Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرَّةٍ … فَتَخَوُّفِي مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا
بَيْنَا الْفَتَى فِيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ … وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا
حَتَّى سَقَتْهُ مِنَ الْمَنِيَّةِ شَرْبَةً … وَحَمَتْهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَاكَ رَضَاعَا
فَغَدَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ رَهِينَةً … لَا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا
لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحْتِ الثَّرَى … فَلْيُحْسِنِ الْعَمَلَ الْفَتَى مَا اسْطَاعَا
الْبَهَاءُ السِّنْجَارِيُّ، أَبُو السَّعَادَاتِ أَسْعَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الشَّاعِرُ، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ فَقِيهًا، وَتَكَلَّمَ فِي الْخِلَافِ، إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ، فَأَجَادَ فِيهِ، وَاشْتَهَرَ بِهِ، وَخَدَمَ بِهِ الْمُلُوكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْجَوَائِزَ، وَطَافَ الْبِلَادَ، وَلَهُ دِيوَانٌ بِالتُّرْبَةِ الْأَشْرَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ وَرَائِقِهِ قَوْلُهُ:
وَهَوَاكَ مَا خَطَرَ السُّلُوُّ بِبَالِهِ … وَلَأَنْتَ أَعْلَمُ فِي الْغَرَامِ بِحَالِهِ
وَمَتَى وَشَى وَاشٍ إِلَيْكَ بِأَنَّهُ … سَالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنْ عُذَّالِهِ
أَوَلَيْسَ لِلْكَلِفِ الْمَعْنَّى شَاهِدٌ … مِنْ حَالِهِ يُغْنِيكَ عَنْ تَسْآلِهِ
جَدَّدْتَ ثَوْبَ سِقَامِهِ وَهَتَكَتْ سَتْ … رَغَرَامِهِ وَصَرَمْتَ حَبْلَ وِصَالِهِ
وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ امْتَدَحَ فِيهَا الْقَاضِي كَمَالَ الدِّينِ الشَّهْرَزُورِيَّ.
وَلَهُ:
لِلَّهِ أَيَّامِي عَلَى رَامَةٍ … وَطِيبُ أَوْقَاتِي عَلَى حَاجِرِ
стр. 10887
تَكَادُ لِلسُّرْعَةِ فِي مَرِّهَا … أَوَّلُهَا يَعْثُرُ بِالْآخِرِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً.
عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى، بْنِ دِرْبَاسَ بْنِ فَيْرِ بْنِ جَهْمِ بْنِ عَبْدُوسٍ الْهَذْبَانِيُّ الْمَارَانِيُّ ضِيَاءُ الدِّينِ، أَخُو الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاكِمِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَضِيَاءُ الدِّينِ هَذَا هُوَ شَارِحُ «الْمُهَذَّبِ» وَصَلَ فِيهِ إِلَى كِتَابِ «الشَّهَادَاتِ» فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مُجَلَّدًا، وَشَرَحَ «اللُّمَعَ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَ «التَّنْبِيهَ» لِلشِّيرَازِيِّ، وَكَانَ بَارِعًا عَالِمًا بِالْمَذْهَبِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ
ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْوَاعِظُ، عِنْدَهُ فَضَائِلُ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الزُّهْدِ:
اسْتَعِدِّي يَا نَفْسُ لِلْمَوْتِ وَاسْعَيْ … لِنَجَاةٍ فَالْحَازِمُ الْمُسْتَعِدُّ
قَدْ تَبَيَّنْتِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَيِّ … خُلُودٌ وَلَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ
إِنَّمَا أَنْتِ مُسْتَعِيرَةُ مَا سَوْ … فَ تَرُدِّينَ وَالْعَوَارِي تُرَدُّ
أَنْتِ تَسْهِينَ وَالْحَوَادِثُ لَا تَسْ … هُو وَتَلْهِينَ وَالْمَنَايَا تَجِدُّ
стр. 10888
لَا تُرَجِّي الْبَقَاءَ فِي مَعْدِنِ الْمَوْ … تِ وَدَارٍ حُتُوفُهَا لَكَ وِرْدُ
أَيُّ مُلْكٍ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَيُّ حَظٍّ … لِامْرِئٍ حَظُّهُ مِنَ الْأَرْضِ لَحْدُ
كَيْفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أَيَّ … امٍ عَلَيْهِ الْأَنْفَاسُ فِيهَا تُعَدُّ
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الزَّيْتُونِيِّ
الْبَوَازِيجِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، شَيْخٌ فَاضِلٌ، لَهُ رِوَايَةٌ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
ضَيَّقَ الْعُذْرَ فِي الضَّرَاعَةِ أَنَّا … لَوْ قَنَعْنَا بِقَسْمِنَا لَكَفَانَا
مَا لَنَا نَعْبُدُ الْعِبَادَ إِذَا كَا … نَ إِلَى اللَّهِ فَقْرُنَا وَغِنَانَا
أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ، بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْكَيَّالِ الْوَاسِطِيُّ، مِنْ بَيْتِ الْفِقْهِ وَالْقَضَاءِ، وَكَانَ أَحَدَ الْمُعَدِّلِينَ بِبَغْدَادَ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
فَتَبًّا لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَسُرُّ يَسِيرًا ثُمَّ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا
تُرِيكَ جَمَالًا فِي النِّقَابِ وَزُخْرُفًا … وَتُسْفِرُ عَنْ شَوْهَاءَ طَحْيَاءَ عَامِيَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِنْ كُنْتُ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ تَسَامَحَتْ … بِالْغَمْضِ أَجْفَانِي فَمَا أَجْفَانِي
أَوْ كُنْتُ مِنْ بَعْدِ الْأَحِبَّةِ نَاظِرًا … حُسْنًا بِإِنْسَانِي فَمَا أَنْسَانِي
стр. 10889
الدَّهْرُ مَغْفُورٌ لَهُ زَلَّاتُهُ … إِنْ حَادَ أَوْطَانِي عَلَى أَوْطَانِي
أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ، بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَمَّارِ بْنِ فِهْرِ بْنِ وَقَاحٍ الْيَاسِرِيُّ، نِسْبَةً إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، شَيْخٌ بَغْدَادِيٌّ فَاضِلٌ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي التَّفْسِيرِ وَالْفَرَائِضِ، وَلَهُ خُطَبٌ وَرَسَائِلُ وَأَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ.
أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الطَّبَّاخِ
الْوَاسِطِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الصُّوفِيُّ، بَاشَرَ بَعْضَ الْوِلَايَاتِ بِبَغْدَادَ وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
مَا وَهَبَ اللَّهُ لِامْرِئٍ هِبَةً … أَحْسَنَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا جَمَالُ الْفَتَى فَإِنْ فُقِدَا … فَفَقْدُهُ لِلْحَيَاةِ أَجْمَلُ بِهْ
ابْنُ يُونُسَ شَارِحُ «التَّنْبِيهِ» أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ كَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفَتْحِ مُوسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنَعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَابِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِرْبِلِيُّ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْمَوْصِلِيُّ، مِنْ بَيْتِ الْعِلْمِ وَالرِّيَاسَةِ، اشْتَغَلَ عَلَى أَبِيهِ فِي فُنُونِهِ وَعُلُومِهِ، فَبَرَعَ وَتَقَدَّمَ وَدَرَسَ، وَشَرَحَ «التَّنْبِيهَ»، وَاخْتَصَرَ «إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ» لِلْغَزَّالِيِّ
стр. 10890
مَرَّتَيْنِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، وَكَانَ يُدَرِّسُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ وَلِيَ بِإِرْبِلَ مَدْرَسَةَ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِي فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكُنْتُ أَحْضُرُ عِنْدَهُ وَأَنَا صَغِيرٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُدَرِّسُ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَارَ إِلَى بَلَدِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَمَاتَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 10891
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا الْتَقَى الْمَلِكُ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهِ الْخُوَارَزْمِيُّ مَعَ الْكُرْجِ، فَكَسَرَهُمْ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَصَمَدَ إِلَى أَكْبَرِ مُعَاقَلَتِهِمْ تَفْلِيسَ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْكَفَرَةِ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا. وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ الْكُرْجُ أَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهِيَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْآنَ حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ جَلَالُ الدِّينِ هَذَا، فَكَانَ فَتْحًا عَظِيمًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا سَارَ إِلَى خِلَاطَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ نَائِبِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهَا، وَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا قِتَالًا عَظِيمًا، فَرَجَعَ عَنْهُمْ بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِ بِعِصْيَانِ نَائِبِهِ بِمَدِينَةِ كَرْمَانَ وَخِلَافِهِ لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَتَرَكَهُمْ.
وَفِيهَا اصْطَلَحَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مَعَ أَخِيهِ الْمُعَظَّمُ، وَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ الْمُعَظَّمُ مُمَالِئًا عَلَيْهِ مَعَ جَلَالِ الدِّينِ وَصَاحِبِ إِرْبِلَ وَصَاحِبِ مَارِدِينَ وَصَاحِبِ الرُّومِ، وَكَانَ مَعَ الْأَشْرَفِ أَخُوهُ الْكَامِلُ وَصَاحِبُ الْمَوْصِلِ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ، ثُمَّ اسْتَمَالَ أَخَاهُ الْمُعَظَّمَ إِلَى نَاحِيَتِهِ فَقَوِيَ جَانِبُهُ.
стр. 10892
وَفِيهَا كَانَ قِتَالٌ كَبِيرٌ بَيْنَ بِرْنِسِ أَنْطَاكِيَةَ وَبَيْنَ الْأَرْمَنِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَهُمْ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدِّينِ بِالتُّرْكُمَانِ الْإِيوَانِيَّةِ بَأْسًا شَدِيدًا، وَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا قَدِمَ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ مِنْ بَغْدَادَ فِي الرَّسْلِيَّةِ إِلَى الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، وَمَعَهُ الْخِلَعُ وَالتَّشَارِيفُ لِأَوْلَادِ الْعَادِلِ مِنَ الْخَلِيفَةِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَمَضْمُونُ الرِّسَالَةِ نَهْيُهُ عَنْ مُوَالَاةِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، فَإِنَّهُ خَارِجِيٌّ مِنْ عَزْمِهِ قِتَالُ الْخَلِيفَةِ وَأَخْذُ بَغْدَادَ مِنْهُمْ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَرَكِبَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْجَوْزِيِّ إِلَى الْمَلِكِ الْكَامِلِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ قُدُومِهِ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، وَحَصَلَ لَهُ جَوَائِزُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ، مِنْهَا كَانَ بِنَاءُ الْمَدْرَسَةِ الْجَوْزِيِّةِ بِالنَّشَّابِينَ بِدِمَشْقَ.
وَفِيهَا وَلِيَ تَدْرِيسَ الشِّبْلِيَّةِ بِالسَّفْحِ شَمْسُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ قِزُغْلِي سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِمَرْسُومِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ.
وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ الظَّاهِرِ وَخِلَافَةُ ابْنِهِ الْمُسْتَنْصِرِ
كَانَتْ وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَوْمَ الْجُمُعَةِ ضُحَى الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ
стр. 10893
رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ بِمَوْتِهِ إِلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَدَعَا لَهُ الْخُطَبَاءُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَنَابِرِ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعُمْرُهُ ثِنْتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَجْوَدِ بَنِي الْعَبَّاسِ سِيرَةً، وَأَحْسَنِهِمْ سَرِيرَةً، وَأَكْثَرِهِمْ عَطَاءً، وَأَحْسَنِهِمْ مَنْظَرًا وَرُوَاءً، وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ لَصَلُحَتِ الْأُمَّةُ صَلَاحًا كَثِيرًا عَلَى يَدَيْهِ، وَلَكِنْ أَحَبَّ اللَّهُ تَقْرِيبَهُ وَإِزْلَافَهُ لَدَيْهِ، فَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَأَجْزَلَ لَهُ إِحْسَانَهُ وَرِفْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا اعْتَمَدَهُ فِي أَوَّلِ وِلَايَتِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْأَمْوَالِ الدِّيوَانِيَّةِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَإِسْقَاطِ الْمُكُوسِ، وَتَخْفِيفِ الْخَرَاجِ عَنِ النَّاسِ، وَأَدَاءِ الدُّيُونِ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْ قَضَائِهَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَتَوْلِيَةِ ذَوِي الدِّيَانَةِ. وَقَدْ كَانَ كَتَبَ كِتَابًا لِوُلَاةِ الرَّعِيَّةِ، فِيهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ إِمْهَالُنَا إِهْمَالًا، وَلَا إِغْضَاؤُنَا احْتِمَالًا، وَلَكِنْ لَنَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَقَدْ غَفَرْنَا لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ إِخْرَابِ الْبِلَادِ، وَتَشْرِيدِ الرَّعَايَا، وَتَقْبِيحِ الشَّرِيعَةِ، وَإِظْهَارِ الْبَاطِلِ الْجَلِيِّ فِي صُورَةِ الْحَقِّ الْخَفِيِّ حِيلَةً وَمَكِيدَةً، وَتَسْمِيَةِ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاجْتِيَاحِ اسْتِيفَاءً وَاسْتِدْرَاكًا، لِأَغْرَاضٍ انْتَهَزْتُمْ فُرَصَهَا، مُخْتَلَسَةً مِنْ بَرَاثِنِ لَيْثٍ بَاسِلٍ، وَأَنْيَابِ أَسَدٍ مَهِيبٍ، تُنْفِقُونَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنْتُمْ أُمَنَاؤُهُ وَثِقَاتُهُ،
стр. 10894
فَتُمِيلُونَ رَأْيَهُ إِلَى هَوَاكُمْ، وَتَمْزُجُونَ بَاطِلَكُمْ بِحَقِّهِ، فَيُطِيعُكُمْ وَأَنْتُمْ لَهُ عَاصُونَ، وَيُوَافِقُكُمْ وَأَنْتُمْ لَهُ مُخَالِفُونَ، وَالْآنَ قَدْ بَدَّلَ اللَّهُ بِخَوْفِكُمْ أَمْنًا، وَبِفَقْرِكُمْ غِنًى، وَبِبَاطِلِكُمْ حَقًّا، وَرَزَقَكُمْ سُلْطَانًا يُقِيلُ الْعَثْرَةَ، وَلَا يُؤَاخِذُ إِلَّا مِمَّنْ أَصَرَّ، وَلَا يَنْتَقِمُ إِلَّا مِمَّنِ اسْتَمَرَّ يَأْمُرُكُمْ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ يُرِيدُهُ مِنْكُمْ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ الْجَوْرِ وَهُوَ يَكْرَهُهُ لَكُمْ، يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُخَوِّفُكُمْ مَكْرَهُ، وَيَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَغِّبُكُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَإِنْ سَلَكْتُمْ مَسَالِكَ خُلَفَاءِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَأُمَنَائِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَإِلَّا هَلَكْتُمْ، وَالسَّلَامُ.
وَوُجِدَ فِي دَارِهِ رِقَاعٌ مَخْتُومَةٌ لَمْ تُفْتَحْ، فِيهَا سِعَايَاتٌ إِلَيْهِ بِسَبَبِ أُنَاسٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْوُلَاةِ وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَفْتَحْهَا سَتْرًا لِلنَّاسِ وَدَرْءًا عَنْ أَعْرَاضِهِمْ ﵀.
وَقَدْ خَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ عَشْرَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا، مِنْهُمُ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ الَّذِي بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ: أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَلُقِّبَ بِالْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَغَسَّلَهُ مُحَمَّدٌ الْخَيَّاطُ الْوَاعِظُ، وَدُفِنَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرُّصَافَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
خِلَافَةُ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ
مَنْصُورُ بْنُ الظَّاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّاصِرِ أَحْمَدَ
بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ أَبُوهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ثَالِثَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، اسْتَدْعَوْا بِهِ مِنَ التَّاجِ، فَبَايَعَهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مِنْ
стр. 10895
أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ شَكْلًا وَأَبْهَاهُمْ مَنْظَرًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي جَبِينِهِ … وَفِي خَدِّهِ الشِّعْرَى وَفِي وَجْهِهِ الْقَمَرْ
وَفِي نَسَبِهِ الشَّرِيفِ خَمْسَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً، مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ آبَائِهِ، وَلُوا نَسَقًا وَتَلَقَّى هُوَ الْخِلَافَةَ عَنْهُمْ وِرَاثَةً كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، وَسَارَ فِي النَّاسِ كَسِيرَةِ أَبِيهِ الظَّاهِرِ فِي الْجُودِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ. وَبَنَى الْمَدْرَسَةَ الْكَبِيرَةَ الْمُسْتَنْصِرِيَّةَ الَّتِي لَمْ تُبْنَ مَدْرَسَةٌ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَمَرَّ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ أَبِيهِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ خُطِبَ لِلْإِمَامِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَنُثِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَأَنْشَدَ الشُّعَرَاءُ الْمَدَائِحَ وَالْمَرَاثِيَ، وَأُطْلِقَتْ لَهُمُ الْخِلَعُ وَالْجَوَائِزُ.
وَقَدِمَ رَسُولٌ مِنْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ يَوْمَ غُرَّةِ شَعْبَانَ مَعَ الْوَزِيرِ ضِيَاءِ الدِّينِ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ الْأَثِيرِ، فِيهَا التَّهْنِئَةُ وَالتَّعْزِيَةُ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ بَلِيغَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَنْصِرَ بِاللَّهِ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى حُضُورِ الْجُمُعَةِ رَاكِبًا ظَاهِرًا لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ خَادِمَانِ، وَرَكْبُ دَارٍ، وَخَرَجَ مَرَّةً وَهُوَ رَاكِبٌ، فَسَمِعَ ضَجَّةً عَظِيمَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: التَّأْذِينُ. فَتَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَسَعَى مَاشِيًا، ثُمَّ
стр. 10896
صَارَ يُدْمِنُ الْمَشْيَ إِلَى الْجُمُعَةِ رَغْبَةً فِي التَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ، وَيَجْلِسُ قَرِيبًا مِنَ الْإِمَامِ، وَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ أُصْلِحَ لَهُ الْمُطْبِقُ، فَكَانَ يَمْشِي مِنْهُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَكِبَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ رُكُوبًا ظَاهِرًا لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَلَمَّا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ وَالْغَنَمِ وَالنَّفَقَاتِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى الصِّيَامِ، وَتَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ.
وَفِي يَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ نُقِلَ تَابُوتُ أَبِيهِ الظَّاهِرِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْصِرُ يَوْمَ الْعِيدِ صَدَقَاتٍ كَثِيرَةً، وَإِنْعَامًا جَزِيلًا إِلَى الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ، عَلَى يَدَيْ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، هَدَمَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْقُرَى وَالْقِلَاعِ بِبِلَادِهِمْ. وَذَكَرَ أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً بِبَلَدِهِمْ، فَوَجَدَ لَحْمَهَا مُرًّا حَتَّى رَأْسَهَا وَأَكَارِعَهَا وَمَعَالِيقَهَا وَجَمِيعَ أَجْزَائِهَا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْخَلِيفَةُ الظَّاهِرُ كَمَا تَقَدَّمَ
الْجَمَالُ الْمِصْرِيُّ يُونُسُ بْنُ بَدْرَانَ بْنِ فَيْرُوزَ، جَمَالُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ فِي هَذَا الْحِينِ، اشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَبَرَعَ، وَاخْتَصَرَ كِتَابَ «الْأُمِّ»
стр. 10897
لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ كِتَابٌ مُطَوَّلٌ فِي الْفَرَائِضِ، وَوَلِيَ تَدْرِيسَ الْأَمِينِيَّةِ بَعْدَ التَّقِيِّ صَالِحِ الضَّرِيرِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا الْوَزِيرُ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ شُكْرٍ، وَكَانَ مُعْتَنِيًا بِأَمْرِهِ. ثُمَّ وَلِيَ وِكَالَةَ بَيْتِ الْمَالِ بِدِمَشْقَ، وَتَرَسَّلَ إِلَى الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ عَنْ صَاحِبِ دِمَشْقَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْمُعَظَّمُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ بَعْدَ عَزْلِهِ الزَّكِيَّ بْنَ الزَّكِيِّ، وَوَلَّاهُ تَدْرِيسَ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ حِينَ كَمَلَ بِنَاؤُهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَرَّسَ بِهَا، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا دَرْسًا فِي التَّفْسِيرِ حَتَّى أَكْمَلَ التَّفْسِيرَ إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَقِبَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: دَرَّسَ الْفِقْهَ بَعْدَ التَّفْسِيرِ.
وَكَانَ يَعْتَمِدُ فِي أَمْرِ إِثْبَاتِ السِّجِلَّاتِ اعْتِمَادًا حَسَنًا، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بُكْرَةً وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيَسْتَحْضِرُ عِنْدَهُ فِي إِيوَانِ الْعَادِلِيَّةِ جَمِيعَ شُهُودِ الْبَلَدِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ يُثْبِتُهُ حَضَرَ وَاسْتَدْعَى شُهُودَهُ، فَأَدَّوْا عَلَى الْحَاكِمِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ سَرِيعًا. وَكَانَ يَجْلِسُ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ بِمَشْهَدِ عُثْمَانَ، فَيَحْكُمُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، وَرُبَّمَا مَكَثَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ أَيْضًا، وَكَانَ كَثِيرَ الْمُذَاكَرَةِ لِلْعِلْمِ، كَثِيرَ الِاشْتِغَالِ، حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، لَمْ يُنْقَمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا لِأَحَدٍ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَإِنَّمَا كَانَ يُنْقَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمُصَالَحَةِ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ اسْتَنَابَ وَلَدَهُ التَّاجَ مُحَمَّدًا، وَلَمْ يَكُنْ مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ عَفِيفًا فِي نَفْسِهِ نَزِهًا مَهِيبًا. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ قُرَشِيٌّ شَيْبِيٌّ، فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَهُ شَمْسُ الدِّينِ
стр. 10898
أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِيِّ الْخُوَيِّيُّ.
قُلْتُ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ الَّتِي فِي رَأْسِ دَرْبِ الرَّيْحَانِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَامِعِ، وَلِتُرْبَتِهِ شُبَّاكٌ شَرْقِيَّ الْمَدْرَسَةِ الصَّدْرِيَّةِ الْيَوْمَ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ عُنَيْنٍ - وَكَانَ هَجَاهُ -:
مَا قَصَّرَ الْمِصْرِيُّ فِي فِعْلِهِ إِذْ جَعَلَ التُّرْبَةَ فِي دَارِهِ
أَرَاحَ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ رَجْمِهِ … وَأَبْعَدَ الْأَمْوَاتَ مِنْ نَارِهِ
الْمُعْتَمِدُ وَالِي دِمَشْقَ
الْمُبَارِزُ إِبْرَاهِيمُ، الْمَعْرُوفُ بِالْمُعْتَمِدِ وَالِي دِمَشْقَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْوُلَاةِ وَأَعَفِّهِمْ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً وَأَجْوَدِهِمْ سَرِيرَةً، أَصْلُهُ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَقَدِمَ الشَّامَ، فَخَدَمَ فَرُّخْشَاهْ بْنَ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ الْبَدْرُ مَوْدُودٌ أَخُو فَرُّخْشَاهْ. وَكَانَ شِحْنَةَ دِمَشْقَ، فَحُمِدَتْ سِيرَتُهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ هُوَ شِحْنَةَ دِمَشْقَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَجَرَتْ فِي أَيَّامِهِ عَجَائِبُ وَغَرَائِبُ، وَكَانَ كَثِيرَ السَّتْرِ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَلَاسِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، وَاتَّفَقَ فِي أَيَّامِهِ أَنَّ رَجُلًا حَائِكًا كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، فِي آذَانِهِ حَلَقٌ، فَعَدَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِمْ، فَقَتَلَهُ غِيلَةً، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ، وَدَفَنَهُ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ،
стр. 10899
فَاشْتَكَوْا عَلَيْهِ فَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، وَتَأَلَّمَتْ وَالِدَتُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَسَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُطْلِّقَهَا، فَطَلَّقَهَا، فَذَهَبَتْ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ وَلَدَهَا، وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَأَظْهَرَتْ لَهُ أَنَّهَا أَحَبَّتْهُ فَتَزَوَّجَهَا، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ حِينًا، ثُمَّ سَأَلَتْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَنْ وَلَدِهَا الَّذِي اشْتَكَوْا عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَتْ: أَشْتَهِي أَنْ تُرِيَنِي قَبْرَهُ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَذَهَبَ بِهَا إِلَى قَبْرٍ خَشْخَاشَةٍ، فَفَتَحَهُ فَنَظَرَتْ إِلَى وَلَدِهَا، فَاسْتَعْبَرَتْ وَقَدْ أَخَذَتْ مَعَهَا سِكِّينًا أَعَدَّتْهَا لِهَذَا الْيَوْمِ، فَضَرَبَتْهُ حَتَّى قَتَلَتْهُ، وَدَفَنَتْهُ مَعَ وَلَدِهَا فِي ذَلِكَ الْقَبْرِ، فَجَاءَ أَهْلُ الْمَقْبَرَةِ، فَحَمَلُوهَا إِلَى الْوَالِي الْمُعْتَمِدِ هَذَا، فَسَأَلَهَا فَذَكَرَتْ لَهُ خَبَرَهَا، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَأَطْلَقَهَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا.
وَحَكَى هُوَ لِلسِّبْطِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا خَارِجٌ مِنْ بَابِ الْفَرَجِ، وَإِذَا بِرَجُلٍ يَحْمِلُ طَبْلًا وَهُوَ سَكْرَانُ، فَأَمَرْتُ بِهِ فَضُرِبَ الْحَدَّ، وَأَمَرْتُهُمْ فَكَسَرُوا الطَّبْلَ، وَإِذَا رِكْوَةٌ كَبِيرَةٌ خَمْرًا فَشَقُّوهَا، وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ مَنَعَ أَنْ يُعْصَرَ خَمْرٌ وَيُحْمَلَ إِلَى دِمَشْقَ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ النَّاسُ يَتَحَيَّلُونَ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ وَلَطَائِفِ الْمَكْرِ. قَالَ السِّبْطُ: فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّ فِي الطَّبْلِ شَيْئًا. فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَمْشِي وَتَرْجُفُ سَاقَاهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا فِي الطَّبْلِ.
وَلَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ غَرَائِبُ. وَقَدْ عَزَلَهُ الْمُعَظَّمُ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، وَسَجَنَهُ فِي الْقَلْعَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، وَنَادَى عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ، فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ ذَكَرَ أَنَّهُ
стр. 10900
أَخَذَ مِنْهُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ، وَلَمَّا مَاتَ ﵀ دُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِمَدْرَسَةِ أَبِي عُمَرَ مِنْ شَامِهَا قِبْلِيَّ السُّوقِ، وَلَهُ عِنْدَ تُرْبَتِهِ مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِهِ ﵀.
وَاقِفُ الشِّبْلِيَّةِ الَّتِي بِطَرِيقِ الصَّالِحِيَّةِ
شِبْلُ الدَّوْلَةِ كَافُورٌ الْحُسَامِيُّ، نِسْبَةً إِلَى حُسَامِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ لَاجِينَ وَلَدِ سِتِّ الشَّامِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مُسْتَحِثًّا عَلَى عِمَارَةِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ لِمَوْلَاتِهِ سِتِّ الشَّامِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الشِّبْلِيَّةَ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْخَانْقَاهَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ إِلَى جَانِبِهَا، وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ، وَوَقَفَ الْقَنَاةَ وَالْمَصْنَعَ وَالسَّابَاطَ، وَفَتَحَ لِلنَّاسِ طَرِيقًا مِنْ عِنْدِ الْمَقْبَرَةِ غَرْبِيَّ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ إِلَى طَرِيقِ عَيْنِ الْكِرْشِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ هُنَاكَ، إِنَّمَا كَانُوا يَسْلُكُونَ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ الصَّفِيِّ بِالْعُقَيْبَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ، وَدُفِنَ فِي تُرْبَتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَدْرَسَةً، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى الْكِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَاقِفُ الرَّوَاحِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَحَلَبَ
أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَوَاحَةَ، كَانَ أَحَدَ التُّجَّارِ وَذَوِي الثَّرْوَةِ وَالْمُعَدَّلِينَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَلَا لِحْيَةَ لَهُ، وَقَدِ ابْتَنَى الْمَدْرَسَةَ الرَّوَاحِيَّةَ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ وَوَقَفَهَا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَفَوَّضَ نَظَرَهَا وَتَدْرِيسَهَا إِلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ الشَّهْرَزُورِيِّ، وَلَهُ بِحَلَبَ مَدْرَسَةٌ أُخْرَى مِثْلُهَا، وَقَدِ انْقَطَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِدِمَشْقَ. وَكَانَ يَسْكُنُ الْبَيْتَ الَّذِي فِي
стр. 10901
إِيوَانِهَا مِنَ الشَّرْقِ، وَرَغِبَ فِيمَا بَعْدُ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ إِذَا مَاتَ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ دُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ شَهِدَ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ الصُّوفِيُّ، وَتَقِيُّ الدِّينِ خَزْعَلٌ النَّحْوِيُّ الْمِصْرِيُّ الْمَقْدِسِيُّ - إِمَامُ مَشْهَدِ عَلِيٍّ - شَهِدَا عَلَى ابْنِ رَوَاحَةَ بِأَنَّهُ عَزَلَ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ عَنْ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ، فَجَرَتْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ مَا رَامُوهُ، وَمَاتَ خَزْعَلٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فَبَطَلَ مَا سَلَكُوهُ.
أَبُو مُحَمَّدٍ مَحْمُودُ بْنُ مَوْدُودِ بْنِ مَحْمُودِ، بْنِ بَلْدِجِيٍّ الْحَنَفِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَلَهُ بِهَا مَدْرَسَةٌ تُعْرَفُ بِهِ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التُّرْكِ، وَصَارَ مِنْ مَشَايِخِ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَهُ دِينٌ مَتِينٌ، وَشِعْرٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
مَنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ حَالَةً … تُخْرِجُهُ عَنْ مَنْهَجِ الشَّرْعِ
فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ صَاحِبًا … فَإِنَّهُ خُرْءٌ بِلَا نَفْعِ
كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَوْصِلِ فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
يَاقُوتٌ وَيُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَجِيبُ الدِّينِ مَوْلَى الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْكُتُبَ الَّتِي بِالْخِزَانَةِ بِالزَّاوِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ سَبْعَمِائَةٍ وَأَحَدًا وَسِتِّينَ مُجَلَّدًا، ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فَتَمَحَّقَتْ هَذِهِ الْكُتُبُ، وَبِيعَ أَكْثَرُهَا، وَقَدْ كَانَ يَاقُوتٌ هَذَا لَدَيْهِ فَضِيلَةٌ وَأَدَبٌ وَشِعْرٌ جَيِّدٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 10902
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا كَاتَبَ عَامَّةُ أَهْلِ تَفْلِيسَ الْكُرْجَ، فَجَاءُوا إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوهَا، فَقَتَلُوا الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا وَخَرَّبُوا وَأَحْرَقُوا، وَخَرَجُوا عَلَى حَمِيَّةٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ جَلَالَ الدِّينِ فَسَارَ سَرِيعًا لِيُدْرِكَهُمْ، فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ.
وَفِيهَا قَتَلَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ أَمِيرًا كَبِيرًا مِنْ نُوَّابِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، فَسَارَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَخَرَّبَ مَدِينَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَدِمَ التَّتَارُ إِلَى النَّاسِ، وَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى النَّاسِ مِنْهُمْ.
وَفِيهَا تَوَاقَعَ جَلَالُ الدِّينِ وَطَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ التَّتَارِ، فَهَزَمَهُمْ وَأَوْسَعَهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَسَاقَ وَرَاءَهُمْ أَيَّامًا، فَقَتَلَهُمْ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، فَبَلَغَهُ أَنَّ طَائِفَةً قَدْ جَاءُوا لِقَصْدِهِ، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا سَيَأْتِي فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.
وَفِيهَا دَخَلَتْ عَسَاكِرُ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَمَلَكُوا مِنْهَا مُدُنًا كَثِيرَةً، وَغَنِمُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِزَوْجَةِ جَلَالِ الدِّينِ بِنْتِ طُغْرُلَ، وَكَانَتْ تُبْغِضُهُ وَتُعَادِيهِ، فَأَنْزَلُوهَا مَدِينَةَ خِلَاطَ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 10903
وَفِيهَا قَدِمَ رَسُولُ الْأَنْبِرُورِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمُعَظَّمِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا كَانَ فَتَحَهُ عَمُّهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ بِلَادِ السَّوَاحِلِ، فَأَغْلَظَ لَهُمُ الْمُعَظَّمُ فِي الْجَوَابِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ مَا عِنْدِي إِلَّا السَّيْفُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَفِيهَا جَهَّزَ الْأَشْرَفُ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ غَازِيًّا إِلَى الْحَجِّ فِي مَحْمَلٍ عَظِيمٍ يَحْمِلُ ثِقَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَمَلٍ، وَمَعَهُ خَمْسُونَ هَجِينًا، عَلَى كُلِّ هَجِينٍ مَمْلُوكٌ، فَسَارَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ، وَجَاءَتْهُ هَدَايَا الْخَلِيفَةِ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَعَادَ عَلَى طَرِيقِهِ الَّتِي حَجَّ مِنْهَا.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْبِلٍ الْوَاسِطِيُّ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْحُكَّامِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَقَلَّ اللَّحْمُ، حَتَّى حَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ لَمْ يُذْبَحْ بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ سِوَى خَرُوفٍ وَاحِدٍ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ.
قَالَ: وَسَقَطَ فِيهَا عَاشِرَ آذَارَ ثَلْجٌ كَثِيرٌ بِالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ مَرَّتَيْنِ، فَأَهْلَكَ الْأَزْهَارَ وَغَيْرَهَا. قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الْعِرَاقِ مَعَ كَثْرَةِ حَرِّهِ كَيْفَ وَقَعَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا؟!
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
جِنْكِزْخَانُ
السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ عِنْدَ التَّتَارِ، وَالِدُ مُلُوكِهِمُ الْيَوْمَ، الَّذِي
стр. 10904
يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ، يَقُولُونَ: مَنْ عَظَّمَ الْقَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ هَذَا الْمَلِكَ. وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ الْيَاسَاقَ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، وَيَحْكُمُونَ بِهَا، وَأَكْثَرُهَا مُخَالِفٌ لِشَرَائِعِ اللَّهِ تَعَالَى وَكُتُبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اقْتَرَحَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَتَبِعُوهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ.
وَقَدْ رَأَيْتُ مُجَلَّدًا جَمَعَهُ الْوَزِيرُ بِبَغْدَادَ عَلَاءُ الدِّينِ الْجُوَيْنِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، فَذَكَرَ فِيهِ سِيرَتَهُ، وَمَا كَانَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ السِّيَاسِيِّ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالتَّدْبِيرِ الْجَيِّدِ لِلْمُلْكِ وَالرَّعَايَا وَالْحُرُوبِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ خَصِيصًا عِنْدَ الْمَلِكِ أُزْبَكْ خَانَ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ شَابًّا حَسَنًا، وَكَانَ اسْمُهُ أَوَّلًا تَمَرْجِي، ثُمَّ لَمَّا عَظُمَ سَمَّى نَفْسَهُ جِنْكِزْخَانَ، وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ قَدْ قَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، فَحَسَدَهُ عُظَمَاءُ الْمَلِكِ، وَوَشَوْا بِهِ إِلَيْهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَلَيْهِ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ طَرِيقًا فِي ذَنْبٍ يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ تَغَضَّبَ الْمَلِكُ عَلَى مَمْلُوكَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَهَرَبَا مِنْهُ وَلَجَآ إِلَى جِنْكِزْخَانَ فَأَكْرَمَهُمَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ بِمَا يُضْمِرُهُ الْمَلِكُ أُزْبَكْ خَانَ مِنْ قَتْلِهِ وَالْهَمِّ بِهِ، فَأَخَذَ حِذْرَهُ وَتَحَيَّزَ بِدَوْلَةٍ، وَاتَّبَعَهُ طَوَائِفُ مِنَ التَّتَارِ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أُزْبَكْ خَانَ يَنْفِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَفِدُونَ عَلَيْهِ، فَيُكْرِمُهُمْ وَيُعْطِيهِمْ حَتَّى قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَتْ
стр. 10905
جُنُودُهُ، ثُمَّ حَارَبَ بَعْدَ ذَلِكَ أُزْبَكْ خَانَ، فَظَفَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ وَمُلْكِهِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ عَدَدُهُ وَعُدَدُهُ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَبَعُدَ صِيتُهُ، وَخَضَعَتْ لَهُ قَبَائِلُ التُّرْكِ بِبِلَادِ طَمْغَاجَ كُلِّهَا، حَتَّى صَارَ يَرْكَبُ فِي نَحْوِ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَأَكْثَرُ الْقَبَائِلِ قَبِيلَتُهُ الَّتِي هُوَ مِنْ أَصْلِهَا يُقَالُ لَهَا: قِيَّاتُ. ثُمَّ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إِلَيْهِ بَعْدَهُمْ قَبِيلَتَانِ كَبِيرَتَا الْعَدَدِ، وَهُمَا أَوَيْرَاتُ وَقَنْقُورَاتُ.
وَكَانَ يَصْطَادُ مِنَ السَّنَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَالْبَاقِي لِلْحَرْبِ وَالْحُكْمِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَكَانَ يَضْرِبُ الْحَلْقَةَ يَكُونُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَتَضَايَقُ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا يُحَدُّ كَثْرَةً.
ثُمَّ نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلِكِ جَلَالِ الدِّينِ خُوَارَزْمَ شَاهْ صَاحِبِ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَالِيمِ وَالْمَمَالِكِ، فَقَهَرَهُ جِنْكِزْخَانُ وَكَسَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَسَلَبَهُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى سَائِرِ بِلَادِهِ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبِأَوْلَادِهِ فِي أَيْسَرِ مُدَّةٍ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْحَوَادِثِ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ مُلْكِ جِنْكِزْخَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ قِتَالُهُ لِخُوَارَزْمَ شَاهْ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمَاتَ خُوَارَزْمُ شَاهْ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، فَاسْتَحْوَذَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَمَالِكِ بِلَا مُنَازِعٍ وَلَا مُمَانِعٍ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَجَعَلُوهُ فِي تَابُوتٍ مِنْ حَدِيدٍ وَرَبَطُوهُ بِسَلَاسِلَ وَعَلَّقُوهُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ هُنَالِكَ، وَأَمَّا كِتَابُهُ الْيَاسَاقُ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ فِي مُجَلَّدَيْنِ بِخَطٍّ غَلِيظٍ، وَيُحْمَلُ عَلَى بَعِيرٍ
стр. 10906
مُعَظَّمٍ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَصْعَدُ جَبَلًا، ثُمَّ يَنْزِلُ، ثُمَّ يَصْعَدُ، ثُمَّ يَنْزِلُ حَتَّى يُعْيِيَ وَيَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ مَنْ عِنْدَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا يُلْقَى عَلَى لِسَانِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ بِمَا فِيهَا.
وَذَكَرَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ بَعْضَ عُبَّادِهِمْ كَانَ يَصْعَدُ الْجِبَالَ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ لِلْعِبَادَةِ، فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: إِنَّا قَدْ مَلَّكْنَا جِنْكِزْخَانَ وَذُرِّيَّتَهُ وَجْهَ الْأَرْضِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: فَمَشَايِخُ الْمَغُولِ يُصَدِّقُونَ بِهَذَا، وَيَأْخُذُونَهُ مُسَلَّمًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْجُوَيْنِيُّ شَيْئًا مِنَ الْيَاسَاقِ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ مَنْ زَنَا قُتِلَ، مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَاطَ قُتِلَ، وَمَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ قُتِلَ، وَمَنْ سَحَرَ قُتِلَ، وَمَنْ تَجَسَّسَ قُتِلَ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَأَعَانَ أَحَدَهُمَا قُتِلَ، وَمَنْ بَالَ فِي الْمَاءِ الْوَاقِفِ قُتِلَ، وَمَنِ انْغَمَسَ فِيهِ قُتِلَ، وَمَنْ أَطْعَمَ أَسِيرًا أَوْ سَقَاهُ أَوْ كَسَاهُ بِغَيْرِ إِذَنْ أَهْلِهِ قُتِلَ، وَمَنْ وَجَدَ هَارِبًا وَلَمْ يَرُدَّهُ قُتِلَ، وَمَنْ رَمَى إِلَى أَحَدٍ شَيْئًا مِنَ الْمَأْكُولِ قُتِلَ، بَلْ يُنَاوِلُهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِهِ، وَمَنْ أَطْعَمَ أَحَدًا شَيْئًا فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ أَوَّلًا، وَلَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ أَمِيرًا لِأَسِيرٍ، وَمَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُطْعِمْ مَنْ عِنْدَهُ قُتِلَ، وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا ذُبِحَ مِثْلَهُ، بَلْ يَشُقُّ جَوْفَهُ، وَيَتَنَاوَلُ قَلْبَهُ بِيَدِهِ يَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَوْفِهِ أَوَّلًا.
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُخَالَفَةٌ لِشَرَائِعِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى عِبَادِهِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَمَنْ تَرَكَ الشَّرْعَ الْمُحْكَمَ الْمُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ،
стр. 10907
وَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ كَفَرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَحَاكَمَ إِلَى «الْيَاسَاقِ» وَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ؟ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ «الْمَائِدَةِ:
». وَقَالَ تَعَالَى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النِّسَاءِ: ٦٥].
وَمِنْ آدَابِهِمُ الطَّاعَةُ لِسُلْطَانِهِمْ غَايَةَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَأَنْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِ أَبْكَارَهُمُ الْحِسَانَ لِيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ شَاءَ مِنْ حَاشِيَتِهِ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ، وَمِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُخَاطِبُوا الْمَلِكَ بِاسْمِهِ، وَمَنْ مَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُمْ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَلَا يَتَخَطَّى مَوْقِدَ النَّارِ وَلَا طَبَقَ الطَّعَامِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْخَرْكَاهْ، وَلَا يَغْسِلُونَ ثِيَابَهُمْ حَتَّى يَبْدُو وَسَخُهَا، وَلَا يُكَلِّفُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ شَيْئًا مِنَ الْجِنَايَاتِ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لَمْالِ مَيِّتٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ عَلَاءُ الدِّينِ الْجُوَيْنِيُّ طَرَفًا كَبِيرًا مِنْ أَخْبَارِ جِنْكِزْخَانَ وَمَكَارِمَ كَانَ يَفْعَلُهَا لِسَجِيَّتِهِ وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا بِاللَّهِ يَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَقَدْ قَتَلَ مِنَ الْخَلَائِقِ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَلَكِنْ كَانَ الْبَدَاءَةُ مِنْ خُوَارَزْمَ شَاهْ; فَإِنَّهُ لَمَّا أَرْسَلَ جِنْكِزْخَانُ تُجَّارًا مِنْ جِهَتِهِ مَعَهُمْ بَضَائِعُ كَثِيرَةٌ مِنْ بِلَادِهِ، فَانْتَهَوْا إِلَى إِيرَانَ، فَقَتَلَهُمْ نَائِبُهَا مِنْ جِهَةِ خُوَارَزْمَ شَاهْ، وَهُوَ وَالِدُ زَوْجَتِهِ كَشْلِي خَانَ، وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ،
стр. 10908
فَأَرْسَلَ جِنْكِزْخَانُ إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ يَسْتَعْلِمُهُ هَلْ وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْ رِضَا مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ لَهُ فِيمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ: مِنَ الْمَعْهُودِ مِنَ الْمُلُوكِ أَنَّ التُّجَّارَ لَا يُقْتَلُونَ; لِأَنَّهُمْ عِمَارَةُ الْأَقَالِيمِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ إِلَى الْمُلُوكِ التُّحَفَ وَالْأَشْيَاءَ النَّفِيسَةَ، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ التُّجَّارَ كَانُوا عَلَى دِينِكَ، فَقَتَلَهُمْ نَائِبُكَ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا أَنْكَرْتَهُ، وَإِلَّا طَلَبْنَا بِدِمَائِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْمُ شَاهْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ جِنْكِزْخَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ سِوَى أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ.
وَقَدْ كَانَ خَرِفَ وَكَبُرَتْ سِنُّهُ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ: اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ جِنْكِزْخَانَ تَجَهَّزَ لِقِتَالِهِ وَأَخْذِ بِلَادِهِ، فَكَانَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِأَغْرَبَ مِنْهَا وَلَا أَبْشَعَ.
فَمِمَّا ذَكَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّمَ لَهُ بَعْضُ الْفَلَّاحِينَ بِالصَّيْدِ ثَلَاثَ بِطِّيخَاتٍ، فَلَمْ يَتَّفِقْ أَنَّ عِنْدَ جِنْكِزْخَانَ أَحَدًا مِنَ الْخَزَنْدَارِيَّةِ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ خَاتُونَ: أَعْطِيهِ هَذَيْنِ الْقُرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي أُذُنَيْكِ. وَكَانَ فِيهِمَا جَوْهَرَتَانِ نَفِيسَتَانِ جِدًّا، فَشَحَّتِ الْمَرْأَةُ بِهِمَا وَقَالَتِ: انْظُرْ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَدْرِي مَا هُمَا. فَقَالَ لَهَا ادْفَعِيهِمَا إِلَيْهِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَيِّتَانِ اللَّيْلَةَ إِلَّا عِنْدَكِ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَدَعَهُ يَذْهَبُ عَنَّا مُقَلْقَلَ الْخَاطِرِ، وَرُبَّمَا لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ بَعْدَ هَذَا، وَإِنَّ هَذَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنَّ أَحَدًا إِذَا اشْتَرَاهُمَا إِلَّا جَاءَ بِهِمَا إِلَيْكِ; فَانْتَزَعَتْهُمَا فَدَفَعَتْهُمَا إِلَى الْفَلَّاحِ، فَطَارَ عَقْلُهُ بِهِمَا، وَذَهَبَ بِهِمَا، فَبَاعَهُمَا لِأَحَدِ التُّجَّارِ بِأَلْفِ دِينَارٍ،
стр. 10909
وَلَمْ يَعْرِفْ قِيمَتَهُمَا، فَحَمَلَهُمَا التَّاجِرُ إِلَى الْمَلِكِ، فَرَدَّهُمَا عَلَى زَوْجَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَدَ الْجُوَيْنِيُّ عِنْدَ ذَلِكَ:
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْبَحْرَ وَالْقَطْرَ أَشْبَهَا … نَدَاهُ فَقَدْ أَثْنَى عَلَى الْبَحْرِ وَالْقَطْرِ
قَالَ: وَاجْتَازَ يَوْمًا فِي سُوقٍ، فَرَأَى عِنْدَ بَقَّالٍ عُنَّابًا، فَأَعْجَبَهُ لَوْنُهُ وَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِبَالِسٍ، فَاشْتَرَى الْحَاجِبُ مِنْهُ بِرُبْعِ بَالِسٍ، فَلَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَعْجَبَهُ وَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ بِبَالِسٍ؟! فَقَالَ: وَبَقِيَ مِنْهُ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَتَى يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ مِثْلِي؟ تَمِّمُوا لَهُ عَشَرَةَ بَوَالِسَ.
قَالُوا: وَأَهْدَى لَهُ رَجُلٌ جَامَ زُجَاجٍ مِنْ مَعْمُولِ حَلَبَ، فَاسْتَحْسَنَهُ جِنْكِزْخَانُ، فَوَهَّنَ أَمَرَهُ عِنْدَهُ بَعْضُ خَوَاصِّهِ، وَقَالَ: خُوَنْدُ، هَذَا زُجَاجٌ لَا قِيمَةَ لَهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ حَمَلَهُ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَيْنَا سَالِمًا؟ أَعْطُوهُ مِائَتَيْ بَالِسٍ.
وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَنْزًا عَظِيمًا، فَلَوْ فَتَحْتَهُ أَخَذْتَ مِنْهُ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: الَّذِي فِي أَيْدِينَا يَكْفِينَا، وَدَعْ هَذَا يَفْتَحُهُ النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهُ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنَّا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.
стр. 10910
قَالَ: وَاشْتُهِرَ عَنْ رَجُلٍ فِي بِلَادِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَعْرِفُ مَوْضِعَ كَنْزٍ، وَلَا أَقُولُهُ إِلَّا لِلْقَانِ. وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْأُمَرَاءُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلْقَانِ، فَأَحْضَرَهُ عَلَى خَيْلِ الْأَوْلَاقِ - يَعْنِي الْبَرِيدَ - سَرِيعًا، فَلَمَّا حَضَرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ سَأَلَهُ عَنِ الْكَنْزِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ حِيلَةً لِأَرَى وَجْهَكَ. فَلَمَّا رَأَى تَغَيُّرَ كَلَامِهِ غَضِبَ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ حَصَلَ لَكَ مَا طَلَبْتَ فَارْجِعْ إِلَى مَوْضِعِكَ، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ سَالِمًا، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَهَذَا غَرِيبٌ.
قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ إِنْسَانٌ رُمَّانَةً، فَكَسَرَهَا وَفَرَّقَ حَبَّهَا عَلَى الْحَاضِرِينَ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَدَدِ حَبِّهَا بِوَالِسَ، ثُمَّ أَنْشَدَ عِنْدَ ذَلِكَ:
فَلِذَاكَ تَزْدَحِمُ الْوُفُودُ بِبَابِهِ … مِثْلَ ازْدِحَامِ الْحَبِّ فِي الرُّمَّانِ
قَالَ: وَقَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَافِرٌ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ جِنْكِزْخَانَ يَقُولُ: قُلْ لِأَبِي يَقْتُلُ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ لَهُ: هَذَا كَذِبٌ. وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
قَالَ: وَأَمَرَ بِقَتْلِ ثَلَاثَةٍ قَدْ قَضَتِ الْيَاسَقُ بِقَتْلِهِمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي وَتَلْطِمُ. فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ أَحْضِرُوهَا. فَقَالَتْ: هَذَا ابْنِي، وَهَذَا أَخِي، وَهَذَا زَوْجِي. فَقَالَ: اخْتَارِي وَاحِدًا مِنْهُمْ حَتَّى أُطْلِقَهُ لَكِ. فَقَالَتِ: الزَّوْجُ يَجِيءُ مِثْلُهُ، وَالِابْنُ كَذَلِكَ، وَالْأَخُ لَا عِوَضَ لَهُ. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَأَطْلَقَ الثَّلَاثَةَ لَهَا.
قَالَ: وَكَانَ يُحِبُّ الْمُصَارِعِينَ وَأَهْلَ الشَّطَارَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَذُكِرَ لَهُ إِنْسَانٌ بِخُرَاسَانَ، فَأَحْضَرَهُ، فَصَرَعَ جَمِيعَ مَنْ عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ وَأَعْطَاهُ، وَأَطْلَقَ لَهُ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِ الْمَغُولِ حَسْنَاءَ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً لَا يَتَعَرَّضُ
стр. 10911
لَهَا، فَاتَّفَقَ مَجِيئُهَا زَائِرَةً بَيْتَ الْقَانِ، فَجَعَلَ السُّلْطَانُ يُمَازِحُهَا وَيَقُولُ: كَيْفَ رَأَيْتِ الْمُسْتَعْرِبَ؟ فَذَكَرَتْ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْضَرَهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا خُوَنْدُ، أَنَا إِنَّمَا حَظِيتُ عِنْدَكَ بِالشَّطَارَةِ، وَمَتَى قَرِبْتُهَا نَقَصَتْ مَنْزِلَتِي عِنْدَكَ.
قَالَ: وَلَمَّا احْتُضِرَ أَوْصَى أَوْلَادَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَعَدَمِ الِافْتِرَاقِ، وَضَرَبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَمْثَالَ، وَأَحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ نُشَّابًا، وَيَأْخُذُ السَّهْمَ فَيُعْطِيهِ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ، فَيَكْسِرُهُ، ثُمَّ أَحْضَرَ حُزْمَةً أُخْرَى وَدَفَعَهَا مَجْمُوعَةً إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُطِيقُوا كَسْرَهَا. فَقَالَ: هَذَا مَثَلُكُمْ إِذَا اجْتَمَعْتُمْ وَاتَّفَقْتُمْ، وَذَلِكَ مَثَلُكُمْ إِذَا انْفَرَدْتُمْ وَاخْتَلَفْتُمْ.
قَالَ: وَكَانَ لَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ هُمْ عُظَمَاءُ أَوْلَادِهِ; وَأَكْبَرُهُمْ تُولِي، وَهُمْ: تُولِي، وَبَاتُو، وَبَرَكَةُ، وَتُرْكِجَارُ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ وَظِيفَةٌ عِنْدَهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الْجُوَيْنِيُّ عَلَى مُلْكِ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى زَمَانِ هُولَاكُو خَانَ، وَهُوَ يَقُولُ فِي اسْمِهِ بَاذْشَاهْ زَادَهْ هُولَاكُو وَذَكَرَ مَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الْأَوَابِدِ وَالْأُمُورِ الْمُزْعِجَةِ، كَمَا بَسَطْنَا فِي الْحَوَادِثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ، عِيسَى بْنُ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، مَلِكُ
стр. 10912
دِمَشْقَ وَالشَّامِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلْخَ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ اسْتِقْلَالُهُ بِمُلْكِ دِمَشْقَ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَكَانَ شُجَاعًا بَاسِلًا عَالِمًا فَاضِلًا اشْتَغَلَ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْحَصِيرِيِّ مُدَرِّسِ النُّورِيَّةِ، وَفِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ عَلَى تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ، وَكَانَ مَحْفُوظُهُ «مُفَصَّلَ الزَّمَخْشَرِيِّ»، وَكَانَ يُجِيزُ مَنْ حَفِظَهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ كِتَابٌ فِي اللُّغَةِ يَشْمَلُ «صِحَاحَ الْجَوْهَرِيِّ»، وَ «الْجَمْهَرَةَ» لِابْنِ دُرَيْدٍ، وَ «التَّهْذِيبَ» لِلْأَزْهَرِيِّ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُرَتَّبَ لَهُ مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَكَانَ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَيُكْرِمُهُمْ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُتَابَعَةِ الْخَيْرِ، وَيَقُولُ: أَنَا عَلَى عَقِيدَةِ الطَّحَاوِيِّ. وَأَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ أَنْ لَا يُكَفَّنَ إِلَّا فِي الْبَيَاضِ، وَأَنْ يُلْحَدَ لَهُ، وَيُدْفَنَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَا يُبْنَيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: وَاقِعَةُ دِمْيَاطَ أَدَّخِرُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْجُو أَنْ يَرْحَمَنِي بِهَا. يَعْنِي أَنَّهُ أَبْلَى فِيهَا بَلَاءً حَسَنًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ جُمِعَ لَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالْبَرَاعَةِ وَالْعِلْمِ وَمَحَبَّةِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَجِيءُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ إِلَى تُرْبَةِ وَالِدِهِ، فَيَجْلِسُ قَلِيلًا، ثُمَّ إِذَا ذَكَرَ الْمُؤَذِّنُونَ يَنْطَلِقُ إِلَى تُرْبَةِ عَمِّهِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَيُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَةَ.
وَكَانَ قَلِيلَ التَّعَاظُمِ يَرْكَبُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَلْحَقُهُ بَعْضُ غِلْمَانِهِ سَوْقًا، وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَمُحِبُّ الدِّينِ بْنُ أَبِي السُّعُودِ الْبَغْدَادِيُّ:
لَئِنْ غُودِرَتْ تِلْكَ الْمَحَاسِنُ فِي الثَّرَى … بَوَالٍ فَمَا وَجْدِي عَلَيْكَ بِبَالِ
وَمُذْ غِبْتَ عَنِّي مَا ظَفِرْتُ بِصَاحِبٍ … أَخِي ثِقَةٍ إِلَّا خَطَرْتَ بِبَالِي
وَمَلَكَ دِمَشْقَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ النَّاصِرُ دَاوُدُ بْنُ الْمُعَظَّمِ، وَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ:
стр. 10913
أَبُو الْمَعَالِي أَسْعَدُ بْنُ يَحْيَى، بْنِ مُوسَى بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ وَهْبٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ السِّنْجَارِيُّ، شَيْخٌ أَدِيبٌ فَاضِلٌ خَيِّرٌ، لَهُ نَظْمٌ وَنَثْرٌ ظَرِيفٌ، وَلَهُ نَوَادِرُ حَسَنَةٌ، وَجَاوَزَ التِّسْعِينَ، قَدِ اسْتَوْزَرَهُ صَاحِبُ حَمَاةَ فِي وَقْتٍ، وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ أَوْرَدَ مِنْهُ ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً جَيِّدَةً فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَهَوَاكَ مَا خَطَرَ السُّلُوُّ بِبَالِهِ … وَلَأَنْتَ أَعْلَمُ فِي الْغَرَامِ بِحَالِهِ
فَمَتَى وَشَى وَاشٍ إِلَيْكَ بِأَنَّهُ … سَالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنْ عُذَّالِهِ
أَوَلَيَسَ لِلْكَلِفِ الْمُعَنَّى شَاهِدٌ … مِنْ حَالِهِ يُغْنِيكَ عَنْ تَسْآلِهِ
جَدَّدْتَ ثَوْبَ سِقَامِهِ وَهَتَكْتَ سَتْ … رَ غَرَامِهِ وَصَرَمْتَ حَبْلَ وِصَالِهِ
يَا لَلْعَجَائِبِ مِنْ أَسِيرٍ دَأْبُهُ … يَفْدِي الطَّلِيقَ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ
وَلَهُ أَيْضًا:
لَامَ الْعَوَاذِلُ فِي هَوَاكِ فَأَكْثَرُوا … هَيْهَاتَ مِيعَادُ السُّلُوِّ الْمَحْشَرُ
جَهِلُوا مَكَانَكِ فِي الْقُلُوبِ فَطَوَّلُوا … لَوْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا كَوَجْدِي أَقْصَرُوا
صَبْرًا عَلَى عَذْبِ الْهَوَى وَعَذَابِهِ … وَأَخُو الْهَوَى أَبَدًا يُلَامُ وَيُعْذَرُ
أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ، بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الطِّيبِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالصَّائِنِ، أَحَدُ الْمُعِيدِينَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَدَرَسَ بِالثِّقَتِيَّةِ، وَكَانَ عَارِفًا
стр. 10914
بِالْمَذْهَبِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، صَنَّفَ شَرْحًا لِلتَّنْبِيهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي.
أَبُو النَّجْمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ التَّكْرِيتِيُّ
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ تَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ فَضْلَانَ، ثُمَّ أَعَادَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَدَرَسَ فِي غَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْتَغِلُ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ دَرْسًا، وَلَيْسَ لَهُ دَأْبٌ إِلَّا الِاشْتِغَالُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَانَ بَارِعًا، كَثِيرَ الْعُلُومِ، قَدْ أَتْقَنَ الْمَذْهَبَ وَالْخِلَافَ، وَكَانَ يُفْتِي فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِوَاحِدَةٍ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الدَّامَغَانِيُّ، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، ثُمَّ أُخْرِجَ إِلَى تَكْرِيتَ، فَأَقَامَ بِهَا ثُمَّ اسْتُدْعِيَ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَادَ إِلَى الِاشْتِغَالِ، وَأَعَادَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِلَى إِعَادَتِهِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ وَالْفَتْوَى وَالْوَجَاهَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي.
стр. 10915
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ وَالتَّتَارِ، كَسَرُوهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَسَرَهُمْ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا وَأُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ هَؤُلَاءِ التَّتَارُ قَدِ انْفَرَدُوا وَعَصَوْا عَلَى جِنْكِزْخَانَ، فَكَتَبَ ابْنُ جِنْكِزْخَانَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنَّا وَنَحْنُ أَبْعَدْنَاهُمْ، وَلَكِنْ سَتَرَى مِنَّا مَا لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ.
وَفِيهَا قَدِمَتْ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ مِنْ نَاحِيَةِ صِقِلِّيَّةَ، فَنَزَلُوا عَكَّا وَصُورَ، وَحَمَلُوا عَلَى مَدِينَةِ صَيْدَا، فَانْتَزَعُوهَا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَغَزَوْهَا وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَجَاءَ الْأَنْبِرُورُ مَلِكُ جَزِيرَةِ قُبْرُسَ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ عَكَّا فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَرَكِبَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَادِلِ صَاحِبُ مِصْرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَدَخَلَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَابُلُسَ، فَخَافَ النَّاصِرُ دَاوُدُ بْنُ الْمُعَظَّمِ مِنْ عَمِّهِ الْكَامِلِ، فَكَتَبَ إِلَى عَمِّهِ الْأَشْرَفِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ جَرِيدَةً، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَكُفُّهُ عَنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَأَجَابَهُ الْكَامِلُ بِأَنِّي إِنَّمَا جِئْتُ لِحِفْظِ بَيْتِ
стр. 10916
الْمَقْدِسِ وَصَوْنِهِ عَنِ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَخْذَهُ، وَحَاشَى لِلَّهِ أَنْ أُحَاصِرَ أَخِي أَوِ ابْنَ أَخِي، وَبَعْدَ أَنْ جِئْتَ أَنْتَ إِلَى الشَّامِ، فَأَنْتَ تَحْفَظُهَا، وَأَنَا رَاجِعٌ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. فَخَشِيَ الْأَشْرَفُ وَأَهْلُ الشَّامِ إِنْ رَجَعَ الْكَامِلُ أَنْ تَمْتَدَّ أَطْمَاعُ الْفِرِنْجِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَرَكِبَ الْأَشْرَفُ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ، فَثَبَّطَهُ عَنِ الرُّجُوعِ. وَأَقَامَا جَمِيعًا هُنَالِكَ، جَزَاهُمَا اللَّهُ خَيْرًا، يَحْفَظَانِ جَنَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنِ الْفِرِنْجِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاجْتَمَعَ إِلَى الْمَلِكِ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ، كَأَخِيهِ الْأَشْرَفِ وَأَخِيهِمَا الشِّهَابِ غَازِيِّ بْنِ الْعَادِلِ، وَأَخِيهِمُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَادِلِ، وَصَاحِبِ حِمْصَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرْكُوهْ، وَغَيْرِهِمْ. وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى نَزْعِ النَّاصِرِ دَاوُدَ عَنْ مُلْكِ دِمَشْقَ وَتَسْلِيمِهَا إِلَى الْأَشْرَفِ مُوسَى; لِأَجْلِ حِفْظِ الشَّامِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَسَيَأْتِي تَنْفِيذُ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ، إِنَّ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا عُزِلَ الصَّدْرُ الْبَكْرِيُّ عَنْ حِسْبَةِ دِمَشْقَ وَمَشْيَخَةِ الشُّيُوخِ، وَوَلِيَ فِيهِمَا اثْنَانِ غَيْرُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ: وَفِي أَوَائِلِ رَجَبٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمَرَّاكُشِيُّ الْمُقِيمُ بِالْمَدْرَسَةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَدُفِنَ بِالْمَقْبَرَةِ الَّتِي وَقَفَهَا الرَّئِيسُ خَلِيلُ بْنُ زُوَيْزَانَ قِبْلِيَّ مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دُفِنَ بِهَا.
стр. 10917
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَمُلُوكُ بَنِي أَيُّوبَ مُفْتَرِقُونَ مُخْتَلِفُونَ، قَدْ صَارُوا أَحْزَابًا وَفِرَقًا، وَقَدِ اجْتَمَعَ مُلُوكُهُمْ إِلَى الْكَامِلِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِنَوَاحِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْفِرِنْجِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - بِكَثْرَتِهِمْ بِمَنْ وَفَدَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، وَبِمَوْتِ الْمُعَظَّمِ وَاخْتِلَافِ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُلُوكِ، فَطَلَبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَوَقَعَتِ الْمُصَالَحَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُلُوكِ أَنْ يَرُدُّوا لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَحْدَهُ، وَتَبْقَى بِأَيْدِيهِمْ بَقِيَّةٌ، فَتَسَلَّمُوا الْقُدْسَ الشَّرِيفَ، وَكَانَ الْمُعَظَّمُ قَدْ هَدَمَ أَسْوَارَهُ فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جِدًّا، وَحَصَلَ وَهْنٌ شَدِيدٌ وَإِرْجَافٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ثُمَّ قَدِمَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ، فَحَاصَرَ دِمَشْقَ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، فَقَطَعَ الْأَنْهَارَ، وَنُهِبَتِ الْحَوَاضِرُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَلَمْ يَزَلِ الْجُنُودُ حَوْلَهَا حَتَّى أَخْرَجَ مِنْهَا ابْنَ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ الْمَلِكَ النَّاصِرَ دَاوُدَ بْنَ الْمُعَظَّمِ، عَلَى أَنْ يُقِيمَ مَلِكًا بِمَدِينَةِ الْكَرَكِ وَالشَّوْبَكِ وَنَابُلُسَ وَقَرَايَا مِنَ الْغَوْرِ وَالْبَلْقَاءِ، وَيَكُونُ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ أَيْبَكُ أُسْتَاذُ دَارِ الْمُعَظَّمِ صَاحِبَ صَرْخَدَ، ثُمَّ تَقَايَضَ الْأَشْرَفُ وَأَخُوهُ الْكَامِلُ، فَأَخَذَ الْأَشْرَفُ دِمَشْقَ وَأَعْطَى أَخَاهُ حَرَّانَ وَالرُّهَا وَرَأْسَ الْعَيْنِ وَالرَّقَّةَ
стр. 10918
وَسَرُوجَ، ثُمَّ سَارَ الْكَامِلُ فَحَاصَرَ حَمَاةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ عَمَرَ قَدْ تُوُفِّيَ، وَعَهِدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَكْبَرِ وَلَدِهِ الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ زَوْجُ بِنْتِ الْكَامِلِ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَمَاةَ أَخُوهُ صَلَاحُ الدِّينِ قِلِيجُ أَرْسَلَانَ، فَحَاصَرَهُ الْكَامِلُ حَتَّى أَنْزَلَهُ مِنْ قَلْعَتِهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى أَخِيهِ الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ سَارَ فَتَسَلَّمَ الْبِلَادَ الَّتِي قَايَضَ بِهَا عَنْ دِمَشْقَ مِنْ أَخِيهِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ النَّاسُ بِدِمَشْقَ قَدِ اشْتَغَلُوا بِعِلْمِ الْأَوَائِلِ فِي أَيَّامِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ دَاوُدَ، وَكَانَ يُعَانِي ذَلِكَ، وَرُبَّمَا نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الِانْحِلَالِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَنَادَى الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ بِالْبُلْدَانِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَأَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ مُدَرِّسًا بِالْعَزِيزِيَّةِ، فَعَزَلَهُ عَنْهَا، وَبَقِيَ مُلَازِمًا مَنْزِلَهُ حَتَّى مَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا كَانَ النَّاصِرُ دَاوُدُ قَدْ أَضَافَ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْخُوَيِّيِّ الْقَاضِيَ مُحْيِي الدِّينِ أَبَا الْفَضَائِلِ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الزَّكِيِّ، فَحَكَمَ أَيَّامًا بِالشُّبَّاكِ، شَرْقِيَّ بَابِ الْكَلَّاسَةِ، ثُمَّ صَارَ يَحْكُمُ بِدَارِهِ، مُشَارِكًا لِابْنِ الْخُوَيِّيِّ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
стр. 10919
أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ صَابِرٍ الْحَرَّانِيُّ
ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْجَنِيقِيُّ، كَانَ فَاضِلًا فِي فَنِّهِ، وَشَاعِرًا مُطَبِّقًا، لَطِيفَ الشِّعْرِ، حَسَنَ الْمَعَانِي، قَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً صَالِحَةً، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا أَوْرَدَ لَهُ قَصِيدَةٌ فِيهَا تَعْزِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهِيَ قَوْلُهُ:
هَلْ لِمَنْ يَرْتَجِي الْبَقَاءَ خُلُودُ … وَسِوَى اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ يَبِيدُ
وَالَّذِي كَانَ مِنْ تُرَابٍ وَإِنْ عَا … شَ طَوِيلًا لِلتُّرَابِ يَعُودُ
فَمَصِيرُ الْأَنَامِ طُرًّا إِلَى مَا … صَارَ فِيهِ آبَاؤُهُمْ وَالْجُدُودُ
أَيْنَ حَوَّاءُ أَيْنَ آدَمُ إِذْ فَا … تَهُمُ الْخُلْدُ وَالثَّوَى وَالْخُلُودُ
أَيْنَ هَابِيلُ أَيْنَ قَابِيلُ إِذْ هَـ … ـــذَا لِهَذَا مُعَانِدٌ وَحَسُودُ
أَيْنَ نُوحٌ وَمَنْ نَجَا مَعَهُ بِالْ … فُلْكِ وَالْعَالَمُونَ طُرًّا فَقِيدُ
أَسْلَمَتْهُ الْأَيَّامُ كَالطِّفْلِ لِلْمَوْ … تِ وَلَمْ يُغْنِ عُمْرُهُ الْمَمْدُودُ
أَيْنَ عَادٌ بَلْ أَيْنَ جَنَّةُ عَادٍ … أَمْ تُرَى أَيْنَ صَالِحٌ وَثَمُودُ
أَيْنَ إِبْرَاهِيمُ الَّذِي شَادَ بَيْتَ … اللَّهِ فَهْوُ الْمُعَظَّمُ الْمَقْصُودُ
حَسَدُوا يُوسُفًا أَخَاهُمْ فَكَادُو … هُ وَمَاتَ الْحَسُودُ وَالْمَحْسُودُ
وَسُلَيْمَانُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْمُلْ … كِ قَضَى مِثْلَ مَا قَضَى دَاوُدُ
فَغَدَوْا بَعْدَ مَا أُطِيعَ لِذَا الْخَلْ … قُ وَهَذَا لَهُ أُلِينَ الْحَدِيدُ
وَابْنُ عِمْرَانَ بَعْدَ آيَاتِهِ التِّسْ … عِ وَشَقِّ الْخِضَمِّ فَهْوُ صَعِيدُ
стр. 10920
.. وَالْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَهْوَ رُوحُ اللَّهِ
كَادَتْ تَقْضِي عَلَيْهِ الْيَهُودُ … وَقَضَى سَيِّدُ النَّبِيِّينَ وَالْهَا
دِي إِلَى الْحَقِّ أَحْمَدُ الْمَحْمُودُ … وَبَنُوهُ وَآلُهُ الطَّاهِرُونَ الزُّ
هْرُ صَلَّى عَلَيْهِمُ الْمَعْبُودُ … وَنُجُومُ السَّمَاءِ مُنْتَثِرَاتٌ
بَعْدَ حِينٍ وَلِلْهَوَاءِ رُكُودُ … وَلِنَارِ الدُّنْيَا الَّتِي تُوقِدُ الصَّخْ
رَ خُمُودٌ وَلِلْمِيَاهِ جُمُودُ … وَكَذَا لِلثَّرَى غَدَاةَ يَؤُمُّ النَّ
اسَ مِنْهَا تَزَلْزُلٌ وَهُمُودُ … هَذِهِ الْأُمَّهَاتُ نَارٌ وَتُرْبٌ
وَهَوَاءٌ رَطْبٌ وَمَاءٌ بَرُودُ … سَوْفَ يَفْنَى كَمَا فَنَيْنَا فَلَا يَبْ
قَى مِنَ الْخَلْقِ وَالِدٌ وَوَلِيدُ … لَا الشَّقِيُّ الْغَوِيُّ مِنْ نُوَبِ الْأَيَّ
امِ يَنْجُو وَلَا السَّعِيدُ الرَّشِيدُ … وَمَتَى سَلَّتِ الْمَنَايَا سُيُوفًا
فَالْمَوَالِي حَصِيدُهَا وَالْعَبِيدُ
الْمَلِكُ الْمَسْعُودُ أَقْسِيسُ بْنُ الْكَامِلِ، صَاحِبُ الْيَمَنِ، وَقَدْ مَلَكَ مَكَّةَ مِنْ سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، فَأَحْسَنَ بِهَا الْمَعْدَلَةَ، وَنَفَى الزَّيْدِيَّةَ مِنْهَا، وَأَمِنَتِ الطُّرُقَاتُ وَالْحُجَّاجُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، فِيهِ عَسْفٌ وَظُلْمٌ أَيْضًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَ بِبَابِ الْمُعَلَّى.
مُحَمَّدٌ السَّبْتِيُّ النَّجَّارُ
كَانَ يَعُدُّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْأَبْدَالِ، قَالَ أَبُو شَامَةَ:
стр. 10921
وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ غَرْبِيَّ دَارِ الْوَكَالَةِ عَنْ يَسَارِ الْمَارِّ فِي الشَّارِعِ، مِنْ مَالِهِ، وَدُفِنَ بِالْجَبَلِ. وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ مَشْهُودَةً - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
الْعَبَّادِيُّ الشَّاعِرُ، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سَالِمِ بْنِ يَزْبِكَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَلَّدٍ، الْعَبَّادِيُّ الشَّاعِرُ، مِنَ الْحَدِيثَةِ، قَدِمَ بَغْدَادَ مِرَارًا، وَامْتَدَحَ الْمُسْتَنْصِرَ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ فَاضِلًا كَثِيرَ التَّغَزُّلِ.
أَبُو الْفُتُوحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِثَعْلَبٍ، اشْتَغَلَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ
فَلْيَعْجَبِ النَّاسُ مِنِّي أَنَّ لِي بَدَنًا … لَا رُوحَ فِيهِ وَلِي رُوحٌ بِلَا بَدَنِ
أَبُو الْفَضْلِ جِبْرِيلُ بْنُ مَنْصُورِ، بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ جِبْرِيلَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ غَالِبِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ غَالِبِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زُطِينَا الْبَغْدَادِيُّ، كَاتِبُ الدِّيوَانِ بِهَا، أَسْلَمَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ وَأَبْلَغِهِمْ مَوْعِظَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: خَيْرُ أَوْقَاتِكَ سَاعَةٌ صَفَتْ لِلَّهِ، وَخَلَصَتْ مِنَ الْفِكْرَةِ لِغَيْرِهِ وَالرَّجَاءِ لِسِوَاهُ، وَمَا دُمْتَ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِالزَّمَانِ، اكْفُفْ كَفَّكَ، وَاصْرِفْ طَرْفَكَ، وَأَكْثِرْ صَوْمَكَ، وَأَقْلِلْ نَوْمَكَ،
стр. 10922
وَاشْكُرْ رَبَّكَ، يُحْمَدْ أَمْرُكَ.
وَقَالَ: زَادُ الْمُسَافِرِ مُقَدَّمٌ عَلَى رَحِيلِهِ، فَأَعِدَّ الزَّادَ تَبْلُغُ الْمُرَادَ.
وَقَالَ: إِلَى مَتَى تَتَمَادَى فِي الْغَفْلَةِ؟ كَأَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ عَوَاقِبَ الْمُهْلَةِ، عُمْرُ اللَّهْوِ مَضَى، وَعُمْرُ الشَّبِيبَةِ انْقَضَى، وَمَا حَصَلْتَ مِنْ رَبِّكَ عَلَى ثِقَةٍ بِالرِّضَا، وَقَدِ انْتَهَى بِكَ الْأَمْرُ إِلَى سِنِّ التَّخَاذُلِ، وَزَمَنِ التَّكَاسُلِ، وَمَا حَظِيتَ بِطَائِلٍ.
وَقَالَ: رُوحُكَ تَخْضَعُ، وَعَيْنُكَ لَا تَدْمَعُ، وَقَلْبُكَ لَا يَخْشَعُ، وَنَفْسُكَ لَا تَشْبَعُ، وَتَظْلِمُ نَفْسَكَ وَأَنْتَ لَهَا تَتَوَجَّعُ، وَتُظْهِرُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْمَالِ تَطْمَعُ، وَتَطْلُبُ مَا لَيْسَ لَكَ بِحَقٍّ وَمَا وَجَبَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ لَا تَدْفَعُ، وَتَرُومُ فَضْلَ رَبِّكَ وَلِلْمَاعُونِ تَمْنَعُ، وَتَعِيبُ نَفْسَكَ الْأَمَّارَةَ وَهِيَ عَنِ اللَّهْوِ لَا تَرْجِعُ، وَتُوقِظُ الْغَافِلِينَ بِإِنْذَارِكَ وَتَتَنَاوَمُ عَنْ سَهْمِكَ وَتَهْجَعُ، وَتَخُصُّ غَيْرَكَ بِخَيْرِكَ وَنَفْسَكَ الْفَقِيرَةَ لَا تَنْفَعُ، وَتَحُومُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتَ بِالْبَاطِلِ مُولَعٌ، وَتَتَعَثَّرُ فِي الْمَضَايِقِ وَطَرِيقُ النَّجَاةِ مَهْيَعٌ، وَتَتَهَجَّمُ عَلَى الذُّنُوبِ وَفِي الْمُجْرِمِينَ تَشْفَعُ، وَتَرْكَنُ إِلَى دَارِ السَّلَامَةِ وَأَنْتَ بِالْعَطْبِ مُرَوَّعٌ، وَتَحْرِصُ عَلَى زِيَادَةِ الِاكْتِسَابِ وَحِسَابُكَ فِي كِفْلِ غَيْرِكَ يُوضَعُ، وَتُظْهِرُ الْقَنَاعَةَ بِالْقَلِيلِ وَبِالْكَثِيرِ لَا تَشْبَعُ، وَتُعَمِّرُ الدَّارَ الْفَانِيَةَ وَدَارُكَ الْبَاقِيَةُ خَرَابٌ بِلَقْعٌ، وَتَسْتَوْطِنُ فِي مَنْزِلِ رَحِيلٍ كَأَنَّكَ إِلَى رَبِّكَ لَا تَرْجِعُ، وَتَظُنُّ أَنَّكَ بِلَا رَقِيبٍ وَأَعْمَالُكَ إِلَى الْمُرَاقِبِ تُرْفَعُ، وَتُقْدِمُ عَلَى الْكَبَائِرِ وَعَنِ الصَّغَائِرِ تَتَوَرَّعُ، وَتُؤَمِّلُ الْغُفْرَانَ وَأَنْتَ عَنِ الذُّنُوبِ لَا تُقْلِعُ، وَتَرَى
стр. 10923
الْأَهْوَالَ مُحِيطَةً بِكَ وَأَنْتَ فِي مَيْدَانِ اللَّهْوِ تَرْتَعُ، وَتَسْتَقْبِحُ أَفْعَالَ الْجُهَّالِ وَبَابَ الْجَهْلِ تَقْرَعُ، وَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْنَفَ مِنَ التَّعَسُّفِ، وَعَنِ الدَّنَايَا تَتَرَفَّعُ، وَقَدْ سَارَ الْمُخِفُّونَ وَتَخَلَّفْتَ فَمَاذَا تَتَوَقَّعُ؟
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي لَهُ شِعْرًا حَسَنًا فَمِنْهُ:
إِنْ سَهِرَتْ عَيْنُكَ فِي طَاعَةٍ … فَذَاكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ نَوْمِ
أَمْسُكَ قَدْ فَاتَ بِعِلَّاتِهِ … فَاسْتَدْرِكِ الْفَائِتَ فِي الْيَوْمِ
وَلَهُ:
إِنَّ رَبًّا هَدَاكَ بَعْدَ ضَلَالٍ … سُبُلَ الرُّشْدِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَهْ
فَتَعَبَّدْ لَهُ تَجِدْ مِنْهُ عِتْقًا … وَاسْتَدِمْ فَضْلَهُ بِطُولِ الزَّهَادَهْ
وَلَهُ:
إِذَا تَعَفَّفَتَ عَنْ حَرَامٍ … عُوِّضْتَ بِالطَّيِّبِ الْحَلَالِ
فَاقْنَعْ تَجِدْ فِي الْحَرَامِ حِلًّا … فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ذِي الْجَلَالِ
стр. 10924
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْأَشْرَفِ مُوسَى بْنِ الْعَادِلِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهِ الْخُوَارَزْمِيِّ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ كَانَ قَدْ أَخَذَ مَدِينَةَ خِلَاطَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَخَرَّبَهَا وَشَرَّدَ أَهْلَهَا، وَحَارَبَهُ عَلَاءُ الدِّينِ كَيْقُبَاذُ مَلِكُ الرُّومِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَشْرَفِ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ عَلَيْهِ وَلَوْ جَرِيدَةً وَحْدَهُ، فَقَدِمَ الْأَشْرَفُ فِي طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ عَسْكَرِ دِمَشْقَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرُ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ عَسْكَرِ خِلَاطَ، فَكَانُوا خَمْسَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ صَلِيبَةً، مَعَهُمُ الْعُدَّةُ الْكَامِلَةُ وَالْخُيُولُ الْهَائِلَةُ، فَالْتَقَوْا مَعَ جَلَالِ الدِّينِ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ فِي عِشْرِينَ
стр. 10925
أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا صَبَرَ، بَلْ تَقَهْقَرَ وَانْهَزَمَ وَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى الْأَثَرِ، وَلَمْ يَزَالُوا فِي أَثَرِهِمْ إِلَى مَدِينَةِ خُوَيٍّ. وَعَادَ الْأَشْرَفُ إِلَى مَدِينَةِ خِلَاطَ، فَوَجَدَهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَمَهَّدَهَا وَأَطَّدَهَا، ثُمَّ تَصَالَحَ هُوَ وَجَلَالُ الدِّينِ، وَعَادَ إِلَى مُسْتَقَرِّ مُلْكِهِ بِدِمَشْقَ، - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاهُ -
وَفِيهَا تَسَلَّمَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ قَلْعَةَ بَعْلَبَكَّ مِنَ الْمَلِكِ الْأَمْجَدِ بَهْرَامَ شَاهْ بَعْدَ حِصَارٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ أَخَاهُ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الشَّرْقِ بِسَبَبِ أَنَّ جَلَالَ الدِّينِ الْخُوَارَزْمِيَّ اسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادِ خِلَاطَ وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَنَهَبَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، فَالْتَقَى مَعَهُ الْأَشْرَفُ رَأْسًا هَائِلًا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، فَهَزَمَهُ الْأَشْرَفُ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَهَلَكَ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي الْبِلَادِ فَرَحًا بِنُصْرَةِ الْأَشْرَفِ عَلَى الْخُوَارَزْمِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَفْتَحُونَ بَلَدًا إِلَّا قَتَلُوا مَنْ فِيهِ وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ، فَكَسَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ كَانَ الْأَشْرَفُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا مُوسَى أَنْتَ مَنْصُورٌ عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا فَرَغَ مَنْ كَسْرِهِمْ عَادَ إِلَى بِلَادِ خِلَاطَ فَرَمَّمَ شَعَثَهَا، وَأَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنْهَا.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَذَا فِيمَا قَبْلَهَا، أَيْضًا فَهَذِهِ ثَلَاثُ سِنِينَ لَمْ يَسِرْ مِنَ الشَّامِ حَاجٌّ إِلَى الْحِجَازِ.
وَفِيهَا أَخَذَتِ الْفِرِنْجُ جَزِيرَةَ مَيُورْقَةَ وَقَتَلُوا بِهَا خَلْقًا، وَأَسَرُوا آخَرِينَ، فَقَدِمُوا
следующие страницы →