Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.
стр. 10781
وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَخْرُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمَاشِطَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْفَخْرُ. غُلَامُ ابْنِ الْمَنِّيِّ. لَهُ تَعْلِيقَةٌ فِي الْخِلَافِ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ يَلِي النَّظَرَ فِي قَرَايَا الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ عَزَلَهُ فَلَزِمَ بَيْتَهُ فَقِيرًا لَا شَيْءَ لَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، ﵀، وَكَانَ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ مُدَبِّرًا شَيْطَانًا مَرِيدًا، كَثِيرَ الْهِجَاءِ وَالسِّعَايَةِ بِالنَّاسِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمْرِ بِالْبَاطِلِ، فَقُطِعَ لِسَانُهُ، وَحُبِسَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَالْوَزِيرُ مُعِزُّ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي سَعِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَدِيدَةَ، مِنْ سُلَالَةِ الصَّحَابِيِّ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَلِيَ الْوِزَارَةَ لِلنَّاصِرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ سِفَارَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، فَهَرَبَ إِلَى مَرَاغَةَ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، فَأَقَامَ بِبَغْدَادَ مُعَظَّمًا مُحْتَرَمًا، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، ﵀.
وَسَنْجَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيُّ الْخَلِيفِيُّ
كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَأَمْلَاكٌ وَإِقْطَاعَاتٌ مُتَّسِعَةٌ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ بَخِيلًا ذَلِيلًا سَاقِطَ النَّفْسِ، اتَّفَقَ أَنَّهُ خَرَجَ أَمِيرَ
стр. 10782
الْحَاجِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْأَعْرَابِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَكَانَ مَعَ سَنْجَرَ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ، فَدَخَلَهُ الذُّلُّ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَعْرَابِيُّ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَبَاهَا سَنْجَرُ مِنَ الْحَجِيجِ، وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ أَخَذَ الْخَلِيفَةُ مِنْهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَدَفْعَهَا إِلَى أَصْحَابِهَا وَعَزَلَهُ، وَوَلَّى طَاشْتِكِينَ مَكَانَهُ.
وَقَاضِي السَّلَّامِيَّةِ
ظَهِيرُ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَسْكَرٍ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْأَدِيبُ، ذَكَرَهُ الْعِمَادُ فِي «الْخَرِيدَةِ»، وَابْنُ خَلِّكَانَ فِي «الْوَفَيَاتِ»، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَ مِنْ شِعْرِهِ فِي شَيْخِ زَاوِيَةٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ:
أَلَا قُلْ لِمَكِّيِّ قَوْلَ النَّصُوحِ … فَحَقُّ النَّصِيحَةِ أَنْ تُسْتَمَعْ
مَتَى سَمِعَ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ … بِأَنَّ الْغِنَا سُنَّةٌ تُتَّبَعْ
وَأَنْ يَأْكُلَ الْمَرْءُ أَكْلَ الْبَعِيرِ … وَيَرْقُصَ فِي الْجَمْعِ حَتَّى يَقَعْ
وَلَوْ كَانَ طَاوِي الْحَشَا جَائِعًا … لَمَا دَارَ مِنْ طَرَبٍ وَاسْتَمَعْ
وَقَالُوا سَكِرْنَا بِحُبِّ الْإِلَهِ … وَمَا أَسْكَرَ الْقَوْمَ إِلَّا الْقِصَعْ
كَذَاكَ الْحَمِيرُ إِذَا أَخْصَبَتْ … يُنَقِّزُهَا رِيُّهَا وَالشِّبَعْ
وَتَاجُ الْأُمَنَاءِ
أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ
стр. 10783
عَسَاكِرَ، مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَخَوَيْهِ زَيْنِ الْأُمَنَاءِ وَالْفَخْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ عَمَّيْهِ الْحَافِظَ أَبَا الْقَاسِمِ وَالصَّائِنَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِلشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَانِي رَجَبٍ، وَدُفِنَ قِبْلِيَّ مِحْرَابِ مَسْجِدِ الْقَدَمِ.
تَاجُ الْعُلَا النَّسَّابَةُ الْحَلَبِيُّ الْحَسَنِيُّ
اجْتَمَعَ بِآمِدَ بِالشَّيْخِ أَبِي الْخَطَّابِ بْنِ دِحْيَةَ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، فَقَالَ لَهُ تَاجُ الْعُلَا: إِنَّ دِحْيَةَ لَمْ يُعْقِبْ. فَرَمَاهُ ابْنُ دِحْيَةَ بِالْكَذِبِ فِي مَسَائِلِهِ الْمَوْصِلِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْكَامِلِ»: وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْمُهَذَّبُ الطَّبِيبُ الْمَشْهُورُ.
وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَبَلٍ الْمَوْصِلِيُّ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالطِّبِّ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ حَسَنٌ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ.
ابْنُ خَرُوفٍ
شَارِحُ «سِيبَوَيْهِ» وَ «جُمَلِ الزَّجَّاجِيِّ»، هُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْإِشْبِيلِيُّ، أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَكُتُبُهُ تَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ وَعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، وَكَانَ شَيْخَهُ فِيهَا ابْنُ طَاهِرٍ، الْمَعْرُوفُ بِالْخِدَبِّ الْأَنْدَلُسِيِّ.
стр. 10784
الْجُزُولِيُّ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَةِ الْمُسَمَّاةِ بِ «الْقَانُونِ»
هُوَ أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُزُولِيُّ - بَطْنٌ مِنَ الْبَرْبَرِ - ثُمَّ الْيَزْدَكْتَنِيُّ النَّحْوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ مُصَنِّفُ الْمُقَدِّمَةِ الْمَشْهُورَةِ الْبَدِيعَةِ، وَقَدْ شَرَحَهَا هُوَ وَتَلَامِذَتُهُ، وَكُلُّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِتَقْصِيرِهِمْ عَنْ فَهْمِ مُرَادِهِ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا، قَدِمَ دِيَارَ مِصْرَ، وَأَخَذَ عَنِ ابْنِ بِرِّيٍّ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَوَلِيَ خَطَابَةَ مَرَّاكُشَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 10785
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا أَرْسَلَ الْمَلِكُ خُوَارَزْمُ شَاهْ أَمِيرًا مِنْ أَخِصَّاءِ أُمَرَائِهِ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ سِيرَوَانًا، فَصَارَ أَمِيرًا خَاصًّا، فَبَعَثَهُ فِي جَيْشٍ، فَفَتَحَ لَهُ كَرْمَانَ وَمَكْرَانَ، وَإِلَى حُدُودِ بِلَادِ السِّنْدِ، وَخَطَبَ لِخُوَارَزْمِ شَاهْ بِتِلْكَ النَّوَاحِي، وَكَانَ خُوَارَزْمُ شَاهْ لَا يُصَيِّفُ إِلَّا بِنُوَاحِي سَمَرْقَنْدَ خَوْفًا مِنَ التَّتَارِ أَصْحَابِ كَشْلِي خَانَ أَنْ يَتَوَثَّبُوا عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِ الَّتِي تُتَاخِمُهُمْ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا شَرَعَ فِي تَبْلِيطِ دَاخِلِ الْجَامِعِ، وَبَدَأُوا بِنَاحِيَةِ السَّبْعِ الْكَبِيرِ، وَكَانَتْ أَرْضُ الْجَامِعِ قَبْلَ ذَلِكَ حُفَرًا وَجُوَرًا. فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ بِتَبْلِيطِهِ.
وَفِيهَا وُسِّعَ الْخَنْدَقُ مِمَّا يَلِي الْقَيْمَازِيَّةَ، فَأُخْرِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ هُنَاكَ، وَحَمَّامُ قَايْمَازَ وَفُرْنٌ كَانَ وَقْفًا عَلَى دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِيهَا بَنَى الْمُعَظَّمُ الْفُنْدُقَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ بِنَاحِيَةِ قَبْرِ عَاتِكَةَ ظَاهِرَ بَابِ الْجَابِيَةِ.
стр. 10786
وَفِيهَا أَخَذَ الْمُعَظَّمُ قَلْعَةَ صَرْخَدَ مِنِ ابْنِ قَرَاجَا، وَعَوَّضَهُ عَنْهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى مَمْلُوكِهِ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكٍ الْمُعَظَّمِيِّ، فَثَبَتَتْ فِي يَدِهِ إِلَى أَنِ انْتَزَعَهَا مِنْهُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ.
وَفِيهَا حَجَّ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ بْنُ الْعَادِلِ، رَكِبَ مِنَ الْكَرَكِ عَلَى الْهُجُنِ فِي حَادِي عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَمَعَهُ ابْنُ مُوسَكٍ، وَمَمْلُوكُهُ أَيْبَكٌ، عِزُّ الدِّينِ أُسْتَاذُ دَارِهِ وَخَلْقٌ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وَالْعَلَاءِ، وَبَنَى الْمُعَظَّمُ الْبِرْكَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، وَمَصَانِعَ أُخَرَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ تَلَقَّاهُ صَاحِبُهَا سَالِمٌ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهَا، وَخَدَمَهُ خِدْمَةً تَامَّةً، وَأَمَّا صَاحِبُ مَكَّةَ قَتَادَةُ، فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا، وَلِهَذَا لَمَّا قَضَى نُسُكَهُ، وَكَانَ قَارِنًا، وَأَنْفَقَ فِي الْمُجَاوِرِينَ مَا حَمَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَكَرَّ رَاجِعًا اسْتَصْحَبَ مَعَهُ سَالِمًا صَاحِبَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَى أَبِيهِ عِنْدَ رَأْسِ الْمَاءِ مَا لَقِيَهُ مِنْ صَاحِبِ مَكَّةَ، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ مَعَ سَالِمٍ جَيْشًا يَطْرُدُونَ صَاحِبَ مَكَّةَ عَنْهَا، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا هَرَبَ مِنْهُمْ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ وَالْبَرَارِي، وَقَدْ أَثَّرَ الْمُعَظَّمُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِطَرِيقِ الْحِجَازِ آثَارًا حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ وَتَقَبَّلَ مِنْهُ آمِينَ.
وَفِيهَا تَعَامَلَ أَهْلُ دِمَشْقَ بِالْقَرَاطِيسِ السُّودِ الْعَادِلِيَّةِ، ثُمَّ بَطَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَفَنِيَتْ.
وَفِيهَا مَاتَ صَاحِبُ الْيَمَنِ ابْنُ سَيْفِ الْإِسْلَامِ، فَتَوَلَّاهَا سُلَيْمَانُ بْنُ شَاهِنْشَاهِ بْنِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهِ بْنِ أَيُّوبَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَرَاءِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ إِلَى
стр. 10787
ابْنِهِ الْكَامِلِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا وَلَدَهُ أَقْسِيسَ بْنَ الْكَامِلِ، فَأَرْسَلَهُ فَتَمَلَّكَهَا فَظَلَمَ بِهَا وَفَتَكَ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَشْرَافِ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِمِائَةٍ، وَأَمَّا مِمَّنْ عَدَاهُمْ فَكَثِيرٌ، وَكَانَ مِنْ أَفْجَرِ الْمُلُوكِ وَأَكْثَرِهِمْ فِسْقًا، وَأَقَلِّهِمْ حَيَاءً وَدِينًا، وَقَدْ ذَكَرُوا عَنْهُ مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْأَبْدَانُ، وَتُنْكِرُهُ الْقُلُوبُ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهِمْ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرُوسٍ
الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، أَفْتَى وَنَاظَرَ وَعَدَّلَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، ثُمَّ انْسَلَخَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَصَارَ شُرْطِيًّا بِبَابِ النُّوبِيِّ، يَضْرِبُ النَّاسَ وَيُؤْذِيهِمْ غَايَةَ الْأَذَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ضُرِبَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ رَجُلًا صَالِحًا.
الرُّكْنُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ
كَانَ أَبُوهُ صَالِحًا، وَكَانَ هُوَ مُتَّهَمًا بِالْفَلْسَفَةِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ، وَوُجِدَ عِنْدَهُ كُتُبٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وَلِيَ عِدَّةَ وِلَايَاتٍ، وَيُقَالُ لِمِثْلِهِ:
نِعْمَ الْجُدُودُ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا نَسَلُوا
رَأَى عَلَيْهِ أَبُوهُ يَوْمًا ثَوْبًا بُخَارِيًّا، فَقَالَ: سَمِعْنَا بِالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَمَّا بُخَارِيٌّ وَكَافِرٌ، فَهَذَا شَيْءٌ عَجَبٌ. وَكَانَ مُصَاحِبًا لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ
стр. 10788
الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ الْآخَرُ مُدَبِّرًا فَاسِقًا، وَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى الشَّرَابِ وَالْمُرْدَانِ، قَبَّحَهُمَا اللَّهُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْبَزَّارُ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَخْضَرِ الْبَغْدَادِيُّ الْمُحَدِّثُ الْمُكْثِرُ الْحَافِظُ الْمُصَنِّفُ الْمُحَرِّرُ، لَهُ كُتُبٌ مُفِيدَةٌ مُتْقَنَةٌ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ يَوْمُ جَنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا.
الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْأَنْجَبِ أَبِي الْمَكَارِمِ الْمُفَضَّلِ اللَّخْمِيُّ الْمَقْدِسِيُّ، ثُمَّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ الْمَالِكِيُّ، سَمِعَ السِّلَفِيَّ وَعَبْدَ الرَّحِيمِ الْمُنْذِرِيَّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا لِلْمَالِكِيَّةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَنَائِبَ الْحُكْمِ بِهَا، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَيَا نَفْسُ بِالْمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ مُرْسَلٍ … وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ تَمَسَّكِي
عَسَاكِ إِذَا بَالَغْتِ فِي نَشْرِ دِينِهِ … بِمَا طَابَ مِنْ نَشْرٍ لَهُ أَنْ تَمَسَّكِي
وَخَافِي غَدًا يَوْمَ الْحِسَابِ جَهَنَّمَا … إِذَا لَفَحَتْ نِيرَانُهَا أَنْ تَمَسَّكِي
تُوُفِّيَ بِالْقَاهِرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
стр. 10789
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا شُرِعَ فِي بِنَاءِ الْمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ بِدِمَشْقَ، وَفِيهَا عُزِلَ الْقَاضِي الزَّكِيُّ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ، وَفُوِّضَ الْحُكْمُ إِلَى الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ، وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، فَحَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَقَضَى بِالْحَقِّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاهِدِيَّةِ عِنْدَ الْقَوَّاسِينَ.
وَفِيهَا أَبْطَلَ الْعَادِلُ ضَمَانَ الْخَمْرِ وَالْقِيَانِ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَزَالَ عَنِ النَّاسِ شَرٌّ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا حَاصَرَ الْأَمِيرُ قَتَادَةُ صَاحِبُ مَكَّةَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ وَمَنْ بِهَا، وَقَطَعَ نَخْلًا كَثِيرًا، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَكَرَّ خَاسِئًا حَسِيرًا، وَكَانَ صَاحِبُ الْمَدِينَةِ بِالشَّامِ فِي خِدْمَةِ الْعَادِلِ، فَطَلَبَ مِنْهُ النَّجْدَةَ عَلَى أَمِيرِ مَكَّةَ قَتَادَةَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا، فَأَسْرَعَ فِي الْأَوْبَةِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاجْتَمَعَ شَمْلُ الْجَيْشِ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ جَمَّازٍ، فَقَصَدَ مَكَّةَ، فَالْتَقَاهُ أَمِيرُهَا بِالصَّفْرَاءِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، فَهُزِمَ الْمَكِّيُّونَ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ جَمَّازٌ شَيْئًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ قَتَادَةُ إِلَى الْيَنْبُعِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ فِيهَا.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَقَتَلُوا وَنَهَبُوا وَسَبَوْا.
стр. 10790
وَفِيهَا أَخَذَ مَلِكُ الرُّومِ كَيْكَاوُسُ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ ابْنُ لَاوُنَ مَلِكُ الْأَرْمَنِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ إِبْرَنْسُ طَرَابُلُسَ.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تِكِشٍ مَدِينَةَ غَزْنَةَ بِغَيْرِ قِتَالٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَزِنَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهِ حُزْنًا عَظِيمًا، وَكَذَلِكَ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ لِكَثْرَةِ صَدَقَاتِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِبَغْدَادَ إِلَّا حَزِنُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمُ جَنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَنَاحَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَدُفِنَ عِنْدَ جَدَّتِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ قُدِمَ بِرَأْسِ مَنْكَلِيٍّ الَّذِي كَانَ قَدْ عَصَى عَلَى الْخَلِيفَةِ وَعَلَى أُسْتَاذِهِ - إِلَى بَغْدَادَ فَطِيفَ بِهَا، وَلَمْ تَتِمَّ فَرْحَتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِتَنْغِيصِهَا بِمَوْتِ وَلَدِهِ وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَالدُّنْيَا لَا تَسُرُّ بِقَدْرِ مَا تَضُرُّ، وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ وَهُمَا; الْمُؤَيَّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ، وَالْمُوَفَّقُ أَبُو الْفَضْلِ يَحْيَى.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرُّهَاوِيُّ:
عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
стр. 10791
أَبُو مُحَمَّدٍ، الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْمُحَدِّثُ الْمُخَرِّجُ الْمُفِيدُ الْمُحَرِّرُ الْمُتْقِنُ الْبَارِعُ الْمُصَنِّفُ الْمُفِيدُ، كَانَ مَوْلًى لِبَعْضِ الْمَوَاصِلَةِ، وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحَرَّانِيِّينَ اشْتَغَلَ بِدَارِ الْحَدِيثِ بِالْمَوْصِلِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حَرَّانَ وَقَدْ رَحَلَ إِلَى بُلْدَانٍ شَتَّى، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَشَايِخِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَأَقَامَ بِحَرَّانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، كَانَ دَيِّنًا صَالِحًا خَيِّرًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
الْوَجِيهُ الْأَعْمَى، أَبُو بَكْرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ الْوَاسِطِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْوَجِيهِ، وُلِدَ بِوَاسِطَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ، فَاشْتَغَلَ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالنَّحْوِ، فَأَتْقَنَ ذَلِكَ، وَحَفِظَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ حَنْبَلِيًّا، فَانْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَوَلِيَ تَدْرِيسَ النَّحْوِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
فَمَنْ مُبْلِغًا عَنِّي الْوَجِيهَ رِسَالَةً … وَإِنْ كَانَ لَا تُجْدِي لَدَيْهِ الرَّسَائِلُ
تَمَذْهَبْتَ لِلنُّعْمَانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ … وَذَلِكَ لَمَّا أَعْوَزَتْكَ الْمَآكِلُ
وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ تَدَيُّنًا … وَلَكِنَّمَا تَهْوَى الَّذِي هُوَ حَاصِلُ
стр. 10792
وَعَمَّا قَلِيلٍ أَنْتَ لَا شَكَّ صَائِرٌ … إِلَى مَالٍ فَافْطِنْ لِمَا أَنَا قَائِلُ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَكَانَ يَحْفَظُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْحِكَايَاتِ وَالْأَمْثَالِ وَالْمُلَحِ، وَيَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَالتُّرْكِيَّةَ وَالْعَجَمِيَّةَ وَالرُّومِيَّةَ وَالْحَبَشِيَّةَ وَالزِّنْجِيَّةَ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَلَوْ وَقَعَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ قَطْرَةٌ … مِنَ الْمُزْنِ يَوْمًا ثُمَّ شَاءَ لَمَازَهَا
وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا فَأَضْحَى مُلُوكُهَا … عَبِيدًا لَهُ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مَا زَهَا
وَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ أَيْضًا:
أَطَلْتَ مَلَامِي فِي اجْتِنَابِي لِمَعْشَرٍ … طَغَامٍ لِئَامٍ جُودُهُمْ غَيْرُ مُرْتَجَى
تَرَى بَابَهُمْ لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِمُ … عَلَى طَالِبِ الْمَعْرُوفِ إِنْ جَاءَ مُرْتَجَا
حَمَوْا مَا لَهُمْ وَالدِّينُ وَالْعِرْضُ مِنْهُمُ … مُبَاحٌ فَمَا يَخْشَوْنَ مِنْ هَجْوِ مَنْ هَجَا
إِذَا شَرَعَ الْأَجْوَادُ فِي الْجُودِ مَنْهَجًا … لَهُمْ شَرَعُوا فِي الْبُخْلِ سَبْعِينَ مَنْهَجَا
وَلَهُ مَدَائِحُ حَسَنَةٌ وَأَشْعَارٌ رَائِقَةٌ، وَيَبْتَكِرُ مَعَانِيَ فَائِقَةً، وَرُبَّمَا عَارَضَ شِعْرَ
стр. 10793
الْبُحْتُرِيِّ بِمَا يُقَارِبُهُ وَيُدَانِيهِ.
قَالُوا: وَكَانَ الْوَجِيهُ لَا يَغْضَبُ قَطُّ. فَتَرَاهَنَ جَمَاعَةٌ مَعَ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ أَغْضَبَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَأَجَابَهُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: أَخْطَأْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْجَوَابَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأْتَ أَيْضًا. وَأَعَادَ ثَالِثَةً بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، وَلَعَلَّكَ قَدْ نَسِيتَ النَّحْوَ. فَقَالَ لَهُ الْوَجِيهُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَلَعَلَّكَ لَمْ تَفْهَمْ مَا أَقُولُ لَكَ. فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ تُخْطِئُ. فَقَالَ لَهُ: فَقُلْ مَا عِنْدَكَ لِنَسْتَفِيدَهُ مِنْكَ. فَأَغْلَظَ لَهُ السَّائِلُ فِي الْقَوْلِ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا، وَقَالَ لَهُ الْوَجِيهُ: إِنْ كُنْتَ رَاهَنْتَ فَقَدْ غُلِبْتَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي هَذَا كَمَثَلِ الْبَقَّةِ - يَعْنِي النَّامُوسَةَ - سَقَطَتْ عَلَى ظَهْرِ الْفِيلِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَطِيرَ قَالَتْ لَهُ: اسْتَمْسِكْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطِيرَ. فَقَالَ لَهَا الْفِيلُ: مَا أَحْسَسْتُ بِكِ حِينَ وَقَعْتِ عَلَيَّ، فَمَا أَحْتَاجُ أَنْ أَسْتَمْسِكَ إِذَا طِرْتِ. كَانَتْ وَفَاتُهُ ﵀ فِي شَعْبَانَ، وَدُفِنَ بِالْوَرْدِيَّةِ.
أَبُو الْفُتُوحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ
التَّاجِرُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَلَاجِلِيِّ، كَانَ يَسْكُنُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ بِبَغْدَادَ، قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الرِّوَايَاتِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ إِلَى الْبُلْدَانِ الْمُتَبَايِنَةِ، بَلَغَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ ﵀ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ فِي رَمَضَانَ. ﵀.
стр. 10794
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ غَنِيمَةَ بْنِ الْحَسَنِ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مَنِينَا، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَنْ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ كَمَالُ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ الشَّاغُورِيِّ الشَّافِعِيُّ
كَانَ يُقْرِئُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ الْفِقْهَ، وَيَشْرَحُ «التَّنْبِيهَ» لِلطَّلَبَةِ، وَيَتَأَنَّى فِي تَفْهِيمِهِمْ حَتَّى يَفْهَمُوا احْتِسَابًا، تُجَاهَ الْمَقْصُورَةِ. وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ شَمَالِيَّ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، وَعَلَى قَبْرِهِ شِعْرٌ ذَكَرَهُ أَبُو شَامَةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 10795
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
قَالَ أَبُو شَامَةَ: فِيهَا أُحْضِرَتِ الْأَوْتَادُ الْخَشَبُ الْأَرْبَعَةُ لِأَجْلِ قُبَّةِ نَسْرِ الْجَامِعِ، طُولُ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا بِالنَّجَّارِ.
وَفِيهَا شُرِعَ فِي تَجْدِيدِ خَنْدَقِ بَابِ السِّرِّ الْمُقَابِلِ لِدَارِ الطُّعْمِ الْعَتِيقَةِ إِلَى جَانِبِ بَانَاسَ قُلْتُ: وَهِيَ إِصْطَبْلُ السُّلْطَانِ الْيَوْمَ، وَقَدْ نَقَلَ السُّلْطَانُ الْمُعَظَّمُ بِنَفْسِهِ التُّرَابَ، وَمَمَالِيكُهُ تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْقَرَبُوسِ الْقِفَافَ مِنَ التُّرَابِ، فَيُفْرِغُونَهَا فِي الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، وَكَذَلِكَ أَخُوهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ وَمَمَالِيكُهُ، يَعْمَلُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الشَّاغُورِ وَأَهْلِ الْعُقَيْبَةِ، اقْتَتَلُوا بِالرَّحْبَةِ وَالصَّيَارِفِ، فَرَكِبَ الْجَيْشُ مُلْبَسًا، وَجَاءَ السُّلْطَانُ الْمُعَظَّمُ بِنَفْسِهِ، فَحَبَسَ رُءُوسَهُمْ.
وَفِيهَا رُتِّبَ بِالْمُصَلَّى خَطِيبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَأَوَّلُ مَنْ بَاشَرَهَا الصَّدْرُ مُعِيدُ الْفَلَكِيَّةِ، ثُمَّ خَطَبَ بَعْدَهُ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْيُسْرِ، ثُمَّ بَنُو حَسَّانَ، وَإِلَى الْآنَ.
стр. 10796
وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَاحِبُ حَلَبَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِيُّ بْنُ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَسَدِّهِمْ سِيرَةً، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ عَسْفٌ وَيُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ سَرِيعًا شَدِيدًا، وَكَانَ يُكْرِمُ الْعُلَمَاءَ وَالشُّعَرَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، أَقَامَ فِي الْمُلْكِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَحَضَرَ كَثِيرًا مِنَ الْغَزَوَاتِ مَعَ أَبِيهِ، وَكَانَ ذَكِيًّا، لَهُ رَأْيٌ جَيِّدٌ، وَعِبَارَةٌ سَادَّةٌ، وَفِطْنَةٌ حَسَنَةٌ، وَعُمِّرَ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ الْمُلْكَ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ غِيَاثِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ، وَلَكِنَّهُ عَهِدَ إِلَى هَذَا مِنْ بَيْنِهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ بِنْتِ عَمِّهِ الْعَادِلِ، وَأَخْوَالُهُ الْأَشْرَفُ وَالْمُعَظَّمُ وَالْكَامِلُ وَجَدُّهُ الْعَادِلُ لَا يُنَازِعُونَهُ، وَهَكَذَا وَقَعَ سَوَاءً; بَايَعَ لَهُ جَدُّهُ الْعَادِلُ وَخَالُهُ الْأَشْرَفُ صَاحِبُ حَرَّانَ وَالرُّهَا وَخِلَاطَ، وَهَمَّ الْمُعَظَّمُ بِنَقْضِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ الطَّوَاشِيُّ شِهَابُ الدِّينِ طُغْرِيلُ الرُّومِيُّ الْأَبْيَضُ، وَكَانَ دَيِّنًا عَاقِلًا عَادِلًا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ:
الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ أَبُو الْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عِصْمَةَ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، وَحِيدُ عَصْرِهِ وَنَسِيجُ وَحْدِهِ، تَاجُ الدِّينِ
стр. 10797
أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ وَنَشَأَ بِهَا، وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَأَقَامَ بِهَا، وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا فِي النَّحْوِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ، وَعُلُوِّ الْإِسْنَادِ وَحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وَالسِّيرَةِ وَحُسْنِ الْعَقِيدَةِ وَالسَّرِيرَةِ. وَانْتَفَعَ بِهِ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَخَضَعُوا لَهُ. وَكَانَ حَنْبَلِيًّا، ثُمَّ صَارَ حَنَفِيًّا. وُلِدَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْعَالِي عَلَى الشُّيُوخِ الثِّقَاتِ، وَعُنِيَ بِذَلِكَ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ وَاللُّغَةَ، وَاشْتَهَرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الشَّامِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَكَنَ مِصْرَ، وَاجْتَمَعَ بِالْقَاضِي الْفَاضِلِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى دِمَشْقَ فَسَكَنَ بِدَرْبِ الْعَجَمِ مِنْهَا، وَحَظِيَ عِنْدَ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، وَتَرَدَّدَ إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَالْمُلُوكُ وَأَبْنَاؤُهُمْ، كَانَ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ - وَهُوَ صَاحِبُ دِمَشْقَ - يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ وَأَخُوهُ الْمُحَسِّنُ، وَكَذَلِكَ الْمُعَظَّمُ فِي أَيَّامِهِ عَلَى مُلْكِ دِمَشْقَ، يَنْزِلُ إِلَيْهِ إِلَى دَرْبِ الْعَجَمِ يَقْرَأُ عَلَيْهِ فِي «الْمُفَصَّلِ» لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَكَانَ الْمُعَظَّمُ يُعْطِي لِمَنْ حَفِظَ «الْمُفَصَّلَ» ثَلَاثِينَ دِينَارًا جَائِزَةً، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ بِدَرْبِ الْعَجَمِ جَمِيعُ الْمُصَدَّرِينَ بِالْجَامِعِ، كَالشَّيْخِ عَلَمِ الدِّينِ السَّخَاوِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مُعْطِي، وَالْوَجِيهِ الْبَوْنِيِّ، وَالْفَخْرِ التُّرْكِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ يُثْنِي عَلَيْهِ كَثِيرًا.
قَالَ السَّخَاوِيُّ: كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ، وَقَدْ شَرَحْتُ عَلَيْهِ «كِتَابَهُ»، كَانَ اسْمَهُ عَمْرٌو، وَاسْمُ الشَّيْخِ أَبِي الْيُمْنِ زَيْدٌ، فَقُلْتُ فِي ذَلِكَ:
стр. 10798
لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ عَمْرٍو مِثْلُهُ … وَكَذَا الْكِنْدِيُّ فِي آخِرِ عَصْرٍ
فَهُمَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو إِنَّمَا … بُنِيَ النَّحْوُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرِو
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ فِيهِ ابْنُ الدَّهَّانِ الْمَذْكُورُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ:
يَا زَيْدُ زَادَكَ رَبِّي مِنْ مَوَاهِبِهِ … نِعَمًا يُقَصِّرُ عَنْ إِدْرَاكِهَا الْأَمَلُ
النَّحْوُ أَنْتَ أَحَقُّ الْعَالَمِينَ بِهِ … أَلَيْسَ بِاسْمِكَ فِيهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ
وَلِلسَّخَاوِيِّ فِيهِ قَصِيدَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَذَلِكَ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو الْمُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَسَنَ الْعَقِيدَةِ، ظَرِيفَ الْخُلُقِ طَرِيفًا، لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ مُجَالَسَتِهِ، وَلَهُ النَّوَادِرُ الْعَجِيبَةُ، وَالْخَطُّ الْمَلِيحُ، وَالشِّعْرُ الرَّائِقُ، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَشَهْرٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ ثُمَّ حُمِلَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ، فَدُفِنَ بِهَا.
وَكَانَ قَدْ وَقَفَ كُتُبًا نَفِيسَةً - وَهِيَ سَبْعُمِائَةٍ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ مُجَلَّدًا - عَلَى مُعْتَقِهِ نَجِيبِ الدِّينِ يَاقُوتٍ، ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَجُعِلَتْ فِي خِزَانَةٍ كَبِيرَةٍ بِمَقْصُورَةِ ابْنِ سِنَانَ الْحَنَفِيَّةِ الْمُجَاوِرَةِ لِمَشْهَدِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ تَفَرَّقَتْ، وَأُبِيعَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ بِالْخِزَانَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَهِيَ بِمَقْصُورَةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَتْ قَدِيمًا يُقَالُ لَهَا: مَقْصُورَةُ ابْنِ سِنَانَ. وَقَدْ تَرَكَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ ﵀ نِعْمَةً وَافِرَةً،
стр. 10799
وَأَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَمَمَالِيكَ مُتَعَدِّدَةً مِنَ التُّرْكِ، وَقَدْ كَانَ رَقِيقَ الْحَاشِيَةِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، يُعَامِلُ الطَّلَبَةَ مُعَامَلَةً حَسَنَةً، فَلَمَّا كَبُرَ تَرَكَ الْقِيَامَ لَهُمْ، وَأَنْشَأَ اعْتِذَارًا:
تَرَكْتُ قِيَامِي لِلصَّدِيقِ يَزُورُنِي … وَلَا ذَنْبَ لِي إِلَّا الْإِطَالَةُ فِي عُمْرِي
فَإِنْ بَلَغُوا مِنْ عَشْرِ تِسْعِينَ نِصْفَهَا … تَبَيَّنَ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ لَهُمْ عُذْرِي
وَقَدْ أَسْلَفْنَا شَيْئًا مِنْ قِيلِهِ فِي قَتْلِ عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْجِنَاسِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ تَارِيخِهِ أَشْعَارًا حَسَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَمْدَحُ الْمَلِكَ الْمُظَفَّرَ شَاهِنْشَاهْ:
وِصَالُ الْغَوَانِي كَانَ أَرْوَى وَأَرْوَجَا … وَعَصْرُ التَّدَانِي كَانَ أَبْهَى وَأَبْهَجَا
لَيَالِيَ كَانَ الْعُمْرُ أَحْسَنَ شَافِعٍ … تَوَلَّى وَكَانَ اللَّهْوُ أَوْضَحَ مَنْهَجَا
بَدَا الشَّيْبُ فَانْجَابَتْ طَمَاعِيَةُ الصِّبَا … وَقُبِّحَ لِي مَا كَانَ يَسْتَحْسِنُ الْحِجَا
بُلَهْنِيَةٌ وَلَّتْ كَأَنْ لَمْ أَكُنْ بِهَا … بِهَا أَجْتَلِي وَجْهَ النَّعِيمِ مُسَرَّجَا
وَلَا اخْتَلْتُ فِي بُرْدِ الشَّبَابِ مُجَرِّرًا … ذُيُولِيَ إِعْجَابًا بِهِ وَتَبَرُّجَا
أُغَازِلُ غَيْدَاءَ الْمَعَاطِفِ طَفْلَةً … وَأَغْيَدَ مَعْسُولَ الْمَرَاشِفِ أَدْعَجَا
стр. 10800
تَقَضَّتْ لَيَالِيهَا بِطِيبٍ كَأَنَّهُ … لِتَقْصِيرِهِ مِنْهُنَّ يَخْتَطِفُ الدُّجَا
فَإِنْ أُمْسِ مَكْرُوبَ الْفُؤَادِ حَزِينَهُ … أُعَاقِرُ مِنْ دَنِّ الصَّبَابَةِ مَنْهَجَا
وَحِيدًا عَلَى أَنِّي بِفَضْلِي مُتَيَّمٌ … مَرُوعًا بِأَعْدَاءِ الْفَضَائِلِ مُزْعَجَا
فَيَا رُبَّ ذِي وُدٍّ سَرَرْتُ وَسَرَّنِي … وَأَبْهَجْتُهُ بِالصَّالِحَاتِ وَأَبْهَجَا
وَيَا رُبَّ نَادٍ قَدْ شَهِدْتُ وَمَاجِدٍ … شَدَهْتُ وَخَصْمٍ رُعْتُهُ فَتَلَجْلَجَا
صَدَعْتُ بِفَضْلِي نَقْصَهُ فَتَرَكْتُهُ … وَفِي قَلْبِهِ شَجْوٌ وَفِي حَلْقِهِ شَجَى
كَأَنَّ بَيَانِي فِي مَسَامِعِ حُسَّدِي … وَقَدْ ضَمَّ أَبْكَارَ الْمَعَانِي وَأَدْرَجَا
حُسَامُ تَقِيِّ الدِّينِ فِي كُلِّ مَارِقٍ … يَقُدُّ إِلَى الْأَرْضِ الْكَمِيَّ الْمُدَجَّجَا
وَقَالَ يَمْدَحُ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ فَرُّخْشَاهْ بْنَ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ:
هَلْ أَنْتَ رَاحِمُ عَبْرَةٍ وَتَدَلُّهِ … وَمُجِيرُ صَبٍّ عِنْدَ مَا مِنْهُ دُهِي
هَيْهَاتَ يَرْحَمُ قَاتِلٌ مَقْتُولَهُ … وَسِنَانُهُ فِي الْقَلْبِ غَيْرُ مُنَهْنَهِ
مَنْ بَلَّ مِنْ دَاءِ الْغَرَامِ فَإِنَّنِي … مُذْ حَلَّ بِيِ مَرَضُ الْهَوَى لَمْ أَنْقَهِ
إِنِّي بُلِيتُ بِحُبِّ أَغْيَدَ سَاحِرٍ … بِلِحَاظِهِ رَخْصِ الْبَنَانِ بَرَهْرَهِ
стр. 10801
أَبْغِي شِفَاءَ تَدَلُّهِي مِنْ دلِّهِ … وَمَتَى يَرِقُّ مُدَلَّلٌ لِمُدَلَّهِ
كَمْ آهَةٍ لِي فِي هَوَاهُ وَأَنَّةٍ … لَوْ كَانَ يَنْفَعُنِي عَلَيْهِ تَأَوُّهِي
وَمَآرِبٍ فِي وَصْلِهِ لَوْ أَنَّهَا … تُقْضَى لَكَانَتْ عِنْدَ مَبْسِمِهِ الشَّهِي
يَا مُفْرَدًا بِالْحُسْنِ إِنَّكَ مُنْتَهٍ … فِيهِ كَمَا أَنَا فِي الصَّبَابَةِ مُنْتَهِي
قَدْ لَامَ فِيكَ مَعَاشِرٌ أَفَأَنْتَهِي … بِاللَّوْمِ عَنْ حُبِّ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ هِيَ
أَبْكِي لَدَيْهِ فَإِنْ أَحَسَّ بِلَوْعَةٍ … وَتَشَهُّقٍ أَوْمَا بِطَرْفِ مُقَهْقِهِ
أَنَا مِنْ مَحَاسِنِهِ وَحَالِي عِنْدَهُ … حَيْرَانُ بَيْنَ تَفَكُّرٍ وَتَفَكُّهِ
ضِدَّانِ قَدْ جُمِعَا بَلَفْظٍ وَاحِدٍ … لِي فِي هَوَاهُ بِمَعْنَيَيْنِ مُوَجَّهِ
أَوَ لَسْتُ رَبَّ فَضَائِلٍ لَوْ حَازَ أَدْ … نَاهَا وَمَا أَزْهَى بِهَا غَيْرِي زُهِي
وَالَّذِي أَنْشَدَهُ تَاجُ الدِّينِ الْكِنْدِيُّ فِي قَتْلِ عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ، حِينَ كَانَ مَالَأَ الْكَفَرَةَ وَالْمُلْحِدِينَ عَلَى قَتْلِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَعَوْدِ دَوْلَةِ الْفَاطِمِيِّينَ، فَظَهَرَ عَلَى أَمْرِهِ، فَصُلِبَ مَعَ مَنْ صُلِبَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ:
عُمُارَةُ فِي الْإِسْلَامِ أَبْدَى خِيَانَةً … وَحَالَفَ فِيهَا بَيْعَةً وَصَلِيبَا
وَأَمْسَى شَرِيكَ الشِّرْكِ فِي بُغْضِ أَحْمَدَ … وَأَصْبَحَ فِي حُبِّ الصَّلِيبِ صَلِيبَا
وَكَانَ خَبِيثَ الْمُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ … تَجِدْ مِنْهُ عُودًا فِي النِّفَاقِ صَلِيبَا
سَيَلْقَى غَدًا مَا كَانَ يَسْعَى لِأَجْلِهِ … وَيُسْقَى صَدِيدًا فِي لَظًى وَصَلِيبَا
وَلَهُ أَيْضًا:
стр. 10802
صَحِبْنَا الدَّهْرَ أَيَّامًا حِسَانًا … نَعُومُ بِهِنَّ فِي اللَّذَّاتِ عَوْمَا
وَكَانَتْ بَعْدَ مَا وَلَّتْ كَأَنِّي … لَدَى نُقْصَانِهَا حُلْمًا وَنَوْمَا
أَنَاخَ بِيَ الْمَشِيبُ فَلَا بَرَاحٌ … وَإِنْ أَوْسَعْتُهُ عَتْبًا وَلَوْمَا
نَزِيلٌ لَا يَزَالُ عَلَى التَّنَائِي … يَسُوقُ إِلَى الرَّدَى يَوْمًا فَيَوْمَا
وَكُنْتُ أَعُدُّ لِي عَامًا فَعَامَا … فَصِرْتُ أَعُدُّ لِي يَوْمًا فَيَوْمَا
الْعِزُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيِّ
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَأَسْمَعَهُ وَالِدُهُ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ بِنَفْسِهِ إِلَى بَغْدَادَ، وَقَرَأَ بِهَا مُسْنَدَ أَحْمَدَ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُعَظَّمِ، وَكَانَ صَالِحًا دَيِّنًا وَرِعًا حَافِظًا، ﵀ وَرَحِمَ أَبَاهُ.
أَبُو الْفُتُوحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ الْجَلَاجِلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ
سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ فِي الرَّسْلِيَّةِ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ الْأَشْرَفِ بْنِ الْعَادِلِ، وَكَانَ عَاقِلًا دَيِّنًا ثِقَةً صَدُوقًا.
الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ، نَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ أَبِيهِ، كَانَ شَيْخًا أَدِيبًا فَاضِلًا عَالِمًا بِفُنُونٍ كَثِيرَةٍ، لَاسِيَّمَا بِالْأَنْسَابِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا،
стр. 10803
يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
لِيَهْنِكَ سَمْعٌ لَا يُلَائِمُهُ الْعَذْلُ … وَقَلْبٌ قَرِيحٌ لَا يَمَلُّ وَلَا يَسْلُو
كَأَنَّ عَلَيَّ الْحُبَّ أَمْسَى فَرِيضَةً … فَلَيْسَ لِقَلْبِي غَيْرُهُ أَبَدًا شُغْلُ
وَإِنِّي لَأَهْوَى الْهَجْرَ مَا كَانَ أَصْلُهُ … دَلَالًا وَلَوْلَا الْهَجْرُ مَا عَذُبَ الْوَصْلُ
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصُّدُودُ مَلَالَةً … فَأَيْسَرُ مَا هَمَّ الْحَبِيبُ بِهِ الْقَتْلُ
أَبُو عَلِيٍّ مَزِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَشْكَرِيِّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَهْلِ النُّعْمَانِيَّةِ، جَمَعَ لِنَفْسِهِ دِيوَانًا، أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً مِنْ شِعْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
سَأَلْتُكِ يَوْمَ النَّوَى نَظْرَةً … فَلَمْ تَسْمَحِي خَفَرًا لَا سَلَمْ
وَأَعْجَبُ كَيْفَ تَقُولِينَ لَا … وَوَجْهُكِ قَدْ خُطَّ فِيهِ نَعَمْ
أَمَا النُّونُ يَا هَذِهِ حَاجِبٌ … أَمَا الْعَيْنُ عَيْنٌ أَمَا الْمِيمُ فَمْ
أَبُو الْفَضْلِ رَشْوَانُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ رَشْوَانَ الْكُرْدِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالنَّقْفِ، وُلِدَ بِإِرْبِلَ، وَخَدَمَ جُنْدِيًّا، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا خَدَمَ مَعَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
سَلِي عَنِّي الصَّوَارِمَ وَالرِّمَاحَا … وَخَيْلًا تَسْبِقُ الْهُوجَ الرِّيَاحَا
وَأُسْدًا جَيْشُهَا سُمْرُ الْعَوَالِي … إِذَا مَا الْأُسْدُ حَاوَلَتِ الْكِفَاحَا
стр. 10804
فَإِنِّي ثَابِتٌ عَقْلًا وَلُبًّا … إِذَا مَا صَائِحٍ فِي الْحَرْبِ صَاحَا
وَأُورِدُ مُهْجَتِي لُجَجَ الْمَنَايَا … إِذَا مَاجَتْ وَلَمْ أَخَفِ الْجِرَاحَا
وَكَمْ لَيْلٍ سَهِرْتُ وَبِتُّ فِيهِ … أُرَاعِي النَّجْمَ أَرْتَقِبُ الصَّبَاحَا
وَكَمْ فِي فَدْفَدٍ فَرَسِي وَنِضْوِي … بِقَائِلَةِ الْهَجِيرِ غَدَا وَرَاحَا
لِعَيْنِكِ فِي الْعَجَاجَةِ مَا أُلَاقِي … وَأَثْبُتُ فِي الْكَرِيهَةِ لَا بَرَاحَا
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ هِبَةِ اللَّهِ أَبُو نَصْرٍ النَّحَّاسُ الْوَاسِطِيُّ
كَتَبَ إِلَى السِّبْطِ مِنْ شِعْرِهِ:
وَقَائِلَةٍ لَمَّا عَمَرْتُ وَصَارَ لِي … ثَمَانُونَ عَامًا عِشْ كَذَا وَابْقَ وَاسْلَمِ
وَدُمْ وَانْتَشِقْ رُوحَ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ … لَأَطْيَبُ مِنْ بَيْتٍ بِصَعْدَةَ مُظْلِمِ
فَقُلْتُ لَهَا عُذْرِي لَدَيْكِ مُمَهَّدٌ … بِبَيْتِ زُهَيْرٍ فَاعْمَلِي وَتَعَلَّمِي
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ … ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا مَحَالَةَ يَسْأَمِ
стр. 10805
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا كَمَلَ تَبْلِيطُ دَاخِلِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَجَاءَ الْمُعْتَمِدُ مُبَارِزُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ الْمُتَوَلِّي بِدِمَشْقَ، فَوَضَعَ آخِرَ بَلَاطَةٍ مِنْهُ بِيَدِهِ عِنْدَ بَابِ الزِّيَارَةِ، فَرَحًا بِذَلِكَ.
وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ بِبَغْدَادَ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَارْتَفَعَ الْمَاءُ حَتَّى سَاوَى السُّورَ إِلَّا مِقْدَارَ أُصْبُعَيْنِ، ثُمَّ طَفَحَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهِ، وَأَيْقَنَ النَّاسُ بِالْهَلَكَةِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ فَتَنَاقَصَ الْمَاءُ، وَذَهَبَتِ الزِّيَادَةُ وَقَدْ بَقِيَتْ بَغْدَادُ تُلُولًا، وَتَهَدَّمَتْ أَكْثَرُ الْبِنَايَاتِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا دَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَضْلَانَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ.
стр. 10806
وَفِيهَا سَارَ الصَّدْرُ بْنُ حَمُّوَيْهِ فِي الرَّسْلِيَّةِ إِلَى بَغْدَادَ مِنَ الْعَادِلِ إِلَى الْخَلِيفَةِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَلَدُهُ الْفَخْرُ مِنَ الْكَامِلِ إِلَى أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ يَخْطُبُ مِنْهُ ابْنَتَهُ عَلَى ابْنِهِ أَقْسِيسَ صَاحِبِ الْيَمَنِ، فَعُقِدَ الْعَقْدُ بِدِمَشْقَ عَلَى صَدَاقٍ هَائِلٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ السُّلْطَانُ عَلَاءُ الدِّينِ خُوَارَزْمُ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تِكِشٍ إِلَى هَمَذَانَ قَاصِدًا إِلَى بَغْدَادَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ. فَاسْتَعَدَّ لَهُ الْخَلِيفَةُ، وَاسْتَخْدَمَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْمُلُوكِ السَّلَاجِقَةِ، وَأَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ عَلَى مَنَابِرِهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ الْخَلِيفَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيَّ، فَلَمَّا وَصَلَ شَاهَدَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَظَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُلُوكِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي خَرْكَاهْ مِنْ ذَهَبٍ عَلَى سَرِيرٍ سَاذَجٍ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ بُخَارِيٌّ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى رَأْسِهِ جَلْدَةٌ مَا تُسَاوِي دِرْهَمًا، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْجُلُوسِ، فَقَامَ إِلَى جَانِبِ السَّرِيرِ، وَأَخَذَ فِي خُطْبَةٍ هَائِلَةٍ، فَذَكَرَ فِيهَا فَضْلَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَشَرَفَهُمْ، وَأَوْرَدَ حَدِيثًا فِي النَّهْيِ عَنْ أَذَاهُمْ، وَالتُّرْجُمَانُ يُعِيدُ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ الْمَلِكُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ فَضْلِ الْخَلِيفَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنِّي إِذَا قَدِمْتُ بَغْدَادَ أَقَمْتُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَمَا ذَكَرْتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَذَاهُمْ، فَإِنِّي لَمْ أُوذِ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَكِنَّ الْخَلِيفَةَ فِي سُجُونِهِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ
стр. 10807
يَتَنَاسَلُونَ فِي السُّجُونِ، فَهُوَ الَّذِي آذَى بَنِي الْعَبَّاسِ. ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَانْصَرَفَ السُّهْرَوَرْدِيُّ رَاجِعًا، وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمَلِكِ وَجُنْدِهِ ثَلْجًا عَظِيمًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَمَّ الْخَرَاكِيَ وَالْخِيَامَ وَوَصَلَ إِلَى رُءُوسِ الْأَعْلَامِ، وَتَقَطَّعَتْ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلُهُمْ، وَعَمَّهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ خَائِبِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِيهَا انْقَضَتِ الْهُدْنَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْعَادِلِ وَالْفِرِنْجِ، وَاتَّفَقَ قُدُومُ الْعَادِلِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَوَلَدُهُ الْمُعَظَّمُ بِبَيْسَانَ، فَرَكِبَتِ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا وَمَقَدَّمُهُمْ وَصُحْبَتُهُمْ مُلُوكُ السَّوَاحِلِ كُلُّهُمْ، وَسَاقُوا كُلُّهُمْ قَاصِدِينَ مُغَافَصَةَ الْعَادِلِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ فَرَّ مِنْهُمْ لِكَثْرَةِ جُيُوشِهِمْ وَقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْمُعَظَّمُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبَتِ؟ فَشَتَمَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَقَالَ لَهُ: أَقْطَعْتَ الشَّامَ مَمَالِيكَكَ، وَتَرَكْتَ مَنْ يَنْفَعُنِي مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ. فَتَوَجَّهَ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَتَبَ إِلَى وَالِيهَا الْمُعْتَمِدِ لِيُحَصِّنَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَيَنْقُلَ إِلَيْهَا مِنَ الْغَلَّاتِ مِنْ دَارَيَّا إِلَى الْقَلْعَةِ، وَيُرْسِلَ الْمَاءَ عَلَى أَرَاضِي دَارَيَّا، وَقَصْرِ حَجَّاجٍ وَالشَّاغُورِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَابْتَهَلُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، وَكَثُرَ الضَّجِيجُ بِالْجَامِعِ، وَأَقْبَلَ السُّلْطَانُ، فَنَزَلَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الشَّرْقِ لِيَقْدَمُوا لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ صَاحِبُ حِمْصَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ فَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْفَرَجِ، وَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى سِتِّ الشَّامِ بِدَارِهَا عِنْدَ الْمَارَسْتَانِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِهِ، وَلَمَّا قَدِمَ
стр. 10808
أَسَدُ الدِّينِ سُرِّيَ عَنِ النَّاسِ وَأَمِنُوا، فَلَمَّا أَصْبَحَ تَوَجَّهَ إِلَى السُّلْطَانِ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ وَرَدُوا إِلَى بَيْسَانَ، فَنَهَبُوا مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْغَلَّاتِ وَالدَّوَابِّ، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ عَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ وَيَسُبُّونَ مَا بَيْنَ بَيْسَانَ إِلَى بَانِيَاسَ، وَخَرَجُوا إِلَى أَرَاضِي الْجَوْلَانِ إِلَى نَوَى وَخِسْفِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَرَاضِي، وَسَارَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ، فَنَزَلَ عَلَى عَقَبَةِ اللَّبَنِ بَيْنَ الْقُدْسِ وَنَابُلُسَ خَوْفًا عَلَى الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ حَاصَرَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ الطُّورِ حِصَارًا هَائِلًا، وَمَانَعَ عَنْهُ الَّذِينَ بِهِ مِنَ الْأَبْطَالِ مُمَانَعَةً هَائِلَةً، ثُمَّ كَرَّ الْفِرِنْجُ رَاجِعِينَ إِلَى عَكَّا، وَجَاءَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ إِلَى الطُّورِ، فَخَلَعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِهِ، وَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ، ثُمَّ اتَّفَقَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى هَدْمِهِ، كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
الشَّيْخُ الْعِمَادُ، أَخُو الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُورٍ، الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ، كَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بِسَنَتَيْنِ، وَقَدِمَ مَعَهُمْ إِلَى دِمَشْقَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَرَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ مَرَّتَيْنِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا،
стр. 10809
كَثِيرَ الصَّلَاةِ، كَثِيرَ الصِّيَامِ; يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ فَقِيهًا مُفْتِيًا، لَهُ كِتَابُ الْفُرُوقِ، وَصَنَّفَ أَحْكَامًا وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِمِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ مَعَ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ بِغَيْرِ مِحْرَابٍ، ثُمَّ وُضِعَ الْمِحْرَابُ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِالنَّاسِ لِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. صَلَّى الْمَغْرِبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَكَانَ صَائِمًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ بِدِمَشْقَ، فَأَفْطَرَ ثُمَّ مَاتَ فَجْأَةً، فَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ عِنْدَ مُصَلَّاهُمْ، ثُمَّ صَعِدُوا بِهِ إِلَى السَّفْحِ، وَكَانَ يَوْمُ مَوْتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا مِنْ كَثْرَةِ الْخَلْقِ. قَالَ سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: كَانَ الْخَلْقُ مِنَ الْكَهْفِ إِلَى مَغَارَةِ الدَّمِ إِلَى الْمَيْطُورِ، لَوْ بُدِرَ السِّمْسِمُ مَا وَقَعَ إِلَّا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَلَمَّا رَجَعْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَكَّرْتُ فِيهِ، وَقُلْتُ: كَانَ هَذَا رَجُلًا صَالِحًا، رُبَّمَا أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ حِينَ وُضِعَ فِي لَحْدِهِ. وَمَرَّ بِذِهْنِي أَبْيَاتُ الثَّوْرِيِّ الَّتِي أَنْشَدَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ:
نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفَاحًا فَقَالَ لِي … هَنِيئًا رِضَائِي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ
فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا أَقْبَلَ الدُّجَى … بِعَبْرَةِ مُشْتِاقٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ
فَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ … وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ
ثُمَّ قُلْتُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْعِمَادُ رَأَى رَبَّهُ كَمَا رَآهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. فَنِمْتُ
стр. 10810
فَرَأَيْتُ الشَّيْخَ الْعِمَادَ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ، وَعِمَامَةٌ خَضْرَاءُ، وَهُوَ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ كَأَنَّهُ رَوْضَةٌ، وَهُوَ يَرْقَى فِي دَرَجٍ مُتَّسِعَةٍ، فَقُلْتُ: يَا عِمَادَ الدِّينِ، كَيْفَ بِتَّ فَإِنِّي وَاللَّهِ مُفَكِّرٌ فِيكَ؟ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَتَبَسَّمَ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
رَأَيْتُ إِلَهِي حِينَ أُنْزِلْتُ حُفْرَتِي … وَفَارَقْتُ أَصْحَابِي وَأَهْلِي وَجِيرَتِي
وَقَالَ جُزِيتَ الْخَيْرَ عَنِّي فَإِنَّنِي … رَضِيتُ فَهَا عَفْوِي لَدَيْكَ وَرَحْمَتِي
دَأَبْتَ زَمَانًا تَأْمَلُ الْفَوْزَ وَالرِّضَا … فَوُقِّيتَ نِيرَانِي وَلُقِّيتَ جَنَّتِي
قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مَذْعُورٌ، وَكَتَبْتُ الْأَبْيَاتَ.
الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ:
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ بْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ، وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ حَرَسْتَا، فَنَزَلَ دَاخِلَ بَابِ تُومَا، وَأَمَّ بِمَسْجِدِ الزَّيْنَبِيِّ، وَنَشَأَ وَلَدُهُ هَذَا نَشْأَةً حَسَنَةً، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَشَارَكَ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ، وَكَانَ يَجْلِسُ لِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ بِمَقْصُورَةِ الْخَضِرِ، وَعِنْدَهَا كَانَ يُصَلِّي دَائِمًا، لَا تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ بِالْجَامِعِ، وَكَانَ
стр. 10811
مَنْزِلُهُ بِالْحُوَيْرَةِ، وَدَرَسَ بِالْمُجَاهِدِيَّةِ، وَعُمِّرَ دَهْرًا طَوِيلًا عَلَى هَذَا الْقَدَمِ الصَّالِحِ، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَصَلَاتَهُ بِالْجَامِعِ، ثُمَّ عَزَلَ الْعَادِلُ الْقَاضِيَ ابْنَ الزَّكِيِّ الطَّاهِرَ بْنَ مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيَّ، وَأَلْزَمَ الْقَاضِي جَمَالَ الدِّينِ بْنَ الْحَرَسْتَانِيِّ هَذَا بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَلَهُ ثِنْتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَأَعْطَاهُ تَدْرِيسَ الْعَزِيزِيَّةِ. وَأَخَذَ التَّقْوِيَةَ أَيْضًا مِنِ ابْنِ الزَّكِيِّ، وَوَلَّاهَا فَخْرَ الدِّينِ بْنَ عَسَاكِرَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْقَهَ مِنِ ابْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ، كَانَ يَحْفَظُ الْوَسِيطَ لِلْغَزَّالِيِّ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْدَلِ الْقُضَاةِ وَأَقْوَمِهِمْ بِالْحَقِّ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. وَكَانَ ابْنُهُ عِمَادُ الدِّينِ يَخْطُبُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الْأَشْرَفِيَّةِ يَنُوبُ عَنْهُ، وَكَانَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ يَجْلِسُ لِلْحُكْمِ بِمَدْرَسَتِهِ الْمُجَاهِدِيَّةِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ طَرَّاحَةً وَمَسْنَدًا لِأَجْلِ أَنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ ابْنُهُ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا قَامَ أَبُوهُ جَلَسَ هُوَ مَكَانَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ عَزَلَ ابْنَهُ عَنْ نِيَابَتِهِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، وَاسْتَنَابَ شَمْسَ الدِّينِ بْنَ الشِّيرَازِيِّ، وَكَانَ يَجْلِسُ تُجَاهَهُ فِي شَرْقِيِّ الْإِيوَانِ، وَاسْتَنَابَ مَعَهُ شَمْسَ الدِّينِ ابْنَ سُنِّيِّ الدَّوْلَةِ، وَبُنِيَتْ لَهُ دَكَّةٌ فِي الزَّاوِيَةِ الْقِبْلِيَّةِ بِغَرْبِ الْمَدْرَسَةِ، وَاسْتَنَابَ شَرَفَ الدِّينِ بْنَ الْمَوْصِلِيِّ الْحَنَفِيَّ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي مِحْرَابِ
стр. 10812
الْمَدْرَسَةِ، وَاسْتَمَرَّ حَاكِمًا سَنَتَيْنِ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، ثُمَّ دُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ.
الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَكَّارِيُّ، بَانِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِالْقُدْسِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ، يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ دَائِمًا، فَقَتَلَهُ الْفِرِنْجُ بِحِصْنِ الطُّورِ هَذِهِ السَّنَةَ، فَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِمَامِلَا، وَتُرْبَتُهُ تُزَارُ إِلَى الْآنَ، ﵀.
الشُّجَاعُ مَحْمُودٌ الْمَعْرُوفُ بِالدِّمَاغِ
كَانَ مِنْ أَصْدِقَاءِ الْعَادِلِ يُضْحِكُهُ، فَحَصَّلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، كَانَتْ دَارُهُ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَجِ، فَجَعَلَتْهَا زَوْجَتُهُ عَائِشَةُ مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَوَقَفَتْ عَلَيْهَا أَوْقَافًا دَارَّةً. رَحِمَهَا اللَّهُ.
الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْعَابِدَةُ الزَّاهِدَةُ
شَيْخَةُ الْعَالِمَاتِ بِدِمَشْقَ، وَتُلَقَّبُ بِدُهْنِ اللَّوْزِ.
стр. 10813
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ بُورِيحَانَ، وَهِيَ آخِرُ بَنَاتِهِ وَفَاةً، وَجَعَلَتْ أَمْوَالَهَا وَقْفًا عَلَى تُرْبَةِ أُخْتِهَا بِنْتِ صَفِيَّةَ الْمَشْهُورَةِ.
стр. 10814
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ وَالْعَادِلُ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ لِمُنَاجَزَةِ الْفِرِنْجِ، وَأَمَرَ وَلَدَهُ الْمُعَظَّمَ بِتَخْرِيبِ حِصْنِ الطُّورِ، فَخَرَّبَهُ وَنَقَلَ مَا فِيهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ إِلَى الْبُلْدَانِ خَوْفًا مِنَ الْفِرِنْجِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ نَزَلَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ وَأَخَذُوا بُرْجَ السِّلْسِلَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَ حِصْنًا مَنِيعًا، وَهُوَ قُفْلُ بِلَادِ مِصْرَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا الْتَقَى الْمُعَظَّمُ وَالْفِرِنْجُ عَلَى الْقَيْمُونِ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَسَرَ مِنَ الدَّاوِيَّةِ مِائَةً، فَأَدْخَلَهُمْ إِلَى الْقُدْسِ مُنَكَّسَةً أَعْلَامُهُمْ.
وَفِيهَا جَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ بِبَلَدِ الْمَوْصِلِ بِسَبَبِ مَوْتِ مُلُوكِهَا أَوْلَادِ قَرَا أَرْسَلَانَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَتَغَلَّبَ غُلَامُ أَبِيهِمْ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ عَلَى الْأُمُورِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَقْتُلُهُمْ فِي الْبَاطِنِ لِيَسْتَحْوِذَ هُوَ عَلَى الْأُمُورِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا أَقْبَلَ مَلِكُ الرُّومِ كَيْكَاوُسُ بْنُ كَيْخُسْرُو يُرِيدُ أَخْذَ مَمْلَكَةِ حَلَبَ،
стр. 10815
وَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ صَاحِبُ سُمَيْسَاطَ، فَصَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ، وَقَهَرَ مَلِكَ الرُّومِ، وَكَسَرَ جَيْشَهُ، وَرَدَّهُ خَائِبًا.
وَفِيهَا تَمَلَّكَ الْأَشْرَفُ مَدِينَةَ سِنْجَارَ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَمَالِكِ هُنَالِكَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ، فَأَخَذَتِ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - ثَغْرَ دِمْيَاطَ، ثُمَّ رَكِبُوا، وَقَصَدُوا بِلَادَ مِصْرَ مِنْ ثَغْرِ دِمْيَاطَ، فَحَاصَرُوهُ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالْكَامِلُ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُهُمْ وَيُمَانِعُهُمْ وَيَصُدُّهُمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ، فَتَمَلَّكُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بُرْجَ السِّلْسِلَةِ، وَهُوَ كَالْقُفْلِ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَصِفَتُهُ فِي وَسَطِ جَزِيرَةٍ فِي النِّيلِ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنْ هَذَا الْبُرْجِ إِلَى دِمْيَاطَ - وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَحَافَّةِ النِّيلِ - سِلْسِلَةٌ، وَمِنْهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَلَيْهِ الْجِسْرُ - سِلْسِلَةٌ أُخْرَى، لِيَمْنَعَ دُخُولَ الْمَرَاكِبِ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى النَّيْلِ، فَلَا يُمْكِنُ الدُّخُولُ، فَلَمَّا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ هَذَا الْبُرْجَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِدِيَارِ مِصْرَ وَغَيْرِهَا، وَحِينَ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، تَأَوَّهَ لِذَلِكَ تَأَوُّهًا شَدِيدًا، وَدَقَّ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ أَسَفًا وَحُزْنًا، وَمَرِضَ مِنْ سَاعَتِهِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ ﵀ بِقَرْيَةِ عَالِقِينَ، فَجَاءَ وَلَدُهُ الْمُعَظَّمُ مُسْرِعًا، فَجَمَعَ حَوَاصِلَهُ، وَأَرْسَلَهُ فِي
стр. 10816
مِحَفَّةٍ، وَمَعَهُ خَادِمٌ بِصِفَةِ أَنَّ السُّلْطَانَ مَرِيضٌ، وَكُلَّمَا جَاءَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ بَلَّغَهُمْ عَنْهُ الطَّوَاشِيُّ; يَعْنِي لِضَعْفِ السُّلْطَانِ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا انْتُهِيَ بِهِ إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ دُفِنَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى تُرْبَتِهِ بِمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ. وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَجْوَدِهِمْ سِيرَةً، وَأَحْسَنِهِمْ سَرِيرَةً، دَيِّنًا عَاقِلًا صَبُورًا وَقُورًا، أَبْطَلَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْخُمُورَ وَالْمَعَازِفَ مِنْ مَمَالِكِهِ كُلِّهَا، وَقَدْ كَانَتْ مُمْتَدَّةً مِنْ أَقْصَى بِلَادِ مِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ إِلَى هَمَذَانَ كُلِّهَا، أَخَذَهَا بَعْدَ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَسِوَى حَلَبَ، فَإِنَّهُ أَقَرَّهَا بِيَدِ ابْنِ أَخِيهِ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ; لِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَتِهِ صَفِيَّةَ السِّتِّ خَاتُونَ. وَكَانَ ﵀ حَلِيمًا صَفُوحًا، صَبُورًا عَلَى الْأَذَى، كَثِيرَ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ، وَحَضَرَ مَعَ أَخِيهِ مَوَاقِفَهُ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا، وَلَهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ. وَكَانَ ﵀ مَاسِكَ الْيَدِ، وَقَدْ أَنْفَقَ فِي عَامِ الْغَلَاءِ بِمِصْرَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا، وَتَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ فِي الْعَامِ بَعْدَهُ فِي الْفَنَاءِ كَفَّنَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنَ الْغُرَبَاءِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ، حَتَّى كَانَ يَخْلَعُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَبِمَرْكُوبِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْأَكْلِ، مُمَتَّعًا بِصِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ مَعَ كَثْرَةِ صِيَامِهِ، يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ أَكَلَاتٍ جَيِّدَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يَأْكُلُ وَقْتَ النَّوْمِ رَطْلًا بِالدِمَشْقِيِّ مِنَ الْحَلْوَى السُّكَّرِيَّةِ الْيَابِسَةِ، وَكَانَ يَعْتَرِيهِ مَرَضٌ فِي أَنْفِهِ فِي زَمَنِ الْوَرْدِ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدِمَشْقَ حَتَّى يَفْرُغَ زَمَنُ الْوَرْدِ، فَكَانَ يُضْرَبُ لَهُ الْوِطَاقُ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، ثُمَّ
стр. 10817
يَدْخُلُ الْبَلَدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ، ﵀، عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ جَمَاعَةٌ; مُحَمَّدٌ الْكَامِلُ صَاحِبُ مِصْرَ، وَعِيسَى الْمُعَظَّمُ صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَمُوسَى الْأَشْرَفُ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ وَخِلَاطَ وَحَرَّانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوْحَدُ أَيُّوبُ وَمَاتَ قَبْلَهُ، وَالْفَائِزُ إِبْرَاهِيمُ، وَالْمُظَفَّرُ غَازِيٌّ صَاحِبُ الرَّهَا، وَالْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَالْأَمْجَدُ حَسَنٌ، وَهُمَا شَقِيقَا الْمُعَظَّمِ، وَالْمُغِيثُ مَحْمُودٌ، وَالْحَافِظُ أَرْسَلَانُ صَاحِبُ جَعْبَرٍ، وَالصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَالْقَاهِرُ إِسْحَاقُ، وَمُجِيرُ الدِّينِ يَعْقُوبُ، وَقُطْبُ الدِّينِ أَحْمَدُ، وَخَلِيلٌ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، وَتَقِيُّ الدِّينِ عَبَّاسٌ، وَكَانَ آخِرَهُمْ وَفَاةً، بَقِيَ إِلَى سَنَةِ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُ بَنَاتٌ أَشْهَرُهُنَّ السِّتُّ صَفِيَّةُ خَاتُونَ زَوْجَةُ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ صَاحِبِ حَلَبَ، وَأُمُّ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ وَالِدِ النَّاصِرِ يُوسُفَ الَّذِي مَلَكَ دِمَشْقَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ النَّاصِرِيَّتَانِ بِدِمَشْقَ وَالْجَبَلِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ هُولَاوُو كَمَا سَيَأْتِي.
صِفَةُ أَخْذِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ
لَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ بِمَوْتِ الْعَادِلِ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْكَامِلِ، وَهُوَ بِثَغْرِ دِمْيَاطَ مُرَابِطٌ الْفِرِنْجَ، أَضْعَفَ ذَلِكَ أَعْضَادَ الْمُسْلِمِينَ وَفَشِلُوا، ثُمَّ بَلَغَ الْكَامِلَ خَبَرٌ آخَرُ أَنَّ الْأَمِيرَ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمَشْطُوبِ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَمِيرٍ بِمِصْرَ، قَدْ أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لِلْفَائِزِ عِوَضًا عَنِ الْكَامِلِ، فَسَاقَ وَحْدَهُ جَرِيدَةً مِنْ دِمْيَاطَ قَاصِدًا إِلَى مِصْرَ لِاسْتِدْرَاكِ هَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ، فَلَمَّا فَقَدَهُ الْجَيْشُ مِنْ بَيْنِهِمُ انْحَلَّ نِظَامُهُمْ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِمَّا بَلَغَهُمْ، فَرَكِبُوا وَرَاءَهُ، فَدَخَلَتِ الْفِرِنْجُ بِأَمَانٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مُعَسْكَرِ الْكَامِلِ وَأَثْقَالِهِ وَحَوَاصِلِ الْجَيْشِ، فَوَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا، وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَدَخَلَ
стр. 10818
الْكَامِلُ مِصْرَ، فَلَمْ يَقَعْ مِمَّا ظَنَّهُ شَيْءٌ، وَهَرَبَ مِنْهُ ابْنُ الْمَشْطُوبِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ رَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ فِي الْجَيْشِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَإِذَا الْأَمْرُ قَدْ تَزَايَدَ وَقَدْ تَمَكَّنُوا هُنَالِكَ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَاثَتْ هُنَاكَ الْأَعْرَابُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ بِبِلَادِ دِمْيَاطَ، فَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَنَزَلَ الْكَامِلُ تُجَاهَهُمْ يُمَانِعُهُمْ عَنْ دُخُولِهِمْ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَمِصْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُمَانِعُهُمْ عَنْ دُخُولِ الثَّغْرِ; وَكَتَبَ إِلَى إِخْوَتِهِ يَسْتَحِثُّهُمْ وَيَسْتَنْجِدُ بِهِمْ، وَيَقُولُ: الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، الْعَجَلَ الْعَجَلَ، أَدْرِكُوا الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَ الْفِرِنْجُ جَمِيعَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَشْرَفُ مُوسَى صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ، بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ، ثُمَّ الْمُعَظَّمُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَعَ الْفِرِنْجِ مَا سَنَذْكُرُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا وَلِيَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ الصَّاحِبُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْمَلُ مِيعَادَ الْوَعْظِ عَلَى قَاعِدَةِ أَبِيهِ، وَشُكِرَتْ مُبَاشَرَتُهُ لِلْحِسْبَةِ.
وَفِيهَا فُوِّضَ إِلَى الْمُعَظَّمِ النَّظَرُ فِي التُّرْبَةِ الْبَدْرِيَّةِ تُجَاهَ الشِّبْلِيَّةِ عِنْدَ الْجِسْرِ الَّذِي عَلَى ثَوْرَا، وَيُقَالُ لَهُ: جِسْرُ كُحَيْلٍ، وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ حَسَنِ بْنِ الدَّايَةِ، كَانَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ.
قُلْتُ: وَقَدْ جُعِلَتْ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ جَامِعًا فِيهِ خُطْبَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تِكِشٍ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ مُخَيِّمٌ
стр. 10819
بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، فَرَدَّ إِلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ خَطِيبَ دِمَشْقَ جَمَالَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّوْلَعِيَّ، وَاسْتُنِيبَ عَنْهُ فِي الْخَطَابَةِ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ خَطِيبُ بَيْتِ الْآبَارِ، فَأَقَامَ بِالْعَزِيزِيَّةِ يُبَاشِرُ عَنْهُ، حَتَّى قَدِمَ مَوْتُ الْعَادِلِ. ﵀.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فَأُقِيمَ ابْنُهُ الصَّغِيرُ مَكَانَهُ، ثُمَّ قُتِلَ، وَتَشَتَّتَ شَمْلُ الْبَيْتِ الْأَتَابَكِيِّ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْأُمُورِ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَبِيهِمْ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانَ.
وَفِيهَا كَانَ عَوْدُ الْوَزِيرِ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شُكْرٍ مِنْ آمِدَ إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَادِلِ، فَعَمِلَ فِيهِ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ مَقَامَةً يَمْدَحُهُ فِيهَا وَيُبَالِغُ فِي شُكْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاضِعًا يُحِبُّ الْفُقَهَاءَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّاسِ إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ، وَهُوَ رَاكِبٌ فِي أُبَّهَةِ وِزَارَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نُكِبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ طَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ، كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ فِيهِ، فَاحْتَاطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَعَزَلَ ابْنَهُ عَنِ النَّظَرِ بِالدَّوَاوِينِ، وَقَدْ كَانَ يَنُوبُ عَنْ أَبِيهِ فِي مُدَّةِ غَيْبَتِهِ.
وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا أَعَادَ الْمُعَظَّمُ ضَمَانَ الْقِيَانِ وَالْخُمُورِ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ قَدْ أَبْطَلَهَا، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَنْقُلَ خَمْرًا إِلَى دِمَشْقَ إِلَّا بِالْحِيلَةِ الْخَفِيَّةِ، وَاعْتَذَرَ الْمُعَظَّمُ فِي صُنْعِهِ هَذَا الْمُنْكَرَ بِقِلَّةِ الْأَمْوَالِ عَلَى الْجُنْدِ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى النَّفَقَاتِ فِي قِتَالِ الْفِرِنْجِ.
стр. 10820
وَمَا اسْتَشْعَرَ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ يُدِيلُ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءَ، وَيُمَكِّنُ فِيهِمُ الدَّاءَ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ:
السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ، كَمَا تَقَدَّمَ
الْقَاضِي شَرَفُ الدِّينِ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْنِ الْقُضَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلْطَانِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، مِنْ بَنِي عَمِّ ابْنِ الزَّكِيِّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَرَسَ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ وَبِالرَّوَاحِيَةِ أَيْضًا، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْقَدَمِ.
أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْغَنَائِمِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْمُلْهَمِيُّ الضَّرِيرُ الْبَغْدَادِيُّ، كَانَ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمِ الْأَوَائِلِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَسَتَّرُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ; قَالَ فِيهِ ابْنُ السَّاعِي: الدَّاوُدِيُّ مَذْهَبًا، الْمَعَرِّيُّ أَدَبًا وَاعْتِقَادًا،
следующие страницы →