← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

بَابِ الْفَرَجِ، وَهَتَكُوا حُرْمَتَهَا وَدَخَلُوهَا وَتَسَلَّمُوهَا، وَاعْتَقَلُوا الْمُغِيثَ فِي بُرْجٍ هُنَالِكَ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَاحْتَرَقَتْ دَارُ الْحَدِيثِ وَمَا هُنَالِكَ مِنَ الْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ حَوْلَ الْقَلْعَةِ، وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ بِمَا وَقَعَ إِلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَالْأُمَرَاءُ; خَوْفًا عَلَى أَهَالِيهِمْ مِنَ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَبَقِيَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ وَحْدَهُ فِي مَمَالِيكِهِ وَجَارِيَتِهِ أُمِّ خَلِيلٍ، وَطَمِعَ فِيهِ الْفَلَّاحُونَ وَالْغَوَارِنَةُ، وَأَرْسَلَ النَّاصِرُ دَاوُدُ صَاحِبُ الْكَرَكِ إِلَيْهِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ نَابُلُسَ مُهَانًا عَلَى بَغْلَةٍ، بِلَا مِهْمَازٍ وَلَا مِقْرَعَةٍ، فَاعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَرْسَلَ الْعَادِلُ مِنْ مِصْرَ إِلَى النَّاصِرِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَخَاهُ الصَّالِحَ أَيُّوبَ، وَيُعْطِيهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَمَا أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ عَكَسَ مَا طُلِبَ مِنْهُ بِإِخْرَاجِ الصَّالِحِ مِنْ سَجْنِهِ وَالْإِفْرَاجِ عَنْهُ وَإِطْلَاقِهِ مَعَ الْجَيْشِ يَرْكَبُ وَيَنْزِلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَارَبَتِ الْمُلُوكُ مِنْ دِمَشْقَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا النَّاصِرَ دَاوُدَ، وَبَرَزَ الْعَادِلُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى بُلْبَيْسَ قَاصِدًا قِتَالَ النَّاصِرِ دَاوُدَ، فَاضْطَرَبَ الْجَيْشُ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَتِ الْأُمَرَاءُ، وَقَيَّدُوا الْعَادِلَ، وَاعْتَقَلُوهُ فِي خَرْكَاهْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعَ النَّاصِرُ دَاوُدُ مِنْ إِرْسَالِهِ حَتَّى اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ لَهُ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَلَبَ وَبِلَادَ الْجَزِيرَةِ وَ دِيَارَ بَكْرٍ

стр. 10992

وَنِصْفَ مَمْلَكَةِ مِصْرَ وَنِصْفَ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ، قَالَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ: فَأَجَبْتُ إِلَى ذَلِكَ مُكْرَهًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَمِيعِ مَا اشْتَرَطَ عَلَيَّ مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَسِرْنَا فَأَخَذْتُهُ مَعِي خَوْفًا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكِتَابُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ مَكِيدَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِهِ حَاجَةٌ. وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْكَرُ وَيَخْبِطُ الْأُمُورَ، وَيُخَالِفُ فِي الْآرَاءِ السَّدِيدَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ الصَّالِحُ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَدَخَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ سَالِمًا مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مُظَفَّرًا مَحْبُورًا مَسْرُورًا، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّاصِرِ دَاوُدَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِمِصْرَ. وَأَمَّا الْجَوَادُ فَإِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ بِسِنْجَارَ، وَصَادَرَ أَهْلَهَا وَعَسَفَهُمْ، فَكَاتَبُوا بَدْرَ الدِّينِ لُؤْلُؤًا صَاحِبَ الْمَوْصِلِ فَقَصَدَهُمْ وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَادُ لِلصَّيْدِ، فَأَخَذَ الْبَلَدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَصَارَ الْجَوَادُ إِلَى عَانَةَ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنَ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ دَرَّسَ الْقَاضِي الرَّفِيعُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْجِيلِيُّ بِالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَلِيَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّلَمِيُّ خَطَابَةَ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَخَطَبَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ لِصَاحِبِ الرُّومِ بِبَلَادِ دِمَشْقَ وَغَيْرِهَا; لِأَنَّهُ حَالَفَهُ عَلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِي حَزِيرَانَ أَيَّامَ الْمِشْمِشِ جَاءَ مَطَرٌ عَظِيمٌ هَدَمَ كَثِيرًا مِنَ الْحِيطَانِ وَغَيْرِهَا، وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ بِالْمِزَّةِ.

стр. 10993

تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: صَاحِبُ حِمْصَ الْمَلِكُ الْمُجَاهِدُ أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنُ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنِ شَادِي، وَلَّاهُ إِيَّاهَا الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمَكَثَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، طَهَّرَ بِلَادَهُ مِنَ الْخُمُورِ وَالْمُكُوسِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْأَمْنِ وَالْعَدْلِ، لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ مِنَ الْفِرِنْجِ وَلَا الْعَرَبِ يَدْخُلُ بِلَادَهُ إِلَّا أَهَانَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ، وَكَانَتْ مُلُوكُ بَنِي أَيُّوبَ يَتَّقُونَهُ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْهُمْ; لِأَنَّ جَدَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ مِصْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ ﵀ بِحِمْصَ، وَعُمِلَ عَزَاؤُهُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ. الْقَاضِي الْخُوَيِّيُّ شَمْسُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ خَلِيلِ، بْنِ سَعَادَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْخُوَيِّيُّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِفُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ بَعْدَ الظُّهْرِ، السَّابِعِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَهُ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، بِالْمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ، وَكَانَ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَقْدِرُ عَلَى إِيصَالِ الْمَنَاصِبِ، إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا. لَهُ

стр. 10994

مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا عَرُوضٌ. قَالَ فِيهِ أَبُو شَامَةَ: أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ أَرْشَدَهُ اللَّ … هُ لِمَا أَرْشَدَ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدْ ذَاكَ مُسْتَخْرِجُ الْعَرُوضِ وَهَذَا … مُظْهِرُ السِّرِّ مِنْهُ وَالْعَوْدُ أَحْمَدْ وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَ رَفِيعِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْهَادِي الْجِيلِيِّ مَعَ تَدْرِيسِ الْعَادِلِيَّةِ، وَكَانَ قَاضِيًا بِبَعْلَبَكَّ، فَأَحْضَرَهُ إِلَى دِمَشْقَ الْوَزِيرُ أَمِينُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ سَامِرِيًّا فَأَسْلَمَ، وَزَرَ لِلصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَهَذَا الْقَاضِي عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: ظَهَرَ مِنْهُ سُوءُ سِيرَةٍ وَعَسْفٌ وَفِسْقٌ وَجَوْرٌ وَمُصَادَرَةٌ فِي الْأَمْوَالِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ رُبَّمَا حَضَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَشْهَدِ الْكَمَالِيِّ بِالشُّبَّاكِ وَهُوَ سَكْرَانُ بِالْخَمْرِ، وَأَنَّ قَنَانِيَّ الْخَمْرِ كَانَتْ تَكُونُ عَلَى بِرْكَةِ الْعَادِلِيَّةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَ يَعْتَمِدُ فِي التَّرِكَاتِ اعْتِمَادًا سَيِّئًا جِدًّا، وَقَدْ عَامَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، وَأَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ سَبَبَ سَعَادَتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 10995

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا سَلَّمَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ صَاحِبُ دِمَشْقَ حِصْنَ شَقِيفِ أَرْنُونَ لِصَاحِبِ صَيْدَا الْفِرِنْجِيِّ، فَاشْتَدَّ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ خَطِيبِ الْبَلَدِ، وَالشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ شَيْخِ الْمَالِكِيَّةِ، فَاعْتَقَلَهُمَا مُدَّةً، ثُمَّ أَطْلَقَهُمَا وَأَلْزَمَهُمَا مَنَازِلَهُمَا، وَوَلِيَ الْخَطَابَةَ وَتَدْرِيسَ الْغَزَّالِيَّةِ لِعِمَادِ الدِّينِ دَاوُدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ الْمَقْدِسِيِّ خَطِيبِ بَيْتِ الْآبَارِ، ثُمَّ خَرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ دِمَشْقَ، فَقَصَدَ أَبُو عَمْرٍو النَّاصِرَ دَاوُدَ بِالْكَرَكِ، وَدَخَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَتَلَقَّاهُ صَاحِبُهَا أَيُّوبُ بِالِاحْتِرَامِ وَالْإِكْرَامِ، وَوَلَّاهُ خَطَابَةَ الْقَاهِرَةِ وَقَضَاءَ مِصْرَ، وَاشْتَغَلَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا، فَكَانَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِيهَا قَدِمَ رَسُولٌ مِنْ مَلِكِ التَّتَارِ تُولِي بْنِ جِنْكِزْخَانَ إِلَى مُلُوكِ الْإِسْلَامِ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَيَأْمُرُهُمْ بِتَخْرِيبِ أَسْوَارِ بُلْدَانِهِمْ، وَعُنْوَانُ الْكِتَابِ مِنْ نَائِبِ رَبِّ السَّمَاءِ، مَاسِحِ وَجْهِ الْأَرْضِ، مَلِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ خَاقَانَ. وَكَانَ الْكِتَابُ مَعَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، لَطِيفِ الْأَخْلَاقِ، فَأَوَّلُ مَا وَرَدَ عَلَى

стр. 10996

شِهَابِ الدِّينِ غَازِيِّ بْنِ الْعَادِلِ صَاحِبِ مَيَّافَارِقِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِعَجَائِبَ فِي أَرْضِهِمْ غَرِيبَةٍ; مِنْهَا أَنَّ فِي الْبِلَادِ الْمُتَاخِمَةِ لِلسَّدِّ أُنَاسًا أَعْيُنُهُمْ فِي مَنَاكِبِهِمْ، وَأَفْوَاهُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يَأْكُلُونَ السَّمَكَ، وَإِذَا رَأَوْا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ هَرَبُوا. وَذَكَرَ أَنَّ عِنْدَهُمْ بِزْرًا يَنْبُتُ مِنْهُ الْغَنَمُ، يَعِيشُ الْخَرُوفُ مِنْهَا شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةً، وَلَا يَتَنَاسَلُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بِمَازَنْدَرَانَ عَيْنًا يَطْلُعُ فِيهَا كُلَّ ثَلَاثِينَ سَنَةً خَشَبَةٌ عَظِيمَةٌ مِثْلُ الْمَنَارَةِ، فَتُقِيمُ طُولَ النَّهَارِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ غَاصَتْ فِي الْعَيْنِ فَلَا تُرَى إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ احْتَالَ لِيُمْسِكُوهَا بِسَلَاسِلَ رُبِطَتْ فِيهَا فَغَارَتْ، وَقَطَعَتْ تِلْكَ السَّلَاسِلَ، ثُمَّ كَانَتْ إِذَا طَلَعَتْ تُرَى فِيهَا تِلْكَ السَّلَاسِلُ، وَهِيَ إِلَى الْآنَ كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا قَلَّتِ الْمِيَاهُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَفَسَدَ كَثِيرٌ مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ الْفُصُوصِ وَغَيْرِهَا، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَبِيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيُّ الْحَاتِمِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ، طَافَ الْبِلَادَ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ مُدَّةً، وَصَنَّفَ فِيهَا كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِالْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ

стр. 10997

مُجَلَّدًا، فِيهَا مَا يُعْقَلُ وَمَا لَا يُعْقَلُ، وَمَا يُنْكَرُ وَمَا لَا يُنْكَرُ، وَمَا يُعْرَفُ وَمَا لَا يُعْرَفُ، وَلَهُ الْكِتَابُ الْمُسَمَّى بِ «فُصُوصِ الْحِكَمِ» فِيهِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرُهَا كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَلَهُ كِتَابُ «الْعِبَادَاتِ»، وَدِيوَانُ شِعْرٍ رَائِقٍ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ أُخَرُ كَثِيرَةٌ، وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً طَوِيلَةً قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَكَانَ بَنُو الزَّكِيِّ لَهُمْ عَلَيْهِ اشْتِمَالٌ، وَبِهِ احْتِفَالٌ، وَلِجَمِيعِ مَا يَقُولُهُ احْتِمَالٌ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ سَهْلَةً، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَلَامٌ طَوِيلٌ عَلَى طَرِيقِ التَّصَوُّفِ، وَكَانَتْ لَهُ جَنَازَةٌ حَسَنَةٌ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ بِقَاسِيُونَ. وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ السِّبْطِ: كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ يَحْفَظُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَيَقُولُ إِنَّهُ يَعْرِفُ الْكِيمْيَاءَ بِطَرِيقِ الْمُنَازَلَةِ لَا بِطْرِيقِ الْكَسْبِ، وَكَانَ فَاضِلًا فِي عِلْمِ التَّصَوُّفِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ. الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ رَاجِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الشَّافِعِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنْبَلِيِّ، كَانَ شَيْخًا فَاضِلًا دَيِّنًا بَارِعًا فِي عِلْمِ الْخِلَافِ، وَيَحْفَظُ «الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ»

стр. 10998

لِلْحُمَيْدِيِّ، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، قَدْ طَافَ الْبُلْدَانَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ بِدِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ وَالصَّارِمِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ وَأُمِّ الصَّالِحِ، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُضَاةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا، وَهُوَ نَائِبُ الرَّفِيعِ الْجِيلِيِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَوَّالٍ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ. يَاقُوتُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَمِينُ الدِّينِ الرُّومِيُّ، مَنْسُوبٌ إِلَى وَلَاءِ أَتَابَكَ، قَدِمَ بَغْدَادَ مَعَ رَسُولِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ لُؤْلُؤٍ. قَالَ ابْنُ السَّاعِي: اجْتَمَعْتُ بِهِ وَهُوَ شَابٌّ أَدِيبٌ فَاضِلٌ، يَكْتُبُ خَطًّا حَسَنًا فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ، وَيَنْظِمُ شِعْرًا جَيِّدًا. ثُمَّ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا مِنْهُ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مَحْبُوسًا.

стр. 10999

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا قَصَدَ الْمَلِكُ الْجَوَادُ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ لِيَكُونَ فِي خِدْمَةِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّمْلِ تَوَهَّمَ مِنْهُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الشَّيْخِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ الْجَوَادُ، فَاسْتَجَارَ بِالنَّاصِرِ دَاوُدَ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا، فَالْتَقَوْا مَعَ ابْنِ الشَّيْخِ، فَكَسَرُوهُ وَأَسَرُوهُ، فَوَبَّخَهُ النَّاصِرُ دَاوُدُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَأَقَامَ الْجَوَادُ فِي خِدْمَةِ النَّاصِرِ حَتَّى تَوَهَّمَ مِنْهُ، فَقَيَّدَهُ وَأَرْسَلَهُ تَحْتَ الْحَوْطَةِ إِلَى بَغْدَادَ، فَأَطْلَقَهُ بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ عَنْ قُوَّةٍ، فَلَجَأَ إِلَى صَاحِبِ دِمَشْقَ مُدَّةً، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ، فَحَبَسَهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِعَزَّتَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ كَمَا سَيَأْتِي. وَفِيهَا شَرَعَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ فِي بِنَاءِ الْمَدَارِسِ بِمِصْرَ، وَبَنَى قَلْعَةً بِالْجَزِيرَةِ غَرِمَ عَلَيْهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَخَذَ أَمْلَاكَ النَّاسِ، وَخَرَّبَ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ مَسْجِدًا، وَقَطَعَ أَلْفَ نَخْلَةٍ، ثُمَّ أَخْرَبَهَا التُّرْكُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَفِيهَا رَكِبَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَلِكِ الْمُجَاهِدِ صَاحِبِ حِمْصَ، وَمَعَهُ

стр. 11000

الْحَلَبِيُّونَ، فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ بِأَرْضِ حَرَّانَ، فَكَسَرُوهُمْ وَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَعَادُوا مَنْصُورِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَاصْطَلَحَ شِهَابُ الدِّينِ غَازِيٌّ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَآوَاهُمْ إِلَى بَلَدِهِ لِيَكُونُوا مِنْ حِزْبِهِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا كَانَ دُخُولُ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَأَكْرَمَهُ صَاحِبُهَا، وَوَلَّاهُ الْخَطَابَةَ بِالْقَاهِرَةِ وَقَضَاءَ الْقُضَاةِ بِمِصْرَ، بَعْدَ وَفَاةِ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ الْمُوَقِّعِ، ثُمَّ عَزَلَ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ وَانْقَطَعَ فِي بَيْتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِالْمَوْصِلِ الشَّمْسُ بْنُ الْخَبَّازِ النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ فِي سَابِعِ رَجَبٍ. وَالْكَمَالُ بْنُ يُونُسَ الْفَقِيهُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَا فَاضِلَيْ بَلَدِهِمَا فِي فَنِّهِمَا. قُلْتُ: أَمَّا الشَّمْسُ بْنُ الْخَبَّازِ، فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَعَالِي بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَلِيٍّ، الضَّرِيرُ النَّحْوِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَبَّازِ، اشْتَغَلَ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَحَفِظَ «الْمُفَصَّلَ» وَ «الْإِيضَاحَ وَالتَّكْمِلَةَ» وَالْعَرُوضَ وَالْحِسَابَ، وَكَانَ يَحْفَظُ «الْمُجْمَلَ» فِي اللُّغَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، كَثِيرَ النَّوَادِرِ وَالْمُلَحِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ جَيِّدَةٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ الْعَاشِرَ مِنْ رَجَبٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسُونَ سَنَةً - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

стр. 11001

وَأَمَّا الْكَمَالُ بْنُ يُونُسَ، فَهُوَ مُوسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنَعَةَ بْنِ مَالِكٍ الْعُقَيْلِيُّ، أَبُو الْفَتْحِ الْمَوْصِلِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِهَا، وَمُدَرِّسٌ بِعِدَّةِ مَدَارِسَ فِيهَا، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْمَعْقُولَاتِ وَالْمَنْطِقِ وَالْحِكْمَةِ، وَرَحَلَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَبَلَغَ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ عَامًا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا امْتَدَحَ بِهِ الْبَدْرَ لُؤْلُؤًا صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَئِنْ شَرُفَتْ أَرْضٌ بِمَالِكِ رِقِّهَا … فَمَمْلَكَةُ الدُّنْيَا بِكُمْ تَتَشَرَّفُ بَقِيتَ بَقَاءَ الدَّهْرِ أَمْرُكَ نَافِذٌ … وَسَعْيُكَ مَشْكُورٌ وَحُكْمُكَ مُنْصِفُ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَذِهِ السَّنَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ: عَبْدُ الْوَاحِدِ الصُّوفِيُّ الَّذِي كَانَ قَسًّا رَاهِبًا بِكَنِيسَةِ مَرْيَمَ سَبْعِينَ سَنَةً، أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ شَيْخًا كَبِيرًا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِخَانْقَاهِ السُّمَيْسَاطِيَّةِ أَيَّامًا، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَتْ لَهُ جَنَازَةٌ حَافِلَةٌ، حَضَرْتُ دَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 11002

أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْفَنْدِيَارَ، بْنُ الْمُوَفَّقِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْبُوشَنْجِيُّ الْوَاعِظُ، شَيْخُ رِبَاطِ الْأُرْجُوَانِيَّةِ. قَالَ ابْنُ السَّاعِي: كَانَ جَمِيلَ الصُّورَةِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، كَثِيرَ التَّوَدُّدِ وَالتَّوَاضُعِ، مُتَكَلِّمًا مُفَوَّهًا مَنْطِقِيًّا، حَسَنَ الْعِبَارَةِ، جِيِّدَ الْوَعْظَ، طَيِّبَ الْإِنْشَادِ، عَذْبَ الْإِيرَادِ، لَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ. ثُمَّ سَاقَ عَنْهُ قَصِيدَةً يَمْدَحُ بِهَا الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَنْصِرَ. أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُعَيْمٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحُبَيْرِ السَّلَامِيِّ، شَيْخٌ عَالِمٌ فَاضِلٌ، كَانَ حَنْبَلِيًّا، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَدَرَّسَ بِعِدَّةِ مَدَارِسَ بِبَغْدَادَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَكَانَ أَحَدَ الْمُعَدِّلِينَ بِهَا، تَوَلَّى مُبَاشَرَاتٍ كَثِيرَةً، وَكَانَ فَقِيهًا أُصُولِيًّا عَالِمًا بِالْخِلَافِ، وَتَقَدَّمَ بِبَلَدِهِ وَعَظُمَ كَثِيرًا، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ ابْنُ فَضْلَانَ بِدَارِ الْحَرِيمِ، ثُمَّ صَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ دَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِبَغْلَةٍ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ، وَمَا زَالَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ. قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو الْمَعَالِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقْبِلِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ الشَّافِعِيُّ، اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ، وَحَصَّلَ وَأَعَادَ فِي بَعْضِ الْمَدَارِسِ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو صَالِحٍ نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ، فِي أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ

стр. 11003

الظَّاهِرِ بْنِ النَّاصِرِ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ وَلِيَ تَدْرِيسَ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ أَوَّلِ مَنْ دَرَّسَ بِهَا مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضْلَانَ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعُيِّنَ لِمَشْيَخَةِ بَعْضِ الرُّبُطِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا مُتَوَاضِعًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ.

стр. 11004

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا تُوُفِّيَ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ وَخَلَفَهُ وَلَدُهُ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ فَكَانَتْ وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بُكْرَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَاشِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ، وَكُتِمَ مَوْتُهُ حَتَّى كَانَ الدُّعَاءُ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدُفِنَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ جَمِيلَ الصُّورَةِ، حَسَنَ السَّرِيرَةِ، جَيِّدَ السِّيرَةِ، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ، مُحْسِنًا إِلَى الرَّعِيَّةِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَانَ جَدُّهُ النَّاصِرُ قَدْ جَمَعَ مَا يَتَحَصَّلُ مِنَ الذَّهَبِ فِي بِرْكَةٍ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، فَكَانَ يَقِفُ عَلَى حَافَّتِهَا وَيَقُولُ: أَتُرَى أَعِيشُ حَتَّى أَمْلَأَهَا، وَكَانَ الْمُسْتَنْصِرُ يَقِفُ عَلَى حَافَّتِهَا وَيَقُولُ: أَتُرَى أَعِيشُ حَتَّى أُنْفِقَهَا كُلَّهَا. كَانَ يَبْنِي الرُّبُطَ وَالْخَانَاتِ وَالْقَنَاطِرَ فِي الطُّرُقَاتِ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ. وَقَدْ عَمِلَ بِكُلِّ مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ بَغْدَادَ دَارَ ضِيَافَةٍ لِلْفُقَرَاءِ، لَاسِيَّمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَتَقَصَّدُ الْجَوَارِيَ اللَّاتِي قَدْ بَلَغْنَ الْأَرْبَعِينَ، فَيُشْتَرَيْنَ لَهُ فَيُعْتِقُهُنَّ وَيُجَهِّزُهُنَّ وَيُزَوِّجُهُنَّ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ يُبْرِزُ صِلَاتِهِ أُلُوفٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الذَّهَبِ، تُفَرَّقُ فِي الْمَحَالِّ بِبَغْدَادَ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ

стр. 11005

وَغَيْرِهِمْ، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَجَزَاهُ خَيْرًا، وَقَدْ وَضَعَ بِبَغْدَادَ الْمَدْرَسَةَ الْمُسْتَنْصِرِيَّةَ لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلَ فِيهَا دَارَ حَدِيثٍ وَمَارَسْتَانًا، وَحَمَّامًا وَدَارَ طِبٍّ، وَجَعَلَ لِمُسْتَحِقِّيهَا مِنَ الْجَوَامِكِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْحَلَاوَاتِ وَالْفَوَاكِهِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَوْقَافًا عَظِيمَةً حَتَّى قِيلَ: إِنَّ ثَمَنَ التِّبْنِ مِنْ غَلَّاتِ رِيعِهَا يَكْفِي الْمَدْرَسَةَ وَأَهْلَهَا، وَوَقَفَ فِيهَا كُتُبًا نَفِيسَةً لَيْسَ لَهَا فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَدْرَسَةُ جَمَالًا لِبَغْدَادَ، بَلْ لِسَائِرِ الْبِلَادِ. وَقَدِ احْتَرَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمَشْهَدُ الَّذِي بِسَامَرَّا الْمَنْسُوبُ إِلَى عَلِيٍّ الْهَادِي وَالْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ، وَقَدْ كَانَ بَنَاهُ أَرْسَلَانُ الْبَسَاسِيرِيُّ فِي أَيَّامِ تَغَلُّبِهِ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي، فِي حُدُودِ سَنَةِ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْصِرُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَتِ الرَّوَافِضُ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ حَرِيقِ هَذَا الْمَشْهَدِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ بَارِدٍ لَا حَاصِلَ لَهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ أَخْبَارًا، وَأَنْشَدُوا أَشْعَارًا كَثِيرَةً لَا مَعْنَى لَهَا، وَهُوَ الْمَشْهَدُ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمُنْتَظَرُ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ، وَلَوْ لَمْ يُبْنَ لَكَانَ أَجْوَدَ، وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوَادِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بِكَرْبَلَاءَ، ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵃ أَجْمَعِينَ، وَقَبَّحَ مَنْ يَغْلُو فِيهِمْ وَيُبْغِضُ بِسَبَبِهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.

стр. 11006

وَكَانَ الْمُسْتَنْصِرُ ﵀ كَرِيمًا حَلِيمًا رَئِيسًا مُتَوَدِّدًا إِلَى النَّاسِ، وَكَانَ جَمِيلَ الصُّورَةِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، بَهِيَّ الْمَنْظَرِ، عَلَيْهِ نُورُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَحُكِيَ أَنَّهُ اجْتَازَ رَاكِبًا فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ بَغْدَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ رَمَضَانَ، فَرَأَى شَيْخًا كَبِيرًا، وَمَعَهُ إِنَاءٌ فِيهِ طَعَامٌ، قَدْ حَمَلَهُ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، لِمَ لَا أَخَذْتَ الطَّعَامَ مِنْ مَحَلَّتِكَ؟ أَوَ أَنْتَ مُحْتَاجٌ فَتَأْخُذَ مِنَ الْمَحَلَّتَيْنِ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي - وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ - وَلَكِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ نَزَلَ بِيَ الْوَقْتُ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِي أَنْ أُزَاحِمَهُمْ وَقْتَ الطَّعَامِ، وَأَتَحَيَّنُ وَقْتَ كَوْنِ النَّاسِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَأَدْخُلُ بِالطَّعَامِ إِلَى مَنْزِلِي حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَدٌ. فَبَكَى الْخَلِيفَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمَّا دُفِعَتْ إِلَيْهِ فَرِحَ الشَّيْخُ فَرَحًا شَدِيدًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ انْشَقَّ قَلْبُهُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَاتَ فَحُمِلَتِ الْأَلْفُ دِينَارٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا، وَقَدْ أَنْفَقَ مِنْهَا دِينَارًا وَاحِدًا، فَتَعَجَّبَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: شَيْءٌ قَدْ خَرَجْنَا عَنْهُ لَا يَعُودُ إِلَيْنَا، تَصَدَّقُوا بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ مَحَلَّتِهِ. وَقَدْ خَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةً; اثْنَانِ شَقِيقَانِ، وَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ وَأَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ، وَالْأَمِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأُخْتُهُمَا مِنْ أُمٍّ أُخْرَى كَرِيمَةُ، صَانَ اللَّهُ حِجَابَهَا. وَقَدْ رَثَاهُ النَّاسُ بِأَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ، أَوْرَدَ مِنْهَا ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً صَالِحَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 11007

وَلَمْ يَسْتَوْزِرْ أَحَدًا، بَلْ أَقَرَّ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيَّ عَلَى نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ نَصْرُ الدِّينِ أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّاقِدِ الَّذِي كَانَ أُسْتَاذَ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. خِلَافَةُ الْمُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الشَّهِيدُ الَّذِي قَتَلَهُ التَّتَارُ، بِأَمْرِ هُلَاوُو بْنِ تُولُّيَّ مِلْكِ التَّتَارِ بْنِ جِنْكِزْخَانَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ الْإِمَامُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الظَّاهِرِ بِاللَّهِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَقِيَّةُ نَسَبِهِ إِلَى الْعَبَّاسِ فِي

стр. 11008

تَرْجَمَةِ جَدِّهِ النَّاصِرِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ كُلُّهُمْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَمْ يَتَّفِقْ هَذَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْمُسْتَعْصِمِ; أَنَّ فِي نَسَبِهِ ثَمَانِيَةً وَلُوا الْخِلَافَةَ نَسَقًا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمْ أَحَدٌ، وَهُوَ التَّاسِعُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ عَاشِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ اسْتُدْعِيَ هُوَ مِنَ التَّاجِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ، وَلُقِّبَ بِالْمُسْتَعْصِمِ، وَلَهُ مِنَ الْأَمْرِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَشُهُورٌ، وَقَدْ أَتْقَنَ فِي شَبِيبَتِهِ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ حِفْظًا وَتَجْوِيدًا، وَأَتْقَنَ الْعَرَبِيَّةَ وَالْخَطَّ الْحَسَنَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ أَبِي الْمُظَفَّرِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّيَّارِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَقَدْ أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ فِي خِلَافَتِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَعْصِمُ عَلَى مَا ذُكِرَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ، حَسَنَ الْأَدَاءِ، طَيِّبَ الصَّوْتِ، يَظْهَرُ عَلَيْهِ خُشُوعٌ وَإِنَابَةٌ، وَقَدْ نَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ. وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ، مَشْكُورًا، مُقْتَدِيًا بِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصِرِ جُهْدَهُ وَطَاقَتَهُ، وَقَدْ مَشَتِ الْأُمُورُ فِي أَيَّامِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَكَانَ الْقَائِمُ بِهَذِهِ الْبَيْعَةِ الْمُسْتَعْصِمِيَّةِ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو الْفَضَائِلِ إِقْبَالٌ الْمُسْتَنْصِرِيُّ، فَبَايَعَهُ أَوَّلًا بَنُو عَمِّهِ وَأَهْلُهُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أُولِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَمَجْمَعًا مَحْمُودًا، وَرَأَيًا سَعِيدًا، وَأَمْرًا حَمِيدًا، وَجَاءَتِ الْبَيْعَةُ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَالْأَقْطَارِ، وَالْبُلْدَانِ وَالْأَمْصَارِ، وَخُطِبَ

стр. 11009

لَهُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَالْأَقَالِيمِ وَالرَّسَاتِيقِ، وَعَلَى سَائِرِ الْمَنَابِرِ شَرْقًا وَغَرْبًا، بُعْدًا وَقُرْبًا، كَمَا كَانَ أَبُوهُ وَأَجْدَادُهُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، ﵏ أَجْمَعِينَ. وَمِمَّا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنَّهُ كَانَ بِالْعِرَاقِ وَبَاءٌ شَدِيدٌ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَغَلَا السُّكَّرُ وَالْأَدْوِيَةُ، فَتَصَدَّقَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِسُكَّرٍ كَثِيرٍ عَلَى الْمَرْضَى، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ أَذِنَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ لِأَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ شَابًّا ظَرِيفًا فَاضِلًا، فِي الْوَعْظِ بِبَابِ الْبَدْرِيَّةِ، فَتَكَلَّمَ وَأَجَادَ وَأَفَادَ، وَامْتَدَحَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعْصِمَ بِقَصِيدَةٍ مُفِيدَةٍ، طَوِيلَةٍ جَلِيلَةٍ، فَصِيحَةٍ مَلِيحَةٍ، سَرَدَهَا ابْنُ السَّاعِي بِكَمَالِهَا، وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، وَالشِّبْلُ فِي الْمَخْبَرِ مِثْلُ الْأَسَدِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْحَلَبِيِّينَ وَبَيْنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَمَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ شِهَابُ الدِّينِ غَازِيٌّ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ، فَكَسَرَهُمُ الْحَلَبِيُّونَ كَسْرَةً عَظِيمَةً مُنْكَرَةً، وَغَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، وَنُهِبَتْ نَصِيبِينُ مَرَّةً أُخْرَى، وَهَذِهِ سَابِعَ عَشَرَ مَرَّةً نُهِبَتْ فِي هَذِهِ السِّنِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَعَادَ الْغَازِيُّ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَتَفَرَّقَتِ الْخُوَارَزْمِيَّةُ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ صُحْبَةَ مُقَدَّمِهِمْ بَرَكَاتِ خَانَ، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَدِمَ عَلَى الشِّهَابِ غَازِيٍّ مَنْشُورٌ بِمَدِينَةِ خِلَاطَ فَتَسَلَّمَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَوَاصِلِ.

стр. 11010

وَفِيهَا عَزَمَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ صَاحِبُ مِصْرَ عَلَى دُخُولِ الشَّامِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعَسَاكِرَ مُخْتَلِفَةٌ، فَجَهَّزَ عَسْكَرًا إِلَيْهَا، وَأَقَامَ هُوَ بِمِصْرَ يُدِيرُ مَمْلَكَتَهَا. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحُرْمَةُ الْمَصُونَةُ الْجَلِيلَةُ، بَرَكَاتُ خَاتُونَ بِنْتُ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ ابْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيِّ بْنِ آقْسُنْقُرَ الْأَتَابَكِيَّةُ، وَاقِفَةُ الْمَدْرَسَةِ الْأَتَابَكِيَّةِ بِالصَّالِحِيَّةِ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ، ﵀، وَفِي لَيْلَةِ وَفَاتِهَا كَانَتْ وَقَفَتْ مَدْرَسَتَهَا وَتُرْبَتَهَا بِالْجَبَلِ. قَالَهُ أَبُو شَامَةَ، وَدُفِنَتْ بِهَا، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَبَّلَ مِنْهَا.

стр. 11011

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا تَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَ الصَّالِحِ أَيُّوبَ صَاحِبِ مِصْرَ وَبَيْنَ عَمِّهِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ صَاحِبِ دِمَشْقَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ وَلَدَهُ الْمُغِيثَ عُمَرَ بْنَ الصَّالِحِ أَيُّوبَ الْمُعْتَقَلَ فِي قَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَتَسْتَقِرُّ دِمَشْقُ فِي يَدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، فَوَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ، وَخُطِبَ لِلصَّالِحِ أَيُّوبَ بِدِمَشْقَ، فَخَافَ الْوَزِيرُ أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ غَزَّالٌ الْمَسْلَمَانِيُّ، وَزِيرُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ غَائِلَةِ هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ لِمَخْدُومِهِ: لَا تَرُدَّ هَذَا الْغُلَامَ إِلَى أَبِيهِ تَخْرُجُ الْبِلَادُ مِنْ يَدِكَ، هَذَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ فِي يَدِكَ لِلْبِلَادِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْطَلَ مَا كَانَ وَقَعَ مِنَ الصُّلْحِ، وَرَدَّ الْغُلَامَ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَقُطِعَتِ الْخُطْبَةُ لِلصَّالِحِ أَيُّوبَ، وَوَقَعَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ الْمَلِكَيْنِ، وَأَرْسَلَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ إِلَى الْخُوَارَزْمِيَّةِ يَسْتَحْضِرُهُمْ لِحِصَارِ دِمَشْقَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَانَتِ الْخُوَارَزْمِيَّةُ قَدْ فَتَحُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِلَادَ الرُّومِ، وَأَخَذُوهَا مِنْ أَيْدِي مَلِكِهَا ابْنِ عَلَاءِ الدِّينِ، وَكَانَ قَلِيلَ الْعَقْلِ يَلْعَبُ بِالْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ، وَيُسَلِّطُهَا عَلَى النَّاسِ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ عَضَّهُ سَبُعٌ فَمَاتَ، فَتَغَلَّبُوا عَلَى الْبِلَادِ حِينَئِذٍ. وَفِيهَا احْتِيطَ عَلَى أَعْوَانِ الْقَاضِي الرَّفِيعِ الْجِيلِيِّ، وَضُرِبَ بَعْضُهُمْ بِالْمَقَارِعِ وَصُودِرُوا، وَرُسِمَ عَلَى الْقَاضِي الرَّفِيعِ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُقَدَّمِيَّةِ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، ثُمَّ أُخْرِجَ لَيْلًا وَذُهِبَ بِهِ، فَسُجِنَ بِمَغَارَةِ أَفْقَهَ مِنْ نَوَاحِي الْبِقَاعِ، ثُمَّ انْقَطَعَ خَبَرُهُ.

стр. 11012

وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: وَذَكَرُوا أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أُلْقِيَ مِنْ شَاهِقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خُنِقَ. وَذَلِكَ كُلُّهُ بِذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ قُرِئَ مَنْشُورُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ لِمُحْيِي الدِّينِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيِّ، بِالشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ بِالْجَامِعِ. كَذَا قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ. وَزَعَمَ السِّبْطُ أَنَّ عَزْلَهُ إِنَّمَا كَانَ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ سَبَبَ هَلَاكِهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أَوْرَدَ إِلَى خِزَانَتِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. فَأَنْكَرَ الصَّالِحُ ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ سِوَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَرْسَلَ الْقَاضِي يَقُولُ: فَأَنَا أُحَاقِقُ الْوَزِيرَ، وَكَانَ الصَّالِحُ لَا يُخَالِفُ الْوَزِيرَ، فَأَشَارَ حِينَئِذٍ عَلَى الصَّالِحِ بِعَزْلِهِ، لِتَبْرَأَ سَاحَةُ السُّلْطَانِ مِنْ شَنَاعَاتِ النَّاسِ، فَعَزَلَهُ وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. وَفَوَّضَ أَمْرَ مَدَارِسِهِ إِلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ، فَعَيَّنَ الْعَادِلِيَّةَ لِلْكَمَالِ التَفْلِيسِيِّ، وَالْعَذْرَاوِيَّةَ لِمُحْيِي الدِّينِ بْنِ الزَّكِيِّ الَّذِي وَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ، وَالْأَمِينِيَّةَ لِابْنِ عَبْدِ الْكَافِي، وَالشَّامِيَّةَ الْبَرَّانِيَّةَ لِلتَّقِيِّ الْحَمَوِيِّ، وَتَغَيَّبَ الْقَاضِي الرَّفِيعُ، وَأَسْقَطَ عَدَالَةَ شُهُودِهِ. قَالَ السِّبْطُ: أَرْسَلَهُ الْأَمِينُ مَعَ جَمَاعَةٍ عَلَى بَغْلٍ بِإِكَافٍ لِبَعْضِ النَّصَارَى

стр. 11013

إِلَى مَغَارَةِ أَفْقَهَ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّاحِلِ، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ عَدْلَيْنِ مِنْ بَعْلَبَكَّ لِيَشْهَدَا عَلَيْهِ بِبَيْعِ أَمْلَاكِهِ مِنْ أَمِينِ الدَّوْلَةِ، فَذَكَرَا أَنَّهُمَا شَاهَدَاهُ، وَعَلَيْهِ تَخْفِيفَةٌ وَقَنْدُورَةٌ، وَأَنَّهُ اسْتَطْعَمَهُمَا شَيْئًا مِنِ الزَّادِ، وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، فَأَطْعَمَاهُ مِنْ زُوَّادَتِهِمَا، وَشَهِدَا عَلَيْهِ وَانْصَرَفَا، ثُمَّ جَاءَهُ دَاوُدُ النَّصْرَانِيُّ فَقَالَ لَهُ: قُمْ، فَقَدْ أُمِرْنَا بِحَمْلِكَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، فَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ حِينَئِذٍ، فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ: قُمْ. فَقَامَ فَصَلَّى، فَأَطَالَ الصَّلَاةَ، فَرَفَسَهُ النَّصْرَانِيُّ، فَأَلْقَاهُ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِ الْوَادِي الَّذِي هُنَاكَ، فَمَا وَصَلَ حَتَّى تَقَطَّعَ، وَحُكِيَ أَنَّهُ تَعَلَّقَ ذَيْلُهُ بِسِنِّ الْجَبَلِ، فَمَا زَالَ دَاوُدُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَلْقَاهُ إِلَى أَسْفَلِ الْوَادِي، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّقِيفِ الْمُطِلِّ عَلَى نَهْرِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ السِّبْطُ: وَقَدْ كَانَ فَاسِدَ الْعَقِيدَةِ، دَهْرِيًّا مُسْتَهْزِئًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ، يَخْرُجُ إِلَى الْمَجْلِسِ سَكْرَانَ، وَيَحْضُرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ، وَكَانَتْ دَارُهُ كَالْحَانَاتِ. فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَالَ: وَأَخَذَ الْمُوَفَّقُ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ أُمَنَائِهِ - وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْبَلَايَا - أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَعُوقِبَ عُقُوبَةً عَظِيمَةً حَتَّى أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَدْ كُسِرَتْ سَاقَاهُ، وَمَاتَ تَحْتَ الضَّرْبِ، فَأُلْقِيَ فِي مَقَابِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَكَلَتْهُ الْكِلَابُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَتُوحِ، عُمَرُ بْنُ أَسْعَدَ بْنِ الْمُنَجِّي التَّنُوخِيُّ

стр. 11014

الْمَعَرِّيُّ الْحَنْبَلِيُّ، قَاضِي حَرَّانَ قَدِيمًا، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِالْمِسْمَارِيَّةِ، وَتَوَلَّى خِدَمًا فِي الدَّوْلَةِ الْمُعَظَّمِيَّةِ، وَكَانَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ صَابِرٍ وَالْقَاضِيَيْنِ الشَّهْرَزُورِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَابِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتُوُفِّيَ أَخُوهُ الْعِزُّ بَعْدَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَدُفِنَ بِمَدْرَسَتِهِ الَّتِي بِالْجَبَلِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّيْخُ الْحَافِظُ الصَّالِحُ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ الصَّرِيفِينِيُّ، كَانَ يَدْرِي الْحَدِيثَ، وَلَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ، أَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو شَامَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ، ﵀. وَاقِفُ الْكَرَوَّسِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ كَرَوَّسَ، جَمَالُ الدِّينِ مُحْتَسِبُ دِمَشْقَ، كَانَ كَيِّسًا مُتَوَاضِعًا، تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ الَّتِي جَعَلَهَا مَدْرَسَةً، وَلَهُ دَارُ حَدِيثٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ. الْمَلِكُ الْجَوَادُ يُونُسُ بْنُ مَمْدُودِ، بْنِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ الْمَلِكُ الْجَوَادُ، وَكَانَ أَبُوهُ أَكْبَرَ أَوْلَادِ الْعَادِلِ، تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ، وَمَلَكَ دِمَشْقَ بَعْدَ عَمِّهِ الْكَامِلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَادِلِ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ جَيِّدًا مُحِبًّا لِلصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ

стр. 11015

كَانَ فِي بَابِهِ مَنْ يَظْلِمُ النَّاسَ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَأَبْغَضَتْهُ الْعَامَّةُ، وَسَبُّوهُ، وَأَلْجَئُوهُ إِلَى أَنْ قَايَضَ بِدِمَشْقَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ أَيُّوبَ بْنَ الْكَامِلِ إِلَى سِنْجَارَ وَحِصْنِ كَيْفَا، ثُمَّ لَمْ يَحْفَظْهُمَا بَلْ خَرَجَتَا عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ سَجَنَهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِحِصْنِ عَزَّتَا، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَنُقِلَ فِي شَوَّالٍ إِلَى تُرْبَةِ الْمُعَظَّمِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَكَانَ عِنْدَهُ ابْنُ يَغْمُورٍ مُعْتَقَلًا، فَحَوَّلَهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ إِلَى قَلْعَةِ دِمَشْقَ، فَلَمَّا مَلَكَهَا الصَّالِحُ أَيُّوبُ نَقَلَهُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَشَنَقَهُ مَعَ الْأَمِينِ غَزَّالٍ وَزِيرِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، عَلَى قَلْعَةِ الْقَاهِرَةِ، جَزَاءً عَلَى صُنْعِهِمَا فِي حَقِّ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى; أَمَّا ابْنُ يَغْمُورٍ فَإِنَّهُ عَمِلَ عَلَيْهِ حَتَّى حَوَّلَ مُلْكَ دِمَشْقَ إِلَى الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا أَمِينُ الدَّوْلَةِ، فَإِنَّهُ مَنَعَ الصَّالِحَ مِنْ تَسْلِيمِ وَلَدِهِ عُمْرَ إِلَيْهِ، فَانْتَقَمَ مِنْهُمَا بِهَذَا، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ. مَسْعُودُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَسْعُودِ، بْنِ مَازَهِ الْبُخَارِيُّ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الْفُضَلَاءِ، وَلَهُ عِلْمٌ بِالتَّفْسِيرِ وَعِلْمِ الْحَدِيثِ، وَلَدَيْهِ فَضْلٌ غَزِيرٌ، قَدِمَ بَغْدَادَ صُحْبَةَ رَسُولِ التَّتَارِ لِلْحَجِّ، فَحُبِسَ عِنْدَهُ سِنِينَ، ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهُ، فَحَجَّ ثُمَّ عَادَ، فَمَاتَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ، بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبِطْرِيقِ بْنِ نَصْرِ بْنِ حَمْدُونَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَسَدِيُّ الْحِلِّيُّ، ثُمَّ الْوَاسِطِيُّ، ثُمَّ

стр. 11016

الْبَغْدَادِيُّ، الْكَاتِبُ الشَّاعِرُ الشِّيعِيُّ، فَقِيهُ الشِّيعَةِ، أَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً، وَامْتَدَحَ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ، مِنْهُمُ الْكَامِلُ صَاحِبُ مِصْرَ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ، فَكَانَ يَشْغَلُ الشِّيعَةَ فِي مَذْهَبِهِمْ، وَكَانَ فَاضِلًا ذَكِيًّا، جَيِّدَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَلَكِنَّهُ مَخْذُولٌ مَحْجُوبٌ عَنِ الْحَقِّ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً جَيِّدَةً مِنْ أَشْعَارِهِ فِي الْكَامِلِ وَغَيْرِهِ.

стр. 11017

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ مُؤَيِّدَ الدِّينِ أَبَا طَالِبٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلْقَمِيِّ; الْمَشْئُومَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ، وَالَّذِي لَمْ يَعْصِمِ الْمُسْتَعْصِمَ فِي وِزَارَتِهِ; فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَزِيرَ صِدْقٍ وَلَا مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَضِيَّةِ هُولُاوُو وَجُنُودِهِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ - وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ قَبْلَ هَذِهِ الْوِزَارَةِ أُسْتَاذَ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا مَاتَ نَصْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ النَّاقِدِ اسْتُوْزِرَ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ فِي الْأُسْتَاذِ دَارِيَةِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ وَاقِفُ الْجَوْزِيِّةِ الَّتِي بِالنَّشَّابِينَ بِدِمَشْقَ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ. وَفِيهَا جُعِلَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ النَّيَّارِ مُؤَدِّبُ الْخَلِيفَةِ شَيْخَ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ الْخَلِيفَةُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ الْمُطَهَّرِ وَكَالَةً مُطْلَقَةً، وَخَلَعَ عَلَيْهِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقَعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ صَاحِبُ مِصْرَ اسْتَقْدَمَهُمْ لِيَسْتَنْجِدَ بِهِمْ عَلَى الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ أَبِي الْحَسَنِ صَاحِبِ

стр. 11018

دِمَشْقَ، فَنَزَلُوا عَلَى غَزَّةَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ الْأَمْوَالَ وَالْخِلَعَ وَالْخَيْلَ وَالْأَقْمِشَةَ وَالْعَسَاكِرَ، فَاتَّفَقَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ وَالنَّاصِرُ دَاوُدُ صَاحِبُ الْكَرَكِ، وَالْمَنْصُورُ صَاحِبُ حِمْصَ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَاقْتَتَلُوا مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَتْهُمُ الْخُوَارَزْمِيَّةُ كَسْرَةً مُنْكَرَةً فَظِيعَةً، هَزَمَتِ الْفِرِنْجَ بِصُلْبَانِهَا وَرَايَاتِهَا الْعَالِيَةِ عَلَى رُءُوسِ أَطْلَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ كُئُوسُ الْخَمْرِ دَائِرَةً بَيْنَ الْجُيُوشِ، فَنَابَتْ كُئُوسُ الْمَنُونِ عَنْ تِلْكَ الْخُمُورِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ زِيَادَةٌ عَنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ مُلُوكِهِمْ وَقُسُوسِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ، وَخَلْقًا مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثُوا بِالْأُسَارَى إِلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ بِمِصْرَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ يَوْمًا مَشْهُودًا وَأَمْرًا مَحْمُودًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّا لَمَّا وَقَفْنَا تَحْتَ صُلْبَانِ الْفِرِنْجِ أَنَّا لَا نُفْلِحُ. وَغَنِمَتِ الْخُوَارَزْمِيَّةُ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَرْسَلَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ إِلَى دِمَشْقَ لِيُحَاصِرَهَا، فَحَصَّنَهَا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَخَرَّبَ مِنْ حَوْلِهَا رِبَاعًا كَثِيرَةً، وَكَسَرَ جِسْرَ بَابِ تُومَا، فَكَسَرَ النَّهْرَ فَتَرَاجَعَ الْمَاءُ حَتَّى صَارَ بُحَيْرَةً مِنْ بَابِ تُومَا وَبَابِ السَلَامَةِ، فَغَرِقَ جَمِيعُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْعُمْرَانِ، وَافْتَقَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْمَلِكُ الْمُغِيثُ عُمَرُ بْنُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ كَانَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ قَدْ أَسَرَهُ وَسَجَنَهُ فِي بُرْجِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ، حِينَ أَخَذَهَا فِي غَيْبَةِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَاجْتَهَدَ أَبُوهُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ فِي خَلَاصِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَعَارَضَهُ فِيهِ أَمِينُ الدَّوْلَةِ غَزَّالٌ الْمَسْلَمَانِيُّ، وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الْأَمِينِيَّةِ بِبَعْلَبَكَّ، فَلَمْ يَزَلِ الشَّابُّ مَحْبُوسًا فِي الْقَلْعَةِ

стр. 11019

مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَصْبَحَ مَيِّتًا فِي مَحْبِسِهِ غَمًّا وَحُزْنًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ قُتِلَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مِنْ خِيَارِ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَأَحْسَنِهِمْ شَكْلًا، وَأَكْمَلِهِمْ عَقْلًا، وَدُفِنَ عِنْدَ جَدِّهِ الْكَامِلِ فِي تُرْبَتِهِ شَمَالِيَّ الْجَامِعِ، فَاشْتَدَّ حَنَقُ أَبِيهِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ عَلَى صَاحِبِ دِمَشْقَ. شَيْخُ الشُّيُوخِ بِدِمَشْقَ تَاجُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمُّوَيْهِ أَحَدُ الْفُضَلَاءِ الْمُؤَرِّخِينَ الْمُصَنِّفِينَ، لَهُ كِتَابٌ فِي ثَمَانِي مُجَلَّدَاتٍ، ذَكَرَ فِيهِ أُصُولَ الْأَشْيَاءِ، وَلَهُ السِّيَاسَةُ الْمُلُوكِيَّةُ صَنَّفَهَا لِلْكَامِلِ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا، وَقَدْ سَافَرَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَاتَّصَلَ بِمَرَّاكُشَ عِنْدَ مَلِكِهَا الْمَنْصُورِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَأَقَامَ هُنَاكَ إِلَى سَنَةِ سِتِّمِائَةٍ، فَقَدِمَ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ بَعْدَ أَخِيهِ صَدْرِ الدِّينِ بْنِ حَمُّوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. الْوَزِيرُ نَصِيرُ الدِّينِ أَبُو الْأَزْهَرِ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ

стр. 11020

النَّاقِدِ الْبَغْدَادِيُّ، وَزِيرُ الْمُسْتَنْصِرِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمُسْتَعْصِمِ، كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التُّجَّارِ، ثُمَّ تَوَصَّلَ إِلَى أَنْ وَزَرَ لِهَذَيْنِ الْخَلِيفَتَيْنِ، وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، كَثِيرَ التِّلَاوَةِ، نَشَأَ فِي حِشْمَةٍ بَاذِخَةٍ، ثُمَّ كَانَ فِي وَجَاهَةٍ هَائِلَةٍ، وَقَدْ أُقْعِدَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا فِي غَايَةِ الِاحْتِرَامِ وَالْإِكْرَامِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ، أَوْرَدَ مِنْهَا ابْنُ السَّاعِي قِطْعَةً صَالِحَةً، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الْخَمْسِينَ. نَقِيبُ النُّقَبَاءِ وَخَطِيبُ الْخُطَبَاءِ وَكِيلُ الْخُلَفَاءِ، أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْخَلِيفَةِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ. كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَخُطَبَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَمَرَّتْ أَحْوَالُهُ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّلَاحِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ قَطُّ عَنِ الْخَطَابَةِ، وَلَمْ يَمْرَضْ قَطُّ حَتَّى كَانَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ; قَامَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ، فَسَقَطَ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَسَقَطَ مِنْ فَمِهِ دَمٌ كَثِيرٌ، وَسَكَتَ فَلَمْ يَنْطِقْ كَلِمَةً وَاحِدَةً يَوْمَهُ ذَلِكَ إِلَى اللَّيْلِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَتْ لَهُ جَنَازَةٌ حَافِلَةٌ.

стр. 11021

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَهِيَ سَنَةُ الْخُوَارَزْمِيَّةِ; وَذَلِكَ أَنَّ الصَّالِحَ أَيُّوبَ بْنَ الْكَامِلِ صَاحِبَ مِصْرَ بَعَثَ الْخُوَارَزْمِيَّةَ، وَمَعَهُمْ مَلِكُهُمْ بَرَكَاتُ خَانَ فِي صُحْبَةِ مُعِينِ الدِّينِ بْنِ الشَّيْخِ، فَأَحَاطُوا بِدِمَشْقَ يُحَاصِرُونَ عَمَّهُ الصَّالِحَ أَبَا الْخَيْشِ صَاحِبَ دِمَشْقَ، وَأُحْرِقَ قَصْرُ حَجَّاجٍ، وَحِكْرُ السُّمَّاقِ، وَجَامِعُ جَرَّاحٍ خَارِجَ بَابِ الصَّغِيرِ، وَمَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ، وَنُصِبَتِ الْمَنْجَنِيقُ عِنْدَ بَابِ الصَّغِيرِ وَعِنْدَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَنُصِبَ مِنْ دَاخِلِ الْبَلَدِ مَنْجَنِيقَاتٌ أَيْضًا، وَتَرَامَى الْفَرِيقَانِ، وَأَرْسَلَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ إِلَى الْأَمِيرِ مُعِينِ الدِّينِ بْنِ الشَّيْخِ بِسَجَّادَةٍ وَعُكَّازٍ وَإِبْرِيقٍ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ: اشْتِغَالُكَ بِهَذَا أَوْلَى مِنَ اشْتِغَالِكَ بِمُحَاصَرَةِ الْمُلُوكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعِينُ بِزَمْرٍ وَجَنْكٍ وَغُلَالَةِ حَرِيرٍ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ: أَمَّا السَّجَّادَةُ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَهَذَا أَوْلَى بِكَ. ثُمَّ أَصْبَحَ ابْنُ الشَّيْخِ، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِدِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، فَأَحْرَقَ جَوْسَقَ وَالِدِهِ الْعَادِلِ، وَامْتَدَّ الْحَرِيقُ فِي زُقَاقِ الرُّمَّانِ إِلَى الْعُقَيْبَةِ، فَاحْتَرَقَتْ بِأَسْرِهَا وَقُطِعَتِ الْأَنْهَارُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَأُخِيفَتِ الطُّرُقُ، وَجَرَى بِدِمَشْقَ أُمُورٌ بَشِعَةٌ جِدًّا، لَمْ تَتِمَّ عَلَيْهَا

стр. 11022

قَطُّ، وَامْتَدَّ الْحِصَارُ شُهُورًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى جُمَادَى الْأُولَى، فَأَرْسَلَ أَمِينُ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ مِنِ ابْنِ الشَّيْخِ شَيْئًا مِنْ مَلَابِسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِفَرَجِيَّةٍ وَعِمَامَةٍ وَقَمِيصٍ وَمِنْدِيلٍ، فَلَبِسَ ذَلِكَ الْأَمِينُ، وَخَرَجَ إِلَى مُعِينِ الدِّينِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ الْعَشَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ عَادَ، ثُمَّ خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى، فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَيُسَلِّمُ دِمَشْقَ إِلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ، وَدَخَلَ مُعِينُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ، فَنَزَلَ فِي دَارِ أُسَامَةَ، فَوَلَّى وَعَزَلَ، وَقَطَعَ وَوَصَلَ، وَفَوَّضَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ إِلَى صَدْرِ الدِّينِ بْنِ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ، وَعَزَلَ الْقَاضِيَ مُحْيِي الدِّينِ بْنَ الزَّكِيِّ، وَاسْتَنَابَ ابْنَ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ التَّفْلِيسِيَّ الَّذِي نَابَ لِابْنِ الزَّكِيِّ، وَالْعَزِيزَ السِّنْجَارِيَّ، وَأَرْسَلَ مُعِينُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ أَمِينِ الدَّوْلَةِ غَزَّالَ بْنَ الْمَسْلَمَانِيِّ وَزِيرَ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ تَحْتَ الْحَوْطَةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَأَمَّا الْخُوَارَزْمِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ وَقْتَ الصُّلْحِ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِوُقُوعِ الصُّلْحِ غَضِبُوا وَسَارُوا نَحْوَ دَارَيَّا، فَنَهَبُوهَا وَسَاقُوا نَحْوَ بِلَادِ الشَّرْقِ، وَكَاتَبُوا الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ فَحَالَفُوهُ عَلَى الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ، وَنَقَضَ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ وَقَعَ مِنْهُ، وَعَادَتِ الْخُوَارَزْمِيَّةُ فَحَاصَرُوا دِمَشْقَ، وَجَاءَ إِلَيْهِمُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ مِنْ بَعْلَبَكَّ، فَضَاقَ الْحَالُ عَلَى الدَّمَاشِقَةِ، فَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُ بَلَغَ ثَمَنُ الْغِرَارَةِ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ، وَقِنْطَارُ الدَّقِيقِ بِسَبْعِمِائَةٍ، وَالْخُبْزُ كُلُّ وُقِيَّتَيْنِ إِلَّا رُبْعًا بِدِرْهَمٍ، وَرَطْلُ اللَّحْمِ بِسَبْعَةٍ، وَأُبِيعَتِ

стр. 11023

الْأَمْلَاكُ بِالدَّقِيقِ، وَأُكِلَتِ الْقِطَاطُ وَالْكِلَابُ وَالْمَيْتَاتُ وَالْجِيَفُ، وَتَمَاوَتَ النَّاسُ فِي الطُّرُقَاتِ، وَعَجَزُوا عَنِ التَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَالْإِقْبَارِ، فَكَانُوا يُلْقُونَ مَوْتَاهُمْ فِي الْآبَارِ، حَتَّى أَنْتَنَتِ الْمَدِينَةُ وَضَجِرَ النَّاسُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ شَيْخُ دَارِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَدَارِسِ، فَمَا أُخْرِجَ مِنْ بَابِ الْفَرَجِ إِلَّا بِالْجُهْدِ الْجَهِيدِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ السِّبْطِ: وَمَعَ هَذَا كَانَتِ الْخُمُورُ دَائِرَةً وَالْفِسْقُ ظَاهِرًا، وَالْمُكُوسُ بِحَالِهَا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَنَّ الْأَسْعَارَ غَلَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جِدًّا، وَهَلَكَ الصَّعَالِيكُ بِالطُّرُقَاتِ; كَانُوا يَسْأَلُونَ لُقْمَةً، ثُمَّ صَارُوا يَسْأَلُونَ لُبَابَةً، ثُمَّ تَنَازَلُوا إِلَى فَلْسٍ يَشْتَرُونَ بِهِ نُخَالَةً يَبُلُّونَهَا وَيَأْكُلُونَهَا كَالدَّجَاجِ. قَالَ: وَأَنَا شَاهَدْتُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ تَفَاصِيلَ الْأَسْعَارِ وَغَلَاءَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ زَالَ هَذَا كُلُّهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ بَعْدَ عِيدِ الْأَضْحَى، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَلَمَّا بَلَغَ الصَّالِحَ أَيُّوبَ أَنَّ الْخُوَارَزْمِيَّةَ قَدْ مَالَئُوا عَلَيْهِ، وَصَالَحُوا عَمَّهُ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ، كَاتَبَ الْمَلِكَ الْمَنْصُورَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ صَاحِبَ حِمْصَ، فَاسْتَمَالَهُ إِلَيْهِ، وَقَوِيَ جَانِبُ نَائِبِ دِمَشْقَ مُعِينِ الدِّينِ حَسَنِ بْنِ الشَّيْخِ، وَلَكِنَّهُ

стр. 11024

تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْوَفَيَاتِ. وَلَمَّا رَجَعَ الْمَنْصُورُ صَاحِبُ حِمْصَ عَنْ مُوَالَاةِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، شَرَعَ فِي جَمْعِ الْجُيُوشِ مِنَ الْحَلَبِيِّينَ وَالتُّرْكُمَانِ وَالْأَعْرَابِ لِاسْتِنْقَاذِ دِمَشْقَ مِنَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَحِصَارِهِمْ إِيَّاهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْخُوَارَزْمِيَّةَ فَخَافُوا مِنْ ذَلِكَ وَغَائِلَتِهِ، وَقَالُوا: دِمَشْقُ مَا تَفُوتُ، وَالْمَصْلَحَةُ قِتَالُهُ عِنْدَ بَلَدِهِ. فَسَارُوا إِلَيْهِ عِنْدَ بُحَيْرَةِ حِمْصَ، وَأَرْسَلَ النَّاصِرُ دَاوُدُ جَيْشَهُ إِلَى الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَسَاقَ جَيْشَ دِمَشْقَ فَانْضَافُوا إِلَى صَاحِبِ حِمْصَ، وَالْتَقَوْا مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ عِنْدَ بُحَيْرَةِ حِمْصَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، قُتِلَ فِيهِ عَامَّةُ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَقُتِلَ مَلِكُهُمْ بَرَكَاتُ خَانَ، وَجِيءَ بِرَأْسِهِ عَلَى رُمْحٍ، فَتَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ، وَتَمَزَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، وَسَاقَ الْمَنْصُورُ صَاحِبُ حِمْصَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، فَتَسَلَّمَهَا الصَّالِحُ أَيُّوبُ، وَجَاءَ إِلَى دِمَشْقَ، فَنَزَلَ بِبُسْتَانِ سَامَةَ، خِدْمَةً لِلصَّالِحِ أَيُّوبَ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِأَخْذِهَا، فَاتَّفَقَ مَرَضُهُ، فَمَاتَ ﵀ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَنُقِلَ إِلَى حِمْصَ فَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ بَعْدَ أَبِيهِ عَشْرَ سِنِينَ، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ فِيهَا ابْنُهُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَتَسَلَّمَ نُوَّابُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ بَعْلَبَكَّ وَبُصْرَى، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ بَلَدٌ يَأْوِي إِلَيْهِ وَلَا أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ وَلَا مَالٌ، بَلْ أُخِذَتْ جَمِيعُ أَمْوَالِهِ، وَنُقِلَتْ عِيَالُهُ تَحْتَ الْحَوْطَةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَسَارَ هُوَ فَاسْتَجَارَ بِالْمَلِكِ النَّاصِرِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الظَّاهِرِ غَازِيٍّ صَاحِبِ حَلَبَ، فَآوَاهُ وَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَقَالَ الْأَتَابَكُ لُؤْلُؤٌ الْحَلَبِيُّ لِابْنِ أُسْتَاذِهِ النَّاصِرِ، وَكَانَ شَابًّا صَغِيرًا: انْظُرْ إِلَى عَاقِبَةِ الظُّلْمِ. وَأَمَّا الْخُوَارَزْمِيَّةُ فَإِنَّهُمْ

стр. 11025

سَارُوا إِلَى نَاحِيَةِ الْكَرَكِ، فَأَكْرَمَهُمُ النَّاصِرُ دَاوُدُ صَاحِبُهَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَصَاهَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ بِالصَّلْتِ، فَأَخَذُوا مَعَهَا نَابُلُسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ جَيْشًا مَعَ فَخْرِ الدِّينِ بْنِ الشَّيْخِ، فَكَسَرَهُمْ عَلَى الصَّلْتِ وَأَجْلَاهُمْ عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَحَاصَرَ النَّاصِرَ بِالْكَرَكِ، وَأَهَانَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ، وَقَدِمَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَسَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ وَإِلَى بُصْرَى، وَإِلَى صَرْخَدَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ صَاحِبِهَا عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكَ الْمُعَظَّمِيِّ، وَعَوَّضَهُ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقَعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ جَيْشِ الْخَلِيفَةِ وَبَيْنَ التَّتَارِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَكَسَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَفَرَّقُوا شَمْلَهُمْ، وَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ يَلْحَقُوهُمْ، وَلَمْ يَتْبَعُوهُمْ خَوْفًا مِنْ غَائِلَةِ مَكْرِهِمْ، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ : اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِبِلَادِ خُوزِسْتَانَ، عَلَى شِقِّ جَبَلٍ دَاخِلِهِ، مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْغَرِيبَةِ الْعَجِيبَةِ مَا يَحَارُ فِيهِ النَّاظِرُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ بِنَاءِ الْجِنِّ، وَأَوْرَدَ صِفَتَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي «تَارِيخِهِ». وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ، عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ، الشَّيْخُ

стр. 11026

الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، مُفْتِي الشَّامِ وَمُحَدِّثُهُ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ، الشَّهْرَزُورِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ بِبِلَادِ الشَّرْقِ، وَتَفَقَّهَ هُنَالِكَ بِالْمَوْصِلِ وَحَلَبَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ أَبُوهُ مُدَرِّسًا بِالْأَسَدِيَّةِ الَّتِي بِحَلَبَ، وَوَاقِفُهَا أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنُ شَاذِيٍّ، وَقَدِمَ الشَّامَ، وَهُوَ فِي عِدَادِ الْفُضَلَاءِ الْكِبَارِ، وَأَقَامَ بِالْقُدْسِ مُدَّةً، وَدَرَّسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِالرَّوَاحِيَّةِ ثُمَّ بِالشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، ثُمَّ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَهَا مِنْ شُيُوخِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي صَنَّفَ كِتَابَ وَقْفِهَا، وَقَدْ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مُفِيدَةً فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَفِي الْفِقْهِ، وَتَعَالِيقَ حَسَنَةً عَلَى «الْوَسِيطِ» وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي يَرْحَلُ إِلَيْهَا. وَكَانَ دَيِّنًا زَاهِدًا وَرِعًا نَاسِكًا، عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ مُتَأَخِّرِي أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، مَعَ الْفَضِيلَةِ التَّامَّةِ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى طَرِيقَةٍ جَيِّدَةٍ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَنْزِلِهِ فِي دَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَشَيَّعَهُ النَّاسُ إِلَى دَاخِلِ بَابِ الْفَرَجِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْبُرُوزُ لِظَاهِرِهِ لِحِصَارِ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَمَا صَحِبَهُ إِلَى جَبَّانَةِ الصُّوفِيَّةِ إِلَّا نَحْوُ الْعَشَرَةِ، ﵀ وَتَغَمَّدَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ خَلِّكَانَ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِهِ. قَالَ السِّبْطُ: أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ لَفْظِهِ، ﵀: احْذَرْ مِنَ الْوَاوَاتِ أَرَ … بَعَةً فَهُنَّ مِنَ الْحُتُوفْ وَاوَ الْوَصِيَّةِ وَالْوَدِي … عَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوُقُوفْ

стр. 11027

وَحَكَى ابْنُ خَلِّكَانَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُلْهِمْتُ فِي الْمَنَامِ هَؤُلَاءِ الْكَلَمْاتِ; ادْفَعِ الْمَسْأَلَةَ مَا وَجَدْتَ التَّحَمُّلَ يُمْكِنُكَ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ رِزْقًا جَدِيدًا، وَالْإِلْحَاحُ فِي الطَّلَبِ يُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَمَا أَقْرَبَ الصَّنِيعَ مِنَ الْمَلْهُوفِ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْغِيَرُ نَوْعًا مِنْ آدَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُظُوظُ مَرَاتِبُ فَلَا تَعْجَلْ عَلَى ثَمَرَةٍ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ، فَإِنَّكَ سَتَنَالُهَا فِي أَوَانِهَا، وَلَا تَعْجَلْ فِي حَوَائِجِكَ فَتَضِيقُ بِهَا ذَرْعًا، وَيَغْشَاكَ الْقُنُوطُ. ابْنُ النَّجَّارِ الْحَافِظُ صَاحِبُ التَّارِيخِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحَاسِنَ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَشَرَعَ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَرَأَ الْأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَالْقِرَاءَاتِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَشَايِخِ كَثِيرًا، حَتَّى حَصَّلَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ شَيْخٍ، مِنْ ذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَتَغَرَّبَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ جَمَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، مِنْ ذَلِكَ «الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فِي الْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ»، يَذْكُرُ لِكُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَى، وَ «كَنْزُ الْأَيَّامِ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ»، وَ «الْمُخْتَلِفُ وَالْمُؤْتَلِفُ»، وَ «السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ»، وَ «الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ»، وَكِتَابُ «الْأَلْقَابِ»، وَ «نَهْجُ

стр. 11028

الْإِصَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ»، وَ «الْكَمَالُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُتِمَّ أَكْثَرُهُ. وَلَهُ كِتَابُ «الذَّيْلِ عَلَى تَارِيخِ مَدِينَةِ السَّلَامِ»، فِي سِتَّةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا كَامِلًا، وَلَهُ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَ «غُرَرُ الْفَوَائِدِ» فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، سَرَدَهَا ابْنُ السَّاعِي فِي تَرْجَمَتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ فِي الْمَدَارِسِ، فَقَالَ: مَعِي مَا أَسْتَغْنِي بِهِ. فَاشْتَرَى جَارِيَةً، وَأَوْلَدَهَا وَلَدًا، وَأَقَامَ بُرْهَةً يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ كَسْبِهِ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى أَنْ نَزَلَ مُحَدِّثًا فِي جَمَاعَةِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ حِينَ وُضِعَتْ، ثُمَّ مَرِضَ شَهْرَيْنِ، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِ السَّاعِي فِي أَمْرِ تَرِكَتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الْخَامِسَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَشَهِدَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُنَادَى حَوْلَ جَنَازَتِهِ: هَذَا حَافَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الَّذِي يَنْفِي الْكَذِبَ عَنْهُ. وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، وَكَانَتْ تَرِكَتُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا وَثِيَابَ بَدَنِهِ، وَأَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا، وَوَقَفَ خِزَانَتَيْنِ مِنَ الْكُتُبِ بِالنِّظَامِيَّةِ تُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَمْضَى ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ النَّاسُ، وَرَثَوْهُ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ، سَرَدَهَا ابْنُ السَّاعِي فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ. الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ، صَاحِبُ «الْأَحْكَامِ»، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَقْدِسِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ

стр. 11029

كَثِيرًا، وَرَحَلَ وَطَافَ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَأَلَّفَ كُتُبًا مُفِيدَةً حَسَنَةً كَثِيرَةَ الْفَوَائِدِ، مِنْ ذَلِكَ كِتَابُ «الْأَحْكَامِ» وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَكِتَابُ «الْمُخْتَارَةِ» وَفِيهِ عُلُومٌ حَسَنَةٌ حَدِيثِيَّةٌ، وَهِيَ أَجْوَدُ مِنْ «مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ» لَوْ كَمَلَ، وَلَهُ «فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الْحَسَنَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حِفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ وَتَضَلُّعِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا. وَكَانَ ﵀ فِي غَايَةِ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْخَيْرِ، وَقَدْ وَقَفَ كُتُبًا كَثِيرَةً عَظِيمَةً بِخَطِّهِ لِخِزَانَةِ الْمَدْرَسَةِ الضِّيَائِيَّةِ الَّتِي وَقَفَهَا عَلَى أَصْحَابِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وُقِفَتْ عَلَيْهَا أَوْقَافٌ أُخَرُ كَثِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبَدَ الْأَحَدِ بْنِ عَبْدِ الْغَالِبِ الْهَمْدَانِيُّ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، شَيْخُ الْقُرَّاءِ بِدِمَشْقَ، خَتَمَ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّاطِبِيِّ، وَشَرَحَ قَصِيدَتَهُ، وَلَهُ «شَرْحُ الْمُفَصَّلِ»، وَلَهُ تَفَاسِيرُ وَتَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَمَدَائِحُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الْإِقْرَاءِ بِتُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ، وَبِهَا كَانَ مَسْكَنُهُ، وَبِهِ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ ثَانِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ: قَالُوا غَدًا نَأْتِي دِيَارَ الْحِمَى … وَيَنْزِلُ الرَّكْبُ بِمَغْنَاهُمُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُمْ … أَصْبَحَ مَسْرُورًا بِلُقْيَاهُمُ

стр. 11030

قُلْتُ فَلِي ذَنْبٌ فَمَا حِيلَتِي … بِأَيِّ وَجْهٍ أَتَلَقَّاهُمُ قَالُوا أَلَيْسَ الْعَفْوُ مِنْ شَأْنِهِمْ … لَاسِيَّمَا عَمَّنْ تَرَجَّاهُمُ رَبِيعَةُ خَاتُونَ وَاقِفَةُ الصَّاحِبَةِ بِقَاسِيُونَ: رَبِيعَةُ خَاتُونَ بِنْتُ أَيُّوبَ أُخْتُ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، زَوَّجَهَا أَخُوهَا أَوَّلًا بِالْأَمِيرِ سَعْدِ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مُعِينِ الدِّينِ أَنُرَ، وَتَزَوَّجَ هُوَ بِأُخْتِهِ عِصْمَةَ الدِّينِ خَاتُونَ، الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، وَاقِفَةَ الْخَاتُونِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ وَالْخَانْقَاهْ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ الْأَمِيرُ سَعْدُ الدِّينِ زَوَّجَهَا مِنَ الْمَلِكِ مُظَفَّرِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ بِإِرْبِلَ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ قَدِمَتْ دِمَشْقَ، فَسَكَنَتْ فِي دَارِ الْعَقِيقِيِّ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَتِ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَتْ بِقَاسِيُونَ، وَكَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْعَالِمَةُ أَمَةُ اللَّطِيفِ بِنْتُ النَّاصِحِ الْحَنْبَلِيِّ، وَكَانَتْ فَاضِلَةً، وَلَهَا تَصَانِيفُ، وَهِيَ الَّتِي أَرْشَدَتْهَا إِلَى وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ الصَّاحِبَةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ عَلَى الْحَنَابِلَةِ، وَأَوْقَفَتْ أَمَةُ اللَّطِيفِ عَلَى الْحَنَابِلَةِ مَدْرَسَةً أُخْرَى، وَهِيَ الْآنَ شَرْقِيَّ الرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَتِ الْخَاتُونُ وَقَعَتِ الْعَالِمَةُ فِي الْمُصَادَرَاتِ، وَحُبِسَتْ مُدَّةً ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا الْأَشْرَفُ صَاحِبُ حِمْصَ، وَسَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَتَلِّ بَاشِرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَوُجِدَ لَهَا بِدِمَشْقَ ذَخَائِرُ كَثِيرَةٌ وَجَوَاهِرُ ثَمِينَةٌ، تُقَارِبُ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، غَيْرَ الْأَمْلَاكِ وَالْأَوْقَافِ. مُعِينُ الدِّينِ الْحَسَنُ بْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ وَزِيرُ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ،
следующие страницы →