← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة شرح كتاب التوحيد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه: هذا شرح لكتاب التوحيد، شرحته في مجالس متصلة في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية بحي سلطانة في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وقد فرغ من الأشرطة المسجلة وأصلحت بعض الألفاظ بما يناسب المكتوب، فلم أقصد إلى تأليف شرح، ولذلك فإني أرغب من المحققين في مقاصد التأليف أن يغضوا الطرف عما قد يرد في الشرح من عدم استيعاب أو علو عبارة، والله أسأل أن يجزي مؤلف الأصل الجد الإمام محمد بن عبد الوهاب خير الجزاء عن أهل السنة لقاء ما قرب لهم من علوم الكتاب والسنة، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما. صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

стр. 2

- أ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي بعث عباده المرسلين بتوحيده، وأقام بهم الحجة على عبيده، فاتفقوا أولهم وآخرهم على توحيده وتفريده، ونبذ الشرك وتنديده، وأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون من سواه، وعبادة غيره - كائنا من كان - باطلة؛ فإنه ما عُبد غير الله إلا بالبغي، والظلم، والعدوان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تأكيدا بعد تأكيد؛ لبيان مقام التوحيد، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد: - فهذا الكتاب - كتاب التوحيد - من مؤلفات الإمام المصلح المجدد شيخ الإسلام والمسلمين، محمد بن عبد الوهاب، وهو- ﵀ غني عن التعريف؛ لما جعل الله - جل وعلا - لدعوته من أثر ظاهر النفع في جميع أنحاء الأرض: شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، ولا غرو في ذلك فإن دعوته- ﵀ إحياء لدعوة محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة والسلام-. وكتاب التوحيد- الذي نحن بصدد شرحه - كتاب عظيم جدا، أجمع علماء التوحيد، على أنه لم يصنف في الإسلام في موضوعه مثله، فهو كتاب وحيد وفريد في بابه، لم ينسج على منواله مثله؛ لأن المؤلف ﵀ طرق في هذا الكتاب مسائل توحيد العبادة، وما يضاد ذلك التوحيد، من أصله، أو يضاد كماله، فامتاز الكتاب بسياق أبواب توحيد العبادة

стр. 3

- ب - مفصلة، مُدَلَّلَةً، وعلى هذا النحو، بتفصيل، وترتيب، وتبويب لمسائل التوحيد، لم يوجد من سبق الشيخ إلى ذلك، فحاجة طلاب العلم إليه، وإلى معرفة معانيه ماسة؛ لما اشتمل عليه من الآيات، والأحاديث، والفوائد. وقد شبه بعض العلماء هذا الكتاب بأنه قطعة من صحيح البخاري ﵀ وهذا ظاهر، ذلك أن الشيخ ﵀ نَسَج كتابه هذا نَسْج الإمام البخاري صحيحه من جهة أن التراجم التي يعقدها، تحتوي على آية وحديث - غالبا - والحديث والآية على الترجمة، وما بعدها مفسِّرٌ لها، وكذلك ما يسوقه ﵀ من كلام أهل العلم من الصحابة، أو التابعين، أو أئمة الإسلام، هو نسق طريقة الإمام أبي عبد الله البخاري ﵀ فإنه يسوق أقوال أهل العلم في بيان المعاني. وهذا الكتاب صنفه إمام الدعوة ابتداء في البصرة لمَّا رحل إليها، وكان الداعي إلى تأليف ما رأى من شيوع الشرك بالله ﷻ ومن ضياع مفهوم التوحيد الحق عند بعض المسلمين، وما رآه عندهم من مظاهر الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي، فابتدأ في البصرة جمع هذا الكتاب، وتحرير الدلائل لمسائله، ذكر ذلك تلميذه، وحفيده الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀ في "المقامات"، ثم إن الشيخ لمَّا قدم نجدا حرر الكتاب، وأكمله، فصار كتابه هذا - بحق- كتاب دعوة إلى التوحيد الحق؛ لأن الشيخ ﵀ بين فيه أصول دلائل التوحيد، وبين فيه معناه وفصله، كما بين فيه ما يضاده، والخوف مما يضاده، وبين - أيضا- أفراد توحيد العبادة، وأفراد

стр. 4

- ج - توحيد الأسماء والصفات إجمالا، واعتنى ببيان الأكبر والأصغر وصورهما، والذرائع المؤدية إليهما، وبيَّن ما يُحْمى به التوحيد، والوسائل إلى ذلك، وبين أيضا شيئا من أفراد توحيد الربوبية. فـ "كتاب التوحيد" كتاب عظيم النفع جدا، جدير بأن يعنى به عناية حفظ، ودرس، وتأمل؛ فالعبد محتاج إليه للعمل به، ولتبليغ ما فيه من العلم لمن وراءه من الناس، سواءً أكانوا في المسجد، أم في البيت، أم في مقر عمله، أم في أي جهة أخرى. والمقصود: أن مَن فهم هذا الكتاب فقد فهم أكثر مسائل توحيد العبادة، بل يكون قد فهم جل مسائله وأغلبها. وقد كنت نظرت في الكيفية التي ينبغي أن يشرح بها هذا الكتاب، وطريقة ذلك؛ لأن الكتاب - كما يُعلم - طويل لا يمكن استيعاب شرحه شرحا متوسطا أو مبسوطا في نحو ثمانية عشر مجلسا، فتأملت منهج العلماء الذين شرحوه، فوجدت شروحهم: ما بين بسيط، ووجيز، ووسيط، فرأيت أن يقتصر الشرح على ذكر الفوائد التي يكثر التباسها على طلبة العلم، مع بيان مناسبة الآي والأحاديث للترجمة، وإبراز وجه الاستدلال من الآية أو من الحديث على المقصود، وذكر شيء من تقرير الحجاج مع الخصوم في هذه المسائل، ربما لا يطالعه كثير من طلبة العلم في الشروح. وهذه الطريقة التي سنسلكها: طريقة مختصرة، سوف نأتي بها- إن شاء الله-على الكتاب كله، مع عدم الإخلال بإفهامه، وعدم الإقلال من معانيه، ونسأل الله تعالى المدد، والإعانة، والتوفيق.

стр. 5

[كتاب التوحيد] (كتاب التوحيد) قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الآية [النحل: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية [الإسراء: ٢٣] ، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] الآيات [الأنعام: ١٥١] . قال ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى قوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية» (١) . وعن معاذ بن جبل ﵁ قال «كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] جرت عادة المصنفين والمؤلفين، أن يضعوا بعد البسملة والحمدلة خطبة للكتاب، يبينون فيها طريقتهم فيه، ومرادهم من تأليفه، وهاهنا سؤال معروف، وهو: لماذا خالف الشيخ ﵀ طريقة المصنفين فلم يجعل للكتاب خطبة يبين فيها طريقته، بل قال: " كتاب التوحيد" وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] ، فأخلاه من الخطبة؟ والسبب في ذلك، والسر فيه- فيما يظهر لي- أن التوحيد الذي سيبينه الشيخ ﵀ في هذا الكتاب هو توحيد الله ﷻ ، وتوحيد الله قد بينه الله - جل وعلا- في القرآن، فكان- لذلك - من الأدب في مقام التوحيد ألا يَجعل فاصلا بين الحق والدال على الحق وكلام الدال عليه، فالحق الذي لله هو التوحيد، والذي دل على هذا الحق هو الله ﷻ والدليل عليه هو كلامه، وكلام رسوله ﷺ ، وهذا من لطائف أثر التوحيد في القلب، وهذا كصنيع الإمام البخاري، ﵀ في صحيحه. (٢) إذ لم يجعل لصحيحه خطبة، بل جعل صحيحه مبتدأ بالحديث؛ ذلك أن كتابه كتاب سنة، ومن المعلوم أن من الأدب، أو من مراعاة الأدب: ألا يُتقدَّم بين يدي الله ورسوله، فلم يقدِّم كلامه على كلام

стр. 6

لا يشرك به شيئا ". قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم، فيتكلوا» أخرجاه في الصحيحين (١) . فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه. الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله. ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل. الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة. السادسة: أن دين الأنبياء واحد. السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله. التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف وفيها عشر مسائل. أولها: النهي عن الشرك. العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء. وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7

وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته. الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا. الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم " الله ورسوله أعلم ". العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار، مع الإرداف عليه. الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل. الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] رسوله ﷺ ، فجعل البخاري صحيحه مفتتحا بقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) لأن كتابه كتاب سنة، فجعل كتابه في ابتدائه مبتدأ بكلام صاحب السنة ﵊. وهذا من لطيف المعاني التي يرعاها من نور الله قلوبهم لمعرفة حقه، وحق رسوله ﷺ . قوله: (كتاب التوحيد) التوحيد: مصدر وَحَّدَ يوحِّد توحيدًا، وقد جاء هذا اللفظ (التوحيد) بقلة، وجاء في السنة الدعوة إلى توحيد الله، كما ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله» (٢) فـ "يوحدوا" مصدره " التوحيد "، وفي الرواية الأخرى من حديث ابن عباس ﵄ الذي فيه قصة بعث معاذ إلى اليمن - وهي في الصحيحين - أنه ﷺ قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» (٣) فدل هذا على أن التوحيد هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تحقيق هاتين الشهادتين، هو: تحقيق للتوحيد.

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وتوحيد الشيء: جعله واحدا، تقول: وَحَّدْتُ المتكلم: إذا جعلتَه واحدا، ووحد المسلمون الله: إذا جعلوا المعبود واحدا، وهو الله - جل وعلا-. والتوحيد المطلوب يشمل ما أمر الله- جل وعلا - به في كتابه من توحيده، وهو ثلاثة أنواع: ١ - توحيد الربوبية. ٢ - وتوحيد الألوهية. ٣ - وتوحيد الأسماء والصفات. فأما توحيد الربوبية: فمعناه توحيد الله بأفعاله. وأفعال الله كثيرة، منها: الخلق، والرِّزْق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضُّر، والشفاء، والإجارة كما قال تعالى في التنزيل: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] [المؤمنون: ٨٨] وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله - جل وعلا- فتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله - سبحانه-. وأما توحيد الألوهية: فالألوهية مأخوذة من: ألَه يأْلَه إِلهة وأُلُوهةً: إذا عُبد مع المحبة والتعظيم. يقال: تَأَلَّه إذا عُبد مُعَظَّمًا مُحَبًّا، ففرقٌ بين العبادة والألوهة، فإن الألوهة عبادة فيها المحبة، والتعظيم، والرضا بالحال، والرجاء، والرغب، والرهب، فمصدر أَلَه يأْلَه: أُلُوهة وإلهة؛ ولهذا قيل: توحيد الإلهية، وقيل توحيد الألوهية، وهما مصدران لأَلَه يأْلَه. ومعنى (أَلَه) في لغة العرب: عبد مع المحبة، والتعظيم. والتأَلُّه: العبادة على ذاك النحو، قال الراجز:

стр. 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لله درُّ الغانيات المدَّهِ ... سَبَّحن واسترجعن من تألهِ يعني: من عبادتي، فتوحيد الإلهية، أو توحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، يعني: جَعْل العبادة لواحد، وهو الله ﷻ ، فالعبادة التي يفعلها العبد أنواع، والله - جل وعلا - هو المستحق للألوهة وللعبادة، فهو ذو الألوهة، وهو ذو العبادة على خلقه أجمعين. فـ " توحيد " الألوهية: هو توحيد الله بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرب، فإذا توجه بها لواحد وهو الله- جل وعلا- كان موحدا إياه توحيد الإلهية، وإذا توجه العبد بها لله ولغيره كان مشركا في هذه العبادة. وأما النوع الثالث من التوحيد: فهو توحيد الأسماء والصفات، ومعناه: أن يعتقد العبد أن الله ﷻ واحد في أسمائه وصفاته لا مماثل له فيها، وإن شَرِكَ بعضُ العباد الله -جل وعلا- في أصل بعض الصفات فإنهم لا يَشْرَكُونه -جل وعلا - في كمال المعنى، بل الكمال فيها لله وحده دون من سواه، ومثال ذلك: أن المخلوق قد يكون عزيزا، والله ﷻ هو العزيز، فللمخلوق من صفة العزة ما يناسب ذاته الحقيرة الوضيعة الفقيرة، والله -جل وعلا - له من كمال هذه الصفة منتهى ذلك، ليس له فيها مثيل، وليس له فيها مشابه على الوجه التام، قال -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١] فهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد ذكرها الشيخ-﵀ في هذا الكتاب، لكن لما كانت التصانيف قبله اعتنى فيها العلماء- أعني علماء السنة والعقيدة - ببيان النوعين: الأول، والثالث، وهما توحيد الربوبية وتوحيد

стр. 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الأسماء والصفات، لما اعتنى العلماء بهما لم يبسط الشيخ- ﵀ القول فيهما، وإنما بسط القول فيما الناس أحوج إليه، ويفتقدون التصنيف فيه، وهذه طريقة الإمام ﵀ فإن كتاباته المختلفة، ومؤلفاته المتنوعة: إنما كانت بحسب حاجة الناس إليها، ليست للتكاثر، أو للاستكثار، أو للتفنن، وإنما كتب فيما الناس بحاجة إليه، فلم يكتب لأجل أن يكتب، ولكن كتب لأجل أن يدعو، وبين الأمرين فرق، فالشيخ- إذًا- بيَّن في هذا الكتاب توحيد الإلهية والعبودية، وبين أفراده من: التوكل، والخوف، والمحبة، والرجاء، والرغبة، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، ونحو ذلك، فكل هذه عبادات لله - سبحانه وحده - دون من سواه. ثم إن الشيخ- ﵀ لما بسط ذلك بَيَّنَ أيضا ضده وهو الشرك. فهذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد، فيه بيان توحيد العبادة، والربوبية، والأسماء والصفات، وفيه -أيضا - بيان ضد ذلك، وضد التوحيد: الشرك. والشرك معناه: اتخاذ الشريك، وهو: أن يُجْعَلَ واحدٌ شريكًا لآخر؛ يقال: أشرك بينهما: إذا جعلهما اثنين، أو أشرك في أمره غيره: إذا جعل ذلك الأمر لاثنين: فالشرك فيه تشريك، والله - جل وعلا - نهى عن الشرك، كما سيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله -. وقد بين أهل العلم عند كلامهم عن الشرك: أنه بحسب ما دلت عليه النصوص: يُقسَّم إلى قسمين باعتبار، ويقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار آخر؛ فهو إما أن يقسَّم إلى: شرك أكبر، وشرك أصغر. فهذا باعتبار انقسامه إلى قسمين، أو يقسم إلى شرك أكبر، وشرك أصغر وشرك خفي. فهذا باعتبار انقسامه إلى ثلاثة أقسام.

стр. 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والشرك: هو اتخاذ شريك مع الله- جل وعلا - في الربوبية، أو في العبادة، أو في الأسماء والصفات. والمقصود هنا: النهي عن اتخاذ شريك مع الله - جل وعلا - في العبادة، والأمر بتوحيده - سبحانه-. التقسيم الأول: وهو تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر، فالأكبر: هو المخرج من الملة، والأصغر: ما حكم الشارع عليه بأنه شرك. وليس فيه تنديد كامل يُلْحِقُهُ بالشرك الأكبر، وعبَّر عنه بعض العلماء بقوله: ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، فعلى هذا يكون الشرك الأكبر منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو باطن خفي. فمثال الظاهر من الشرك الأكبر: عبادة الأوثان، والأصنام، وعبادة القبور، والأموات والغائبين. ومثال الباطن: شرك المتوكلين على المشايخ، أو على الآلهة المختلفة، أو كشرك المنافقين؛ لأن المنافقين مشركون في الباطن؛ فشركهم أكبر، ولكنه خفي، أي في الباطن، وليس في الظاهر. وكذلك الشرك الأصغر- على هذا التقسيم- منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو باطن خفي، فمثال الظاهر من الشرك الأصغر: لبس الحلقة، والخيط، وتعليق التمائم، والحلف بغير الله، ونحو ذلك من الأعمال والأقوال. ومثال الباطن الخفي منه: يسير الرياء ونحو ذلك. فيكون الرياء- على هذا التقسيم أيضا- منه ما هو أكبر كرياء المنافقين الذين قال الله في وصفهم: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] [النساء: ١٤٢] ، ومنه: ما يقع فيه بعض المصلين المتصنعين في صلواتهم؛ لأجل نظر الناس إليهم، ومنه ما هو أصغر كمن يحب التسميع أو المراءات.

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] التقسيم الثاني للشرك -وهو جعله ثلاثة أقسام-: أكبر، وأصغر، وخفي، وهذا التقسيم يعني به أن الأكبر: ما كان مخرجا من الملة؛ مما فيه صرف العبادة لغير الله- ﷻ ، والأصغر: ما كان وسيلة لذلك الشرك الأكبر، وفيه تنديد لا يبلغ به أن يخرج من الإسلام، وقد حكم الشارع على فاعله بالشرك، وحقيقة الحال: أنه ندد وأشرك. وأما الشرك الخفي، فهو: كيسير الرياء، ونحو ذلك. وبعض أهل العلم يقول بالتقسيم الأول، ومنهم من يقول بالثاني. والتحقيق أنهما متساويان، أحدهما يوافق الآخر، وليس بينهما اختلاف. فإذا سمعت من يقول: إن الشرك ينقسم إلى أكبر، وأصغر: فقوله هذا صحيح، وإذا سمعت من يقول - وهو قول أئمة الدعوة -: إن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر وخفي: فهذا -أيضا- قوله صحيح. فإذا تبين ذلك، فاعلم أن الشرك يعبر عنه بالتنديد، كما قال - جل وعلا -: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢] ، «وقال النبي ﷺ حينما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك» (١) . فالتنديد منه ما هو تنديد أعظم، ومنه ما هو تنديد أصغر ليس فيه صرف العبادة لغير الله، فإذا كان التنديد بجعل العبادة لغير الله: صار التنديد شركا أكبر، وإذا كان التنديد بجعل غير الله -جل وعلا - ندا لله في عمل، ولم يبلغ ذلك الشرك الأكبر: فإنه يكون تنديدا أصغر، وهو المسمى بالشرك الأصغر،

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فهذه مقدمات، وتعريفات، وتنبيهات، جعلتها بين يدي هذا الشرح لأهميتها، ولمسيس الحاجة إليها. والله أعلم. قال إمام هذه الدعوة ﵀: (كتاب التوحيد) (وقول الله تعالى) . (قول) هذه الكلمة- كما في صحيح البخاري - إما أن تنطقها على العطف، فتقول: كتاب التوحيدِ، وقولِ الله، يعني: وكتاب قول الله، أو تنطقها على الاستئناف، فتقول: وقولُ الله تعالى. قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] ) هذه الآية فيها بيان التوحيد، ووجه ذلك: أن السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بمعنى: إلا ليوحدون (١) ودليل هذا الفهم: أن الرسل إنما بعثت لأجل التوحيد، أعني: توحيد العبادة، فقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يعني: إلا ليوحدون. قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هذه الآية فيها حصر؛ لأن من المعلوم أن (ما) النافية مع (إلا) تفيد الحصر والقصر، فيكون معنى الكلام- على هذا-: أني خلقت الجن والأنس لغاية واحدة هي العبادة دون ما سواها. ففيه قصر علة الخلق على العبادة.

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] و (إلا) هذه أداة استثناء، والاستثناء هنا مفرغ - أي مفرغ من أعم الأحوال كما يقول النحاة - يعني: وما خلقت الجن والإنس لشيء، أو لغاية من الغايات أبدا إلا لغاية واحدة، هي: أن يعبدوني. وقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هذه اللام تسمى لام التعليل، ولام التعليل هذه قد يكون معناها: إما تعليل غاية، أو تعليل علة. فتعليل الغاية: يكون ما بعدها مطلوبا ولكن قد يكون، وقد لا يكون، يعني: هذه الغاية. ويسميها بعض العلماء. لام الحكمة. وفرق بين العلة والحكمة، يُوَضِّحُهُ: إذا قيل: ما الحكمة من خلق الجن والإنس؟ فالجواب: أن يعبدوا الله وحده دون ما سواه فهذا التعليل لقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هو تعليل غاية؛ ولو سألت شخصا -مثلا-: لم أحضرت الكتاب؟ قال لك: أحضرته لأقرأ، كانت علة الإحضار أو الحكمة من الإحضار القراءة فقد يقرأ وقد لا يقرأ بخلاف اللام التي يكون معناها العلة؛ وهي التي يترتب عليها معلولها، والتي يقول العلماء في نحوها: الحكم دائر مع علته وجودا وعدما، فتلك هي علة القياس التي لا يتخلف فيها المعلول عن العلة. فتكون اللام هنا: علة الغاية؛؟ لأن من الخلق من أُوجد، وخلقه الله- جل وعلا- لكن عبد غيره. ولام الحكمة شرعية، ويكون ما بعدها مطلوبا شرعا؛ وقد قال - جل وعلا - هنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فنفهم من هذا:

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أن هذه الآية دالة على التوحيد، من جهة أن الغاية من الخلق هي التوحيد، والعبادة هنا هي التوحيد. وحقيقة العبادة: الخضوع والذل، فإذا انضاف إليها المحبة والانقياد صارت عبادة شرعية، قال طرفة في وصف ناقة: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور مُعَبَّد والمور: الطريق، والمعبد: هو الذي ذلل من كثرة وطء الأقدام عليه. وقال أيضا في معلقته: إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المُعَبَّد يعني: الذي صار ذليلا؛ لأنه أصيب بالمرض، فجعل بعيدا عن باقي الأبعرة، فصار ذليلا، لعدم المخالطة. والعبادة شرعا: هي امتثال الأمر والنهي على جهة المحبة والرجاء والخوف. وقال بعض العلماء: إن العبادة هي ما أُمر به من غير اقتضاء عقلي ولا اطراد عرفي. وهذا تعريف الأصوليين. وقال شيخ الإسلام- في بيان معناها في أول رسالة " العبودية"-: العبادة: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة. فتكون دلالة هذه الآية - إذًا-: أن كل فرد من أفراد العبادة يجب أن يكون لله وحده دون ما سواه؛ لأن الذي خلقهم إنما خلقهم لأجل أن يعبدوه، فكونهم يعبدون غيره -وهو الذي خلقهم- يعد من الاعتداء والظلم العظيم؛ لأنه ليس من يخلق كمن لا يخلق؛ كما قال - جل وعلا-: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] [النحل: ١٧] .

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال الشيخ ﵀: وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [النحل: ٣٦] ، هذه الآية تفسير للآية قبلها، فالآية قبلها فيها بيان معنى العبادة، وفيها بيان الغرض من إيجاد الخلق، وأنه لأجل العبادة التي أرسلت بها الرسل بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فالله تعالى ابتعث الرسل بهاتين الكلمتين: اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت. ففي قوله: ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] إثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] نفي، وهذا هو معنى التوحيد المشتمل على إثبات ونفي، فقوله في الآية ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] يتضمن معنى قول: (لا إله إلا الله) ؛ لأن النفي فيه اجتناب الطاغوت- وهو كل إله عُبِد بالبغي والظلم والعدوان -، والإثبات فيه: إثبات العبادة لله وحده دون ما سواه، ففي قوله: ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] التوحيد المثبت، وفي قوله ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] نفي الإشراك. والطاغوت فعلوت من الطغيان، وهو: كل ما جاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع. قال: وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء: ٢٣] (قضى) - كما فسرها عدد من الصحابة هنا -بمعنى: أمر ووصى.

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وأمر ووصى معنى القول دون حروف القول، فتكون (أن) في قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣] مصدرية، يعني: بماذا أمر ووصى؟ بـ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] هذا معنى (لا إله إلا الله) بالمطابقة؛ لأن (لا) نفي في الجملتين، وقال هنا: ﴿تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣] وهي بمعنى (إله) المذكورة في كلمة التوحيد، فالإله هو المعبود. فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] يعني: احصروا العبادة فيه وحده دون ما سواه، فإنه أمر بهذا ووصى به، وهذا هو معنى التوحيد، ودلالة الآية على التوحيد ظاهرة، في أن التوحيد إفراد الله بالعبادة، أو تحقيق كلمة (لا إله إلا الله) . وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] يعني: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. قال: وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [النساء: ٣٦] وهذا- أيضا- فيه أمر ونهي، أما الأمر ففي قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] وأما النهي ففي قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقد مر دلالة قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] مع النفي، على توحيد الله. ثم تأمل قوله هنا: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فإن (لا) هنا ناهية، ومن المتقرر في علم الأصول أن النهي كالنفي، إذا تسلط على نكرة، فإنه يفيد العموم، وما بعد (لا) نكرة وهو المصدر أحد مدلولي الفعل؛ لأن الفعل

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] المضارع مشتمل على مصدر وزمن، فـ ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ [النساء: ٣٦] يعني: لا إشراك به، فـ (تُشْرِكُوا) متضمنة لمصدر، والمصدر نكرة، فيكون قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ [النساء: ٣٦] دل على النهي على أي نوع من الشرك. كما أن قوله- في الآية نفسها -: ﴿شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] نكرة تدل على عموم الأشياء، فصار - عندنا - في قوله تعالى ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] عمومان: الأول: ما دلت عليه الآية من النهي عن جميع أنواع الشرك؛ وذلك لأن النهي تسلط على الفعل، والفعل دال على المصدر، والمصدر نكرة. والثاني: أن مفعول تشرك ﴿شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وهو نكرة، والنكرة جاءت في سياق النهي؛ وذلك يدل على عموم الأشياء، يعني: لا الشرك الأصغر مأذون به، ولا الأكبر، ولا الخفي؛ بدلالة قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ [النساء: ٣٦] وكذلك: ليس مأذونا أن يُشرَك به لا ملك، ولا نبي، ولا صالح، ولا عالم، ولا طالح، ولا قريب، ولا بعيد، بدلالة قوله: ﴿شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وهذا استدلال ظاهر الوضوح في الدلالة على التوحيد: بالجمع بين النفي والإثبات. قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. . .﴾ [الأنعام: ١٥١] [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] يعني: يا من حرم بعض الأنعام، وافترى على الله في ذلك ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال العلماء: (أنْ) هنا تفسيرية ومفسرها محذوف تقديره: وصاكم؛ لأن (أنْ) التفسيرية هي التي تأتي بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه، وإنما قدروا المحذوف بقولهم (وصاكم) ، لأنه جاء في آخر الآي قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال في الآية الثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال في الآية الثالثة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وكل هذه الثلاث فيها التوصية، فيكون تقدير الكلام - إذًا -: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: وصَّاكم ألا تشركوا به شيئا. والوصية هنا: شرعية، وإذا كانت الوصية من الله شرعية: فهي أمر واجب. وقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] دلالتها على التوحيد كدلالة آية النساء التي قبلها. ثم ساق الشيخ ﵀ أثر ابن مسعود ﵁ وهو قوله: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليه خاتمه، فليقرأ قوله تعالى. . . . . إلخ (١) . قوله: (التي عليها خاتمه) : يعني التي كانت من آخر ما وصى به ومن آخر ما أمر به، يعني التي لو قُدِّر أنه وصى، وختم على هذه الوصية، وفتحت بعد وفاته ﵊ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لكانت هي هذه الآيات التي فيها الوصايا العشر، فهذا القول من ابن مسعود للدلالة

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] على عظم شأن هذه الآيات التي افتُتِحَت بالنهي عن الشرك. والنبي ﷺ ابتدأ دعوته بالأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الشرك، واختتمها أيضا - كما دل عليه كلام ابن مسعود هذا - بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك فدل ذلك على كونه أولى المطالب، وأول المطالب، وأهم المطالب. ثم قال بعد ذلك: «وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١) وموطن الشاهد من هذا الحديث هو قوله: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» وهذا قد مرَّ بيان معناه، لكن الشاهد من هذا الحديث، ومناسبته للابتداء - ابتداء كتاب التوحيد: أنه أتى فيه بلفظ (حق) الذي في قوله: «أتدري ما حق الله على العباد " ثم قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» وهذا الحق حق واجب لله - جل وعلا - لأن الكتاب والسنة، بل ولأن المرسلين جميعا أتوا بهذا الحق، وبيانه، وبيان أنه أوجب الواجبات على العباد. ثم قال: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» قوله: (حق العباد على الله) معناه: أن هذا حقٌّ أحقه الله على نفسه باتفاق أهل العلم، وأوجبه على نفسه، كما في بعض أقوالهم، كما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀.

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وهل ذلك الحق المذكور في قوله: " حق العباد على الله " هل هو واجب أم لا؟ نقول: نعم هو حق واجب، لكن بإيجاب الله ذلك الحق على نفسه؛ فالله - جل وعلا - يحرم على نفسه ما يشاء بما يوافق حكمته، ويوجب على نفسه ما يشاء بما يوافق حكمته، فكما أن الله حرم الظلم على نفسه، كما في قوله: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١) كذلك أوجب على نفسه أشياء، لكن بعض أهل العلم تحاشى إطلاق لفظ (الإيجاب) على الله، وقال: يُعبَّر عن ذلك بأنه حق يتفضل به - سبحانه - على من يشاء، فهو حق تفضل، لا حق إيجاب، لكن هذا ليس بمتعين؛ لأن الحق الواجب هو الذي أوجبه الله على نفسه، والعباد لا يوجبون على الله - جل وعلا - شيئا من الحقوق به على عباده، والله ﷻ لا يخلف الميعاد. هذا الباب " باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب وما يكفر من الذنوب " يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة؛ فالتوحيد بأنواعه الثلاثة، له فضل عظيم على أهله. ومن أعظم فضله أنه به تُكَفَّر الذنوب؛ ولهذا قال الشيخ ﵀ في التبويب: " باب فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب. فـ (ما) هنا موصول اسمي بدلالة وجود " من " البيانية مما يحول دون جعلها موصولا حرفيا، فيكون المعنى: باب فضل التوحيد وبيان الذنوب التي يكفرها. فالتوحيد يكفر الذنوب جميعا، لا يكفر بعض الذنوب دون بعض؛ لأن التوحيد حسنة

стр. 23

[باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب] باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية [الأنعام: ٨٢] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ومنه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه (١) . ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٢) . وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل - يا موسى -: لا إله إلا الله، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» رواه ابن حبان والحاكم وصححه. (٣) . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 24

وللترمذي - وحسنه - عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (١) . فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب. الرابعة: تفسير الآية (٨٢) التي في سورة الأنعام. الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عُبادة. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده؛ تبين لك معنى قول: «لا إله إلا الله» وتبين لكم خطأ المغرورين. السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله. التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات. الحادية عشرة: أن لهن عمارًا. الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافًا للأشعرية. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 25

الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس: عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» أن ترك الشرك ليس قولها باللسان. الرابعة عشرة: تأمُّلُ الجمع بين كون عيسى ومحمد عَبْدَيِ الله ورسولَيْه. الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل» . التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان. العشرون: معرفة ذكر الوجه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] عظيمة، لا تقابلها معصية إلا وأحرق نور تلك الحسنة أثر المعصية إذا كمل ذلك النور. فهذا هو المقصود بقوله: " باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب "؛ فمن كمل التوحيد بأنواعه الثلاثة - أعني: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات -: فإنه تكفر عنه ذنوبه، كما سيأتي بيانه في الباب بعده: أنه من حقق التوحيد: دخل الجنة بغير حساب. فكلما زاد التوحيد محي من الذنوب بمقدار عظمه، وكلما زاد التوحيد أمن العبد في الدنيا وفي الآخرة بمقدار عظمه، وكلما زاد العبد في تحقيق التوحيد كان متعرضا لدخول الجنة على ما كان عليه من العمل؛ فلهذا ساق الإمام ﵀ آية الأنعام، فقال: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقول الله تعالى) ثم ذكر الآيات. ومن العلماء من قال: إن (ما) في قوله: (وما يكفر من الذنوب) موصول حرفي. وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] [الأنعام: ٨٢] . الظلم هنا: هو الشرك، كما جاء في تفسير ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود، «أن النبي ﷺ قال في هذه الآية حينما استعظم الصحابة هذه الآية، وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ ! فقال: ليس الذين تذهبون إليه، الظلم: الشرك، ألم تسمعوا لقول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] » [لقمان: ١٣] (١) فالظلم

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] هنا - في مراد الشارع -: هو الشرك، فيكون مقصود الشيخ من إيراد هذه الآية تحت هذا الباب: بيان فضل من آمن ووحّد، ولم يلبس إيمانه وتوحيده بشرك، وأن له الأمن التام، والاهتداء التام؛ فهذا هو وجه مناسبة الآية للباب. ومعنى الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وجاء الظلم في الآية مُنَكَّرًا، في سياق النفي، وهو قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] وهذا يدل على عموم أنواع الظلم، لكن هل المراد بالعموم هنا العموم المخصوص، أو العموم الذي يراد به الخصوص؟ الجواب: أن المراد بالعموم هنا: هو العموم الذي يراد به الخصوص؛ لأن العموم عند الأصوليين تارة يكون باقيا على عمومه، وتارة يكون عموما مخصوصا يعني دخله التخصيص، وتارة يكون عموما مرادا به الخصوص يعني أن لفظه عام، ولكن يراد به الخصوص فهذه أوجه ثلاثة، والوجه الأخير هو الذي أراد الشيخ ﵀ الاستدلال به من الآية. صحيح أن (الظلم) هنا جاء نكرة في سياق النفي (لم) : فيدل على العموم، لكنه عموم مراد به الخصوص؛ وهو خصوص أحد أنواع الظلم كلها؛ لأن من أنواع الظلم: ظلم العبد نفسه بالمعاصي، أو ظلم العبد غيره بأنواع التعديات، ومنه ما هو ظلم من جهة حق الله - جل وعلا - بالشرك به، فهذا هو المراد بهذا العموم، فيكون عاما في أنواع الشرك، وبهذا يحصل وجه الاستدلال من الآية، فيكون معنى الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ﴾ [الأنعام: ٨٢] يعني لم يلبسوا توحيدهم بنوع من أنواع الشرك.

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فـ (الأمن) هنا: هو الأمن التام في الدنيا، والمراد به أمن القلب وعدم حزنه على غير الله - جل وعلا - والاهتداء التام في الدنيا وفي الآخرة، وكلما وجد نقص في التوحيد بغشيان العبد بعض أنواع الظلم الذي هو الشرك، إما الشرك الأصغر، أو الشرك الخفي، وسائر أنواع الشرك، ونحو ذلك، ذهب منه من الأمن والاهتداء بقدر ذلك. هذا من جهة تفسير الظلم بأنه الشرك. فإذا فَسَّرْتَ الظلم بأنه جميع أنوع الظلم - كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - فإنه يكون - على هذا التفسير - مقابلة بين الأمن والاهتداء، وبين حصول الظلم، فكلما انتفى الظلم: وُجد الأمن والاهتداء، وكلما كمل التوحيد وانتفت المعصية: عظم الأمن والاهتداء، وإذا زاد الظلم: قَلَّ الأمنُ واهتداء بحسب ذلك. قال: (وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله: ﷺ «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه) (١) . مناسبة هذا الحديث للباب قوله: «على ما كان من العمل» ومعنى قوله: «على ما كان» يعني على الذي كان عليه من العمل ولو كان مقصرا في العمل وعنده ذنوب وعصيان، فإن لتوحيده لله، وشهادته له بالوحدانية، ولنبيه

стр. 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بالرسالة، ولعيسى بأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ولإقراره بالغيب، وبالبعث: إن لذلك فضلا عظيما، وهو: أن يدخله الله الجنة ولو كان مقصرا في العمل. فهذا الحديث فيه بيان فضل التوحيد على أهله. قال: ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١) . قوله: «من قال: لا إله إلا الله» المراد بالقول هنا: القول الذي معه تمام الشروط؛ كقول النبي ﷺ : «الحج عرفة» (٢) يعني إذا أتى ببقية الأركان والواجبات، فيكون معنى قوله هنا: «من قال: لا إله إلا الله» يعني باجتماع شروطها، وبالإتيان بلازمها. وخرج بقوله: «يبتغي بذلك وجه الله» المنافقون؛ لأنهم حين قالوها لا يبتغون بذلك وجه الله. وقوله: «حرم على النار» تحريم النار في نصوص الكتاب والسنة يأتي على درجتين: الأولى: تحريم مطلق، والثانية: تحريم بعد أمد، فالتحريم المطلق يقتضي أن من حرم الله عليه النار تحريما مطلقا: فإنه لن يدخلها، إما بأن يغفر الله له، وإما بأن يكون من الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، الحديث يحتمل الأول، ويحتمل الثاني.

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله» : يعني أن الذي أتى بالتوحيد، وانتهى عن ضده، وكانت عنده بعض الذنوب والمعاصي، ومات من غير توبة، فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه ثم حرم عليه النار، وإن شاء الله غفر له وحرم عليه النار ابتداء. فوجه الشاهد - إذًا - من الحديث للباب: أن هذه الكلمة، وهي كلمة التوحيد وسيأتي بيان معناها مفصلا، إن شاء الله تعالى لما ابتغى بها صاحبها وجه الله، وأتى بشروطها وبلوازمها تفضل الله عليه، وأعطاه ما يستحقه من أنه حرم عليه النار. وهذا فضل عظيم، نسأل الله - جل وعلا - أن يجعلنا من أهله. وفي حديث أبي سعيد الخدري - الوارد بعد حديث عتبان - وفيه قول وموسى ﵇: «يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به. قال: قل - يا موسى -: لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا» (١) فهذا الحديث فيه دلالة على أن أهل الفضل، والرفعة في الدين، والإخلاص والتوحيد، قد ينبهون على شيء من مسائل بالتوحيد؛ فهذا موسى ﵇ وهو أحد أولي العزم من الرسل، وهو كليم الله - جل وعلا - أراد شيئا يختص به غير ما عند الناس، وأعظم ما يختص به أولياء الله، وأنبياؤه ورسله، وأولو العزم منهم هو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فأراد شيئا أخص من ذلك، فأعلم أنه لا أخص من كلمته التوحيد، فهي أفضل شيء، وهي التي دُلّ عليها أولو العزم من الرسل ومن دونهم من الناس.

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال: «يا رب، كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري» : يعني ومن في السماوات السبع من الملائكة ومن عباد الله - جل وعلا -. «والأرضين السبع في كفة» : يعني لو تمثلت السماوات والأرضون أجساما، ووضع الجميع في ميزان له كفتان، وجاءت (لا إله إلا الله) في الكفة الأخرى لمالت بهن (لا إله إلا الله) . فـ (لا إله إلا الله) كلمة توحيد فيها ثقل لميزان من قالها، وعظم في الفضل لمن اعتقدها وما دلت عليه فلهذا قال: «مالت بهن لا إله إلا الله» . ووجه الدلالة: أنه لو تصور أن ذنوب العبد بلغت ثقل السماوات السبع، وثقل ما فيها من العباد والملائكة وثقل الأرض لكانت (لا إله إلا الله) مائلة بذلك الثقل من الذنوب، وهذا هو الذي دل عليه حديث البطاقة حيث جُعِل على أحد العصاة سجلات عظيمة، فقيل له: هل لك من عمل؟ فقال: لا، فقيل له: بلى، ثم أخرجت له بطاقة فيها (لا إله إلا الله) ، فوضعت في الكفة الأخرى، فطاشت سجلات الذنوب، وثقلت البطاقة، (١) وهذا الفضل العظيم لكلمة التوحيد، إنما هو لمن قويت في قلبه، ذلك أنها في قلب بعض العباد تكون قوية؛ لأنه مخلص فيها مصدق، لا ريب عنده فيما دلت عليه، معتقد ما فيها، محب لما دلت عليه، فيقوى أثرها ونورها في القلب فإذا كانت كذلك: فإنها تحرق ما يقابلها من الذنوب، وأما من لم يكن من أهل تمام الإخلاص فيها، فإنه لا تطيش له سجلات الذنوب، فيكون هذا الحديث

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وحديث البطاقة يدلَّان على أن (لا إله إلا الله) لا يقابلها ذنب، ولا تقابلها خطيئة، لكن هذا في حق من كملها وحققها، بحيث لم يخالط قلبه - في معناها - ريب، ولا تردد ومعناها مشتمل على الربوبية بالتضمن، وعلى الأسماء والصفات باللزوم، وعلى الإلهية بالمطابقة، فيكون من ينتفع بهذه الكلمة على وجه الكمال - ولو بلغت ذنوبه ما بلغت، وكانت سجلاته كثقل السماوات والأرضين السبع - هو الذي كمل ما دلت عليه من التوحيد وهذا معنى هذا الحديث، وحديث البطاقة، وهذا أيضا هو الذي دل عليه الحديث الآخر الوارد في الباب نفسه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (١) وهذا من فضل التوحيد وتكفيره الذنوب. ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، وهي: أنه من أتى بذنوب عظيمة، ولو كانت كقراب الأرض خطايا يعني كعظم وقدر الأرض خطايا، ولكنه لقي الله لا يشرك به شيئا: لأتى الله ذلك العبد بمقدار تلك الخطايا مغفرة، وهذا لأجل فضل التوحيد، وعظم فضل الله - جل وعلا - على عباده بأن هداهم إليه، ثم أثابهم عليه. هذا الباب هو: " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " وقد ذكر في الباب قبله فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب، وهذا الباب أرفع رتبة من بيان فضل التوحيد فإن فضل التوحيد يشترك فيه أهله، وأهل التوحيد هم أهل الإسلام، ولا شك أن لكل مسلم نصيبا من التوحيد، فيكون له - تبعا لذلك - نصيب من فضل التوحيد، وتكفير الذنوب، أما خاصة هذه الأمة فهم الذين حققوا التوحيد؛ ولهذا عطف هذا الباب على الذي قبله؛ لأنه أخص. وتحقيق التوحيد هو مدار هذا الباب، وتحقيقه بمعنى تحقيق

стр. 33

[باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب] باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] [النحل: ١٢٠] وقال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] [المؤمنون: ٥٩] عن حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت: قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "، قال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال: " هم ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 34

الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون " فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ثم قام رجل، فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال " سبقك بها عكاشة» (١) . فيه مسائل: الأولى معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين. الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكَمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه ﵊. الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 35

الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة. السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحُمَة. السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله " قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا ". فعُلِم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. الثامنة عشرة: بُعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله «أنت منهم» عَلَمٌ من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عُكَّاشة. الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حُسْنُ خُلُقِه ﷺ . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء: الأول: ترك الشرك بأنواعه: الأكبر، والأصغر، والخفي. والثاني: ترك البدع بأنواعها. الثالث: ترك المعاصي بأنواعها. فيكون تحقيق التوحيد على هذا على درجتين: درجة واجبة ودرجة مستحبة، وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضا، فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب تركه من الأشياء الثلاثة التي ذكرت، فيترك الشرك خفيه وجليه، صغيره وكبيره، ويترك البدع، ويترك المعاصي، هذه درجة واجبة. والدرجة المستحبة في تحقيق التوحيد - وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل - هي ألا يكون في القلب شيء من التوجه أو القصد لغير الله - جل وعلا - يعني: أن يكون القلب متوجها إلى الله بكليته، ليس فيه التفت إلى غير الله، فيكون نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله ﷻ ، وقد عبر عنها بعض أهل العلم - أعني هذه الدرجة المستحبة - بقوله: أن يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، يعني: في مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح. فإذًا رجع تحقيق التوحيد الذي هذا فضله - وهو أن يدخل أهله الجنة بغير حساب، ولا عذاب - رجع إلى تينك المرتبتين، وتحقيقه تحقيق الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؛ لأن في قوله، (لا إله إلا الله) الإتيان

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بالتوحيد، والبعد عن الشرك بأنواعه، ولأن في قوله: (أشهد أن محمدا رسول الله) البعد عن المعصية، والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادة بأن محمدا رسول الله: أن يُطاع فيما أمر، وأن يصدَّق فيما أخبر، وأن يُجتَنَبَ ما عنه نَهَى وزَجَرَ، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فمن أتى شيئا من المعاصي والذنوب، أو البدع ثم لم يتب منها أو لم تكفر له فإنه لم يحقق التوحيد الواجب وإذا لم يأت شيئا من البدع، ولكن حسَّنها بقلبه، أو قال: لا شيء فيها؛ فإن حركة قلب من ذا شأنه لما كانت في غير تحقيق التوحيد وفي غير تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: فإنه لا يكون من أهل تحقيق التوحيد، وكذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد. وأما مرتبة الخاصة التي ذُكِرَتْ ففيها يتنافس المتنافسون وما ثمَّ إلا عفو الله، ومغفرته، ورضوانه. واستدل الشيخ في " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " بآيتين وبحديث، أما الآية الأولى فهي قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] [النحل: ١٢٠] وهذه الآية فيها الدلالة على أن إبراهيم ﵇ كان محققا للتوحيد. وجه الدلالة: أن الله - جل وعلا - وصفه بصفات: الأولى: أنه كان (أمة) ، والأمة: هو الإمام الذي جمع جميع صفات الكمال البشري وصفات الخير، وهذا يعني أنه لم ينقص من صفات الخير شيئا وهذا معنى تحقيق التوحيد. والأمة تطلق في القرآن إطلاقات، فمن

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] تلك الإطلاقات: أن يكون معنى الأمة الإمام المقتدَى به في الخير، وسُمِّي أمة؛ لأنه يقوم مقام أمة في الاقتداء؛ ولأن من سار على سيره يكون غير مستوحش ولا متردد؛ لأنه ليس مع واحد فقط، وإنما هو مع أمة. الوصف الثاني الذي فيه تحقيق التوحيد: أنه قال: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وهاتان الصفتان: - القانت، والحنيف - متلازمتان لأن القنوت لله معناه: دوام الطاعة لله - جل وعلا - وملازمتها فهو ملازم لطاعة الله - جل وعلا -. ولأن " الحنيف " - كما يقول العلماء -: هو ذو الحنف وهو الميل عن طريق المشركين، فالحنيف هو المائل عن طريق المشركين المائل عن هدي وسبيل المشركين فصارت عنده ديمومة وقنوت وملازمة للطاعة وبُعْد عن سبيل المشركين، ومعلوم أن سبيل المشركين الذي صار إبراهيم ﵇ حنيفا، أي مائلا بعيدا عنه: معلوم أنه يشتمل على الشرك، والبدعة، والمعصية فهذه الثلاث هي أخلاق المشركين: الشرك، والبدعة، والمعصية من غير إنابة ولا استغفار. قال ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ [النحل: ١٢٠] كانت في الأصل: يكن، ويجوز في حالة الجزم - بشروط - حذف نون (يكن) ؛ كما في الآية السابقة. وكما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] [النحل: ١٢٧] ويجوز إثباتها كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] في سورة النمل [النمل: ٧٠] .

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فإثبات النون وحذفها وجهان جائزان في اللغة - بشروطه المعروفة -. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] المشركين: جمع تصحيح لـ (المشرك) ، والمشرك اسم فاعل الشرك، و (أل) - كما هو معلوم في العربية - إذا دخلت على اسم الفاعل أو اسم المفعول فإنها تكون موصولة، كما قال ابن مالك في الألفية: وصفة صريحة صلة أل ... وكونها بمعرب الأفعال قل والاسم الموصول عند الأصوليين يدل على العموم، فيكون معنى قوله - إذًا -: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] أنه لم يك فاعلا للشرك بأنواعه، ولم يك منهم. ودلَّ قوله - أيضا - ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] على أنه ابتعد عنهم، لأن (مِنْ) تحتمل أن تكون تبعيضية، فتكون المباعدة بالأجسام، ويحتمل أن تكون بيانية، فتكون المباعدة بمعنى الشرك. فالمقصود: أن الشيخ ﵀ استحضر هذه المعاني من الآية فدلته على أنها في تحقيق التوحيد. قال - جل وعلا -: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ذلك لأن من جَمَع تلك الصفات فقد حقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وقد فسر إمام الدعوة - المصنف - الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، هذه الآية من أواخر سورة النحل، فقال ﵀: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] لا للملوك، ولا للتجار المترفين، ﴿حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] لا يميل يمينا، ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين. وهو من التفاسير الرائقة البعيدة المعاني ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] ثم قال بعد ذلك: (وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] [المؤمنون: ٥٩] ) : وهذه الآيات في سورة المؤمنون، وهي في مدح خاصة المؤمنين. ووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] فقوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] نفي للشرك، وقد ذكرنا من قبل أن النفي إذا تسلط على الفعل المضارع، فإنه يفيد عموم المصدر الذي يدل عليه الفعل، فكأنه - جل وعلا - قال: والذين هم بربهم لا يفعلون شركا، أو لا يشركون لا بشرك أكبر، ولا أصغر، ولا خفي. والذين لا يشرك هو الموحد، فصار عندنا لازم، وهو أن من لم يشرك بالله أيَّ نوع من الشرك، فإنه ما ترك الشرك إلا لتوحيده، قال العلماء: قدم هنا قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٩] في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] لأن الربوبية تستلزم العبودية، فصار عدم الإشراك في الربوبية معناه عدم الإشراك في الطاعة، وعدم الإشراك في العبودية وهذا وصف الذين حققوا التوحيد؛ لأنه
следующие страницы →