Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.
стр. 10816
مِحَفَّةٍ، وَمَعَهُ خَادِمٌ بِصِفَةِ أَنَّ السُّلْطَانَ مَرِيضٌ، وَكُلَّمَا جَاءَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ بَلَّغَهُمْ عَنْهُ الطَّوَاشِيُّ; يَعْنِي لِضَعْفِ السُّلْطَانِ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا انْتُهِيَ بِهِ إِلَى الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ دُفِنَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى تُرْبَتِهِ بِمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ. وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَجْوَدِهِمْ سِيرَةً، وَأَحْسَنِهِمْ سَرِيرَةً، دَيِّنًا عَاقِلًا صَبُورًا وَقُورًا، أَبْطَلَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْخُمُورَ وَالْمَعَازِفَ مِنْ مَمَالِكِهِ كُلِّهَا، وَقَدْ كَانَتْ مُمْتَدَّةً مِنْ أَقْصَى بِلَادِ مِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ إِلَى هَمَذَانَ كُلِّهَا، أَخَذَهَا بَعْدَ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَسِوَى حَلَبَ، فَإِنَّهُ أَقَرَّهَا بِيَدِ ابْنِ أَخِيهِ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ; لِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَتِهِ صَفِيَّةَ السِّتِّ خَاتُونَ. وَكَانَ ﵀ حَلِيمًا صَفُوحًا، صَبُورًا عَلَى الْأَذَى، كَثِيرَ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ، وَحَضَرَ مَعَ أَخِيهِ مَوَاقِفَهُ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا، وَلَهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ. وَكَانَ ﵀ مَاسِكَ الْيَدِ، وَقَدْ أَنْفَقَ فِي عَامِ الْغَلَاءِ بِمِصْرَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا، وَتَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ فِي الْعَامِ بَعْدَهُ فِي الْفَنَاءِ كَفَّنَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنَ الْغُرَبَاءِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ، حَتَّى كَانَ يَخْلَعُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَبِمَرْكُوبِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْأَكْلِ، مُمَتَّعًا بِصِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ مَعَ كَثْرَةِ صِيَامِهِ، يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ أَكَلَاتٍ جَيِّدَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يَأْكُلُ وَقْتَ النَّوْمِ رَطْلًا بِالدِمَشْقِيِّ مِنَ الْحَلْوَى السُّكَّرِيَّةِ الْيَابِسَةِ، وَكَانَ يَعْتَرِيهِ مَرَضٌ فِي أَنْفِهِ فِي زَمَنِ الْوَرْدِ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدِمَشْقَ حَتَّى يَفْرُغَ زَمَنُ الْوَرْدِ، فَكَانَ يُضْرَبُ لَهُ الْوِطَاقُ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، ثُمَّ
стр. 10817
يَدْخُلُ الْبَلَدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ، ﵀، عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ جَمَاعَةٌ; مُحَمَّدٌ الْكَامِلُ صَاحِبُ مِصْرَ، وَعِيسَى الْمُعَظَّمُ صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَمُوسَى الْأَشْرَفُ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ وَخِلَاطَ وَحَرَّانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوْحَدُ أَيُّوبُ وَمَاتَ قَبْلَهُ، وَالْفَائِزُ إِبْرَاهِيمُ، وَالْمُظَفَّرُ غَازِيٌّ صَاحِبُ الرَّهَا، وَالْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَالْأَمْجَدُ حَسَنٌ، وَهُمَا شَقِيقَا الْمُعَظَّمِ، وَالْمُغِيثُ مَحْمُودٌ، وَالْحَافِظُ أَرْسَلَانُ صَاحِبُ جَعْبَرٍ، وَالصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَالْقَاهِرُ إِسْحَاقُ، وَمُجِيرُ الدِّينِ يَعْقُوبُ، وَقُطْبُ الدِّينِ أَحْمَدُ، وَخَلِيلٌ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، وَتَقِيُّ الدِّينِ عَبَّاسٌ، وَكَانَ آخِرَهُمْ وَفَاةً، بَقِيَ إِلَى سَنَةِ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُ بَنَاتٌ أَشْهَرُهُنَّ السِّتُّ صَفِيَّةُ خَاتُونَ زَوْجَةُ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ صَاحِبِ حَلَبَ، وَأُمُّ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ وَالِدِ النَّاصِرِ يُوسُفَ الَّذِي مَلَكَ دِمَشْقَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ النَّاصِرِيَّتَانِ بِدِمَشْقَ وَالْجَبَلِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ هُولَاوُو كَمَا سَيَأْتِي.
صِفَةُ أَخْذِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ
لَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ بِمَوْتِ الْعَادِلِ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْكَامِلِ، وَهُوَ بِثَغْرِ دِمْيَاطَ مُرَابِطٌ الْفِرِنْجَ، أَضْعَفَ ذَلِكَ أَعْضَادَ الْمُسْلِمِينَ وَفَشِلُوا، ثُمَّ بَلَغَ الْكَامِلَ خَبَرٌ آخَرُ أَنَّ الْأَمِيرَ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمَشْطُوبِ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَمِيرٍ بِمِصْرَ، قَدْ أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لِلْفَائِزِ عِوَضًا عَنِ الْكَامِلِ، فَسَاقَ وَحْدَهُ جَرِيدَةً مِنْ دِمْيَاطَ قَاصِدًا إِلَى مِصْرَ لِاسْتِدْرَاكِ هَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ، فَلَمَّا فَقَدَهُ الْجَيْشُ مِنْ بَيْنِهِمُ انْحَلَّ نِظَامُهُمْ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِمَّا بَلَغَهُمْ، فَرَكِبُوا وَرَاءَهُ، فَدَخَلَتِ الْفِرِنْجُ بِأَمَانٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مُعَسْكَرِ الْكَامِلِ وَأَثْقَالِهِ وَحَوَاصِلِ الْجَيْشِ، فَوَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا، وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَدَخَلَ
стр. 10818
الْكَامِلُ مِصْرَ، فَلَمْ يَقَعْ مِمَّا ظَنَّهُ شَيْءٌ، وَهَرَبَ مِنْهُ ابْنُ الْمَشْطُوبِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ رَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ فِي الْجَيْشِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَإِذَا الْأَمْرُ قَدْ تَزَايَدَ وَقَدْ تَمَكَّنُوا هُنَالِكَ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَاثَتْ هُنَاكَ الْأَعْرَابُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ بِبِلَادِ دِمْيَاطَ، فَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَنَزَلَ الْكَامِلُ تُجَاهَهُمْ يُمَانِعُهُمْ عَنْ دُخُولِهِمْ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَمِصْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُمَانِعُهُمْ عَنْ دُخُولِ الثَّغْرِ; وَكَتَبَ إِلَى إِخْوَتِهِ يَسْتَحِثُّهُمْ وَيَسْتَنْجِدُ بِهِمْ، وَيَقُولُ: الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، الْعَجَلَ الْعَجَلَ، أَدْرِكُوا الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَ الْفِرِنْجُ جَمِيعَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَشْرَفُ مُوسَى صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ، بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ، ثُمَّ الْمُعَظَّمُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَعَ الْفِرِنْجِ مَا سَنَذْكُرُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا وَلِيَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ الصَّاحِبُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْمَلُ مِيعَادَ الْوَعْظِ عَلَى قَاعِدَةِ أَبِيهِ، وَشُكِرَتْ مُبَاشَرَتُهُ لِلْحِسْبَةِ.
وَفِيهَا فُوِّضَ إِلَى الْمُعَظَّمِ النَّظَرُ فِي التُّرْبَةِ الْبَدْرِيَّةِ تُجَاهَ الشِّبْلِيَّةِ عِنْدَ الْجِسْرِ الَّذِي عَلَى ثَوْرَا، وَيُقَالُ لَهُ: جِسْرُ كُحَيْلٍ، وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَدْرِ الدِّينِ حَسَنِ بْنِ الدَّايَةِ، كَانَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ.
قُلْتُ: وَقَدْ جُعِلَتْ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ جَامِعًا فِيهِ خُطْبَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تِكِشٍ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ مُخَيِّمٌ
стр. 10819
بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، فَرَدَّ إِلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ خَطِيبَ دِمَشْقَ جَمَالَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّوْلَعِيَّ، وَاسْتُنِيبَ عَنْهُ فِي الْخَطَابَةِ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ خَطِيبُ بَيْتِ الْآبَارِ، فَأَقَامَ بِالْعَزِيزِيَّةِ يُبَاشِرُ عَنْهُ، حَتَّى قَدِمَ مَوْتُ الْعَادِلِ. ﵀.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْقَاهِرُ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، فَأُقِيمَ ابْنُهُ الصَّغِيرُ مَكَانَهُ، ثُمَّ قُتِلَ، وَتَشَتَّتَ شَمْلُ الْبَيْتِ الْأَتَابَكِيِّ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْأُمُورِ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ أَبِيهِمْ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانَ.
وَفِيهَا كَانَ عَوْدُ الْوَزِيرِ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شُكْرٍ مِنْ آمِدَ إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَادِلِ، فَعَمِلَ فِيهِ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ مَقَامَةً يَمْدَحُهُ فِيهَا وَيُبَالِغُ فِي شُكْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاضِعًا يُحِبُّ الْفُقَهَاءَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّاسِ إِذَا اجْتَازَ بِهِمْ، وَهُوَ رَاكِبٌ فِي أُبَّهَةِ وِزَارَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نُكِبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ طَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ، كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْمُعَظَّمِ فِيهِ، فَاحْتَاطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَعَزَلَ ابْنَهُ عَنِ النَّظَرِ بِالدَّوَاوِينِ، وَقَدْ كَانَ يَنُوبُ عَنْ أَبِيهِ فِي مُدَّةِ غَيْبَتِهِ.
وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا أَعَادَ الْمُعَظَّمُ ضَمَانَ الْقِيَانِ وَالْخُمُورِ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ قَدْ أَبْطَلَهَا، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَنْقُلَ خَمْرًا إِلَى دِمَشْقَ إِلَّا بِالْحِيلَةِ الْخَفِيَّةِ، وَاعْتَذَرَ الْمُعَظَّمُ فِي صُنْعِهِ هَذَا الْمُنْكَرَ بِقِلَّةِ الْأَمْوَالِ عَلَى الْجُنْدِ، وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى النَّفَقَاتِ فِي قِتَالِ الْفِرِنْجِ.
стр. 10820
وَمَا اسْتَشْعَرَ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ يُدِيلُ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءَ، وَيُمَكِّنُ فِيهِمُ الدَّاءَ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ:
السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ، كَمَا تَقَدَّمَ
الْقَاضِي شَرَفُ الدِّينِ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْنِ الْقُضَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلْطَانِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، مِنْ بَنِي عَمِّ ابْنِ الزَّكِيِّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَرَسَ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ وَبِالرَّوَاحِيَةِ أَيْضًا، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ عِنْدَ مَسْجِدِ الْقَدَمِ.
أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْغَنَائِمِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْمُلْهَمِيُّ الضَّرِيرُ الْبَغْدَادِيُّ، كَانَ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمِ الْأَوَائِلِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَسَتَّرُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ; قَالَ فِيهِ ابْنُ السَّاعِي: الدَّاوُدِيُّ مَذْهَبًا، الْمَعَرِّيُّ أَدَبًا وَاعْتِقَادًا،
стр. 10821
وَمِنْ شَعْرِهِ:
إِلَى الرَّحْمَنِ أَشْكُو مَا أُلَاقِي … غَدَاةَ غَدَوْا عَلَى هَوْجِ النِّيَاقِ
سَأَلْتُكُمُ بِمَنْ زَمَّ الْمَطَايَا … أَمَرَّ بِكُمْ أَمَرُّ مَنَ الْفِرَاقِ
وَهَلْ دَاءٌ أَشَدُّ مِنَ التَّنَائِي … وَهَلْ عَيْشٌ أَلَذُّ مِنَ التَّلَاقِ
قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ الْحَنَفِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ مَرَّتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ، عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ وَقِسْمَةِ التَّرِكَاتِ.
أَبُو الْيُمْنِ نَجَاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَبَشِيُّ الشَّرَابِيُّ
نَجْمُ الدِّينِ مَوْلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْخَلِيفَةَ، وَكَانَ يُسَمَّى سَلْمَانَ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَجَدًا عَظِيمًا، وَكَانَ يَوْمُ جَنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، كَانَ بَيْنَ يَدَيِ النَّعْشِ مِائَةُ بَقَرَةٍ وَأَلْفُ شَاةٍ وَأَحْمَالٌ مِنَ التَّمْرِ وَالْخُبْزِ وَالْمَاوَرْدِ، وَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ تَحْتَ التَّاجِ، وَتَصَدَّقَ عَنْهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى الْمَشَاهِدِ،
стр. 10822
وَمِثْلِهَا عَلَى الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ، وَوَقَفَ عَنْهُ خَمْسَمِائَةِ مُجَلَّدٍ.
أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ عُلْوَانَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُهَاجِرٍ الْمَوْصِلِيُّ
تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَادَ أَهْلَ وَقْتِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْفَتْوَى وَالتَّدْرِيسِ بِمَدْرَسَةِ بَدْرِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ صَالِحًا دَيِّنًا، ﵀.
أَبُو الطِّيبِ رِزْقُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ رِزْقِ اللَّهِ بْنِ غَانِمِ بْنِ غَنَّامٍ الْمَاحُوزِيُّ
الْمُحَدِّثُ الْجَوَّالُ الرَّحَّالُ الثِّقَةُ الْحَافِظُ الْأَدِيبُ الشَّاعِرُ.
أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ بُرَنْقَشَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعِمَادِيُّ
كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ سِنْجَارَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مَوَالِي الْمَلِكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ صَاحِبِهَا، وَكَانَ أَحْمَدُ هَذَا أَدِيبًا شَاعِرًا، ذَا مَالٍ جَزِيلٍ وَأَمْلَاكٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدِ احْتَاطَ عَلَى أَمْوَالِهِ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ، وَأَوْدَعَهُ سِجْنًا، فَنُسِيَ فِيهِ، وَمَاتَ كَمَدًا، وَمِنْ شِعْرِهِ:
تَقُولُ وَقَدْ وَدَّعْتُهَا وَدُمُوعُهَا … عَلَى نَحْرِهَا مِنْ خَشْيَةِ الْبَيْنِ تَلْتَقِي
مَضَى أَكْثَرُ الْعُمْرِ الَّذِي كَانَ نَافِعًا … رُوَيْدَكَ فَاعْمَلْ صَالِحًا فِي الَّذِي بَقِي
стр. 10823
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا أَمَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْجَوْزِيِّ مُحْتَسِبُ بَغْدَادَ بِإِزَالَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَكَسْرِ الْمَلَاهِي، فَفَعَلَ ذَلِكَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ظُهُورُ جِنْكِزْخَانَ وَجُنُودِهِ وَعُبُورُهُمْ نَهْرَ جَيْحُونَ
وَفِيهَا عَبَرَتِ التَّتَارُ نَهْرَ جَيْحُونَ صُحْبَةَ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ جِبَالَ طَمْغَاجَ مِنْ أَرْضِ الصِّينِ، وَلُغَتُهُمْ مُخَالِفَةٌ لِلُغَةِ سَائِرِ التَّتَارِ، وَهُمْ مِنْ أَشْجَعِهِمْ وَأَصْبَرِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَسَبَبُ دُخُولِهِمْ نَهْرَ جَيْحُونَ أَنَّ جِنْكِزْخَانَ بَعَثَ تُجَّارًا لَهُ، وَمَعَهُمْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ إِلَى بِلَادِ خُوَارَزْمَ شَاهْ يَتَبَضَّعُونَ لَهُ ثِيَابًا لِلْكُسْوَةِ، فَكَتَبَ نَائِبُهَا إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ يَذْكُرُ لَهُ مَا مَعَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِقَتْلِهِمْ، وَبِأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ جِنْكِزْخَانُ وَأَرْسَلَ يَتَهَدَّدُ خُوَارَزْمَ شَاهْ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي شُغْلٍ بِقِتَالِ كَشْلِي خَانَ، فَنَهَبَ خُوَارَزْمُ شَاهْ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ وَأَطْفَالَهُمْ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مَحْرُوبِينَ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ قِتَالًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، أُولَئِكَ يُقَاتِلُونَ عَنْ حَرِيمِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مَتَى وَلَّوِا اسْتَأْصَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مِنَ
стр. 10824
الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، حَتَّى إِنَّ الْخُيُولَ كَانَتْ تَزْلَقُ فِي الدِّمَاءِ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَمِنَ التَّتَارِ أَضْعَافُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَحَاجَزَ الْفَرِيقَانِ، وَوَلَّى كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَجَأَ خُوَارَزْمُ شَاهْ وَأَصْحَابُهُ إِلَى بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، فَحَصَّنَهَا وَبَالَغَ فِي كَثْرَةِ مَنْ تَرَكَ فِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ لِيُجَهِّزَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ، فَقَصَدَتِ التَّتَارُ بُخَارَى وَبِهَا عِشْرُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَحَاصَرَهَا جِنْكِزْخَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَدَخَلَهَا فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِيهِمْ مَكْرًا وَخَدِيعَةً، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ الْقَلْعَةُ، فَحَاصَرَهَا وَاسْتَعْمَلَ أَهْلَ الْبَلَدِ فِي طَمِّ خَنْدَقِهَا، وَكَانَ التَّتَارُ يَأْتُونَ بِالْمَنَابِرِ وَالرَّبَعَاتِ، فَيَطْرَحُونَهَا فِي الْخَنْدَقِ يَطُمُّونَهُ بِهَا، فَفَتَحَهَا قَسْرًا فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْبَلَدِ فَاصْطَفَى أَمْوَالَ تُجَّارِهَا، وَأَبَاحَهَا لِجُنْدِهِ، فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَسَرُوا الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ، وَفَعَلُوا مَعَهُنَّ الْفَوَاحِشَ بِحَضْرَةِ أَهْلِيهِنَّ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَاتَلَ دُونَ حَرِيمِهِ حَتَّى قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ فَعُذِّبَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَكَثُرَ الْبُكَاءُ وَالضَّجِيجُ بِالْبَلَدِ، ثُمَّ أَلْقَتِ التَّتَارُ النَّارَ فِي دُورِ بُخَارَى وَمَدَارِسِهَا وَمَسَاجِدِهَا، فَاحْتَرَقَتْ حَتَّى صَارَتْ بِلَاقِعَ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، ثُمَّ كَرُّوا رَاجِعِينَ عَنْهَا قَاصِدِينَ سَمَرْقَنْدَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ. فِيهَا مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ.
وَفِي مُسْتَهَلِّ هَذِهِ السَّنَةِ خُرِّبَ سُورُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - عَمَّرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ -
стр. 10825
أَمَرَ بِذَلِكَ الْمُعَظَّمُ خَوْفًا مِنَ اسْتِيلَاءِ الْفِرِنْجِ عَلَيْهِ، بَعْدَ مَشُورَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْفِرِنْجَ إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ وَسِيلَةً إِلَى أَخْذِ الشَّامِ جَمِيعِهِ، فَشَرَعَ فِي تَخْرِيبِ السُّورِ فِي أَوَّلِ يَوْمِ الْمُحَرَّمِ، فَهَرَبَ مِنْهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنَ الْفِرِنْجِ أَنْ يَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَثَاثَهُمْ، وَتَمَزَّقُوا فِي الْبِلَادِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ أُبِيعَ الْقِنْطَارُ مِنَ الزَّيْتِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَرَطْلِ النُّحَاسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَضَجَّ النَّاسُ وَابْتَهَلُوا إِلَى اللَّهِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَفِي الْأَقْصَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَهْجُو الْمُعَظَّمَ فِي ذَلِكَ:
فِي رَجَبٍ حُلِّلَ الْمُحَرَّمْ … وَأُخْرِبَ الْقُدْسُ فِي الْمُحَرَّمْ
وَفِيهَا اسْتَحْوَذَتِ الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، عَلَى مَدِينَةِ دِمْيَاطَ، وَدَخَلُوهَا بِالْأَمَانِ، فَغَدَرُوا بِأَهْلِهَا، وَقَتَلُوا رِجَالَهَا، وَسَبَوْا نِسَاءَهَا وَأَطْفَالَهَا، وَفَجَرُوا بِالنِّسَاءِ، وَبَعَثُوا بِمِنْبَرِ الْجَامِعِ وَالرَّبَعَاتِ وَرُءُوسِ الْقَتْلَى إِلَى الْجَزَائِرِ، وَجَعَلُوا الْجَامِعَ كَنِيسَةً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ «الْأَنْعَامِ: ١١٢».
وَفِيهَا تَغَيَّظَ السُّلْطَانُ الْمُعَظَّمُ عَلَى الْقَاضِي زَكِيِّ الدِّينِ بْنِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ قَاضِي الْبَلَدِ. وَسَبَبُهُ أَنَّ عَمَّتَهُ سِتَّ الشَّامِ بِنْتَ أَيُّوبَ كَانَتْ قَدْ مَرِضَتْ فِي دَارِهَا الَّتِي جَعَلَتْهَا بَعْدَهَا مَدْرَسَةً، فَأَرْسَلَتْ إِلَى الْقَاضِي لِتُوصِيَ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا
стр. 10826
بِشُهُودٍ مَعَهُ، فَكَتَبَ الْوَصِيَّةَ كَمَا قَالَتْ، فَقَالَ الْمُعَظَّمُ: يَذْهَبُ إِلَى عَمَّتِي بِغَيْرِ إِذْنِي، وَيَسْمَعُ هُوَ وَالشُّهُودُ كَلَامَهَا! وَاتَّفَقَ أَنَّ الْقَاضِيَ طَلَبَ مِنْ جَابِي الْعَزِيزِيَّةِ حِسَابَهَا، وَضَرَبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْمَقَارِعِ، وَكَانَ الْمُعَظَّمُ يُبْغِضُ هَذَا الْقَاضِيَ مِنْ أَيَّامِ أَبِيهِ الْعَادِلِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَرْسَلَ الْمُعَظَّمُ إِلَى الْقَاضِي بِبُقْجَةٍ فِيهَا قَبَاءٌ وَكَلُّوتَةٌ; الْقَبَاءُ أَبْيَضُ وَالْكَلُّوتَةُ صَفْرَاءُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَا حَمْرَاوَيْنِ مُدَرَّنَيْنِ، وَحَلَفَ الرَّسُولُ عَنِ السُّلْطَانِ لَيَلْبَسَنَّهُمَا وَيَحْكُمُ بَيْنَ الْخُصُومِ فِيهِمَا، وَكَانَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ أَنْ جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ بِهَذَا، وَهُوَ فِي دِهْلِيزِ دَارِهِ الَّتِي بِبَابِ الْبَرِيدِ وَهُوَ مُنْتَصِبٌ لِلْحُكْمِ، فَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا أَنْ لَبِسَهُمَا، وَحَكَمَ فِيهِمَا، ثُمَّ دَخَلَ دَارَهُ، وَاسْتَقْبَلَ مَرَضَ مَوْتِهِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَهَا، وَكَانَ الشَّرَفُ بْنُ عُنَيْنٍ الزُّرَعِيُّ الشَّاعِرُ قَدْ أَظْهَرَ النُّسُكَ وَالتَّعَبُّدَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اعْتَكَفَ بِالْجَامِعِ أَيْضًا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعَظَّمُ بِخَمْرٍ وَنَرْدٍ لِيَشْتَغِلَ بِهِمَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُنَيْنٍ:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ سُنَّةً … أَحْدَثْتَهَا تَبْقَى عَلَى الْآبَادِ
تَجْرِي الْمُلُوكُ عَلَى طَرِيقِكَ بَعْدَهَا … خَلْعُ الْقُضَاةِ وَتُحْفَةُ الزُّهَّادِ
وَقَدْ كَانَ نُوَّابُ ابْنِ الزَّكِيِّ أَرْبَعَةً; شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الشِّيرَازِيِّ إِمَامُ مَشْهَدِ عَلَيٍّ، كَانَ يَحْكُمُ بِهِ فِي الشُّبَّاكِ، وَرُبَّمَا بَرَزَ إِلَى طَرَفِ الرِّوَاقِ تُجَاهَ الْبَلَاطَةِ السَّوْدَاءِ، وَشَمْسُ الدِّينِ بْنُ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ، كَانَ يَحْكُمُ فِي الشُّبَّاكِ الَّذِي فِي
стр. 10827
الْكَلَّاسَةِ تُجَاهَ تُرْبَةِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ عِنْدَ بَابِ الْغَزَّالِيَّةِ، وَجَمَالُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ، كَانَ يَحْكُمُ فِي الشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ بِمَشْهَدِ عُثْمَانَ، وَشَرَفُ الدِّينِ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ كَانَ يَحْكُمُ بِالْمَدْرَسَةِ الطَّرْخَانِيَّةِ بَجَيْرُونَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
سِتُّ الشَّامِ
وَاقِفَةُ الْمَدْرَسَتَيْنِ الْبَرَّانِيَّةِ وَالْجَوَّانِيَّةِ الْخَاتُونُ الْجَلِيلَةُ سِتُّ الشَّامِ بِنْتُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي، أُخْتُ الْمُلُوكِ وَعَمَّةُ أَوْلَادِهِمْ، كَانَ لَهَا مِنَ الْمُلُوكِ الْمَحَارِمِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلِكًا، مِنْهُمْ شَقِيقُهَا الْمُعَظَّمُ تَوْرَانُ شَاهْ بْنُ أَيُّوبَ صَاحِبُ الْيَمَنِ، وَهُوَ مَدْفُونٌ عِنْدَهَا فِي تُرْبَتِهَا فِي الْقَبْرِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَفِي الْأَوْسَطِ مِنْهَا زَوْجُهَا وَابْنُ عَمِّهَا نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنِ شَاذِي صَاحِبُ حِمْصَ، وَكَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْهُ بَعْدَ أَبِي ابْنِهَا حُسَامِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ لَاجِينَ، وَهِيَ وَابْنُهَا حُسَامُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ فِي الْقَبْرِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الَّذِي يَلِي مَكَانَ الدَّرْسِ، وَيُقَالُ لِلتُّرْبَةِ وَالْمَدْرَسَةِ: الْحُسَامِيَّةُ، نِسْبَةً إِلَى ابْنِهَا هَذَا حُسَامِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لَاجِينَ.
стр. 10828
وَكَانَتْ سِتُّ الشَّامِ مِنْ أَكْثَرِ النِّسَاءِ صَدَقَةً وَإِحْسَانًا إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، وَكَانَتْ تَعْمَلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي دَارِهَا بِأُلُوفٍ مِنَ الذَّهَبِ أَشْرِبَةً وَأَدْوِيَةً وَعَقَاقِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَتُفَرِّقُهُ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُا يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ النَّهَارِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي دَارِهَا الَّتِي جَعَلَتْهَا مَدْرَسَةً، وَهِيَ عِنْدَ الْمَارَسْتَانِ، وَهِيَ الشَّامِيَّةُ الْجَوَّانِيَّةُ، وَنُقِلَتْ مِنْهَا إِلَى تُرْبَتِهَا بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهَا عَظِيمَةً حَافِلَةً، رَحِمَهَا اللَّهُ.
أَبُو الْبَقَاءِ صَاحِبُ «الْإِعْرَابِ» وَ «اللُّبَابِ»
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الشَّيْخُ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ الضَّرِيرُ النَّحْوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، صَاحِبُ إِعْرَابِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَكِتَابِ «اللُّبَابِ» فِي النَّحْوِ، وَلَهُ حَوَاشٍ عَلَى «الْمَقَامَاتِ»، وَ «مُفَصَّلِ الزَّمَخْشَرِيِّ»، «وَدِيوَانِ الْمُتَنَبِّي»، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ فِي الْحِسَابِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ صَالِحًا دَيِّنًا، مَاتَ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، ﵀، وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ وَالْحِسَابِ وَالنَّحْوِ، فَقِيهًا مُنَاظِرًا عَارِفًا بِالْأَصْلَيْنِ وَالْفِقْهِ، وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ «الْمَقَامَاتِ» أَنَّ عَنْقَاءَ مُغْرِبًا كَانَتْ تَأْتِي إِلَى جَبَلٍ شَاهِقٍ عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّسِّ، فَرُبَّمَا اخْتَطَفَتْ بَعْضَ أَوْلَادِهِمْ، فَشَكَوْهَا إِلَى نَبِيِّهِمْ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوَانَ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَهَلَكَتْ. قَالَ: وَكَانَ وَجْهُهَا كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهَا شَبَهٌ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كِتَابِ «رَبِيعِ الْأَبْرَارِ»
стр. 10829
أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ مُوسَى لَهَا أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهَا شَبَهٌ كَثِيرٌ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهَا تَأَخَّرَتْ إِلَى زَمَنِ خَالِدِ بْنِ سِنَانَ الْعَبْسِيِّ الَّذِي كَانَ فِي الْفَتْرَةِ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَهَلَكَتْ. وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ الْمُعِزَّ الْفَاطِمِيَّ جِيءَ إِلَيْهِ بِطَائِرٍ غَرِيبِ الشَّكْلِ مِنَ الصَّعِيدِ، يُقَالُ لَهُ: عَنْقَاءُ مُغْرِبٌ.
قُلْتُ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ خَالِدِ بْنِ سِنَانَ وَحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوَانَ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ، وَكَانَ صَالِحًا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ، عَلِيُّ بْنُ الْحَافِظِ بَهَاءِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ فِي الْمِرْوَحَةِ:
وَمِرْوَحَةٌ تُرَوِّحُ كُلَّ هَمٍّ … ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَابُدَّ مِنْهَا
حَزِيرَانٌ وَتَمُّوزٌ وَآبٌ … وَفِي أَيْلُولَ يُغْنِى اللَّهُ عَنْهَا
ابْنُ الدَّوَامِيِّ الشَّاعِرُ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي جُمْلَةً صَالِحَةً مِنْ شِعْرِهِ.
стр. 10830
وَسَعِيدُ بْنُ الرَّزَّازِ، وَكَانَ أَحَدَ الْمُعَدِّلِينَ بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ الْبُخَارِيَّ مِنْ أَبِي الْوَقْتِ.
وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ الْأَصْلِ الْهَمَذَانَيُّ الْمَوْلِدِ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْشَأِ وَالْوَفَاةِ، كَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ، كَامِلَ الْأَوْصَافِ، لَهُ خَطٌّ حَسَنٌ، وَيَعْرِفُ فُنُونًا كَثِيرَةً مِنَ الْعُلُومِ، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَرَى قِسَمَ الْأَرْزَاقِ أَعْجَبَ قِسْمَةٍ … لِذِي دَعَةٍ مُثْرٍ وَمُكْدٍ بِهِ الْكَدُّ
وَأَحْمَقُ ذُو مَالٍ وَأَحْمَقُ مُعْدِمٌ … وَعَقْلٌ بِلَا حَظٍّ وَعَقْلٌ لَهُ جَدُّ
يَعُمُّ الْغِنَى وَالْفَقْرُ ذَا الْجَهْلِ وَالْحِجَا … وَلِلَّهِ مِنْ قَبْلُ الْأُمُورُ وَمِنْ بَعْدُ
أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ
ابْنُ الْمُفَرِّجِ بْنِ دِرْعِ بْنِ الْخَضِرِ الشَّافِعِيُّ، الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التِّكْرِيتِيُّ، قَاضِيهَا، ثُمَّ دَرَسَ بِنِظَامِيَّةِ بَغْدَادَ، وَكَانَ مُتْقِنًا لِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ; مِنْهَا التَّفْسِيرُ وَالْفِقْهُ وَالْأَدَبُ وَالنَّحْوُ وَاللُّغَةُ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ،
стр. 10831
وَجَمَعَ لِنَفْسِهِ تَارِيخًا حَسَنًا، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
لَابُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْ ضِيقٍ وَمِنْ سَعَةٍ … وَمِنْ سُرُورٍ يُوَافِيهِ وَمِنْ حَزَنِ
وَاللَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ شُكْرَ نِعْمَتِهِ … مَا دَامَ فِيهَا وَيَبْغِي الصَّبْرَ فِي الْمِحَنِ
فَكُنْ مَعَ اللَّهِ فِي الْحَالَيْنِ مُعْتَنِقًا … فَرْضَيْكَ هَذِينِ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنِ
فَمَا عَلَى شِدَّةٍ يَبْقَى الزَّمَانُ فَكُنْ … جَلْدًا وَلَا نِعْمَةٌ تَبْقَى عَلَى الزَّمَنِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَوْ كَانَ قَاضِي الْهَوَى عَلَيَّ وَلِي … مَا جَارَ فِي الْحُكْمِ مَنْ عَلَيَّ وَلِي
يَا يُوسُفِيَّ الْجَمَالِ عَبْدُكَ لَمْ … تَبْقَ لَهُ حِيلَةٌ مِنَ الْحِيَلِ
إِنْ كَانَ قُدَّ الْقَمِيصُ مِنْ دُبُرٍ … فَفِيكَ قُدَّ الْفُؤَادُ مِنْ قُبُلِ
صَاحِبُ «الْجَوَاهِرِ»
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ جَلَالُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَجْمِ بْنِ شَاسِ بْنِ نِزَارِ بْنِ عَشَائِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاسٍ الْجُذَامِيُّ السَّعْدِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، مُصَنِّفُ كِتَابِ «الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ فِي مَذْهَبِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ»، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَوَائِدَ فِي الْفُرُوعِ، رَتَّبَهُ عَلَى طَرِيقَةِ «الْوَجِيزِ» لِلْغَزَّالِيِّ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، وَالطَّائِفَةُ الْمَالِكِيَّةُ بِمِصْرَ عَاكِفَةٌ عَلَيْهِ لِحُسْنِهِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِمِصْرَ، وَتُوُفِّيَ بِدِمْيَاطَ.
стр. 10832
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمَّ الْبَلَاءُ، وَعَظُمَ الْعَزَاءُ بِجِنْكِزْخَانَ الْمُسَمَّى بِتَمُوجِينَ، لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ التَّتَارِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ، وَامْتَدَّ إِفْسَادُهُمْ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ إِلَى أَنْ وَصَلُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ وَمَا حَوْلَهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى إِرْبِلَ وَأَعْمَالِهَا، فَمَلَكُوا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ هَذِهِ السَّنَةُ - سَائِرَ الْمَمَالِكِ إِلَّا الْعِرَاقَ وَالْجَزِيرَةَ وَالشَّامَ وَمِصْرَ، وَقَهَرُوا جَمِيعَ الطَّوَائِفِ الَّتِي بِتِلْكَ النَّوَاحِي; الْخُوَارَزْمِيَّةِ وَالْقَفْجَاقِ وَالْكُرْجِ وَاللَّانِ وَالْخَزَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَتَلُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فِي بُلْدَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ كِبَارٍ وَصِغَارٍ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَدْخُلُوا بَلَدًا إِلَّا قَتَلُوا جَمِيعَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالرِّجَالِ، وَكَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَأَتْلَفُوا مَا فِيهِ بِالنَّهْبِ إِنِ احْتَاجُوا إِلَيْهِ، وَبِالْحَرِيقِ إِنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ الْحَرِيرَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَعْجِزُونَ عَنْ حَمْلِهِ فَيُطْلِقُونَ فِيهِ النَّارَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيُخَرِّبُونَ الْمَنَازِلَ، وَمَا عَجَزُوا عَنْ تَخْرِيبِهِ أَحْرَقُوهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُحْرِقُونَ الْمَسَاجِدَ وَالْجَوَامِعَ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْأُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقَاتِلُونَ بِهِمْ، وَيُحَاصِرُونَ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَنْصَحُوا فِي الْقِتَالِ قَتَلُوهُمْ.
стр. 10833
وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ خَبَرَهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَسْطًا حَسَنًا مُفَصَّلًا، وَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا هَائِلًا فِي تَعْظِيمِ هَذَا الْخَطْبِ الْعَجِيبِ. قَالَ: فَنَقُولُ هَذَا فَصْلٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ الْحَادِثَةِ الْعُظْمَى وَالْمُصِيبَةِ الْكُبْرَى الَّتِي عَقِمَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي عَنْ مِثْلِهَا، عَمَّتِ الْخَلَائِقَ، وَخَصَّتِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْعَالَمَ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَإِلَى الْآنَ، لَمْ يُبْتَلَوْا بِمِثْلِهَا، لَكَانَ صَادِقًا; فَإِنَّ التَّوَارِيخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ مَا يُقَارِبُهَا وَلَا مَا يُدَانِيهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَذْكُرُونَ مِنَ الْحَوَادِثِ مَا فَعَلَ بُخْتُنَصَّرُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْقَتْلِ وَتَخْرِيبِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَمَا الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خَرَّبَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاعِينُ مِنَ الْبِلَادِ، الَّتِي كَلُّ مَدِينَةٍ مِنْهَا أَضْعَافُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ؟ وَمَا بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قُتِلُوا؟ فَإِنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ قُتِلُوا أَكْثَرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَعَلَّ الْخَلَائِقَ لَا يَرَوْنَ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَالَمُ وَتَفْنَى الدُّنْيَا إِلَّا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَإِنَّهُ يُبْقِي عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَيُهْلِكُ مَنْ خَالَفَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، بَلْ قَتَلُوا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَشَقُّوا بُطُونَ الْحَوَامِلِ، وَقَتَلُوا الْأَجِنَّةَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ الَّتِي اسْتَطَارَ شَرَرُهَا وَعَمَّ ضَرَرُهَا، وَسَارَتْ فِي الْبِلَادِ كَالسَّحَابِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّ قَوْمًا خَرَجُوا مِنْ أَطْرَافِ الصِّينِ، فَقَصَدُوا بِلَادَ تُرْكِسْتَانَ مِثْلَ كَاشْغَرَ وَبَلَاسَاغُونَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى بِلَادِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ مِثْلِ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى وَغَيْرِهِمَا، فَيَمْلِكُونَهَا وَيَفْعَلُونَ بِأَهْلِهَا مَا نَذْكُرُهُ، ثُمَّ تَعْبُرُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ، فَيَفْرَغُونَ مِنْهَا مُلْكًا وَتَخْرِيبًا وَقَتْلًا وَنَهْبًا، ثُمَّ يُجَاوِزُونَهَا إِلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبِلَادِ إِلَى
стр. 10834
حَدِّ الْعِرَاقِ، ثُمَّ يَقْصِدُونَ بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، وَيُخَرِّبُونَهَا وَيَقْتُلُونَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ النَّادِرُ فِي أَقَلِّ مِنْ سَنَةٍ، هَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى دَرْبَنْدَ شَرْوَانَ، فَمَلَكُوا مُدُنَهُ، وَلَمْ يَسْلَمْ غَيْرُ قَلْعَتِهِ الَّتِي بِهَا مَلِكُهُمْ، وَعَبَرُوا عِنْدَهَا إِلَى بَلَدِ اللَّانِ وَاللَّكْزِ، وَمَنْ فِي ذَلِكَ الصَّقْعِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَأَوْسَعُوهُمْ قَتْلًا وَنَهْبًا وَتَخْرِيبًا، ثُمَّ قَصَدُوا بِلَادَ قَفْجَاقَ، وَهُمْ مِنْ أَكْثَرِ التُّرْكِ عَدَدًا، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ وَقَفَ لَهُمْ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الْغِيَاضِ، وَمَلَكُوا عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ. وَسَارَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى غَزْنَةَ وَأَعْمَالِهَا وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَسِجِسْتَانَ وَكَرْمَانَ، فَفَعَلُوا فِيهَا مِثْلَ أَفْعَالِ هَؤُلَاءِ وَأَشَدَّ.
هَذَا مَا لَمْ يُطْرِقِ الْأَسْمَاعَ مِثْلُهُ، فَإِنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُؤَرِّخُونَ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا، لَمْ يَمْلِكْهَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، إِنَّمَا مَلَكَهَا فِي نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ، وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، بَلْ رَضِيَ مِنَ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ مَلَكُوا أَكْثَرَ الْمَعْمُورِ مِنَ الْأَرْضِ وَأَطْيَبَهُ وَأَحْسَنَهُ عِمَارَةً وَأَكْثَرَهُ أَهْلًا، وَأَعْدَلَهُمْ أَخْلَاقًا وَسِيرَةً فِي نَحْوِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ يَطْرُقُوهَا بَقَاءٌ إِلَّا وَهُوَ خَائِفٌ مُتَرَقِّبٌ وُصُولَهُمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ، وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا، وَيَأْكُلُونَ مَا وَجَدُوهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَيْتَاتِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَإِنَّمَا اسْتَقَامَ لَهُمْ هَذَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ خُوَارَزْمَ شَاهْ مُحَمَّدًا كَانَ قَدْ قَتَلَ الْمُلُوكَ مِنْ سَائِرِ الْمَمَالِكِ، وَاسْتَقَلَّ بِالْأُمُورِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ مِنْهُمْ
стр. 10835
فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَسَاقُوا وَرَاءَهُ فَهَرَبَ، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَهَلَكَ فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، خَلَتِ الْبِلَادُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَنْ يَحْمِيهَا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ مَا ذَكَرَهُ مُجْمَلًا، فَذَكَرَ أَوَّلًا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ بَعْثِ جِنْكِزْخَانَ أُولَئِكَ التُّجَّارَ بِمَالٍ لَهُ يَأْتُونَهُ بِثَمَنِهِ كُسْوَةً وَلِبَاسًا، وَأَخَذَ خُوَارَزْمُ شَاهْ تِلْكَ الْأَمْوَالَ، فَحَنِقَ عَلَيْهِ جِنْكِزْخَانُ، وَأَرْسَلَ يَتَهَدَّدُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ خُوَارَزْمُ شَاهْ بِنَفْسِهِ وَجُنُودِهِ، فَوَجَدَ التَّتَارَ مَشْغُولِينَ بِقِتَالِ كَشْلِي خَانَ، فَنَهَبَ أَثْقَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَطْفَالَهُمْ، فَرَجَعُوا وَقَدِ انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ وَازْدَادُوا حَنَقًا وَغَيْظًا، فَتَوَاقَعُوا هُمْ وَإِيَّاهُ مَعَ ابْنِ جِنْكِزْخَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَرَجَعَ خُوَارَزْمُ شَاهْ إِلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِ فَحَصَّنَهَا، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَقَرِّ مُلْكِهِ وَهِيَ مَدِينَةُ خُوَارَزْمَ، فَأَقْبَلَ جِنْكِزْخَانُ، فَحَصَرَ بُخَارَى كَمَا ذَكَرْنَا، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، وَغَدَرَ بِأَهْلِهَا حَتَّى افْتَتَحَ قَلْعَتَهَا قَهْرًا، وَقَتَلَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَخَرَّبَ الدُّورَ وَالْمَحَالَّ، وَقَدْ كَانَ بِهَا عِشْرُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا.
ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَحَاصَرَهَا فِي أَوَّلِ مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَبِهَا خَمْسُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنَ الْجُنْدِ فَنَكَلُوا، وَبَرَزَ إِلَيْهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْعَامَّةِ، فَقُتِلَ الْجَمِيعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ الْخَمْسُونَ أَلْفًا السَّلَمَ، فَسَلَبَهُمْ سِلَاحَهُمْ، وَمَا يَمْتَنِعُونَ بِهِ، وَقَتَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَاسْتَبَاحَ الْبَلَدَ، فَقَتَلَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَحَرَقَهُ وَتَرَكَهُ بِلَاقِعَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَأَقَامَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - هُنَالِكَ وَأَرْسَلَ السَّرَايَا إِلَى الْبُلْدَانِ، فَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى بِلَادِ خُرَاسَانَ، وَتُسَمِّيهَا التَّتَارُ الْمُغَرِّبَةَ، وَأَرْسَلَ أُخْرَى وَرَاءَ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَكَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا، قَالَ: اطْلُبُوهُ فَأَدْرِكُوهُ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالسَّمَاءِ.
стр. 10836
فَسَاقُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَدْرَكُوهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ نَهْرُ جَيْحُونَ، وَهُوَ آمِنٌ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَجِدُوا سُفُنًا، فَعَمِلُوا لَهُمْ أَحْوَاضًا يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا الْأَسْلِحَةَ، وَيُرْسِلُ أَحَدُهُمْ فَرَسَهُ، وَيَأْخُذُ بِذَنَبِهَا، فَتَجُرُّهُ الْفَرَسُ بِالْمَاءِ، وَهُوَ يَجُرُّ الْحَوْضَ الَّذِي فِيهِ سِلَاحُهُ، حَتَّى صَارُوا كُلُّهُمْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ خُوَارَزْمُ شَاهْ إِلَّا وَقَدْ خَالَطُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى نَيْسَابُورَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَهُمْ فِي أَثَرِهِ لَا يُمْهِلُونَهُ حَتَّى يَجْمَعَ لَهُمْ، فَصَارَ كُلَّمَا أَتَى بَلَدًا لِيَجْتَمِعَ فِيهِ عَسَاكِرُهُ يُدْرِكُونَهُ، فَيَهْرُبُ مِنْهُمْ، حَتَّى رَكِبَ فِي بَحْرِ طَبَرِسْتَانَ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةٍ فِي جَزِيرَةٍ فِيهِ، فَكَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ بَعْدَ رُكُوبِهِ فِي الْبَحْرِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، بَلْ ذَهَبَ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا كَيْفَ سَلَكَ، وَلَا إِلَى أَيِّ مَفَرٍّ هَرَبَ. وَمَلَكَتِ التَّتَارُ حَوَاصِلَهُ، فَوَجَدُوا فِي خِزَانَتِهِ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَلْفَ حِمْلٍ مِنَ الْأَطْلَسِ، وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ وَبَغْلٍ، وَمِنَ الْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي وَالْخِيَامِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ مَمْلُوكٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِثْلُ مَلِكٍ، فَتَمَزَّقَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، وَقَدْ كَانَ خُوَارَزْمُ شَاهْ فَقِيهًا حَنَفِيًّا فَاضِلًا، لَهُ مُشَارَكَاتٌ فِي فُنُونٍ مِنَ الْعِلْمِ، يَفْهَمُ جَيِّدًا، وَمَلَكَ بِلَادًا مُتَّسِعَةً وَمَمَالِكَ مُتَعَدِّدَةً إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ مُلُوكِ بَنِي سَلْجُوقَ أَكْبَرُ حُرْمَةً وَلَا أَعْظَمُ مُلْكًا مِنْهُ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي الْمُلْكِ لَا فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَلِذَلِكَ قَهَرَ الْمُلُوكَ بِتِلْكَ الْأَرَاضِي، وَأَحَلَّ بِالْخِطَا بَأْسًا شَدِيدًا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَكَذَلِكَ عِرَاقُ الْعَجَمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَمَالِكِ سُلْطَانٌ سِوَاهُ، وَجَمِيعُ الْبِلَادِ تَحْتَ يَدِ نُوَّابِهِ. ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَازَنْدَرَانَ، وَقِلَاعُهَا مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ، بِحَيْثُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ
стр. 10837
يَفْتَتِحُوهَا إِلَّا فِي سَنَةِ تِسْعِينَ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَفَتَحَهَا هَؤُلَاءِ فِي أَيْسَرِ مُدَّةٍ، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا، وَقَتَلُوا أَهَالِيَهَا، وَسَبَوْا وَأَحْرَقُوا، ثُمَّ تَرَحَّلُوا عَنْهَا نَحْوَ الرَّيِّ، فَوَجَدُوا فِي الطَّرِيقِ أُمَّ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَمَعَهَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، فَأَخَذُوهَا وَفِيهَا كُلُّ غَرِيبٍ وَنَفِيسٍ مِمَّا لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَصَدُوا الرَّيَّ فَدَخَلُوهَا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَنَهَبُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ وَأَسَرُوهُمْ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكُوهَا، ثُمَّ إِلَى زَنْجَانَ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، ثُمَّ قَصَدُوا قَزْوِينَ فَنَهَبُوهَا، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ تَيَمَّمُوا بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ، فَصَالَحَهُمْ مَلِكُهَا أُوزْبَكُ بْنُ الْبَهْلَوَانِ عَلَى مَالٍ حَمَلَهُ إِلَيْهِمْ; لِشُغْلِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ السُّكْرِ وَارْتِكَابِ السَّيِّئَاتِ وَالِانْهِمَاكِ عَلَى الشَّهَوَاتِ، فَتَرَكُوهُ وَسَارُوا إِلَى مُوقَانَ، فَقَاتَلَهُمُ الْكُرْجُ فِي عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَلَمْ يَقِفُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى انْهَزَمَتِ الْكُرْجُ، وَقَتَلَتِ التَّتَارُ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَصَدُوا تَفْلِيسَ، وَهِيَ أَكْبَرُ مُدُنِ الْكُرْجِ، وَاجْتَمَعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْكُرْجُ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، فَكَسَرَتْهُمُ التَّتَارُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَقْبَحَ كَسْرَةٍ وَأَشْنَعَهَا.
وَهَاهُنَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَلَقَدْ جَرَى لِهَؤُلَاءِ التَّتَرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ; طَائِفَةٌ تَخْرُجُ مِنْ حُدُودِ الصِّينِ لَا تَنْقَضِي عَلَيْهِمْ سَنَةٌ حَتَّى يَصِلَ بَعْضُهُمْ إِلَى حُدُودِ بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَيُجَاوِزُونَ الْعِرَاقَ مِنْ نَاحِيَةِ هَمَذَانَ، وَتَاللَّهِ لَا أَشُكُّ أَنَّ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا إِذَا بَعُدَ الْعَهْدُ، وَيَرَى هَذِهِ الْحَادِثَةَ مَسْطُورَةً يُنْكِرُهَا وَيَسْتَبْعِدُهَا، وَالْحَقُّ بِيَدِهِ، فَمَتَى اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ أَنَّنَا سَطَرْنَا نَحْنُ وَكُلُّ مَنْ جَمَعَ التَّارِيخَ فِي أَزَمَانِنَا هَذِهِ
стр. 10838
فِي وَقْتٍ كُلُّ مَنْ فِيهِ يَعْلَمُ هَذِهِ الْحَادِثَةَ، قَدِ اسْتَوَى فِي مَعْرِفَتِهَا الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ لِشُهْرَتِهَا، يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ مَنْ يَحْفَظُهُمْ وَيَحُوطُهُمْ، فَلَقَدْ دُفِعُوا مِنَ الْعَدْوِ إِلَى عَظِيمٍ، وَمِنَ الْمُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَنْ لَا تَتَعَدَّى هِمَّتُهُ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ، وَقَدْ عُدِمَ سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ خُوَارَزْمُ شَاهْ.
قَالَ: وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُمْ فِي بِلَادِ الْكُرْجِ، فَلَمَّا رَأَوْا مِنْهُمْ مُمَانَعَةً وَمُقَاتَلَةً يَطُولُ عَلَيْهِمْ بِهَا الْمَطَالُ عَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَادَتُهُمْ، فَسَارُوا إِلَى تِبْرِيزَ فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا بِمَالٍ. ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَرَاغَةَ، فَحَصَرُوهَا وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَتَتَرَّسُوا بِالْأُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى الْبَلَدِ امْرَأَةٌ، وَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً فَفَتَحُوا الْبَلَدَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهِ خَلْقًا لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَغَنِمُوا مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَسَبَوْا وَأَسَرُوا عَلَى عَادَتِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ لَعْنَةً تُدْخِلُهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَخَافُونَ مِنْهُمْ خَوْفًا عَظِيمًا جِدًّا حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى دَرْبٍ مِنْ هَذِهِ الْبَلَدِ وَبِهِ مِائَةُ رَجُلٍ لَمْ يَسْتَطِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، وَمَا زَالَ يَقْتُلُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى قُتِلَ الْجَمِيعُ، وَلَمْ يَرْفَعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَنَهَبَ ذَلِكَ الدَّرْبَ وَحْدَهُ. وَدَخَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ فِي زِيِّ رَجُلٍ بَيْتًا، فَقَتَلَتْ كُلَّ مَنْ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ وَحْدَهَا، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أَسِيرٌ مَعَهَا أَنَّهَا امْرَأَةٌ، فَقَتَلَهَا، لَعَنَهَا اللَّهُ.
ثُمَّ قَصَدُوا مَدِينَةَ إِرْبِلَ، فَضَاقَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ ذَرْعًا، وَقَالَ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي: هَذَا أَمْرٌ عَصِيبٌ. وَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى أَهْلِ الْمَوْصِلِ وَالْمَلِكِ الْأَشْرَفِ صَاحِبِ الْجَزِيرَةِ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ جَهَّزْتُ عَسْكَرًا، فَكُونُوا مَعَهُ لِقِتَالِ هَؤُلَاءِ التَّتَرِ.
стр. 10839
فَأَرْسَلَ الْأَشْرَفُ يَعْتَذِرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ أَخِيهِ الْكَامِلِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِسَبَبِ مَا قَدْ دَهَمَ الْمُسْلِمِينَ هُنَاكَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأَخْذِهِمْ دِمْيَاطَ الَّتِي قَدْ أَشْرَفُوا بِأَخْذِهِمْ لَهَا عَلَى أَخْذِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَاطِبَةً، وَكَانَ أَخُوهُ الْمُعَظَّمُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ إِلَى حَرَّانَ يَسْتَنْجِدُهُ لِأَخِيهِمَا الْكَامِلِ لِيَتَحَاجَزُوا الْفِرِنْجَ بِدِمْيَاطَ، وَهُوَ عَلَى أُهْبَةِ الْمَسِيرِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ لِيَكُونَ هُوَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسَاكِرِ الَّتِي يَبْعَثُهَا الْخَلِيفَةُ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَلَمْ يَقْدِمْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ غَيْرُ ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ بِأَنْ صَرَفَ هِمَّةَ التَّتَارِ إِلَى نَاحِيَةِ هَمَذَانَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا، وَتَرَكَ التَّتَرُ عِنْدَهُمْ شِحْنَةً، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى شِحْنَتِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ، فَحَاصَرُوهُمْ حَتَّى فَتَحُوهَا قَسْرًا، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا عَنْ آخِرِهِمْ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَفَتَحُوا أَرْدَبِيلَ ثُمَّ تِبْرِيزَ ثُمَّ إِلَى بَيْلَقَانَ، فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَجَمًّا غَفِيرًا، وَحَرَّقُوهَا، وَكَانُوا يَفْجُرُونَ بِالنِّسَاءِ، ثُمَّ يَقْتُلُونَهُنَّ وَيَشُقُّونَ بُطُونَهُنَّ عَنِ الْأَجِنَّةِ.
ثُمَّ عَادُوا إِلَى بِلَادِ الْكُرْجِ، وَقَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُمُ الْكُرْجُ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ، فَكَسَرُوهُمْ أَيْضًا كَسْرَةً فَظِيعَةً، ثُمَّ فَتَحُوا بُلْدَانًا كَثِيرَةً يَقْتُلُونَ أَهْلَهَا، وَيَسْبُونَ نِسَاءَهَا، وَيَأْسِرُونَ مِنَ الرِّجَالِ مَا يُقَاتِلُونَ بِهِمُ الْحُصُونَ، يَجْعَلُونَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تُرْسًا يَتَّقُونَ بِهِمُ الرَّمْيَ وَغَيْرَهُ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى بِلَادِ اللَّانِ وَالْقَفْجَاقِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا، فَكَسَرُوهُمْ وَقَصَدُوا
стр. 10840
أَكْبَرَ مَدَائِنِ الْقَفْجَاقِ، وَهِيَ مَدِينَةُ سُودَاقَ، وَفِيهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالثِّيَابِ وَالتَّجَائِرِ مِنَ الْبُرْطَاسِيِّ وَالْقُنْدُزِ وَالسِّنْجَابِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَلَجَأَتِ الْقَفْجَاقُ إِلَى بِلَادِ الرُّوسِ، وَكَانُوا نَصَارَى، فَاتَّفَقُوا مَعَهُمْ عَلَى قِتَالِ التَّتَارِ، فَالْتَقَوْا مَعَهُمْ، فَكَسَرَتْهُمُ التَّتَارُ كَسْرَةً فَظِيعَةً مُنْكَرَةً جِدًّا، ثُمَّ سَارُوا نَحْوَ بُلْغَارَ فِي حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَفَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى نَحْوِ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ.
هَذَا مَا فَعَلَتْهُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ الْمُغَرِّبَةُ. وَكَانَ جِنْكِزْخَانُ قَدْ أَرْسَلَ سَرَيَّةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى تِرْمِذَ فَأَخَذَتْهَا، وَأُخْرَى إِلَى فَرْغَانَةَ فَمَلَكُوهَا، وَجَهَّزَ جَيْشًا آخَرَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، فَحَاصَرُوا بَلْخَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا، وَكَذَلِكَ صَالَحُوا مُدُنًا كَثِيرَةً أُخْرَى حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الطَّالَقَانِ، فَأَعْجَزَتْهُمْ قَلْعَتُهَا، وَكَانَتْ حَصِينَةً، فَحَاصَرُوهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى عَجَزُوا، فَكَتَبُوا إِلَى جِنْكِزْخَانَ، فَقَدِمَ بِنَفْسِهِ، فَحَاصَرَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أُخْرَى حَتَّى فَتَحَهَا قَهْرًا، ثُمَّ قَتَلَ كُلَّ مَنْ فِيهَا وَكُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ بِكَمَالِهِ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
ثُمَّ قَصَدُوا مَدِينَةَ مَرْوَ مَعَ جِنْكِزْخَانَ، وَقَدْ عَسْكَرَ بِظَاهِرِهَا نَحْوٌ مَنْ مِائَتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُ قِتَالًا عَظِيمًا حَتَّى انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ حَصَرُوا الْبَلَدَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَاسْتَنْزَلُوا نَائِبَهَا خَدِيعَةً، ثُمَّ غَدَرُوا بِهِ وَبِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَقَتَلُوهُمْ وَغَنِمُوهُمْ
стр. 10841
وَسَبَوْهُمْ، وَعَاقَبُوهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَتَلُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى نَيْسَابُورَ، فَفَعَلُوا فِيهَا قَرِيبًا مِمَّا فَعَلُوا بِأَهْلِ مَرْوَ، ثُمَّ إِلَى طُوسَ، فَقَتَلُوا وَخَرَّبُوا مَشْهَدَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى وَالرَّشِيدِ، وَتَرَكُوهُ خَرَابًا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى هَرَاةَ، فَقَتَلُوا خَلْقًا وَاسْتَنَابُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى غَزْنَةَ، فَقَاتَلَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمِ شَاهْ فَكَسَرَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى هَرَاةَ، فَإِذَا أَهْلُهَا قَدْ نَقَضُوا، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ - لَعَنَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ -، وَأَرْسَلَ جِنْكِزْخَانُ طَائِفَةً أُخْرَى إِلَى مَدِينَةِ خُوَارَزْمَ، فَحَاصَرُوهَا حَتَّى فَتَحُوا الْبَلَدَ قَهْرًا، فَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَنَهَبُوهَا وَسَبَوْا أَهْلَهَا، وَأَرْسَلُوا الْجِسْرَ الَّذِي يَمْنَعُ مَاءَ جَيْحُونَ عَنْهَا، فَغَرِقَتْ دُورُهَا، وَهَلَكَ جَمِيعُ أَهْلِهَا.
ثُمَّ عَادُوا إِلَى مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، وَهُوَ مُخَيِّمٌ عَلَى الطَّالَقَانِ فَجَهَّزَ مِنْهُمْ طَائِفَةً إِلَى غَزْنَةَ، فَاقْتَتَلَ مَعَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمِ شَاهْ، فَكَسَرَهُمْ جَلَالُ الدِّينِ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَاسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ خَلْقًا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى جِنْكِزْخَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَبْرُزَ بِنَفْسِهِ لِقِتَالِهِ، فَقَصَدَهُ جِنْكِزْخَانُ فَتَوَاجَهَا، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ بَعْضُ جَيْشِهِ، وَلَمْ يَبْقَ بُدٌّ مِنَ الْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهَا مِنْ قِتَالِهِمْ، ثُمَّ ضَعُفَ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، فَذَهَبُوا فَرَكِبُوا فِي بَحْرِ الْهِنْدِ، فَسَارَتِ التَّتَارُ إِلَى غَزْنَةَ، فَأَخَذُوهَا بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مُمَانَعَةٍ، كُلُّ هَذَا أَوْ أَكْثَرُهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا تَرَكَ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ لِأَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ
стр. 10842
غَازِيٍّ مُلْكَ خِلَاطَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَبِلَادَ أَرْمِينِيَّةَ وَحَانِي، وَاعْتَاضَ بِالرُّهَا وَسَرُوجَ، وَذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ عَنْ حِفْظِ تِلْكَ النَّوَاحِي بِمُسَاعَدَةِ أَخِيهِ الْكَامِلِ وَنُصْرَتِهِ عَلَى الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا هَبَّتْ رِيَاحٌ بِبَغْدَادَ، وَجَاءَتْ بُرُوقٌ، وَسُمِعَتْ رُعُودٌ شَدِيدَةٌ، وَسَقَطَتْ صَاعِقَةٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عَلَى الْمَنَارَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِغَرْوِ مَعِينَ فَثَلَمَتْهَا، ثُمَّ أُصْلِحَتْ، وَغَارَتِ الصَّاعِقَةُ فِي الْأَرْضِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نُصِبَ مِحْرَابُ الْحَنَابِلَةِ بِالرِّوَاقِ الثَّالِثِ الْغَرْبِيِّ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ بَعْدَ مُمَانَعَةٍ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ لَهُمْ، وَلَكِنْ سَاعَدَهُمْ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فِي نَصْبِهِ لَهُمْ، وَهُوَ الْأَمِيرُ رُكْنُ الدِّينِ الْمُعَظَّمِيُّ، وَصَلَّى فِيهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ.
قُلْتُ: ثُمَّ رُفِعَ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَعُوِّضُوا عَنْهُ بِالْمِحْرَابِ الْغَرْبِيِّ عِنْدَ بَابِ الزِّيَارَةِ، كَمَا عُوِّضَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ مِحْرَابِهِمُ الَّذِي كَانَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْجَامِعِ بِالْمِحْرَابِ الْمُجَدَّدِ لَهُمْ شَرْقِيَّ بَابِ الزِّيَارَةِ، حِينَ جُدِّدَ الْحَائِطُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فِي الْأَيَّامِ التُّنْكُزِيَّةِ، عَلَى يَدَيْ نَاظِرِ الْجَامِعِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ مَرَاجِلَ، أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا قَتَلَ صَاحِبُ سِنْجَارَ أَخَاهُ، فَمَلَكَهَا مُسْتَقِلًّا بِهَا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ بْنُ الْعَادِلِ.
وَفِيهَا نَافَقَ الْأَمِيرُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ الْمَشْطُوبِ عَلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، وَكَانَ قَدْ
стр. 10843
آوَاهُ، وَحَفِظَهُ مِنْ أَذَى أَخِيهِ الْكَامِلِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لِلْفَائِزِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا فِي بِلَادِ الْجَزِيرَةِ فَسَجَنَهُ الْأَشْرَفُ حَتَّى مَاتَ كَمَدًا وَذُلًّا وَعُرْيًا.
وَفِيهَا أَوْقَعَ الْكَامِلُ بالْفِرِنْجِ الَّذِينَ عَلَى دِمْيَاطَ بَأْسًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَأَخَذَ خُيُولَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمُعَظَّمُ الْمُعْتَمِدَ مُبَارِزَ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وِلَايَةِ دِمَشْقَ وَوَلَّاهَا لِلْعَزِيزِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا خَرَجَ الْحَاجُّ إِلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ أَمِيرَهُمُ الْمُعْتَمِدَ، فَحَصَلَ بِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَفَّ عَبِيدَ مَكَّةَ عَنْ نَهْبِ الْحُجَّاجِ بَعْدَ قَتْلِهِمْ أَمِيرَ حَاجِّ الْعِرَاقِيِّينَ آقْبَاشَ النَّاصِرِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَرَاءِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، وَأَخَصِّهِمْ عِنْدَهُ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِمَ مَعَهُ بِخِلَعٍ لِلْأَمِيرِ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي عَزِيزٍ قَتَادَةَ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ مُطَاعِنِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَلَوِيِّ الْحَسَنِيِّ الزَّيْدِيِّ بِوِلَايَتِهِ لِإِمْرَةِ مَكَّةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَنَازَعَ فِي ذَلِكَ رَاجِحٌ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِ قَتَادَةَ، وَقَالَ: لَا يَتَأَمَّرُ عَلَيْهَا غَيْرِي. فَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَفْضَى الْحَالُ إِلَى قَتْلِ آقْبَاشَ غَلَطًا. وَقَدْ كَانَ قَتَادَةُ مِنْ أَكَابِرِ الْأَشْرَافِ الْحَسَنِيِّينَ الزَّيْدِيِّينَ، وَكَانَ عَادِلًا مُنْصِفًا مُنَعَّمًا، نِقْمَةً عَلَى عَبِيدِ مَكَّةَ وَالْمُفْسِدِينَ بِهَا، ثُمَّ عَكَسَ هَذَا السَّيْرَ، فَظَلَمَ وَجَدَّدَ الْمُكُوسَ، وَنَهَبَ الْحَاجَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَدَهُ حَسَنًا، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ عَمَّهُ وَأَخَاهُ أَيْضًا، فَلِهَذَا لَمْ يُمْهِلِ اللَّهُ حَسَنًا هَذَا، بَلْ سَلَبَهُ الْمُلْكَ، وَشَرَّدَهُ فِي الْبِلَادِ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَكَانَ قَتَادَةُ شَيْخًا
стр. 10844
طَوِيلًا مَهِيبًا لَا يَخَافُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ، وَيَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَوَدُّ لَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ لِيُكْرِمَهُ، وَكَانَ يَأْبَى مِنْ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَلَمْ يَفِدْ إِلَى أَحَدٍ قَطُّ، وَلَا ذَلَّ لْخَلِيفَةٍ وَلَا مَلِكٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مَرَّةً يَسْتَدْعِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
وَلِي كَفُّ ضِرْغَامٍ أُذِلُّ بِبَطْشِهَا … وَأَشْرِي بِهَا بَيْنَ الْوَرَى وَأَبِيعُ
تَظَلُّ مُلُوكُ الْأَرْضِ تَلْثُمُ ظَهْرَهَا … وَفِي وَسْطِهَا لِلْمُجْدِبِينَ رَبِيعُ
أَأَجْعَلُهَا تَحْتَ الرَّحَى ثُمَّ أَبْتَغِى … خَلَاصًا لَهَا إِنِّي إِذًا لَرَقِيعُ
وَمَا أَنَا إِلَّا الْمِسْكُ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ … يَضُوعُ وَأَمَّا عِنْدَكُمْ فَيَضِيعُ
وَقَدْ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْمَلِكُ الْفَائِزُ
غِيَاثُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَادِلِ، كَانَ قَدِ انْتَظَمَ لَهُ الْأَمْرُ فِي الْمُلْكِ بَعْدَ أَبِيهِ، عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى يَدَيِ الْأَمِيرِ عِمَادِ الدِّينِ بْنِ الْمَشْطُوبِ، لَوْلَا أَنَّ الْكَامِلَ تَدَارَكَ ذَلِكَ سَرِيعًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ أَخُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى أَخِيهِمَا الْأَشْرَفِ مُوسَى يَسْتَحِثُّهُ فِي سُرْعَةِ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْفِرِنْجِ، فَمَاتَ بَيْنَ سِنْجَارَ
стр. 10845
وَالْمَوْصِلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ سُمَّ، فَرُدَّ إِلَى سِنْجَارَ، فَدُفِنَ بِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
شَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينِ
أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ عِمَادِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ حَمُّوَيْهِ الْجُوَيْنِيُّ، مِنْ بَيْتِ رِيَاسَةٍ وَإِمْرَةٍ عِنْدَ بَنِي أَيُّوبَ، وَقَدْ كَانَ صَدْرُ الدِّينِ هَذَا فَقِيهًا فَاضِلًا، دَرَسَ بِالشَّافِعِيِّ وَبِمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ سَعِيدِ السُّعَدَاءِ وَالنَّظَرَ فِيهَا، وَكَانَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَافِرَةٌ عِنْدَ الْمُلُوكِ، أَرْسَلَهُ الْكَامِلُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَمَاتَ بِالْمَوْصِلِ بِالْإِسْهَالِ، وَدُفِنَ بِهَا عِنْدَ قَضِيبِ الْبَانِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
صَاحِبُ حَمَاةَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ، وَكَانَ فَاضِلًا لَهُ تَارِيخٌ فِي عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ سَمَّاهُ الْمِضْمَارَ، وَكَانَ شُجَاعًا فَارِسًا، فَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَالِدُهُ النَّاصِرُ قِلِيجُ أَرْسَلَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا الْكَامِلُ، وَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَلَّى أَخَاهُ الْمُظَفَّرَ بْنَ الْمَنْصُورِ.
صَاحِبُ آمِدَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ نَاصِرُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَرَا أَرْسَلَانَ بْنِ أُرْتُقَ، وَكَانَ شُجَاعًا مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لِلْأَشْرَفِ
стр. 10846
مُوسَى بْنِ الْعَادِلِ يَجِيءُ إِلَى خِدْمَتِهِ مِرَارًا، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمَلِكُ الْمَسْعُودُ، وَكَانَ بَخِيلًا فَاسِقًا، فَأَخَذَ الْكَامِلُ آمِدَ، وَحَبَسَهُ بِمِصْرَ ثُمَّ أَطْلَقَهُ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَسَارَ إِلَى التَّتَارِ فَأُخِذَتْ مِنْهُ.
الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْيُونِينِيُّ
الْمُلَقَّبُ أَسَدَ الشَّامِ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ، مِنْ قَرْيَةٍ بِبَعْلَبَكَّ، يُقَالُ لَهَا: يُونِينُ. وَكَانَتْ لَهُ زَاوِيَةٌ يُقْصَدُ فِيهَا لِلزِّيَارَةِ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ لَا يَقْتَنِي شَيْئًا، وَلَا يَمْلِكُ مَالًا وَلَا ثِيَابًا، بَلْ يَلْبَسُ عَارِيَةً، وَلَا يَتَجَاوَزُ قَمِيصًا فِي الصَّيْفِ، وَفَرْوَةً فَوْقَهُ فِي الشِّتَاءِ، وَعَلَى رَأْسِهِ قُبَّعًا مِنْ جُلُودِ الْمَعْزِ، شَعْرُهُ إِلَى ظَاهِرٍ، وَكَانَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ غَزَاةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ، وَيَرْمِي عَنْ قَوْسٍ زِنَتُهُ ثَمَانُونَ رَطْلًا، وَكَانَ يُجَاوِرُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِجَبَلِ لُبْنَانَ، وَيَأْتِي فِي الشِّتَاءِ إِلَى عُيُونِ الْفَاسِرْيَا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ الْمُطِلِّ عَلَى قَرْيَةِ دُومَةَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، لِأَجْلِ سُخُونَةِ الْمَاءِ، فَيَقْصِدُهُ النَّاسُ لِلزِّيَارَةِ هُنَاكَ، وَيَجِيءُ تَارَةً إِلَى دِمَشْقَ، فَيَنْزِلُ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ عِنْدَ الْمَقَادِسَةِ، وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ
стр. 10847
وَمُكَاشَفَاتٌ صَالِحَةٌ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَسَدُ الشَّامِ.
حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ يَعْقُوبَ الْحَاكِمِ بِكَرَكِ الْبِقَاعِ، أَنَّهُ شَاهَدَ مَرَّةً الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ ثَوْرَا عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَبْيَضِ، إِذْ مَرَّ نَصْرَانِيٌّ وَمَعَهُ حِمْلُ بَغْلٍ خَمْرًا، فَعَثَرَتِ الدَّابَّةُ عِنْدَ الْجِسْرِ، فَسَقَطَ الْحِمْلُ فَرَأَى الشَّيْخَ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ، وَلَا يَعِرِفُهُ، وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى رَفْعِ الْحِمْلِ، فَاسْتَدْعَانِي الشَّيْخُ فَقَالَ: تَعَالَ يَا فَقِيهُ فَتُسَاعِدَنَا عَلَى تَحْمِيلِ ذَلِكَ الْحِمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَذَهَبَ النَّصْرَانِيُّ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْ ذَلِكَ وَتَبِعْتُ الْحِمْلَ، وَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْتَهَى بِهِ إِلَى الْعُقَيْبَةِ، فَأَوْرَدَهُ إِلَى الْخَمَّارِ بِهَا، فَإِذَا هُوَ خَلٌّ، فَقَالَ لَهُ الْخَمَّارُ: وَيْحَكَ هَذَا خَلٌّ. فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُ، ثُمَّ رَبَطَ الدَّابَّةَ فِي الْخَانِ، وَرَجَعَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ، فَسَأَلَ عَنِ الشَّيْخِ، فَعَرَفَهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ.
وَلَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَانَ لَا يَقُومُ لِأَحَدٍ دَخَلَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَانَ الْأَمْجَدُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُجَيْدُ، فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا. وَيَأْمُرُهُ بِمَا يَأْمُرُهُ، وَيَنْهَاهُ عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَمْتَثِلُ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ لَهُ; وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِصِدْقِهِ فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَطَرِيقِهِ. وَكَانَ يَقْبَلُ الْفَتُوحَ وَلَا يَدَّخِرُ مِنْهُ شَيْئًا لِغَدٍ، وَإِذَا اشْتَدَّ جُوعُهُ أَخَذَ مِنْ وَرَقِ
стр. 10848
اللَّوْزِ، فَفَرَكَهُ وَاسْتَفَّهُ، وَيَشْرَبُ فَوْقَهُ الْمَاءَ الْبَارِدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فِي الْهَوَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا لِطَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الزُّهَّادِ وَصَالِحِي الْعِبَادَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُذْكَرُ عَنْهُ هَذَا حَبِيبٌ الْعَجَمِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ -.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ صَلَّى الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْيُونِينِيُّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِجَامِعِ بَعْلَبَكَّ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ الْحَمَّامَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهُوَ سَوِيٌّ صَحِيحٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ لِلشَّيْخِ دَاوُدَ الْمُؤَذِّنِ وَكَانَ يُغَسِّلُ الْمَوْتَى: انْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ غَدًا. ثُمَّ صَعِدَ الشَّيْخُ إِلَى زَاوِيَتِهِ، فَبَاتَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَيَتَذَكَّرُ أَصْحَابَهُ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْءٍ، وَيَدْعُو لَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ وَقْتُ الصُّبْحِ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ اسْتَنَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَمَاتَ وَهُوَ كَذَلِكَ جَالَسٌ لَمْ يَسْقُطْ، وَلَمْ تَسْقُطِ السُّبْحَةُ مِنْ يَدِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ الْأَمْجَدِ صَاحِبِ بَعْلَبَكَّ، جَاءَ إِلَيْهِ، فَعَايَنَهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ بَنَيْنَا عَلَيْهِ بُنْيَانًا هَكَذَا; لِيُشَاهِدَ النَّاسُ مِنْهُ آيَةً. فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ. فَنُحِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ تَحْتَ اللَّوْزَةِ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ تَحْتَهَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، ﵀ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَدْ جَاوَزَ ثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْفَقِيهُ الْيُونِينِيُّ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِيذِهِ، وَمِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ، وَهُوَ
стр. 10849
جَدُّ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ بِمَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ.
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُجَلِّيُّ الْمَوْصِلِيُّ
وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْجُهَنِيِّ، شَابٌّ فَاضِلٌ، وَلِيَ كِتَابَةَ الْإِنْشَاءِ لِبَدْرِ الدِّينِ لُؤْلُؤٍ زَعِيمِ الْمَوْصِلِ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
نَفْسِي فِدَاءُ الَّذِي فَكَّرْتُ فِيهِ وَقَدْ … غَدَوْتُ أَغْرَقُ فِي بَحْرٍ مِنَ الْعَجَبِ
يَبْدُو بِلَيْلٍ عَلَى صُبْحٍ عَلَى قَمَرِ … عَلَى قَضِيبٍ عَلَى وَهْمٍ عَلَى كَثَبِ
стр. 10850
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا اسْتَوْلَتِ التَّتَارُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ كَمَرَاغَةَ وَهَمَذَانَ وَأَرْدَبِيلَ وَتِبْرِيزَ وَكَنْجَةَ، وَقَتَلُوا أَهَالِيَهَا، وَنَهَبُوا مَا فِيهَا، وَاسْتَأْسَرُوا ذَرَارِيَّهَا، وَاقْتَرَبُوا مِنْ بَغْدَادَ، فَانْزَعَجَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَحَصَّنَ بَغْدَادَ، وَاسْتَخْدَمَ الْأَجْنَادَ، وَقَنَتَ النَّاسُ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْأَوْرَادِ.
وَفِيهَا قَهَرُوا الْكُرْجَ وَاللَّانَ، ثُمَّ قَاتَلُوا الْقَفْجَاقَ، فَكَسَرُوهُمْ، وَكَذَلِكَ الرُّوسَ، وَيَنْهَبُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ هَؤُلَاءِ، وَيَسْبُونَ ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
وَفِيهَا سَارَ الْمُعَظَّمُ إِلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ، فَاسْتَعْطَفَهُ عَلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مَوجِدَةٌ عَلَيْهِ، فَأَزَالَهَا وَسَارَا جَمِيعًا نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِمُعَاوَنَةِ الْكَامِلِ عَلَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ قَدْ أَخَذُوا ثَغْرَ دِمْيَاطَ، وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُهُمْ هُنَالِكَ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَجَمِيعَ مَا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ فَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ السَّاحِلِ، وَيَتْرُكُوا دِمْيَاطَ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ،
стр. 10851
وَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مَرَاكِبُ فِيهَا مِيرَةٌ لَهُمْ، فَأَخَذَهَا الْأُسْطُولُ الْبَحْرِيُّ، وَأُرْسِلَتِ الْمِيَاهُ عَلَى أَرَاضِي دِمْيَاطَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الْأَمَاكِنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَثَابُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ بِلَا مُعَاوَضَةٍ، فَجَاءَ مُقَدِّمُوهُمْ إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُ أَخَوَاهُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى وَمُوسَى الْأَشْرَفُ، وَكَانَا قَائِمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا وَأَمْرًا مَحْمُودًا، فَوَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَا أَرَادَ الْكَامِلُ مُحَمَّدٌ، بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَمُلُوكُ الْفِرِنْجِ وَالْعَسَاكِرُ كُلُّهَا وَاقِفَةٌ بِحَضْرَتِهِ، وَمَدَّ سِمَاطًا عَظِيمًا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَقَامَ رَاجِحٌ الْحِلِّيُّ الشَّاعِرُ فَأَنْشَدَ:
هَنِيئًا فَإِنَّ السَّعْدَ رَاحَ مُخَلَّدَا … وَقَدْ أَنْجَزَ الرَّحْمَنُ بِالنَّصْرِ مَوْعِدَا
حَبَانَا إِلَهُ الْخَلْقِ فَتْحًا بَدَا لَنَا … مُبِينًا وَإِنْعَامًا وَعِزًّا مُؤَبَّدَا
تَهَلَّلَ وَجْهُ الدَّهْرِ بَعْدَ قُطُوبِهِ … وَأَصْبَحَ وَجْهُ الشِّرْكِ بِالظُّلْمِ أَسْوَدَا
وَلَمَّا طَغَى الْبَحْرُ الْخِضَمُّ بِأَهْلِهِ الْطُّ … غَاةِ وَأَضْحَى بِالْمَرَاكِبِ مُزْبِدَا
أَقَامَ لْهَذَا الدِّينِ مَنْ سَلَّ عَزْمَهُ … صَقِيلًا كَمَا سُلَّ الْحُسَامُ مُجَرَّدَا
فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا كُلُّ شِلْوٍ مُجَدَّلٍ … ثَوَى مِنْهُمُ أَوْ مَنْ تَرَاهُ مْقَيَّدَا
وَنَادَى لِسَانُ الْكَوْنِ فِي الْأَرْضِ رَافِعًا … عَقِيرَتَهُ فِي الْخَافِقَيْنِ وَمُنْشِدَا
أَعُبَّادَ عِيسَى إِنَّ عِيسَى وَحِزْبَهُ … وَمُوسَى جَمِيعًا يَخْدُمُونَ مُحَمَّدَا
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ أَشَارَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَظَّمِ عِيسَى وَالْأَشْرَفِ
стр. 10852
مُوسَى وَالْكَامِلِ مُحَمَّدٍ. قَالَ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ شَيْءٍ اتَّفَقَ. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَرَاجَعَتِ الْفِرِنْجُ إِلَى عَكَّا وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، وَرَجَعَ الْمُعَظَّمُ إِلَى الشَّامِ، وَاصْطَلَحَ الْأَشْرَفُ وَالْكَامِلُ عَلَى أَخِيهِمَا الْمُعَظَّمِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ قَضَاءَ دِمَشْقَ لِجَمَالِ الدِّينِ الْمِصْرِيِّ الَّذِي كَانَ وَكِيلَ بَيْتِ الْمَالِ بِهَا، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا، يَجْلِسُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِالْعَادِلِيَّةِ وَبَعْدَ فَرَاغِهَا لِإِثْبَاتِ الْمَحَاضِرِ، وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ جَمِيعُ الشُّهُودِ مِنْ كُلِّ الْمَرَاكِزِ حَتَّى يَتَيَسَّرَ عَلَى النَّاسِ إِثْبَاتُ كُتُبِهِمْ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
يَاقُوتٌ الْكَاتِبُ الْمَوْصِلِيُّ، ﵀
أَمِينُ الدِّينِ الْمَشْهُورُ بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْبَوَّابِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُقَارِبُهُ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَانَ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ نَجِيبُ الدِّينِ الْوَاسِطِيُّ قَصِيدَةً يَمْدَحُهُ بِهَا:
جَامِعٌ شَارِدَ الْعُلُومِ وَلَوْلَا هُ … لَكَانَتْ أُمُّ الْفَضَائِلِ ثَكْلَى
ذُو يَرَاعٍ تَخَافُ زُبْيَتَهُ الْأُسْ … دُ وَتَعْنُو لَهُ الْكَتَائِبُ ذُلَّا
стр. 10853
.. وَإِذَا افْتَرَّ ثَغْرُهُ عَنْ سَوَادٍ
فِي بَيَاضٍ فَالْبِيضُ وَالسُّمْرُ خَجْلَى … أَنْتَ بَدْرٌ وَالْكَاتِبُ ابْنُ هِلَالٍ
كَأَبِيهِ لَا فَخْرَ فِيمَنْ تَوَلَّى … إِنْ يَكُنْ أَوَّلًا فَإِنَّكَ بِالتَّفْ
ضِيلِ أَوْلَى فَقَدْ سَبَقْتَ وَصَلَّى
جَلَالُ الدِّينِ الْحَسَنُ
مِنْ أَوْلَادِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ فِي قَوْمِهِ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ، وَحِفْظَ الْحُدُودِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْقِيَامَ فِيهَا بِالزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ
شِهَابُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ الْمَقْدِسِيُّ، الْحَنْبَلِيُّ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ، كَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى أَسْفَلِ مِنْبَرِ الْخَطَابَةِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَحَفِظَ مَقَامَاتِ الْحَرِيرِيِّ فِي خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ لَهُ فُنُونٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ ظَرِيفًا مَطْبُوعًا، ﵀.
وَالْخَطِيبُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ كَامِلٍ الْمَقْدِسِيُّ، خَطِيبُ بَيْتِ الْآبَارِ، وَقَدْ نَابَ فِي دِمَشْقَ عَنِ الْخَطِيبِ جَمَالِ الدِّينِ الدَّوْلَعِيِّ حِينَ سَارَ فِي الرَّسْلِيَّةِ إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ، حَتَّى عَادَ.
الْمُحَدِّثُ الْبَارِعُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو طَاهِرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ
стр. 10854
بْنِ الْأَنْمَاطِيِّ، قَرَأَ الْحَدِيثَ، وَرَحَلَ وَكَتَبَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ مُتْقِنًا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، حَافِظًا لَهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ الصَّلَاحِ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَمْدَحُهُ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ بِالْبَيْتِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْكَلَّاسَةِ الَّذِي كَانَ لِلْمَلِكِ الْمُحَسَّنِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، ثُمَّ أُخِذَ مِنِ ابْنِ الْأَنْمَاطِيِّ، وَسُلِّمَ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدَّكَائِيِّ، وَاسْتَمَرَّ بِيَدِ أَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، وَبِبَابِ النَّصْرِ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ، وَبِالْمَقْبَرَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
أَبُو الْغَيْثِ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ كُلَيْبٍ، بْنِ مُقْبِلٍ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَقَامَ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ وَلَهُ رَسَائِلُ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
إِذَا كُنْتُمُ لِلنَّاسِ أَهْلَ سِيَاسَةٍ … فَسُوسُوا كِرَامَ النَّاسِ بِالْجُودِ وَالْبَذْلِ
وَسُوسُوا لِئَامَ النَّاسِ بِالذُّلِّ يَصْلُحُوا … عَلَيْهِ فَإِنَّ الذُّلَ أَصْلَحُ لِلنَّذْلِ
أَبُو الْعِزِّ مُشَرَّفُ بْنُ عَلِيِّ، بْنِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَامِلٍ الْخَالِصِيُّ الْمُقْرِئُ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَأَنْشَدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْحَلَبِيِّ:
стр. 10855
تَمَثَّلْتُمُ لِي وَالدِّيَارُ بَعِيدَةٌ … فَخُيِّلَ لِي أَنَّ الْفُؤَادَ لَكُمْ مَعْنَى
وَنَاجَاكُمُ قَلْبِي عَنِ الْبُعْدِ بَيْنَنَا … فَأَوْحَشْتُمُ لَفْظًا وَآنَسْتُمُ مَعْنَى
أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجِيلِيُّ
أَحَدُ الْمُعِيدِينَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
أَيَا جَامِعًا أَمْسِكْ عَنَانَكَ مُقْصِرًا … فَإِنَّ مَطَايَا الدَّهْرِ تَكْبُو وَتَقْصُرُ
سَتَقْرَعُ سِنًّا أَوْ تَعَضُّ نَدَامَةً … يَدَيْكَ إِذَا خَانَ الزَّمَانُ وَتُبْصِرُ
وَيَلْقَاكَ رُشْدٌ بَعْدَ غَيِّكَ وَاعِظٌ … وَلَكِنَّهُ يَلْقَاكَ وَالْأَمْرُ مُدْبِرُ
أَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْوَدُودِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ الْحَسَنِ، الْوَاسِطِيُّ الْأَصْلِ الْبَغْدَادِيُّ الدَّارِ وَالْمَوْلِدِ، كَمَالُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ وَالِدُهُ بِالْمُجِيرِ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ عِلْمَ الْكَلَامِ، وَدَرَسَ بِمَدْرَسَتِهِ عِنْدَ بَابِ الْأَزَجِ، وَوَكَّلَهُ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ، وَاشْتَهَرَ بِالدِّيَانَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَبَاشَرَ مَنَاصِبَ كِبَارًا، وَحَجَّ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، وَكَانَ يَقُولُ:
وَمَا تَرَكَتْ سِتٌّ وَسِتُّونَ حِجَّةً … لَنَا حُجَّةً أَنْ نَرْكَبَ اللَّهْوَ مَرْكَبَا
وَكَانَ يُنْشِدُ:
الْعِلْمُ يَأْتِي كُلَّ ذِي … خَفْضٍ وَيَأْبَى كُلَّ آبِي
كَالْمَاءِ يَنْزِلُ فِي الْوِهَا … دِ وَلَيْسَ يَصْعَدُ فِي الرَّوَابِي
следующие страницы →