. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
النبي ﵊ قال: «ماء زمزم لما شرب له» (١) . فمن جعل ماء زمزم سببا لأشياء يريد تحقيقها، فلا بأس بذلك؛ لأن هذا راجع إلى أنه سبب أذن به شرعا، ولو شرب ماء آخر كالمياه المعدنية - مثلا - وأراد بشرب هذا الماء أن يحفظ القرآن، واعتقد ذلك سببا لحفظ القرآن: فإن اعتقاده هذا خاطئ، لأن الدليل هو الذي يدل على كون ذلك الشيء مؤثرا أو لا.
أما التعلق بأستار الكعبة رجاء البركة: فهذا من وسائل الشرك، ويكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن ذلك التبرك سبب لتحقيق مطلوبه، أما إذا اعتقد أن الكعبة ترفع أمره إلى الله، أو أنه إذا فعل ذلك عظم قدره عند الله، وأن الكعبة يكون لها شفاعة عند الله، أو نحو تلك الاعتقادات التي فيها اتخاذ الوسائل إلى الله - جل وعلا، فإن هذا التبرك - على هذا النحو - يكون شركا أكبر؛ ولهذا يقول كثير من أهل العلم: إن التمسح بحيطان المسجد الحرام، أو بالكعبة، أو بمقام إبراهيم، ونحوها؛ رجاء بركتها، هو من وسائل الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر، كما قرر ذلك الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.
سؤال: يوجد بعض الساعات مكتوب عليها لفظ الجلالة، فهل يجوز الدخول بها إلى الخلاء؟
الجواب: يقول العلماء في كتب الفقه، في آداب دخول الخلاء: " ويكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله "، فاصطحاب شيء مما فيه ذكر الله في الخلاء مكروه.
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: هل يعتبر هذا النذر مطلقا أم مقيدا، وهو: إذا حصل للعبد منفعة، مثل أن نجح أو حصل على وظيفة، ثم نذر أن يصوم ثلاثة أيام لله تعالى، مع العلم أنه لم ينذر قبل نجاحه، أو حصوله على الوظيفة؟
الجواب: النذر المطلق: هو الذي لم يعلق بشيء سيحصل في المستقبل، والنذر المقيد: هو الذي علق الوفاء به بحصول شيء من الله - جل وعلا - للعبد وهذا يكون في المستقبل، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فسأصوم ثلاثة أيام، أو نحو ذلك. فهذا هو النذر المعلق المقيد. أما المطلق: فهو أن ينذر نذرا لله - جل وعلا - تبررا منه إما بسبب حادثة حدثت، أو نعمة تجددت، أو نقمة اندفعت، أو بدون سبب، فهذا كله يدخل في النذر المطلق، أما المقيد فهو المعلق بشرط في المستقبل - كما تقدم قريبا.
سؤال: ما حكم عمل احتفال بسيط بمناسبة انتهاء عقد أحد العاملين بالشركة، سواء كان مسلما أو غير مسلم، وحجة بعضهم في عمل الاحتفال لغير المسلم أنه من باب دعوته إلى الإسلام، مع العلم أنه خلال وجوده في العمل لم يقدم له أحد - ممن يحتجون بهذا القول - كتابا أو شريطا لدعوته للإسلام؟
الجواب: المقصود من تلك الاحتفالات إكرام من أقيمت له، فإذا كان مسلما: فإكرام المسلم من حقوقه المستحبة، وإذا كان غير مسلم فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون ممن لم يظهر للإسلام عداوة، أو أظهر في الإسلام رغبة، وهو مسالم لأهل الإسلام، ومحب لأهل الخير وأهل الدين والصلاح - كما يظهر من بعضهم - فمن كان بهذه الصفة: فإنه يصلح أن يدعى للإسلام؛
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لأنه قريب، سلم من البغضاء والعداوة التي تحجزه عن قبول الحق. لو عرض عليه.
فإذا كان القصد من عمل الاحتفال لمثل هذا: أن يكون ذلك بداية لدعوته إلى الإسلام ببيان محاسنه، وبيان بطلان الأديان الأخرى، ونحو ذلك، فهذا بحسب قصد فاعله، لكن أصل الإكرام لغير المسلم لا يجوز.
وأما إن كان معاديا للإسلام، أو لم يظهر قبولا للإسلام، أو عرف من سيرته - حين بقي تلك المدة في المؤسسة أو الشركة - أنه لا يحب الخير، بل ربما أظهر صدودا عن أهل الخير، وأظهر عدم قبول لبعض أوامر الشرع التي يحكم بها: فهذا لا يجوز إكرامه؛ لأن إكرامه من موالاة الكفار، وموالاتهم محرمة؛ لأنا نكون - بهذا - قد أكرمناه مع بقائه على عداوته وعلى بغضه، وهذا لا يجوز. والأصل على هذا التفصيل دل عليه قول الله - جل وعلا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] [الممتحنة: ٨ - ٩] ، فهذه الآيات فيها بيان حال الصنفين؛ وقد كان النبي ﷺ ربما أجاب دعوة اليهود: رجالهم، أو نساءهم، وربما أتى بعض أهل الكتاب، وربما أهدى إليهم، بل وحث على الهدية للجار، وهذا كله لأجل الترغيب في الخير، والترغيب في الإسلام.
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالمقصود: أن الإكرام بتلك الحفلات لا يجوز إلا إذا كانت ثمة مصلحة شرعية راجحة يقدرها أهل العلم إذا وصف الحال لهم، وأما ما عدا ذلك، فلا يجوز إقامة الحفلات لهم؛ لأنها نوع موالاة للكفار.
سؤال: هل يدخل في باب: «لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله» ما يحصل - وخاصة في أوربا وأمريكا - من شراء كثير من المسلمين لكنائس قديمة ثم تعديلها لتكون مساجد، أو هدم الكنيسة وبناء مسجد مكانها؟
الجواب: أنه لا يدخل في ذلك؛ لأن مسجد النبي ﷺ الذي تضاعف الصلاة فيه، أقيم على مكان فيه قبور للمشركين؛ فبعد أن نبشت تلك القبور وأزيل الرفات، أقيم المسجد في ذلك المكان. (١) والكنيسة التي عبد فيها غير الله - جل وعلا - إذا حولت إلى مسجد، فهذا من أعظم الطاعات، ومن أحب الأعمال إلى الله - جل وعلا - وذكرت فيما سبق أن الفرق بين هذه الصورة وبين «لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله» : أن الذبح صورته مشتركة، بمعنى أن: الصورة الظاهرية واحدة، وإنما الاختلاف في النيات؛ ولهذا منع من ذلك، أما عبادة المسلمين وصلاتهم وهيئة مساجدهم وجلوسهم، إلى آخر تلك الهيئات: فهي مخالفة لما عليه صلاة النصارى. فاستبدال الكنيسة بالمسجد أمر مطلوب إذا تمكن المسلمون منه، بل هذا الذي فعله المسلمون في الأندلس، بل وفي بعض البلاد الأخرى: كالشام ومصر.
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: نرى عبارة مكتوبة على بعض السيارات " يا رضا الله ورضا الوالدين " فما حكم تلك العبارة؟
الجواب: قوله: " يا رضا الله ورضا الوالدين " غلط من جهتين: الجهة الأولى: أنه نادى رضا الله، ومناداة صفات الله - جل وعلا - بـ (ياء النداء) لا تجوز؛ لأن الصفة غير الذات في مقام النداء؛ ولهذا: إنما يُنادى الله - جل وعلا - المتصف بالصفات، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري، وغيره من أهل العلم: على أن مناداة الصفة محرم بالإجماع، فإذا كانت الصفة هي الكلمة - كلمة الله - جل وعلا: كان كفرا بالإجماع؛ لأن من نادى الكلمة، يعني بها عيسى ﵇ فيكون تأليها لغير الله - جل وعلا؛ ورضا الله - جل وعلا - صفة من صفاته، فلا يجوز نداء الصفة.
والمؤاخذة الثانية في تلك الكلمة: أنه جعل رضا الوالدين مقرونا برضا الله - جل وعلا - بـ (الواو) ، والأنسب هنا أن يكون العطف بـ (ثم) فيقول - مثلا -: أسأل الله رضاه ثم رضا الوالدين. وإن كان استعمال الواو في مثل هذا السياق لا بأس به؛ لأن الله - جل وعلا - قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] [لقمان: ١٤] ، وقال - جل وعلا -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء: ٢٣] ، ولأن (الواو) هنا تقتضي تشريكا في أصل الرضا؛ وهذا الرضا يمكن أن يكون من الوالدين - أيضا -: فيكون التشريك في أصل المعنى، لا في المرتبة.
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: هل يجوز الذهاب للعلاج عند من يزعم أنه يعالج بمساعدة جن مسلمين؟ وهل هذه المساعدة من الجن للقارئ من الاستعانة الجائزة أو المحرمة؟
الجواب: الاستعانة بالجن سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين وسيلة من وسائل الشرك، والاستعانة معناها: طلب الإعانة؛ ولهذا فمن المتقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز طلب الإعانة من مسلمي الجن؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يطلبوا ذلك منهم، وهم أولى أن تخدمهم الجن، وأن تعينهم.
وأصل الاستعانة بالجن: من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه، وبالاستمتاع به، وقد قال - جل وعلا -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] [الأنعام: ١٢٨] ، فحصل الاستمتاع - كما قال المفسرون - من الجني بالإنسي: بأن الإنسي يتقرب إليه، ويخضع له، ويذل، ويكون في حاجته، ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات، أو بالكفر بالله - جل وعلا - والعياذ بالله، بإهانة المصحف، أو بامتهانه أو نحو ذلك؛ ولهذا نقول: إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك -كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن.
стр. 602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الجن قد تخدم الإنسي. وهذا المقام فيه نظر وتفصيل؛ ذلك أنه ﵀ ذكر في آخر كتاب " النبوات ": أن أولياء الله لا يستخدمون الجن إلا بما فعله معهم رسول الله ﷺ بأن أمرهم، ونهاهم، أي: بالأوامر، والنواهي الشرعية، أما طلب خدمتهم وطلب إعانتهم. فإنه ليس من سجايا أولياء الله، ولا من أفعالهم، قال: مع أنه قد تنفع الجن الإنس، وقد تقدم له بعض الخدمة ونحو ذلك، وهذا صحيح من حيث الواقع.
فالحاصل أن المقام فيه تفصيل: فإذا كان الاستخدام بطلب الخدمة من الجني المسلم، فهذا وسيلة إلى الشرك، ولا يجوز أن يعالج عند أحد يعرف منه أنه يستخدم الجن المسلمين. وإذا كانت الجن تخدم بعض الناس بدون طلبه، فإن هذا قد يحصل، لكن لم يكن هذا من خلق أولياء الله، ولا مما سخره الله - جل وعلا - لخاصة عباده، فلا يسلم من هذا حاله من نوع خلل جعلت الجن تكثر من خدمته، وإخباره بالأمور، ونحو ذلك. فالحاصل: أن هذه الخدمة إذا كانت بطلب منه، فإنها لا تجوز، وهي نوع من أنواع المحرمات؛ لأنها نوع استمتاع، وإذا كانت بغير طلب منه فينبغي له أن يستعيذ بالله من الشياطين ويستعيذ بالله من شر مردة الجن؛ لأنه قد يؤدي قبول خبرهم، واعتماده، إلى حصول الأنس بهم، وقد يقوده ذلك الاستخدام إلى التوسل بهم والتوجه إليهم - والعياذ بالله -. فإذا تبين ذلك: فإن خبر الجن عند أهل العلم ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به عند أهل الحديث، وذكر ذلك أيضا الفقهاء. وهذا صحيح؛ لأن البناء على الخبر وقبوله: هو فرع عن تعديل المخبر، والجني غائب، وعدالته غير معروفة، وغير معلومة عند السامع، فإذا بنى الخبر عمن
стр. 603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جاءه به من الجن وهو لم يرهم، ولم يتحقق عدالتهم إلا بما سمع من خطابهم - وهي لا تكفي - فإنه يكون قد قبل خبر من يحتمل أنه فاسق؛ ولهذا قال الله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] [الحجرات: ٦] ، والذين يقبلون إخبار الجن، وإعلام الجن لهم ببعض الحوادث، تحصل منهم مفاسد متنوعة كثيرة، منها هنا: جزمهم بصحة ما أخبرتهم به الجن فربما حصل بسبب ذلك مفاسد عظيمة، من الناس الذين أخبروا بذلك، فيكثر القيل والقال، وقد تفرقت بعض البيوت من جراء خبر قارئ جاهل يزعم أن الذي فعل هذا هو فلان باعتبار الخبر الذي جاءه، ويكون الخبر الذي جاءه من الجني خبرا كذبا، فيكون قد اعتمد على نبأ هذا الذي لا يعلم عدالته، وبنى عليه وأخبر به، فيحصل من جرائه فرقة، واختلاف، وتفرق، وشتات في البيوت، ونعلم أنه قد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ﵀ أن إبليس ينصب عرشه على ماء، ويبعث سراياه، فيكون أحب جنوده إليه من يقول له: فرقت بين المرأة وزوجها، (١) وهذا من جملة التفريق الذي يسعى إليه عدو الله، بل الغالب أنه يكون من هذه الجهة، فأحب ما يكون إلى عدو الله أن يفرق بين المؤمنين؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أيضا مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في
стр. 604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١) فهذه المسألة يجب على طلاب العلم أن يسعوا في إنكارها، وبذل الجهد في إقامة الحجة على من يستخدم الجن، ويتذرع بأن بعض العلماء أباح ذلك، والواقع أن هذا العمل وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا -. واقرؤوا أول كتاب ((تاريخ نجد)) لابن بشر، حيث قال: إن سبب دخول الشرك إلى قرى نجد أنه كان بعض البادية إذا أتى وقت الحصاد، أو أتى وقت خرف النخيل، فإنهم يقطنون بجانب تلك القرى ومعهم بعض الأدوية والأعشاب، فإذا كانوا كذلك فربما سألهم بعض جهلة تلك القرى حتى حببوا إليهم بعض تلك الأفعال المحرمة من جراء سؤالهم، وحببوا إليهم بعض الشركيات، أو بعض البدع، حتى فشا ذلك بينهم، فبسبب هؤلاء المتطببين الجهلة، والقراء المشعوذين انتشر الشرك - قديما - في الديار النجدية وما حولها، كما ذكر ابن غنام. وقد حصل أن بعض مستخدمي الجن، كثر عنده الناس، فلما رأى من ذلك، صار يعالج علاجا نافعا، فزاد تسخر الجن له، حتى ضعف تأثيره، فلما ضعف تأثيره ولم يستطع مع الحالات التي تأتيه للقراءة أو للعلاج شيئا: صار تعلقه بالجن أكثر، ولا زال ينحدر ما في قلبه من قوة اليقين، وعدم الاعتماد بقلبه على الجن، حتى اعتمد عليهم شيئا فشيئا، ثم حرفوه - والعياذ بالله - عن السنة، وعما يجب أن يكون في القلب من توحيد الله، وإعظامه، وعدم استخدام الجن في الأغراض الشركية، فجعلوه يستخدم الجن في أغراض شركية وأغراض لا تجوز بالاتفاق.
стр. 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فهذا الباب مما يجب وصده، وكذلك: يجب إنكار وسائل الشرك والغواية، وحكم من يستخدم الجن، ويعلن ذلك، ويطلب خدمتهم لمعرفة الأخبار، فهذا جاهل بحقيقة الشرع، وجاهل بوسائل الشرك، وما يصلح المجتمعات وما يفسدها، والله المستعان.
سؤال: ما الفرق بين التوسل والشفاعة؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرا.
الجواب: أن التوسل: هو اتخاذ الوسيلة، والوسيلة: هي الحاجة نفسها، أو ما يوصل إلى الحاجة وقد يكون ذلك التوسل باستشفاع، يعني: بطلب شفاعة؛ بمعنى أنه يريد أن يصل إلى حاجته - بحسب ظنه - بالاستشفاع، وقد يروم التوصل إلى حاجته - بحسب ظنه - بغير الاستشفاع؛ فيتوسل مثلا بالذوات فيسأل الله بذات فلان، أو بجاهه، أو بحرمته، مثل أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك محمد - بعد وفاته ﵊ أو يقول: اللهم إني أسألك بأبي بكر، أو بعمر، أو بالإمام أحمد، أو بابن تيمية، أو بالولي الفلاني، أو بأهل بدر، أو بأهل بيعة الرضوان، أو بغيرهم. فهذا هو الذي يسمونه توسلا، وهذا التوسل معناه: أنه جعل أولئك وسيلة، وأحيانا يستعمل في التوسل لفظ: الحرمة، والجاه، فيقول: أسألك بحرمتهم، أو أسألك بجاههم، ونحو ذلك. أما الاستشفاع: فهو أن يسألهم الشفاعة أي: يطلب منهم أن يشفعوا له.
فتحصل من ذلك: أن التوسل يختلف عن الاستشفاع، في أن المستشفِع: طالب للشفاعة، وقد علم أن الشفاعة إذا طلبها من العبد يكون قد سأل غير الله، وأما المتوسل - بحسب عرف الاستعمال - فإنه يسأل الله، لكن يجعل ذلك بوسيلة أحد.
стр. 606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالاستشفاع: سؤال لغير الله، وأما الوسيلة فهي سؤال الله بفلان، أو بحرمته، أو بجاهه: وكل هذا لا يجوز؛ لأنه اعتداء في الدعاء؛ ولأنه بدعة محدثة ووسيلة إلى الشرك، وأما الاستشفاع بالمخلوق الذي لا يملك الدعاء، كالميت، أو الغائب، أو نحوهما: فهو شرك أكبر؛ لأنه طلب ودعاء لغير الله.
فالتوسل - بحسب العرف - هو من البدع المحدثة، ومن وسائل الشرك، وأما طلب الشفاعة من غير الله فهو دعاء غير الله، وهو شرك أكبر.
لكن الجاهليون والخرافيون والقبوريون يسمون جميع عباداتهم الشركية - من طلب الشفاعة، والذبح، والنذر، والاستغاثة بالموتى، ودعائهم - توسلا وهذا غلط في اللغة والشرع معا، فالكلام في أصله لا يصح؛ فإن بين التوسل والشفاعة فرقا من حيث مدلول المعنى اللغوي، فكيف يسوى بينهما في المعنى؟ ! أما إذا أخطأ الناس وسموا العبادات المختلفة توسلا، فهذا غلط من عندهم، لا يتحمله الشرع، ولا تتحمله اللغة.
سؤال: ما حكم من يضع على السيارات، أو المنازل عبارات مثل: ما شاء الله، أو تبارك الله، أو هذا من فضل ربي؟
الجواب: هذا له حكم تعليق بعض الآي على الحيطان، أو في السيارات، أو نحو ذلك، فإن كان المقصود منها الإرشاد إلى عمل شرعي مسنون: فهذا مشروع، أو مباح، وأما إن كان القصد منها أن تحفظه وأن تحرسه من العين أو من الأذى، فهذا راجع إلى اتخاذ التمائم من القرآن ونحوه، وهذا سبق تفصيل الجواب عنه.
стр. 607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: ما حكم امرأة طلبت من قريب لها ذاهب إلى مكة أن يشتري لها كفنا من هناك وأن يغسل الكفن من ماء زمزم، وهذا الأمر منتشر بين الناس؟
الجواب: هذا تبرك بما يباع في مكة واعتقاد فيه، وهو باطل، لا يجوز فعله؛ لأن ما يباع في مكة ليس له خصوصية في البركة، وليس له خصوصية في النفع، بل هو وما يباع في غير الحرم سواء، وأما غسله بماء زمزم لرجاء أن يكون ذلك الكفن فيه من بركة ماء زمزم، فكذلك هذا غلط؛ لأن بركة ماء زمزم مقيدة بما ورد فيه الدليل، ليست بركة عامة، إنما هي بركة خاصة بما جاء فيه الدليل؛ ولهذا: فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكونوا يستعملون ماء زمزم إلا فيما جاءت فيه الأدلة كقوله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له» (١) وقوله في زمزم - أيضا -: «إنها طعام طعم وشفاء سقم» (٢) . أما التبرك بها في غير ذلك، فهذا ليس له أصل شرعي.
سؤال: ما حكم الاغتسال بماء زمزم، والماء الذي قرئ فيه القرآن في بيوت الخلاء؟
الجواب: لا بأس بذلك؛ لأنه ليس فيه قرآن مكتوب، وليس فيه المصحف مكتوبا، وإنما فيه الريق، أي: النفث، وهو: الهواء الذي خالطه المصحف، أو خالطته القراءة.
ومن المعلوم أن أهل مكة في أزمنتهم الأولى كانوا يستعملون ماء زمزم ولم يكن عندهم غير ماء زمزم، فالصواب أن لا كراهة في ذلك، وأنه جائز، والماء ليس فيه قرآن إنما فيه نفث بالقرآن وفرق بين المقامين.
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: ما الحكم إذا ذبح العبد ذبيحة، لأن الله قد شفى مريضه، وخرج من المستشفى؟
الجواب: أن هذا يرجع إلى نيته في ذبح هذه الذبيحة، فإذا كانت بعد الانتهاء من المرض، وارتفاعه، وتعافى ذلك المريض، وشفي بفضل الله -جل وعلا - وبنعمته: فهذا يختلف حاله، فإذا قصد بالذبيحة أنها شكر لله - جل وعلا - وتصدق بلحمها فهذا حسن؛ لأن المرض قد انتهى وارتفع، فهو لا يقصد بها الاستشفاء، وإنما هي نوع شكر لله - جل وعلا -، وكذلك: فلا بأس إن دعا إليها أحدا من أقربائه، أو ممن يحبون ذلك المريض ونحو ذلك، فهذا من باب الإكرام.
وأما إذا كانت مقاصده أو نياته في هذا الذبح: أن يدفع رجوع هذا المرض مرة أخرى، أو أن يدفع شيئا من انتكاسات المرض، أو يدفع شيئا مما يخافه: فهذا غير جائز، سدا لذريعة الاعتقادات الباطلة.
سؤال: جاء في بعض الكتب نقل معناه: أن الإنسان إذا خاف على ولده أو على نفسه العين، فإنه يضع على جبهته، أو جبهة ولده نقطة سوداء، لصرف العين ودفعها.
الجواب: اعتقادات الناس في دفع العين لا حصر لها، والجامع لذلك: أن كل شيء يفعله الناس مما يعتقدونه سببا، وليس هو بسبب شرعي ولا قدري: فإنه لا يجوز اتخاذه، وهذا يختلف عما جاء عن عمر ﵁ أنه رأى غلاما صغيرا، حسن الصورة، وخاف عليه العين، فقال لأهله: دسموا نونته، ففعلوا؛ فهذا من باب إخفاء الحسن، ومحاولة تدميم الصورة. وليس التدسيم - وهو وضع
стр. 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
نقطة في بعض الوجه - الذي يوضع لأجل أن تدفع تلك النقطة العين، ولكن لأجل أن يظهر بمظهر ليس بحسن، فلا تتعلق النفوس الشريرة به.
فإذا كان وضع هذه النقطة - التي ذكرت - لأجل اعتقاد أنها تدفع العين، فهذا من اتخاذ الأسباب الشركية التي لا تجوز، وإن كان لأجل إظهار عدم الحسن في تلك الصورة الجميلة، أو ذلك الجسد المعافى، أو نحو ذلك، فإن هذا لا بأس به. والله أعلم.
سؤال: أجاز بعض العلماء التوسل بالنبي ﷺ ودليلهم حديث الأعمى فكيف يرد عليهم؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب: حديث الأعمى رواه الترمذي وغيره، (١) وهو حديث حسن، وهناك رواية أخرى طويلة في معجم الطبراني الصغير لهذا الحديث، وفيها زيادة: أن أحد الصحابة - وهو عثمان بن حنيف ﵁ أرشد إلى استعمال ذلك الدعاء بعد وفاته ﵊ (٢) .
بالنسبة للقدر الأول وهو أن الأعمى توسل بالنبي ﵊ في حياته، فهذا صحيح وجار على الأصول، حيث إن التوسل بالنبي ﵊ في حياته توسل بدعائه وهو ﵊ يملك ذلك، ويستطيعه ويقدر عليه.
أما التوسل بالنبي ﵊: أي بدعائه، أو بذاته، أو بنحو ذلك، بعد وفاته، فإنه لا يجوز؛ لأنه طلب للشيء ممن
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لا يملكه، والرواية التي في " الطبراني الصغير " ضعيفة، وفيها مجاهيل؛ ولذلك ليست بحجة ولم يرد أن الصحابة استعملوا هذا الدعاء بعد وفاة النبي ﷺ .
والذي يدل - أيضا - على أن ذلك خاص بالأعمى، وعلى أصل الاستشفاع، وأنه رحمة من الله - جل وعلا - للمستشفع، وفضل منه عليه، وإزالة عما به: أن ذلك الأعمى رأى النور وأبصر بعد دعاء النبي ﵊ له، وتوجه ذلك الأعمى إلى الله - جل وعلا - أن يجيب فيه دعاء نبيه ﵊.
والصحابة الآخرون الذين كانوا مكفوفين لم يدعوا بهذا الدعاء، فكان في المدينة أناس عدة قد كفت أبصارهم منهم: ابن أم مكتوم، وجماعة، فما دعوا بذلك الدعاء وإنما كان ذلك خاصا بذلك الأعمى، فالعلماء لهم في ذلك توجيهان:
التوجيه الأول: أن ذلك الدعاء كان خاصا بذلك الأعمى، بدليل عدم استعمال بقية الصحابة ذلك الدعاء، وعدم إرشاد النبي ﵊ لهم أن يزال ما بهم من عمى البصر بذلك الدعاء.
التوجيه الثاني: أن ذلك خاص بحياته ﵊ ولا يكون بعد وفاته ﵊، وهذا الثاني والأول جميعا ظاهرة صحيحة والصحابة فهموا ذلك؛ ولهذا ثبت في صحيح البخاري وغيره أن عمر ﵁ قال لما أجدبوا وهو يخطب في الاستسقاء: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا بنبيك، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك، يا عباس قم فادع الله لنا (١) .
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال العلماء: انتقل عمر من الفاضل - وهو النبي ﵊ إلى المفضول وهو العباس عم النبي ﵊، لعلة شرعية، وهي أن الدعاء من الحي ممكن، وأما من غير الحي - الحياة الدنيا المعروفة - فإنه غير ممكن، وإلا كان عمر ﵁ انتقل من الفاضل إلى المفضول لغير علة شرعية، وهذا ممتنع في حق الصحابة رضوان الله عليهم، لكمال فقههم.
سؤال: بعض أصحاب السيارات الخاصة، كالليموزين، وسيارات النقل الكبيرة، يضعون على أطراف السيارة خرقا سوداء اعتقادا منهم بأنها حروز تمنعهم الحوادث، فهل يجوز نزعها؟ أو ماذا نفعل؟
الجواب: إذا كان الأمر كما وصفه السائل، من أن سبب وضع تلك الشارات أو الخرق، هو اعتقاد أهلها فيها، فيجب نزعها، ومن نزعها فله فضل نزع التمائم من أماكنها، أو تخليص أصحابها منها، لكن هذا متوقف على أن يعلم أنهم وضعوها لهذا الغرض، فإن وضع مثل هذه الشارات لهذا الغرض غير معروف أنه لأجل دفع التمائم، فإذا كان بعض الناس يستعملها لدفع الشر، ويستعملها لأنها تمائم، فهذه يجب نزعها، ومن رآها لا يحل له أن يتعداها حتى ينزعها؛ لأنها اعتقاد في غير الله؛ ولأنها نوع من أنواع المنكر وذلك الاعتقاد فيها كبيرة من الكبائر، وشرك أصغر بالله - جل وعلا -.
سؤال: كيف نخرج قول النبي ﵊: «لولا أنا لكان عمي في الدرك الأسفل من النار» ؟
الجواب عن هذا يأتي في بابه - إن شاء الله - والقاعدة المنضبطة في ذلك، هو منع أن يقول القائل: لولا فلان لكان كذا، لأنه شرك لفظي، ونوع
стр. 612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تشريك؛ حيث إنه نسب النعمة لغير الله - جل وعلا -، وهذا له صور كثيرة جدا: منها على سبيل المثال قول القائل: لولا أن فلانا كان جيدا معي لكان حصل لي كذا وكذا، أو: لولا أن السيارة كانت قوية لهلكت، أو لولا كذا لكان كذا، مما فيه تعليق دفع النقم أو حصول النعم لأحد من المخلوقين. والواجب على العباد أن ينسبوا النعم إلى الله - جل وعلا -؛ لأنه هو الذي يسدي النعم، قال - جل وعلا - في سورة النعم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] [النحل: ٥٣] ، وقال - جل وعلا - أيضا في السورة نفسها: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] ، فالواجب على العبد المسلم أن ينسب النعم إسداء، وتفضلا، وإنعاما لله - جل وعلا - وأن يتعلق قلبه بالذي جعل تلك النعم تصل إليه.
والناس أو الخلق أو الأسباب، إنما هي فضل من الله - جل وعلا - جعلها أسبابا، وما فلان من الناس إلا سبب أوصل الله إليك النفع عن طريقه، أما النافع في الحقيقة فهو الله - جل وعلا -، فإذا اندفعت عنك نقمة، فالذي دفعها هو الله - جل وعلا - بواسطة سبب ذلك المخلوق، آدميا كان، أو غير آدمي، فيجب نسبة النعم إلى الله - جل وعلا - فلا تنسب نعمة لغيره سبحانه، ومن نسبها لغيره سبحانه فهو داخل في قول الله - جل وعلا -: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] .
وأما الحديث الذي في الصحيح من «أن النبي ﷺ سئل: هل نفعت عمك أبا طالب بشيء؟ قال: " هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك
стр. 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأسفل من النار» (١) فقوله ﵊: " لولا أنا " هذا فيه ذكر لعمله ﵊ وافترق عن قول القائل: لولا فلان لحصل كذا، من جهتين: الجهة الأولى: أن ذلك القائل هو الذي حصلت له النعمة، أو اندفعت عنه النقمة، والنبي ﷺ هنا - يخبر عن صنيعه بعمه، وأن عمه اندفعت عنه بعض النقمة، فذلك النهي في المتحدث الذي تعلق قلبه بالذي نفعه أو دفع عنه الضر، وأما قول النبي ﷺ : " لولا أنا " فهو إخبار عن نفعه لغيره، فليس فيه تعلق القلب، في اندفاع النقمة، أو حصول النعمة بغير الله - جل وعلا -، هذا وجه، فتكون العلة التي من أجلها نهي عن قول: لولا كذا، لما فيها من نسبة النعمة إلى غير الله، من جهة تعلق القلب بذلك الذي حصل له النعمة، وهذا غير وارد في قول النبي ﵊: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ؛ لأنه ﵊ ليس هو الذي حصلت له النعمة، وإنما هو مخبر عن فعله لعمه.
الوجه الثاني في ذلك: أن النبي ﵊ قد بين أن نفعه لعمه من جهة الشفاعة، فهو يشفع لعمه حتى يكون في ضحضاح من نار، فقوله: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» يعني: لولا شفاعتي. ومعلوم بنصوص الشرع أنه ﵊ يكرم بالشفاعة، ويعطى الشفاعة، فهو سائل؛ وهو سبب من الأسباب، والمتفضل حقيقة: هو الله - جل وعلا،
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فكأنه قال ﵊ بضميمة علمنا أنه يشفع لعمه - كأنه قال: لولا أن الله شفعني فيه لكان في الدرك الأسفل من النار. فليس فيه - بالوجهين جميعا - تعليق للقلب لغير الله - جل وعلا - في حصول النعم، أو اندفاع النقم، مما يكون في قول القائل: لولا فلان لحصل كذا، أو لولا السيارة لحصل كذا، أو لولا الطيار لحصل كذا، أو لولا البيت كان محصنا لحصل كذا، ونحو ذلك مما فيه تعلق قلب من حصلت له النعمة بالمخلوقين، والله أعلم.