَايَة الوجازة وَالْقصر - مقصداً وَاحِدًا يدار عَلَيْهِ أَولهَا وَآخِرهَا، ويُستدل عَلَيْهِ فِيهَا، فرتَّب الْمُقدمَات الدَّالَّة عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَ فِيهَا شئ يحْتَاج إِلَى دَلِيل؛ اسْتدلَّ عَلَيْهِ.. وَهَكَذَا حَتَّى تبدو السُّورَة للنَّاظِر إِلَيْهَا ((كالشجرة النضيرة الْعَالِيَة، والدوحة البهيجة الأنيقة الحالية (...) ، وأفنانها منعطفة إِلَى تِلْكَ المقاطع كالدوائر، وكل دَائِرَة مِنْهَا لَهَا شُعبة مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا، وشُعبة ملتحمة بِمَا بعْدهَا (...) ؛ فَصَارَت كل سُورَة دَائِرَة كبرى، مُشْتَمِلَة على دوائر الْآيَات الغُرِّ، البديعة النّظم، العجيبة الضَّم، بلين تعاطُف أفنانها، وحُسن تواصل ثمارها وَأَغْصَانهَا ﴿)) (٣) . وَهَذَا الْبَاب من التناسب أدق وأغمض من غَيره، وَقد حاول فِيهِ البقاعي بِقدر طاقته، وَلَكِن حَسبه فتحُ مجَال القَوْل فِي هَذِه الدقائق اللطيفة، الَّتِي مَا تزَال تنْتَظر من يشفي القَوْل فِيهَا﴾

стр. 61

الشَّيْخ عبد الحميد الفراهي (١٢٨٠ - ١٣٤٩هـ / ١٨٦٤ - ١٩٣٠م) ... (٣) الشَّيْخ عبد الحميد الفراهي (١٢٨٠ - ١٣٤٩?/ ١٨٦٤ - ١٩٣٠م) تَرْجَمته: هُوَ حميد الدّين أَبُو أَحْمد عبد المحسن الأنصاريُّ الفراهيُّ. ولد سنة ١٢٨٠هـ (١٨٦٤م تَقْرِيبًا) فِي قَرْيَة (فَرِيها) ، من قرى مديرية (أعظم كره) بِالْهِنْدِ، وَبَدَأَ تَعْلِيمه مُنْذُ ترعرعه - كشأن أَبنَاء العائلات الشَّرِيفَة فِي الْهِنْد - فحفظ الْقُرْآن، وبرع فِي الفارسية حَتَّى نظم فِيهَا الشّعْر وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر عَاما، ثمَّ اشْتغل بِطَلَب الْعَرَبيَّة وعلومها على يَد ابْن خَاله الْعَلامَة المؤرخ شبلي النعماني (١٢٧٤ - ١٣٣٢هـ/ ١٨٥٨ - ١٩١٤م) ، وَكَانَ أكبر مِنْهُ بست سِنِين، كَمَا تلقى الْعلم فِي حَلقَة الْفَقِيه الْحَنَفِيّ المحدّث الْعَلامَة الشَّيْخ أبي الْحَسَنَات مُحَمَّد عبد الْحَيّ اللكنوي (١٢٦٤ - ١٣٠٤هـ/ ١٨٤٨ - ١٨٨٧م) .. وَغَيره من عُلَمَاء الْعَصْر، ثمَّ عرَّج بعد ذَلِك على اللُّغَة الإنجليزية وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، والتحق بكلية عليكرة الإسلامية، وَحصل على (الليسانس) فِي الفلسفة الحديثة من جَامِعَة (الله آباد) . وَبعد مَا قضى وطره من طلب الْعلم، واستقى من حياضه، ورتع فِي رياضه - عُيِّن معلما للعلوم الْعَرَبيَّة بمدرسة الْإِسْلَام بكراشي (عَاصِمَة السَّنَد آنذاك) ، فدرَّس فِيهَا سِنِين، وَكتب وَألف، وقرض وَأنْشد، ثمَّ انْقَطع بعد ذَلِك إِلَى تدبُّر الْقُرْآن ودرسه، وَجمع علومه، فَقضى فِيهِ أَكثر عمره حَتَّى توفّي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - فِي التَّاسِع عشر من جُمَادَى الثَّانِيَة من سنة ١٣٤٩هـ (الْحَادِي عشر من نوفمبر ١٩٣٠م) ، فِي مَدِينَة متهورا، حَيْثُ كَانَ يتطبب من مرضٍ ألمَّ بِهِ (١) .

стр. 62

وَقد كَانَ الفراهي أنموذجاً مشرفاً للْعَالم الْمُسلم الْجَامِع بَين التبحُّر فِي الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والدينية، والاطلاع الْوَاسِع على الْعُلُوم العصرية والطبيعية، وَيظْهر أثر هَذِه الثقافة المتوازنة العميقة فِيمَا كتب من مصنفاتٍ قاربت الْخمسين عددا، أهمها وَأَعْظَمهَا مَا كتبه حول الْقُرْآن الْمجِيد، وتأويله، وَمَا سَمَّاهُ (النظام) - وَهُوَ مَا سأعرض لَهُ فِي الْفَقْرَة التالية - وَكَذَلِكَ مَا كتبه حول الحَدِيث الشريف وَالْأَدب الْعَرَبِيّ والفلسفة الأخلاقية والمنطق.. بِالْإِضَافَة إِلَى الْكثير من الشّعْر الراقي فِي كلٍّ من اللسانين: الْعَرَبِيّ والفارسي، وَفِي ذَلِك يقوم السَّيِّد الْجَلِيل أَبُو الْحسن الندوي (ت ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م) - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -: ((.. وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا لمن جمع بَين التدبُّر فِي الْقُرْآن والاشتغال بِهِ، وَبَين التذوق الصَّحِيح لفن البلاغة والمعاني وَالْبَيَان فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة، والتشبُّع من دراسة بعض اللُّغَات الْأَجْنَبِيَّة والصحف السماوية الْقَدِيمَة، وَبَين سَلامَة الْفِكر ورجاحة الْعقل والتعمق.. وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء)) (١) . وَبِالْجُمْلَةِ.. يَقُول عنهُ أحد تلامذته: ((كَانَ غَايَة - بل آيَة - فِي حِدة الذكاء، ووفور الْعقل، ونفاذ البصيرة، وَشدَّة الْوَرع، وَحسن الْعِبَادَة، وغنى النَّفس، وَلَئِن تَأَخّر بِهِ زَمَانه، لقد تقدم بِهِ علمه وفضلُه)) (٢) .

стр. 63

ولعلَّ من الأهمية بمَكَان أَن نشِير إِلَى أَن للفراهي ﵀ نَحوا من خمسةٍ وَعشْرين كتابا لما تطبع بعد، وَكثير مِنْهَا فِي غَايَة الأهمية، كَمَا يظْهر من عناوينها، وكما عرفنَا من طَريقَة الفراهي العلمية فِي الْبَحْث والتصنيف، وَمِنْهَا - فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقُرْآنِ الْمجِيد - بَقِيَّة تَفْسِيره (تَفْسِير نظام الْقُرْآن وَتَأْويل الْفرْقَان بالفرقان) ، وأساليب الْقُرْآن، وَأَسْبَاب النّزول، وتاريخ الْقُرْآن، وأوصاف الْقُرْآن، وَفقه الْقُرْآن، وحجج الْقُرْآن، والرسوخ فِي معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ.. بِالْإِضَافَة إِلَى نفائس أُخْرَى فِي الْأَدَب الْعَرَبِيّ، والفلسفة، والمنطق، والاجتماع.. مِمَّا يُعدُّ ثروة جديرة بالاهتمام وَالرِّعَايَة، وَالْعَمَل على إخْرَاجهَا لينْتَفع بهَا أهل الْعلم فِي كل مَكَان (١) . نظريته فِي (نظام الْقُرْآن) : سبق مَعنا أَن الفراهي ﵀ انْقَطع فَتْرَة طَوِيلَة من عمره الْمُبَارك إِلَى تدبُّر الْقُرْآن ودرسه، وَالنَّظَر فِيهِ من كل جِهَة، وَقد مَاتَ ﵀ وَهُوَ مكبٌّ على أَخذ مَا فَاتَ الْعلمَاء، ولفِّ مَا نشروه، ولمِّ مَا شتَّتوه، وَتَحْقِيق مَا لم يحققوه، فَكَانَ لِسَانه يَنْبع علما بِالْقُرْآنِ، وصدره يتدفق بحثا عَن مشكلاته، وقلمه يجْرِي كشفاً عَن معضلاته؛ إذْ كَانَ يعْتَقد أَن الْقُرْآن مُرَتّب بيانُه، ومنسقة النظام آياتُه، وَأَن كل مَا تقدم وَتَأَخر من سوره بُنيَ على الْحِكْمَة والبلاغة ورعاية مُقْتَضى الْكَلَام، فَلَو قُدِّم مَا أُخِّر، وأُخِّر مَا قُدِّم، لبطل النظام، وفسدت (١) وَمِمَّا يلْحق بآثاره المخطوطة تِلْكَ المطبوعة، فَإِن جَمِيعهَا - باستثناء اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة مِنْهَا - لم يعد طبعه مُنْذُ نَحْو ثَلَاثِينَ عَاما.. وَقد عانيتُ معاناة كَبِيرَة حَتَّى عثرت - بعد طول بحث وتنقيب - على كِتَابه النفيس (دَلَائِل النظام) .

стр. 64

بلاغة الْكَلَام (١) . وَقد أدَّاه تدبُّره هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى، وَحسن قِرَاءَته لَهُ، إِلَى استنباط (علم النظام) وتحديد أُصُوله، وَذَلِكَ بعد أَن نظر فِيمَا قَالَه عُلَمَاء الْقُرْآن فِي التناسب والترابط المحفوف بهما كتابُ الله تَعَالَى - آياتٍ وسوراً - فَوَجَدَهُ غير كافٍ وَلَا شافٍ - على مَا فِيهِ من أهمية (الكشوف الأولى) إِن صَحَّ التَّعْبِير -؛ لذَلِك عمل على تطويره وتعميقه، حَتَّى يَجْعَل مِنْهُ فَنًّا مُسْتقِلّا على أصُول راسخة، وقواعد وَاضِحَة، مستنبطة من أساليب الْقُرْآن وقواعد اللِّسَان، وَجَاء فِي تَقْرِيره بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ أحد مِمَّن سبقه، مِمَّا فتح للمتدبرين فِي كتاب الله - تَعَالَى - بَابا عَظِيما لفهم أسراره وبلاغته، وسهَّل عَلَيْهِم الِانْتِفَاع بِهِ علما وَعَملا، فقد كَانَ اهتمام السَّابِقين منحصراً فِي الْكَشْف عَن الْمُنَاسبَة الَّتِي يَنْتَظِم بهَا الْكَلَام من أَوله إِلَى آخِره، حَتَّى يصير بهَا شَيْئا وَاحِدًا، وقنعوا فِي ذَلِك بِمُجَرَّد بَيَان الْمُنَاسبَة بَينهَا، من غير أَن ينْظرُوا - فِي غَالب أَعْمَالهم - إِلَى أمرٍ عامٍّ شاملٍ يَنْتَظِم بِهِ محتوى الْآيَة أَو السُّورَة، وَلَيْسَ هَذَا التَّقْصِير رَاجعا بِالضَّرُورَةِ إِلَى إهمالهم أَو ضعفهم، بل كَانَ - وَلَا يزَال - لدقة هَذَا الْأَمر وغموضه، وحسبُ السَّابِقين - كَمَا كررنا غير مرةٍ - أَنهم طرقوا الْبَاب، ومهدوا طَرِيق الْبَحْث.. حَتَّى جَاءَ الفراهي ﵀ فَجعل من جدول كَلَامهم فِيهِ بحراً، وَأسسَ لهَذَا الْعلم بنياناً على أصُول راسخة، واستخرج لَهُ فروعاً جَامِعَة، ثمَّ صاغه فِي قالب الْفَنّ المستقل، وَلم يتْرك لمن بعده مجالاً للخبط فِي وَادي الشكوك والحيرة (٢) . وَقد نظم الفراهي قَوَاعِد هَذَا الْعلم، وبيَّن أُصُوله، ودلَّل على أهميته الْبَالِغَة، فِي كِتَابه الْعَظِيم - على صغر حجمه، فَهُوَ فِي ١٢٧ صفحة فَقَط! -

стр. 65

(دَلَائِل النظام) (١) .. وَقد ركز فِيهِ على توضيح أمرٍ مُهِمّ، وَهُوَ التَّفْرِقَة بَين (التناسب) و (النظام) ، وَأَن مَا يعنيه من (النظام) لَيْسَ مُجَرّد تناسب، ... وَفِي ذَلِك يَقُول: ((قد صنف بعض الْعلمَاء فِي تناسب الْآي والسور، وَأما الْكَلَام فِي نظام الْقُرْآن، فَلم أطَّلع عَلَيْهِ، وَالْفرق بَينهمَا: أَن التناسب إِنَّمَا هُوَ جزءٌ من النظام، فَإِن التناسب بَين الْآيَات بَعْضهَا مَعَ بعض لَا يكْشف عَن كَون الْكَلَام شَيْئا وَاحِدًا مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ، وطالب التناسب رُبمَا يقنع بمناسبة مَا، فَرُبمَا يغفُل عَن الْمُنَاسبَة الَّتِي يَنْتَظِم بهَا الْكَلَام فَيصير شَيْئا وَاحِدًا، وَرُبمَا يطْلب الْمُنَاسبَة بَين الْآيَات المتجاورة مَعَ عدم اتصالها، فَإِن الْآيَة التالية رُبمَا تكون مُتَّصِلَة بِالَّتِي قبلهَا على بُعدٍ مِنْهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لما عجز الأذكياء عَن إِدْرَاك التناسب، فأنكروا بِهِ، فَإِن (١) طبع الْكتاب طبعته الأولى - والوحيدة حَتَّى الْآن ﴿- بعد وَفَاة الفراهي، بعناية السَّيِّد بدر الدّين الإصلاحي مدير الدائرة الحميدية فِي عَام ١٣٨٨? - ١٩٦٨م، وَقد اجْتهد الإصلاحي فِي جمع أُصُوله من أوراق الشَّيْخ، فقد كَانَ أَوله فَقَط (من ١: ١٠) مُرَتبا، وَمَا عدا ذَلِك كَانَ موزَّعاً فِي صُورَة بطاقات وإشارات، فَقَامَ بجمعها وترتيبها حسب مَا رَآهُ مناسباً لموضوع الْكتاب، وَلذَلِك فَإِن فِي كثير من الْمَوَاضِع مِنْهُ نقطاً متجاورة تُشِير إِلَى وجود بَيَاض بِالْأَصْلِ، حَيْثُ انْتهى قلم الشَّيْخ، وَقطع الْكِتَابَة لسَبَب أَو لآخر.. وَلذَلِك يَقُول السَّيِّد الإصلاحي فِي مقدمته: ((.. فَلَا غرو إِن كَانَ فِيهِ شَيْء من الْإِجْمَال والإبهام.. فَلذَلِك يَنْبَغِي لمن درس هَذَا الْكتاب ألَاّ يمر عَلَيْهِ كَالرِّيحِ العاصف، أَو الْبَرْق الخاطف﴾ .. بل يقف على كل سطر مِنْهُ، ويتفكر فِيهِ.. عَسى أَن يجده فصلا مُسْتقِلّا)) (ص ٦) .. وَهُوَ على حَالَته هَذِه عظيمُ النَّفْع، جليل الْقدر، حقيقٌ بِأَن يفتح آفاقاً جَدِيدَة من التَّأَمُّل والتدبر فِي كتاب الله الْعَزِيز، من شَأْنهَا - أعنى هَذِه الْآفَاق المشْرَعة - أَن تجدّد صلتنا بِهِ، وتعظم انتفاعنا مِنْهُ..

стр. 66

عدم الِاتِّصَال بَين آياتٍ متجاورةٍ يُوجد كثيرا، وَمِنْهَا مَا ترى فِيهِ اقتضاباً بيِّناً، وَذَلِكَ إِذا كَانَت الْآيَة - أَو جملةٌ من الْآيَات - مُتَّصِلَة بِالَّتِي على بُعدٍ مِنْهَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فمرادنا بالنظام أَن تكون السُّورَة كَامِلا وَاحِدًا، ثمَّ تكون ذَات مُنَاسبَة بالسورة السَّابِقَة واللاحقة، أَو بِالَّتِي قبلهَا أَو بعْدهَا على بُعدٍ مِنْهَا. (...) فَكَمَا أَن الْآيَات رُبمَا تكون مُعْتَرضَة؛ فَكَذَلِك رُبمَا تكون السُّورَة مُعْتَرضَة، وعَلى هَذَا الأَصْل نرى الْقُرْآن كلَّه كلَاما وَاحِدًا، ذَا مُنَاسبَة وترتيب فِي أَجْزَائِهِ، من الأول إِلَى الآخر، فَتبين مِمَّا قدمنَا أَن النظام شئٌ زائدٌ على الْمُنَاسبَة وترتيب الْأَجْزَاء)) (١) . والفراهي فِي سَبِيل معرفَة النظام - على هَذِه الْكَيْفِيَّة الَّتِي بيَّن - يسْعَى إِلَى اسْتِخْرَاج مَا سَمَّاهُ (عَمُود) كل سُورَة، وَهُوَ يعْنى بِهِ العنوان الرئيس للسورة من الْقُرْآن، فمعرفته تُؤدِّي، من ثَمّ إِلَى معرفَة نظام الْقُرْآن كلِّه، وَهُوَ فِي استخراجه لَا يعْتَمد كثيرا على حشد الْأَقَاوِيل وَالرِّوَايَات الَّتِي تملأ كتب التَّفْسِير، بل يعمد - مُبَاشرَة - إِلَى تدبُّر الْقُرْآن، وَالنَّظَر فِي مَعَانِيه وأهدافه نظر المطلع الْخَبِير؛ ليهديه هَذَا التَّأَمُّل المجرَّد إِلَى معرفَة العمود، وَمن ثَمَّ النظام (٢) . وَهُوَ يصرِّح بصعوبة هَذِه العملية المعرفية لاستخراج (عَمُود السُّورَة) ، وَذَلِكَ حَتَّى يبْعَث طَالبه إِلَى بذل غَايَة وَسعه فِي محاولة تحديده.. وَفِي ذَلِك

стр. 67

يَقُول: ((اعْلَم أَن تعْيين عَمُود السُّورَة هُوَ إقليدٌ لمعْرِفَة نظامها.. وَلكنه أصعب المعارف، وَيحْتَاج إِلَى شدَّة التَّأَمُّل والتمحيص، وترداد النّظر فِي مطَالب السُّورَة المتماثلة والمتجاورة، حَتَّى يلوح العمود كفلق الصُّبْح، فتضيء بِهِ السُّورَة كلُّها، ويتبين نظامُها، وَتَأْخُذ كل آيَة محلهَا الْخَاص، وَيتَعَيَّن من التأويلات المحتملة أرجحها)) (١) . ثمَّ يعدِّد بعد ذَلِك أهم أَسبَاب صعوبة مثل هَذَا الْبَحْث، وَالَّتِي يُمكن تلخيصها فِي كَون الْقُرْآن نزل متشابهاً مثاني، وَأَن الْكتاب نزل بالحكمة الَّتِي لَا تتأتى بِمُجَرَّد إِلْقَاء المعارف.. بل بإعمال الْفِكر وَالْعقل، ثمَّ كَون مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن من نِهَايَة الإيجاز هُوَ مدَار إعجازه (٢) .. ثمَّ يتَكَلَّم الفراهي بعد ذَلِك عَن نظم السُّور بَعْضهَا مَعَ بعض، بعد أَن يذكر (عَمُود) كلٍّ مِنْهَا إِجْمَالا، فعلى سَبِيل الْمِثَال: يذكر أَن سُورَة الْفَاتِحَة كالديباحة لِلْقُرْآنِ، فَفِيهَا مَفَاتِيح لجَمِيع مَا فِيهِ، وَسورَة الْبَقَرَة هِيَ سُورَة الْإِيمَان الْمَطْلُوب؛ وَلذَلِك جمعت دلائله، وَسورَة آل عمرَان سُورَة الْإِسْلَام، وَهُوَ طَاعَة النَّبِي (، وَسورَة النِّسَاء كالرِّدْء لصورة الْإِسْلَام، بِمَا تبين من كَون الشَّرِيعَة رَحْمَة على النَّاس كَافَّة، وَسورَة الْمَائِدَة تركِّز على بِنَاء الْإِسْلَام على الْعَهْد الإلهي، بِذكر أواسط الْعَهْد ونهايته، وَأما سُورَة الْأَنْعَام، فعمودها بيانُ موقع الْأَحْكَام من عهد التَّوْحِيد، لسدِّ أَبْوَاب الشّرك.. وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي من سور الْقُرْآن الْمِائَة والأربع عشر، فِي إيجاز دالٍّ، وعبارةٍ محكمَة (٣) .

стр. 68

وعَلى كلٍّ.. فمعرفة النظام والربط عِنْد الفراهي تعدل معرفَة نصف الْقُرْآن، فَمن فَاتَهُ النظام والربط فَاتَهُ شيءٌ كثيرٌ من فهم روح الْقُرْآن.. فبالنظام يتَبَيَّن سمتُ الْكَلَام - كَمَا يَقُول ﵀ وَالِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ والاستفادة مِنْهُ موقوفةٌ على فهمه، وَالْكَلَام لَا يُمكن فهمه إِلَّا بِالْوُقُوفِ على تركيب أَجْزَائِهِ، وَبَيَان تناسب بَعْضهَا بِبَعْض؛ لِأَن الِاطِّلَاع على المُرَاد من مَعَاني الْأَجْزَاء لَا يتأتَّى إِلَّا بعد الْوُقُوف على النَّاحِيَة التأليفية، فَلَا يَسْتَطِيع أحدٌ أَن يَسْتَفِيد من كتابٍ وَينْتَفع بِهِ دون أَن يفهمهُ، وَلنْ يفهمهُ حَتَّى يدْرك الروابط بَين أَجْزَائِهِ ومواقع كلٍّ مِنْهَا.. على أَن البقاعي كَانَ يقدم لكلِّ سُورَة من سور الْقُرْآن بمقدمةٍ مُجملةٍ، ثمَّ يَضَعهَا تَحت اسمٍ جامعٍ لكل عناصر السُّور وَتَحْت غرضٍ واحدٍ. معرفَة النظام ووحدة الْمُسلمين: سبق مَعنا فِي المبحث الثَّانِي (عِنْد الْكَلَام عَن موقع علم الْمُنَاسبَة من عُلُوم الْقُرْآن) أَن أشرتُ إِلَى ملمحٍ مهمٍ جدا يُمَيّز تنَاول الشَّيْخ الفراهي لقضية التناسب والنظام فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَهُوَ اهتمامه الموفَّق بالربط بَين غَفلَة الْمُسلمين عَن قَضِيَّة النظام والترابط فِي الْقُرْآن وَبَين حَالهم المحزن الَّذِي هم عَلَيْهِ، من التشيُّع والتحزُّب، وَالْخلاف الْقَاتِل فِيمَا بَينهم، وَفِي ذَلِك يَقُول - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -: ((.. إِن الخلافات الَّتِي جدَّت فِي الْأمة الإسلامية، وأثارت بَينهَا الْعَدَاوَة والبغضاء نتيجة عدم اعتناء الْعلمَاء بالنظم القرآني، وَعدم معرفتهم إِيَّاه، فَلَو فَهموا النظام، لفهموا روح الْقُرْآن، وحاولوا إِزَالَة هَذِه الخلافات لَا إشعال نيرانها كَمَا يَفْعَلُونَ، فَإِنِّي رَأَيْت جُلَّ اخْتِلَاف الآراء فِي التَّأْوِيل من عدم الْتِزَام رِبَاط الْآيَات، فَإِنَّهُ لَو ظهر النظام، واستبان لنا عَمُود الْكَلَام، لجُمعنا تَحت رايةٍ

стр. 69

واحدةٍ وكلمةٍ سَوَاء، كشجرةٍ طيبةٍ أَصْلهَا ثابتٌ وفرعها فِي السَّمَاء، وجُعلنا معتصمين بِحَبل كِتَابه، كَمَا قَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمرَان /١٠٣) وَكَيف الْخَلَاص من التفرُّق الْأَصْلِيّ وَقد جعلُوا هَذَا الْحَبل أشتاتاً فِي ظنونهم، وَهُوَ بِحَمْد الله متين.. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت/٤٢) فيؤوله كلُّ فريقٍ حسب ظَنّه، ويحرف طَرِيق الْكَلَام عَن سمته -؟ ﴿)) ثمَّ يَقُول الشَّيْخ: ((.. فبالنظام يتَبَيَّن سمْتُ الْكَلَام، فتنتفي عَن آيَاته أهواءُ المبتدعين، وانتحالُ المبطلين، وزيغُ المنحرِّفين..)) (١) ثمَّ يَقُول فِي نفس المجال أَيْضا: ((.. إِنَّه لَا يخفى أَن نظم الْكَلَام بعضٌ مِنْهُ، فَإِن تركته ذهب مَعْنَاهُ، فَإِن للتركيب معنى زَائِدا على أشتات الْأَجْزَاء، فَمن حُرِم فهم النظام، فقد حُرِم حظاً من الْكَلَام، ويوشك أَن يشبه حَاله بِمن قبله من أهل الْكتاب، كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم: ﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .. وأخاف أَن تكون هَذِه الْعَدَاوَة والبغضاء الَّتِي نرَاهَا فِي الْمُسلمين من هَذَا النسْيَان، فَلَا تهدأ عداوتهم، وَلَا يرجعُونَ من اخْتلَافهمْ. وَسبب ذَلِك مَا ذكرنَا فِي الْأَمر الأول؛ لأنَّا إِذا اخْتَلَفْنَا فِي مَعَاني كَلَامه، اخْتلفت أهواؤنا، وصرنا مثل أهل الْكتاب..غير أَن رجاءهم كَانَ بِهَذَا النَّبِي، وَهَذَا الْقُرْآن الَّذِي يرفع اخْتلَافهمْ.. وَأما نَحن فَلَيْسَ لنا إِلَّا هَذَا الْكتاب الْمَحْفُوظ﴾ )) (٢) . وَفِي الْجُمْلَة.. فمعرفة نظام الْقُرْآن عِنْد الفراهي هُوَ الْوَسِيلَة الصَّحِيحَة

стр. 70

لتدبُّر الْقُرْآن (١) . والتدبُّر هُوَ الَّذِي يفتح بَابا للهدى وَالتَّقوى، فَإِن النَّفس بِالْهدى تستبصر، وبالتقوى تتزكى، وَالْإِيمَان مَعَ شعبه العلمية يدْخل فِي الْهدى، والشرائع والأخلاق وَالْأَحْوَال تدخل فِي التَّقْوَى - كَمَا يَقُول (٢) وَقد ذكر الفراهي ضمن الْحَاجَات الداعية إِلَى معرفَة النّظم: ((أننا وقعنا فِي اختلافات شَدِيدَة فِي تَأْوِيل الْقُرْآن، ثمَّ اخْتلفت عقائدنا وقلوبنا وأُلفتنا، والنَّظم يرد الْأُمُور إِلَى الوَحْدة، وينفي تشاكس الْمعَانِي. والاتفاق والائتلاف أعظم مَطْلُوب للنيل إِلَى أَعلَى مدارج الإنسانية)) (٣) .. وكلُّ ذَلِك مضمن فِي نظام الْقُرْآن الَّذِي يهدي إِلَيْهَا جَمِيعًا، فبمراعاة هَذَا النظام يُمكن أَن نستفيد بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم، وَيرد إِلَيْنَا وحدتنا الَّتِي فقدناها باختلافنا فِي العقائد والأعمال، لتجتمع الْأمة كلُّها فِي صعيدٍ واحدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الْأَنْبِيَاء /٩٢) . وَهَكَذَا ندرك أهمية كَلَام الفراهي فِي هَذَا الشَّأْن ومدى ارتباطه بواقعنا المعيش.. مِمَّا يجدر بِنَا أَن نراجعه مرَارًا، لَعَلَّ الله - تَعَالَى - يَأْتِي بِالْفَتْح والوَحْدة من عِنْده، فتستعيد أمتُنا مكانتها الَّتِي تراجعت عَنْهَا بتفريطها فِي كتابها، وتسترد مجدها الَّذِي كَانَ.. وَمَا ذَلِك على الله بعزيز!

стр. 71

الْأُسْتَاذ سيد قطب (١٣٢٤ - ١٣٨٦هـ / ١٩٠٦ - ١٩٦٦ه ـ) ... (٤) الْأُسْتَاذ سيد قطب (١٣٢٤ - ١٣٨٦هـ / ١٩٠٦ - ١٩٦٦م) تَرْجَمته: ولد سيد قطب إِبْرَاهِيم فِي إِحْدَى قرى مُحَافظَة أسيوط بصعيد مصر فِي ٩/١٠/١٩٠٦م. وَنَشَأ نشأة دينية، حَيْثُ حفظ الْقُرْآن الْكَرِيم كَامِلا وَهُوَ فِي نِهَايَة الصَّفّ الرَّابِع الابتدائي (وَكَانَ فِي الْعَاشِرَة من عمره) . وَبعد إِتْمَامه دراسته الابتدائية الْتحق بمدرسة المعلمين الأولية، وَحصل مِنْهَا على إجَازَة الْكَفَاءَة بتفوق، مِمَّا أَهله للالتحاق بتجهيزية دَار الْعُلُوم، وَمن ثمَّ بدار الْعُلُوم ذَاتهَا، الَّتِي حصل مِنْهَا على الْإِجَازَة الْعَالِيَة (الليسانس) فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وآدابها عَام ١٩٣٣م. وَفِي دَار الْعُلُوم درس سيد قطب الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعربية، والمنطق وَالْكَلَام والفلسفة، واللغتين العبرية والسريانية، والتاريخ، والاقتصاد السياسي.. وَغير ذَلِك. وَبعد تخرجه عيِّن مدرساً فِي وزارة المعارف، ثمَّ تنقل بَين إدارات الوزارة، حَتَّى استقال مِنْهَا نهائياً فِي١٨/١٠/١٩٥٢م وَكَانَ سيد قطب مُنْذُ شبابه الأول شَاعِرًا موهوباً، وكاتباً متميزاً فِي فن الْمقَالة، حَيْثُ كتب فِي مُعظم الصُّحُف والمجلات الثقافية والأدبية والسياسية الَّتِي كَانَت تصدر فِي مصر فِي تِلْكَ الفترة، كَمَا أَنه حاول إصدار عددٍ من المجلات الثقافية، إِلَّا أَن أياً مِنْهَا لم يسْتَمر طَويلا. وَكَانَت لَهُ صلات قَوِيَّة بأدباء ومثقفي عصره، وَكَانَ لَهُ حُضُور بارز فِي الساحة الثقافية عُمُوما. وَكَانَت بداية اتِّصَاله بحركة (الإخوان الْمُسلمُونَ) فِي أَوَاخِر سنة ١٩٥٠م، حَتَّى انْضَمَّ إِلَيْهَا بِصُورَة كَامِلَة فِي مطلع عَام ١٩٥٣م، لتأْخذ

стр. 72

توجهاته الإسلامية - الَّتِي تخللت مسيرته الثقافية والأدبية مُنْذُ ثلاثينيات الْقرن الْعشْرين - وجهة حركية، أدَّت إِلَى اعتقاله عشر سنوات (١٩٥٤ - ١٩٦٤) ، ثمَّ أفرج عَنهُ بِعَفْو صحي - لانهيار صِحَّته الحاد فِي السجْن -، لتمرَّ بضعَة أشهر قبل أَن يُعَاد إِلَى السجْن مرّة أُخْرَى فِي صيف ١٩٦٥، وَهُوَ الاعتقال الَّذِي انْتهى بإعدامه فِي صباح يَوْم الِاثْنَيْنِ ١٣ جُمَادَى الأول ١٣٨٦هـ، الْمُوَافق ٢٩ أغسطس ١٩٦٦م ﵀ (١) . وعَلى امتداد نَحْو أَرْبَعِينَ عَاما أصدر سيد قطب سِتَّة وَعشْرين كتابا مطبوعاً، بِالْإِضَافَة إِلَى عددٍ كَبِير من المقالات والدراسات الَّتِي لم تجمع من بطُون الصُّحُف والمجلات، وبالإضافة كَذَلِك إِلَى عددٍ من الْكتب أعلن عَنْهَا وَلم يكملها، أَو أكملها وفقدت مِنْهُ بِسَبَب محنته. وأهم هَذِه الْكتب على الْإِطْلَاق تَفْسِيره الشهير (فِي ظلال الْقُرْآن) بِالْإِضَافَة إِلَى عدد من الْكتب الَّتِي أثارت - وَلَا تزَال - جدلاً وَاسِعًا حول أفكاره وفهمها، وأبرزها على الْإِطْلَاق كِتَابه الصَّغِير (معالم فِي الطَّرِيق) . دراساته القرآنية: صلَة سيد قطب بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم قديمَة.. فقد بدأت مُنْذُ طفولته، حَيْثُ نَشأ مُنْذُ نعومة أَظْفَاره على الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ من وَالِده وَمن المذياع، ثمَّ بَدَأَ حفظه، حَتَّى أتمه وَهُوَ فِي الْعَاشِرَة من عمره - كَمَا ذكرنَا -.. وَكَانَ مِفْتَاح تَأْثِير الْقُرْآن فِي نَفسه هُوَ (الْمِفْتَاح الجمالي) ، وروعة التَّصْوِير فِيهِ - كَمَا يذكر د. صَلَاح (١) اعتمدت فِي تكوين هَذِه التَّرْجَمَة الموجزة جدا على كتاب الدكتور صَلَاح عبد الفتاح الخالدي: سيد قطب.. الأديب النَّاقِد، والداعية الْمُجَاهِد، والمفكر الْمُفَسّر الرائد (سلسلة أَعْلَام الْمُسلمين، رقم (٨١) ، دَار الْقَلَم - دمشق، ط١ / ١٤٢١هـ - ٢٠٠٠ م.

стр. 73

الخالدي وَغَيره من دارسي سيد قطب -.. حَيْثُ كَانَ أديباً ذواقة بالطبع، يحسن التذوق، ويبالغ فِي التخيُّل.. حَتَّى إِنَّه كَانَ يرسم صوراً فنية متكاملة لما يقْرَأ من آيَات الْقُرْآن أَو يستمع مِنْهَا.. كَمَا ذكر ذَلِك بِنَفسِهِ فِي كِتَابه الماتع (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن) .. وَكَانَ يحس - بذائقته الأدبية الْعَالِيَة تِلْكَ - أَن لِلْقُرْآنِ طَريقَة خَاصَّة فِي عرض مُخْتَلف مَوْضُوعَاته، وَأَنه يكَاد يجسِّم صوراً حَيَّة متحركة من خلال أساليبه الباهرة. وَقد بقيت هَذِه العلاقة الْخَاصَّة مَعَ الصُّور الفنية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي نَفسه، حَتَّى عبر عَنْهَا فِي مقالين بعنوان (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن الْكَرِيم) (١) .. ثمَّ لم يلبث أَن عمل تطويرهما فِي كِتَابه البديع (التَّصْوِير الفني فِي الْقُرْآن) وَالَّذِي صدرت طبعته الأول فِي الْقَاهِرَة - عَن دَار المعارف - عَام ١٩٤٥م. وَقد اهتم فِي هَذَا الْكتاب - ضمن مَا اهتم بِهِ - بموضوع التناسق الفني فِي الْقُرْآن. وأوضح أَن من أهم ألوان التناسق هُوَ ذَلِك التسلسل الْمَعْنَوِيّ بَين الْأَغْرَاض فِي سِيَاق الْآيَات، وَكَذَلِكَ التناسب فِي الِانْتِقَال من غَرَض إِلَى غَرَض. وَإِن كَانَ يعيب، فِي أثْنَاء ذَلِك، على بَعضهم التمحُّل لإبراز هَذَا التناسق تمحُّلاً لَا ضَرُورَة لَهُ، حَتَّى إِنَّه ليصل - على حدّ تَعْبِيره - إِلَى حدٍّ من التَّكَلُّف، لَيْسَ الْقُرْآن فِي حَاجَة إِلَى شَيْء مِنْهُ (٢) . كَمَا أَشَارَ فِيهِ إِلَى استفادته مِمَّن حاولوا تبين هَذَا الملمح المهم فِي إعجاز الْقُرْآن، لَا سِيمَا جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ، الَّذِي قَالَ عَن محاولته تلمُّس ذَلِك فِي

стр. 74

آيَات سُورَة الْفَاتِحَة: ((.. فَهَذَا - أَي كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي آيَات الْفَاتِحَة - نوعٌ من التَّوْفِيق فِي تَصْوِير التناسق النَّفْسِيّ بَين الأحاسيس المتتابعة المنبعثة من تتَابع الْآيَات. وَهُوَ لون من ألوان التناسق الأولية فِي الْقُرْآن)) .. وَرَغمَ ذَلِك، يُؤَكد على ضَرُورَة اجْتِنَاب التَّكَلُّف فِي محاولة إبرازه.. وَيَقُول: ((.. وَلَقَد حاول بعض الْمُفَسّرين أَن يعثروا على مَوَاضِع من هَذَا التناسق؛ فَلم يصلوا إِلَّا للترابط الْمَعْنَوِيّ فِي بعض الْمَوَاضِع دون بَعْضهَا الآخر، وَدون الاهتداء إِلَى قَاعِدَة شَامِلَة. ثمَّ إِنَّهُم فِي أحيان كَثِيرَة، يتمحلون ذَلِك تمحُّلاً شَدِيدا!)) (١) . وَلذَلِك؛ فقد حاول سيد قطب فِي كِتَابه هَذَا أَن يعرض لمسائل التناسق - بألوانه المتنوعة الَّتِي فصَّلها - بروحٍ متحررة عَن التَّقْلِيد والتكلف مَعًا، فوفق فِي كثير مِمَّا حاول تَوْفِيقًا ظَاهرا، مِمَّا جعل من كِتَابه هَذَا مصدرا من أهم المصادر الَّتِي تعرضت لهَذِهِ الْقَضِيَّة الدقيقة فِي مجَال بَيَان إعجاز الْقُرْآن. وَقد عمل على تطبيق مَا قَرَّرَهُ فِي كِتَابه هَذَا فِي كِتَابه الَّذِي تلاه (مشَاهد الْقِيَامَة فِي الْقُرْآن) (صدرت طبعته الأولى فِي الْقَاهِرَة، فِي أبريل من عَام ١٩٤٧م) وَالَّذِي هدف فِيهِ إِلَى بَيَان التناسق الفني البديع فِي الْآيَات الَّتِي تناولت وصف يَوْم الْقِيَامَة ومشاهده فِي طول الْقُرْآن وَعرضه، بعد أَن رتَّب السُّور الَّتِي وَردت فِيهَا هَذِه الْمشَاهد بِحَسب تَرْتِيب النّزول.. وَأما إنجازه الأهم فِي هَذَا السِّيَاق، فقد كَانَ فِي عمله الْأَعْظَم (فِي ظلال الْقُرْآن) . (فِي ظلال الْقُرْآن) .. والتناسب: بَدَأَ سيد قطب فِي كِتَابَة تَفْسِيره هَذَا فِي نِهَايَة ١٩٥١م، عبر سبع حلقات نشرها مسلسلة فِي مجلة (الْمُسلمُونَ) الَّتِي كَانَ يصدرها الْأُسْتَاذ سعيد رَمَضَان

стр. 75

أحد قادة الإخوان الْمُسلمين (١) .. ثمَّ بدا لَهُ أَن يكمل تأملاته فِي الْقُرْآن فِي شكل عملٍ متكامل، ظهر جزؤه الأول فِي أكتوبر ١٩٥٢م، وأصدر مِنْهُ سِتَّة عشر جُزْءا قبل أَن يسجن سجنه الأول، ويكمل الْأَجْزَاء المتبقية فِي السجْن (فِي نِهَايَة الخمسينيات) .. ثمَّ نظر سيد فِي عمله - بعد أَن تكاملت صورته، وصدرت طبعته الأولى - وَأعَاد تَنْقِيح ثَلَاثَة عشر جُزْءا مِنْهُ (حَتَّى آخر سُورَة إِبْرَاهِيم) ، وَأعَاد كتَابَتهَا فِي ضوء خبرته وتجربته فِي الْعَمَل الإسلامي، وَحَال اعتقالُه الثَّانِي ثمَّ إعدامه دون إِكْمَال تَنْقِيح بَقِيَّة الْأَجْزَاء (٢) . وَقد تحدث فِي مُقَدّمَة الطبعة الأولى من (الظلال) عَن قصَّة تَأمله فِي كتاب الله، وقصة كِتَابَته هَذِه الظلال.. وَمِمَّا يهمنا فِي سياقنا الَّذِي نَحن فِيهِ قَوْله: ((.. كل مَا حاولته ألَاّ أغرق نَفسِي فِي بحوث لغوية أَو كلامية أوفقهية تحجب الْقُرْآن عَن روحي، وتحجب روحي عَن الْقُرْآن. وَمَا استطردت إِلَى غير مَا يوحيه النصُّ القرآني ذَاته، من خاطرة روحية أَو اجتماعية أَو إنسانية.. وَمَا أحفل الْقُرْآن بِهَذِهِ الإيحاءات! كَذَلِك.. حاولت أَن أعبِّر عَمَّا خالج نَفسِي من إحساس بالجمال الفني العجيب فِي هَذَا الْكتاب المعجز، وَمن شعورٍ بالتناسق فِي التَّعْبِير والتصوير..)) (٣) . وَمن هَذَا النَّقْل يظْهر اهتمام سيد قطب الْأَصْلِيّ بموضوع التناسق، وعدُّه إِيَّاه باعثاً من أهم البواعث الَّتِي دَفعته إِلَى تسجيل أفكاره تِلْكَ..
следующие страницы →