. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
منسوبا إلى حكم الله، فيصد الناس عن دين الله، وكم من الناس ممن يحملون سنة وعلما أو يشار إليهم بالاستقامة يسيئون بأفعالهم وأقوالهم لأجل عدم تعظيمهم لله - جل وعلا - وما يجب لسنة النبي ﷺ ، وما يدعوهم إليه الرب الكريم - جل وعلا وتعالى وتقدس - نبرأ إلى الله - جل وعلا - من كل نقص ونسأله أن يعفو ويتجاوز عنا ويرحمنا جميعا.
الشرح: الإقسام على الله يكون على جهتين: جهة يكون فيها التكبر والتجبر، ورفعة هذا المتألي نفسه حتى يجعل له على الله حقا، وهذا مناف لكمال التوحيد، وقد ينافي أصله، وصاحبه متوعد
стр. 562
[باب ما جاء في الإقسام على الله]
" باب ما جاء في الإقسام على الله " عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (١) رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته (٢) .
فيه مسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» إلخ.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالعقاب الذي جاء في مثل هذا الحديث، فهذا يتألى على الله - جل وعلا - أن يحكم بما اختاره هو من الحكم، فيقول: والله لا يحصل لفلان كذا، تكبرا واحتقارا للآخرين، فيريد أن يجعل حكم الله كحكمه تأليا واستكبارا على الله أن يفعل الله - جل وعلا - ما ظنه هو، فهذا التألي والاستكبار نوع تحكم في أمر الله - جل وعلا - وفي فعله، وهذا لا يصدر من قلب معظم لله - جل وعلا.
والجهة الثانية: أن يقسم على الله ﷻ لا على جهة التألي، ولكن على جهة أن ما ظنه صحيح في أمر وقع له، أو في أمر يواجهه، فهذا يقسم على الله أن يكون كذا في المستقبل على جهة التذلل والخضوع لله لا على جهة التألي، وهذا هو الذي جاء فيه الحديث: «ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (١) ؛ لأنه أقسم على الله، لا على جهة التعاظم والتكبر والتألي، ولكن على جهة الحاجة والافتقار إلى الله، فحين أقسم أقسم محتاجا إلى الله، وأكد ذلك بالله وبأسمائه من جهة ظنه الحسن بالله - جل وعلا - فهذا جائز، ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره؛ لأنه قام في قلبه من العبودية لله والذل والخضوع ما جعل الله - جل وعلا - يجيبه في سؤاله، ويعطيه طلبته ورغبته.
وأما الحال الأولى فهي حال المتكبر المترفع الذي يظن أنه بلغ مقاما بحيث يكون فعل الله - جل وعلا - تبعا لفعله، فتكبر واحتقر غيره، فبهذا التفصيل يتضح ما جاء في هذا الباب من الحديث.
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
علي أن لا أغفر لفلان؟» : هذا الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان، كان رجلا صالحا، والآخر كان رجلا فاسقا، فقال الرجل الصالح: والله لا يغفر الله لفلان؛ لأن فلانا هذا كان رجلا فاسقا مريدا كثير العصيان، فتألى هذا العابد وعظيم نفسه، وظن أنه بعبادته لله - جل وعلا - بلغ مقاما يكون متحكما فيه بأفعال الله، وأن الله لا يرد شيئا طلبه، أو له أن يتحكم في الخلق، وهذا ينافي حقيقة العبودية التي هي التذلل لله - جل وعلا - فالله عاقبه، فقال: «من ذا الذي يتألى علي؟» يعني: يتعاظم ويتكبر علي ويحلف علي؛ لأن " يتألى " من الألية، وهي: الحلف، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] [البقرة: ٢٢٦] ، والإيلاء من الألية وهي: الحلف، فيتألى، يعني: يحلف على جهة التكبر والتعاظم.
«ألا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك» : فغفر للطالح، وأحبط عمل ذلك الرجل العابد، وهذا يبين لك عظم شأن مخالفة تعظيم الله ﷻ وعظم مخالفة توحيد الله فهذا الرجل الفاسق أتاه خير من حيث لا يشعر، وقيلت في حقه كلمة بحسب الظاهر أنها مؤذية له، وأن فيها من الاحتقار والازدراء له ما يجعله في ضعة بين الناس، حيث شهد عليه هذا الصالح بقوله: «والله لا يغفر الله لفلان» ، فكانت هذه الكلمة التي ساءته وآذته فيها مصلحة عظيمة له بأن غفر له ذنبه؛ ولهذا نبه الشيخ في مسائل الباب بمسألة معناها: أن من الابتلاء والإيذاء
стр. 565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
للشخص ما يكون أعظم أسباب الخير له. فليست العبرة باحتقار الناس، ولا بكلامهم، ولا بإيذائهم، ولا بتصنيفهم للناس، بل العبرة بحقيقة الأمر بما عند الله ﷻ فالواجب على العباد جميعا أن يعظموا الله، وأن يخبتوا إليه، وأن يظنوا أنهم أسوأ الخلق، حتى يقوم في قلوبهم أنهم أعظم حاجة إلى الله - جل وعلا - وأنهم لم يوفوا الله حقه، أما التعاظم في النفس، والتعاظم بالكلام والمدح والثناء ونحو ذلك، فليس من صنيع المجلين لله - جل وعلا - الخائفين من تقلب القلوب، فالله - جل وعلا - يقلب القلوب، ويصرفها كيف يشاء، فالقلب المخبت المنيب يحذر ويخاف دائما من أن يتقلب قلبه، فينتبه للفظه، وينتبه للحظه، وينتبه لسمعه، وينتبه لحركاته، لعل الله - جل وعلا - أن يميته غير مفتون ولا مخزي.
الشرح: «لا يستشفع» : يعني: لا يجعل الله شفيعا على الخلق؛ لأن شأن الله - جل وعلا - أعظم وأجل من أن يستشفع به، ويجعل واسطة للانتفاع من أحد من الخلق، فالشفاعة المعروفة: أن تأتى إلى أحد، وتطلب أن يكون شفيعا عند آخر؛ لأن ذلك الآخر هو الذي يملك ما تريد والنفع عنده، وهذا يكون واسطة، ولا يستطيع أن ينفعك هو بنفسه إلا بأن يتوسط. والله ﷻ لا يجوز أن يظن به ذلك الظن، لأنه ظن سوء بالله ﷻ فالله - سبحانه - لا يصلح أن يجعل واسطة لأحد، أو إلى أحد من الخلق أو على أحد من الخلق، بل هو - جل وعلا - الذي يملك الأمور جميعا، فالاستشفاع بالله على الخلق يعني أن يجعل الله واسطة يتوسط العبد بربه على أحد من الخلق، وهذا مناف لكمال التوحيد، وعمل وقول من الأقوال المنافية لتعظيم الله - جل وعلا - التعظيم الواجب؛ ولهذا ذكر الشيخ ﵀ حديث جبير بن مطعم، والشاهد منه قول الأعرابي للنبي ﵊: «فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله» يعني: نستشفع بالله نجعل الله - جل وعلا - واسطة يتوسط لنا عندك حتى تدعو، والله - جل وعلا - هو الملك الحي القيوم، الملك الحق المبين، نواصي العباد بيديه، يصرفها كيف يشاء، فشأن الله أعظم من أن يستشفع به على أحد من خلقه، بل الرجل أو المكلف يستشفع بأحد من الخلق عند مخلوق آخر يحتاجه في شيء، والله - جل وعلا - هو الذي يملك الأشياء جميعا، بيده الملك والملكوت، وهو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وبيده خزائن
стр. 566
[باب لا يستشفع بالله على خلقه]
" باب لا يستشفع بالله على خلقه " عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ : " سبحان الله، سبحان الله!! " فما زال يسبح، حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد» (١) وذكر الحديث. رواه أبو داود.
فيه مسائل: الأولى: إنكاره على من قال: «نستشفع بالله عليك» .
الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة.
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: «نستشفع بك على الله» .
الرابعة: التنبيه على تفسير: " سبحان الله ".
الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كل شيء ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] [الحجر: ٢١] ، فالعباد هم المحتاجون إلى الله، وشأن الله أعظم من ذلك، إذ المخلوق حقير وضيع بالنسبة إلى الرب ﷻ فلا يصلح أن يجعل الله - جل وعلا - واسطة عنده حتى يقبل هذه الواسطة، بل شأن الله - جل وعلا - أعظم من ذلك؛ ولهذا قال سيد الخلق، وسيد ولد آدم ﵊ رادا على هذا الأعرابي الذي قال: إنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﵊: «سبحان الله، سبحان الله!!» يعني: تنزيها، وتعظيما لله، وإبعادا لله عن كل وصف سوء أو شائبة نقص، وعن كل ظن سوء به - جل وعلا.
" فما زال يكررها حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ": من شدة تسبيحه، وتنزيهه لربه - جل وعلا - وهذا من الغضب لله ﷻ فصلى الله وسلم على نبينا محمد، فما كان أعلمه بربه، وما كان أعرفه بربه.
ثم قال: «ويحك أتدري ما الله؟ ! " إن شأن الله أعظم من ذلك؛ إنه لا يستشفع بالله على أحد» . فالله - جل وعلا - من علم أسماءه، وعلم الصفات المستحقة له - جل وعلا - فإنه لن يخطر بخاطره ظن سوء به - جل وعلا - أو استنقاص له - جل وعلا.
فهذا الباب فيه - كما في الأبواب قلبه - ما ينبغي أن يتحرز منه الموحد من الألفاظ التي فيها سوء ظن بالله - جل وعلا - وتنقص لمقام الربوبية لله ﷻ .
стр. 568
[باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك]
" باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك " عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السيد الله ﵎» قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» (١) رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس ﵁ أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٢) رواه النسائي بسند جيد.
فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
الثالثة: قوله: «لا يستجرينكم الشيطان» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي» .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرح: النبي ﵊ حمى وحرس جناب التوحيد، وحمى حمى التوحيد، وسد كل طريق توصل إلى الشرك، فإن في سنة النبي ﵊ من الدلائل على قاعدة سد الذرائع ما يبلغ مائة دليل أو أكثر، وأعظم الذرائع التي يجب أن تسد ذرائع الشرك التي توصل إليه، ومن تلك الذرائع قول القائل: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا ونحو ذلك؛ فإن مثل هذه الأقوال فيها من التعظيم الذي لا يجوز أن يواجه به بشر، فإن النبي ﷺ هو سيد ولد آدم، كما أخبر به النبي ﵊، لكن كره المواجهة كما سيأتي.
فحماية النبي ﷺ حمى التوحيد، وسده طرقا الشرك، كان في جهة الاعتقادات ومن جهة الأقوال والأفعال، فإذا تأملت سنته وما جاء في هذا الكتاب - كتاب التوحيد - وجدت أنه ﵊ سد الباب في الاعتقادات الباطلة، وسد الباب في الأفعال الباطلة، كقوله: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وسد الباب أيضا في الأقوال التي توصل إلى الغلو المذموم، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٢) وهذا الباب أيضا من ذلك في بيان حماية النبي ﷺ حمى التوحيد، فيما يتعلق بالقول الذي قد يتبعه اعتقاد.
стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ "، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» رواه أبو داود بسند جيد ". في هذا الحديث أن إطلاق لفظ السيد على البشر مكروه، ومخاطبته بذلك يجب سدها، فلا يخاطب أحد بأن يقال له: أنت سيدنا على جهة الجمع، وذلك لأن فيها نوع تعظيم من جهة المخاطبة، يعني: الخطاب المباشر، والجهة الثانية من جهة استعمال اللفظ، والنبي ﵊ سيد كما قال عن نفسه: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) ولكن مخاطبته ﵊ مع كونه سيدا كرهها ومنع منها، لئلا تؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك، من تعظيمه والغلو فيه ﵊، فهذه مناسبة الحديث لهذا الباب: أن في قوله ﵊: «السيد الله ﵎» مع كونه ﵊ سيد ولد آدم، ما يفيد أنه ﵊ حمى حمى التوحيد، وسد الطرق الموصله للشرك، ومنها طريق الغلو في الألفاظ.
والقول للرجل بأنه سيد ونحو ذلك إذا كان على وجه المخاطبة له، والإضافة إلى الجمع، أشد وأعظم مما إذا كان بدون المخاطبة والإضافة إلى الجمع. ومما ذكر العلماء: أن قوله ﵊: «السيد الله ﵎» يدل على أنه يكره كراهة شديدة أن يقال لبشر: إنه " السيد " هكذا
стр. 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالألف واللام؛ لأن هذا قد يفهم منه استغراق معاني السيادة؛ لأن البشر له سيادة تخصه، ولهذا ترى الذين يشركون ببعض الأولياء كالسيد البدوي يعظمون كلمة " السيد "، ويكثر عندهم التعبيد للسيد، ويريدون به السيد البدوي، فيكثر عندهم عبد السيد ونحو ذلك، ولا يريدون به الله - جل وعلا - ولكن يريدون به ذلك الذي اتخذوه معبودا، وتوجهوا إليه ببعض أنواع العبادة، فيفهمون من كلمة " السيد " أنه ذو السيادة، وذو التصرف في الأمر، وهذا هو الذي اعتقدوه من أن للبدوي ولأمثاله تصرفا في الأرض، وقبولا للمطالب في الحاجات.
«قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» ؛ لأن هذا فيه الثناء والمدح بالمواجهة، وهذا من الشيطان، فالشيطان هو الذي يفتح هذا الباب أن يمدح أحد ويعظم في مواجهته، وذلك حتى يعظم في نفسه فيأتيه الخذلان؛ لأن كل أحد تخلى عن (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، وتخلى عن الازدراء للنفس، والذل والخضوع الذي يعلمه الله من قلبه، فإنه يخذل، ويأتيه الأمر على غرة؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقال مثل ذلك القول مواجهة، ونهى عن المدح؛ لأن فيه إضرارا بالمتكلم، وإضرارا بالمقول فيه ذلك الكلام.
" وعن أنس ﵁ «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » - "، رواه النسائي بسند
стр. 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جيد ": هو ﵊ كما وصفوه هو خيرهم، وهو سيدهم ﵊، لكنه حمى جناب التوحيد، وحمى حمى التوحيد، حتى لا يستدل أحد بعده ﵊ بهذا الكلام على أنه يجوز أن يقال لمن ظن الناس فيه ذلك، بل سد الباب في نفسه وهو سيد ولد آدم، وهو خيرهم ﵊ وأفضلهم، ولكن سد الباب حتى لا يدخل أحد منه بإقراره هذا الفعل، فيعظم أحد ويدخل الشيطان إلى ذلك المعظِّم وإلى المعظَّم، فيجعل القلوب تتعلق بذلك المعظَّم حتى يشرك به، وحتى يعظم بما لا يجوز له من التعظيم.
وهذا الباب كالجامع لما يجب من سد الذرائع الموصلة للشرك، وهذا واجب على المسلم أن يسد كل طريق أو سبيل يجعل نفسه تتعاظم، لأن أعظم مقامات الشرف لك أن يعلم الله - جل وعلا - منك أنك متذلل خاضع بين يديه، وأنك خائف وجل تدعوه راغبا راهبا، فهذه صفة الخلص من عباد الله - جل وعلا - الذين وعدهم الله - جل وعلا - بالخيرات فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] [الأنبياء: ٩٠] ، والخشوع نوعان: خشوع في القلب، وخشوع في الجوارح، وخشوع القلب بالتطامن والذل والخضوع بين يدي الله، وخشوع الجوارح بسكونها، كما قال - جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] [فصلت: ٣٩] .
هذا " باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] [الزمر: ٦٧] " ختم به إمام هذه
стр. 573
[باب ما جاء في قوله تعالى وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . . .]
باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] [الزمر: ٦٧] " عن ابن مسعود ﵁ قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: " أنا الملك " فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] » ، وفي رواية لمسلم: «والجبال والشجر على إصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الله» ، وفي رواية للبخاري: «يجعل السماوات على إصبع والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع» (١) . ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 574
المتكبرون» (١) وروي عن ابن عباس قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» (٢) . وقال ابن جرير حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» (٣) وقال: قال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» (٤) وعن ابن مسعود قال: " بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، (٥) قاله الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - قال: وله طرق.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 575
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» (١) أخرجه أبو داود وغيره.
فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها.
الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك.
الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم.
الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
الثامنة: قوله: «كخردلة في كف أحدكم» .
التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمس مائة سنة.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات أسفله وأعلاه خمس مائة سنة. والله أعلم.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الدعوة شيخ الإسلام والمسلمين محمد بن عبد الوهاب ﵀ كتاب التوحيد وختمه هذا الكتاب بهذا الباب ختم عظيم؛ لأن من علم حقيقة ما اشتمل عليه هذا الباب من وصف الله - جل وعلا - وعظمة الله - جل وعلا - فإنه لا يملك إلا أن يذل ذلا حقيقيا، ويخضع خضوعا عظيما للرب ﷻ والصحيح والواقع من حال الخلق أنهم لم يوقروا الله - جل وعلا - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] لا من جهة ذاته وقدرته وصفاته، ولا من جهة حكمته وبعثه لرسله، قال - جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] [الأنعام: ٩١] ، فهذا في إنزال الكتاب وفي إرسال الرسول، وقال - جل وعلا - في بيان صفة ذاته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] يعني: ما عظموه حق تعظيمه، ولو عظموه حق تعظيمه لما عبدوا غيره، ولما أطاعوا غيره، ولعبدوه حق العبادة، ولذلوا له ذلا وخضوعا دائما، وأنابوا إليه بخشوع وخشية، ولكنهم ما قدروه حق قدره، يعني: ما عظموه حق تعظيمه الذي يجب لقدره - جل وعلا - وعظم ذاته وصفاته.
ثم بين - جل وعلا - شيئا من صفة ذاته العظيمة الجليلة، فقال سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] فإن عقل الإنسان لا يمكن أن يتحمل صفة الله - جل وعلا - على ما هو عليه، والله - جل وعلا -
стр. 577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بين لك بعض صفاته فقال سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فإذا نظرت إلى هذه الأرض على عظمها وعلى غرور أهلها فيها، ونظرت إلى حجمها وإلى سعتها وإلى ما فيها، فهي قبضة الرحمن - جل وعلا - يعني: في داخل قبضة الرحمن - جل وعلا - يوم القيامة، فنفهم من ذلك أن كف الرحمن - جل وعلا - وأن يد الرحمن - جل وعلا - أعظم من هذا، وكذلك السماوات مطويات كطي السجل في كف الرحمن - جل وعلا - كما قال سبحانه هنا: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقال في آية سورة الأنبياء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنبياء: ١٠٤] ، فهذه صفات الله ﷻ ، فإن الأرض التي يتعاظمها أهلها، والسماوات التي يتعاظمها من نظر فيها، هي صغيرة وآيلة في الصغر إلى أن تكون في كف الرحمن - جل وعلا - والله أعظم من ذلك وأجل، بل هو الواسع الحميد الذي له الحمد كله، وله الثناء كله، ويبين لك عظمة الرب - جل وعلا - في ذاته، وعظمة الرب - جل وعلا - في صفاته، وإذا تأملت هذه الأحاديث وما اشتملت عليه تبين لك غرور أهل الأرض في الأرض، وبسعتها وبقواهم فيها، وأنها بالنسبة إلى السماء تعتبر صغيرة، وأن بين الأرض وبين السماء الأولى مسيرة خمسمائة سنة في مسير الراكب السريع، وكذلك بين السماء الأولى والسماء الثانية مسيرة خمسمائة سنة، وهكذا حتى تنتهي السبع سماوات، وكذلك السماوات السبع متناهية في
стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الصغر أمام الكرسي، ولهذا مثل النبي ﵊ السماوات السبع في الكرسي الذي هو فوق ذلك، وهو أكبر بكثير من السماوات بقوله: «إن السماوات السبع كدراهم سبعة ألقيت في ترس» يعني: هذه السماوات صغيرة جدا بالنسبة إلى الكرسي، بل كدراهم سبعة ألقيت في ترس، والترس مكتنفها متقوس عليها، فهي صغيرة فيه وهو واسعها كما قال - جل وعلا - عن الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥] ، فالأرض التي أنت فيها نقطة صغيرة جدا بالنسبة إلى السماء، والأرض والسماوات مجتمعة في غاية الصغر بالنسبة للكرسي، والكرسي أيضا فوقهما، وفوق ذلك عرش الرحمن - جل وعلا، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فهو متناهي الصغر بالنسبة إلى عرش الرحمن، والذي هو مستو عليه - جل وعلا - وهو فوقه ، ولو تأمل الناس صفة الرب - جل وعلا - وما يجب له من الجلال، وما هو عليه من صفات الذات، ومن صفات الفعل، وما عليه تلك الصفات من الكمال والجلال المطلق لاحتقروا أنفسهم، ولعلموا أنه لا ينجيهم ولا يشرفهم إلا أن يكونوا عبيدا له وحده دون ما سواه، فهل يعبد المخلوق المخلوق؟! إن الواجب أن يعبد المخلوق من هو متصف بهذه الصفات العظيمة، فهو الحقيق بأن يُذل له، وهو الحقيق بأن يُطاع، وهو الحقيق بأن يُجل، وهو الحقيق بأن يُسأل، وهو الحقيق بأن يُبذل كل ما يملكه العبد في سبيل مرضاته - جل وعلا - إذ هذا من قدره حق قدره، ومن تعظيمه حق تعظيمه، فإذا تأمل العبد صفات الربوبية وصفات الجلال
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وصفات الجمال لله - جل وعلا - وأن ذات الله - جل وعلا - عظيمة، وأنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، على هذا العظم، علم أنه لا أحد يستحق أن يتوجه إليه بالعبادة وأن يُعبد إلا الله - جل وعلا، وأن من عبد المخلوق الحقير الوضيع فإنه قد نازع الله - جل وعلا - في ملكه، ونازع الله - جل وعلا - في إلهيته؛ ولهذا يحق أن يكون من أهل النار المخلدين فيها والمعذبين عذابا دائما؛ لأنه توجه إلى هذا المخلوق الضعيف وترك الرب العلي القادر على كل شيء .
ثم تأمل كيف أن ربك العزيز الحكيم المتصف بصفات الجلال، وهو - جل وعلا - فوق عرشه يأمر وينهى في ملكوته الواسع الذي ما الأرض إلا كشبه لا شيء في داخل ذلك الملكوت، يفيض رحمته ويفيض نعيمه على من شاء، ويرسل عذابه على من شاء، وينعم من شاء، ويصرف البلاء عمن شاء، وهو سبحانه ولي النعمة والفضل فترى أفعال الله - جل وعلا - في السماوات، وترى عبودية الملائكة في السماوات لهذا الرب العظيم، المستوي على عرشه، كما قال ﵊: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، وملك راكع، أو ملك ساجد» (١) تعظيما لأمر الله - جل وعلا - وترى نفوذ أمر الله في ملكوته الواسع الذي لا نعلم منه إلا ما حولنا من هذه الأرض، وما هو قريب منها، بل نعلم بعض ذلك، والله - جل وعلا - هو المتصرف ثم تنظر إلى أن الله الجليل العظيم المتصف بهذا الملك العظيم يتوجه إليك أيها العبد الحقير الوضيع فيأمرك
стр. 580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بعبادته، وهي شرف لك لو شعرت، ويأمرك بتقواه وهي عز لك لو عقلت، ويأمرك بطاعته وذاك فخر لك لو علمت، فإنه إذا علمت حق الله، وعلمت صفات الله وما هو عليه من العلو المطلق في ذاته وفي صفاته - جل وعلا - وفي نفوذ أمره في هذه السماوات السبع التي هي في الكرسي كدراهم ألقيت في ترس، ثم ما فوق ذلك، والجنة والنار وما في ذلك، وجدت أنك لا تتمالك إلا أن تخضع له - جل وعلا - خضوعا اختياريا، وأن تذل له، وأن تتوجه إلى طاعته، وأن تتقرب إليه بما يحب، وأنك إذا تلوت كلامه تلوت كلام من يخاطبك به، ويأمر وينهى به، فيثمر عندك حينئذ من التوقير والتعظيم لله غير ما كنت عليه قبل ذلك؛ ولهذا كان من أسباب رسوخ الإيمان في القلب وتعظيم الرب - جل وعلا - أن يتأمل العبد ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض، كما أمر الله - جل وعلا - بذلك حين قال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] [يونس: ١٠١] ، وقال - جل وعلا -: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] [الأعراف: ١٨٥] ، وقال - جل وعلا - في وصف الخلص من عباده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢]
стр. 581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
[آل عمران: ١٩٠- ١٩٢] ، إلى آخر دعواتهم، وهم يذكرون الله قياما، وقعودا، وعلى جنوبهم، ويتفكرون، ومع ذلك يسألون النجاة من النار، فهم في ذل وخضوع لما عرفوا من آثار توحيد الربوبية، ولما عرفوا من آثار توحيد الألوهية في القلب وفي النفس.
أسأل الله في ختام هذا الكتاب أن يجزي مؤلفه الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأن يجزي كل من ساهم في شرح هذا الكتاب بما أفهمنا من معانيه، فإنه والله لكتاب عظيم، اشتمل على ما به نجاة العباد لو شعروا، وقرب به الإمام ﵀ نصوص الكتاب والسنة، وأفهمنا دلائلها بما نرجو معه النجاة بعفو الله - جل وعلا - وكرمه، هذا ووصية أخيرة أختم بها هذا المجلس المبارك فأوصي بالعناية بهذا الكتاب عناية عظيمة، وحفظه، ودراسته، وتأمل مسائله، ومعرفة ما فيه، فإنه الحق الذي كان عليه الأنبياء والمرسلون ومن تبعهم من صالحي عباد الله، هذا وأن الانصراف عن مدارسة ما احتواه مما يجب على العبد تجاه ربه لنذير سوء، وإن الإقبال عليه لمؤذن بالخير والبشرى، وأسأل الله أن يغفر لنا زللنا وخطلنا، وأن يعفو عنا ما أخطأنا فيه، وأن يجعلنا من المعفو عنهم، ونسأل الله التسامح، وأن يجعلنا من المحققين لتوحيده، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به، اللهم فكن لنا يا كريم، اللهم فكن لنا يا كريم، اللهم فكن لنا يا كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: ما حكم من يضع آية الكرسي في السيارة، أو يضع مجسما فيه أدعية، كأدعية ركوب السيارة، وأدعية السفر وغيرها من الأدعية؟
الجواب: إن هذا فيه تفصيل: فإن كان وضع هذه الأشياء ليحفظها، ويتذكر قراءتها، فهذا جائز، كمن يضع المصحف أمام السيارة، أو يضعه معه؛ فإذا صارت عنده فرصة هو أو من معه أن يقرأ فيه قرأ، فهذا جائز لا بأس به، لكن إن علقها لأجل أن تدفع عنه الآفات، فهذا يدخل في مسألة: حكم تعليق التمائم من القرآن، وقد عرفنا أن ذلك لا يجوز على الصحيح، بل يحرم.
سؤال: ما حكم من يوصي أحدا بالبحث عن راق يرقي له دون أن يطلب الرقية من الراقي بنفسه، هل هذا يدخل في الذين يسترقون؟
الجواب: إن قول النبي ﷺ في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أنهم: «هم الذين لا يسترقون» (١) معناه: لا يطلبون الرقية، وفهم جواب السؤال يتبع فهم التعليل، ذلك أن أولئك كانوا لا يسترقون، يعني لا يطلبون الرقية، لأجل ما قام في قلوبهم من الاستغناء بالله، وعدم الحاجة إلى الخلق، ولم تتعلق قلوبهم بالخلق في رفع ما حل بهم، وكما ذكرت لك فإن مدار العلة على تعلق القلب بالراقي، أو بالرقية في رفع ما بالمرقي من أذى، أو في دفع ما قد يتوقع من السوء، وعليه فيكون الحالان
стр. 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سواء، يعني: إن كان طلب بنفسه، أو طلب بغيره فإنه طالب، والقلب متعلق بمن طلب منه الرقية إما بالأصالة أو بالواسطة.
سؤال: ما حكم من يقول له أهله: اذبح ذبيحة ووزعها على المساكين دفعا لبلاء ما، فهل تجوز تلك النية؟
الجواب: هذا فيه تفصيل، ذلك أن ذبح الذبائح إذا كان من جهة الصدقة، ولم يكن لدفع شيء متوقع، أو لرفع شيء حاصل، ولكن من جهة الصدقة، وإطعام الفقراء، فهذا لا بأس به وهو داخل في عموم الأدلة التي فيها الحض على الإطعام، وفضيلة إطعام المساكين.
وأما إن كان الذبح؛ لأن بالبيت مريضا، فيذبح لأجل أن يرتفع ما بالمريض من أذى، فهذا لا يجوز بل يحرم؛ سدا للذريعة، ذلك لأن كثيرين يذبحون حين يكون بهم مرض؛ لظنهم أن المرض كان بسبب الجن، أو كان بسبب مؤذ من المؤذين، فإذا ذبح الذبيحة وأراق الدم فإنه يندفع شره، أو يرتفع ما أحدثه ذلك المؤذي. ولا شك أن اعتقاد مثل هذا محرم ولا يجوز، فالذبيحة التي ذبحت لرفع المرض والصدقة بها عن المريض - والحالة هذه - قال العلماء: هي حرام ولا تجوز سدا للذريعة، وللشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق رسالة خاصة في الذبح للمريض.
وكذلك إذا كان الذبح لدفع أذى متوقع، كأن يكون في البلد داء معين، فذبح لدفع هذا الداء، أو كان في الجهات التي حول البيت شيء يؤذي، فيذبح ليندفع ذلك المؤذي، إما لص - مثلا - يتسلط على البيوت، أو أذى ما يأتي للبيوت، فيذبح ويتصدق بها لأجل أن يندفع ذلك الأذى، فهذا أيضا
стр. 585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
غير جائز، ومنهي عنه سدا للذريعة؛ لأن من الناس من يذبح لدفع أذى الجن وهذا شرك بالله - جل وعلا.
فإذا قيل: فما معنى ما رواه أبو داود وغيره بإسناد حسنه بعض أهل العلم، وبعضهم ضعفه: أن النبي ﷺ قال: «داووا مرضاكم بالصدقة» (١) هل يدخل فيه إراقة الدم؟ لأجل ما فيها من الوسيلة إلى الاعتقادات الباطلة. ومعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وجاءت أيضا بفتح الذرائع الموصلة للخير، فما كان من ذريعة يوصل إلى الشرك والاعتقاد الباطل فإنه ينهى عنه.
سؤال: ما الحكم في بعض الأواني التي يكتب عليها بعض الآيات، والتي تباع في بعض المحلات التجارية؟
الجواب: إن هذه الأواني يختلف حالها فإن كان يستخدمها لأجل أن يتبرك بما كتب فيها من الآيات، فيجعل فيها ماء ويشربه؛ لأن الماء يلامس هذه الآيات، فهذا من الرقية غير المشروعة؛ لأن الرقية المشروعة تكون بقراءة الآيات في الماء، وهذه الآيات لم تنحل في الماء، بل هي مكتوبة في ذلك الإناء المعدني أو النحاسي، والتصاق الماء بتلك الكتابات من الآيات أو الأدعية لا يجعل الماء - بذلك - مباركا أو مقروءا فيه، فإذا اتخذت هذه الأواني لذلك: فالرقية بها غير مشروعة.
стр. 586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما إذا اتخذها للزينة، أو لجعلها في البيت، أو لتعليقها، فهذا كرهه كثير من أهل العلم؛ لأن القرآن ما نزل لتزين به الأواني، أو تزين به الحيطان، وإنما نزل للهداية كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]
سؤال: ما حكم من يضع مصحفا في درج السيارة، معتقدا أن للمصحف أثرا في رد العين أو البلاء؟
الجواب: إذا كان يقصد من وضع المصحف في درج السيارة، أو في أي جهة منها، أن يدفع ذلك عنه العين، فهذا من اتخاذ المصحف تميمة، وقد تقدم حكم التمائم من القرآن، وأن الصحيح أنه لا يجوز أن يجعل القرآن تميمة، ولا يظن أن وجوده في مكان ما يدفع العين، لكن الذي يدفع العين: قراءة القرآن، والأدعية المشروعة، والاستعادة بالله جل وعلا، ونحو ذلك مما جاء في الرقية.
فتحصل أن وضع القرآن في السيارة لهذه الغاية داخل في المنهي عنه، وهو من اتخاذ التمائم من القرآن، لكن لما كان القرآن غير مخلوق - وهو كلام الله جل وعلا - لم تصر هذه التميمة شركية وإنما ينهى عنها فقط لأن النبي ﷺ لم يستعمل القرآن على هذه الصفة، ولم يجعله في عنق أحد من الصحابة، لا الصغار ولا الكبار، ولا أذن، ولا وجه، إلى أن يجعل القرآن في شيء من صدورهم، أو في عضد أحدهم، أو في بطنه، ومعلوم أن مثل هذا لو كان دواء مشروعا، أو رقية سائغة، أو تميمة مأذونا بها، لرخص فيها ولا سيما مع شدة حاجة الصحابة إلى ذلك، لأن تعليق القرآن أيسر من البحث عن راق
стр. 587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يرقي ويطلب منه ذلك وربما يكافأ على رقيته، أو يطلب أجرا، فلما كان هذا أيسر والنبي ﷺ لم يرشدهم إلى الأيسر - وقد بعث ميسرا - علم مع ضميمة الأدلة المتقدمة التي ذكرت: أن هذا من جنس الرقية غير المشروعة والله أعلم.
سؤال: قوله: " وعامرهن غيري " قد يستدل به أهل البدع على أن الله في كل مكان، فكيف الرد عليهم؟
الجواب: المقصود بالسماوات في قوله - جل وعلا - في الحديث القدسي: " يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري " السماوات السبع معروفة، وهي طباق بعضها فوق بعض، والمراد بقوله: "وعامرهن " العمارة المعنوية، يعني: من عمرها بالتسبيح، والتهليل، وذكر الله وعبادته، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع» (١) ففيها عمار كثيرون عمروها بعبادة الله جل وعلا، وقد قال - جل وعلا - في أول سورة الأنعام ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] [الأنعام: ٣] ، فالله - جل وعلا - هو المعبود - سبحانه - في السماوات، وهو المعبود - سبحانه - في الأرض.
فقوله هنا: " لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري " يعني: من يعمر السماوات، والمقصود بهذا الاستثناء في قوله: " غيري " الله ،
стр. 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويحتمل الاستثناء هذا أن يكون راجعا إلى الذات، أو إلى الصفات، ومعلوم أن الأدلة دلت على أن الله - جل وعلا - على عرشه، مستو عليه بائن من خلقه، جل وعلا، والسماوات من خلقه ؛ فعلم من ذلك أن قوله: " وعامرهن غيري " راجع إلى عمارة السماء بصفات الله - جل وعلا، وبما يستحقه سبحانه من التأله، والعبودية، وما فيها من علم الله، ورحمته، وقدرته، وتصريفه للأمر، وتدبيره، ونحو ذلك من المعاني.
سؤال: رجل عنده ولد مريض مرضا لم يجد له علاجا، فقال: أذهب إلى مكة، وأضع ولدي عند البيت، وأدعو له بالشفاء، فإذا حان الظهر دعوت مائة شخص من فقراء الحرم على الغداء ثم أقول لهم: ادعوا الله أن يشفي ولدي، فما حكم هذا العمل؟
الجواب: هذا العمل فيه تصدق ودعوة الفقراء إلى الطعام، وفيه طلب الدعاء منهم لولده، والتصدق بالطعام هو من جنس الأعمال المشروعة - كما تقدم - وتقدم أيضا حكم الذبائح وإراقة الدماء، فإذا كان في هذا الإطعام ذبائح: فتفصيل الجواب كما سبق.
وإن كان قصده مجرد إطعامهم ولإشباعهم والتصدق عليهم، ثم طلب منهم الدعاء - وهي المسألة الثانية - فهذا راجع إلى هل يشرع طلب الدعاء من الغير بهذه الصفة، أو لا يشرع؟ الظاهر أن هذا من جنس ما هو غير مشروع، ومعنى أنه ليس بمشروع: أنه ليس بمستحب ولا واجب، ولكن هل يجوز طلب الدعاء من الآخرين؟ قال العلماء: الأصل في ذلك الكراهة، والمتأمل فيما روي عن الصحابة وعن التابعين الذين طلب منهم الدعاء: أنهم كرهوا ذلك، ونهوا
стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الطالب، وربما قالوا له: أنحن أنبياء؟!! كما قال ذلك حذيفة، ومعاذ، وغيرهما ﵃، وكان إمام دار الهجرة: أنس بن مالك ﵀ إذا طلب منه الدعاء نهى الطالب، خشية أن يلتفت الناس إليه، وتتعلق قلوبهم به، وإنما يتعلق في طلب الدعاء بالأنبياء، أما من دونهم فلا يتعلق بهم في هذا الأمر؛ لهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن طلب الدعاء من المسلم الحي يكون مشروعا إذا قصد به نفع الداعي ونفع المدعو له، فإذا قصد الطالب أن ينفع الجهتين يعني: ينفع نفسه، وينفع الداعي فهذا من المشروع، وهذا هو الذي يحمل عليه ما جاء في السنة فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، «أن النبي ﷺ قال لعمر لما أراد أن يعتمر: " لا تنسنا يا أخي من دعائك» (١) وهذا الحديث إسناده ضعيف، وقد احتج به بعض أهل العلم ومعناه ظاهر في أن النبي ﷺ أراد أن ينفع عمر بهذه الدعوة؛ فالطالب للدعاء محتاج إلى غيره.
والمقصود: أن ما فعله هذا السائل لأجل ولده الأولى له تركه؛ لأجل ألا يتعلق قلبه بأولئك في دعائهم.
ومن العلاج المناسب شرعا أن يلتزم بين الركن والمقام، يعني: بين الحجر الأسود، وبين آخر حد باب الكعبة - وهو الملتزم، يلتزم ويلصق بطنه وصدره وخده ببيت الله ﷻ ، ويقف بالباب مخبتا منيبا سائلا الله - جل وعلا - منقطعا عن الخلق عالما أنه لا يشفي من الداء في الحقيقة إلا الله ﷻ فالله - جل وعلا - هو الذي يشفي، وهو الذي يعافي، كما قال
стр. 590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] [فاطر: ٢] ، فهذا الفعل أعظم أثرا - إن شاء الله - من فعله الذي يريد أن يفعله من دعوة أولئك، فالتضرع إلى الله في أوقات الإجابة، وفي الأماكن الفاضلة، وفي الأزمنة الفاضلة، نرجو أن يكون معه إجابة الدعاء وشفاء المرض إن شاء الله.
سؤال: مما يقع فيه كثير من الناس أنه إذا حصل له أمر ونجا منه فإنه يوجب على نفسه الصدقة، أو يعتقد وجوبها، فما حكم ذلك؟
الجواب: أن الصدقة في مثل هذا ليس لها حكم الوجوب، والشكر لله - جل وعلا - على نعمه - إذا نجى العبد من بلاء أو حصلت له مسرة - ينبغي أن يكون بالسجود، أو بالصلاة، أو بالصدقة شكرا لله - جل وعلا - على نعمه، وهذا كله من المستحب، وليس من الواجب، إلا إذا كان ثم نذر، كمن - نذر إن نجي من كذا وكذا - أن يتصدق. فهنا يكون قد ألزم نفسه بعبادة، وهي الصدقة المنذورة، فتكون في هذه الحالة - واجبة بالنذر، أما أصل الصدقة فهو مستحب، وإذا كانت الصدقة في مقابلة نعمة، أو اندفاع نقمة، فهي أيضا مستحبة، وليست بواجبة، فلا تجب إلا إذا نذر وتحقق الشرط.
سؤال: عند بعض الناس عادة، وهي أن من حصل بينه وبين شخص عداوة أو بغضاء لتعد من أحدهما على الآخر فيطلبون من أحدهما أن يذبح ويسمون ذلك ذبح صلح، فيذبح ويحضرون من حصلت معه العداوة، فما حكم ذلك؟
стр. 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الجواب: أن ذبح الصلح الذي تعمله بعض القبائل في صورته المشتهرة المعروفة لا يجوز؛ لأنهم يجعلون الذبح أمام من يريدون إرضاءه ويريقون الدم تعظيما وإجلالا له لإرضائه، فهذا النوع من الذبح يكون محرما؛ لأنه لم يرق الدم لله - جل وعلا - وإنما أراقه لأجل إرضاء فلان، فهذا الذبح - كما قلت - محرم، والذبيحة - أيضا - لا يجوز أكلها؛ لأنها لم تذبح لله - جل وعلا - وإنما ذبحت لغيره.
فإن كان الذبح الذي هذا صفته يقصد به التقرب والتعظيم للمذبوح له: صار شركا أكبر، وإن لم يكن يقصد به التقرب والتعظيم له كان محرما؛ لأنه لم يخلص من أن يكون لغير الله فصارت عندنا مع هذه الصورة المسؤول عنها صورة أخرى تقدمت وهي: الذبح عند قدوم السلطان وبحضرته، وفي كلتا الصورتين: إن كان قصد الذابح التقرب والتعظيم للمذبوح له، فيكون الذبح حينئذ شركا أكبر بالله - جل وعلا - لأنه ذبح وأراق الدم تعظيما للمخلوق، وتقربا إليه.
وإن لم يذبح تقربا أو تعظيما، وإنما ذبح لغاية أخرى مثل الإرضاء، فيكون قد شابه أهل الشرك فيما يذبحونه تقربا وتعظيما، فنقول: الذبيحة لا تجوز ولا تحل، والأكل منها حرام، ويمكن للإخوة الذين يشيع عندهم في بلادهم أو في قبائلهم مثل هذا الفعل المسمى " ذبح الصلح " ونحوه أن يبدلوه بخير منه، وهو أن يجعلونه وليمة للصلح، فيذبحون للضيافة، يعني: يذبحون لمن يريدون إرضائهم، ويدعونهم، ويكرمونهم، ولا يكون هذا بحضرتهم، فهذا من الأمر المرغب فيه، ويكون الذبح في هذه الحالة كما يذبح المسلم عادة لضيافة أضيافه، ونحو ذلك.
стр. 592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: رجل في منطقة ما يأتي إليه الناس عند فقد أموالهم، فيعطيهم خيطا معقدا ويقرأ عليه، ويطلب منهم أن يضعوه في المكان الذي فقد فيه المال، فما حكم ذلك العمل؟ وما حكم هذا الرجل؟ وما حكم الصلاة خلفه؟
الجواب: هذا من الكهانة؛ لأن الذي يعمل هذه الأشياء يسمى بالعراف، أو الكاهن، وقد يكون ساحرا أيضا، فلا يجوز مثل هذا العمل، ولا يحل لأحد أن يعين أحدا يدعي معرفة شيء من علم الغيب، والصلاة خلفه لا تجوز؛ لأن هذا إما أن يكون عرافا أو كاهنا أو ساحرا، وهؤلاء لا تجوز الصلاة خلفهم.
سؤال: ما معنى قولهم: الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وكيف يكون كذلك والشرك الأكبر يعتبر من الكبائر؛ إذ هو أكبر الكبائر، فنرجو إزالة الإشكال؟
الجواب: هذا سبق إيضاحه، وهو أن الكبائر قسمان: قسم منها يرجع إلى جهة الاعتقاد والعمل الذي يصحبه اعتقاد، وقسم منها يرجع إلى جهة العمل الذي لا يصحبه اعتقاد.
مثال الأول - وهو الذي يصحبه الاعتقاد: أنواع الشرك بالله كالاستغاثة بغير الله، والذبح لغيره، والنذر لغيره، ونحو ذلك، فهذه أعمال ظاهرة، ولكن هي كبائر يصحبها اعتقاد جعلها شركا أكبر، فهي في ظاهرها: صرف عبادة لغير الله - جل وعلا - وقام بقلب صاحبها الشرك بالله، بتعظيم هذا المخلوق، وجعله يستحق هذا النوع من العبادة، إما على جهة الاستقلال، أو لأجل أن يتوسط.
стр. 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والقسم الثاني: الكبائر العملية التي تعمل لا على وجه اعتقاد، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، ونحو ذلك من الكبائر والموبقات، فهذه تعمل دون اعتقاد؛ لهذا صارت الكبائر على قسمين.
فنقول: الشرك الأصغر - ومن باب أولى الشرك الأكبر -: هو من حيث جنسه أكبر من الكبائر العملية، فأنواع الشرك الأصغر - وإن كانت لفظيا، مثل قول: ما شاء الله وشئت، ومثل الحلف بغير الله، أو نسبة النعم إلى غير الله، أو نسبة اندفاع النقم لغير الله - جل وعلا - أو تعليق التمائم، ونحو ذلك - كلها من حيث الجنس أعظم. نعم: هي من الكبائر، لكنها من حيث الجنس أعظم من كبائر العمل التي لا يصاحبها اعتقاد؛ لأن كبائر الأعمال مثل: الزنا، والسرقة، ونحوها من الكبائر العملية، ليس فيها سوء ظن بالله - جل وعلا - وليس فيها صرف عبادة لغير الله، أو نسبة شيء لغير الله - جل وعلا - والحامل له على فعلها: مجرد الشهوات، وأما في الأخرى فالحامل له على فعلها: اعتقاده بغير الله، وجعل غير الله - جل وعلا - ندا لله ، وأعظم الذنب أن يجعل المرء لله ندا وهو خلقه - جل وعلا.
سؤال: لماذا لم يبين الرسول ﷺ الشرك للصحابة قبل أن يقعوا فيه كما في حديث ذات أنواط؟
الجواب: من المعلوم أن الشريعة جاءت بالإثبات المفصل والنفي المجمل، والنفي إذا كان مجملا، فإنه يندرج تحته صور كثيرة، فمن فهم دلالة النفي فلا يحتاج - مع النفي - أن ينبه على كل فرد من أفراده، ولهذا نقول: من فهم (لا
стр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إله إلا الله) ، لم يحتج إلى أن يفصل له كل مسألة من المسائل، فمثلا: النذر لغير الله ليس فيه حديث النذر لغير الله شرك، والذبح لغير الله ليس فيه حديث ينص أن الذبح لغير الله شرك، وكذا: العكوف عند القبور، أو العكوف عند الأشجار والأحجار والتبرك بها، وكل ما سبق لم يأت فيه ما ينص عن النهي عنها بأعيانها، ولكن نفي إلهية غير الله - جل وعلا - يدخل فيها - عند من فهم معنى العبادة - كل الصور الشركية؛ ولهذا: فإن الصحابة ﵃ فهموا ما دخل تحت هذا النفي، ولم يطلب ذات أنواط - كما للمشركين ذات أنواط - إلا من كان حديث عهد بكفر، يعني: لم يسلم إلا قريبا، وهم قلة ممن كانوا مع النبي ﷺ في مسيره إلى حنين.
وأما الإثبات: فإنه يكون مفصلا، وتفصيل الإثبات تارة يكون بالتنصيص، وتارة يكون بالدلالة العامة، كما في الآيات الآمرة بوجوب إفراد الله - جل وعلا - بالعبادة، مثلا كقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] [البقرة: ٢١] ، وكقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] [الأعراف: ٥٩ و ٦٥ و ٧٣ و ٨٥ - هود: ٥٠ و ٦١ و٨٤ - المؤمنون: ٢٣ و ٣٢] ، ونحو ذلك من الآيات. وتارة يكون بالأدلة الخاصة بالعبادة كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] [الإنسان: ٧] ، وكقوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] ، وكقوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] [الأنفال: ٩] ، فهذه أدلة إثبات تثبت أن تلك المسائل من العبادات؛ وإذا كانت من العبادات، فقول (لا إله إلا الله) يقتضي بالمطابقة أنه: لا تصرف العبادة إلا لله - جل وعلا.
стр. 595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فيكون ما طلبه أولئك من القول - الذي لم يعملوه - راجعا إلى عدم فهمهم أن تلك الصورة داخلة فيما نفي لهم مجملا بقول لا إله إلا الله.
سؤال: ما حكم التبرك بالصالحين وبماء زمزم والتعلق بأستار الكعبة؟
الجواب: التبرك بالصالحين قسمان:
القسم الأول: التبرك بذواتهم، أو بعرقهم، أو بسؤرهم - يعني: بقية الشراب - أو بلعابهم الذي اختلط بالنوى مثلا، أو بما فضل من طعامهم، أو بأشعارهم، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز وهو من البدع المحدثة. وقد تقدم بيان أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكونوا يعملون مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وهم سادة أولياء هذه الأمة - شيئا من ذلك، وإنما فعله الخلوف الذين يفعلون ما لا يؤمرون ويتركون ما أمروا به.
والقسم الثاني: بركة عمل، وهي الاقتداء بالصالحين في صلاحهم، والاستفادة من أهل العلم، والتأثر بأهل الصلاح، فهذا أمر مطلوب شرعا، أما التبرك بالذات، كما كان يفعل مع النبي ﷺ فهذا ليس لأحد إلا للنبي ﵊.
أما التبرك بماء زمزم فإنه لا بأس به؛ لمجيء الدليل بذلك، وهو قوله ﵊ عن ماء زمزم: «إنها طعام طعم وشفاء سقم» (١) فمن شربها طعاما، أو شفاء من سقم، فقد عمل بما دل عليه الدليل، وكذلك من شربها لغرض من الأغراض التي يريد أن يحققها لنفسه: فهذا أيضا جائز، لأن
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
النبي ﵊ قال: «ماء زمزم لما شرب له» (١) . فمن جعل ماء زمزم سببا لأشياء يريد تحقيقها، فلا بأس بذلك؛ لأن هذا راجع إلى أنه سبب أذن به شرعا، ولو شرب ماء آخر كالمياه المعدنية - مثلا - وأراد بشرب هذا الماء أن يحفظ القرآن، واعتقد ذلك سببا لحفظ القرآن: فإن اعتقاده هذا خاطئ، لأن الدليل هو الذي يدل على كون ذلك الشيء مؤثرا أو لا.
أما التعلق بأستار الكعبة رجاء البركة: فهذا من وسائل الشرك، ويكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن ذلك التبرك سبب لتحقيق مطلوبه، أما إذا اعتقد أن الكعبة ترفع أمره إلى الله، أو أنه إذا فعل ذلك عظم قدره عند الله، وأن الكعبة يكون لها شفاعة عند الله، أو نحو تلك الاعتقادات التي فيها اتخاذ الوسائل إلى الله - جل وعلا، فإن هذا التبرك - على هذا النحو - يكون شركا أكبر؛ ولهذا يقول كثير من أهل العلم: إن التمسح بحيطان المسجد الحرام، أو بالكعبة، أو بمقام إبراهيم، ونحوها؛ رجاء بركتها، هو من وسائل الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر، كما قرر ذلك الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.
سؤال: يوجد بعض الساعات مكتوب عليها لفظ الجلالة، فهل يجوز الدخول بها إلى الخلاء؟
الجواب: يقول العلماء في كتب الفقه، في آداب دخول الخلاء: " ويكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله "، فاصطحاب شيء مما فيه ذكر الله في الخلاء مكروه.
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: هل يعتبر هذا النذر مطلقا أم مقيدا، وهو: إذا حصل للعبد منفعة، مثل أن نجح أو حصل على وظيفة، ثم نذر أن يصوم ثلاثة أيام لله تعالى، مع العلم أنه لم ينذر قبل نجاحه، أو حصوله على الوظيفة؟
الجواب: النذر المطلق: هو الذي لم يعلق بشيء سيحصل في المستقبل، والنذر المقيد: هو الذي علق الوفاء به بحصول شيء من الله - جل وعلا - للعبد وهذا يكون في المستقبل، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فسأصوم ثلاثة أيام، أو نحو ذلك. فهذا هو النذر المعلق المقيد. أما المطلق: فهو أن ينذر نذرا لله - جل وعلا - تبررا منه إما بسبب حادثة حدثت، أو نعمة تجددت، أو نقمة اندفعت، أو بدون سبب، فهذا كله يدخل في النذر المطلق، أما المقيد فهو المعلق بشرط في المستقبل - كما تقدم قريبا.
سؤال: ما حكم عمل احتفال بسيط بمناسبة انتهاء عقد أحد العاملين بالشركة، سواء كان مسلما أو غير مسلم، وحجة بعضهم في عمل الاحتفال لغير المسلم أنه من باب دعوته إلى الإسلام، مع العلم أنه خلال وجوده في العمل لم يقدم له أحد - ممن يحتجون بهذا القول - كتابا أو شريطا لدعوته للإسلام؟
الجواب: المقصود من تلك الاحتفالات إكرام من أقيمت له، فإذا كان مسلما: فإكرام المسلم من حقوقه المستحبة، وإذا كان غير مسلم فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون ممن لم يظهر للإسلام عداوة، أو أظهر في الإسلام رغبة، وهو مسالم لأهل الإسلام، ومحب لأهل الخير وأهل الدين والصلاح - كما يظهر من بعضهم - فمن كان بهذه الصفة: فإنه يصلح أن يدعى للإسلام؛
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لأنه قريب، سلم من البغضاء والعداوة التي تحجزه عن قبول الحق. لو عرض عليه.
فإذا كان القصد من عمل الاحتفال لمثل هذا: أن يكون ذلك بداية لدعوته إلى الإسلام ببيان محاسنه، وبيان بطلان الأديان الأخرى، ونحو ذلك، فهذا بحسب قصد فاعله، لكن أصل الإكرام لغير المسلم لا يجوز.
وأما إن كان معاديا للإسلام، أو لم يظهر قبولا للإسلام، أو عرف من سيرته - حين بقي تلك المدة في المؤسسة أو الشركة - أنه لا يحب الخير، بل ربما أظهر صدودا عن أهل الخير، وأظهر عدم قبول لبعض أوامر الشرع التي يحكم بها: فهذا لا يجوز إكرامه؛ لأن إكرامه من موالاة الكفار، وموالاتهم محرمة؛ لأنا نكون - بهذا - قد أكرمناه مع بقائه على عداوته وعلى بغضه، وهذا لا يجوز. والأصل على هذا التفصيل دل عليه قول الله - جل وعلا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] [الممتحنة: ٨ - ٩] ، فهذه الآيات فيها بيان حال الصنفين؛ وقد كان النبي ﷺ ربما أجاب دعوة اليهود: رجالهم، أو نساءهم، وربما أتى بعض أهل الكتاب، وربما أهدى إليهم، بل وحث على الهدية للجار، وهذا كله لأجل الترغيب في الخير، والترغيب في الإسلام.
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالمقصود: أن الإكرام بتلك الحفلات لا يجوز إلا إذا كانت ثمة مصلحة شرعية راجحة يقدرها أهل العلم إذا وصف الحال لهم، وأما ما عدا ذلك، فلا يجوز إقامة الحفلات لهم؛ لأنها نوع موالاة للكفار.
سؤال: هل يدخل في باب: «لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله» ما يحصل - وخاصة في أوربا وأمريكا - من شراء كثير من المسلمين لكنائس قديمة ثم تعديلها لتكون مساجد، أو هدم الكنيسة وبناء مسجد مكانها؟
الجواب: أنه لا يدخل في ذلك؛ لأن مسجد النبي ﷺ الذي تضاعف الصلاة فيه، أقيم على مكان فيه قبور للمشركين؛ فبعد أن نبشت تلك القبور وأزيل الرفات، أقيم المسجد في ذلك المكان. (١) والكنيسة التي عبد فيها غير الله - جل وعلا - إذا حولت إلى مسجد، فهذا من أعظم الطاعات، ومن أحب الأعمال إلى الله - جل وعلا - وذكرت فيما سبق أن الفرق بين هذه الصورة وبين «لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله» : أن الذبح صورته مشتركة، بمعنى أن: الصورة الظاهرية واحدة، وإنما الاختلاف في النيات؛ ولهذا منع من ذلك، أما عبادة المسلمين وصلاتهم وهيئة مساجدهم وجلوسهم، إلى آخر تلك الهيئات: فهي مخالفة لما عليه صلاة النصارى. فاستبدال الكنيسة بالمسجد أمر مطلوب إذا تمكن المسلمون منه، بل هذا الذي فعله المسلمون في الأندلس، بل وفي بعض البلاد الأخرى: كالشام ومصر.
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سؤال: نرى عبارة مكتوبة على بعض السيارات " يا رضا الله ورضا الوالدين " فما حكم تلك العبارة؟
الجواب: قوله: " يا رضا الله ورضا الوالدين " غلط من جهتين: الجهة الأولى: أنه نادى رضا الله، ومناداة صفات الله - جل وعلا - بـ (ياء النداء) لا تجوز؛ لأن الصفة غير الذات في مقام النداء؛ ولهذا: إنما يُنادى الله - جل وعلا - المتصف بالصفات، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري، وغيره من أهل العلم: على أن مناداة الصفة محرم بالإجماع، فإذا كانت الصفة هي الكلمة - كلمة الله - جل وعلا: كان كفرا بالإجماع؛ لأن من نادى الكلمة، يعني بها عيسى ﵇ فيكون تأليها لغير الله - جل وعلا؛ ورضا الله - جل وعلا - صفة من صفاته، فلا يجوز نداء الصفة.
والمؤاخذة الثانية في تلك الكلمة: أنه جعل رضا الوالدين مقرونا برضا الله - جل وعلا - بـ (الواو) ، والأنسب هنا أن يكون العطف بـ (ثم) فيقول - مثلا -: أسأل الله رضاه ثم رضا الوالدين. وإن كان استعمال الواو في مثل هذا السياق لا بأس به؛ لأن الله - جل وعلا - قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] [لقمان: ١٤] ، وقال - جل وعلا -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء: ٢٣] ، ولأن (الواو) هنا تقتضي تشريكا في أصل الرضا؛ وهذا الرضا يمكن أن يكون من الوالدين - أيضا -: فيكون التشريك في أصل المعنى، لا في المرتبة.