Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.
стр. 10851
وَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مَرَاكِبُ فِيهَا مِيرَةٌ لَهُمْ، فَأَخَذَهَا الْأُسْطُولُ الْبَحْرِيُّ، وَأُرْسِلَتِ الْمِيَاهُ عَلَى أَرَاضِي دِمْيَاطَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الْأَمَاكِنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَثَابُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ بِلَا مُعَاوَضَةٍ، فَجَاءَ مُقَدِّمُوهُمْ إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُ أَخَوَاهُ الْمُعَظَّمُ عِيسَى وَمُوسَى الْأَشْرَفُ، وَكَانَا قَائِمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا وَأَمْرًا مَحْمُودًا، فَوَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَا أَرَادَ الْكَامِلُ مُحَمَّدٌ، بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَمُلُوكُ الْفِرِنْجِ وَالْعَسَاكِرُ كُلُّهَا وَاقِفَةٌ بِحَضْرَتِهِ، وَمَدَّ سِمَاطًا عَظِيمًا، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَقَامَ رَاجِحٌ الْحِلِّيُّ الشَّاعِرُ فَأَنْشَدَ:
هَنِيئًا فَإِنَّ السَّعْدَ رَاحَ مُخَلَّدَا … وَقَدْ أَنْجَزَ الرَّحْمَنُ بِالنَّصْرِ مَوْعِدَا
حَبَانَا إِلَهُ الْخَلْقِ فَتْحًا بَدَا لَنَا … مُبِينًا وَإِنْعَامًا وَعِزًّا مُؤَبَّدَا
تَهَلَّلَ وَجْهُ الدَّهْرِ بَعْدَ قُطُوبِهِ … وَأَصْبَحَ وَجْهُ الشِّرْكِ بِالظُّلْمِ أَسْوَدَا
وَلَمَّا طَغَى الْبَحْرُ الْخِضَمُّ بِأَهْلِهِ الْطُّ … غَاةِ وَأَضْحَى بِالْمَرَاكِبِ مُزْبِدَا
أَقَامَ لْهَذَا الدِّينِ مَنْ سَلَّ عَزْمَهُ … صَقِيلًا كَمَا سُلَّ الْحُسَامُ مُجَرَّدَا
فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا كُلُّ شِلْوٍ مُجَدَّلٍ … ثَوَى مِنْهُمُ أَوْ مَنْ تَرَاهُ مْقَيَّدَا
وَنَادَى لِسَانُ الْكَوْنِ فِي الْأَرْضِ رَافِعًا … عَقِيرَتَهُ فِي الْخَافِقَيْنِ وَمُنْشِدَا
أَعُبَّادَ عِيسَى إِنَّ عِيسَى وَحِزْبَهُ … وَمُوسَى جَمِيعًا يَخْدُمُونَ مُحَمَّدَا
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ أَشَارَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَظَّمِ عِيسَى وَالْأَشْرَفِ
стр. 10852
مُوسَى وَالْكَامِلِ مُحَمَّدٍ. قَالَ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ شَيْءٍ اتَّفَقَ. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَرَاجَعَتِ الْفِرِنْجُ إِلَى عَكَّا وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، وَرَجَعَ الْمُعَظَّمُ إِلَى الشَّامِ، وَاصْطَلَحَ الْأَشْرَفُ وَالْكَامِلُ عَلَى أَخِيهِمَا الْمُعَظَّمِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ قَضَاءَ دِمَشْقَ لِجَمَالِ الدِّينِ الْمِصْرِيِّ الَّذِي كَانَ وَكِيلَ بَيْتِ الْمَالِ بِهَا، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا، يَجْلِسُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِالْعَادِلِيَّةِ وَبَعْدَ فَرَاغِهَا لِإِثْبَاتِ الْمَحَاضِرِ، وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ جَمِيعُ الشُّهُودِ مِنْ كُلِّ الْمَرَاكِزِ حَتَّى يَتَيَسَّرَ عَلَى النَّاسِ إِثْبَاتُ كُتُبِهِمْ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
يَاقُوتٌ الْكَاتِبُ الْمَوْصِلِيُّ، ﵀
أَمِينُ الدِّينِ الْمَشْهُورُ بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْبَوَّابِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُقَارِبُهُ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَانَ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ نَجِيبُ الدِّينِ الْوَاسِطِيُّ قَصِيدَةً يَمْدَحُهُ بِهَا:
جَامِعٌ شَارِدَ الْعُلُومِ وَلَوْلَا هُ … لَكَانَتْ أُمُّ الْفَضَائِلِ ثَكْلَى
ذُو يَرَاعٍ تَخَافُ زُبْيَتَهُ الْأُسْ … دُ وَتَعْنُو لَهُ الْكَتَائِبُ ذُلَّا
стр. 10853
.. وَإِذَا افْتَرَّ ثَغْرُهُ عَنْ سَوَادٍ
فِي بَيَاضٍ فَالْبِيضُ وَالسُّمْرُ خَجْلَى … أَنْتَ بَدْرٌ وَالْكَاتِبُ ابْنُ هِلَالٍ
كَأَبِيهِ لَا فَخْرَ فِيمَنْ تَوَلَّى … إِنْ يَكُنْ أَوَّلًا فَإِنَّكَ بِالتَّفْ
ضِيلِ أَوْلَى فَقَدْ سَبَقْتَ وَصَلَّى
جَلَالُ الدِّينِ الْحَسَنُ
مِنْ أَوْلَادِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ فِي قَوْمِهِ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ، وَحِفْظَ الْحُدُودِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْقِيَامَ فِيهَا بِالزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ.
الشَّيْخُ الصَّالِحُ
شِهَابُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ الْمَقْدِسِيُّ، الْحَنْبَلِيُّ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ النَّاسِكُ، كَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى أَسْفَلِ مِنْبَرِ الْخَطَابَةِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَحَفِظَ مَقَامَاتِ الْحَرِيرِيِّ فِي خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ لَهُ فُنُونٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ ظَرِيفًا مَطْبُوعًا، ﵀.
وَالْخَطِيبُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ كَامِلٍ الْمَقْدِسِيُّ، خَطِيبُ بَيْتِ الْآبَارِ، وَقَدْ نَابَ فِي دِمَشْقَ عَنِ الْخَطِيبِ جَمَالِ الدِّينِ الدَّوْلَعِيِّ حِينَ سَارَ فِي الرَّسْلِيَّةِ إِلَى خُوَارَزْمَ شَاهْ، حَتَّى عَادَ.
الْمُحَدِّثُ الْبَارِعُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو طَاهِرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ
стр. 10854
بْنِ الْأَنْمَاطِيِّ، قَرَأَ الْحَدِيثَ، وَرَحَلَ وَكَتَبَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ مُتْقِنًا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، حَافِظًا لَهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ الصَّلَاحِ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَمْدَحُهُ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ بِالْبَيْتِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْكَلَّاسَةِ الَّذِي كَانَ لِلْمَلِكِ الْمُحَسَّنِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، ثُمَّ أُخِذَ مِنِ ابْنِ الْأَنْمَاطِيِّ، وَسُلِّمَ إِلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدَّكَائِيِّ، وَاسْتَمَرَّ بِيَدِ أَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ، وَبِبَابِ النَّصْرِ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ، وَبِالْمَقْبَرَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
أَبُو الْغَيْثِ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ كُلَيْبٍ، بْنِ مُقْبِلٍ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَقَامَ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ وَلَهُ رَسَائِلُ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
إِذَا كُنْتُمُ لِلنَّاسِ أَهْلَ سِيَاسَةٍ … فَسُوسُوا كِرَامَ النَّاسِ بِالْجُودِ وَالْبَذْلِ
وَسُوسُوا لِئَامَ النَّاسِ بِالذُّلِّ يَصْلُحُوا … عَلَيْهِ فَإِنَّ الذُّلَ أَصْلَحُ لِلنَّذْلِ
أَبُو الْعِزِّ مُشَرَّفُ بْنُ عَلِيِّ، بْنِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَامِلٍ الْخَالِصِيُّ الْمُقْرِئُ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ، وَأَنْشَدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْحَلَبِيِّ:
стр. 10855
تَمَثَّلْتُمُ لِي وَالدِّيَارُ بَعِيدَةٌ … فَخُيِّلَ لِي أَنَّ الْفُؤَادَ لَكُمْ مَعْنَى
وَنَاجَاكُمُ قَلْبِي عَنِ الْبُعْدِ بَيْنَنَا … فَأَوْحَشْتُمُ لَفْظًا وَآنَسْتُمُ مَعْنَى
أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجِيلِيُّ
أَحَدُ الْمُعِيدِينَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
أَيَا جَامِعًا أَمْسِكْ عَنَانَكَ مُقْصِرًا … فَإِنَّ مَطَايَا الدَّهْرِ تَكْبُو وَتَقْصُرُ
سَتَقْرَعُ سِنًّا أَوْ تَعَضُّ نَدَامَةً … يَدَيْكَ إِذَا خَانَ الزَّمَانُ وَتُبْصِرُ
وَيَلْقَاكَ رُشْدٌ بَعْدَ غَيِّكَ وَاعِظٌ … وَلَكِنَّهُ يَلْقَاكَ وَالْأَمْرُ مُدْبِرُ
أَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْوَدُودِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ الْحَسَنِ، الْوَاسِطِيُّ الْأَصْلِ الْبَغْدَادِيُّ الدَّارِ وَالْمَوْلِدِ، كَمَالُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ وَالِدُهُ بِالْمُجِيرِ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ عِلْمَ الْكَلَامِ، وَدَرَسَ بِمَدْرَسَتِهِ عِنْدَ بَابِ الْأَزَجِ، وَوَكَّلَهُ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ، وَاشْتَهَرَ بِالدِّيَانَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَبَاشَرَ مَنَاصِبَ كِبَارًا، وَحَجَّ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، وَكَانَ يَقُولُ:
وَمَا تَرَكَتْ سِتٌّ وَسِتُّونَ حِجَّةً … لَنَا حُجَّةً أَنْ نَرْكَبَ اللَّهْوَ مَرْكَبَا
وَكَانَ يُنْشِدُ:
الْعِلْمُ يَأْتِي كُلَّ ذِي … خَفْضٍ وَيَأْبَى كُلَّ آبِي
كَالْمَاءِ يَنْزِلُ فِي الْوِهَا … دِ وَلَيْسَ يَصْعَدُ فِي الرَّوَابِي
стр. 10856
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا نُقِلَ تَابُوتُ الْعَادِلِ مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى تُرْبَتِهِ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا تَحْتَ النَّسْرِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ إِلَى التُّرْبَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَدُفِنَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْمَدْرَسَةُ كَمَلَتْ بَعْدُ، وَقَدْ تَكَامَلَ بِنَاؤُهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الدَّرْسَ بِهَا الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ السُّلْطَانُ الْمُعَظَّمُ، فَجَلَسَ فِي الصَّدْرِ، وَعَنْ شِمَالِهِ الْقَاضِي، وَعَنْ يَمِينِهِ جَمَالُ الدِّينِ الْحَصِيرِيُّ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ إِمَامُ السُّلْطَانِ، وَالشَّيْخُ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ إِلَى جَانِبِ الْمُدَرِّسِ، وَإِلَى جَانِبِهِ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ، وَيَلِيهِ النَّجْمُ خَلِيلٌ قَاضِي الْعَسْكَرِ، وَتَحْتَ الْحَصِيرِيِّ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الشِّيرَازِيِّ، وَتَحْتَهُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ، وَفِيهِ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَكَابِرِ، وَفِيهِمْ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ الصَّدْرَ الْبَكْرِيَّ مُحْتَسِبَ دِمَشْقَ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ
стр. 10857
ابْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ يَسْتَعِينُهُ عَلَى أَخَوَيْهِ الْكَامِلِ وَالْأَشْرَفِ اللَّذَيْنِ قَدْ تَمَالَآ عَلَيْهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَمَّا عَادَ الصَّدْرُ الْمَذْكُورُ أَضَافَ إِلَيْهِ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ.
وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمَلِكُ الْمَسْعُودُ أَقْسِيسُ بْنُ الْكَامِلِ صَاحِبُ الْيَمَنِ، فَبَدَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ نَاقِصَةٌ بِالْحَرَمِ مِنْ سُكْرٍ وَرَشْقِ حَمَامِ الْمَسْجِدِ بِالْبُنْدُقِ مِنْ أَعْلَى قُبَّةِ زَمْزَمَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ يُضْرَبُ الطَّائِفُونَ بِالْمَسْعَى بِأَطْرَافِ السُّيُوفِ لِئَلَّا يُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وَهُوَ نَوِمٌ سَكِرٌ، قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنْ كَانَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ مَهِيبًا مُحْتَرَمًا، وَالْبِلَادُ بِهِ آمِنَةٌ مُطَمْئِنَةٌ، وَقَدْ كَانَ يَرْفَعُ سَنْجَقَ أَبِيهِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى سَنْجَقِ الْخَلِيفَةِ، فَجَرَى بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَا مُكِّنَ مِنْ طُلُوعِهِ وَصُعُودِهِ إِلَى الْجَبَلِ إِلَّا فِي آخِرِ النَّهَارِ بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ.
وَفِيهَا كَانَ بِالشَّامِ جَرَادٌ كَثِيرٌ أَكَلَ الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ وَالْأَشْجَارَ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الْقَفْجَاقِ وَالْكُرْجِ، وَقِتَالٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ ضِيقِ بِلَادِ الْقَفْجَاقِ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلَانَ، وَلَبِسَ الْخُلْعَةَ فِي دَارِ نَائِبِ الْوِزَارَةِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيِّ بِحَضْرَةِ الْأَعْيَانِ وَالْكُبَرَاءِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِحَضْرَتِهِمْ، وَسَاقَهُ ابْنُ السَّاعِي بِحُرُوفِهِ.
стр. 10858
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ دَاوُدَ
أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْمُحِبِّ، اسْتَقَلَّ بِالنِّظَامِيَّةِ دَهْرًا، وَاشْتَغَلَ بِهَا، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا صَالِحًا، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُهُ:
الْفَرْقَدَانِ كِلَاهُمَا شَهِدَا لَهُ … وَالْبَدْرُ لَيْلَةَ تِمِّهِ بِسُهَادِهِ
دَنِفٌ إِذَا اعْتَبَقَ الظَّلَامُ تَضَرَّمَتْ … نَارُ الْجَوَى فِي صَدْرِهِ وَفُؤَادِهِ
فَجَرَتْ مَدَامِعُ جَفْنِهِ فِي خَدِّهِ … مِثْلَ الْمَسِيلِ يَسِيلُ مِنْ أَطْوَادِهِ
شَوْقًا إِلَى مُضْنِيهِ لَمْ أَرَ هَكَذَا … مَشْتَاقَ مُضْنِي جِسْمِهِ بِبِعَادِهِ
لَيْتَ الَّذِي أَضْنَاهُ سِحْرُ جُفُونِهِ … قَبْلَ الْمَمَاتِ يَكُونُ مِنْ عُوَّادِهِ
أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْيَعْقُوبِيُّ
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَحَدُ الْمُعِيدِينَ بِبَغْدَادَ، كَانَ شَيْخًا مَلِيحَ الشَّيْبَةِ، جَمِيلَ الْوَجْهِ، كَانَ يَلِي بَعْضَ الْأَوْقَافِ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ:
لَحَمْلُ تِهَامَةٍ وَجِبَالِ أُحْدٍ … وَمَاءُ الْبَحْرِ يُنْقَلُ بِالزَّبِيلِ
وَنَقْلُ الصَّخْرِ فَوْقَ الظَّهْرِ يَوْمًا … لَأَهْوَنُ مِنْ مُجَالَسَةِ الثَّقِيلِ
стр. 10859
وَلِبَعْضِهِمْ أَيْضًا وَهُوَ مِمَّا أَنْشَدَهُ الْمَذْكُورُ:
وَإِذَا مَضَى لِلْمَرْءِ مِنْ أَعْوَامِهِ … خَمْسُونَ وَهْوَ إِلَى التُّقَى لَا يَجْنَحُ
عَكَفَتْ عَلَيْهِ الْمُخْزِيَاتُ بِقَوْلِهَا … حَالَفْتَنَا فَأَقِمْ كَذَا لَا تَبْرَحُ
وَإِذَا رَأَى الشَّيْطَانُ غُرَّةَ وَجْهِهِ … حَيَّا وَقَالَ فَدَيْتُ مَنْ لَا يُفْلِحُ
اتَّفَقَ أَنَّهُ طُولِبَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَاسْتَعْمَلَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْيُونِ الْمِصْرِيِّ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَدُفِنَ بِالْوَرْدِيَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ الْعَادِلُ بْنُ الْعَادِلِ، بِالْفَيُّومِ، وَنُقِلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِمَامُ الْحَنَابِلَةِ بِمَكَّةَ الشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحُصَرِيِّ جَاوَرَ بِمَكَّةَ مُدَّةً، ثُمَّ سَاقَتْهُ الْمَنِيَّةُ إِلَى الْيَمَنِ، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ:
الشِّهَابُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ نَجْمِ بْنِ الْحَنْبَلِيِّ
أَخُو الْبَهَاءِ وَالنَّاصِحِ، وَكَانَ فَقِيهًا مُنَاظِرًا بَصِيرًا بِالْمُحَاكَمَاتِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ مَسْجِدَ الْوَزِيرِ مِنْ يَدِ الشَّيْخِ عَلَمِ الدِّينِ السَّخَاوِيِّ.
стр. 10860
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا عَادَ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ الْكَامِلِ صَاحِبِ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، فَتَلَقَّاهُ أَخُوهُ الْمُعَظَّمُ، وَقَدْ فَهِمَ أَنَّهُمَا تَمَالَآ عَلَيْهِ، فَبَاتَ لَيْلَةً بِدِمَشْقَ وَسَارَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى بِلَادِهِ، فَوَجَدَ أَخَاهُ الشِّهَابَ غَازِيًّا الَّذِي اسْتَنَابَهُ عَلَى خِلَاطَ وَمَيَّافَارِقِينَ قَدْ قَوِيَ رَأْسُهُ، وَكَاتَبَهُ الْمُعَظَّمُ وَصَاحِبُ إِرْبِلَ، وَحَسَّنُوا لَهُ مُخَالَفَةَ الْأَشْرَفِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَشْرَفُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَجَمَعَ لَهُ الْعَسَاكِرَ لِيُقَاتِلَهُ.
وَفِيهَا سَارَ أَقْسِيسُ الْمَلِكُ الْمَسْعُودُ صَاحِبُ الْيَمَنِ بْنُ الْكَامِلِ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى مَكَّةَ، شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَقَاتَلَهُ ابْنُ قَتَادَةَ بِبَطْنِ مَكَّةَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، فَهَزَمَهُ أَقْسِيسُ وَشَرَّدَهُ، وَاسْتَقَلَّ بِمُلْكِ مَكَّةَ مَعَ الْيَمَنِ، وَجَرَتْ أُمُورٌ فَظِيعَةٌ، وَتَشَرَّدَ حَسَنُ بْنُ قَتَادَةَ قَاتِلُ أَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ فِي تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ
مُصَنِّفُ «الْمُغْنِي» فِي الْفِقْهِ،
стр. 10861
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، إِمَامٌ عَالِمٌ بَارِعٌ، لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ بَلْ وَلَا قَبْلَ دَهْرِهِ بِمُدَّةٍ، أَفْقَهُ مِنْهُ، وُلِدَ بْجَمَّاعِيلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَقَدِمَ مَعَ أَهْلِهِ إِلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ; إِحْدَاهُمَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ مَعَ ابْنِ خَالَتِهِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ، وَالْأُخْرَى سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، وَحَجَّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَتَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَبَرَعَ وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَتَبَحَّرَ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، مَعَ زُهْدٍ وَعِبَادَةٍ، وَوَرَعٍ وَتَوَاضُعٍ، وَحُسْنِ أَخْلَاقٍ، وُجُودٍ وَحَيَاءٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ، وَنُورٍ وَبَهَاءٍ، وَكَثْرَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَقِيَامٍ، وَطَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ وَاتِّبَاعٍ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ وَمُكَاشَفَاتٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، فَلَا أَعْلَمُ لِلَّهِ وَلِيًّا.
وَكَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ فِي مِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ هُوَ وَالشَّيْخُ الْعِمَادُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ
стр. 10862
الْعِمَادُ اسْتَقَلَّ هُوَ بِالْوَظِيفَةِ، فَإِنْ غَابَ صَلَّى عَنْهُ أَبُو سُلَيْمَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ. وَكَانَ يَتَنَفَّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِالْقُرْبِ مِنْ مِحْرَابِهِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَشَاءَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِدَرْبِ الدَّوْلَعِيِّ بِالرَّصِيفِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنَ الْفُقَرَاءِ مَنْ تَيَسَّرَ; يَأْكُلُونَ مَعَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ الْأَصْلِيُّ بِقَاسِيُونَ، فَيَنْصَرِفُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي بَعْدَ الْعَشَاءِ إِلَى الْجَبَلِ، فَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي أَنْ خَطِفَ رَجُلٌ عِمَامَتَهُ، وَكَانَ فِيهَا كَاغِدٌ فِيهِ رَمْلٌ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: خُذِ الْكَاغِدَ، وَأَلْقِ الْعِمَامَةَ. فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّ الْكَاغِدَ مَالًا، فَأَخَذَهُ وَأَلْقَى الْعِمَامَةَ، فَأَخَذَهَا الْمُوَفَّقُ ثُمَّ ذَهَبَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَكَاءٍ مُفْرِطٍ وَاسْتِحْضَارٍ حَسَنٍ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ، حَتَّى خَلَّصَ عِمَامَتَهُ مِنْ يَدِهِ بِتَلَطُّفٍ.
وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ عَدِيدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا «الْمُغْنِي» فِي شَرَحِ «مُخْتَصَرِ الْخِرَقِيِّ» فِي عَشْرَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَ «الْكَافِي» فِي أَرْبَعَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَ «الْمُقْنِعُ» لِلْحِفْظِ، وَ «الرَّوْضَةُ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَانِيفِ الْمُفِيدَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَكَانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ
стр. 10863
صَالِحَةٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، فَمَاتُوا فِي حَيَاتِهِ. وَلَمْ يُعْقِبْ مِنْهُمْ سِوَى ابْنِهِ عِيسَى وَلَدَيْنِ، ثُمَّ مَاتَا وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ.
قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ مُوَفَّقٍ:
لَا تَجْلِسَنَّ بِبَابِ مَنْ … يَأْبَى عَلَيْكَ دُخُولَ دَارِهْ
وَتَقُولْ حَاجَاتِي إِلَيْ … هِ يَعُوقُهَا إِنْ لَمْ أُدَارِهْ
وَاتْرُكْهُ وَاقْصِدْ رَبَّهَا … تُقْضَى وَرَبُّ الدَّارِ كَارِهْ
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ لِنَفْسِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ - قَوْلُهُ:
أَبَعْدَ بَيَاضِ الشَّعْرِ أَعْمُرُ مَسْكَنًا … سِوَى الْقَبْرِ إِنِّي إِنْ فَعَلْتُ لَأَحْمَقُ
يُخَبِّرُنِي شَيْبِي بِأَنِّيَ مَيِّتٌ … وَشِيكًا وَيَنْعَانِي إِلَيَّ وَيَصْدُقُ
يُخَرَّقُ عُمْرِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … فَهَلْ أَسْتَطِيعُ رَقْعَ مَا يَتَخَرَّقُ
كَأَنِّي بِجِسْمِي فَوْقَ نَعْشِي مُمَدَّدًا … فَمِنْ سَاكِتٍ أَوْ مُعْوِلٍ يَتَحَرَّقُ
стр. 10864
إِذَا سُئِلُوا عَنِّي أَجَابُوا وَعَوَّلُوا … وَأَدْمُعُهُمْ تَنْهَلُّ هَذَا الْمُوَفَّقُ
وَغُيِّبْتُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ ضَيِّقٍ … وَأُودِعْتُ لَحْدًا فَوْقَهُ الصَّخْرُ مُطْبَقُ
وَيَحْثُو عَلَيَّ التُّرْبَ أَوْثَقُ صَاحِبٍ … وَيُسْلِمُنِي لِلْقَبْرِ مَنْ هُوَ مُشْفِقُ
فَيَا رَبِّ كُنْ لِي مُؤْنِسًا يَوْمَ وَحْشَتِي … فَإِنِّي بِمَا أَنْزَلْتَهُ لَمُصَدِّقُ
وَمَا ضَرَّنِي أَنِّي إِلَى اللَّهِ صَائِرٌ … وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِي أَبَرُّ وَأَرْفَقُ
فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ:
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ، فَخْرُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ الدِّمَشْقِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِهَا، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ طَاهِرٍ الْقُرَيْشِيَّةُ الْمَعْرُوفُ وَالِدُهَا بِأَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ الرَّانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي جَدَّدَ مَسْجِدَ الْقَدَمِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبِهِ قَبْرُهُ وَقَبْرُهَا، وَدُفِنَ هُنَاكَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ أُخْتُ آمِنَةَ وَالِدَةِ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الزَّكِيِّ.
стр. 10865
اشْتَغَلَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ مِنْ صِغَرِهِ بِالْعِلْمِ الشَّرِيفِ عَلَى شَيْخِهِ قُطْبِ الدِّينِ مَسْعُودِ النَّيسَابُورِيِّ، وَتَزَوَّجَ بِابْنِتِهِ، وَدَرَسَ مَكَانَهُ بِالْجَارُوخِيَّةِ، وَبِهَا كَانَ يَسْكُنُ فِي إِحْدَى الْقَاعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَنْشَأَهُمَا، وَبِهَا تُوُفِّيَ غَرْبِيَّ الْإِيوَانِ، ثُمَّ تَوَلَّى تَدْرِيسَ الصَّلَاحِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْعَادِلُ تَدْرِيسَ التَّقْوِيَةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَعْيَانُ الْفُضَلَاءِ، ثُمَّ تَفَرَّغَ، فَلَزِمَ الْمُجَاوَرَةَ فِي الْجَامِعِ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ إِلَى جَانِبِ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ، يَخْلُو فِيهِ لِلْعِبَادَةِ وَالْمُطَالَعَةِ وَالْفَتَاوَى. وَكَانَتْ تَفِدُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَقْطَارِ. وَكَانَ كَثِيرَ الذِّكْرِ، حَسَنَ السَّمْتِ، وَكَانَ يَجْلِسُ تَحْتَ قُبَّةِ النَّسْرِ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ مَكَانَ عَمِّهِ لِإِسْمَاعَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ، وَمَشْهَدَ ابْنِ عُرْوَةَ أَوَّلَ مَا فُتِحَ، وَقَدِ اسْتَدْعَاهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ بَعْدَ مَا عَزَلَ قَاضِيَهُ زَكِيَّ الدِّينِ، فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَقْتَ السِّمَاطِ، وَسَأَلَ مِنْهُ أَنْ يَلِيَ
стр. 10866
الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَخِيرَ اللَّهَ تَعَالَى. ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَشَقَّ عَلَى السُّلْطَانِ امْتِنَاعُهُ، وَهَمَّ أَنْ يُؤْذِيَهُ، فَقِيلَ لَهُ: احْمَدِ اللَّهَ الَّذِي فِي بِلَادِكَ مِثْلُ هَذَا، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْعَادِلُ، وَأَعَادَ ابْنُهُ الْمُعَظَّمُ الْخُمُورَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، فَانْتَزَعَ مِنْهُ تَدْرِيسَ الصَّلَاحِيَّةِ الَّتِي بِالْقُدْسِ وَتَدْرِيسَ التَّقْوِيَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى الْجَارُوخِيَّةِ وَدَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ، وَمَشْهَدِ ابْنِ عُرْوَةَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ عَاشِرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَحُمِلَتْ جَنَازَتُهُ إِلَى مَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، فَدُفِنَ بِهَا، فِي أَوَّلِهَا قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ شَيْخِهِ قُطْبِ الدِّينِ مَسْعُودٍ.
ابْنِ عُرْوَةَ، شَرَفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ الْمَوْصِلِيُّ، الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَشْهَدُ ابْنِ عُرْوَةَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: مَشْهَدُ عُرْوَةَ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَهُ، وَقَدْ كَانَ مَشْحُونًا بِالْحَوَاصِلِ الْجَامِعِيَّةِ، وَبَنَى فِيهِ الْبِرْكَةَ، وَوَقَفَ فِيهِ عَلَى الْحَدِيثِ دَرْسًا، وَوَقَفَ خَزَائِنَ كُتُبٍ فِيهِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ خَوَاصَّ أَصْحَابِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ، فَانْتَقَلَ إِلَى
стр. 10867
دِمَشْقَ حِينَ خُرِّبَ سُورُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا، وَقَبْرُهُ عِنْدَ قِبَابِ أَتَابَكَ طَغْتِكِينَ قِبْلِيَّ الْمُصَلَّى، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الرُّوزْبَهَارِيُّ
دُفِنَ بِالْمَكَانِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ بَيْنَ السُّورَيْنِ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ.
الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْيَمَنِيُّ
كَانَ مُقِيمًا بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ، كَانَ صَالِحًا زَاهِدًا وَرِعًا، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ.
الرَّئِيسُ عِزُّ الدِّينِ الْمُظَفَّرُ بْنُ أَسْعَدَ، بْنُ حَمْزَةَ التَّمِيمِيُّ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ دِمَشْقَ وَكُبَرَائِهَا، وَجَدُّهُ أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ، لَهُ تَارِيخٌ ذَيَّلَ بِهِ عَلَى ابْنِ عَسَاكِرَ، وَقَدْ سَمِعَ عِزُّ الدِّينِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَغَيْرِهِ، وَلَزِمَ مُجَالَسَةَ الْكِنْدِيِّ، وَانْتَفَعَ بِهِ.
الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ أَحَدُ حُجَّابِ الْخَلِيفَةِ
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتَلْمَشَ بْنِ
стр. 10868
تُرْكَانْشَاهْ أَبُو مَنْصُورٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأُمَرَاءِ، وَوَلِيَ حَاجِبَ الْحُجَّابِ بِالدِّيوَانِ الْعَزِيزِ الْخَلِيفَتِيِّ، وَكَانَ يَكْتُبُ جَيِّدًا جِدًّا، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ; مِنْهَا الْأَدَبُ وَعُلُومُ الرِّيَاضَةِ، وَعُمِّرَ دَهْرًا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ هَذِي الْحَيَاةِ … وَكَرَّ الصَّبَاحِ بِهَا وَالْمَسَاءْ
وَقَدْ كُنْتُ كَالطِّفْلِ فِي عَقْلِهِ … قَلِيلَ الصَّوَابِ كَثِيرَ الْهُرَاءْ
أَنَامُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ … وَأَسْهَرُ عِنْدَ دُخُولِ الْغِنَاءْ
وَقَصَّرَ خَطْوِيَ قَيْدُ الْمَشِيبِ … وَطَالَ عَلَى مَا عَنَانِي عَنَاءْ
وَغُودِرْتُ كَالْفَرْخِ فِي عُشِّهِ … وَخَلَّفْتُ حُلْمِي وَرَاءَ وَرَاءَ
وَمَا جَرَّ ذَلِكَ غَيْرُ الْبَقَاءِ … فَكَيْفَ تَرَى فِعْلَ سُوءِ الْبَقَاءْ
وَلَهُ أَيْضًا:
إِلَهِي يَا كَثِيرَ الْعَفْوِ غَفْرًا … لِمَا أَسْلَفْتُ فِي زَمَنِ الشَّبَابِ
فَقَدْ سَوَّدْتُ فِي الْآثَامِ وَجْهًا … ذَلِيلًا خَاضِعًا لَكَ فِي التُّرَابِ
فَبَيِّضْهُ بِحُسْنِ الْعَفْوِ عَنِّي … وَسَامِحْنِي وَخَفِّفْ مِنْ عَذَابِي
стр. 10869
وَلَمَّا تُوُفِّيَ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَدُفِنَ بِالشُّونِيزِيَّةِ.
وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ:
تَحَاشَيْتُ اللِّقَاءَ لِسُوءِ فِعْلِي … وَخَوْفًا فِي الْمَعَادِ مِنَ النَّدَامَةْ
فَلَمَّا أَنْ قَدِمْتُ عَلَى إِلَهِي … وَحَاقَقَ فِي الْحِسَابِ عَلَى قُلَامَهْ
وَكَانَ الْعَدْلُ أَنْ أُصْلَى جَحِيمًا … تَعَطَّفَ بِالْمَكَارِمِ وَالْكَرَامَةْ
وَنَادَانِي لِسَانُ الْعَفْوِ مِنْهُ … أَلَا يَا عَبْدُ تَهْنِيكَ السَّلَامَهْ
أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْمَحَاسِنِ زُهْرَةَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُهْرَةَ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ الْحَلَبِيُّ، نَقِيبُ الْأَشْرَافِ بِهَا، كَانَ لَدَيْهِ فَضْلٌ وَعِلْمٌ بِالْأَدَبِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَأَخْبَارِ النَّاسِ وَالتَّوَارِيخِ وَالسِّيَرِ وَالْحَدِيثِ، حَافِظًا لِلْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
قَدْ رَأَيْتُ الْمَعْشُوقَ وَهْوَ مِنَ الْهَجْ … رِ تَنْبُو النَّوَاظِرُ عَنْهُ
أَثَّرَ الدَّهْرُ فِيهِ آثَارَ سُوءٍ … وَأَدَالَتْ يَدُ الْحَوَادِثِ مِنْهُ
عَادَ مُسْتَبْذَلًا وَمُسْتَبْدِلًا عِزًّا … بِذُلٍّ كَأَنَّهُ لَمْ يَصُنْهُ
أَبُو عَلِيٍّ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بِنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ الْجَلَاجِلِيِّ
مِنْ أَبْنَاءِ
стр. 10870
التُّجَّارِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ، يَسْكُنُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
خَيْرُ إِخْوَانِكَ الْمُشَارِكُ فِي الْمُرِّ … وَأَيْنَ الشَّرِيكُ فِي الْمُرِّ أَيْنَا
الَّذِي إِنْ شَهِدْتَ سَرَّكَ فِي الْقَوْ … مِ وَإِنْ غِبْتَ كَانَ أُذْنًا وَعَيْنَا
مِثْلُ سِرِّ الْعِقْيَانِ إِنْ مَسَّهُ النَّا … رُ جَلَاهُ الْجِلَاءُ فَازْدَادَ زَيْنَا
وَأَخُو السُّوءِ إِنْ يَغِبْ عَنْكَ يَشْنَئْ … كَ وَإِنْ يَحْتَضِرْ يَكْنْ ذَاكَ شَيْنَا
جَيْبُهُ غَيْرُ نَاصِحٍ وَمُنَاهُ … أَنْ يُصِيبَ الْخَلِيلُ إِفْكًا وَمَيْنَا
فَاخْشَ مِنْهُ وَلَا تَلَهَّفْ عَلَيْهِ … إِنَّ غُرْمًا لَهُ كَنَقْدِكَ دَيْنَا
стр. 10871
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا وَصَلَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ جِنْكِزْخَانَ غَيْرُ الْأَوَّلَتَيْنِ إِلَى الرَّيِّ، وَكَانَتْ قَدْ عُمِّرَتْ قَلِيلًا، فَقَتَلُوا أَهْلَهَا أَيْضًا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى سَاوَهْ، ثُمَّ إِلَى قُمَّ وَقَاشَانَ، وَلَمْ تَكُونَا طُرِقَتَا إِلَّا هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَفَعَلُوا بِهَا مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى هَمَذَانَ، فَقَتَلُوا أَيْضًا وَسَبَوْا، ثُمَّ سَارُوا خَلْفَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَكَبَسُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَهَرَبُوا مِنْهُمْ إِلَى تِبْرِيزَ، فَلَحِقُوهُمْ وَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ الْبَهْلَوَانِ: إِنْ كُنْتَ مُصَالِحًا لَنَا، فَابْعَثْ لَنَا بِالْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ مِثْلُهُمْ. فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَرْسَلَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَيْهِمْ، مَعَ تُحَفٍ وَهَدَايَا كَثِيرَةٍ، هَذَا كُلُّهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَالْخُوَارَزْمِيَّةُ وَأَصْحَابُ الْبَهْلَوَانِ أَضْعَافُ أَضْعَافِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهِمُ الْخِذْلَانَ وَالْفَشَلَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمِ شَاهْ بِلَادَ فَارِسَ مَعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ
стр. 10872
مَمْلَكَةِ أَصْفَهَانَ وَهَمَذَانَ.
وَفِيهَا اسْتَعَادَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مَدِينَةَ خِلَاطَ مِنْ أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ غَازِيٍّ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيْهِ مَعَ جَمِيعِ بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَحَانِي وَجَبَلِ جُورَ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا عَصَى عَلَيْهِ وَتَشَعَّبَ دِمَاغُهُ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعَظَّمُ مِنْ تَحْسِينِهِ لَهُ مُخَالَفَتَهُ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ وَحَاصَرَهُ بِخِلَاطَ، فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَامْتَنَعَ أَخُوهُ فِي الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَزَلَ إِلَى أَخِيهِ مُعْتَذِرًا، فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، بَلْ أَقَرَّهُ عَلَى مَيَّافَارِقِينَ وَحْدَهَا، وَكَانَ صَاحِبُ إِرْبِلَ وَالْمُعَظَّمُ مُتَّفِقَيْنِ مَعَ الشِّهَابِ غَازِيٍّ عَلَى الْأَشْرَفِ، فَكَتَبَ الْكَامِلُ إِلَى الْمُعَظَّمِ يَتَهَدَّدُهُ، لَئِنْ سَاعَدَ عَلَى الْأَشْرَفِ لَيَأْخُذَنَّ بِلَادَهُ. وَكَانَ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مَعَ الْأَشْرَفِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ إِرْبِلَ، فَحَاصَرَهُ بِسَبَبِ قِلَّةِ جُنْدِهِ; لِأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْأَشْرَفِ حِينَ نَازَلَ خِلَاطَ، فَلَمَّا انْفَصَلَتِ الْأُمُورُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا نَدِمَ صَاحِبُ إِرْبِلَ وَالْمُعَظَّمُ بِدِمَشْقَ أَيْضًا.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْمُعَظَّمُ وَلَدَهُ النَّاصِرَ دَاوُدَ إِلَى صَاحِبِ إِرْبِلَ تَقْوِيَةً عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَشْرَفِ، وَأَرْسَلَ صُوفِيًّا مِنَ السُمَيْسَاطِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: الْمَلْقُ إِلَى جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ - وَكَانَ قَدْ أَخَذَ أَذْرَبِيجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَوِيَ جَأْشُهُ - يَتَّفِقُ مَعَهُ
стр. 10873
عَلَى أَخِيهِ الْأَشْرَفِ، فَوَعَدَهُ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ أَقْسِيسُ مَلِكُ الْيَمَنِ عَلَى أَبِيهِ الْكَامِلِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَعَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، مِنْ ذَلِكَ مِائَتَا خَادِمٍ وَثَلَاثَةُ أَفْيِلَةٍ هَائِلَةٍ، وَأَحْمَالُ عُودٍ وَنَدٍّ وَمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ، وَخَرَجَ أَبُوهُ الْكَامِلُ لِتَلَقِّيهِ، وَمِنْ نِيَّةِ أَقْسِيسَ أَنْ يَنْزِعَ الشَّامَ مِنْ يَدِ عَمِّهِ الْمُعَظَّمِ.
وَفِيهَا كَمَلَ عِمَارَةُ دَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ بِمِصْرَ، وَوَلِيَ مَشْيَخَتَهَا الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ مِكْثَارًا، كَثِيرَ الْفُنُونِ، وَعِنْدَهُ فَوَائِدُ وَعَجَائِبُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقَادِسِيُّ الضَّرِيرُ الْحَنْبَلِيُّ
وَالِدُ صَاحِبِ «الذَّيْلِ عَلَى تَارِيخِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ»، الْقَادِسِيُّ هَذَا يُلَازِمُ حُضُورَ مَجْلِسِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَيُزْهِرُهُ; لِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْغَرَائِبِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ ذَا مَلِيحٌ، فَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ الشَّيْخُ مَرَّةً عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمْ يُعْطِهِ، وَصَارَ يَحْضُرُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ الشَّيْخُ مَرَّةً: هَذَا الْقَادِسِيُّ لَا يُقْرِضُنَا شَيْئًا، وَلَا يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ ذَا مَلِيحٌ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ طُلِبَ الْقَادِسِيُّ مَرَّةً إِلَى دَارِ الْمُسْتَضِيءِ لِيُصَلِّيَ بِالْخَلِيفَةِ التَّرَاوِيحَ، فَقِيلَ لَهُ وَالْخَلِيفَةُ يَسْمَعُ: مَا مَذْهَبُكَ؟ فَقَالَ: حَنْبَلِيٌّ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تُصَلِّ بِدَارِ الْخِلَافَةِ وَأَنْتِ حَنْبَلِيٌّ. فَقَالَ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، وَلَا أُصَلِّي
стр. 10874
بِكُمْ. فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: اتْرُكُوهُ، لَا يُصَلِّي بِنَا إِلَّا هُوَ. فَصَلَّى بِهِمْ.
أَبُو الْكَرَمِ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْمُبَارَكِ، بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنَفِيُّ، شَيْخُ مَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَلِيَ الْحِسْبَةَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا شَاعِرًا، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
فَصُنْ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ نَفْسَكَ وَاغْتَنِمْ … شَرِيفَ الْمَزَايَا لَا يَفُتْكَ ثَوَابُهَا
تَعِشْ سَالِمًا وَالْقَوْلُ فِيكَ مُهَذَّبٌ … كَرِيمًا وَقَدْ هَانَتْ عَلَيْكَ صِعَابُهَا
وَتَنْدَرِجُ الْأَيَّامُ وَالْكُلُّ ذَاهِبٌ … يَمُرُّ وَيَفْنَي عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَرُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَمَا الْعُمْرُ إِلَّا طَيُّهَا وَذَهَابُهَا
وَمَا الْحَزْمُ إِلَّا فِي إِخَاءِ عَزِيمَةً … فَنَيْلُ الْمَعَالِي صَفْوُهَا وَلُبَابُهَا
وَدَعْ عَنْكَ أَحْلَامَ الْأَمَانِي فَإِنَّهُ … سَيُسْفِرُ يَوْمًا غَيُّهَا وَصَوَابُهَا
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ مَعَالِي بْنِ بَرَكَةَ، الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي
стр. 10875
الْمَوْصِلِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ، وَاشْتَغَلَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَأَعَادَ بِهَا، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْقِرَاءَاتِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ، وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ، وَلَهُ شِعْرٌ لَطِيفٌ.
أَبُو بَكْرِ بْنُ حَلَبَةَ الْمَوَازِينِيُّ الْبَغْدَادِيُّ
كَانَ فَرْدًا فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ وَصِنَاعَةَ الْمَوَازِينِ، يَخْتَرِعُ أَشْيَاءَ عَجِيبَةً، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَقَبَ حَبَّةَ خَشْخَاشٍ سَبْعَةَ ثُقُوبٍ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ ثَقْبٍ شَعْرَةً، وَكَانَ لَهُ حُظْوَةٌ عِنْدَ الدَّوْلَةِ.
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الدُّبَيْثِيُّ الْبَيِّعُ الْوَاسِطِيُّ، شَيْخٌ أَدِيبٌ فَاضِلٌ، لَهُ نَظْمٌ وَنَثْرٌ، عَارِفٌ بِالْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ، وَعِنْدَهُ كُتُبٌ جَيِّدَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ شَرْحُ قَصِيدَةٍ لِأَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ فِي ثَلَاثَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي شِعْرًا حَسَنًا فَصِيحًا حُلْوًا، لَذِيذًا فِي السَمْعِ، لَطِيفًا فِي الْقَلْبِ.
стр. 10876
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
فِيهَا عَاثَتِ الْخُوَارَزْمِيَّةُ حِينَ قَدِمُوا مَعَ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ مِنْ بِلَادِ غَزْنَةَ مَقْهُورِينَ مِنَ التَّتَارِ إِلَى بِلَادِ خُوزِسْتَانَ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ، فَأَفْسَدُوا فِيهِ، وَحَاصَرُوا مُدُنَهُ، وَنَهَبُوا قُرَاهُ.
وَفِيهَا اسْتَحْوَذَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ عَلَى بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ وَكَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْكُرْجِ، وَكَسَرَ الْكُرْجَ، وَهُمْ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَفَتَحَ تَفْلِيسَ، فَقَتَلَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَزَعَمَ أَبُو شَامَةَ أَنَّهُ قَتَلَ مِنَ الْكُرْجِ سَبْعِينَ أَلْفًا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَتَلَ مِنْ تَفْلِيسَ تَمَامَ الْمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَدِ اشْتَغَلَ بِهَذِهِ الْغَزْوَةِ عَنْ قَصْدِ بَغْدَادَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ دَقُوقَا سَبَّهُ أَهْلُهَا، فَفَتَحَهَا قَهْرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَخَرَّبَ سُورَهَا، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ; لِأَنَّهُ فِيمَا زَعَمَ عَمِلَ عَلَى أَبِيهِ حَتَّى هَلَكَ، وَاسْتَوْلَتِ التَّتَرُ عَلَى الْبِلَادِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعَظَّمِ بْنِ الْعَادِلِ يَسْتَدْعِيهِ لِقِتَالِ الْخَلِيفَةِ، وَيُحَرِّضُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ الْمُعَظَّمُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ بِقَصْدِ جَلَالِ الدِّينِ بْنِ خُوَارَزْمَ شَاهْ بَغْدَادَ انْزَعَجَ لِذَلِكَ، وَحَصَّنَ بَغْدَادَ، وَاسْتَخْدَمَ
стр. 10877
الْجُيُوشَ وَالْأَجْنَادَ، وَأَنْفَقَ فِي النَّاسِ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى الْكُرْجِ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ أَنْ أَدْرِكْنَا قَبْلَ أَنْ نَهْلِكَ عَنْ آخِرِنَا، وَبَغْدَادُ مَا تَفُوتُ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ بِسَبَبِ قِلَّةِ الْأَمْطَارِ وَانْتِشَارِ الْجَرَادِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ فَنَاءٌ كَثِيرٌ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ أَيْضًا، مَاتَ بِسَبَبِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الْبُلْدَانِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ وَخِلَافَةُ ابْنِهِ الظَّاهِرِ
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ
стр. 10878
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الذَّخِيرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. وُلِدَ بِبَغْدَادَ عَاشِرَ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَشَهْرَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا شَهْرًا، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ فِي الْخِلَافَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَلَمْ تَطُلْ مُدَّةُ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ مُطْلَقًا أَكْثَرَ مِنَ الْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ. أَقَامَ بِمِصْرَ حَاكِمًا سِتِّينَ سَنَةً، وَقَدِ انْتَظَمَ فِي نَسَبِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً وَوَلِيَّ عَهْدٍ عَلَى مَا رَأَيْتَ، وَبَقِيَّةُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ كُلُّهُمْ مِنْ أَعْمَامِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، وَكَانَ مَرَضُهُ قَدْ طَالَ بِهِ، وَجُمْهُورُهُ مِنْ عَسَارِ الْبَوْلِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُجْلَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ مَرَاحِلَ عَنْ بَغْدَادَ لِيَكُونَ أَصْفَى، وَشُقَّ ذَكَرُهُ مَرَّاتٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ هَذَا الْحَذَرُ شَيْئًا، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ غَسْلَهُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرُّصَافَةِ فِي ثَانِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: أَمَّا سِيرَتُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْحَوَادِثِ. وَأَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي
стр. 10879
كَامِلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَبَقِيَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَاطِلًا عَنِ الْحَرَكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَالْأُخْرَى يُبْصِرُ بِهَا إِبْصَارًا ضَعِيفًا، وَآخِرُ الْأَمْرِ أَصَابَهُ دُوسُنْطَارِيَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَمَاتَ، وَوَزَرَ لَهُ عِدَّةُ وُزَرَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَلَمْ يُطْلِقْ فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ مَا كَانَ أَحْدَثَهُ مِنَ الرُّسُومِ الْجَائِرَةِ، وَكَانَ قَبِيحَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ ظَالِمًا لَهُمْ، فَخُرِّبَ فِي أَيَّامِهِ الْعِرَاقُ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ، وَكَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ دُورًا لِلْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ وَدُورًا لِضِيَافَةِ الْحُجَّاجِ، ثُمَّ أَبْطَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَسْقَطَ مُكُوسًا ثُمَّ أَعَادَهَا، وَجَعَلَ جُلَّ هَمِّهِ فِي رَمْيِ الْبُنْدُقِ، وَالطُّيُورِ الْمَنَاسِيبِ، وَسَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَإِنْ كَانَ مَا يَنْسُبُهُ الْعَجَمُ إِلَيْهِ صَحِيحًا مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَطْمَعَ التَّتَارَ فِي الْبِلَادِ وَرَاسَلَهُمْ، فَهُوَ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى الَّتِي يَصْغُرُ عِنْدَهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَظِيمٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ; مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلرُّسُلِ الْوَافِدِينَ عَلَيْهِ: فَعَلْتُمْ فِي مَكَانِ كَذَا كَذَا وَكَذَا، وَفِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ كَذَا. حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُكَاشَفُ، أَوْ أَنَّ جِنِّيًّا يَأْتِيهِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 10880
خِلَافَةُ الظَّاهِرِ بْنِ النَّاصِرِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدٍ هَذَا، وَلَقَّبَهُ بِالظَّاهِرِ، وَخَطَبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَخِيهِ عَلَيٍّ، فَتُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فَاحْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ هَذَا لِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَخَطَبَ لَهُ ثَانِيًا، فَحِينَ تُوُفِّيَ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ ثِنْتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ أَسَنُّ مِنْهُ، وَكَانَ عَاقِلًا وَقُورًا دَيِّنًا عَادِلًا مُحْسِنًا، رَدَّ مَظَالِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْقَطَ مُكُوسًا كَانَ قَدْ أَحْدَثَهَا أَبُوهُ، وَسَارَ فِي النَّاسِ سِيرَةً حَسَنَةً، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْدَلَ مِنْهُ لَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ. لَكِنَّهُ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، بَلْ كَانَتْ مُدَّتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، أَسْقَطَ الْخَرَاجَ الْمَاضِي عَنِ الْأَرَاضِي الَّتِي قَدْ تَعَطَّلَتْ، وَوَضَعَ عَنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ بَعْقُوبَا - سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ كَانَ أَبُوهُ قَدْ زَادَهَا عَلَيْهِمْ فِي الْخَرَاجِ. وَكَانَتْ صَنْجَةُ الْمَخْزَنِ تَزِيدُ عَلَى صَنْجَةِ الْبَلَدِ نِصْفَ دِينَارٍ فِي كُلِّ مِائَةٍ إِذَا قَبَضُوا، وَإِذَا أَقْبَضُوا دَفَعُوا بِصَنْجَةِ الْبَلَدِ، فَكَتَبَ إِلَى الدِّيوَانِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الْمُطَفِّفِينَ: ١ - ٦] فَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْكُتَّابِ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ تَفَاوُتَ هَذَا عَنِ الْعَامِ الْمَاضِي خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا. فَأَرْسَلَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا يُتْرَكُ وَإِنْ كَانَ تَفَاوُتُهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ
стр. 10881
وَخَمْسِينَ أَلْفًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَرَ الْقَاضِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ يُوَصَّلُ إِلَيْهِ بِلَا مُرَاجَعَةٍ، وَأَقَامَ فِي النَّظَرِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْحَشْرِيَةِ رَجُلًا صَالِحًا، وَاسْتَخْلَصَ عَلَى الْقَضَاءِ الشَّيْخَ الْعَلَّامَةَ عِمَادَ الدِّينِ أَبَا صَالِحٍ نَصْرَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ، الْحَنْبَلِيَّ، فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ الْعَادِلِينَ ﵏ أَجْمَعِينَ - وَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَمْ يَقْبَلْهُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُوَرِّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَقَالَ: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّقِ سِوَاهُ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَبِيهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ حُرَّاسُ الدُّرُوبِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَحَالِّ مِنَ الِاجْتِمَاعَاتِ الصَّالِحَةِ وَالطَّالِحَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الظَّاهِرُ أَمَرَ بِتَبْطِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ: أَيُّ فَائِدَةٍ فِي كَشْفِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ؟! فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُفْسِدُ الرَّعِيَّةَ. فَقَالَ: نَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يُصْلِحَهُمْ.
وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِي السُّجُونِ مُعْتَقَلًا عَلَى الْأَمْوَالِ الدِّيوَانِيَّةِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ اسْتُخْرِجَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ يُوَفِّي بِهَا دُيُونَ مَنْ فِي سُجُونِهِ مِنَ الْمَدِينِينَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ وَفَاءً. وَفَرَّقَ فِي الْعُلَمَاءِ بَقِيَّةَ الْمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَدْ لَامَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، فَقَالَ: إِنَّمَا فَتَحْتُ الدُّكَّانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَذَرُونِي أَعْمَلُ صَالِحًا وَأَفْعَلُ الْخَيْرَ، فَكَمْ مِقْدَارُ مَا بَقِيتُ أَعِيشُ؟ وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ سِيرَتُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي الْعَامِ الْآتِي كَمَا سَيَأْتِي.
وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ فِي أَيَّامِهِ وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالْغَلَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ فِيمَا حَكَى
стр. 10882
ابْنُ الْأَثِيرِ أُكِلَتِ الْكِلَابُ وَالسَّنَانِيرُ وَالْمَيْتَاتُ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، فَزَالَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَانَ هَذَا الْخَلِيفَةُ الظَّاهِرُ حَسَنَ الشَّكْلِ، مَلِيحَ الْوَجْهِ، أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً، حُلْوَ الشَّمَائِلِ، شَدِيدَ الْقُوَى.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْمُلَقَّبُ بِالْمَلِكِ الْأَفْضَلِ - نُورُ الدِّينِ بْنُ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، كَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ، وَقَدْ مَلَكَ دِمَشْقَ بَعْدَهُ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ عَمُّهُ الْعَادِلُ، ثُمَّ كَادَ أَنْ يَمْلِكَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ بَعْدَ أَخِيهِ الْعَزِيزِ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ عَمُّهُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلَى صَرْخَدَ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ أَيْضًا عَمُّهُ الْعَادِلُ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ أَنْ مَلَكَ سُمَيْسَاطَ، وَبِهَا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ فَاضِلًا شَاعِرًا، جَيِّدَ الْكِتَابَةِ، وَنُقِلَ إِلَى مَدِينَةِ حَلَبَ، فَدُفِنَ بِظَاهِرِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ يَشْكُو إِلَيْهِ عَمَّهُ أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاهُ عُثْمَانَ، وَكَانَ النَّاصِرُ شِيعِيًّا مِثْلَهُ، فَقَالَ:
مَوْلَايَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَصَاحِبَهُ … عُثْمَانَ قَدْ غَصَبَا بِالسَّيْفِ حَقَّ عَلِي
وَهْوَ الَّذِي كَانَ قَدْ وَلَّاهُ وَالِدُهُ … عَلَيْهِمَا فَاسْتَقَامَ الْأَمْرُ حِينَ وَلِي
فَخَالَفَاهُ وَحَلَّا عَقْدَ بَيْعَتِهِ … وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا وَالنَّصُّ فِيهِ جَلِي
فَانْظُرْ إِلَى حَظِّ هَذَا الِاسْمِ كَيْفَ لَقَى … مِنَ الْأَوَاخِرِ مَا لَاقَى مِنَ الْأُوَلِ
стр. 10883
الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الْأَمِيرِ عَلَمِ الدِّينِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جَنْدَرٍ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ بِحَلَبَ، وَلَهُ الصَّدَقَاتُ الْكَثِيرَةُ، وَوَقَفَ بِهَا مَدْرَسَتَيْنِ; إِحْدَاهُمَا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأُخْرَى عَلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَبَنَى الْخَانَاتِ وَالْقَنَاطِرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرَاتِ وَالْغَزَوَاتِ، ﵀.
الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْكُرْدِيُّ الْمُوَلَّهُ الْمُقِيمُ بِظَاهِرِ بَابِ الْجَابِيَةِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ; فَبَعْضُ الدَّمَاشِقَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ كَرَامَاتٍ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: مَا رَآهُ أَحَدٌ يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ وَلَا لَبِسَ مَدَاسًا، بَلْ كَانَ يَدُوسُ النَّجَاسَاتِ، وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ عَلَى حَالِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ يَتَحَدَّثُ عَلَى لِسَانِهِ.
حَكَى السِّبْطُ عَنِ امْرَأَةٍ. قَالَتْ: جَاءَ خَبَرٌ بِمَوْتِ أُمِّي بِاللَّاذِقِيَّةِ أَنَّهَا مَاتَتْ، وَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ.
قَالَتْ: فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ عِنْدَ الْمَقَابِرِ، فَوَقَفْتُ عِنْدَهُ فَرَفَعَ رَأَسَهُ، وَقَالَ لِي: مَاتَتْ مَاتَتْ، أَيْشِ تَعْمَلِينَ؟ فَكَانَ كَمَا قَالَ.
قَالَ: وَحَكَى لِي عَبْدُ اللَّهِ صَاحِبِي قَالَ: جُعْتُ يَوْمًا وَمَا كَانَ مَعِي شَيْءٌ،
стр. 10884
فَاجْتَزْتُ بِهِ فَدَفَعَ إِلَيَّ نِصْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَكْفِي هَذَا لِلْخُبْزِ وَالْعَنْبَرِيسِ.
قَالَ: وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْخَطِيبِ جَمَالِ الدِّينِ الدَّوْلَعِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ عَلِيُّ! أَكَلْتُ الْيَوْمَ كُسَيْرَاتٍ يَابِسَةً، وَشَرِبْتُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَكَفَتْنِي.
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْكُرْدِيُّ: وَمَا تَطْلُبُ نَفْسُكَ شَيْئًا آخَرَ غَيْرِ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: يَا مِسْكِينُ، مَنْ يَقْنَعْ بِكَسْرَةٍ يَابِسَةٍ يَحْبِسْ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْمَقْصُورَةِ، وَلَا يَقْضِي مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَجِّ.
الْفَخْرُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ، الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ، عَالِمُهَا وَمُفْتِيهَا وَخَطِيبُهَا وَوَاعِظُهَا، اشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَبَرَعَ فِيهِ وَبَرَزَ وَحَصَّلَ، وَجَمَعَ تَفْسِيرًا حَافِلًا فِي مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَهُ الْخُطَبُ الْمَشْهُورَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَمُّ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ صَاحِبِ «الْمُنْتَقَى» فِي الْأَحْكَامِ. قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْتُهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ يُنْشِدُ:
أَحْبَابَنَا قَدْ نَذَرَتْ مُقْلَتِي … مَا تَلْتَقِي بِالنَّوْمِ أَوْ نَلْتَقِي
رِفْقًا بِقَلْبٍ مُغْرَمٍ وَاعْطِفُوا … عَلَى سِقَامِ الْجَسَدِ الْمُحْرَقِ
стр. 10885
كَمْ تَمْطُلُونِي بِلَيَالِي اللِّقَا … قَدْ ذَهَبَ الْعُمْرُ وَلَمْ نَلْتَقِي
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَدِمَ بَغْدَادَ حَاجًّا بَعْدَ وَفَاةِ شَيْخِهِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَوَعَظَ بِهَا فِي مَكَانِ شَيْخِهِ.
الْوَزِيرُ ابْنُ شُكْرٍ، صَفِيُّ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ شُكْرٍ، وُلِدَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِدَمِيرَةَ بَيْنَ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ عِنْدَ مَدْرَسَتِهِ بِمِصْرَ، وَقَدْ وَزَرَ لِلْمَلِكِ الْعَادِلِ، وَعَمِلَ أَشْيَاءَ فِي أَيَّامِهِ، مِنْهَا تَبْلِيطُ جَامَعِ دِمَشْقَ، وَأَحَاطَ سُورَ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَمِلَ الْفَوَّارَةَ وَمَسْجِدَهَا وَعِمَارَةَ جَامِعِ الْمِزَّةِ، وَقَدْ نُكِبَ وَعُزِلَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَبَقِيَ مَعْزُولًا إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ، وَقَدْ كَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَانَ ظَالِمًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَرْنِيِّ، الْوَاعِظُ الْبَغْدَادِيُّ، أَخَذَ الْفَنَّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ فِي الزُّهْدِ:
стр. 10886
مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرَّةٍ … فَتَخَوُّفِي مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا
بَيْنَا الْفَتَى فِيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ … وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا
حَتَّى سَقَتْهُ مِنَ الْمَنِيَّةِ شَرْبَةً … وَحَمَتْهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَاكَ رَضَاعَا
فَغَدَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ رَهِينَةً … لَا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا
لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحْتِ الثَّرَى … فَلْيُحْسِنِ الْعَمَلَ الْفَتَى مَا اسْطَاعَا
الْبَهَاءُ السِّنْجَارِيُّ، أَبُو السَّعَادَاتِ أَسْعَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الشَّاعِرُ، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ فَقِيهًا، وَتَكَلَّمَ فِي الْخِلَافِ، إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ، فَأَجَادَ فِيهِ، وَاشْتَهَرَ بِهِ، وَخَدَمَ بِهِ الْمُلُوكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْجَوَائِزَ، وَطَافَ الْبِلَادَ، وَلَهُ دِيوَانٌ بِالتُّرْبَةِ الْأَشْرَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ وَرَائِقِهِ قَوْلُهُ:
وَهَوَاكَ مَا خَطَرَ السُّلُوُّ بِبَالِهِ … وَلَأَنْتَ أَعْلَمُ فِي الْغَرَامِ بِحَالِهِ
وَمَتَى وَشَى وَاشٍ إِلَيْكَ بِأَنَّهُ … سَالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنْ عُذَّالِهِ
أَوَلَيْسَ لِلْكَلِفِ الْمَعْنَّى شَاهِدٌ … مِنْ حَالِهِ يُغْنِيكَ عَنْ تَسْآلِهِ
جَدَّدْتَ ثَوْبَ سِقَامِهِ وَهَتَكَتْ سَتْ … رَغَرَامِهِ وَصَرَمْتَ حَبْلَ وِصَالِهِ
وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ امْتَدَحَ فِيهَا الْقَاضِي كَمَالَ الدِّينِ الشَّهْرَزُورِيَّ.
وَلَهُ:
لِلَّهِ أَيَّامِي عَلَى رَامَةٍ … وَطِيبُ أَوْقَاتِي عَلَى حَاجِرِ
стр. 10887
تَكَادُ لِلسُّرْعَةِ فِي مَرِّهَا … أَوَّلُهَا يَعْثُرُ بِالْآخِرِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً.
عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى، بْنِ دِرْبَاسَ بْنِ فَيْرِ بْنِ جَهْمِ بْنِ عَبْدُوسٍ الْهَذْبَانِيُّ الْمَارَانِيُّ ضِيَاءُ الدِّينِ، أَخُو الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاكِمِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَضِيَاءُ الدِّينِ هَذَا هُوَ شَارِحُ «الْمُهَذَّبِ» وَصَلَ فِيهِ إِلَى كِتَابِ «الشَّهَادَاتِ» فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مُجَلَّدًا، وَشَرَحَ «اللُّمَعَ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَ «التَّنْبِيهَ» لِلشِّيرَازِيِّ، وَكَانَ بَارِعًا عَالِمًا بِالْمَذْهَبِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ
ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْوَاعِظُ، عِنْدَهُ فَضَائِلُ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الزُّهْدِ:
اسْتَعِدِّي يَا نَفْسُ لِلْمَوْتِ وَاسْعَيْ … لِنَجَاةٍ فَالْحَازِمُ الْمُسْتَعِدُّ
قَدْ تَبَيَّنْتِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَيِّ … خُلُودٌ وَلَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ
إِنَّمَا أَنْتِ مُسْتَعِيرَةُ مَا سَوْ … فَ تَرُدِّينَ وَالْعَوَارِي تُرَدُّ
أَنْتِ تَسْهِينَ وَالْحَوَادِثُ لَا تَسْ … هُو وَتَلْهِينَ وَالْمَنَايَا تَجِدُّ
стр. 10888
لَا تُرَجِّي الْبَقَاءَ فِي مَعْدِنِ الْمَوْ … تِ وَدَارٍ حُتُوفُهَا لَكَ وِرْدُ
أَيُّ مُلْكٍ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَيُّ حَظٍّ … لِامْرِئٍ حَظُّهُ مِنَ الْأَرْضِ لَحْدُ
كَيْفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أَيَّ … امٍ عَلَيْهِ الْأَنْفَاسُ فِيهَا تُعَدُّ
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الزَّيْتُونِيِّ
الْبَوَازِيجِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، شَيْخٌ فَاضِلٌ، لَهُ رِوَايَةٌ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
ضَيَّقَ الْعُذْرَ فِي الضَّرَاعَةِ أَنَّا … لَوْ قَنَعْنَا بِقَسْمِنَا لَكَفَانَا
مَا لَنَا نَعْبُدُ الْعِبَادَ إِذَا كَا … نَ إِلَى اللَّهِ فَقْرُنَا وَغِنَانَا
أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ، بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْكَيَّالِ الْوَاسِطِيُّ، مِنْ بَيْتِ الْفِقْهِ وَالْقَضَاءِ، وَكَانَ أَحَدَ الْمُعَدِّلِينَ بِبَغْدَادَ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
فَتَبًّا لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَسُرُّ يَسِيرًا ثُمَّ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا
تُرِيكَ جَمَالًا فِي النِّقَابِ وَزُخْرُفًا … وَتُسْفِرُ عَنْ شَوْهَاءَ طَحْيَاءَ عَامِيَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِنْ كُنْتُ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ تَسَامَحَتْ … بِالْغَمْضِ أَجْفَانِي فَمَا أَجْفَانِي
أَوْ كُنْتُ مِنْ بَعْدِ الْأَحِبَّةِ نَاظِرًا … حُسْنًا بِإِنْسَانِي فَمَا أَنْسَانِي
стр. 10889
الدَّهْرُ مَغْفُورٌ لَهُ زَلَّاتُهُ … إِنْ حَادَ أَوْطَانِي عَلَى أَوْطَانِي
أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ، بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَمَّارِ بْنِ فِهْرِ بْنِ وَقَاحٍ الْيَاسِرِيُّ، نِسْبَةً إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، شَيْخٌ بَغْدَادِيٌّ فَاضِلٌ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي التَّفْسِيرِ وَالْفَرَائِضِ، وَلَهُ خُطَبٌ وَرَسَائِلُ وَأَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ.
أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الطَّبَّاخِ
الْوَاسِطِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الصُّوفِيُّ، بَاشَرَ بَعْضَ الْوِلَايَاتِ بِبَغْدَادَ وَمِمَّا أَنْشَدَهُ:
مَا وَهَبَ اللَّهُ لِامْرِئٍ هِبَةً … أَحْسَنَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا جَمَالُ الْفَتَى فَإِنْ فُقِدَا … فَفَقْدُهُ لِلْحَيَاةِ أَجْمَلُ بِهْ
ابْنُ يُونُسَ شَارِحُ «التَّنْبِيهِ» أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ كَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفَتْحِ مُوسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنَعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَابِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِرْبِلِيُّ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْمَوْصِلِيُّ، مِنْ بَيْتِ الْعِلْمِ وَالرِّيَاسَةِ، اشْتَغَلَ عَلَى أَبِيهِ فِي فُنُونِهِ وَعُلُومِهِ، فَبَرَعَ وَتَقَدَّمَ وَدَرَسَ، وَشَرَحَ «التَّنْبِيهَ»، وَاخْتَصَرَ «إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ» لِلْغَزَّالِيِّ
стр. 10890
مَرَّتَيْنِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا، وَكَانَ يُدَرِّسُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ وَلِيَ بِإِرْبِلَ مَدْرَسَةَ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِي فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكُنْتُ أَحْضُرُ عِنْدَهُ وَأَنَا صَغِيرٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُدَرِّسُ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَارَ إِلَى بَلَدِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَمَاتَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
следующие страницы →