← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، مُفْتِي الشَّامِ وَمُحَدِّثُهُ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ، الشَّهْرَزُورِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ بِبِلَادِ الشَّرْقِ، وَتَفَقَّهَ هُنَالِكَ بِالْمَوْصِلِ وَحَلَبَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ أَبُوهُ مُدَرِّسًا بِالْأَسَدِيَّةِ الَّتِي بِحَلَبَ، وَوَاقِفُهَا أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوهْ بْنُ شَاذِيٍّ، وَقَدِمَ الشَّامَ، وَهُوَ فِي عِدَادِ الْفُضَلَاءِ الْكِبَارِ، وَأَقَامَ بِالْقُدْسِ مُدَّةً، وَدَرَّسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهُ إِلَى دِمَشْقَ، وَدَرَّسَ بِالرَّوَاحِيَّةِ ثُمَّ بِالشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ، ثُمَّ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَهَا مِنْ شُيُوخِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي صَنَّفَ كِتَابَ وَقْفِهَا، وَقَدْ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مُفِيدَةً فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَفِي الْفِقْهِ، وَتَعَالِيقَ حَسَنَةً عَلَى «الْوَسِيطِ» وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي يَرْحَلُ إِلَيْهَا. وَكَانَ دَيِّنًا زَاهِدًا وَرِعًا نَاسِكًا، عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ مُتَأَخِّرِي أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، مَعَ الْفَضِيلَةِ التَّامَّةِ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى طَرِيقَةٍ جَيِّدَةٍ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَنْزِلِهِ فِي دَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَشَيَّعَهُ النَّاسُ إِلَى دَاخِلِ بَابِ الْفَرَجِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْبُرُوزُ لِظَاهِرِهِ لِحِصَارِ الْخُوَارَزْمِيَّةِ، وَمَا صَحِبَهُ إِلَى جَبَّانَةِ الصُّوفِيَّةِ إِلَّا نَحْوُ الْعَشَرَةِ، ﵀ وَتَغَمَّدَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ خَلِّكَانَ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِهِ. قَالَ السِّبْطُ: أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ لَفْظِهِ، ﵀: احْذَرْ مِنَ الْوَاوَاتِ أَرَ … بَعَةً فَهُنَّ مِنَ الْحُتُوفْ وَاوَ الْوَصِيَّةِ وَالْوَدِي … عَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوُقُوفْ

стр. 11027

وَحَكَى ابْنُ خَلِّكَانَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُلْهِمْتُ فِي الْمَنَامِ هَؤُلَاءِ الْكَلَمْاتِ; ادْفَعِ الْمَسْأَلَةَ مَا وَجَدْتَ التَّحَمُّلَ يُمْكِنُكَ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ رِزْقًا جَدِيدًا، وَالْإِلْحَاحُ فِي الطَّلَبِ يُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَمَا أَقْرَبَ الصَّنِيعَ مِنَ الْمَلْهُوفِ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْغِيَرُ نَوْعًا مِنْ آدَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحُظُوظُ مَرَاتِبُ فَلَا تَعْجَلْ عَلَى ثَمَرَةٍ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ، فَإِنَّكَ سَتَنَالُهَا فِي أَوَانِهَا، وَلَا تَعْجَلْ فِي حَوَائِجِكَ فَتَضِيقُ بِهَا ذَرْعًا، وَيَغْشَاكَ الْقُنُوطُ. ابْنُ النَّجَّارِ الْحَافِظُ صَاحِبُ التَّارِيخِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحَاسِنَ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَشَرَعَ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَرَأَ الْأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَالْقِرَاءَاتِ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَشَايِخِ كَثِيرًا، حَتَّى حَصَّلَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ شَيْخٍ، مِنْ ذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَتَغَرَّبَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ جَمَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، مِنْ ذَلِكَ «الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فِي الْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ»، يَذْكُرُ لِكُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَى، وَ «كَنْزُ الْأَيَّامِ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ»، وَ «الْمُخْتَلِفُ وَالْمُؤْتَلِفُ»، وَ «السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ»، وَ «الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ»، وَكِتَابُ «الْأَلْقَابِ»، وَ «نَهْجُ

стр. 11028

الْإِصَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ»، وَ «الْكَمَالُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُتِمَّ أَكْثَرُهُ. وَلَهُ كِتَابُ «الذَّيْلِ عَلَى تَارِيخِ مَدِينَةِ السَّلَامِ»، فِي سِتَّةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا كَامِلًا، وَلَهُ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَ «غُرَرُ الْفَوَائِدِ» فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، سَرَدَهَا ابْنُ السَّاعِي فِي تَرْجَمَتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ فِي الْمَدَارِسِ، فَقَالَ: مَعِي مَا أَسْتَغْنِي بِهِ. فَاشْتَرَى جَارِيَةً، وَأَوْلَدَهَا وَلَدًا، وَأَقَامَ بُرْهَةً يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ كَسْبِهِ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى أَنْ نَزَلَ مُحَدِّثًا فِي جَمَاعَةِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ حِينَ وُضِعَتْ، ثُمَّ مَرِضَ شَهْرَيْنِ، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِ السَّاعِي فِي أَمْرِ تَرِكَتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الْخَامِسَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ، وَشَهِدَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُنَادَى حَوْلَ جَنَازَتِهِ: هَذَا حَافَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الَّذِي يَنْفِي الْكَذِبَ عَنْهُ. وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، وَكَانَتْ تَرِكَتُهُ عِشْرِينَ دِينَارًا وَثِيَابَ بَدَنِهِ، وَأَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا، وَوَقَفَ خِزَانَتَيْنِ مِنَ الْكُتُبِ بِالنِّظَامِيَّةِ تُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَمْضَى ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ النَّاسُ، وَرَثَوْهُ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ، سَرَدَهَا ابْنُ السَّاعِي فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ. الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ، صَاحِبُ «الْأَحْكَامِ»، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَقْدِسِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ

стр. 11029

كَثِيرًا، وَرَحَلَ وَطَافَ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَأَلَّفَ كُتُبًا مُفِيدَةً حَسَنَةً كَثِيرَةَ الْفَوَائِدِ، مِنْ ذَلِكَ كِتَابُ «الْأَحْكَامِ» وَلَمْ يُتِمَّهُ، وَكِتَابُ «الْمُخْتَارَةِ» وَفِيهِ عُلُومٌ حَسَنَةٌ حَدِيثِيَّةٌ، وَهِيَ أَجْوَدُ مِنْ «مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ» لَوْ كَمَلَ، وَلَهُ «فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الْحَسَنَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حِفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ وَتَضَلُّعِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا. وَكَانَ ﵀ فِي غَايَةِ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْخَيْرِ، وَقَدْ وَقَفَ كُتُبًا كَثِيرَةً عَظِيمَةً بِخَطِّهِ لِخِزَانَةِ الْمَدْرَسَةِ الضِّيَائِيَّةِ الَّتِي وَقَفَهَا عَلَى أَصْحَابِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وُقِفَتْ عَلَيْهَا أَوْقَافٌ أُخَرُ كَثِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبَدَ الْأَحَدِ بْنِ عَبْدِ الْغَالِبِ الْهَمْدَانِيُّ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، شَيْخُ الْقُرَّاءِ بِدِمَشْقَ، خَتَمَ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّاطِبِيِّ، وَشَرَحَ قَصِيدَتَهُ، وَلَهُ «شَرْحُ الْمُفَصَّلِ»، وَلَهُ تَفَاسِيرُ وَتَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَمَدَائِحُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الْإِقْرَاءِ بِتُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ، وَبِهَا كَانَ مَسْكَنُهُ، وَبِهِ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ ثَانِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ: قَالُوا غَدًا نَأْتِي دِيَارَ الْحِمَى … وَيَنْزِلُ الرَّكْبُ بِمَغْنَاهُمُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُمْ … أَصْبَحَ مَسْرُورًا بِلُقْيَاهُمُ

стр. 11030

قُلْتُ فَلِي ذَنْبٌ فَمَا حِيلَتِي … بِأَيِّ وَجْهٍ أَتَلَقَّاهُمُ قَالُوا أَلَيْسَ الْعَفْوُ مِنْ شَأْنِهِمْ … لَاسِيَّمَا عَمَّنْ تَرَجَّاهُمُ رَبِيعَةُ خَاتُونَ وَاقِفَةُ الصَّاحِبَةِ بِقَاسِيُونَ: رَبِيعَةُ خَاتُونَ بِنْتُ أَيُّوبَ أُخْتُ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ، زَوَّجَهَا أَخُوهَا أَوَّلًا بِالْأَمِيرِ سَعْدِ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مُعِينِ الدِّينِ أَنُرَ، وَتَزَوَّجَ هُوَ بِأُخْتِهِ عِصْمَةَ الدِّينِ خَاتُونَ، الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، وَاقِفَةَ الْخَاتُونِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ وَالْخَانْقَاهْ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ الْأَمِيرُ سَعْدُ الدِّينِ زَوَّجَهَا مِنَ الْمَلِكِ مُظَفَّرِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ بِإِرْبِلَ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ قَدِمَتْ دِمَشْقَ، فَسَكَنَتْ فِي دَارِ الْعَقِيقِيِّ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَتِ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَتْ بِقَاسِيُونَ، وَكَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْعَالِمَةُ أَمَةُ اللَّطِيفِ بِنْتُ النَّاصِحِ الْحَنْبَلِيِّ، وَكَانَتْ فَاضِلَةً، وَلَهَا تَصَانِيفُ، وَهِيَ الَّتِي أَرْشَدَتْهَا إِلَى وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ الصَّاحِبَةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ عَلَى الْحَنَابِلَةِ، وَأَوْقَفَتْ أَمَةُ اللَّطِيفِ عَلَى الْحَنَابِلَةِ مَدْرَسَةً أُخْرَى، وَهِيَ الْآنَ شَرْقِيَّ الرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَتِ الْخَاتُونُ وَقَعَتِ الْعَالِمَةُ فِي الْمُصَادَرَاتِ، وَحُبِسَتْ مُدَّةً ثُمَّ أُفْرِجَ عَنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا الْأَشْرَفُ صَاحِبُ حِمْصَ، وَسَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَتَلِّ بَاشِرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَوُجِدَ لَهَا بِدِمَشْقَ ذَخَائِرُ كَثِيرَةٌ وَجَوَاهِرُ ثَمِينَةٌ، تُقَارِبُ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، غَيْرَ الْأَمْلَاكِ وَالْأَوْقَافِ. مُعِينُ الدِّينِ الْحَسَنُ بْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ وَزِيرُ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ،

стр. 11031

أَرْسَلَهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَحَاصَرَهَا مَعَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى أَخَذَهَا مِنْ يَدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَقَامَ بِهَا نَائِبًا مِنْ جِهَةِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، ثُمَّ تَمَالَأَ الْخُوَارَزْمِيَّةُ مَعَ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ، فَحَصَرُوهُ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ بِدِمَشْقَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ عِمَادِ الدِّينِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ وَاقِفِ الْقِلِيجِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بْنُ قِلِيجَ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الَّتِي بِمَدْرَسَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَكَنَهُ بِدَارِ فُلُوسٍ، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. وَخَطِيبُ الْجَبَلِ شَرَفُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالسَّيْفُ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْإِمَامِ مُوَفَّقِ الدِّينِ بْنِ قُدَامَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِمَامُ الْكَلَّاسَةِ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، مُسْنِدُ وَقْتِهِ، وَشَيْخُ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِهِ رِوَايَةً وَصَلَاحًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمُحَدِّثَانِ الْكَبِيرَانِ الْحَافِظَانِ الْمُفِيدَانِ شَرَفُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْجَوْهَرِيِّ، وَتَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْجَلِيلِ الْأَبْهَرِيُّ.

стр. 11032

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا كَسَرَ الْمَنْصُورُ الْخُوَارَزْمِيَّةَ عِنْدَ بُحَيْرَةِ حِمْصَ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ نُوَّابِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ عَلَى دِمَشْقَ وَبَعْلَبَكَّ وَبُصْرَى، ثُمَّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ كَسَرَ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ الْخُوَارَزْمِيَّةَ عَلَى الصَّلْتِ كَسْرَةً، فَرَّقَ بَقِيَّةَ شَمْلِهِمْ، ثُمَّ حَاصَرَ النَّاصِرَ بِالْكَرَكِ، وَرَجَعَ عَنْهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَقَدِمَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ إِلَى دِمَشْقَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا، وَتَسَلَّمَ هَذِهِ الْمُدُنَ، وَانْتَزَعَ صَرْخَدَ مِنْ يَدِ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكَ، وَعَوَّضَهُ عَنْهَا، وَأَخَذَ الصَّلْتَ مِنَ النَّاصِرِ دَاوُدَ بْنِ الْمُعَظَّمِ، وَأَخَذَ حِصْنَ الصُّبَيْبَةِ مِنَ السَّعِيدِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الْعَادِلِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ جِدًّا، وَزَارَ فِي رُجُوعِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ أَسْوَارِهِ أَنْ تُعَمَّرَ كَمَا كَانَتْ فِي الدَّوْلَةِ النَّاصِرِيَّةِ، فَاتِحِ الْقُدْسِ، وَأَنْ يُصْرَفَ الْخَرَاجُ وَمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ غَلَّاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ عَازَ شَيْئًا صَرَفَهُ مِنْ عِنْدِهِ. وَفِيهَا قَدِمَتِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ الْبَابَا الَّذِي لِلنَّصَارَى تُخْبِرُ بِأَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ دَمَ الْأَنْبِرُورِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ; لِتَهَاوُنِهِ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ عِنْدِهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ كَانَ اسْتَعَدَّ لَهُمْ، وَأَجْلَسَ مَمْلُوكًا لَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَاعْتَقَدُوهُ

стр. 11033

الْمَلِكَ فَقَتَلُوهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَهُمُ الْأَنْبِرُورُ فَصَلَبَهُمْ عَلَى بَابِ قَصْرِهِ بَعْدَ مَا ذَبَحَهُمْ وَسَلَخَهُمْ وَحَشَا جُلُودَهُمْ تِبْنًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْبَابَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا لِقِتَالِهِ، فَأَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمُ الْخِلَافَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ. وَفِيهَا هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ بِمَكَّةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَأَلْقَتْ سِتَارَةَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَكَانَتْ قَدْ عَتُقَتْ فَإِنَّهَا مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِينَ لَمْ تُجَدَّدْ; لِعَدَمِ الْحَجِّ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الْخَلِيفَةِ، فَمَا سَكَنَتِ الرِّيحُ إِلَّا وَالْكَعْبَةُ عُرْيَانَةٌ وَقَدْ زَالَ عَنْهَا شِعَارُ السَّوَادِ، وَكَانَ هَذَا فَأْلًا عَلَى زَوَالِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَمُنْذِرًا بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَ هَذَا مِنْ كَائِنَةِ التَّتَارِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. فَاسْتَأْذَنَ نَائِبُ الْيَمَنِ عُمَرُ بْنُ رَسُولٍ شَيْخَ الْحَرَمِ الْعَفِيفَ مَنْصُورَ بْنَ مَنَعَةَ فِي أَنْ يَكْسُوَ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مِنْ مَالِ الْخَلِيفَةِ. وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ فَاقْتَرَضَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَى ثِيَابَ قُطْنٍ، وَصَبَغَهَا سَوَادًا، وَرَكَّبَ عَلَيْهَا طِرَازَاتِهَا الْعَتِيقَةَ، وَكَسَا بِهَا الْكَعْبَةَ، وَمَكَثَتِ الْكَعْبَةُ لَيْسَ عَلَيْهَا كُسْوَةٌ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. وَفِيهَا فُتِحَتْ دَارُ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْوَزِيرُ مُؤَيِّدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلْقَمِيُّ بِدَارِ الْوِزَارَةِ. وَجَاءَتْ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ، وَوُضِعَ فِيهَا مِنَ الْكُتُبِ النَّفِيسَةِ النَّافِعَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَامْتَدَحَهَا الشُّعَرَاءُ بِأَبْيَاتٍ وَقَصَائِدَ حِسَانٍ وَفِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ طَهَّرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ وَلَدَيْهِ الْأَمِيرَيْنِ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ وَأَبَا الْفَضَائِلِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعُمِلَتْ وَلَائِمُ وَمَآكِلُ وَأَفْرَاحٌ وَمَسَرَّةٌ لَا يُسْمَعُ بِمِثْلِهَا

стр. 11034

مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ وَدَاعًا لِمَسَرَّاتِ بَغْدَادَ وَأَهْلِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَفِيهَا احْتَاطَ النَّاصِرُ دَاوُدُ صَاحِبُ الْكَرَكِ عَلَى الْأَمِيرِ عِمَادِ الدِّينِ دَاوُدَ بْنِ مُوسَكَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَالْأَجْوَادِ وَالْأَمْجَادِ، وَاصْطَفَى أَمْوَالَهُ كُلَّهَا، وَسَجَنَهُ عِنْدَهُ فِي الْكَرَكِ، فَشَفَعَ فِيهِ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ لَمَّا كَانَ مُحَاصِرَهُ فِي الْكَرَكِ فَأَطْلَقَهُ، فَخَرَجَتْ فِي حَلْقِهِ خُرَاجَةٌ، فَبَطَّهَا فَمَاتَ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ جَعْفَرٍ وَالشُّهَدَاءِ بِمُؤْتَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مَلِكُ الْخُوَارَزْمِيَّةِ قَبْلًا بَرَكَاتُ خَانَ لَمَّا كُسِرَتْ أَصْحَابُهُ عِنْدَ بُحَيْرَةِ حِمْصَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ نَاصِرُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَلِكِ الْمُجَاهِدِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ صَاحِبُ حِمْصَ بِدِمَشْقَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ بَعْلَبَكَّ لِلصَّالِحِ أَيُّوبَ، وَنُقِلَ إِلَى حِمْصَ، وَكَانَ نُزُولُهُ أَوَّلًا بِبُسْتَانِ سَامَةَ، فَلَمَّا مَرِضَ حُمِلَ إِلَى الدَّهْشَةِ بُسْتَانِ الْأَشْرَفِ بِالنَّيْرَبِ، فَمَاتَ فِيهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الصَّائِنُ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ رَافِعٍ الْعَامِرِيُّ الْخَطِيبُ وَكَانَ كَثِيرَ السَّمَاعِ مُسْنِدًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِقَصْرِ حَجَّاجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 11035

وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْمَرَاتِبِيُّ الْحَنْبَلِيُّ وَكَانَ فَاضِلًا ذَا فُنُونٍ، أَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو شَامَةَ، وَقَالَ: صَحِبْتُهُ قَدِيمًا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ بِدِمَشْقَ مِثْلَهُ فِي الْحَنَابِلَةِ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، ﵀. وَالضِّيَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ الْمَالِكِيُّ الَّذِي وَلِيَ وَظَائِفَ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ حِينَ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَجَلَسَ فِي حَلْقَتِهِ، وَدَرَّسَ مَكَانَهُ بِزَاوِيَةِ الْمَالِكِيَّةِ. وَالْفَقِيهُ تَاجُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَهْبَلٍ بِحَلَبَ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا، سَلِيمَ الصَّدْرِ، ﵀.

стр. 11036

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا كَانَ عَوْدُ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ بْنِ الْكَامِلِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَزَارَ فِي طَرِيقِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَفَرَّقَ فِي أَهْلِهِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ سُورِهِ، كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ عَمِّ أَبِيهِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ فَاتِحِ الْقُدْسِ، وَنَزَّلَ الْجُيُوشَ لِحِصَارِ الْفِرِنْجِ، فَفُتِحَتْ طَبَرِيَّةُ فِي عَاشِرِ صَفَرٍ، وَفُتِحَتْ عَسْقَلَانُ فِي أَوَاخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَفِي رَجَبٍ عُزِلَ الْخَطِيبُ عِمَادُ الدِّينِ دَاوُدُ بْنُ خَطِيبِ بَيْتِ الْآبَارِ عَنِ الْخَطَابَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَتَدْرِيسِ الْغَزَّالِيَّةِ، وَوَلِيَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِمَادُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ شَيْخُ دَارِ الْحَدِيثِ بَعْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ يَطْلُبُ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الدَّمَاشِقَةِ اتُّهِمُوا بِمُمَالَأَةِ

стр. 11037

الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، مِنْهُمُ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ، وَبَنُو صَصْرَى، وَابْنُ الْعِمَادِ الْكَاتِبُ، وَالْحَكِيمِيُّ مَمْلُوكُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَالشِّهَابُ غَازِيٌّ وَالِي بُصْرَى، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَالْإِهَانَةِ، بَلْ خَلَعَ عَلَى بَعْضِهِمْ وَتُرِكُوا بِاخْتِيَارِهِمْ مُكَرَّمِينَ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَقْسَاسِيُّ، النَّقِيبُ قُطْبُ الدِّينِ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ، وَوَلِيَ النِّقَابَةَ، ثُمَّ اعْتُقِلَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ فَاضِلًا أَدِيبًا شَاعِرًا مُطَبِّقًا، أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي أَشْعَارًا كَثِيرَةً، ﵀. الشَّلَوْبِينُ النَّحْوِيُّ: هُوَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْإِشْبِيلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالشَّلَوْبِينِ، وَهُوَ بِلُغَةِ

стр. 11038

الْأَنْدَلُسِيِّينَ الْأَبْيَضُ الْأَشْقَرُ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: خُتِمَ بِهِ أَئِمَّةُ النَّحْوِ، وَكَانَ فِيهِ تَغَفُّلٌ. وَذَكَرَ لَهُ شِعْرًا وَمُصَنَّفَاتٍ، مِنْهَا «شَرْحُ الْجُزُولِيَّةِ»، وَكِتَابُ «التَّوْطِئَةِ»، وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ بِهَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ. الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمَنْصُورِ الْبُسْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَرِيرِيِّ أَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةِ بُسْرَ شَرْقِيَّ زُرْعَ، وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً يَعْمَلُ صَنْعَةَ الْحَرِيرِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلَ يَعْمَلُ الْفَقِيرِيَّ عَلَى يَدِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمُغَرْبَلِ تِلْمِيذِ الشَّيْخِ رَسْلَانَ التُّرْكُمَانِيِّ الْجَعْبَرِيِّ، فَاتَّبَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ يُقَالُ لَهُمُ: الْحَرِيرِيَّةُ. وَابْتَنَى لَهُ زَاوِيَةً عَلَى الشَّرَفِ الْقِبْلِيِّ، وَبَدَرَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، كَالشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ، وَالشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ شَيْخِ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الدَّوْلَةُ الْأَشْرَفِيَّةُ حُبِسَ فِي قَلْعَةِ عَزَّتَا مُدَّةَ سِنِينَ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِدِمَشْقَ، فَلَزِمَ بَلَدَهُ بُسْرَ مُدَّةً حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي «الذَّيْلِ»: وَفِي رَمَضَانَ أَيْضًا تُوُفِّيَ

стр. 11039

الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَرِيرِيِّ، الْمُقِيمُ بِقَرْيَةِ بُسْرَ فِي زَاوِيَتِهِ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى دِمَشْقَ وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَهُمُ الْمَعْرُوفُونَ بِالْحَرِيرِيَّةِ أَصْحَابِ الزِّيِّ الْمُنَافِي لِلشَّرِيعَةِ، وَبَاطِنُهُمْ شَرٌّ مِنْ ظَاهِرِهِمْ، إِلَّا مَنْ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، وَكَانَ عِنْدَ هَذَا الْحَرِيرِيِّ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَانْفَسَدَ بِسَبَبِهِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ أَوْلَادِ كُبَرَاءِ دِمَشْقَ، وَصَارُوا عَلَى زِيِّ أَصْحَابِهِ، وَتَبِعُوهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ خَلِيعَ الْعِذَارِ، يَجْمَعُ مَجْلِسُهُ الْغِنَاءَ الدَّائِمَ وَالرَّقْصَ وَالْمُرْدَانَ، وَتَرْكَ الْإِنْكَارِ عَلَى أَحَدٍ فِيمَا يَفْعَلُهُ، وَتَرْكَ الصَّلَوَاتِ، وَكَثْرَةَ النَّفَقَاتِ، فَأَضَلَّ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَفْسَدَ جَمًّا غَفِيرًا، وَلَقَدْ أَفْتَى فِي قَتْلِهِ مِرَارًا جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ أَرَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ. وَاقِفُ الْعِزِّيَّةِ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ أَيْبَكُ أُسْتَاذُ دَارِ الْمُعَظَّمِ، وَكَانَ مِنَ الْعُقَلَاءِ الْأَجْوَادِ الْأَمْجَادِ، اسْتَنَابَهُ الْمُعَظَّمُ عَلَى صَرْخَدَ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ نَهْضَةٌ وَكِفَايَةٌ، وَوَقَفَ الْعِزِّيَّتَيْنِ الْجَوَّانِيَّةَ وَالْبَرَّانِيَّةَ. وَلَمَّا أَخَذَ مِنْهُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ صَرْخَدَ عَوَّضَهُ عَنْهَا، وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ وُشِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُكَاتِبُ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ، فَاحْتِيطَ

стр. 11040

عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، فَمَرِضَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: هَذَا آخِرُ عَهْدِي. وَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى مَاتَ، وَدُفِنَ بِبَابِ النَّصْرِ بِمِصْرَ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي فَوْقَ الْوَرَّاقَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَرَّخَ السِّبْطُ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشِّهَابُ غَازِيُّ بْنُ الْعَادِلِ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ وَخِلَاطَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبُلْدَانِ، كَانَ مِنْ عُقَلَاءِ بَنِي أَيُّوبَ، وَفُضَلَائِهِمْ وَأَهْلِ الدِّيَانَةِ مِنْهُمْ، وَمِمَّا أَنْشَدَ قَوْلُهُ: وَمِنْ عَجَبِ الْأَيَّامِ أَنَّكَ جَالِسٌ … عَلَى الْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَسِيرُ فَسَيْرُكَ يَا هَذَا كَسَيْرِ سَفِينَةٍ … بِقَوْمٍ جُلُوسٍ وَالْقُلُوعُ تَطِيرُ

стр. 11041

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا قَدِمَ السُّلْطَانُ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ، وَجَهَّزَ الْجُيُوشَ وَالْمَجَانِيقَ إِلَى حِمْصَ; لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبُهَا الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْمَنْصُورِ بْنِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ قَدْ قَايَضَ بِهَا تَلَّ بَاشِرٍ لِصَاحِبِ حَلَبَ النَّاصِرِ يُوسُفَ بْنِ الْعَزِيزِ، وَلَمَّا عَلِمَتِ الْحَلَبِيُّونَ بِخُرُوجِ الدَّمَاشِقَةِ بَرَزُوا أَيْضًا فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ لِيَمْنَعُوا حِمْصَ مِنْهُمْ، وَاتَّفَقَ مَجِيءُ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْبَادَرَائِيِّ مُدَرِّسِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ فِي رِسَالَةٍ، فَأَصْلَحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَرَدَّ كُلًّا مِنَ الْفِئَتَيْنِ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِيهَا قَتَلَ مَمْلُوكٌ تُرْكِيٌّ شَابٌّ صَبِيٌّ سَيِّدَهُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، فَصُلِبَ الْغُلَامُ مُسَمَّرًا، وَكَانَ شَابًّا حَسَنًا جِدًّا، فَتَأَسَّفَ النَّاسُ لَهُ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا وَمَظْلُومًا وَحَسَنًا، وَنَظَمُوا فِيهِ قَصَائِدَ; وَمِمَّنْ نَظَمَ فِيهِ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي «الذَّيْلِ»، وَقَدْ أَطَالَ قِصَّتَهُ جِدًّا. وَفِيهَا سَقَطَتْ قَنْطَرَةٌ رُومِيَّةٌ قَدِيمَةُ الْبِنَاءِ بِسُوقِ الدَّقِيقِ مِنْ دِمَشْقَ، عِنْدَ قَصْرِ أُمِّ حَكِيمٍ، فَتَهَدَّمَ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ، وَكَانَ سُقُوطُهَا نَهَارًا. وَفِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَقَعَ حَرِيقٌ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ،

стр. 11042

فَأَحْرَقَ جَمِيعَ حَشْوِهَا، وَكَانَتْ سَلَالِمُهَا سِقَالَاتٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهَلَكَ لِلنَّاسِ وَدَائِعُ كَثِيرَةٌ كَانَتْ فِيهَا، وَسَلَّمَ اللَّهُ الْجَامِعَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدِمَ السُّلْطَانُ بَعْدَ أَيَّامٍ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَمَرَ بِإِعَادَتِهَا كَمَا كَانَتْ. قُلْتُ: ثُمَّ احْتَرَقَتْ وَسَقَطَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَأُعِيدَتْ عِمَارَتُهَا أَحْسَنَ مِمَّا كَانَتْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَبَقِيَتْ حِينَئِذٍ الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرْقِيَّةُ بِدِمَشْقَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي نُزُولِ عِيسَى ﵇، عَلَيْهَا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ عَادَ السُّلْطَانُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ مَرِيضًا فِي مِحَفَّةٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَهُوَ ثَقِيلٌ مُدْنِفٌ، وَمَا شَغَلَهُ مَرَضُهُ وَمَا هُوَ فِيهِ عَنْ أَمْرِهِ بِقَتْلِ أَخِيهِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْكَامِلِ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَقَدْ كَانَ سَجَنَهُ سَنَةَ اسْتَحْوَذَ عَلَى مِصْرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالِهَا أَمَرَ بِخَنْقِهِ، فَخُنِقَ وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ، فَمَا عُمِّرَ بَعْدَهُ إِلَّا إِلَى النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي أَسْوَأِ حَالٍ وَأَشَدِّ مَرَضٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَفْضَلِ الدِّينِ الْخُونَجِيِّ الْحَكِيمِ الْمَنْطِقِيِّ الْبَارِعِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ جَيِّدَ السِّيرَةِ فِي أَحْكَامِهِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.

стр. 11043

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ الْمُخَرِّمِيُّ، كَانَ شَابًّا فَاضِلًا أَدِيبًا شَاعِرًا مَاهِرًا صَنَّفَ كِتَابًا مُخْتَصَرًا وَجِيزًا جَامِعًا لِفُنُونٍ كَثِيرَةٍ فِي الرِّيَاضَةِ وَالْعَقْلِ وَذَمِّ الْهَوَى، وَسَمَّاهُ «نَتَائِجَ الْأَفْكَارِ». قَالَ فِيهِ مِنَ الْكَلِمِ الْمُسْتَفَادَةِ الْحِكْمِيَّةِ: السُّلْطَانُ إِمَامٌ مَتْبُوعٌ وَدِينٌ مَشْرُوعٌ، فَإِنْ ظَلَمَ جَارَتِ الْحُكَّامُ لِظُلْمِهِ، وَإِنْ عَدَلَ لَمْ يَجُرْ أَحَدٌ فِي حُكْمِهِ، مَنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ وَبِلَادِهِ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ وَسُلْطَانَهُ، وَرَفَعَ مَحَلَّهُ وَمَكَانَهُ، فَحَقِيقٌ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ، وَيُخْلِصَ الدِّيَانَةَ، وَيُجَمِّلَ السَّرِيرَةَ، وَيُحْسِنَ السِّيرَةَ، وَيَجْعَلَ الْعَدْلَ دَأْبَهُ الْمَعْهُودَ، وَالْأَمْنَ بَحْرَ غَرَضِهِ الْمَقْصُودَ، فَالظُّلْمُ يُزِلُّ الْقَدَمَ، وَيُزِيلُ النِّعَمَ، وَيَجْلُبُ النِّقَمَ، وَيُهْلِكُ الْأُمَمَ. وَقَالَ أَيْضًا: مُعَارَضَةُ الطَّبِيبِ تُوجِبُ التَّعْذِيبَ. رُبَّ حِيلَةٍ أَنْفَعُ مِنْ قَبِيلَةٍ. الْمَوْتُ فِي طَلَبِ الثَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْحَيَاةِ فِي الْعَارِ. سَمِينُ الْغَضَبِ مَهْزُولٌ، وَوَالِي الْغَدْرِ مَعْزُولٌ. قُلُوبُ الْحُكَمَاءِ تَسْتَشِفُّ الْأَسْرَارَ مِنْ لَمَحَاتِ الْأَبْصَارِ. ارْضَ مِنْ أَخِيكَ فِي وِلَايَتِهِ بِعُشْرِ مَا كُنْتَ تَعْهَدُهُ مِنْ مَوَدَّتِهِ. التَّوَاضُعُ مِنْ مَصَائِدِ الشَّرَفِ. مَا أَحْسَنَ حُسْنَ الظَّنِّ لَوْلَا أَنَّ فِيهِ الْعَجْزَ. مَا أَقْبَحَ سُوءَ الظَّنِّ لَوْلَا أَنَّ فِيهِ الْحَزْمَ.

стр. 11044

وَذَكَرَ فِي غُبُونِ كَلَامِهِ أَنَّ خَادِمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَذْنَبَ، فَأَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي أَمَا لَكَ ذَنْبٌ تَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهُ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَبِالَّذِي أَمْهَلَكَ لَمَّا أَمْهَلْتَنِي. ثُمَّ أَذْنَبَ الْعَبْدُ ثَانِيًا، فَأَرَادَ عُقُوبَتَهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ الثَّالِثَةَ، فَعَاقَبَهُ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا لَكَ لَمْ تَقُلْ مَا قُلْتَ فِي الْأَوَّلَتَيْنِ؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، حَيَاءً مِنْ حِلْمِكَ مَعَ تَكْرَارِ جُرْمِي. فَبَكَى ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِالْحَيَاءِ مِنْ رَبِّي، أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْ شِعْرِهِ يَمْدَحُ الْخَلِيفَةَ: يَا مَنْ إِذَا ضَنَّ السَّحَابُ بِمَائِهِ … هَطَلَتْ يَدَاهُ عَلَى الْبَرِيَّةِ عَسْجَدَا جَوَّرْتَ كِسْرَى يَا مُبَخِّلَ حَاتِمٍ … فَغَدَتْ بَنُو الْآمَالِ نَحْوَكَ سُجَّدَا وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي أَشْعَارًا كَثِيرَةً حَسَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ الْمَالِكِيُّ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الدَّوِينِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ شَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ كَانَ أَبُوهُ حَاجِبًا لِلْأَمِيرِ عِزِّ الدِّينِ مُوسَكَ الصَّلَاحِيِّ، وَاشْتَغَلَ هُوَ بِالْعِلْمِ، فَقَرَأَ

стр. 11045

الْقِرَاءَاتِ، وَحَرَّرَ النَّحْوَ تَحْرِيرًا بَلِيغًا، وَتَفَقَّهَ وَسَادَ أَهْلَ عَصْرِهِ، ثُمَّ كَانَ رَأْسًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ وَالْعَرَبِيَّةُ وَالتَّصْرِيفُ وَالْعَرُوضُ وَالتَّفْسِيُر، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ اسْتَوْطَنَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّ مِائَةٍ، وَدَرَّسَ بِهَا لِلْمَالِكِيَّةِ بِالْجَامِعِ حَتَّى كَانَ خُرُوجُهُ بِصُحْبَةِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، فَصَارَا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ حَتَّى كَانَتْ وَفَاةُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَدُفِنَ بِالْمَقْبَرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَنَارَةِ وَالْبَلَدِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ: وَكَانَ مِنْ أَذْكَى الْأَئِمَّةِ قَرِيحَةً، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً مُتَوَاضِعًا عَفِيفًا، كَثِيرَ الْحَيَاءِ مُنْصِفًا مُحِبًّا لِلْعِلْمِ وَأَهْلِهِ نَاشِرًا لَهُ، مُحْتَمِلًا لِلْأَذَى، صَبُورًا عَلَى الْبَلْوَى، قَدِمَ دِمَشْقَ مِرَارًا، آخِرُهَا سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَأَقَامَ بِهَا مُدَرِّسًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَشَيْخًا لِلْمُسْتَفِيدِينَ عَلَيْهِ فِي عِلْمَيِ الْقِرَاءَاتِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، بَارِعًا فِي الْعُلُومِ، مُتْقِنًا لِمَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ خَلِّكَانَ ثَنَاءً كَثِيرًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ فِي أَدَاءِ شَهَادَةٍ حِينَ كَانَ ابْنُ خَلِّكَانَ نَائِبًا فِي الْحُكْمِ بِمِصْرَ، وَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ اعْتِرَاضِ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، كَإِذَا قَالَ: إِنْ أَكَلْتِ إِنْ شَرِبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. لِمَ

стр. 11046

كَانَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَ تَشَرَبُ أَوَّلًا؟ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ فِي تُؤَدَةٍ وَسُكُونٍ. قُلْتُ: لَهُ مُخْتَصَرٌ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَحْسَنِ الْمُخْتَصَرَاتِ انْتَظَمَ فِيهِ جَوَاهِرَ ابْنِ شَاشٍ، وَمُخْتَصَرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اسْتَوْعَبَ فِيهِ عَامَّةَ فَوَائِدِ الْإِحْكَامِ لِسَيْفِ الدِّينِ الْآمِدِيِّ، وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ بِحِفْظِهِ، وَجَمَعْتُ كَرَارِيسَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا أَوْدَعَهُ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَلَهُ شَرْحُ الْمُفَصَّلِ وَالْأَمَالِي فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَالْمُقَدِّمَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي النَّحْوِ، اخْتَصَرَ فِيهَا مُفَصَّلَ الزَّمَخْشَرِيِّ وَشَرَحَهَا، وَقَدْ شَرَحَهَا غَيْرُهُ أَيْضًا، وَلَهُ التَّصْرِيفُ وَشَرْحُهُ، وَلَهُ الْعَرُوضُ عَلَى وَزْنِ الشَّاطِبِيَّةِ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ.

стр. 11047

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمَلَكِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، وَقَتْلُ ابْنِهِ الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ، وَتَوْلِيَةُ الْمُعِزِّ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكَ التُّرْكُمَانِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَفِي رَابِعِ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ تَوَجَّهَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي مِحَفَّةٍ. قَالَهُ ابْنُ السِّبْطِ: وَكَانَ قَدْ نَادَى فِي دِمَشْقَ: مَنْ لَهُ عِنْدَنَا شَيْءٌ فَلْيَأْتِ، فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْقَلْعَةِ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ. وَفِي عَاشِرِ صَفَرٍ دَخَلَ إِلَى دِمَشْقَ نَائِبُهَا الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ يَغْمُورٍ مِنْ جِهَةِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَنَزَلَ بِدَرْبِ الشَّعَّارِينَ دَاخِلَ بَابِ الْجَابِيَةِ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَمَرَ النَّائِبُ بِتَخْرِيبِ الدَّكَاكِينِ الْمُحْدَثَةِ فِي وَسَطِ بَابِ الْبَرِيدِ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ دُكَّانٌ سِوَى مَا فِي جَانِبَيْهِ إِلَى جَانِبِ الْحَائِطَيْنِ الْقِبْلِيِّ وَالشَّمَالِيِّ، وَمَا فِي الْوَسَطِ يُهْدَمُ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَقَدْ كَانَ الْعَادِلُ هَدَمَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ هَدَمَهُ ابْنُ يَغْمُورٍ، وَالْمَرْجُوُّ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ النَّاصِرُ دَاوُدُ مِنَ الْكَرَكِ إِلَى حَلَبَ، فَأَرْسَلَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ إِلَى نَائِبِهِ بِدِمَشْقَ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ يَغْمُورٍ بِخَرَابِ دَارِ سَامَةَ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى النَّاصِرِ بِدِمَشْقَ،

стр. 11048

وَبُسْتَانِهِ الَّذِي بِالْقَابُونِ، وَهُوَ بُسْتَانُ الْقَصْرِ وَأَنْ تُقْلَعَ أَشْجَارُهُ وَيُخَرَّبَ الْقَصْرُ، وَتَسَلَّمَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ الْكَرَكَ مِنَ الْأَمْجَدِ حَسَنِ بْنِ النَّاصِرِ، وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ بِهَا مَنْ بَيْتِ الْمُعَظَّمِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهَا وَأَمْوَالِهَا، فَكَانَ فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَقْطَعَ الصَّالِحُ الْأَمْجَدَ هَذَا إِقْطَاعًا جَيِّدًا. وَفِيهَا طَغَى الْمَاءُ بِبَغْدَادَ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْمَحَالِّ وَالدُّورِ الشَّهِيرَةِ، وَتَعَذَّرَتِ الْجُمَعُ فِي أَكْثَرِ الْجَوَامِعِ بِسَبَبِ ذَلِكَ سِوَى ثَلَاثَةِ جَوَامِعَ، وَنُقِلَتْ تَوَابِيتُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى التُّرَبِ مِنَ الرُّصَافَةِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ تَغْرَقَ مَحَالُّهُمْ; مِنْهُمُ الْمُعْتَضِدُ بْنُ الْأَمِيرِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَذَلِكَ بَعْدَ دَفْنِهِ بِنَيِّفٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَذَا نُقِلَ وَلَدُهُ الْمُكْتَفِي، وَكَذَا الْمُتَّقِي بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا هَجَمَتِ الْفِرِنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ، فَهَرَبَ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ، وَاسْتَحْوَذَ الْفِرِنْجُ عَلَى الثَّغْرِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَنَصَبَ السُّلْطَانُ الْمُخَيَّمَ تُجَاهَ الْعَدُوِّ بِجَمِيعِ الْجَيْشِ، وَشَنَقَ خَلْقًا مِمَّنْ هَرَبَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَلَامَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْمُصَابَرَةِ قَلِيلًا لِيُرْهِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّهُمْ، وَقَوِيَ الْمَرَضُ، وَتَزَايَدَ بِالسُّلْطَانِ جِدًّا، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تُوُفِّيَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَنْصُورَةِ، فَأَخْفَتْ جَارِيَتُهُ أَمُّ وَلَدِهِ خَلِيلٍ الْمَدْعُوَّةُ شَجَرَ الدُّرِّ

стр. 11049

مَوْتَهُ، وَأَظْهَرَتْ أَنَّهُ مَرِيضٌ مُدْنِفٌ لَا يُوَصَلُ إِلَيْهِ، وَبَقِيَتْ تُعْلِمُ عَنْهُ بِعَلَامَتِهِ سَوَاءً، وَأَعْلَمَتْ إِلَى أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِهِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ، وَهُوَ بِحِصْنِ كَيْفَا، فَأَقْدَمُوهُ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا. وَذَلِكَ بِإِشَارَةِ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَبَايَعُوهُ أَجْمَعُونَ، فَرَكِبَ فِي عَصَائِبِ الْمُلْكِ، وَقَاتَلَ الْفِرِنْجَ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ، ثُمَّ قَتَلُوهُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ مُلْكِهِ عَلَيْهِمْ، ضَرَبَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ - وَهُوَ عِزُّ الدِّينِ أَيْبَكُ التُّرْكُمَانِيُّ، فَضَرَبَهُ فِي يَدِهِ، فَقَطَعَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فَهَرَبَ إِلَى قَصْرٍ مِنْ خَشَبٍ فِي الْمُخَيَّمِ، فَحَاصَرُوهُ فِيهِ، وَأَحْرَقُوهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مِنْ بَابِهِ مُسْتَجِيرًا بِرَسُولِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَهَرَبَ إِلَى النِّيلِ، فَانْغَمَرَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقُتِلَ سَرِيعًا شَرَّ قِتْلَةٍ، وَدَاسُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَدُفِنَ كَالْجِيفَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَانَ فِيمَنْ ضَرَبَهُ الْبُنْدُقْدَارِيُّ عَلَى كَتِفِهِ، فَخَرَجَ السَّيْفُ مِنْ تَحْتِ إِبِطِهِ الْآخَرِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ فَلَا يُغَاثُ. وَمِ مَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: فَخْرُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الشَّيْخِ بْنِ حَمُّوَيْهِ وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا مَهِيبًا وَقُورًا، خَلِيقًا بِالْمُلْكِ كَانَتِ الْأُمَرَاءُ تُعَظِّمُهُ جِدًّا، وَلَوْ دَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَتِهِ بَعْدَ الصَّالِحِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ اثْنَانِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ حِمَايَةً لِجَانِبِ بَنِي أَيُّوبَ، قَتَلَتْهُ الدَّاوِيَّةُ مِنَ الْفِرِنْجِ شَهِيدًا قَبْلَ قُدُومِ الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ إِلَى مِصْرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،

стр. 11050

وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ وَحَوَاصِلُهُ وَخُيُولُهُ، وَخُرِّبَتْ دَارُهُ، وَلَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ الشَّنِيعَةِ الْبَشِعَةِ إِلَّا صَنَعُوهُ بِهِ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ مِنَ الْأُمَرَاءِ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ. وَمِنْ شِعْرِهِ: عَصَيْتُ هَوَى نَفْسِي صَغِيرًا فَعِنْدَمَا … رَمَتْنِي اللَّيَالِي بِالْمَشِيبِ وَبِالْكِبَرْ أَطَعْتُ الْهَوَى عَكْسَ الْقَضِيَّةِ لَيْتَنِي … خُلِقْتُ كَبِيرًا وَانْتَقَلْتُ إِلَى الصِّغَرْ

стр. 11051

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتُّ مِائَةٍ فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ كَانَ كَسْرُ الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ لِلْفِرِنْجِ عَلَى ثَغْرِ دِمْيَاطَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مِائَةَ أَلْفٍ. وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، ثُمَّ قَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ أُسِرُوا، وَكَانَ فِيمَنْ أُسِرَ مَلِكُ الْإِفْرَنْسِيسِ وَأَخُوهُ، وَأُرْسِلَتْ غِفَارَةُ مَلِكِ الْإِفْرَنْسِيسِ إِلَى دِمَشْقَ فَلَبِسَهَا نَائِبُهَا فِي يَوْمِ الْمَوْكِبِ، وَكَانَتْ مِنْ سَقِرْلَاطِ أَحْمَرَ، تَحْتَهَا فَرْوُ سِنْجَابٍ، فَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ فَرَحًا بِمَا وَقَعَ، وَدَخَلَ الْفُقَرَاءُ كَنِيسَةَ مَرْيَمَ، فَأَقَامُوا بِهَا سَمَاعًا; فَرَحًا بِمَا نَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّصَارَى، وَكَادُوا أَنْ يُخَرِّبُوهَا، وَكَانَتِ النَّصَارَى بِبَعْلَبَكَّ، وَقَدْ فَرِحُوا حِينَ أَخَذَتِ النَّصَارَى دِمْيَاطَ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَسْرَةُ عَلَيْهِمْ سَخَّمُوا وُجُوهَ الصُّوَرِ، فَأَرْسَلَ نَائِبُ الْبَلَدِ فَجَنَّاهُمْ، وَأَمَرَ الْيَهُودَ فَصَفَعُوهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجُ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ حَتَّى قَتَلَ الْأُمَرَاءُ ابْنَ أُسْتَاذِهِمْ تُورَانْشَاهْ، وَدَفَنُوهُ إِلَى جَانِبِ النِّيلِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَحِمَ أَسْلَافَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 11052

تَمْلِيكُ الْمُعِزِّ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكَ التُّرْكُمَانِيِّ مِصْرَ بَعْدَ بَنِي أَيُّوبَ، وَتَدَاوُلُ دَوْلَةِ الْأَتْرَاكِ لَمَّا قَتَلَ الْأُمَرَاءُ الْبَحْرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّالِحِيَّةِ ابْنَ أُسْتَاذِهِمِ الْمُعَظَّمَ غِيَاثَ الدِّينِ تُورَانْشَاهَ بْنِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ بْنِ الْكَامِلِ بْنِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ، وَكَانَ مُلْكُهُ بَعْدَ أَبِيهِ بِشَهْرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ وَانْفَصَلَ أَمْرُهُ نَادَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ: لَا بَأْسَ لَا بَأْسَ. وَاسْتَدْعَوْا مِنْ بَيْنِهِمُ الْأَمِيرَ عِزَّ الدِّينِ أَيْبَكَ التُّرْكُمَانِيَّ، فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ وَبَايَعُوهُ، وَلَقَّبُوهُ بِالْمَلِكِ الْمُعِزِّ، وَرَكِبُوا إِلَى الْقَاهِرَةِ ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ أَقَامُوا لَهُمْ صَبِيًّا مِنْ بَنِي أَيُّوبَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ مُظَفَّرُ الدِّينِ مُوسَى بْنُ النَّاصِرِ يُوسُفَ بْنِ الْمَسْعُودِ أَقْسِيسَ بْنِ الْكَامِلِ، وَجَعَلُوا الْمُعِزَّ أَتَابِكَهُ، فَكَانَتِ السِّكَّةُ وَالْخُطْبَةُ بِاسْمِهِمَا، وَكَاتَبُوا أُمَرَاءَ الشَّامِ بِذَلِكَ، فَمَا تَمَّ لَهُمُ الْأَمْرُ بِالشَّامِ بَلْ خَرَجَ عَنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ تَسْتَقِرَّ لَهُمُ الْمَمْلَكَةُ إِلَّا عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ الْخَاتُونِ شَجَرِ الدُّرِّ أَمْ خَلِيلٍ حَظِيَّةِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَتَزَوَّجَتْ بِالْمُعِزِّ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ وَالسِّكَّةُ بِاسْمِهَا، يُدْعَى لَهَا عَلَى الْمَنَابِرِ أَيَّامَ الْجُمَعِ بِمِصْرَ وَأَعْمَالِهَا، وَكَذَا تُضْرَبُ السِّكَّةُ بِاسْمِهَا أُمِّ خَلِيلٍ، وَالْعَلَامَةُ عَلَى الْمَنَاشِيرِ وَالتَّوَاقِيعِ بِخَطِّهَا وَاسْمِهَا، مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْمُعِزِّ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهَا إِلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْهَوَانِ وَالْقَتْلِ. ذِكْرُ مُلْكِ النَّاصِرِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الظَّاهِرِ بْنِ النَّاصِرِ فَاتِحِ الْقُدْسِ، صَاحِبِ حَلَبَ، لِدِمَشْقَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَقَعَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ قَتْلِ الْأُمَرَاءِ لِلْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ بْنِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ

стр. 11053

رَكِبَ الْحَلَبِيُّونَ، مَعَهُمُ ابْنُ أُسْتَاذِهِمْ النَّاصِرُ يُوسُفُ بْنُ الْعَزِيزِ مُحَمَّدِ بْنِ الظَّاهِرِ غَازِي بْنِ النَّاصِرِ يُوسُفَ فَاتِحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُلُوكِ بَنِي أَيُّوبَ، مِنْهُمُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَادِلِ، وَكَانَ أَحَقَّ الْمَوْجُودِينَ بِالْمُلْكِ، مِنْ حَيْثُ السِّنِّ وَالْعَقْلِ وَالْحُرْمَةِ وَالرِّيَاسَةِ، وَمِنْهُمُ النَّاصِرُ دَاوُدُ بْنُ الْمُعَظَّمِ بْنِ الْعَادِلِ، وَالْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْمَنْصُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكُوهْ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ حِمْصَ، وَغَيْرُهُمْ، فَجَاءُوا إِلَى دِمَشْقَ، فَحَاصَرُوهَا فَمَلَكُوهَا سَرِيعًا، وَنُهِبَتْ دَارُ ابْنِ يَغْمُورٍ، وَحُبِسَ فِي الْقَلْعَةِ وَتَسَلَّمُوا مَا حَوْلَهَا، كَبَعْلَبَكَّ وَبُصْرَى وَالصَّلْتِ وَعَجْلُونَ وَصَرْخَدَ، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِمُ الْكَرَكُ وَالشَّوْبَكُ بِالْمَلِكِ الْمُغِيثِ عُمَرَ بْنِ الْعَادِلِ بْنِ الْكَامِلِ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ حِينَ قُتِلَ الْمُعَظَّمُ تُورَانْشَاهْ، فَطَلَبَهُ الْمِصْرِيُّونَ لِيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَخَافَ مِمَّا حَلَّ بِابْنِ عَمِّهِ، فَلَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِمْ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ يَدُ الْحَلَبِيِّينَ عَلَى دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا جَلَسَ النَّاصِرُ فِي الْقَلْعَةِ، وَطَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكِبُوا إِلَى غَزَّةَ لِيَتَسَلَّمُوا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمُ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَكُسِرَ الْمِصْرِيُّونَ أَوَّلًا بِحَيْثُ إِنَّهُ خُطِبَ لِلنَّاصِرِ بِهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ كَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى الشَّامِيِّينَ، فَانْهَزَمُوا وَأُسِرَ مِنْ أَعْيَانِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعُدِمَ مِنَ الْجَيْشِ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَنْشَدَ هُنَا الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْضِهِمْ:

стр. 11054

ضَيَّعَ إِسْمَاعِيلُ أَمْوَالَنَا … وَخَرَّبَ الْمَغْنَى بِلَا مَعْنَى وَرَاحَ مِنْ جِلَّقَ هَذَا جَزَا … مَنْ أَفْقَرَ النَّاسَ وَمَا اسْتَغْنَى ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ تَرْجَمَةِ الصَّالِحِ أَبِي الْخَيْشِ إِسْمَاعِيلَ وَاقِفِ تُرْبَةِ أُمِّ الصَّالِحِ وَقَدْ كَانَ الصَّالِحُ، ﵀، مَلِكًا عَاقِلًا حَازِمًا، تَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ أَطْوَارًا كَثِيرَةً، وَقَدْ كَانَ الْأَشْرَفُ مُوسَى أَوْصَى لَهُ بِدِمَشْقَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَلَكَهَا شُهُورًا، ثُمَّ انْتَزَعَهَا مِنْهُ أَخُوهُ الْكَامِلُ، ثُمَّ مَلَكَهَا مِنْ يَدِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَاسْتَمَرَّ فِيهَا أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتَعَادَهَا مِنْهُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ عَامَ الْخُوَارَزْمِيَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَاسْتَقَرَّتْ بِيَدِهِ بَلَدَاهُ بَعْلَبَكُّ وَبُصْرَى، ثُمَّ أُخِذَتَا مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ بَلَدٌ يَأْوِي إِلَيْهِ، فَلَجَأَ إِلَى الْمَمْلَكَةِ الْحَلَبِيَّةِ فِي جِوَارِ النَّاصِرِ يُوسُفَ صَاحِبِ حَلَبَ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا عُدِمَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَلَا يُدْرَى مَا فُعِلَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهُوَ وَاقِفُ التُّرْبَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَدَارِ الْحَدِيثِ وَالْإِقْرَاءِ بِدِمَشْقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ تُورَانْشَاهْ بْنُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ بْنِ الْكَامِلِ بْنِ الْعَادِلِ كَانَ

стр. 11055

أَوَّلًا صَاحِبَ حِصْنِ كَيْفَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ فَلَا يُجِيبُهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا اسْتَدْعَاهُ الْأُمَرَاءُ، فَأَجَابَهُمْ وَجَاءَ إِلَيْهِمْ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مُتَخَلِّعًا لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ. وَقَدْ رُئِيَ أَبُوهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَهْ … صَارَ لِلْعَالَمِ مُثْلَهْ لَمْ يُرَاعُوا فِيهِ إِلًّا … لَا وَلَا مَنْ كَانَ قَبْلَهْ سَتَرَاهُمْ عَنْ قَرِيبٍ … لِأَقَلِّ النَّاسِ أُكْلَهْ وَكَانَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اقْتِتَالِ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامَيْنِ. وَمِمَّنْ عُدِمَ فِيمَا بَيْنُ الصَّفَّيْنِ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَمِنْهُمُ الشَّمْسُ لُؤْلُؤٌ مُدَبِّرُ مَمَالِكِ الْحَلَبِيِّينَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَاقِفَةُ الْحَافِظِيَّةِ: وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْخَاتُّونِ أَرْغُونَ الْحَافِظِيَّةِ، سُمِّيَتِ الْحَافِظِيَّةَ لِخِدْمَتِهَا وَتَرْبِيَتِهَا الْحَافِظَ صَاحِبَ قَلْعَةِ جَعْبَرٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً عَاقِلَةً مُدَبِّرَةً، عُمِّرَتْ دَهْرًا، وَلَهَا أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُصْلِحُ الْأَطْعِمَةَ لِلْمُغِيثِ عُمَرَ بْنِ الصَّالِحِ أَيُّوبَ، فَصَادَرَهَا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَخَذَ

стр. 11056

مِنْهَا أَرْبَعَ مِائَةِ صُنْدُوقٍ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ وَقَفَتْ دَارَهَا بِدِمَشْقَ عَلَى خُدَّامِهَا، وَاشْتَرَتْ بُسْتَانَ النَّجِيبِ يَاقُوتٍ الَّذِي كَانَ خَادِمَ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ، وَجَعَلَتْ فِيهِ تُرْبَةً وَمَسْجِدًا، وَوَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَوْقَافًا جَيِّدَةً، رَحِمَهَا اللَّهُ. وَاقِفُ الْأَمِينِيَّةِ الَّتِي بِبَعْلَبَكَّ، أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ غَزَّالٌ الْمُتَطَبِّبُ وَزِيرُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ أَبِي الْخِيَشِ الَّذِي كَانَ مَشْئُومًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى سُلْطَانِهِ، وَسَبَبًا فِي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَعَنْ مَخْدُومِهِ، وَهَذَا هُوَ وَزِيرُ السَّوْءِ، وَقَدِ اتَّهَمَهُ السِّبْطُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَسَتِّرًا بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ دِينٌ، فَأَرَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَمَّا عُدِمَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِدِيَارِ مِصْرَ; عَمَدَ مَنْ عَمَدَ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى ابْنِ يَغْمُورٍ نَاصِرِ الدِّينِ، فَشَنَقُوهُمَا وَصَلَبُوهُمَا عَلَى الْقَلْعَةِ بِمِصْرَ. وَقَدْ وُجِدَ لِأَمِينِ الدَّوْلَةِ غَزَّالٍ هَذَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتُّحَفِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَثَاثِ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَشَرَةُ آلَافِ مُجَلَّدٍ بِخَطٍّ مَنْسُوبٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْخُطُوطِ النَّفِيسَةِ الْفَائِقَةِ.

стр. 11057

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ فِيهَا عَادَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَاحِبُ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ، وَقَدِمَتْ عَسَاكِرُ الْمِصْرِيِّينَ، فَحَكَمُوا عَلَى بِلَادِ السَّوَاحِلِ إِلَى حَدِّ الشَّرِيعَةِ، فَجَهَّزَ لَهُمُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ جَيْشًا، فَطَرَدُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَقَصَرُوهُمْ عَلَيْهَا. وَتَزَوَّجَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ خَلِيلٍ شَجَرُ الدُّرِّ بِالْمَلِكِ الْمُعِزِّ عِزِّ الدِّينِ أَيْبَكَ التُّرْكُمَانِيِّ، مَمْلُوكِ زَوْجِهَا الصَّالِحِ أَيُّوبَ. وَفِيهَا نُقِلَ تَابُوتُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ إِلَى تُرْبَتِهِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَلَبِسَتِ الْأَتْرَاكُ ثِيَابَ الْعَزَاءِ، وَتَصَدَّقَتْ أُمُّ خَلِيلٍ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ. وَفِيهَا خَرَّبَتِ التُّرْكُ دِمْيَاطَ، وَنَقَلُوا آلَاتِهَا إِلَى مِصْرَ، وَأَخْلَوُا الْجَزِيرَةَ أَيْضًا خَوْفًا مِنْ عَوْدِ الْفِرِنْجِ. وَفِيهَا كَمَلَ شَرْحُ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِنَهْجِ الْبَلَاغَةِ فِي عِشْرِينَ مُجَلَّدًا مِمَّا أَلَّفَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الْمَدَائِنِيُّ الْكَاتِبُ لِلْوَزِيرِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ بْنِ الْعَلْقَمِيِّ، فَأَطْلَقَ لَهُ الْوَزِيرُ مِائَةَ دِينَارٍ وَخِلْعَةً وَفَرَسًا، وَامْتَدَحَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بِقَصِيدَةٍ; لِأَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا مُعْتَزِلِيًّا.

стр. 11058

وَفِي رَمَضَانَ اسْتُدْعِيَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ بَرَكَةَ النَّهْرُقُلِّيُّ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، فَوَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ مَعَ التَّدْرِيسِ الْمَذْكُورِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ. وَفِي شَعْبَانَ وَلِيَ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أُسْتَاذِ دَارِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ حِسْبَةَ بَغْدَادَ بَعْدَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي تَرَكَهَا تَزَهُّدَا عَنْهَا، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِطَرْحَةٍ، وَرُفِعَ عَلَى رَأْسِهِ غَاشِيَةٌ، وَرَكِبَ الْحُجَّابُ فِي خِدْمَتِهِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ صُلِّيَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ غَرِيبٌ. وَفِيهَا وَصَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ كِتَابٌ مَنْ مَلَكَ الْيَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَسُولٍ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا بِالْيَمَنِ خَرَجَ يَدَّعِي الْخِلَافَةَ، وَأَنَّهُ أَنْفَذَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَكَسَرُوهُ وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ صَنْعَاءَ، وَهَرَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي شِرْذِمَةٍ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِالْخِلَعِ وَالتَّقْلِيدِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ: بَهَاءِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ سَلَامَةَ الْجُمَّيْزِيِّ خَطِيبِ الْقَاهِرَةِ رَحَلَ فِي صِغَرِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعَ شُهْدَةَ وَغَيْرَهَا وَكَانَ فَاضِلًا، أَتْقَنَ مَعْرِفَةَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ دَيِّنًا حَسَنَ

стр. 11059

الْأَخْلَاقِ، وَاسِعَ الصَّدْرِ، كَثِيرَ الْبِرِّ قَلَّ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا أَطْعَمَهُ شَيْئًا، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ عَلَى السَّلَفِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَسْمَعَ النَّاسَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ مَرْوِيَّاتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ اللَّمْغَانِيُّ الْحَنَفِيُّ مِنْ بَيْتِ الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ، دَرَّسَ بِمَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَابَ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنِ فَضْلَانَ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي صَالِحٍ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْحَنْبَلِيِّ، ثُمَّ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُقْبِلٍ الْوَاسِطِيِّ، ثُمَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ اسْتَقَلَّ الْقَاضِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ اللَّمْغَانِيُّ الْمَذْكُورُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ بِبَغْدَادَ، وَلُقِّبَ أَقَضَى الْقُضَاةِ، وَدَرَّسَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِالْمُسْتَنْصِرِيَّةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ فِي أَحْكَامِهِ وَنَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ تَوَلَّى بَعْدَهُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ شَيْخُ النِّظَامِيَّةِ سِرَاجُ الدِّينِ النَّهْرُقُلِّيُّ.

стр. 11060

سَنَةُ خَمْسِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ فِيهَا وَصَلَتِ التَّتَارُ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَسَرْوَجَ وَرَأْسِ الْعَيْنِ وَمَا وَالَى هَذِهِ الْبِلَادَ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَنَهَبُوا وَخَرَّبُوا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَوَقَعُوا بِتُجَّارٍ يَسِيرُونَ بَيْنَ حَرَّانَ وَرَأْسِ الْعَيْنِ، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ سِتَّمِائَةِ حِمْلِ سُكَّرٍ وَمَعْمُولٍ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قَتَلُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ قَتِيلٍ، وَأَسَرُوا مِنَ الْوِلْدَانِ وَالنِّسَاءِ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ السِّبْطُ: وَفِيهَا حَجَّ النَّاسُ مِنْ بَغْدَادَ، وَكَانَ لَهُمْ عَشْرُ سِنِينَ لَمْ يَحُجُّوا مِنْ زَمَنِ الْمُسْتَنْصِرِ. وَفِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ بِحَلَبَ، احْتَرَقَ بِسَبَبِهِ سِتُّمِائَةِ دَارٍ، يُقَالُ: إِنَّ الْفِرِنْجَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَلْقَوْهُ فِيهَا قَصْدًا. وَفِيهَا أَعَادَ قَاضِي الْقُضَاةِ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ النَّهْرُقُلِّيُّ أَمْرَ الْمَدْرَسَةِ التَّاجِيَّةِ الَّتِي كَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعَوَامِّ، وَجَعَلُوهَا كَالْقَيْسَارِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهِيَ مَدْرَسَةٌ جَيِّدَةٌ حَسَنَةٌ قَرِيبَةُ الشَّبَهِ مِنَ النِّظَامِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ بَانِيهَا يُقَالُ

стр. 11061

لَهُ: تَاجُ الْمُلْكِ. وَزِيرُ مَلِكْشَاهْ السَّلْجُوقِيُّ، وَأَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِهَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ مَطْرُوحٍ وَقَدْ كَانَ فَاضِلًا رَئِيسًا كَيِّسًا شَاعِرًا مِنْ خِيَارِ الْمُتَعَمِّمِينَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ أَيُّوبُ فِي وَقْتٍ عَلَى دِمَشْقَ، فَلَبِسَ لُبْسَ الْجُنْدِ. قَالَ السِّبْطُ: وَكَانَ لَا يَلِيقُ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي النَّاصِرِ دَاوُدَ صَاحِبِ الْكَرَكِ لَمَّا اسْتَعَادَ الْقُدْسَ مِنَ الْفِرِنْجِ حِينَ سُلِّمَتْ إِلَيْهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ فِي الدَّوْلَةِ الْكَامِلِيَّةِ، فَقَالَ هَذَا الشَّاعِرُ ابْنُ مَطْرُوحٍ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى لَهُ عَادَةٌ … سَارَتْ فَصَارَتْ مَثَلًا سَائِرَا إِذَا غَدَا لِلْكُفْرِ مُسْتَوْطَنًا … أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُ نَاصِرَا فَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ أَوَّلًا … وَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ آخِرَا وَلَمَّا عَزَلَهُ الصَّالِحُ عَنِ النِّيَابَةِ أَقَامَ خَامِلًا، وَكَانَ كَثِيرَ الْبِرِّ بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْمَقْدِسِيُّ الْكَاتِبُ الْحَسَنُ الْخَطِّ، كَانَ كَثِيرَ الْأَدَبِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَخَدَمَ السُّلْطَانَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ وَالنَّاصِرَ دَاوُدَ، وَكَانَ دَيِّنًا فَاضِلًا شَاعِرًا، لَهُ قَصِيدَةٌ يَنْصَحُ فِيهَا السُّلْطَانَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ، وَمَا يَلْقَاهُ النَّاسُ مِنْ وَزِيرِهِ وَقَاضِيهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَاشِيهِ.

стр. 11062

وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَغْرِبِيِّ أَبُوهُ وُلِدَ بِبَغْدَادَ وَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ، وَعُنِيَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي مُجَلَّدَاتٍ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي الْحَدِيثِ، وَحَرَّرَ فِيهِ حِكَايَةَ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ غَانِمِ بْنِ كَرِيمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ قَدِمَ بَغْدَادَ وَكَانَ شَابًّا فَاضِلًا، فَتَتَلْمَذَ لِلشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيِّ، فَانْتَفَعَ بِهِ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ عَلَى النَّاسِ فِي التَّصَوُّفِ، وَفِيهِ لَطَافَةٌ وَمِنْ كَلَامِهِ فِي الْوَعْظِ: الْعَالَمُ كَالذَّرَّةِ فِي فَضَاءِ عَظْمَتِهِ، وَالذَّرَّةُ كَالْعَالَمِ فِي كِتَابِ حِكْمَتِهِ، الْأُصُولُ فَرُوعٌ إِذَا تَجَلَّى جَمَالُ أَوَّلِيَّتِهِ، وَالْفُرُوعُ أُصُولٌ إِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِ نَفْيِ الْوَسَائِطِ شَمْسُ آخِرِيَّتِهِ، أَسْتَارُ اللَّيْلِ مَسْدُولَةٌ، وَشُمُوعُ الْكَوَاكِبِ مَشْعُولَةٌ، وَأَعْيُنُ الرُّقَبَاءِ عَنِ الْمُشْتَاقِينَ مَشْغُولَةٌ، وَحِجَابُ الْحُجُبِ عَنْ أَبْوَابِ الْوَصْلِ مَعْزُولَةٌ، مَا هَذِهِ الْوَقْفَةُ وَالْحَبِيبُ قَدْ فَتَحَ الْبَابَ؟! مَا هَذِهِ الْفَتْرَةُ وَالْمَوْلَى قَدْ صَرَفَ حَاجِبَ الْحُجَّابِ؟! وُقُوفِي بِأَكْنَافِ الْعَقِيقِ عُقُوقُ … إِذَا لَمْ أَرِدْ وَالدَّمْعُ فِيهِ عَقِيقُ وَإِذَا لَمْ أَمُتْ شَوْقًا إِلَى سَاكِنِ الْحِمَى … فَمَا أَنَا فِيمَا أَدَّعِيهِ صَدُوقُ أَيَا رَبْعَ لَيْلَى مَا الْمُحِبُّونَ فِي الْهَوَى … سَوَاءً وَلَا كُلُّ الشَّرَابِ رَحِيقُ

стр. 11063

وَلَا كُلُّ مَنْ يَلْقَاكَ يَلْقَاكَ قَلْبُهُ … وَلَا كُلُّ مَنْ يَحْنُو إِلَيْكَ مَشُوقُ تَكَاثَرَتِ الدَّعْوَى عَلَى الْحُبِّ فَاسْتَوَى … أَسِيرُ صَبَابَاتِ الْهَوَى وَطَلِيقُ أَيُّهَا الْآمَنُونَ، هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟ أَيُّهَا الْمَحْبُوسُونَ فِي مَطَامِيرِ مُسَمِّيَاتِهِمْ، هَلْ فِيكُمْ سُلَيْمَانُ الْفَهِمُ لِفَهْمِ رُمُوزِ الْوُحُوشِ وَالْأَطْيَارِ؟ هَلْ فِيكُمُ مُوسَوِيُّ الشَّوْقِ يَقُولُ بِلِسَانِ شَوْقِهِ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فَقَدْ طَالَ الِانْتِظَارُ؟!. وَقَالَ بَعْدَ الِاسْتِسْقَاءِ: لَمَّا صَعِدَتْ إِلَى اللَّهِ نَفْسُ الْمُشْتَاقِ، بَكَتْ آمَاقُ الْآفَاقِ، وَجَادَتْ بِالدُّرِّ مُرْضِعَةُ السَّحَابِ، فَامْتَصَّ لَبَنَ الرَّحْمَةِ رَضِيعُ التُّرَابِ، وَخَرَجَ مِنْ أَخْلَافِ الْغَمَامِ نِطَافُ الْمَاءِ النَّمِيرِ، فَاهْتَزَّتْ بِهِ الْهَامِدَةُ وَقَرَّتْ عُيُونُ الْغَدِيرِ، وَتَزَيَّنَتِ الرِّيَاضُ بِالسُّنْدُسِ الْأَخْضَرِ، فَحَبَّرَ الصِّبْغُ حِبْرَهَا أَحْسَنَ تَحْبِيرِ، وَانْفَلَقَ بِأَنْمُلَةِ الصِّبَا أَكْمَامُ الْأَنْوَارِ، وَانْشَقَّتْ بِنَفَحَاتِ أَنْفَاسِهِ جُيُوبُ الْأَزْهَارِ، وَنَطَقَتْ أَجْزَاءُ الْكَائِنَاتِ بِلُغَاتِ صِفَاتِهَا، وَعَادَاتِ عِبَرِهَا: أَيُّهَا النَّائِمُونَ تَيَقَّظُوا، أَيُّهَا الْمُسْتَعِدُّونَ تَعَرَّضُوا: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الرُّومِ: ٥٠]. أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بُصَاقَةَ الْغِفَارِيُّ الْكِنَانِيُّ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ

стр. 11064

الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ وَوَلَدِهِ النَّاصِرِ دَاوُدَ، وَقَدْ سَافَرَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَادَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ أَدِيبًا مَلِيحَ الْمُحَاضِرَةِ، وَمِنْ شِعْرِهِ: وَلَمَّا أَبَيْتُمْ سَادَتِي عَنْ زِيَارَتِي … وَعَوَّضْتُمُونِي بِالْبِعَادِ عَنِ الْقُرْبِ وَلَمْ تَسْمَحُوا بِالْوَصْلِ فِي حَالِ يَقْظَتِي … وَلَمْ يَصْطَبِرْ عَنْكُمْ لِرِقَّتِهِ قَلْبِي نَصَبْتُ لِصَيْدِ الطَّيْفِ جَفْنِي حِبَالَةً … فَأَدْرَكْتُ خَفْضَ الْعَيْشِ بِالنَّوْمِ وَالنَّصْبِ

стр. 11065

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِيهَا دَخَلَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَاذَرَائِيُّ رَسُولُ الْخَلِيفَةِ بَيْنَ صَاحِبِ مِصْرَ وَصَاحِبِ الشَّامِ، وَأَصْلَحَ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ، وَكَانُوا قَدِ اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَنَشِبَتْ، وَقَدْ مَالَأَ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ الْفِرِنْجَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِنْ نَصَرُوهُمْ عَلَى الشَّامِيِّينَ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وَخَلَّصَ جَمَاعَةً مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، مِنْهُمْ أَوْلَادُ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَبِنْتُ الْأَشْرَفِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ صَاحِبِ حِمْصَ وَغَيْرِهِمْ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. وَفِيهَا فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي كَانَ رَجُلٌ بِبَغْدَادَ عَلَى رَأْسِهِ زَبَادِيُّ قَاشَانِيُّ، فَزَلَقَ فَتَكَسَّرَتْ، وَوَقَفَ يَبْكِي، فَتَأَلَّمَ النَّاسُ لَهُ لِفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ دِينَارًا، فَلَمَّا أَخَذَهُ نَظَرَ فِيهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ هَذَا الدِّينَارُ أَعْرِفُهُ، وَقَدْ ذَهَبَ مِنِّي فِي جُمْلَةِ دَنَانِيرَ عَامَ أَوَّلَ، فَشَتَمَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَمَا عَلَامَةُ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: زِنَةُ هَذَا وَكَذَا وَكَذَا. وَكَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا، فَوَزَنُوهُ فَوَجَدُوهُ كَمَا ذَكَرَ، فَأَخْرَجَ لَهُ الرَّجُلُ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَكَانَ قَدْ وَجَدَهَا، كَمَا قَالَ، حِينَ
следующие страницы →