← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام» (١) . هذا هو موطن الشاهد والمناسبة من إيراد هذا الحديث في الباب. قال: «ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» ، فالدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد؛ لأن أعظم أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وضم إليها ﵊ أيضا أن يدعوهم إلى حق الله فيه، يعني: إلى ما يجب عليهم من حق الله فيه. فقوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» . . . يعني في الإسلام، من جهة التوحيد، ومن جهة الفرائض، واجتناب المحرمات؛ ولهذا يجب أن تبدأ بالدعوة أولا إلى أصل الإسلام، وهو: التوحيد، وبيان معنى الشهادتين ثم بيان المحرمات، والواجبات؛ لأن أصل الأصول هو أولى الواجبات بالتقديم. ومما يلاحظ - هنا - أن آية سورة يوسف فيها بيان أن كل الصحابة كانوا دعاة إلى الله - جل وعلا - وإلى التوحيد، وحديث معاذ يبين أن معاذا كان من الدعاة إلى الله، وقد فصل فيه نوع تلك الدعوة إلى الله - جل وعلا - وكذلك حديث سهل بن سعد الذي فيه قصة علي فيه أيضا الدعوة إلى الإسلام، فيكون هذان الحديثان كالتفصيل لقوله في الآية: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فالدعوة على بصيرة هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وهي الدعوة إلى توحيده وإلى الإسلام، وما يجب على العباد من حق الله فيه. باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " سبق بيان أن التوحيد هو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا قال العلماء: إن العطف في قوله: " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " من عطف المترادفات. ولكن هذا فيه نظر من جهة أن الترادف غير موجود، أعني: الترادف الكامل، لكن الترادف الناقص موجود فيكون هذا - إذًا - من قبيل عطف المترادفات التي يختلف بعضها عن بعض في بعض المعنى. وقوله هنا: " باب تفسير التوحيد " يعني: الكشف والإيضاح عن معنى التوحيد، وقد تقدم أن التوحيد هو: اعتقاد أن الله - جل وعلا - واحد في ربوبيته لا شريك له، واحد في إلهيته لا ند له، واحد في أسمائه وصفاته لا مِثْل له، ، قال - جل وعلا -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١] وذلك يشمل أنواع التوحيد جميعا، فالتوحيد - إذًا -: هو اعتقاد أن الله واحد في هذه الثلاثة أشياء. قوله: ". . . وشهادة أن لا إله إلا الله " يعني: تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة هي أعظم كلمة قالها مكلَّف، ولا شيء أعظم منها؛ وذلك لأن معناها هو الذي قامت عليه الأرض والسماوات، وما تعبَّد المتعبدون إلا لتحقيقها ولامتثالها. والشهادة تارة تكون شهادة عن حضور وبصر، وتارة تكون شهادة عن علم، بمعنى أنه: إما أن يشهد على شيء حضره ورآه، أو يشهد على شيء

стр. 72

[باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله] " باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية [الإسراء: ٥٧] ، وقوله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] الآية، وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية [التوبة: ٣١] وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآية [البقرة: ١٦٥] . وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله » - (١) . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. فيه مسائل: فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير الشهادة، وبيَّنها بأمور واضحة. منها: آية الإسراء بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] (الزخرف: ٢٦ - ٢٧) فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] (الزخرف: ٢٨) . ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] (البقرة: ١٦٧) ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما؛ ولم يُدخلهم في الإسلام. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ ولم يحب الله؟ ومنها: قوله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» وهذا من أعظم ما يُبَيِّن معنى " لا إله إلا الله " فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفر بما يُعْبَد من دون الله. فإن شك؛ أو توقف؛ لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع! ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] علمه، فهذان معنيان للشهادة. فإذا قال قائل: أشهد، فيحتمل أنها بمعنى: المشاهدة والرؤية ويحتمل أنها بمعنى العلم. ومعنى الشهادة في قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله، شهادة علمية؛ ولهذا تضمن قوله: أشهدُ، العلمَ. والشهادة في اللغة، والشرع، وفي تفاسير السلف لآي القرآن التي فيها لفظ (شهد) كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] [آل عمران: ١٨] وكقوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] تتضمن أشياء: الأول: الاعتقاد بما سينطق به، والاعتقاد بما شهده فكونه يشهد أن لا إله إلا الله يستلزم أنه اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة من علم ويقين؛ لأن الشهادة فيها الاعتقاد، والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا إذا كان ثمَّ علم ويقين. الثاني: التكلم بها، فالشهادة كما أنها تقتضي اعتقادا؛ فإنها تقتضي - أيضا - إعلاما ونطقا. والثالث: الإخبار بذلك، والإعلام به، فينطق بلسانه، وهذا من جهة الواجب وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يُخبر غيره بما شهد، وهذا من جهة (الشهادة) . فيكون معنى: أشهد أن لا إله إلا الله: أعتقد وأتكلم، وأعلم، وأخبر: بأن لا إله إلا الله. فافترقتْ بذلك عن حال الاعتقاد، وافترقتْ كذلك عن حال القول، كما افترقت - أيضا - عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد، فلا بد لتحققها من حصول الثلاثة مجتمعة؛ ولهذا نقول في الإيمان إنه: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فـ (لا إله إلا الله) هي: كلمة التوحيد، وهي مشتملة - من حيث الألفاظ - على أربعة ألفاظ: ١ - (لا) ٢ - (إله) . ٣ - (إلا) . ٤ - لفظ الجلالة (الله) . أما (لا) هنا فهي: النافية للجنس، تنفي الألوهية الحقة عن أحد إلا الله - جل وعلا - يعني في هذا السياق. وإذا أتى بعد النفي (إلا) - وهي أداة الاستثناء - أفادت معنًى زائدا، وهو: الحصر، والقصر، فيكون المعنى: الإلهية الحقة، أو الإله الحق هو الله، بالحصر والقصر، ليس ثمَّ إله حق إلا هو، دون ما سواه. وكلمة (إله) على وزن (فعال) ، وتأتي أحيانا بمعنى (فاعل) ، وتأتي أحيانا بمعنى (مفعول) ، وهي - لغة - مشتقة من (ألَه) بمعنى: عَبَدَ، وقال بعض اللغويين: إنها من: ألَه يأْلَه إذا تحير، فـ (أَلَه) فلان يأْلَه أو تَأَلَّه: إذا تحير، وسمي الإله عندهم إلها؛ لأن الألباب تحيَّرت في كُنه وصفه، وكُنه حقيقته، وهذا القول ليس بجيد، بل الصواب أن كلمة (إله) (فعال) بمعنى (مفعول) وهو المعبود، ويدل على ذلك: ما جاء في قراءة ابن عباس أنه قرأ في سورة الأعراف: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] . كان ابن عباس يقرأها: وَيَذَرَكَ وَإلَاهَتَكَ قال: لأن

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فرعون كان يُعبَد ولم يكن يَعْبُد، فصوب القراءة بـ وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ يعني: وعبادتك، وقراءتنا - وهي قراءة السبعة - ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] يعني: المتقدمين، فهذا معناه: أن ابن عباس فهم من الإلَهَة، معنى العبادة، وقد قال الراجز: لله در الغانيات المدَّهِ ... سبَّحن واسترجعن من تألهِ يعني: من عبادتي، فيكون - إِذًا - الإله هو: المعبود، بمعنى (لا إله) : لا معبود إلا الله. فـ (لا) في قوله (لا معبود) هي: النافية للجنس وهي - كما تعلمون - تحتاج إلى اسم وخبر؛ لأنها تعمل عمل (إن) كما قال ابن مالك في الألفية: عمل (إن) اجعل لـ (لا) في نكرة ... . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: فأين خبر (لا) النافية للجنس؟ فالجواب أنَّ كثيرا من المنتسبين للعلم قدروا الخبر: بـ (لا إله موجود إلا الله) ، ووَجْه هذا التقدير، وسببه: يحتاج إلى مقدمة قبله وهي: أن المتكلمين والأشاعرة والمعتزلة ومن ورثوا علوم اليونان قالوا: إن كلمة (إله) هي بمعنى: فاعل؛ لأن (فعال) تأتي بمعنى (مفعول) ، أو (فاعل) فقالوا: هي بمعنى آلِه، والآلِه هو: القادر، ففسروا (الإله) بأنه: القادر على الاختراع؛ وهذا تجده مسطورا في عقائد الأشاعرة، كما في شرح العقيدة السنوسية، التي تسمى عندهم بـ (أم البراهين) . إذ قال فيها ما نصُّه: (الإله) هو المستغني عما سواه، المفتقر إليه كُلُّ ما عداه، قال: فمعنى لا إله إلا الله: لا مستغنيا عما سواه، ولا مفتقرا إليه كلُّ ما عداه إلا

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الله. ففسروا الألوهية بالربوبية، وفسروا الإله بالقادر على الاختراع، أو بالمستغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، ولذلك يقدِّرون الخبر: موجود، فـ (لا إله) خَبَرُهَا: موجود، يعني: لا قادر على الاختراعِ والخلقِ موجودٌ إلا الله، ولا مستغنيا عما سواه، ولا مفتقرا إليه كل ما عداه موجودٌ إلا الله؛ لأن الخلق جميعا محتاجون إلى غيرهم. وهذا الذي قالوه هو الذي فتح باب الشرك على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أن التوحيد هو: إفراد الله بالربوبية، فإذا اعتقد المرء أن القادر على الاختراع هو الله وحده: صار موحدا، وإذا اعتقد أن المستغني عما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه هو الله وحده صار عندهم موحدا وهذا من أبطل الباطل؛ لأن مشركي قريش كانوا على الإقرار بالربوبية، كما دَلَّ القرآن على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] [العنكبوت: ٦١] وفي آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] [الزخرف: ٩] ونحو ذلك من الآيات، وهي كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢] [يونس: ٣١ - ٣٢] الآيات من سورة يونس. فَعُلم بذلك

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أن مشركي قريش لم يكونوا ينازعون في الربوبية. فصارت هذه الكلمة - إذًا - دالة على غير ما أراد أولئك المتكلمون وهو ما ذكرناه آنفا من أن معنى: لا إله، هو: لا معبود، وأن تقدير الخبر: (موجود) فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله، وهذا باطل؛ لأننا نرى أن المعبودات كثيرة وقد قال - جل وعلا - مخبرا عن قول الكفار: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] [ص: ٥] فدل ذلك: أن المعبودات كثيرة. والمعبودات موجودة. فتقدير الخبر بـ (موجود) غلط. ومن المعلوم أن المتقرر في علم العربية أن خبر (لا) النافية للجنس يكثر حذفه في لغة العرب، وفي نصوص الكتاب والسنة؛ ذلك أن خبر (لا) النافية للجنس يحذف إذا كان المقام يدل عليه، وإذا كان السامع يعلم ما المقصود من ذلك، وقد قال ابن مالك في آخر باب (لا) النافية للجنس لما ساق هذه المسألة: وشاع في ذا الباب (١) . إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر فإذا ظهر المراد مع حذف الخبر، فإنك تحذف الخبر؛ لأن الأنسب أن يكون الكلام مختصرا كما في قوله ﵊: «لا عدوى ولا طيَرةَ ولا هامةَ ولا صفرَ ولا نوءَ ولا غولَ» (٢) . فأين الخبر فيما تقدم؟ الجواب: أنه في كل ذلك محذوف؛ لكونه معلوما لدى السامع إذًا: فخبر (لا إله) معلوم، ولا يصح تقديره: بـ (موجود) ؛ لأن الآلهة التي عبدت مع الله موجودة، فالصحيح تقدير الخبر بقولك بِحَقٍّ أو: حَقٌّ يعني: لا إله بحق أو لا معبود بحق أو لا

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] معبود حق إلا الله، وإن قدرت الظرف فلا بأس، أو قدرت كلمة مفردة فلا بأس، فلا معبود حق إلا الله: هذا معنى كلمة التوحيد فيكون كل معبود غير الله - جل وعلا - قد عبد ولكن هل عبد بالحق، أو عبد بالباطل، والظلم، والطغيان، والتعدي؟؟! الجواب: أنه قد عبد بالباطل، والظلم، الطغيان، والتعدي، وهذا يفهمه العربي بمجرد سماعه لكلمة لا إله إلا الله؛ ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: بئس قوم أبو جهل أعلم منهم بـ (لا إله إلا الله) . فأبو جهل كان يفهم هذه الكلمة، وأبى أن يقولها. ولو كان معناها: لا إله موجود، كما يزعم كثير من أهل هذا العصر وما قبله: لقالوها بسهولة، ولم يدروا ما تحتها من المعاني. لكنهم كانوا يعلمون أن معناها: لا معبود حق إلا الله، وأن عبادة غيره إنما هي بالظلم، فهل يقرون على أنفسهم بالظلم، والبغي، والعدوان؟! وحقيقة معنى (لا إله إلا الله) ، هي ما شرحناه، وبيناه، وفيها الجمع بين النفي والإثبات، كما سيأتي بيان ذلك في آية سورة الزخرف، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف: ٢٧] . قال الإمام ﵀: (وقول الله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء: ٥٧] ) : هذه الآية تفسير للتوحيد؛ وذلك أننا عرفننا التوحيد

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بأنه إفراد الله بالعبادة - وهو توحيد الإلهية - وهذه الآية اشتملت على الثناء على خاصة عباد الله، بأنهم وحدوا الله في الإلهية. وهذه مناسبة الآية للباب، فقد وصفهم الله - جل وعلا - بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧] ومعنى: يَدْعُونَ: يعبدون؛ لأن الدعاء هو العبادة، والدعاء نوعان كما سيأتي تفصيله: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، فقوله هنا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧] يعني: يعبدون، والوسيلة في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] هي: القصد والحاجة، والتقرب بالأعمال الصالحة يعني: أن حاجاتهم يبتغونها إلى ربهم ذي الربوبية الذي يملك الإجابة، وفي مسائل نافع بن الأزرق، المعروفة لابن عباس ﵄ أنه سأله عن قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] ما معنى الوسيلة؟ فقال: الوسيلة الحاجة، فقال له: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، ألم تسمع قول الشاعر، وهو عنترة يخاطب امرأة: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلي وتخضبي فقول عنترة: (لهم إليك وسيلة) يعني: لهم إليك حاجة، ووجه الاستدلال من آية المائدة: أنه قال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فقدم الجار والمجرور على لفظ (الوسيلة) ، وتقديم الجار والمجرور - وحقه التأخير - يفيد الحصر والقصر، وعند عدد من علماء المعاني: يفيد الاختصاص، وسواء أكان هذا أم ذاك، فوجه الاستدلال ظاهر: في أن قوله تعالى في آية الإسراء:

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] معناه: أن حاجاتهم إنما يبتغونها عند الله، وقد اختص الله - جل وعلا - بذلك، فلا يتوجهون إلى غيره، وقد حصروا وقصروا التوجه في الله - جل وعلا -. وقد جاء بلفظ الربوبية دون لفظ الألوهية قوله تعالى ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] ولم يقل: يبتغون إلى الله الوسيلة؛ لأن إجابة الدعاء، والإثابة، هي: من مفردات الربوبية؛ لأن ربوبية الله على خلقه تقتضي أن يجيب دعاءهم وأن يعطيهم سؤلهم. فظهروا من قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] أن فيها تفسير التوحيد، وهو أن كل حاجة من الحاجات إنما تنزلها بالله - جل وعلا - وكذلك قوله: يَدْعُونَ فيه تفسير التوحيد - أيضا - لأن معنى يَدْعُونَ يعبدون؛ فهم إنما يطلبون حاجتهم من الله - جل وعلا - فلا يعبدون غير الله بنوع من العبادات، ولا يتوجهون بها لغير الله، فإذا نحروا فإنما ينحرون يبتغون إلى ربهم الحاجة، وإذا صلوا فإنما يصلون يبتغون إلى ربهم القربة، وإذا استغاثوا فإنما يستغيثون بالله يبتغون إليه رفيع الدرجات دونما سواه، إلى آخر مفردات توحيد العبادة. فهذه الآية دالة - بظهور - على أن قوله: ﴿يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] أنه هو التوحيد. وقد استشكل بعض أهل العلم إيراد هذه الآية في الباب وقال: ما مناسبة هذه الآية لهذا الباب؟ وبما ذكرت لك تتضح المناسبة جليا.

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وقوله - جل وعلا -: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء: ٥٧] فيه بيان لحال خاصة عباد الله الذين جمعوا بين العبادة، والخوف، والرجاء، فيرجون رحمته، ويخافون عذابه، فهم إنما توجهوا إليه وحده دون ما سواه فأنزلوا الخوف، والمحبة، والدعاء، والرغب، والرجاء في الله - جل وعلا - وحده دون ما سواه، وهذا هو تفسير التوحيد. قال ﵀: وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف: ٢٧] والدليل في هذه الآية هو قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] ووجه الاستدلال أن هذه الجملة فيها البراءة، وفيها الإثبات، فالبراءة: مما يعبدون، قال بعض أهل العلم: تبرأ من العبادة ومن المعبودين قبل أن يتبرأ من العابدين؛ لأنه إذا تبرأ من أولئك: فقد بلغ به الحنق، والكراهة، والبغضاء، والكفر بتلك العبادة مبلغها الأعظم، وقد جاء تفصيل ذلك في آية الممتحنة كما هو معلوم. فمناسبة هذه الآية للباب: أن قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] اشتملت على نفي وإثبات، فهي مساوية لكلمة التوحيد بل هي التوحيد، ففي هذه الآية تفسير شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا قال - جل وعلا - بعدها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] فما هذه الكلمة؟

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] هي قول: لا إله إلا الله، كما عليه تفاسير السلف، فقوله - جلا وعلا -: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] فيه النفي الذي نعلمه من قوله (لا إله) ، وقوله ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] فيه الإثبات الذي نفهمه من قولنا (إلا الله) فتفسير شهادة أن لا إله إلا الله هو في هذه الآية؛ لأن: (لا إله) معناها: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] و (إلا الله) معناها ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] ففي آية سورة الزخرف هذه: أن إبراهيم ﵇ شرح لهم معنى كلمة التوحيد بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] والبراءة هي: الكفر، والبغضاء، والمعاداة. وتبرَّأ من عبادة غير الله، فهذه البراءة لا بد منها، ولا يصح إسلام أحد حتى تقوم هذه البراءة في قلبه؛ لأنه إن لم تقم هذه البراءة في قلبه، فلا يكون موحدا، والبراءة هي: أن يكون مبغضا لعبادة غير الله، كافرا بعبادة غير الله، معاديا لعبادة غير الله، كما قال في الآية هنا: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] أما البراءة من العابدين فإنها من لوازم التوحيد، وليست من أصل كلمة التوحيد، بمعنى أنه قد يعادي، وقد لا يعادي. وهذه لها مقامات منها ما هو مكفر، ومنها ما هو نوع موالاة، ولا يصل بصاحبه إلى الكفر. فتحصل لك - إذًا -: أن البراءة بالتي هي مضمنة في النفي في قول: (لا إله) تقتضي البغض لعبادة الله، والكفر بعبادة غير الله والعداوة لعبادة غير الله، وهذا القدر لا بد منه، بل لا يستقيم إسلام أحد حتى يكون في قلبه ذلك.

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] وهذا الاستثناء هو كالاستثناء الذي في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، قال بعض أهل العلم في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] ذكر الفطر دون غيره؛ لأن في ذلك تذكيرا بأنه إنما يستحق العبادة مَن فَطَر، أما مَن لم يفطِرْ، ولم يخلق شيئا، فإنه لا يستحق شيئا من العبادة. فمناسبة هذه الآية للباب ظاهرة، وكذا: وجه الاستدلال منها. قال: وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة: ٣١] الأرباب: جمع رب، والربوبية هنا هي: العبادة، يعني: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم معبودين مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: مع الله؛ وذلك أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، والطاعة من التوحيد، وفردٌ من أفراد العبادة، فإذا أطاع غير الله في التحليل وفي التحريم: فإنه يكون قد عبد ذلك الغير، فهذه الآية فيها: ذِكْرُ أحد أفراد التوحيد، وأحد أفراد العبادة، وهو الطاعة، وسيأتي إيرادها في باب مستقل - إن شاء الله تعالى - مع بيان ما تشتمل عليه من المعاني. قال: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] . أخبر الله - جل وعلا - أن المشركين اتخذوا من دون الله أندادا - يعني: مع الله، أو غيره - دونه وجعلوهم يستحقون شيئا من العبادات، ووصفهم بأنهم

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقوله هنا ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] للمفسرين من السلف فمن بعدهم هنا قولان: ١ - منهم من يقول: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] هي كلها في الذين اتخذوا أندادا يعني: يحبون أندادهم كحبهم لله. ٢ - وقال آخرون: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] يعني: يحبونهم كحب المؤمنين لله فـ (الكاف) هنا بمعنى: مثل، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] فالكاف هنا اسم بمعنى: مثل؛ لأنه عطف عليها اسما آخر وهو قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] فيكون معنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أي: أنهم سوَّوا تلك الآلهة بالله تعالى في المحبة، فهم يحبون الله حبا عظيما، ولكنهم يحبون تلك الآلهة أيضا حبا عظيما، وهذه التسوية هي: الشرك، وهي التي جعلتهم من أهل النار، كما قال - جل وعلا - في سورة الشعراء مخبرا عن قول أهل النار، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] ومعلوم أنهم ما سووا تلك الآلهة برب العالمين في الخلق، والرزق، ومفردات الربوبية، وإنما سووهم برب العالمين في المحبة والعبادة فيكون معنى قوله - جل وعلا - ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أنهم: يحبونهم محبة

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] مثل محبتهم لله، وهذا الوجه أرجح من الوجه الآخر الذي تقديره: كحب المؤمنين لله، والذين آمنوا أشد حبا لله. ووجه الاستدلال من الآية، ومناسبتها للباب ظاهرة: في أن التشريك في المحبة مناف لكلمة التوحيد، ومناف للتوحيد من أصله، بل حَكَمَ اللهُ عليهم بأنهم اتخذوا أندادا من دون الله، يحبونهم كحب الله، ووصفهم بذلك، ولا شك أن المحبة نوع من أنواع العبادة، والمحبة مُحَرِّكَة، وهي التي تبعث على التصرفات. فوجه ذكره المحبة هنا: أن المحبة نوع من أنواع العبادة، فلما لم يفردوا الله بهذه العبادة: صاروا متخذين أندادا من دون الله، وهذا معنى التوحيد، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله. ثم قال ﵀: (في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله، حَرُم ماله ودمه، وحسابه على الله » - ") : في هذا الحديث: بيان التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ ذلك أن ثمة فرقا بين قول: لا إله إلا الله، وبين التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، فالتوحيد والشهادة أرفع درجة، ويختلفان عن مجرد القول، وهذا الحديث فيه قيد زائد عن مجرد القول، وهو قوله ﵊: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله» فتكون (الواو) هنا عاطفة، ويكون ما بعدها غير ما قبلها؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فتضمن قوله: " كفر بما يعبد من دون الله " أمرا زائدا على مجرد القول، فيكون المعنى: أنه قال: لا إله إلا الله، ومع قوله كفر بما يعبد من دون الله، يعني: تبرأ مما يعبد من دون الله. هذا قولٌ.

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والقول الثاني: أن (الواو) هنا وإن كانت عاطفة، فليست لتمام المغايرة، وإنما هي من باب عطف التفسير، فيكون ما بعدها بعض ما قبلها، كقوله - جل وعلا -: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البقرة: ٩٨] فجبريل وميكال بعض الملائكة، فعطفهم، وخصهم بالذكر، وأظهر اسم جبريل وميكال: لبيان أهمية هذين الاسمين، وأهمية هذين الملكين؛ لأن أولئك اليهود لهم كلام بالقدح في جبريل وميكال. فالمقصود: أن العطف - هنا -: عطف خاص بعد عام، أو عطف تفسير؛ لأن ما بعدها داخل في ما قبلها، وهذا تفسير لقوله: لا إله إلا الله، فتكون: (لا إله إلا الله) على هذا القول الثاني: متضمنة للكفر بما يعبد من دون الله، وهذا سبق ذكره في تفسير معنى البراءة المذكورة في آية سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف: ٢٧] إذ قلنا: إن البراءة تتضمن البغض، والكفر، والمعاداة، والكفر يكون بما يعبد من دون الله، وهذا تفسير ظاهر لكلمة التوحيد. والوجه الثاني هو الأظهر لسياق الشيخ - رحمه الله تعالى - بل هو الذي يتوافق مع ما قبله من الأدلة. وقوله: " حرم دمه وماله وحسابه على الله "، ذلك لأنه صار مسلما، فمن قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، صار مسلما، والمسلم لا يحل دمه إلا بإحدى ثلاث، وكذلك: لا يحل ماله إلا بحق؛ ولهذا قال هنا: " حرم ماله ودمه ".

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فظهر من هذه الترجمة، وما فيها من الآيات والحديث: أن تفسير التوحيد وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله: يستوجب من المسلم مزيد عناية، ونظر، وتأمل، وتأنٍّ حتى يفهمه بحجته، وببيان وجه الحجة في ذلك. بعد ذلك قال الشيخ ﵀: " (وتفسير هذه الترجمة ما بعدها من أبواب) : فالكتاب كله هو تفسير للتوحيد، وتفسير لكلمة لا إله إلا الله، وبيان ما يضاد ذلك، وبيان ما ينافي أصل التوحيد، وما ينافي كماله، وبيان الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والشرك الخفي، وشرك الألفاظ، وبيان بعض مستلزمات التوحيد - توحيد العبادة - من الإقرار لله بالأسماء والصفات، وبيان ما يتضمنه توحيد العبادة من الإقرار لله - جل وعلا - بالربوبية. هذا بابٌ شرع به الشيخ ﵀ في تفصيل ما سبق، وهو بيان التوحيد ببيان ضده. ومن المعلوم أن الشيء يعرف ويتميز بشيئين: بحقيقته، وبمعرفة ضده. والتوحيد يتميز بمعرفته في نفسه أي: بمعرفة معناه وأفراده، وبمعرفة ضده أيضا وقد قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . وبضدها تتميز الأشياء

стр. 89

[باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه] " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه " وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] الآية [الزمر: ٣٨] عن عمران بن الحصين ﵁ «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: " ما هذه؟ " قال: من الواهنة، فقال: " انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت، وهي عليك، ما أفلحت أبدا» رواه أحمد بسند لا بأس به (١) وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتَمَّ الله له، ومن تعلق ودعة فلا وَدَعَ الله له» (٢) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٣) ولابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٤) . فيه مسائل: الأولى: التغليظ في لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 90

الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه؛ ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة. الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة؛ بل وتضر لقوله «لا تزيدك إلا وهنا» . الخامسة الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك. السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وُكِل إليه. السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحُمَّى من ذلك. التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة. العاشرة: أن تعليق الوَدَع عن العين من ذلك. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يُتِمُّ له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وهذا صحيح: فإن التوحيد يُعرف حسْنُه بمعرفة قبح الشرك. وقد بدأ الإمام ﵀ في ذكر ما هو مضاد للتوحيد. وما يضاد التوحيد منه: ما يضاد أصله، وهو الشرك الأكبر الذي إذا أتى به المكلف فإنه ينقض توحيده، ويكون مشركا شركا أكبر مخرجا من الملة، فمثل هذا يقال فيه: أنه قد أتى بما ينافي التوحيد، أو ينافي أصل التوحيد. والثاني: ما ينافي كمال التوحيد الواجب، وهو: ما كان حاصلا من جهة الشرك الأصغر، فإنه ينافي كماله الواجب، فإذا أتى بشيء منه، فقد نافى بذلك كمال التوحيد؛ لأن كمال التوحيد إنما يكون بالتخلص من أنواع الشرك جميعا، وكذلك الرياء فإنه من أفراد الشرك الأصغر أعني: يسير الرياء، وهو ينافي كمال التوحيد. ومنها أشياء يقول العلماء عنها: إنها نوع شرك، فيعبرون عن بعض المسائل من الشركيات بأنها نوع شرك أو نوع تشريك فصارت ألفاظهم - عندنا - في هذا الباب أربعة: الأول: الشرك الأكبر. الثاني: الشرك الأصغر. الثالث: الشرك الخفي. الرابع: قولهم في بعض المسائل: فيها نوع شرك، أو نوع تشريك، وذلك مثل ما سيأتي في قوله - جل وعلا -: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] ، وفي نحو قوله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] [الأعراف: ١٩١] وهذا يدخل في باب الطاعة، كما سيأتي بيانه مفصلا - إن شاء الله -.

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ابتدأ الشيخ ﵀ في هذا الباب: بتفصيل وبيان صور من الشرك الأصغر، التي يكثر وقوعها، وقدّم الأصغر على الأكبر: انتقالا من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الشبهة في الأدنى ضعيفة بخلاف الشبهة في الأعلى، فإنها أقوى، لأن شبهة المتعلّق بالخيط، وبالتمائم أضعف من شبهة المتعلّق بالأولياء والصالحين، فإذا علم المتعلّق بالخيط، والتمائم، ونحوها خطأه وبطلان تعلّقه، سَهُلَ - بعد ذلك - إقناعه ببطلان التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، وبأنه أقبح من الأول - كما هو الحال في الشرك الأكبر -، أما إذا جاء إلى من هو متلبس بالشرك الأكبر، كالذي يتعلّق بالأولياء، ويدعوهم، ويسألهم، ويذبح لهم، فلا يَحْسُنُ فيمن هذه حاله أن يُنْتَقل في إقناعه ببطلان ما هو عليه من الأعلى إلى الأدنى؛ لقوة الشبهة عنده تجاه من أشرك بهم، وهي - بزعمه - أن أولئك لهم مقامات عند الله - جل وعلا - فهذه حقيقة حال الذين يتوجهون إلى أولئك المدعوين، ويشركون بهم الشرك الأكبر المخرج من الملة - والعياذ بالله - فإنهم يقولون: إنما أردنا الوسيلة، وهؤلاء الذين ندعوهم لهم مقامات عند الله، وإنما أردنا الوسيلة. فحال هؤلاء كحال المشركين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ الذين قال الله - جل وعلا - فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] والمقصود: أن الشيخ ﵀ بدأ أولا بتفصيل الشرك الأصغر انتقالا من الأدنى إلى الأعلى حتى يكون ذلك أقوى في الحجة، وأمكن في النفوس، من جهة: ضرورة التعلّق بالله، وإبطال التعلق بغيره.

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله ﵀: (بابٌ من الشرك) : (مِن) هنا تبعيضية؛ يعني: أن هذه الصورة التي في الباب هي بعض الشرك، لكن هل هي بعض أفراده أو بعض أنواعه؟ الجواب: أنها شاملة للأمرين؛ لأن ما ذُكر - وهو لبس الحلقة أو الخيط - هو أحد أنواع الشرك، وهو: الشرك الأصغر، وهو أيضا أحد أفراد الشرك بعمومه؛ لأنها صورة من صور الإشراك. قوله: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما) : المقصود بقوله: (ونحوهما) ما يكون نحو الحلقة والخيط مثل: الخرز، والتمائم، والحديد، ونحو ذلك مما قد يُلبس، ومثله أيضا ما يعلّق في البيوت، أو في السيارات، أو يعلّق على الصغار، ونحو ذلك، مما فيه لبس، أو تعليق، فكل ذلك يدخل في هذا الباب، وأنه من الشرك. والحلقة: إما أن تكون من صُفر يعني: من نحاس، وإما أن تكون من حديد، أو تكون من أي معدن. والخيط: معروف، والمراد عَقْدُهُ في اليد على وجه الاعتقاد، وليس المراد خيطا بعينه. وكان للعرب اعتقاد في الحلقة والخيط، ونحوهما: كالتمائم، وغيرها، إذ كانوا يعتقدون أن من تعلّق شيئا من ذلك: أثر فيه ونفع، إما من جهة دفع البلاء قبل وقوعه، وإما من جهة رفع البلاء أو المرض بعد وقوعه؛ ولهذا قال الشيخ ﵀: (لرفع البلاء أو دفعه) ؛ لأن الحالتين موجودتان، فمنهم من يعلّق الحلق، والخيوط، ونحوهما قبل وقوع البلاء لدفعه، ولا شك أن هذا أعظم إثما وذنبا من الذي يعلّق هذه الأشياء لرفع البلاء بعد حصوله؛ لأنه يعتقد أن هذه الأشياء الخسيسة الوضعية تدفع قدر الله - جل وعلا -،

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فالصنف الأول، هم من ذكرنا، والصنف الثاني: هم الذين يلبسون تلك الأشياء، ويعلّقونها لرفع البلاء بعد حصوله، كمن مرض فلبس خيطا، ليرفع ذلك المرض، أو أصابته عين فلبس الخيط ليرفع تلك العين، وهكذا: في أصناف شتى، من أحوال الناس في ذلك. ثمّ لِمَ كان لُبس الحلقة أو الخيط من الشرك الأصغر؟ الجواب: لأنه تعلق قلبه بها، وجعلها سببا لرفع البلاء، أو سببا لدفعه، والقاعدة في هذا الباب: أن إثبات الأسباب المؤثرة وكون الشيء سببا: لا يجوز إلا من جهة الشرع فلا يجوز إثبات سبب إلا أن يكون سببا شرعيا، أو أن يكون سببا قد ثبت بالتجربة الواقعة أنه يؤثر أثرا ظاهرا لا خفيا فمن لبس حلقة أو خيطا أو نحوهما لرفع البلاء أو دفعه فإنه يكون بذلك قد اتخذ سببا ليس مأذونا به شرعا، وكذلك من جهة التجربة: لا يحصل له ذلك على وجه الظهور وإنما هو مجرد اعتقاد من الملابس لذلك الشيء فيه، فقد يوافق القدر، فيُشفى مِن حِين لُبس أو بعد لبسه، أو يدفع عنه أشياء يعتقد أنها ستأتيه فيبقى قلبه معلقا بذلك الملبوس، ويظن بل يعتقد أنه سبب من الأسباب، وهذا باطل. أما وجه كون لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه شركا أصغر: فإن من لبسها فقد تعلق قلبه بها، وجعلها تدفع وتنفع، أو جعلها تؤثر في رفع الضرر عنه، أو في جلب المنافع له. وهذا إنما يستقل به الله - جل وعلا - وحده؛ إذ هو وحده النافع الضار، وهو الذي يفيض بالرحمة، ويفيض بالخير أو يمسك ذلك. وأما الأسباب التي تكون سببا لمسبباتها فهذه لا بد أن يكون مأذونا بها في الشرع؛ ولهذا يعبر بعض العلماء

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] عما ذكرت بقوله: من أثبت سببا - يعني: ادّعى أنه يُحدِث المسبَّب، أو يُحْدِث النتيجة - لم يجعله الله سببا، لا شرعا، ولا قدرا: فقد أشرك، يعني الشرك الأصغر. هذه القاعدة صحيحة - في الجملة - لكن قد يُشْكِل دخول بعض الأمثلة فيها، لكن المقصود من هذا الباب: إثبات أن الأسباب لا بد أن تكون إما من جهة الشرع، وإما من جهة التجربة الظاهرة، مثل: دواء الطبيب بالنار، ومثل: الانتفاع ببعض الأسباب التي فيها الانتفاع ظاهر، كأن تتدفأ بالنار أو تتبرد بالماء أو نحو ذلك، فهذه أسباب ظاهرة بَيِّنَةُ الأثر، فتحصَّل من هذا: أن تعلّق القلب بشيء لرفع البلاء، أو دفعه لم يجعله الشارع سببا، ولم يأذن به، يكون نوع شرك، وهذا مراد الشيخ بهذا الباب؛ فإن لبس الخيط والحلقة من الشرك الأصغر. وهنا تنبيه: وهو أن كل أصناف الشرك الأصغر قد تكون شركا أكبر بحسب حال من فعلها: فالأصل: أن لبس الحلقة أو الخيط. وتعليق التمائم، والحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك من الأعمال، أو الاعتقادات، أو الأقوال الأصل فيها: أنها من الشرك الأصغر، لكن قد تكون شركا أكبر بحسب حال صاحبها، يعني: إن اعتقد في الحلقة والخيط مثلا أنها تؤثر بنفسها: فهذا شرك أكبر، وإذا اعتقد أنها ليست سببا لكن تؤثر بنفسها وتدفع الضرر بنفسها، فتدفع المرض بنفسها، وتدفع العين بنفسها، أو ترفع المرض بنفسها، أو ترفع العين بنفسها. فإذا اعتقد أنها ليست أسبابا بل هي مؤثرة بنفسها: فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه جعل التصرف في

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] هذا الكون لأشياء مع الله - جل وعلا -، ومعلوم أن هذا من أفراد الربوبية، فيكون ذلك شركا في الربوبية فعماد هذا الباب على تعلّق القلب بهذه الأشياء: كالحلقة، والخيط، ونحوهما؛ لدفع ما يسوؤه، أو لرفع ما حل به من مصائب. ثم ساق الشيخ ﵀ بعد ذلك قول الله - جل وعلا -: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] [الزمر: ٣٨] . قوله - جل وعلا - في هذه الآية من سورة الزمر: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] قال بعض أهل العلم: إن (الفاء) إذا جاءت بعد همزة الاستفهام، فإنها تكون عاطفة على جملة محذوفة يدل عليها السياق، وهذه الآية أولها ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ [الزمر: ٣٨] يعني: قل: أتقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، ومع ذلك تدعون غيره؛ وتتوجهون لغيره؟! أتقرون بذلك، وتفعلون هذه الأشياء؟ أو يكون التقدير: أتقرون بأن الله هو الواحد في ربوبيته، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وحده؟؟ إذا أقررتم هذه الأشياء التي تتوجهون لها من دون الله، هل هي قادرة على دفع المضار عنكم؟ أو هل تجلب لكم رحمة من دون الله؟؟!! فعلى هذا: تكون (الفاء) هنا ترتيبية؛ رتبت ما بعدها على ما قبلها، وهذا هو المقصود هنا من هذا الاحتجاج؛ لأن

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] طريقة القرآن أنه يحتج على المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الإلهية، وهم أقروا بالربوبية، فرتب على إقرارهم بهذا: أنه يلزمهم أن يبطلوا عبادة غير الله - جل وعلا - ومعنى قوله: تَدْعُونَ أي: تعبدون، وقد تكون العبادة بدعاء المسألة، وقد تكون بأنواع العبادة الأخرى، وقوله: تَدْعُونَ يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة؛ لأنهما حالتان من أحوال أهل الإشراك بالله. و (ما) في قوله: مَا تَدْعُونَ عامة؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي؛ أي: أفرأيتم الذي تدعونه من دون الله. والذي يدعونه من دون الله - الذي شملته هذه الآية - أنواع، كل ما دعي من دون الله مما جاء بيانه في القرآن، وقد جاء في القرآن بيان الأصناف التي أُشرِك بها من دون الله - جل وعلا - وتُوُجِّهَ لها بالعبادة، وهي أنواع: الأول: بعض الأنبياء والرسل والصالحين، كما قال - جل وعلا - في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] [المائدة: ١١٦] الآيات، فهذا فيه بيان هذا النوع من المعبودين. الثاني: الملائكة، كما جاء بيان ذلك في آخر سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] [سبأ: ٤٠ - ٤١] .

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ونوع آخر من المشركين: يتوجهون للكواكب بالعبادة، مثل من يعبد الشمس والقمر، وغيرهما من الكواكب. ونوع آخر كانوا يتوجهون للأشجار، والأحجار. ونوع كانوا يتوجهون للأصنام والأوثان، فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] يدخل فيه كل من توجه إليه بشيء من أنواع العبادة، وذلك يفيدنا في معرفة وجه الاستدلال من هذه الآية، كما سيأتي. قوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨] فيه إبطال أن يكون لتلك الآلهة - بأنواعها - إضرار أو نفع، ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] أي: لا يستطيعون ذلك، كما أنه إن أرادني الله - جل وعلا - برحمة، فهل تستطيع هذه الآلهة أن تدفع رحمة الله؟! الجواب: أنها لا تستطيع أيضا. فَبَطَلَ إذًا أن يكون ثَمَّ تعلّق بتلك الآلهة العظيمة التي يظن أن لها مقامات عند الله - جل وعلا - موجبة لشفاعتها. إذا تبين ذلك فقد قال بعض أهل العلم: إن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر، فَلِمَ جعلها الشيخ ﵀ في سرد بيان أصناف من الشرك الأصغر؟؟ والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الآيات الواردة في الشرك الأكبر، دلت من جهة المعنى على وجوب التعلق بالله، وبطلان التعلق بغيره، وهذا المعنى متحقق في

стр. 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الشرك الأصغر - أيضا -، ولذا فإن من السلف من نزّل الآيات الواردة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع أن في كلا الشركين تعلّقا بغير الله - جل وعلا - فإذا بطل التعلق في الأعظم بطل التعلق فيما هو دونه من باب أولى. الوجه الثاني: أن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر، ولكن المعنى الذي دارت عليه هو تقرير أن كل من يدعى من دون الله لا يستطيع من الأمر شيئا، فلا يقدر أن يرفع ضرا ولا بلاء، ولا أن يمنع رحمة وفضلا عمن أراده الله بذلك وهذا المعنى الذي هو التعلق بما يعتقد أنه يضر أو ينفع هو المعنى الذي من أجله تعلّق المشرك -الشرك الأصغر- بالحلقة وبالخيط؛ لأنه ما علق الخيط، ولا علق الحلقة، وغيرهما إلا لأنه يعتقد أن لهما تأثيرا من جهة رفع البلاء أو دفع الضر، وأنهما يجلبان النفع أو يدفعان الضر، مع أن هذه الأشياء مهينة وأمور وضيعة، فإذا نُفِيَ عن الأشياء العظيمة: كالأنبياء، والمرسلين، والملائكة، والصالحين، أو الأوثان التي لها روحانيات كما يقولون فإن انتفاء النفع والضر عما سواها - مما هو أدنى - لا شك أنه أظهر في البرهان، وأبين. وقوله: بِضُرٍّ الوارد في سياق قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الزمر: ٣٨] نكرة في سياق الشرط، فهو يعمّ جميع أنواع الضرر، يعني: أن غير الله - جل وعلا - لا يستطيع أن يرفع ضرا - أيّ ضرّ - أنزله الله - جل وعلا - إلا بإذنه سبحانه. ثم ساق ﵀ في الباب عدة أحاديث؛ فقال: عن عمران بن حصين ﵁ «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقه من صفر، فقال:

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " ما هذه؟ " قال: من الواهنة، فقال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» (١) . مناسبة الحديث للباب ظاهرة، وهي: أنه ﵊ رأى رجلا في يده حلقة من صفر وكان أهل الجاهلية يعلقونها رجاء النفع أو دفع الضر فقال ﵊: " ما هذه؟ "، فإن قيل: فما نوع الاستفهام في هذا الحديث؟ الجواب أن من أهل العلم من قال: إنه استفهام إنكار. ولكن المسؤول لم يفهم أنه إنكار، بل فهم أنه استفصال، فلذلك أجاب؛ فقال: من الواهنة. وقال آخرون من أهل العلم: إنه يحتمل أن يكون استفهام استفصال، أو استفهام إنكار؛ ولهذا أجاب المسؤول بقوله: من الواهنة. والأظهر: الأول، يعني: أنه يفيد الإنكار الشديد، وإنما كان هو الأظهر من حيث دلالة السياق عليه؛ وليس في السياق ما يدل على أنه ﷺ كان يقصد بسؤاله الاستفصال عن السبب الذي من أجله لبس الرجل حلقه الصفر، كأن يكون قد لبسها للتحلي، أو لأي أمر آخر. والمقصود أن الاستفهام في قوله: «ما هذه؟» لا يحتمل أن يكون استفصالا عن وجه اللبس، هل هو: للاعتقاد، أو يكون قد لبس لغير ذلك، بل هو استفهام للإنكار. وإذا احتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال، فإن في قول المسؤول: «من الواهنة» ما يعين سبب اللبس، فعلى كلا القولين: يكون قد لبسها لأجل تعلقه بها، لرفع المرض، أو لدفعه. والواهنة: نوع مرض من الأمراض يهن الجسم، ويطرحه، ويضعف قواه.

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وقوله ﵊: «انزعها» : هذا أمر، وفيه: أن تغيير المنكر يكون باللسان، إذا كان المأمور يطيع الآمر؛ ويكتفى بذلك عن تغييره باليد؛ لأن النبي ﵊ له حق الولاية، وبإمكانه تغيير هذا المنكر بيده، لكن لما علم من حال ذلك المأمور أنه يمتثل الأمر قال له: «انزعها» . فلا تعارض بين هذا وبين ما سيأتي من أن حذيفة ﵁ قطع خيطا من يد رجل؛ فإن ذلك مبني على حال أخرى. قوله: «فإنها لا تزيدك إلا وهنا» : يعني: أن ضررها أقرب من نفعها، وهذا شامل لجميع أنواع الشرك، فإن ما أشرك به ضرره أعظم من نفعه، لو فُرض أن فيه نفعا، وقد قال العلماء في قوله هنا: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا» يعني: لو كان فيها أثر فإن أثرها الإضرار بدنيا، وروحيا، ونفسيا؛ لأنها تضعف الروح والنفس عن مقابلة الوهن والمرض، فيكون تعلّقه بذلك الحلقة أو الخيط سببا في حصول الضعف. قوله: «فإنها لا تزيدك إلا وهنا» : وهذا حال كل من أشرك فإن شركه يجره من ضرر إلى ضرر أكثر منه، وإن ظن أنه في انتفاع. قوله ﷺ : «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» : لأن حال المعلِّق يختلف، فقد يكون علقها لاعتقاده أنها تؤثر استقلالا، وقد يكون علّقها من جهة التسبب، فإذا كان الذي رُئِيَتْ في يده صحابيا، تعين أن تعليقه لها من جهة التسبب، لا من جهة اعتقاده تأثيرها استقلالا، ولكن الفائدة من قوله: «ما أفلحت أبدا» حصول العبرة له، ولغيره، وبيان عاقبة ذلك. والفلاح المنفي - في هذا الحديث - يختلف معناه، باختلاف حال المعلِّق؛ فيكون المراد: إما نفي الفلاح المطلق، بمعنى: الحرمان من دخول الجنة،

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والخلود في النار. وهذا في حق من اعتقد أن تعليق الحلقة أو الخيط ينفع استقلالا، فهذا: شرك أكبر، وإما نفي مطلق الفلاح، أو نفي نوع منه، أو درجة من درجاته، فيكون واقعا في الشرك الأصغر، وهذا: إن اعتقد أن تعليق الحلقة أو الخيط سبب لحصول النفع، فهذا: قد اتخذ من الأسباب ما لم يجعله الله سببا، لا شرعا، ولا قدرا، ومطلق الشيء، والشيء المطلق: مصطلحان يكثر وردوهما في كتب أهل العلم، وفي كتاب التوحيد خاصة، فتجدهم يقولون - مثلا -: التوحيد المطلق ومطلق التوحيد، والإسلام المطلق ومطلق اللإسلام والإيمان المطلق ومطلق الإيمان، والشرك المطلق ومطلق الشرك، والفلاح المطلق ومطلق الفلاح، والدخول المطلق ومطلق الدخول، والتحريم المطلق - يعني تحريم دخول الجنة أو تحريم دخول النار - ومطلق التحريم. ومن المهم أن تعلم أن الشيء المطلق هو: الكامل، فالإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، والإسلام المطلق هو الإسلام الكامل، والتوحيد المطلق هو التوحيد الكامل، والفلاح المطلق هو الفلاح الكامل. وأما مطلق الشيء فهو: أقل درجاته، أو درجة من درجاته، فمطلق الإيمان هو أقل درجاته؛ فنقول مثلا: هذا ينافي الإيمان المطلق، يعني: ينافي الإيمان، أو نقول: هذا ينافي مطلق الإيمان، يعني ينافي أقل درجات الإيمان. وإذا تقرر هذا: فإنا نقول: الفلاح المنفي يحتمل أن يكون: الفلاح المطلق، وقد تقدم أن هذا يُعتَبَر بحسب حال المعلِّق، فإن كان معتقدا فيها، أنها تنفع استقلالا فهو من أهل النار، وإن كان يعتقد أنها سبب، فهو من أهل النار، لكنه لا يُخلّد فيها، كعصاة الموحدين.

стр. 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال ﵀: (وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» ) (١) المقصود من هذا الحديث ذكر لفظ (التعلق) . وتعلّق يعني: أنه علّق وتعلق قلبه بما علق، ولفظ (تعلق) يشمل التعليق، وتعلق قلبه بما علق، فهو نوع لبس. والمعنى: أنه تعلق قلبه بما لبس، سواء كان المعلق في صدره، أو يده، أو في أي موضع آخر، فالمقصود: أن يكون قلبه معلقا بما تعلقه. والتميمة لها معنى سيأتي شرحه لاحقا - إن شاء الله تعالى - لكن هي: نوع خرزات، وأشياء توضع على صدور الصغار غالبا، وقد يضعها الكبار؛ لأجل دفع العين، أو دفع الضرر، أو الحسد، أو أثر الشياطين، ونحو ذلك. وقوله: «فلا أتم الله له» : دعاء منه ﷺ على معلّقها بألا يتم الله له مراده؛ لأن التميمة أخذت من تمام الأمر، وسميت تميمة لاعتقاده فيها أنه بها يتم له الأمر الذي أراد فدعا عليه الرسول ﵊ بأن لا يتم الله - جل وعلا - له ما أراد. قوله: «ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» : الودعة: نوع من الصدف، أو الخرز يوضع على صدور الناس، أو يعلق على العضد، ونحو ذلك؛ لأجل دفع أو رفع العين ونحوها من الآفات. ومعنى قوله: «فلا ودع الله له» دعاء عليه أيضا ومعناه: فلا تركه ذلك، ولا جعله في دعة، وسكون وراحة، وإنما دعا ﵊ عليه بذلك، لأن ذاك المعلِّق أشرك بالله - جل وعلا -.

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال: وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» لأن تعليق التمائم والتعلق بها شرك أصغر، وقد يكون أكبر بحسب حال المعلق، كما سيأتي تفصيل الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قال: " ولابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [يوسف: ١٠٦] (١) مناسبة هذا الأثر للباب ظاهرة، وهي أن حذيفة الصحابي ﵁ رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، واستدل بالآية على أن ذلك من الشرك. و (مِنْ) هنا تعليلية، يعني: أنه علق الخيط لأجل رفع الحمى، أو لرفعها. و (مِنْ) لها معان كثيرة، فتكون تبعيضية وتعليلية، وغير ذلك، وقد جمعها ابن أم قاسم في نظمه لبعض حروف المعاني بقوله: أتتنا (مِنْ) لتبيين وبعـ ... وتعليل وبدء وانتهـ وزائدة وإبدال وفصـ ... ومعنى على وعن وفي وبـ فـ (مِنْ) في هذا الأثر: تفيد التعليل، ومعنى قوله: «من الحمى» أي لأجل دفع الحمى، أو لرفعها، فـ (من) تعليل لوضع الخيط في اليد. قوله:. . «فقطعه» : يدل على أن هذا منكر عظيم، يجب إنكاره، ويجب قطعه.

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله:. وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [يوسف: ١٠٦] : قال السلف في معنى هذه الآية ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٦] أي: أنهم مع إقرارهم بأن الله هو الرب، وهو الرزاق، وهو المحيي، وهو المميت، وتوحيدهم إياه في الربوبية ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] به - جل وعلا - في العبادة. فليس توحيد الربوبية بِمُنْجٍ، بل لا بد من أن يضم إليه توحيد العبادة ومع أن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر إلا أنه يصح الاستدلال به على الشرك الأصغر، وإلى هذا أشار المصنف ﵀ بقوله: فيه أن الصحابة يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر. في الباب السابق قال الإمام ﵀: " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط " وقال هنا: " باب ما جاء في الرقى والتمائم " ولم يقل: باب من الشرك الرقى والتمائم، وذلك لأن الرقى منها ما هو جائز مشروع، ومنها ما هو شرك ممنوع، والتمائم منها ما هو متفق عليه أنه شرك، ومنها ما قد اختلف الصحابة فيه هل هو من الشرك أو لا؟ لهذا عبر ﵀ بقوله: " باب ما جاء في الرقى والتمائم " وهذا من أدب التصنيف العالي. والرقى: جمع رقية، وهي معروفة، وقد كانت العرب تستعملها، وحقيقتها: أنها أدعية وألفاظ تقال أو تتلى، ثم ينفث فيها، ومنها ما له أثر عضوي في البدن، ومنها ما له أثر في الأرواح، ومنها ما هو جائز مشروع، ومنها ما هو شرك ممنوع. وثبت أنه ﵊ رقى نفسه، ورقى غيره، بل ثبت أنه رُقِيَ أيضا رقاه جبريل، (١) ورقته عائشة، (٢) فهذا الباب - باب ما جاء في الرقى والتمائم - معقود لبيان حكم الرقى، وقد رخّص الشارع في الرقى ما لم تكن شركا، وهي الرقى التي خلت من الشرك. وقد سأل بعض الصحابة النبي

стр. 106

[باب ما جاء في الرقى والتمائم] " باب ما جاء في الرقى والتمائم " وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري: ﵁ «أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ» (١) وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود (٢) (التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلّق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، وجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. و (الرقى) هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة. و (التولة) شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته. وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «إن من تعلق شيئا وكل إليه» رواه أحمد والترمذي (٣) ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله: ﷺ «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه» (١) وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة " (٢) رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن، ومن غير القرآن (٣) . فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم. الثانية: تفسير التولة. الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء. الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك. الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أو لا؟ السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك. السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا. الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 108

التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﵊ عن حكم الرقى فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (١) وقد قال العلماء: الرقية تجوز بثلاثة شروط مجمع عليها: الأول: أن تكون بالقرآن، أو بأسماء الله، أو بصفاته. الثاني: أن تكون بالكلام العربي، أي: بلسان عربي، معلوم المعنى. الثالث: أن لا يعتقد أنها تنفع بنفسها، بل بتقدير الله ، قال بعض العلماء: يدخل في الشرط الأول أيضا أن تكون بما ثبت في السنة، وعلى هذا: فيكون الشرط الأول: أن تكون من القرآن، أو السنة، أو بأسماء الله وبصفاته، فلا تكون الرقى جائزة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة. فإذا تخلف الشرط الأول أو الثاني: ففي جواز الرقية خلاف بين أهل العلم، والشرط الثالث: متفق عليه بينهم، وأما اشتراط كونها بأسماء الله وصفاته أو بالكتاب والسنة، أو أن تكون بلسان عربي مفهوم، فإن هذا مختلف فيه كما تقدم، وقال بعضهم: يسوغ أن تكون الرقية بما يعلم معناه، ويصح المعنى بلغة أخرى، ولا يشترط أن تكون بالعربية، ولا يشترط أن تكون من القرآن أو السنة، وهذه مسائل فيها خلاف وبحث، وأما من جهة تأثير غير القرآن على المرقي وما سبق من الخلاف: ففيه مسائل نرجئ تفصيل الكلام فيها إلى موضع آخر إن شاء الله.

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فالمقصود: أن الرقى الجائزة بالإجماع هي ما اجتمعت فيها الشروط الثلاثة، وأما الرقى الشركية المحرمة فهي: التي فيها استعاذة، أو استغاثة بغير الله، أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال ﵊ فيها: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) كما سيأتي بيانه. والتمائم: جمع تميمة - وقد ذكر تفسيرها مختصرا من قبل - وهي تجمع أنواعا كثيرة فالتمائم تجمع كل ما يعلّق، أو يتخذ مما يراد منه تتميم أمر الخير للعبد، أو دفع الضرر عنه ويعتقد فيه أنه سبب. ولم يجعل الله - جل وعلا - ذلك الشيء سببا لا شرعا، ولا قدرا. فالتميمة - إذًا - شيء يتخذ من جلد، أو ورق، ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر، أو في التعضد، وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك، يعلق على الصدر، وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت، أو في السيارة، أو أي مكان ما، فالحاصل: أن التمائم يجمعها أنها: شيء يراد منه تتميم أمر الخير، وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا، ولا قدرا.
следующие страницы →