. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:
الأول: ترك الشرك بأنواعه: الأكبر، والأصغر، والخفي.
والثاني: ترك البدع بأنواعها.
الثالث: ترك المعاصي بأنواعها.
فيكون تحقيق التوحيد على هذا على درجتين: درجة واجبة ودرجة مستحبة، وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضا، فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب تركه من الأشياء الثلاثة التي ذكرت، فيترك الشرك خفيه وجليه، صغيره وكبيره، ويترك البدع، ويترك المعاصي، هذه درجة واجبة.
والدرجة المستحبة في تحقيق التوحيد - وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل - هي ألا يكون في القلب شيء من التوجه أو القصد لغير الله - جل وعلا - يعني: أن يكون القلب متوجها إلى الله بكليته، ليس فيه التفت إلى غير الله، فيكون نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله ﷻ ، وقد عبر عنها بعض أهل العلم - أعني هذه الدرجة المستحبة - بقوله: أن يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، يعني: في مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح.
فإذًا رجع تحقيق التوحيد الذي هذا فضله - وهو أن يدخل أهله الجنة بغير حساب، ولا عذاب - رجع إلى تينك المرتبتين، وتحقيقه تحقيق الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؛ لأن في قوله، (لا إله إلا الله) الإتيان
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالتوحيد، والبعد عن الشرك بأنواعه، ولأن في قوله: (أشهد أن محمدا رسول الله) البعد عن المعصية، والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادة بأن محمدا رسول الله: أن يُطاع فيما أمر، وأن يصدَّق فيما أخبر، وأن يُجتَنَبَ ما عنه نَهَى وزَجَرَ، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فمن أتى شيئا من المعاصي والذنوب، أو البدع ثم لم يتب منها أو لم تكفر له فإنه لم يحقق التوحيد الواجب وإذا لم يأت شيئا من البدع، ولكن حسَّنها بقلبه، أو قال: لا شيء فيها؛ فإن حركة قلب من ذا شأنه لما كانت في غير تحقيق التوحيد وفي غير تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: فإنه لا يكون من أهل تحقيق التوحيد، وكذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد. وأما مرتبة الخاصة التي ذُكِرَتْ ففيها يتنافس المتنافسون وما ثمَّ إلا عفو الله، ومغفرته، ورضوانه.
واستدل الشيخ في " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " بآيتين وبحديث، أما الآية الأولى فهي قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] [النحل: ١٢٠] وهذه الآية فيها الدلالة على أن إبراهيم ﵇ كان محققا للتوحيد.
وجه الدلالة: أن الله - جل وعلا - وصفه بصفات:
الأولى: أنه كان (أمة) ، والأمة: هو الإمام الذي جمع جميع صفات الكمال البشري وصفات الخير، وهذا يعني أنه لم ينقص من صفات الخير شيئا وهذا معنى تحقيق التوحيد. والأمة تطلق في القرآن إطلاقات، فمن
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تلك الإطلاقات: أن يكون معنى الأمة الإمام المقتدَى به في الخير، وسُمِّي أمة؛ لأنه يقوم مقام أمة في الاقتداء؛ ولأن من سار على سيره يكون غير مستوحش ولا متردد؛ لأنه ليس مع واحد فقط، وإنما هو مع أمة.
الوصف الثاني الذي فيه تحقيق التوحيد: أنه قال: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وهاتان الصفتان: - القانت، والحنيف - متلازمتان لأن القنوت لله معناه: دوام الطاعة لله - جل وعلا - وملازمتها فهو ملازم لطاعة الله - جل وعلا -. ولأن " الحنيف " - كما يقول العلماء -: هو ذو الحنف وهو الميل عن طريق المشركين، فالحنيف هو المائل عن طريق المشركين المائل عن هدي وسبيل المشركين فصارت عنده ديمومة وقنوت وملازمة للطاعة وبُعْد عن سبيل المشركين، ومعلوم أن سبيل المشركين الذي صار إبراهيم ﵇ حنيفا، أي مائلا بعيدا عنه: معلوم أنه يشتمل على الشرك، والبدعة، والمعصية فهذه الثلاث هي أخلاق المشركين: الشرك، والبدعة، والمعصية من غير إنابة ولا استغفار.
قال ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ [النحل: ١٢٠] كانت في الأصل: يكن، ويجوز في حالة الجزم - بشروط - حذف نون (يكن) ؛ كما في الآية السابقة. وكما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] [النحل: ١٢٧] ويجوز إثباتها كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] في سورة النمل [النمل: ٧٠] .
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإثبات النون وحذفها وجهان جائزان في اللغة - بشروطه المعروفة -.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] المشركين: جمع تصحيح لـ (المشرك) ، والمشرك اسم فاعل الشرك، و (أل) - كما هو معلوم في العربية - إذا دخلت على اسم الفاعل أو اسم المفعول فإنها تكون موصولة، كما قال ابن مالك في الألفية:
وصفة صريحة صلة أل ... وكونها بمعرب الأفعال قل
والاسم الموصول عند الأصوليين يدل على العموم، فيكون معنى قوله - إذًا -: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] أنه لم يك فاعلا للشرك بأنواعه، ولم يك منهم.
ودلَّ قوله - أيضا - ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] على أنه ابتعد عنهم، لأن (مِنْ) تحتمل أن تكون تبعيضية، فتكون المباعدة بالأجسام، ويحتمل أن تكون بيانية، فتكون المباعدة بمعنى الشرك. فالمقصود: أن الشيخ ﵀ استحضر هذه المعاني من الآية فدلته على أنها في تحقيق التوحيد.
قال - جل وعلا -: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ذلك لأن من جَمَع تلك الصفات فقد حقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.
وقد فسر إمام الدعوة - المصنف - الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، هذه الآية من أواخر سورة النحل، فقال ﵀: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] لا للملوك، ولا للتجار المترفين، ﴿حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] لا يميل يمينا، ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين. وهو من التفاسير الرائقة البعيدة المعاني ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]
ثم قال بعد ذلك: (وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] [المؤمنون: ٥٩] ) : وهذه الآيات في سورة المؤمنون، وهي في مدح خاصة المؤمنين.
ووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] فقوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] نفي للشرك، وقد ذكرنا من قبل أن النفي إذا تسلط على الفعل المضارع، فإنه يفيد عموم المصدر الذي يدل عليه الفعل، فكأنه - جل وعلا - قال: والذين هم بربهم لا يفعلون شركا، أو لا يشركون لا بشرك أكبر، ولا أصغر، ولا خفي.
والذين لا يشرك هو الموحد، فصار عندنا لازم، وهو أن من لم يشرك بالله أيَّ نوع من الشرك، فإنه ما ترك الشرك إلا لتوحيده، قال العلماء: قدم هنا قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٩] في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] لأن الربوبية تستلزم العبودية، فصار عدم الإشراك في الربوبية معناه عدم الإشراك في الطاعة، وعدم الإشراك في العبودية وهذا وصف الذين حققوا التوحيد؛ لأنه
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يلزم من عدم الإشراك: ألا يُشرِك هواه؛ لأن المرء إذا أشرك هواه: أتى بالبدع، أو أتى بالمعصية، فصار نفي الشرك نفيا للشرك بأنواعه ونفيا للبدعة، ونفيا للمعصية، وهذا هو تحقيق التوحيد لله - جل وعلا -.
فالآية - إذًا - دالة على ما ترجم له الإمام ﵀ بقوله: " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ".
أما الحديث فطويل، وموضع الشاهد منه قوله ﵊: «فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال: " هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكْتَوُون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» . هذا الحديث في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذه صفة من صفاتهم، وتلك الصفة خاصة بهم، لا يلتبس أمرهم بغيرهم؛ لأن هذه الصفة كالشامة يعرفون بها. فَمَنْ هم الذين حققوا التوحيد؟ الجواب في قوله: «هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكْتَوُون، ولا يتطيرون» ، فذكر أربع صفات:
أنهم «لا يَسْتَرْقُون» : ومعنى يَسْتَرْقُون: يعني لا يطلبون الرقية؛ لأن الطالب للرقية يكون في قلبه ميل للراقي، حتى يرفع ما به من جهة السبب. وهذا النفي الوارد في قوله: «لا يسترقون» ؛ لأن الناس في شأن الرقية تتعلق
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قلوبهم بها جدا أكثر من تعلقهم بالطب ونحوه، فالعرب في الجاهلية - وهكذا هو حال أكثر الناس - لهم تعلق بالرقية، فالقلب يتعلق بالراقي، ويتعلق بالرقية؛ وهذا ينافي كمال التوكل على الله ﷻ وأما ما جاء في بعض الروايات أنهم «الذين لا يرقون» فهذا غلط؛ وهو لفظ شاذ، لأن الراقي محسن إلى غيره، والصواب ما جاء في هذه الرواية من أنهم «الذين لا يسترقون» يعني: الذين لا يطلبون الرقية؛ وذلك لأن طالب الرقية يكون في قلبه ميل إلى هذا الذي رقاه وإلى الرقية، ونوع توكل، أو نوع استرواح لهذا الذي يرقي أو للرقية.
ثم قال: «ولا يكتوون» : والكي مكروه في أصله؛ لأن فيه تعذيبا بالنار، مع أنه مأذون به شرعا، لكن فيه كراهة. والعرب تعتقد أن الكي يحدث المقصود دائما؛ فلهذا تتعلق قلوبهم بالكي. فصار تعلق القلب بهذا الكي من جهة أنه سبب يؤثر دائما، ومعلوم أن الكي يؤثر - بإذن الله جل وعلا -: إذا اجتمعت الأسباب، وانتفت الموانع. فالنفي لأجل أن في الكي بخصوصه ما يتعلق الناس به من أجله.
ثم قال: «ولا يتطيرون» : والطيرة شيء يعرض على القلب من جراء شيء يحدث أمامه؛ فيجعله يقدم على أمر، أو يحجم عنه، وهذه صفة من لم يكن التوكل في قلبه عظيما.
ثم قال بعدها: «وعلى ربهم يتوكلون» : وهي جامعة للصفات السابقة. وهذه الصفات ليس المقصود منها أن الذين حققوا التوحيد لا يباشرون الأسباب، كما فهمه بعضهم، وأن الكمال ألا يباشر سببا البتة، أو ألا يتداوى
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
البتة! وهذا غلط؛ لأن النبي ﷺ رُقي: (١) ولأنه ﵊ تداوى وأمر بالتداوي (٢) وأمر أيضا بعض الصحابة بأن يكتوي (٣) ونحو ذلك فليس في الحديث أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقا، أو لا يباشرون أسباب الدواء، وإنما فيه ذكر لهذه الثلاث بخصوصها، لأنه يكثر تعلق القلب والتفاته إلى الراقي، أو إلى الكي، أو الكاوي، أو إلى التطير، ففيها إنقاص من مقام التوكل. أما التداوي: فهو مشروع، وهو: إما واجب، أو مستحب، وقد يكون في بعض الأحوال مباحا، وقد قال النبي ﷺ : «تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام» (٤) فالمقصود من هذا: أن التداوي ليس خارما لتحقيق التوحيد ولكن الذي هو من صفة أهل تحقيق التوحيد أنهم لا يسترقون بخصوص الرقية، ولا يكتوون بخصوص الكي، ولا يتطيرون، وأما ما عدا ذلك مما أذن به، فلا يدخل فيما يختص به أهل تحقيق التوحيد.
والأظهر عندي أن قوله في هذا الحديث «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» أنه مخصوص بهذه الثلاثة.
قال: «فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " سبقك بها عكاشة» : هذا فيه دليل على
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن أهل تحقيق التوحيد قليل وليسوا بكثير، ولهذا جاء عددهم في هذا الحديث بأنهم سبعون ألفا، وقد جاء في بعض الروايات عند الإمام أحمد وعند غيره بأن الله - جل وعلا - أعطى النبي ﷺ مع كل ألف من السبعين سبعين ألفا (١) فيكون العدد قرابة خمسة ملايين من هذه الأمة، فإن كان ذلك الحديث صحيحا - وقد صحح إسناده بعض أهل العلم - فإنه لا يكون للعدد في هذا الحديث مفهوم، أو كان ذلك قبل سؤال النبي ﷺ أن يُزاد في عدد أولئك الذين حققوا التوحيد. فإن قيل: ما معنى أن يُزاد في عددهم؟ فالجواب: أن المعنى أن الله - جل وعلا - يَمُنُّ على أناس من هذه الأمة - غير السبعين ألفا - ممن سيأتون بَعْدُ، فيوفقهم لعمل تحقيق التوحيد؛ فالله - جل وعلا - هو الذي يوفق، وهو الذي يهدي، ثم هو الذي يجازي. فما أعظمه من محسن، بَرٍّ، كريم، رحيم.
كل من حقق التوحيد فلا بد أن يخاف من الشرك؛ ولهذا كان سيد المحققين للتوحيد محمد ﵊ يُكثر من الدعاء بأن يبعد عنه الشرك، وكذلك كان إبراهيم ﵇ يكثر من الدعاء؛ لئلا يدركه الشرك، أو عبادة الأصنام.
فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، وهي أن تحقيق التوحيد عند أهله لا بد أن يقترن معه الخوف من الشرك، وقَلَّ من يكون مخاطرا بتوحيده أو غير خائف من الشرك، ويكون مع هذا على مراتب الكمال، بل لا يوجد. فكل محقق للتوحيد، وكل راغب فيه حريص عليه: يخاف من الشرك، وإذا خاف من الشرك فإن الخوف الذي هو فزع القلب وهلعه، يجعل العبد حريصا كل الحرص على البعد عن الشرك والهروب منه والخوف من الشرك يثمر ثمرات منها:
стр. 45
[باب الخوف من الشرك]
باب الخوف من الشرك وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء: ٤٨ و ١١٦] وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] [إبراهيم: ٣٥] وفي الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " فسئل عنه قال: " الرياء» (١) وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا، دخل النار» (٢) رواه البخاري ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» (٣) .
فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 46
الخامسة: قُرْب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه مَنْ لقيه لا يشرك به شيئا؛ دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عباد الأصنام.
التاسعة: اعتبار بحال الأكثر لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]
العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله "، كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سَلِمَ من الشرك.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- أن يكون متعلما للشرك بأنواعه، حتى لا يقع فيه.
- ومنها أن يكون متعلما للتوحيد بأنواعه، حتى يقوم في قلبه الخوف من الشرك ويعظم، ويستمر على ذلك.
- ومنها أن الخائف من الشرك يكون قلبه دائم الاستقامة على طاعة الله مبتغيا مرضاة الله فإن عصى، أو غفل كان استغفاره استغفار من يعلم عظم شأن الاستغفار وعظم حاجته للاستغفار؛ لأن الناس في الاستغفار أنواع، لكن من علم منهم حق الله - جل وعلا - وسعى في تحقيق التوحيد وتعلم ذلك، وسعى في الهرب من الشرك: فإنه إذا غفل وجد أنه أشد ما يكون حاجة إلى الاستغفار، ولأجل صلاح هذا بوب الشيخ ﵀ هذا الباب الذي عنوانه (باب الخوف من الشرك) ، فكأنه يقول لك: إذا كنت تخاف من الشرك كما خاف منه إبراهيم ﵇ وعرفتَ ما توعد الله به أهل الشرك من أنه لا يغفر لهم شركهم، فينبغي لك أن تعلم وأن تتعلم ما سيأتي في هذا الكتاب، فإن هذا الكتاب موضوع لتحقيق التوحيد، وللخوف من الشرك والبعد عنه، فما بعد هذين البابين: (باب من حقق التوحيد) و (باب الخوف من الشرك) تفصيل لهاتين المسألتين العظيمتين اللتين هما: تحقيق التوحيد، والخوف من الشرك؛ بيان معناه وبيان أنواعه.
وقد ذكرنا فيما سبق أن الشرك هو: إشراك غير الله معه في أي نوع من أنواع العبادة، وقد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، وقد يكون خفيا.
قال الشيخ ﵀: (وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء: ٤٨ و ١١٦] ) ٢٢
٨ -
стр. 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والمغفرة هي: الستر لما يخاف وقوع أثره ويقال في اللغة: غفر: إذا ستر، ومنه سُمِّي ما يوضع على الرأس مغفرا؛ لأنه يستر الرأس، ويقيه الأثر المكروه من وقع السيف ونحوه، فمادة (المغفرة) راجعة إلى ستر الأثر الذي يخاف منه، والشرك والمعصية لهما أثرهما إما في الدنيا وإما في الآخرة أو فيهما جميعا. وأعظم ما يُمَنُّ به على العبد أن يغفر ذنبه، وذلك بأن يستر عليه، ويُمحي عنه أثره، فلا يؤاخذ به في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة، فلولا المغفرة لهلك الناس.
ومعنى قوله - جل وعلا - في هذه الآية لَا يَغْفِرُ أي: أبدا، فقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هذا وعيد بأنه - تعالى - لم يجعل مغفرته لمن أشرك به، وقد قال العلماء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] إن في هذه الآية دليلا على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركا أكبر، أو أشرك شركا أصغر، فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة، بل يكون بالموازنة، فهو لا يغفر إلا بالتوبة، فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك، وقد يغفر الله - تعالى - غير الشرك كما قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فجعلوا الآية دليلا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة.
وجه الاستدلال من الآية: أن (أن) في قوله - تعالى -: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] موصول حرفي، فتؤول مع الفعل الذي بعدها وهو يشرك بمصدر
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- كما هو معلوم -، والمصدر نكرة وقع في سياق النفي، وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمت، قالوا: فهذا يدل على أن الشرك الذي نفي هنا يعم الأكبر والأصغر، والخفي، فكل أنواع الشرك لا يغفرها الله - جل وعلا - وذلك لعظم خطيئة الشرك لأن الله - جل وعلا - هو الذي خلق، ورزق، وأعطى، وهو الذي تفضل، فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟! لا شك أن هذا ظلم في حق الله - جل وعلا - ولذلك لم يغفر. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر علماء الدعوة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن قوله هنا: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] دال على العموم، لكنه عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر، فالمقصود بالشرك في قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هو: الشرك الأكبر فقط دون غيره، وأما ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلا تحت المشيئة، فيكون بالعموم في الآية مرادا به الخصوص، لأنه غالبا ما يرد في القرآن هذا اللفظ: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ونحو ذلك ويراد به الشرك الأكبر دون الأصغر، وهذا في الغالب - كما سبق - فالشرك غالبا ما يطلق في القرآن على الأكبر دون الأصغر، ومن شواهد ذلك، قوله - جل وعلا -: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] فقوله في الآية: يُشْرَكَ هو - أيضا -: فعل داخل في سياق الشرط، فيكون عاما، لكن
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي؟؟ الجواب: أنه لا يدخل بالإجماع؛ لأنه تحريم الجنة، وإدخال النار، والتخليد فيها، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلنا ذلك على أن المراد بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائدة: ٧٢] أهل الإشراك بالله الشرك الأكبر، فلم يدخل فيه الأصغر، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر.
فيكون المفهوم - إذًا - من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة، ونحوها وهذا كقوله في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] [الحج: ٣١] فهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر.
فيكون - على هذا القول - المراد بما نُفي هنا في قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ﴾ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر. ولما كان اختيار إمام الدعوة، كما هو اختيار عدد من المحققين: كشيخ الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي، كان الاستدلال بهذه الآية صحيحا؛ لأن الشرك: أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر، فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف، فإذا كان الشرك الأصغر: كالحلف بغير الله، وتعليق التميمة، والحلقة، والخيط، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر، كقولك: ما شاء الله وشئت، ونسبة النعم إلى غير الله، إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر.
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وإذا كان كذلك، فيقع في الخوف من الشرك مَنْ هم على غير التوحيد، كمَنْ يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غيره، ويذبحون وينذرون لغيره، ويحبون غير الله محبة العبادة، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السر من غير الله، إلى غير ذلك من ألوان الشرك، فيكون هؤلاء أولى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما اتُّفِقَ عليه: أنه لا يغفر. كما يقع في الخوف من الشرك أهل الإسلام الذين قد يقعون في بعض أنواع الشرك الخفي، أو الشرك الأصغر بأنواعه، وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون.
فإذا علم العبد المسلم أن الشرك بأنواعه لا يغفر، وأنه مؤاخذ به، وأن الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: لا تكفر ذنب الوقوع في الشرك الأصغر، فيجب أن يعظم في قلبه الخوف منه. فإن قيل: فبماذا يغفر إذا؟ فالجواب أنه لا يغفر إلا بالتوبة فقط، فإن لم يتب فثمة الموازنة بين الحسنات والسيئات، ولكن ما ظنكم بسيئة فيها التشريك بالله مع حسنات؟ فمن ينجو من ذلك؟!! لا ريب أنه ينجو إلا من عظمت حسناته، فزادت على سيئة ما وقع فيه من أنواع الشرك. ولا شك أن هذا يوجب الخوف الشديد من الشرك بعامة؛ لأن المرء يكون على خطر عظيم إذ وُزنت حسناته وسيئاته، ثم كان في سيئاته نوع من أنواع الشرك، لأن من المعلوم وأن الشرك بأنواعه من حيث الجنس أعظم من كبائر الأعمال المعروفة.
فوجه الاستدلال من آية النساء وهي قوله - جل وعلا -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أن فيها عموما يشمل أنواع الشرك جميعا، وأنها كلها لا تغفر، فيكون ذلك موجبا للخوف من الشرك، وإذا وقع أو حصل الخوف
стр. 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والوجل من الشرك في القلب، فإن العبد سيحرص على معرفة أنواعه حتى لا يقع فيه، ويطلب معرفة أصنافه وأفراده، حتى لا يقع فيها، وحتى يحذِّر أحبابه ومن حوله منها؛ لذلك كان أحب الخلق، أو أحب الناس، وخير الناس للناس: من يحذرهم من هذا الأمر، ولو لم يشعروا به ولو لم يعقلوه قال - جل وعلا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] [آل عمران: ١١٠] لأنهم يدلون الخلق على ما ينجيهم، فالذي يحب للخلق النجاة هو الذي يحذرهم من الشرك بأنواعه، ويدعوهم إلى التوحيد بأنواعه؛ لأن هذا أعظمُ ما يُدعي إليه؛ ولهذا لما حصل من بعض القرى في زمن إمام الدعوة تردد وشك ورجوع عن مناصرة الدعوة، وفَهْمِ ما جاء به الشيخ ﵀ وكتبوا للشيخ وغلَّظوا له القول، وقالوا: إن ما جئت به ليس بصحيح، وإنك تريد كذا وكذا لمّا حصل منهم ذلك، أجابهم بكتاب قال في آخره بعد أن شرح التوحيد وضدَّه، ورغَّب ورهَّب: ولو كنتم تعقلون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنت أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم، ولكنكم قوم لا تعقلون. انتهى كلامه ﵀. وهو كلام صحيح، ولكن لا يعقله إلا من عرف حق الله - جل وعلا - فرحمة الله على هذا الإمام، وأجزل له المثوبة، وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، ورفع درجته في المهديين، والنبيين، والصالحين.
ثم ساق الشيخ ﵀ بعد هذه الآية قول الله - جل وعلا -:
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] [إبراهيم: ٣٥] وصاحب هذه الدعوة هو إبراهيم ﵇، ومر بنا في الباب قبله: أن إبراهيم قد
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
حقق التوحيد، وقد وصفه الله بأنه كان أمة قانتا لله حنيفا، وبأنه لم يك من المشركين، فهل يطمئن من كان على هذه الحال إلى أنه لن يعبد غير الله، ولن يعبد الأصنام، أو يظل مقيما على خوفه؟؟!! وهل حال الكمَّل الذين حققوا التوحيد أنهم يطمئنون أم يخافون؟؟! هذا إبراهيم ﵇ كما في هذه الآية خاف الشرك، وخاف عبادة الأصنام، فدعا الله بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ - رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦] [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦] فكيف بمن دون إبراهيم ممن ليس من السبعين ألفا، وهم عامة هذه الأمة؟؟!! والواقع أن عامة الأمة لا يخافون من الشرك، فمن الذي يخافه إذًا؟ الذي يخافه هو الذي يسعى في تحقيق التوحيد.
قال إبراهيم التيمي ﵀ وهو من سادات التابعين لما تلا هذه الآية قال: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!! (١) إذا كان إبراهيم ﵇ وهو الذي حقق التوحيد، وهو الذي وُصِفَ بما وُصِفَ به، وهو الذي كسَّر الأصنام بيده يخاف من الفتنة بها فمن يأمن البلاء بعده؟!
إذًا فما ثمَّ إلا غرور أهل الغرور، والمقصود: أن هذا يوجب الخوف الشديد من الشرك؛ لأن إبراهيم ﵇ مع كونه سيد المحققين للتوحيد في زمانه، بل وبعد زمانه إلى نبينا ﷺ ما أعطي الضمان والأمان من الوقوع في الشرك، وألا يزيغ الحال مع نبينا محمد ﷺ .
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله هنا: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] الأصنام: جمع صنم والصنم هو: ما جُعِلَ على صورة مما يُعبد من دون الله، كشكل وجه رجل، أو شكل جسم حيوان، أو رأس حيوان، أو صورة كوكب، أو نجم أو شكل الشمس أو القمر ونحو ذلك كله وما أشبهه يطلق عليه أنه صنم.
والوثن هو: ما عُبد من دون الله، مما ليس على هيئة صورة، فالقبر وثن، وليس بصنم، وكذلك: المشهد، أعني: مشاهد القبور عند عُبَّادها، فهذه أوثان، وليست بأصنام.
وقد يطلق على الصنم اسم الوثن، كما قال - جل وعلا - في قصة إبراهيم في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] [العنكبوت: ١٧] ولكن هذا يطلق على قلة.
وقال بعض أهل العلم: هم عبدوا الأصنام، وعبدوا الأوثان جميعا، فصار ذكر الأصنام في بعض الآيات لعبادتهم الأصنام، وذكر الأوثان في بعض الآيات لعبادتهم الأوثان، والأول أظهر في أنه قد يطلق على الصنم أنه وثن. ويدل على أن الوثن ما ليس على هيئة صورة قول النبي: ﷺ «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» (١) فدعا الله أن لا يجعل قبره وثنا فدل ذلك على أن الوثن ما يعبد من دون الله مما ليس على هيئة صورة.
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال ﵀: (وفي الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "، فسئل عنه فقال: " الرياء» (١) والرياء قسمان: رياء المسلم، ورياء المنافق.
فرياء المنافق: رياء في أصل الدين، يعني: أنه راءى بإظهار الإسلام، وأبطن الكفر، قال تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] [النساء: ١٤٢] ورياء المسلم الموحِّد: مثل أن يُحسِّن صلاته؛ من أجل نظر الرجل، أو: أن يُحَسِّن تلاوته؛ لأجل التسميع؛ ليُمدَح ويُسمع، لا لأجل التأثير.
فالرياء: مشتق من الرؤية، ومن صوره: أن يحسن العبادة لأجل أن يرى من المتعبدين كأن يطيل في صلاته، أو يطيل في ركوعه، أو في سجوده، أو يقرأ في صلاته أكثر من العادة، لأجل أن يرى ذلك منه، أو يقوم الليل لأجل أن يقول الناس عنه: إنه يقوم الليل. فهذا كله شرك أصغر.
والشرك الأصغر - الذي هو الرياء -: قد يكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به، وقد يكون محبطا للزيادة التي زادها فيه.
فيكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به: وإذا ابتدأ النية بالرياء، كمن يصلي الراتبة لأجل أن يرى أنه يصليها، وليست عنده رغبة في أن يصليها، لكن لما رأى أنه يُرَى صلاها؛ ولأجل أن يمدح؛ لما يرى من نظر الناس إليه، فصلاته هذه حابطة ليس له فيها ثواب.
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لكن إذا عرض الرياء له في أثناء العبادة، فيكون ما زاده لأجل الرؤية باطلا، كما قال ﵊: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (١) .
فالشاهد من حديث الباب: قوله ﵊: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فهو أخوف الذنوب التي خافها النبي ﵊ على أهل التوحيد؛ لأنهم ما داموا أهل توحيد فإنهم ليسوا من أهل الشرك الأكبر، فيكون أشد ما يُخاف عليهم هو الشرك الأصغر. والشرك الأصغر تارة يكون في النيات، وتارة يكون في الأقوال، وتارة يكون في الأعمال، يعني أنه يكون في القلب، وفي المقال، وفي الفعال، وسيأتي في هذا الكتاب بيان أصناف كل واحد من هذه الثلاثة.
فيدل قوله ﵊: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» أنه أخوف الذنوب على هذه الأمة. لكن لماذا خافه النبي ﷺ وكان أعظم الذنوب خوفا؟ الجواب: أنه كان كذلك لأجل أثره، وهو أنه لا يغفر، ولأجل أن الناس قد يغفلون عنه. والشيطان حريص على إيقاع أهل التوحيد في الشرك الأصغر، ووصمهم بالرياء في الأقوال، والأعمال، والنيات. وفرحه بذلك أعظم من فرحه بغيره من الذنوب.
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ثم بعد ذلك ساق حديث ابن مسعود فقال: (وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار» (١) .
وجه الاستدلال منه: أنه قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا» ودعوة الند من دون الله من الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء عبادة، وهو من أعظم العبادات؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة» ، (٢) وفي معناه حديث أنس الذي في السنن، ولفظه «الدعاء مُخُّ العبادة» (٣) . فهو أعظم أنواع العبادة، فمن مات وهو يصرف هذه العبادة أو شيئا منها لند من الأنداد، فقد استوجب النار.
وقوله: «دخل النار» : يعني كحال الكفار، فيكون خالدا فيها؛ لأن المسلم إذا وقع في الشرك الأكبر: فإنه يحبط عمله بذلك، ولو كان أصلح الصالحين، وقد قال - جل وعلا - لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] [الزمر: ٦٥ - ٦٦] فالله عظيم، والله أكبر، وخلقه كلهم محتاجون إليه، وعبيد له - سبحانه -، بمن فيهم أفضلهم: وهم الأنبياء والمرسلون، فلو فرض أنْ أشرك نبينا ﷺ لحبط عمله، ولكان في الآخرة من
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الخاسرين، أفلا يوجب هذا أن يخاف من هو دونه ممن يدعي الصلاح والعلم من الشرك؟!! بل قد شاع في هذه الأمة أن بعض المنتسبين إلى العلم يدعو إلى الشرك ويحض عليه ويُكَرِّه ويُبَغِّض في التوحيد وحال هؤلاء، كما قال الله - جل وعلا - عن أسلافهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] [الزمر: ٤٥] .
فوجه الاستدلال ظاهر - إذًا - في قوله ﷺ : «من مات، وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار» ، وأنه يوجب الخوف، لأن قصد المسلم، بل قصد العاقل: أن يكون ناجيا من النار، ومتعرضا لثواب الله في الجنة.
ولفظ «من دون الله» يكثر وروده في القرآن والسنة، ويراد به عند علماء التفسير، وعلماء التحقيق شيئان:
١ - أن تأتي بمعنى (مع) ، فيكون معنى: «من دون الله» أي مع الله، وعبَّر عن المعية بلفظ «من دون الله» ؛ لأن كل من دُعي مع الله، فهو دون الله - جل وعلا -، فهم دونه والله - جل وعلا - هو الأكبر، وهو الأعظم، وفي هذا دليل على بشاعة عملهم.
٢ - أن تأتي بمعنى (غير) فيكون معي: «من دون الله» أي: يدعو إلها غير الله، يعني أنه لم يعبد الله، وأشرك معه غيره، بل دعا غيره استقلالا، فشملت «من دون الله» الحالين: من دعا الله ودعا غيره، ومن دعا غير الله وتوجه إليه استقلالا.
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال: (رواه البخاري. ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» ) (١) تقدم قريبا أن قوله: «لا يشرك به شيئا» فيه نوعان من العموم: عموم في أنواع الشرك ويدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي؛ لأن لفظة: " يشرك " نكرة، وعموم - أيضا - في المتوجه إليهم وهو المُشْرَك بهم كما يدل عليه قوله (شيئا) لأنه - أيضا - نكرة في سياق النفي.
فمعنى قوله: «من لقي الله لا يشرك» : نفي لجميع أنواع الشرك.
فمعنى قوله: " به شيئا " أي: لم يتوجه بالعبادة لأي أحد، لا لملك، ولا لنبي، ولا لصالح، ولا لجني، ولا لطالح، ولا لحجر، ولا لشجر، ولا غير ذلك.
قوله: «دخل الجنة» : يعني أن الله - جل وعلا - وعده بدخول الجنة برحمته سبحانه وتفضله، وبوعده الصادق الذي لا يُخلَف.
قوله: «ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» : أي: أن كل مشرك متوعَّدٌ بالنار، ووجه الدلالة مستقيم مع استدلال الشيخ بالآية؛ لأن من لقي الله وهو على شيء من الشرك الأكبر، أو الأصغر، أو الخفي: فإنه سينال العقوبة والعذاب في النار والعياذ بالله.
قوله: «ومن لقيه يشرك به شيئا» : فيه عموم أيضا كما ذكرنا؛ لأن (من) هنا شرطية، و (يشرك) نكرة، فتكون عامة لأنواع الشرك، و (شيئا) عامة في المتوجَّه إليهم.
стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإن قيل: علام يدل قوله: «من لقيه يشرك به شيئا دخل النار» ؟ هل يدل على أنه دخول أبدي، أو أمدي؟ فالجواب: أن ذلك بحسب نوع الشرك، فإن كان الشرك أكبر ومات عليه فإنه يدخل النار دخولا أبديا، وإن كان الشرك أصغر، أو خفيا فإنه يكون متوعدا بالنار أي: سيدخل النار ويخرج منها؛ لأنه من أهل التوحيد.
وهل يدخل الشرك الأصغر في الموازنة أو لا؟ تقدم الجواب أن الشرك الأصغر يدخل في موازنة الحسنات والسيئات، وأنه إذا رجحت حسناته فإنه لا يعذب على الشرك الأصغر لكن هذا ليس في حق كل أحد من الخلق، فإن منهم من يعذب على الشرك الأصغر؛ لأن الموازنة بين الحسنات والسيئات ليست شاملة لكل الخلق، وليست شاملة أيضا لكل الذنوب، بل قد يكون من الذنوب ما يستوجب النار، ولو رجحت الحسنات على السيئات فإنه يستوجب الجنة. ولكن لا بد من أن يطهر في النار وهذا دليل على وجوب الخوف من الشرك؛ لأن قوله: «من لقي الله يشرك به شيئا دخل النار» يشمل الشرك الأكبر والأصغر والخفي، فعلى المرء أن يطلب الهرب من الشرك بجميع أنواعه، ويسعى إلى ذلك جهده.
وعلى المرء - أيضا - أن يستعيذ بالله - جل وعلا - من الشرك الأصغر والخفي، بقوله: " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك مما لا أعلم " (١) . لأنه إذا علم فأشرك، فإنه سيترتب الأثر الذي ذكرناه، وهو: عدم المغفرة، ففي هذا الدعاء، الذي علمناه رسولنا ﵊
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التفريق بين الشرك الأصغر مع العلم، والشرك الأصغر مع الجهل؛ ولذا قال: «أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه» ؛ لأن أمر الشرك الأصغر مع العلم عظيم فيجب أن يستعيذ المرء بالله من أن يشرك به شركا أصغر فما هو أعلى منه من باب أولى، وهو يعلم.
ثم قال: «وأستغفرك مما لا أعلم» ؛ قد يقع في الشرك الأصغر أو الخفي، وهو لا يعلم، ويظهر شيء من ذلك على فلتات لسانه، وهو لا يقصد، ولمثل ذلك شرع هذا الدعاء.
فهذا يدل على أن الشرك أمره عظيم، فلا يتهاونن أحد بهذا الأمر؛ لأن من تهاون بالشرك وبالتوحيد، فإنه يكون، فإنه يكون متهاونا بأصل دين الإسلام، بل يكون متهاونا بالذي دعا إليه النبي ﷺ في مكة سنين عددا، بل يكون متهاونا بدعوة الأنبياء والمرسلين؛ فإنهم اجتمعوا على شيء واحد، وهو العقيدة، وتوحيد العبادة والربوبية والأسماء والصفات، وأما الشرائع فشتى.
لهذا وجب عليك الحذر كل الحذر من الشرك بأنواعه، وأن تتعلم ضده، وأن تتعلم أيضا أفراد الشرك، وأفراد التوحيد، وبذلك يتم العلم، ويستقيم العمل. وأما تعلم ذلك على وجه الإجمال، فهذا كما يقال: نحن على الفطرة، لكن إذا أتت الأفراد فربما رأيت بعض الناس يخوضون في بعض الأقوال أو الأعمال التي هي من جنس الشرك، وهم لا يشعرون؛ وذلك لعدم خوفهم وهربهم من الشرك، نسأل الله جل وعلا العفو والعافية.
فاحرص - إذًا - على تعلم هذا الكتاب ومدارسته، وعلى كثرة مذاكرته، وفهم ما فيه من الحجج والبينات؛ لأنه أفضل ما تودعه صدرك، بعد كتاب الله - جل وعلا - وسنة نبيه ﷺ ، فلعله أن يكون - إن شاء الله - سببا عظيما من أسباب النجاة والفلاح.
هذا الباب هو " باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله "، أي: باب الدعوة إلى التوحيد. وقد ذكر في الباب قبله الخوف من الشرك، وقبله ذَكَرَ فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، و" باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ". ولما ذكر بعده الخوف من الشرك: اجتمعت معالم حقيقة التوحيد في نفس الموحد، فهل من اجتمعت حقيقة التوحيد في قلبه: بأن عرف فضله، وعرف معناه، وخاف من الشرك، واستقام على التوحيد، وهرب من ضده، هل يبقى مقتصرا بذلك على نفسه، ويضنّ به على غيره، وهل تتم حقيقة التوحيد في قلبه إلا بأن يدعو إلى حق الله الأعظم، ألا وهو إفراده - جل وعلا - بالعبادة وبما يستحقه من نعوت الجلال، وأوصاف الجمال؟؟! .
بوب الشيخ ﵀ بهذا الباب؛ ليدل على أن من تمام الخوف من الشرك، ومن تمام التوحيد: أن يدعو المرءُ غيره إلى التوحيد؛ فإنه لا يتم في القلب حتى تدعو إليه، وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله عُلِمَت حيث شهد العبد المسلم لله بالوحدانية بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وشهادته معناها: اعتقاده ونطقه وإخباره غيره بما دلت عليه، فلا بد - إذًا تحقيقًا للشهادة، وإتمامًا لها - أن يكون المكلَّف الموحِّد داعيا إلى التوحيد؛ لهذا ناسب أن يذكر هذا الباب بعد الأبواب قبله، ثم إن له مناسبة أخرى لطيفة، وهي: أن ما بعد هذا الباب هو تفسير للتوحيد وبيان لأفراده، وتفسير للشرك وبيان لأفراده، فتكون الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا
стр. 62
[باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله]
" باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله " وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] [يوسف: ١٠٨] الآية.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه (١) .
ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه " فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ "، فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتِيَ به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 63
وجع، فأعطاه الراية، وقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (١) . (يدوكون: أي يخوضون) .
فيه مسائل: الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ .
الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله تعالى عن المسبَّة.
الخامسة: أن من قُبح الشرك كونه مسبَّة لله.
السادسة: - وهي من أهمها - إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يُبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى " أن يوحدوا الله ": معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البُداءة بالأهم فالأهم.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 64
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهةَ عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تُحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة قوله: " لأعطين الراية. . . " علَمٌ من أعلام النبوة.
العشرون: تَفْلُه في عينيه عَلَمٌ من أعلامها أيضا.
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دَوْكِهِم تلك الليلة وشُغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله «على رسْلك» .
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دُعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة لقوله: «أخبرهم بما يجب عليهم» .
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله، وإلى التوحيد دعوة إلى تفاصيل ذلك. وهذا من المهمات، لأن كثيرين من المنتسبين للعلم - من أهل الأمصار - يسلمون بالدعوة إلى التوحيد إجمالا، ولكن إذا أتى التفصيل في بيان مسائل التوحيد، أو جاء التفصيل في بيان أفراد الشرك، فإنهم يخالفون في ذلك، وتغلبهم نفوسهم في مواجهة الناس بحقائق أفراد التوحيد، وأفراد الشرك.
فالذي تميزت به دعوة الإمام المصلح ﵀ أن الدعوة فيها إلى شهادة أن لا إله إلا الله دعوة تفصيلية، ليست إجمالية، أما الإجمال فيدعو إليه كثيرون ممن يقولون: نهتم بالتوحيد ونبرأ من الشرك، لكن لا يذكرون تفاصيل ذلك. والذي ذكره الإمام ﵀ في بعض رسائله أنه لما عرض هذا الأمر - يعني الدعوة إلى التوحيد - على علماء الأمصار قال: وافقوني على ما قلت، وخالفوني في مسألتين: في مسألة التكفير، وفي مسألة القتال. وهاتان المسألتان سبب مخالفة أولئك العلماء للشيخ، لأنهما فرعان ومتفرعتان عن البيان والدعوة إلى أفراد التوحيد، والنهي عن أفراد الشرك.
فالدعاء - إذًا - إلى شهادة لا إله إلا الله هو الدعاء إلى ما دلت عليه من التوحيد، والدعاء إلى ما دلت عليه من نفي الشريك في العبادة، وفي الربوبية، وفي الأسماء والصفات عن الله - جل وعلا - وهذه الدعوة دعوة تفصيلية لا إجمالية؛ ولهذا فصل الإمام ﵀ في هذا الكتاب أنواع التوحيد، وأفراد توحيد العبادة، وفصَّل الشرك الأكبر والأصغر، فبين أفرادا من ذا وذاك.
وسيأتي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله في الباب الذي بعده؛ لأنه " باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ".
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال ﵀: (وقول الله تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] [يوسف: ١٠٨] ) :
هذه الآية من آخر سورة يوسف هي في الدعوة إلى الله، وسورة يوسف - كما هو معلوم - لِمَنْ تَأَمَّلَها هي في الدعوة إلى الله؛ من أولها إلى آخرها، فموضوعها - إذا - الدعوة؛ ولهذا جاء في آخرها قواعد مهمة في بيان حال الدعاة إلى الله، وحال الرسل الذين دعوا إلى الله، وما خالف به الأكثرون الرسل، واستيئاس الرسل من نصرهم ونحو ذلك من أحوال الدعاة إلى الله. وفي آخر تلك السورة قال الله - جل وعلا - لنبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] أي سبيلي ومنهجي: أنني أدعو إلى الله، فمهمة الرسل هي: الدعوة إلى الله - جل وعلا -.
فأحسن الأقوال: قول من دعا إلى الله، وأحسن الأعمال: عمل من دعا إلى الله - جل وعلا -؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] [فصلت: ٣٣] قال الحسن البصري ﵀ في تفسير هذه الآية ما معناه: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، هذا حبيب الله (١) .
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا أمر عظيم؛ فالداعي إلى الله هو أحسن أهل الأقوال قولا كما دلت عليه الآية السابقة.
وموطن الشاهد من قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] هو قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] فإنه دعاء إلى الله - جل وعلا - لا إلى غيره، وفي هذا فائدتان:
الأولى: أن الدعوة إلى الله دعوة إلى توحيده، ودعوة إلى دينه، كما سيأتي تفسير هذه الكلمة في الحديثين بعدها: حديث ابن عباس في إرسال معاذ إلى اليمن، وحديث سهل بن سعد ﵁ في إعطاء علي الراية.
فدل قوله - جل وعلا -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] على الفائدة الأولى - كما تقدم - وهي أن الدعوة إلى الله فيها دعوة إلى التوحيد.
الثانية: التنبيه على الإخلاص، وهذا يحتاجه من أراد الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، والدعاء إلى الإسلام، يعني أن الداعي إلى الإسلام يحتاج أن يكون مخلصا في ذلك؛ ولهذا قال الشيخ ﵀ في مسائل هذا الباب: في قوله: إِلَى اللَّهِ التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرين وإن دعوا إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم، أو نحو ذلك.
وقوله في الآية: عَلَى بَصِيرَةٍ البصيرية: هي العلم، وهي للقلب كالبصر للعين يبصر بها المعلومات والحقائق، فكما أنك بالعين تبصر الأجرام والذوات، فإنك ببصيرة القلب والعقل تدرك المعلومات، والمعنى: أنه دعا على علم، وعلى يقين، وعلى معرفة، لم يدعُ إلى الله على جهالة.
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله تعالى: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي يعني: أدعو أنا إلى الله وكذلك من اتبعني ممن أجاب دعوتي، فإنهم يدعون إلى الله أيضا على بصيرة، وهذا أيضا من مناسبة إيراد الآية تحت هذا الباب؛ لأن أتباع النبي ﷺ يدعون إلى الله.
فالمتبعون للرسل - عليهم الصلاة والسلام - والموحدون لله: لا بد لهم من الدعوة إلى الله، بل هذه صفته ﷺ وصفتهم التي أمر الله نبيه أن يخبر عنها، فقال (قل) يعني: يا محمد: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فهذه إذًا خصلة أتباع الأنبياء الذين لم يخافوا من الشرك فحسب، ولم يعلموا التوحيد ويعملوا به فحسب، بل دعوا إلى ذلك، وهذا أمر حتمي ولازم؛ لأن من عرف عِظَم حق الله - جل وعلا - فإنه يغار على حق الرب ، وكيف لا يغار على مولاه، وعلى حق من أحبه فوق كل محبوب من أن يكون توجه الخلق إلى غيره بنوع من أنواع التوجهات؟! . فلا بد أن يدعو إلى أصل الدين وأصل الملة الذي اجتمعت عليه الأنبياء والمرسلون، ألا وهو توحيده - جل وعلا - في عبادته، وفي ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته - جل وعلا وعز سبحانه -.
ثم ساق الإمام ﵀ حديث ابن عباس أنه قال: لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» : هذا موطن الشاهد، وهو أن النبي ﷺ أمر معاذا أن يكون
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أول ما يدعو إليه هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وفسَّرتها الرواية الأخرى للبخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، وهي بلفظ: «إلى أن يوحدوا الله» (١) .
فالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله مأمور بها، وهي: الدعوة إلى التوحيد. فالنبي ﵊ أمر معاذا أن يدعو أهل اليمن، وكانوا من أهل الكتاب، يعني: من أهل الكتاب المُتَعبدين بالتوراة والإنجيل، فبعضهم كان من اليهود، وبعضهم من النصارى، أما المشركون فيهم فهم قليل، وأكثرهم كان على إحدى الملتين.
قال العلماء: قوله ﵊ لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل الكتاب» فيه توطين وتوطئة للنفس بأن يهيئ نفسه لمناظرتهم، وقد كان معاذ بن جبل ﵁ من العلماء بدين الإسلام، ومن علماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فقال له ﵊ ذلك ليهيئ نفسه لمناظرتهم ولدعوتهم، ثم أمره أن يكون أول ما يدعوهم إليه أن يوحدوا الله - جل وعلا -.
وفي إعراب قوله: «فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله» وجهان:
الأول برفع قوله: (أولُ) على أنه اسم لـ (يكن) ، ونصب قوله (شهادة) على أنه الخبر. فيكون المعنى على هذا الوجه: أنه أخبره عن الأولية، فابتدأ بالأولية ثم أخبره بذلك الأول.
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الثاني: بنصب قوله: (أولَ) على أنه خبر لـ (يكن) مقدم، ورفع قوله (شهادة) على أنه اسمها مؤخر، فيكون المعنى على هذا الوجه: الإخبار عن الشهادة بأنها أول ما يُدعى إليه. وهذان الوجهان جائزان. والمشهور هو الوجه الثاني يعني: بجعل (أول) منصوبة؛ وذلك لأن مقام ذكر الشهادة والابتداء بها هو الأعظم، وهو المقصود؛ ليلتفت السامع والمتلقي - وهو معاذ - إلى ما يُراد منه أن يُخْبَر به من جهة الشهادة.
فموطن الشاهد من هذا الحديث، ومناسبة إيراده في الباب: هو ذكر أن التوحيد هو أول ما يدعى إليه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله.
ثم ساق في الباب أيضا حديث سهل بن سعد الذي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم» . . .
قوله: (بات) البيتوتة هي: المكث في الليل سواء أكان نوم أو لم يكن.
ومعنى قوله: " يدوكون ليلتهم " أي: يخوضون في تلك الليلة، و (باتوا) يعني ظلوا ليلا يتحدثون من دون نوم، لِعِظَمِ هذا الفضل الذي ذكره ﵊.
قال:. . . «فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتي به فبصق في عينيه، ثم دعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام» . . .: فقوله: «انفذ على رسلك حتى
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام» (١) . هذا هو موطن الشاهد والمناسبة من إيراد هذا الحديث في الباب.
قال: «ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» ، فالدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد؛ لأن أعظم أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وضم إليها ﵊ أيضا أن يدعوهم إلى حق الله فيه، يعني: إلى ما يجب عليهم من حق الله فيه.
فقوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» . . . يعني في الإسلام، من جهة التوحيد، ومن جهة الفرائض، واجتناب المحرمات؛ ولهذا يجب أن تبدأ بالدعوة أولا إلى أصل الإسلام، وهو: التوحيد، وبيان معنى الشهادتين ثم بيان المحرمات، والواجبات؛ لأن أصل الأصول هو أولى الواجبات بالتقديم.
ومما يلاحظ - هنا - أن آية سورة يوسف فيها بيان أن كل الصحابة كانوا دعاة إلى الله - جل وعلا - وإلى التوحيد، وحديث معاذ يبين أن معاذا كان من الدعاة إلى الله، وقد فصل فيه نوع تلك الدعوة إلى الله - جل وعلا - وكذلك حديث سهل بن سعد الذي فيه قصة علي فيه أيضا الدعوة إلى الإسلام، فيكون هذان الحديثان كالتفصيل لقوله في الآية: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فالدعوة على بصيرة هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وهي الدعوة إلى توحيده وإلى الإسلام، وما يجب على العباد من حق الله فيه.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " سبق بيان أن التوحيد هو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا قال العلماء: إن العطف في قوله: " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " من عطف المترادفات. ولكن هذا فيه نظر من جهة أن الترادف غير موجود، أعني: الترادف الكامل، لكن الترادف الناقص موجود فيكون هذا - إذًا - من قبيل عطف المترادفات التي يختلف بعضها عن بعض في بعض المعنى.
وقوله هنا: " باب تفسير التوحيد " يعني: الكشف والإيضاح عن معنى التوحيد، وقد تقدم أن التوحيد هو: اعتقاد أن الله - جل وعلا - واحد في ربوبيته لا شريك له، واحد في إلهيته لا ند له، واحد في أسمائه وصفاته لا مِثْل له، ، قال - جل وعلا -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١] وذلك يشمل أنواع التوحيد جميعا، فالتوحيد - إذًا -: هو اعتقاد أن الله واحد في هذه الثلاثة أشياء.
قوله: ". . . وشهادة أن لا إله إلا الله " يعني: تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة هي أعظم كلمة قالها مكلَّف، ولا شيء أعظم منها؛ وذلك لأن معناها هو الذي قامت عليه الأرض والسماوات، وما تعبَّد المتعبدون إلا لتحقيقها ولامتثالها.
والشهادة تارة تكون شهادة عن حضور وبصر، وتارة تكون شهادة عن علم، بمعنى أنه: إما أن يشهد على شيء حضره ورآه، أو يشهد على شيء
стр. 72
[باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]
" باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية [الإسراء: ٥٧] ، وقوله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] الآية، وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية [التوبة: ٣١] وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآية [البقرة: ١٦٥] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله » - (١) . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
فيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير الشهادة، وبيَّنها بأمور واضحة. منها: آية الإسراء بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 73
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] (الزخرف: ٢٦ - ٢٧) فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] (الزخرف: ٢٨) .
ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] (البقرة: ١٦٧) ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما؛ ولم يُدخلهم في الإسلام. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ ولم يحب الله؟
ومنها: قوله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» وهذا من أعظم ما يُبَيِّن معنى " لا إله إلا الله " فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفر بما يُعْبَد من دون الله. فإن شك؛ أو توقف؛ لم يحرم ماله ودمه.
فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
علمه، فهذان معنيان للشهادة. فإذا قال قائل: أشهد، فيحتمل أنها بمعنى: المشاهدة والرؤية ويحتمل أنها بمعنى العلم. ومعنى الشهادة في قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله، شهادة علمية؛ ولهذا تضمن قوله: أشهدُ، العلمَ.
والشهادة في اللغة، والشرع، وفي تفاسير السلف لآي القرآن التي فيها لفظ (شهد) كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] [آل عمران: ١٨] وكقوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] تتضمن أشياء:
الأول: الاعتقاد بما سينطق به، والاعتقاد بما شهده فكونه يشهد أن لا إله إلا الله يستلزم أنه اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة من علم ويقين؛ لأن الشهادة فيها الاعتقاد، والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا إذا كان ثمَّ علم ويقين.
الثاني: التكلم بها، فالشهادة كما أنها تقتضي اعتقادا؛ فإنها تقتضي - أيضا - إعلاما ونطقا.
والثالث: الإخبار بذلك، والإعلام به، فينطق بلسانه، وهذا من جهة الواجب وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يُخبر غيره بما شهد، وهذا من جهة (الشهادة) .
فيكون معنى: أشهد أن لا إله إلا الله: أعتقد وأتكلم، وأعلم، وأخبر: بأن لا إله إلا الله. فافترقتْ بذلك عن حال الاعتقاد، وافترقتْ كذلك عن حال القول، كما افترقت - أيضا - عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد، فلا بد لتحققها من حصول الثلاثة مجتمعة؛ ولهذا نقول في الإيمان إنه: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فـ (لا إله إلا الله) هي: كلمة التوحيد، وهي مشتملة - من حيث الألفاظ - على أربعة ألفاظ:
١ - (لا)
٢ - (إله) .
٣ - (إلا) .
٤ - لفظ الجلالة (الله) .
أما (لا) هنا فهي: النافية للجنس، تنفي الألوهية الحقة عن أحد إلا الله - جل وعلا - يعني في هذا السياق. وإذا أتى بعد النفي (إلا) - وهي أداة الاستثناء - أفادت معنًى زائدا، وهو: الحصر، والقصر، فيكون المعنى: الإلهية الحقة، أو الإله الحق هو الله، بالحصر والقصر، ليس ثمَّ إله حق إلا هو، دون ما سواه.
وكلمة (إله) على وزن (فعال) ، وتأتي أحيانا بمعنى (فاعل) ، وتأتي أحيانا بمعنى (مفعول) ، وهي - لغة - مشتقة من (ألَه) بمعنى: عَبَدَ، وقال بعض اللغويين: إنها من: ألَه يأْلَه إذا تحير، فـ (أَلَه) فلان يأْلَه أو تَأَلَّه: إذا تحير، وسمي الإله عندهم إلها؛ لأن الألباب تحيَّرت في كُنه وصفه، وكُنه حقيقته، وهذا القول ليس بجيد، بل الصواب أن كلمة (إله) (فعال) بمعنى (مفعول) وهو المعبود، ويدل على ذلك: ما جاء في قراءة ابن عباس أنه قرأ في سورة الأعراف: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] . كان ابن عباس يقرأها: وَيَذَرَكَ وَإلَاهَتَكَ قال: لأن