Полный текст (13 161 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
يَخْدِمَانِ النَّبِيَّ ﷺ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ هِنْدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ أَخُوهُ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِالصِّيَامِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ. فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ هِنْدٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ حَارِثَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ بِصِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُهُمْ قَدْ طَعِمُوا؟ قَالَ فَلْيُتِمُّوا آخِرَ يَوْمِهِمْ وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ هِنْدٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ فَقَالَ: مُرْ قَوْمَكَ فَلْيَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ، وَمَنْ وَجَدْتَ مِنْهُمْ أَكَلَ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ فَلْيَصُمْ آخِرَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هِنْدًا وَأَسْمَاءَ ابْنَيْ حَارِثَةَ إِلَّا مَمْلُوكَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَا يَخْدِمَانِهِ لَا يَبْرَحَانِ بَابَهُ هُمَا وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَقَدْ تُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ ثَمَانِينَ سَنَةً.
وَمِنْهُمْ، ﵃، بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ. وُلِدَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مَوْلًى
стр. 4482
لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِمَالٍ جَزِيلٍ; لِأَنَّهُ كَانَ أُمَيَّةُ يُعَذِّبُهُ عَذَابًا شَدِيدًا لِيَرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَيَأْبَى إِلَّا الْإِسْلَامَ ﵁، فَلَمَّا اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَعْتَقَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَهَاجَرَ حِينَ هَاجَرَ النَّاسُ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأُحُدًا وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْمَشَاهِدِ ﵁. وَكَانَ يُعْرَفُ بِبِلَالِ بْنِ حَمَامَةَ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سِينَهُ كَانَتْ شِينًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَرْوِي حَدِيثًا فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ سِينَ بِلَالٍ عِنْدَ اللَّهِ شِينٌ. وَهُوَ أَحَدُ الْمُؤَذِّنِينَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَكَانَ يَلِي أَمْرَ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَمَعَهُ حَاصِلُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَالِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِيمَنْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ لِلْغَزْوِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَقَامَ يُؤَذِّنُ لِأَبِي بَكْرٍ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ الْفَلَّاسُ: قَبْرُهُ بِدِمَشْقَ، وَيُقَالُ: بِدَارَيَّا. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِحَلَبَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي مَاتَ بِحَلَبَ أَخُوهُ خَالِدٌ. قَالَ مَكْحُولٌ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى بِلَالًا قَالَ: كَانَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ نَحِيفًا أَجْنَأَ، لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ ﵁.
стр. 4483
وَمِنْهُمْ ﵃، بُكَيْرُ بْنُ الشَّدَّاخِ اللَّيْثِيُّ. ذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى اللَّيْثِيِّ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ شَدَّاخٍ اللَّيْثِيَّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَاحْتَلَمَ، فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى أَهْلِكَ، وَقَدِ احْتَلَمْتُ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَدِّقْ قَوْلَهُ، وَلَقِّهِ الظَّفَرَ. فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَانِ عُمْرَ قُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَامَ عُمْرُ خَطِيبًا فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ؟ فَقَامَ بُكَيْرٌ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمْرُ: بُؤْتَ بِدَمِهِ، فَأَيْنَ الْمَخْرَجُ؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْغُزَاةِ اسْتَخْلَفَنِي عَلَى أَهْلِهِ، فَجِئْتُ فَإِذَا هَذَا الْيَهُودِيُّ عِنْدَ امْرَأَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي … خَلَوْتُ بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ
أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُمْسِي … عَلَى قَوْدِ الْأَعِنَّةِ وَالْحِزَامِ
كَأَنَّ مَجَامِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا … فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إِلَى فِئَامِ
قَالَ: فَصَدَّقَ عُمْرُ قَوْلَهُ، وَأَبْطَلَ دَمَ الْيَهُودِيِّ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبُكَيْرٍ، بِمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، حَبَّةُ وَسَوَاءُ ابْنَا خَالِدٍ ﵄. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. قَالَ: وَثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ حَبَّةَ وَسَوَاءَ ابْنَىْ خَالِدٍ قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصْلِحُ شَيْئًا
стр. 4484
فَأَعَنَّاهُ فَقَالَ: لَا تَيْئَسَا مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسِكُمَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَلِدُهُ أُمُّهُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ .
وَمِنْهُمْ، ﵃، ذُو مِخْمَرٍ. وَيُقَالُ ذُو مِخْبَرٍ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَيُقَالُ ابْنُ أُخْتِهِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. كَانَ بَعَثَهُ لِيَخْدِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نِيَابَةً عَنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا حَرِيزٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ، عَنْ ذِي مِخْمَرٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَنَ الْحَبَشَةِ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: كُنَّا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى انْصَرَفَ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الزَّادِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ انْقَطَعَ النَّاسُ. قَالَ: فَحُبِسَ، وَحُبِسَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى تَكَامَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ أَنْ نَهْجَعَ هَجْعَةً؟ أَوْ قَالَ لَهُ قَائِلٌ، فَنَزَلَ وَنَزَلُوا، فَقَالَ: مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. فَأَعْطَانِي خِطَامَ نَاقَتِهِ، فَقَالَ: هَاكَ، لَا تَكُونَنَّ لُكَعًا قَالَ: فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخِطَامِ نَاقَتِي فَتَنَحَّيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُمَا تَرْعَيَانِ، فَإِنِّي فِي ذَلِكَ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا حَتَّى أَخَذَنِي النَّوْمُ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ
стр. 4485
حَتَّى وَجَدْتُ حَرَّ الشَّمْسِ عَلَى وَجْهِي، فَاسْتَيْقَظْتُ فَنَظَرْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا أَنَا بِالرَّاحِلَتَيْنِ مِنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِخِطَامِ نَاقَتِي، فَأَتَيْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ، فَقُلْتُ: أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا. فَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا بِلَالُ هَلْ فِي الْمِيضَأَةِ مَاءٌ؟ يَعْنِي الْإِدَاوَةَ، فَقَالَ: نَعَمْ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. فَأَتَاهُ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَمْ يُلَتَّ مِنْهُ التُّرَابُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى وَهُوَ غَيْرُ عَجَلٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْرَطْنَا؟ قَالَ: لَا، قَبَضَ اللَّهُ ، أَرْوَاحنَا وَرَدَّهَا إِلَيْنَا، وَقَدْ صَلَّيْنَا.
وَمِنْهُمْ، ﵃، رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، أَبُو فِرَاسٍ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَكَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، سُبْحَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْهَوِيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ لَكَ حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرَافَقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ
стр. 4486
بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ مُجْمِرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَقْوَمُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ، حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهْ أَقُولُ: لَعَلَّهَا أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةٌ، فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنَايَ فَأَرْقُدَ. قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْمًا لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي لَهُ، وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ: يَا رَبِيعَةُ بْنَ كَعْبٍ، سَلْنِي أُعْطِكَ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ. قَالَ: فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي، فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي وَيَأْتِينِي. قَالَ: فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِآخِرَتِي; فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أُحُدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ: «سَلْنِي أُعْطِكَ». وَكُنْتَ مِنَ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ، نَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي
стр. 4487
فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِآخِرَتِي. قَالَ: فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِي: إِنِّي فَاعِلٌ، فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَكَانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا رَبِيعَةَ، أَلَّا تَزَوَّجُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْ خِدْمَتِكَ شَيْءٌ. قَالَ: فَسَكَتَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي: يَارَبِيعَةُ، أَلَّا تَزَوَّجُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْ خِدْمَتِكَ شَيْءٌ، وَمَا عِنْدِي مَا أُعْطِي الْمَرْأَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ بِمَا عِنْدِي حَتَّى يَدْعُوَنِي إِلَى التَّزْوِيجِ، لَئِنْ دَعَانِي هَذِهِ الْمَرَّةَ لِأُجِيبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعَةُ، أَلَّا تَزَوَّجُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يُزَوِّجُنِي؟ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِي الْمَرْأَةَ. قَالَ: فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ إِلَى بَنِي فُلَانٍ فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فُلَانَةً. قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لِتُزَوِّجُونِي فَتَاتَكُمْ فُلَانَةً. قَالُوا: فُلَانَةً؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَرْحَبًا بِرَسُولِهِ. فَزَوَّجُونِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْتُكَ مَنْ خَيْرِ أَهْلِ بَيْتٍ، صَدَّقُونِي وَزَوَّجُونِي، فَمِنْ أَيْنَ لِي مَا أُعْطِي صَدَاقِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ: اجْمَعُوا لِرَبِيعَةَ فِي صَدَاقِهِ فِي وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: فَجَمَعُوهَا فَأَعْطَوْنِي، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَبِلُوهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قَبِلُوا، فَمِنْ أَيْنَ لِي مَا أُولِمُ؟
стр. 4488
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبُرَيْدَةَ: اجْمَعُوا لِرَبِيعَةَ فِي ثَمَنِ كَبْشٍ قَالَ: فَجَمَعُوا، وَقَالَ لِي: انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْ لَهَا فَلْتَدْفَعْ إِلَيْكَ مَا عِنْدَهَا مِنَ الشَّعِيرِ قَالَ: فَأَتَيْتُهَا فَدَفَعَتْ إِلَيَّ، فَانْطَلَقْتُ بِالْكَبْشِ وَالشَّعِيرِ، فَقَالُوا: أَمَّا الشَّعِيرُ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ، وَأَمَّا الْكَبْشُ فَمُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَذْبَحُوهُ. وَعَمِلُوا الشَّعِيرَ، فَأَصْبَحَ وَاللَّهِ عِنْدَنَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ أَبَا بَكْرٍ أَرْضًا لَهُ، فَاخْتَلَفْنَا فِي عِذْقٍ، فَقُلْتُ: هُوَ فِي أَرْضِي. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ فِي أَرْضِي. فَتَنَازَعْنَا، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ كَلِمَةً كَرِهْتُهَا، فَنَدِمَ فَأَخْبَرَنِي فَقَالَ لِي: قُلْ لِي كَمَا قُلْتُ لَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لَكَ كَمَا قُلْتَ لِي. قَالَ: إِذًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتَبِعْتُهُ، فَجَاءَنِي قَوْمِي يَتْبَعُونَنِي، فَقَالُوا: هُوَ الَّذِي قَالَ لَكَ وَهُوَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَشْكُو؟! قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ: تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟! هَذَا الصِّدِّيقُ وَذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ، ارْجِعُوا لَا يَلْتَفِتْ فَيَرَاكُمْ فَيَظُنَّ أَنَّكُمْ إِنَّمَا جِئْتُمْ لِتُعِينُونِي عَلَيْهِ فَيَغْضَبْ، فَيَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرْهُ فَيَهْلِكْ رَبِيعَةُ. قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ لِرَبِيعَةَ كَلِمَةً كَرِهَهَا، فَقُلْتُ لَهُ يَقُولُ لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ لَهُ فَأَبَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . يَا رَبِيعَةَ، وَمَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ لَكَ، وَلَكِنْ قُلْ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
وَمِنْهُمْ ﵃ سَعْدٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
стр. 4489
وَيُقَالُ: مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ - وَكَانَ سَعْدٌ مَمْلُوكًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُعْجِبُهُ خِدْمَتُهُ -: أَعْتِقْ سَعْدًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا خَادِمٌ هَاهُنَا غَيْرُهُ. فَقَالَ: أَعْتِقْ سَعْدًا أَتَتْكَ الرِّجَالُ أَتَتْكَ الرِّجَالُ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَرَّبْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَمْرًا، فَجَعَلُوا يَقْرِنُونَ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِرَانِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ ﵃، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ دَخَلَ يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُودُ بِنَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ … ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُشْغِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ بِطُولِهِ. وَقَدْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَعْدَ هَذَا بِأَشْهُرٍ فِي يَوْمِ
стр. 4490
مُؤْتَةَ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا.
وَمِنْهُمْ ﵃، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ شَمْخٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيُّ. أُحُدُ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، كَانَ يَلِي حَمْلَ نَعْلَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَلِي طَهُورَهُ، وَيُرَحِّلُ دَابَّتَهُ إِذَا أَرَادَ الرُّكُوبَ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ الْعِلْمُ الْجَمُّ وَالْفَضْلُ وَالْحِلْمُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَقَدْ جَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ: هُوَ كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ نَحِيفُ الْخَلْقِ حَسَنُ الْخُلُقِ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَشَى يُسَامِتُ الْجَالِسَ وَكَانَ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَكَلَامِهِ، وَيَتَشَبَّهُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ عَبَّادَتِهِ. تُوُفِّيَ، ﵁، فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ﵁ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَمِنْهُمْ ﵃ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
стр. 4491
قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَقْبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ لِي: يَا عُقْبَةُ أَلَا تَرْكَبُ؟ قَالَ: فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْكَبَ مَرْكَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُقَيْبُ، أَلَا تَرْكَبُ؟ قَالَ: فَأَشْفَقْتُ أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةٌ. قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُقْبَةُ أَلَا أُعْلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مَنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِي: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقَيْبُ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بِهِ.
وَمِنْهُمْ ﵃ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الْأَمِيرِ. وَقَدْ كَانَ قَيْسٌ هَذَا ﵁ مِنْ أَطْوَلِ الرِّجَالِ، وَكَانَ كَوْسَجًا، وَيُقَالُ: إِنَّ سَرَاوِيلَهُ كَانَ يَضَعُهُ عَلَى أَنْفِهِ مَنْ
стр. 4492
يَكُونُ مِنْ أَطْوَلِ الرِّجَالِ، فَتَصِلُ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ، وَقَدْ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَرَاوِيلَهُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَقُولُ لَهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ رَجُلٌ تَجِيءُ سَرَاوِيلُهُ عَلَى طُولِهِ؟ فَعَجِبَ مَلِكُ الرُّومِ مِنْ ذَلِكَ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا مُمَدَّحًا ذَا رَأْيٍ وَدَهَاءٍ، وَكَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيَّامَ صِفِّينِ. وَقَالَ مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَزَالُ رَافِعًا أُصْبُعَهُ الْمِسْبَحَةَ يَدْعُو ﵁ وَأَرْضَاهُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُهُمَا: تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْحَنَفِيُّ، ثَنَا سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِشْرُونَ شَابًّا مِنَ الْأَنْصَارِ يَلْزَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحَوَائِجِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَمْرًا بَعْثَهُمْ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ، ﵁. كَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَحْدَارِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا كَانَ رَافِعًا السَّيْفَ فِي يَدِهِ،
стр. 4493
وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَيْمَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَعَلَ كُلَّمَا أَهْوَى عَمُّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ حِينَ قَدِمَ فِي الرَّسِيلَةِ إِلَى لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَاتِهَا - يَقْرَعُ يَدَهُ بِقَائِمَةِ السَّيْفِ، وَيَقُولُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ. الْحَدِيثَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ: شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَلَّاهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ الْإِمْرَةَ حِينَ ذَهَبَا فَخَرَّبَا طَاغُوتَ أَهْلِ الطَّائِفِ وَهِيَ الْمَدْعُوَّةُ بِالرَّبَّةِ، وَهِيَ اللَّاتُ، وَكَانَ دَاهِيَةً مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا غَلَبَنِي أُحُدٌ قَطُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بْنَ جَابِرٍ يَقُولُ: صَحِبْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَلَوْ أَنَّ مَدِينَةً لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ لَا يُخْرَجُ مِنْ بَابٍ مِنْهَا إِلَّا بِمَكْرٍ لَخَرَجَ مِنْ أَبْوَابِهَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ; عَلِيٌّ وَعُمْرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى، وَالدُّهَاةُ أَرْبَعَةٌ; مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةُ وَزِيَادٌ. وَقَالَ الْزُّهْرِيُّ: الدُّهَاةُ خَمْسَةٌ; مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو وَالْمُغِيرَةُ وَاثْنَانِ مَعَ عَلِيٍّ، وَهُمَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَجُلًا نَكَّاحًا لِلنِّسَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ: صَاحِبُ الْوَاحِدَةِ إِنْ حَاضَتْ حَاضَ مَعَهَا، وَإِنْ مَرِضَتْ مَرِضَ مَعَهَا،
стр. 4494
وَصَاحِبُ الثِّنْتَيْنِ بَيْنَ نَارَيْنِ تَشْتَعِلَانِ. قَالَ: فَكَانَ يَنْكِحُ أَرْبَعًا جَمِيعًا وَيُطَلِّقُهُنَّ جَمِيعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَزَوَّجَ ثَمَانِينَ امْرَأَةً. وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ. وَقِيلَ: أَحْصَنَ أَلْفَ امْرَأَةٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَشْهَرُهَا وَأَصَحُّهَا، وَهُوَ الَّذِي حَكَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ الْإِجْمَاعَ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ.
وَمِنْهُمْ ﵃ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَبُو مَعْبَدٍ الْكِنْدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي فَتَعَرَّضْنَا لِلنَّاسِ فَلَمْ يُضِفْنَا أَحَدٌ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا لَهُ، فَذَهَبَ بِنَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَعِنْدَهُ أَرْبَعُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ: احْلُبْهُنَّ يَا مِقْدَادُ، وَجَزِّئْهِنَّ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَعْطِ كُلَّ إِنْسَانٍ جُزْءًا فَكُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَرَفَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُزْأَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَاحْتَبَسَ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَوْ قُمْتَ فَشَرِبْتَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ. فَلَمْ تَزَلْ بِي حَتَّى قُمْتُ فَشَرِبْتُ جُزْأَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي بَطْنِي وَتَقَارَّ أَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَقُلْتُ: يَجِيءُ الْآنَ النَّبِيُّ ﷺ جَائِعًا ظَمْآنَ، فَلَا يَرَى فِي الْقَدَحِ شَيْئًا، فَسَجَيَّتُ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِي، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَلَّمَ تَسْلِيمًا يُسْمِعُ الْيَقْظَانَ وَلَا
стр. 4495
يُوقِظُ النَّائِمَ، فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ مَنْ سَقَانِي، وَأَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي فَاغْتَنَمْتُ دَعْوَتَهُ، وَقُمْتُ فَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ، فَدَنَوْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ فَجَعَلْتُ أَجِسُّهُنَّ أَيَّتُهُنَّ أَسْمَنُ لِأَذْبَحَهَا، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى ضَرْعِ إِحْدَاهُنَّ، فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْأُخْرَى فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُنَّ كُلُّهُنَّ حَفْلٌ، فَحَلَبْتُ فِي الْإِنَاءِ فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ: اشْرَبْ. فَقَالَ: مَا الْخَبَرُ يَا مِقْدَادُ؟ فَقُلْتُ: اشْرَبْ ثُمَّ الْخَبَرُ. فَقَالَ: بَعْضُ سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبْ». فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ أَخَذْتُهُ فَشَرِبْتُهُ، ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هِيهِ». فَقُلْتُ: كَانَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذِهِ بَرَكَةٌ مُنَزَّلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَفَلَا أَخْبَرْتَنِي حَتَّى أَسْقِيَ صَاحِبَيْكَ فَقُلْتُ: إِذَا شَرِبْتُ الْبَرَكَةَ أَنَا وَأَنْتَ فَلَا أُبَالِي مَنْ أَخْطَأَتْ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ. فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ حَلَبَ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي كَانُوا لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْلِبُوا فِيهِ، فَحَلَبَ حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، وَلَمَّا جَاءَ بِهِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ يَا مِقْدَادُ؟ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَأَخَذْتُ مَا بَقِيَ ثُمَّ شَرِبْتُ، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَوَى فَأَصَابَتْنِي دَعْوَتُهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ
стр. 4496
مِنْ أَمْرِي كَذَا، صَنَعْتُ كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا كَانَتْ هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةَ اللَّهِ، أَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي تُوقِظُ صَاحِبَيْكَ هَذَيْنِ فَيُصِيبَانِ مِنْهَا قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ.
وَمِنْهُمْ ﵃ مُهَاجِرٌ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ بُكَيْرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ مُهَاجِرًا مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَقُولُ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِنِينَ، فَلَمْ يَقُلْ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ خَمْسَ سِنِينَ.
وَمِنْهُمْ ﵃ أَبُو السَّمْحِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ: ثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ،. قَالَ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: نَاوِلْنِي إِدَاوَتِي قَالَ: فَأُنَاوِلُهُ وَأَسْتُرُهُ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْتُ لِأَغْسِلَهُ فَقَالَ: يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى.
стр. 4497
وَمِنْهُمْ، ﵃، أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ﵁. تَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهِ فِي سَفْرَةِ الْهِجْرَةِ، لَا سِيَّمَا فِي الْغَارِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهُ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
стр. 4498
فَصْلٌ أَمَّا كُتَّابُ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ
فَمِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ﵃، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْأُمَوِيُّ. أَسْلَمَ بَعْدَ أَخَوَيْهِ خَالِدٍ وَعَمْرٍو، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَجَارَ عُثْمَانَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقِيلَ: أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ زَمَنَ خَيْبَرَ; لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِسْمَةِ غَنَائِمِ خَيْبَرَ وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَاهِبٍ وَهُوَ فِي تِجَارَةٍ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: فَأَنَا أَنْعَتُهُ لَكَ. فَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ سَوَاءً، وَقَالَ: إِذَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ. فَأَسْلَمَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ، وَهُوَ أَخُو
стр. 4499
عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ كَتَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَتَبَ لَهُ عُثْمَانُ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ. هَكَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ، وَإِلَّا فَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ لَمْ يَكُنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حَالَ نُزُولِهَا، وَقَدْ كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ بِمَكَّةَ ﵃. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ أَبَانِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا، فَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّسَبِ: قُتِلَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ. يَعْنِي فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: قُتِلَ يَوْمَ مَرَجِ الصُّفَّرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قُتِلَ هُوَ وَأَخُوهُ عَمْرٌو يَوْمَ الْيَرْمُوكِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ
стр. 4500
مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى أَيَّامِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُ عُثْمَانُ ﵁، أَنْ يُمِلَّ الْمُصْحَفَ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو الْمُنْذِرِ، وَيُقَالُ: أَبُو الطُّفَيْلِ. سَيِّدُ الْقُرَّاءِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. وَكَانَ رَبْعَةً نَحِيفًا، أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. قَالَ أَنَسٌ: جَمَعَ الْقُرْآنَ أَرْبَعَةٌ - يَعْنِي مِنَ الْأَنْصَارِ - أُبَيُّ بْنُ كَعْبٌ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو زَيْدٍ. أَخْرَجَاهُ
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُبَيٍّ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَمَعْنَى «أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ» ; قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَإِسْمَاعٍ لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ مِنْهُ، هَذَا لَا يَفْهَمُهُ أُحُدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُعْتَقَدَ خِلَافُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَبَبَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ
стр. 4501
كَعْبٍ كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى رَجُلٍ قِرَاءَةَ سُورَةٍ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَقْرَأُ أُبَيٌّ، فَرَفَعَهُ أُبَيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اقْرَأْ يَا أُبَيُّ». فَقَرَأَ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: «اقْرَأْ». فَقَرَأَ فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». قَالَ أُبَيٌّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. فَبَعْدَ ذَلِكَ تَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، هَذِهِ السُّورَةَ كَالتَّثْبِيتِ لَهُ وَالْبَيَانِ لَهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَإِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ; رَحْمَةً وَلُطْفًا بِالْعَبَّادِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي بِالْمَدَينَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ، فَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِجُمْعَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، أَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ أَسَدِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ. أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهُوَ الَّذِي
стр. 4502
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا فِي دَارِهِ عِنْدَ الصَّفَا، وَتُعْرَفُ تِلْكَ الدَّارُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخَيْزُرَانِ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ أَقْطَاعَ عُظَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَخٍّ وَغَيْرِهِ; وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ عَتِيقِ بْنِ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ - وَقِيلَ: خَمْسٍ - وَخَمْسِينَ. وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَهُ حَدِيثَيْنِ; الْأَوَّلَ: قَالَ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَالْجَارِّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَالثَّانِيَ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 4503
عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ، عَنْ جَدِّهِ الْأَرْقَمِ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاهُنَا. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى حَيِّزِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: مَا يُخْرِجُكَ إِلَيْهِ؟ أَتِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَرَدْتُ الصَّلَاةَ فِيهِ. قَالَ: الصَّلَاةُ هَاهُنَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَكَّةَ - خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ تَفَرَّدَ بِهِمَا أَحْمَدُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ. الْمَدَنِيُّ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ: خَطِيبُ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَايِنِيُّ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ شُيُوخِهِ فِي وُفُودِ الْعَرَبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلَسٍ الثُّمَالِيُّ، وَمُسْلِيَةُ بْنَ هِرَّانَ الْحُدَّانِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِمَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا عَلَى قَوْمِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ; كَتَبَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَشَهِدَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ﵃. وَهَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 4504
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجِرَاحِ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ.
وَقَدْ قُتِلَ ﵁، شَهِيدًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، وَلَهُ قِصَّةٌ سَنُورِدُهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى ذَلِكَ، بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَعَوْنِهِ وَمَعُونَتِهِ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُخَاشِنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ شُرَيْفِ بْنِ جِرْوَةَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ التَّمِيمِيُّ الْأُسَيْدِيُّ الْكَاتِبُ. وَأَخُوهُ رَبَاحٌ صَحَابِيٌّ أَيْضًا، وَعَمُّهُ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ كَانَ حَكِيمَ الْعَرَبِ.
قَالَ: الْوَاقِدِيُّ: كَتَبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كِتَابًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الطَّائِفِ فِي الصُّلْحِ. وَشَهِدَ مَعَ خَالِدٍ حُرُوبَهُ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ أَدْرَكَ أَيَّامَ عَلَيٍّ، وَتَخَلَّفَ، عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ فِي الْجَمَلِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنِ الْكُوفَةِ لَمَّا شُتِمَ بِهَا عُثْمَانُ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامِ عَلَيٍّ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْغَابَةِ» أَنَّ امْرَأَتَهُ لَمَّا مَاتَ جَزِعَتْ عَلَيْهِ فَلَامَهَا جَارَاتُهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ:
تَعَجَّبَتْ دَعْدٌ لِمَحْزُونَةٍ … تَبْكِي عَلَى ذِي شَيْبةٍ شَاحِبِ
стр. 4505
إِنْ تَسْأَلِينِي الْيَوْمَ مَا شَفَّنِي
أُخْبِرْكِ قَوْلًا لَيْسَ بِالْكَاذِبِ … إِنَّ سَوَادَ الْعَيْنِ أَوْدَى بِهِ
حُزْنٌ عَلَى حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَرْقِيِّ: كَانَ مُعْتَزِلًا لِلْفِتْنَةِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ عَلِيٍّ، جَاءَ عَنْهُ حَدِيثَانِ. قُلْتُ: بَلْ ثَلَاثَةٌ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، وَعَفَّانُ، قَالَا: ثَنَا هَمَّامُ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ; رُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَوُضُوئِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ وَعَلِمَ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ: وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ قَتَادَةَ وَحَنْظَلَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ: لَوْ تَدُومُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ سَاعَةً، وَسَاعَةًوَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ دَاوُدَ الْقَطَّانِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ حَنْظَلَةَ. وَالثَّالِثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي
стр. 4506
الزِّنَادِ، عَنِ الْمُرَقِّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ جَدِّهِ، فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ. لَكِنْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٌ قَالَ: أُخْبِرْتُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُرَقِّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ. فَذَكَرَهُ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُرَقِّعٍ، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كَذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُرَقِّعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ، فَذَكَرَهُ. فَالْحَدِيثُ عَنْ رَبَاحٍ لَا عَنْ حَنْظَلَةَ، وَلِذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُخْطِئُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَصَحَّ قَوْلُ ابْنِ الْبَرْقِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ سِوَى حَدِيثَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا. يُقَالُ بَعْدَ الصِّدِّيقِ بِثَلَاثَةٍ أَوْ
стр. 4507
أَرْبَعَةٍ. وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ خَمْسَةٌ. وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ. فَذَكَرَ مِنْ سِعَتِهَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. قَالَ: وَكَأَنَّ أَبَاهُ يَدْفَعُهُ فِيهَا، وَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخِذٌ بِيَدِهِ لِيَمْنَعَهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا. فَقَصَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أُرِيدَ بِكَ خَيْرٌ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبِعْهُ تَنْجُ مِمَّا خِفْتَهُ. فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَاهُ إِسْلَامُهُ غَضِبَ عَلَيْهِ، وَضَرَبَهُ بِعَصًا فِي يَدِهِ حَتَّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَمَنَعَهُ الْقُوتَ، وَنَهَى بَقِيَّةَ إِخْوَتِهِ أَنْ يُكَلِّمُوهُ، فَلَزِمَ خَالِدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا وَنَهَارًا، ثُمَّ أَسْلَمَ أَخُوهُ عَمْرٌو، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّاسُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ هَاجَرَا مَعَهُمْ، ثُمَّ كَانَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْعَقْدَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ هَاجَرَا مِنْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ صُحْبَةَ جَعْفَرٍ، فَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ وَقَدِ افْتَتَحَهَا، فَأَسْهَمَ لَهُمَا عَنْ مَشُورَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ أَخُوهُمَا أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، فَشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَلِّيهِمُ الْأَعْمَالَ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ خَرَجُوا إِلَى الشَّامِ لِلْغَزْوِ، فَقُتِلَ خَالِدٌ بِأَجْنَادِينَ، وَيُقَالُ: بِمَرْجِ الصُّفَّرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَعْنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ رَاشِدَ بْنَ عَبْدِ رَبٍّ السُّلَمِيَّ أَعْطَاهُ غَلْوَتَيْنِ بِسَهْمٍ وَغَلْوَةً بِحَجَرٍ بِرُهَاطٍ، فَمَنْ حَاقَّهُ فَلَا
стр. 4508
حَقَّ لَهُ، وَحَقُّهُ حَقٌّ وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: أَقَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ كِتَابَ أَهْلِ الطَّائِفِ لِوَفْدِ ثَقِيفٍ، وَسَعَى فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْهُمْ، ﵃، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ. وَهُوَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ الْمَنْصُورَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْعَسَاكِرِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالْمَوَاقِفِ الْمَشْهُودَةِ، وَالْأَيَّامِ الْمَحْمُودَةِ، ذُو الرَّأْيِ السَّدِيدِ، وَالْبَأْسِ الشَّدِيدِ، وَالطَّرِيقِ الْحَمِيدِ، أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ﵁. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جَيْشٍ فَكُسِرَ، لَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ كَانَتْ إِلَيْهِ فِي قُرَيْشٍ الْقُبَّةُ وَأَعِنَّةُ الْخَيْلِ. أَسْلَمَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقِيلَ: خَيْبَرَ. وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُهُ فِيمَا يَبْعَثُهُ أَمِيرًا، ثُمَّ كَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسَاكِرِ كُلِّهَا فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، ﵁، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ﵁، عَزَلَهُ وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ أَمِينَ الْأُمَّةِ، عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ رَأْيِ أَبِي سُلَيْمَانَ، ثُمَّ مَاتَ خَالِدٌ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
стр. 4509
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، بِقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْ حِمْصَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَأَلْتُ عَنْهَا، فَقِيلَ لِي: دَثَرَتْ. وَقَالَ دُحَيْمٌ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا.
قَالَ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ هَذِهِ قَطَايِعُ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ عِضَاهَ وَجٍّ لَا يُعْضَدُ، وَصَيْدَهُ لَا يُقْتَلُ، فَمَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ، وَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَا يَتَعَدَّاهُ أَحَدٌ فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَمِنْهُمْ، ﵃، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ابْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَصَّيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ. أَحَدُ الْعَشْرَةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَحَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَابْنُ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ، وَزَوْجِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
стр. 4510
رَوَى عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، ﵁، هُوَ الَّذِي كَتَبَ لِبَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ جَرْوَلٍ الْكِتَابَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَهُ لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَتِيقٍ بِهِ.
أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ، ﵁، قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيُقَالُ: ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ جَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَبَوَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حِوَارِيًّا، وَحِوَارِيَّ الزُّبَيْرُ وَقَدْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَكَانَ أَفْضَلَ مَنْ شَهِدَهَا، وَاخْتَرَقَ يَوْمَئِذٍ صُفُوفَ الرُّومِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ مَرَّتَيْنِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ سَالِمًا، لَكِنْ جُرِحَ فِي قَفَاهِ بِضَرْبَتَيْنِ، ﵁، وَلَهُ فَضَائِلُ وَمَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجَمَلِ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَرَّ رَاجِعًا عَنِ الْقِتَالِ، فَلَحِقَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَفَضَالَةُ بْنُ حَابِسٍ، وَرَجُلٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ: نُفَيْعٌ. التَّمِيمِيُّونَ، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي السِّبَاعِ. فَبَدَرَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ، وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمئَذٍ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَدْ خَلَّفَ ﵁، بَعْدَهُ تَرِكَةً عَظِيمَةً، فَأَوْصَى مِنْ ذَلِكَ بِالثُّلْثِ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ دَيْنًا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قُضِيَ دَيْنُهُ وَأُخْرِجَ ثُلُثُ مَالِهِ قُسِمَ الْبَاقِي عَلَى وَرَثَتِهِ، فَنَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ
стр. 4511
نِسَائِهِ - وَكُنَّ أَرْبَعًا - أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا تَرَكَهُ، ﵁، تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانُ مِائَةِ أَلْفٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ وُجُوهِ حِلٍّ نَالَهَا فِي حَيَاتِهِ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ مِنَ الْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ، وَوُجُوهِ مَتَاجِرِ الْحَلَالِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَالصِّلَاتِ الْبَارِعَةِ الْكَثِيرَةِ لِأَرْبَابِهَا فِي أَوْقَاتِ حَاجَاتِهَا، ﵁ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَثْوَاهُ، وَقَدْ فَعَلَ; فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ لَهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْجَنَّةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْغَابَةِ» أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ فِيهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُهُ وَيُفَضِّلُهُ بِذَلِكَ:
أَقَامَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَهَدْيِهِ … حَوَارِيُّهُ وَالْقَوْلُ بِالْفِعْلِ يُعْدَلُ
أَقَامَ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقِهِ … يُوَالِي وَلِيَّ الْحَقِّ وَالْحَقُّ أَعْدَلُ
هُوَ الْفَارِسُ الْمَشْهُورُ وَالْبَطَلُ الَّذِي … يَصُولُ إِذَا مَا كَانَ يَوْمٌ مُحَجَّلُ
وَإِنَّ امْرَأً كَانَتْ صَفِيَّةُ أُمُّهُ … وَمِنْ أَسَدٍ فِي بَيْتِهِ لَمُرَفَّلُ
لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قُرْبَى قَرِيبَةٌ … وَمِنْ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ مَجْدٌ مُؤَثَّلُ
فَكَمْ كُرْبَةٍ ذَبَّ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ … عَنِ الْمُصْطَفَى وَاللَّهُ يُعْطِي وَيُجْزِلُ
стр. 4512
إِذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ حَشَّهَا … بِأَبْيَضَ سَبَّاقٍ إِلَى الْمَوْتِ يُرْقِلُ
فَمَا مِثْلُهُ فِيهِمْ وَلَا كَانَ قَبْلَهُ … وَلَيْسَ يَكُونُ الدَّهْرَ مَا دَامَ يَذْبُلُ
وَقَدْ تَقَدَّمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ التَّمِيمِيُّ بِوَادِي السِّبَاعِ وَهُوَ نَائِمٌ، وَيُقَالُ: بَلْ قَامَ مِنْ آثَارِ النَّوْمِ وَهُوَ دَهِشٌ، فَرَكِبَ وَبَارَزَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ، فَلَمَّا صَمَّمَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ أَنْجَدَهُ صَاحِبَاهُ فَضَالَةُ وَنُفَيْعٌ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ رَأْسَهُ وَسَيْفَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهِمَا عَلَى عَلِيٍّ قَالَ عَلِيٌّ ﵁، لَمَّا رَأَى سَيْفَ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا السَّيْفَ طَالَمَا فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا قَالَ: بَشِّرْ قَاتَلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ. فَيُقَالُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَتَلَ نَفْسَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ عَلِيٍّ حَتَّى كَانَتْ أَيَّامُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَاسْتَنَابَ أَخَاهُ مُصْعَبًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَاخْتَفَى عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ خَوْفًا مِنْ سَطْوَتِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَبْلِغُوهُ أَنَّهُ آمِنٌ، أَيَحْسَبُ أَنِّي أَقْتُلُهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَيْسَا سَوَاءٌ. وَهَذَا مِنْ حِلْمِ مُصَعَبٍ وَعِلْمِهِ وَرِيَاسَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلَمَّا قُتِلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بِوَادِي السِّبَاعِ، كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَتِ امْرَأَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ تَرْثِيهِ، ﵂ وَعَنْهُ:
стр. 4513
غَدَرَ ابْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسِ بُهْمَةٍ … يَوْمَ اللِّقَاءِ وَكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ
يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهْ … لَا طَائِشًا رَعِشَ الْجَنَانِ وَلَا الْيَدِ
كَمْ غَمْرَةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يَثْنِهِ … عَنْهَا طِرَادُكَ يَا ابْنَ فَقْعِ الْقَرْدَدِ
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنْ ظَفِرْتَ بِمِثْلِهِ … فِيمَنْ مَضَى مِمَّنْ يَرَوْحُ وَيَغْتَدِي
وَاللَّهِ رَبِّكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ الْمُتَعَمِّدِ
وَمِنْهُمْ، ﵃، زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، أَبُو سَعِيدٍ. وَيُقَالُ أَبُو خَارِجَةَ. وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. الْمَدَنِيُّ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً; فَلِهَذَا لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِصِغَرِهِ، قِيلَ: وَلَا أُحُدًا. وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَكَانَ حَافِظًا لَبِيبًا عَالِمًا عَاقِلًا، ثَبَتَ عَنْهُ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، فَتَعَلَّمَهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي
стр. 4514
الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَ زَيْدٌ: ذَهَبَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُعْجِبَ بِي، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ; فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي. قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ سُرَيْجِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَقَالَ: وَقَالَ: خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا ذَكَاءٌ مُفْرِطٌ جِدًّا، وَقَدْ كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْقُرَّاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَنَسٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ،
стр. 4515
وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَمِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ يَجْعَلُهُ مُرْسَلًا إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ كَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، وَمِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النِّسَاءِ: ٩٥] الْآيَةُ. دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اكْتُبْ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَ يَشْكُوَ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَثَقُلَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا، فَنَزَلَ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَأَمَرَنِي فَأَلْحَقْتُهَا، فَقَالَ زَيْدٌ: فَإِنِّي لَأَعْرِفُ مَوْضِعَ مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ. يَعْنِي مِنْ عِظَامٍ. الْحَدِيثَ.
وَقَدْ شَهِدَ زَيْدٌ الْيَمَامَةَ وَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَلَمْ يَضُرُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ الصِّدِّيقُ بَعْدَ هَذَا بِأَنْ يَتَتَبَّعَ الْقُرْآنَ فَيَجْمَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الصِّدِّيقُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عُمْرُ مَرَّتَيْنِ
стр. 4516
فِي حَجَّتَيْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَنَابَهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَكَذَلِكَ كَانَ عُثْمَانُ يَسْتَنِيبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَيْضًا، وَكَانَ عَلِيٌّ يُحِبُّهُ، وَكَانَ يُعَظِّمُ عَلِيًّا وَيَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ حُرُوبِهِ، وَتَأَخَّرَ بَعْدَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى - وَقِيلَ: خَمْسٍ - وَخَمْسِينَ. وَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ الْأَئِمَّةَ الَّتِي نَفَذَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى سَائِرِ الْآفَاقِ، اللَّائِي وَقَعَ عَلَى التِّلَاوَةِ طِبْقَ رَسْمِهِنَّ الْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ الَّذِي كَتَبْنَاهُ مُقَدِّمَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا «التَّفْسِيرِ». وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، السِّجِلُّ. كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - إِنْ صَحَّ - وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، قَالَ: السِّجِلُّ كَاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ) [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٤] قَالَ: السِّجِلُّ: الرَّجُلُ. هَذَا لَفَظُهُ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ. عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ
стр. 4517
نُوحِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَأَمَّا شَيْخُهُ يَزِيدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَوْذِيُّ الْبَصْرِيُّ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى نُوحِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَعَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي «الثِّقَاتِ». وَقَدْ عَرَضْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ فَأَنْكَرَهُ جِدًّا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنَ تَيْمِيَةَ كَانَ يَقُولُ: هُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ». فَقَالَ شَيْخُنَا الْمِزِّيُّ: وَأَنَا أَقُولُهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي «كَامِلِهِ» مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُلَقَّبِ بِبُومَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ: السِّجِلُّ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ» قَالَ: كَمَا يَطْوِي السِّجِلُّ الْكِتَابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّمَاءَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّفَّاءِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ بِهِ. وَيَحْيَى هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا فَلَا يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4518
وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيِّ الْمَعْرُوفِ بِحَمْدَانَ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ: سَجِلٌّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ». قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ حَمْدَانُ. وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ: قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ نُمَيْرٍ، إِنْ صَحَّ.
قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا هُوَ مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْوَالِبِيُّ وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى الْكِتَابِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ السِّجِلَّ هُوَ الصَّحِيفَةُ. قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ. وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ يَمَانٍ، ثَنَا أَبُو الْوَفَاءِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ». قَالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإِذَا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفَارِ قَالَ اللَّهُ:
стр. 4519
اكْتُبْهَا نُورًا، وَحَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، عَنْ مُؤَمَّلٍ، عَنْ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ السُّدِّيَّ يَقُولُ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: السِّجِلُّ الْمَلَكُ. وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ كَوْنِ السِّجِلِّ اسْمَ صَحَابِيٍّ أَوْ مَلَكٍ قَوِيٍّ جِدًّا، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَمَنْ ذَكَرَهُ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ كَابْنٍ مَنْدَهْ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ فِي «الْغَابَةِ»، إِنَّمَا ذَكَرَهُ إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ تَعْلِيقًا عَلَى صِحَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، سَعْدُ بْنُ أَبِي سَرْحٍ. فِيمَا قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَقَدْ وَهِمَ إِنَّمَا هُوَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِنْهُمْ، ﵃، عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الْزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ - أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ يَقُولُ، فَذَكَرَ خَبَرَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ
стр. 4520
لَهُ: إِنْ قَوْمَكَ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ. وَأَخْبَرَتْهُمْ مِنْ أَخْبَارِ سَفَرِهِمْ وَمَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَءُونِي مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ يَسْأَلُونِي إِلَّا أَنْ أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ مُوَادَعَةٍ آمَنُ بِهِ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي الْهِجْرَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي كَتَبَ لِسُرَاقَةَ هَذَا الْكِتَابَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ - وَيُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو - مِنْ مُوَلَّدِي الْأَزْدِ، أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَكَانَ أَوَّلًا مَوْلًى لِلطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ، فَأَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ - الَّتِي عِنْدَ الصَّفَا - مُسْتَخْفِيًا، فَكَانَ عَامِرٌ يُعَذَّبُ مَعَ جُمْلَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ فَيَأْبَى، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَأَعْتَقَهُ، فَكَانَ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِظَاهِرِ مَكَّةَ وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَانَ مَعَهُمَا رَدِيفًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُمُ الدَّلِيلُ الدُّئَلِيُّ فَقَطْ، كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا، وَلَمَّا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ عُرْوَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ عَامِرًا قَتَلَهُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَبَّارُ بْنُ سُلْمَى مِنْ بَنِي كِلَابٍ. فَلَمَّا
следующие страницы →