← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

فَقَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ فِي قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ: إِحْدَى ثَدْيَيْهِ - مِثْلَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلَ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ النَّاسِ «. فَنَزَلَتْ فِيهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٥٨]. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا حِينَ قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ،. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبٍ،

стр. 6162

وَمُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ حَرْمَلَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ; كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَالضَّحَّاكِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَالضَّحَّاكِ الْمَشْرِقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، فِي قَتْلِهِ، وَفِيهِ:» يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِاللَّهِ «. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَنِّي شَهِدْتُ عَلِيًّا حِينَ قَتَلَهُمْ فَالْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى فَوُجِدَ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ

стр. 6163

عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا بِهِ مَالِكٌ; يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَذْكُرُ فِي الْحَرُورِيَّةِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ، وَصَوْمَهُ عِنْدَ صَوْمِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَخَذَ سَهْمَهُ فَنَظَرَ فِي نَصْلِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ نَظَرَ فِي رِصَافِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْقُذَذِ فَتَمَارَى، هَلْ يَرَى شَيْئًا أَمْ لَا. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،

стр. 6164

عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِهِ. الطَّرِيقُ الثَّامِنُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ. قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ، ﷺ ، لَهُمْ مَثَلًا - أَوْ قَالَ قَوْلًا -» الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ - أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ - فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً «. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ طَرْخَانَ - التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِنَحْوِهِ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الْخِبَاءُ؟ قَالُوا: لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. قَالَ: أَفَلَا تَنْطَلِقُونَ مَعِي فَيُحَدِّثَنَا وَنَسْمَعَ مِنْهُ؟ فَانْطَلَقَ

стр. 6165

مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ أَدْنَيْتَ خِبَاءَكَ إِلَيْنَا وَكُنْتَ مِنَّا قَرِيبًا فَحَدَّثْتَنَا وَسَمِعْنَا مِنْكَ؟ فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. قَالَ سَلْمَانُ: قَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ مَعْرُوفٌ; بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخِفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتُقَاتِلُ الْعَدُوَّ، وَتَخْدِمُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَإِنْ أَخْطَأَتْكَ وَاحِدَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . قَالُوا: فَوُجِدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَتِيلًا فِي أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا حِزَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَامِرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَيْبَانَيِّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ فِي الْحَرُورِيَّةِ. قَالَ: أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ، ﷺ ، لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ شَيْئًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَذْكُرُ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ - يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. قَالَ: قُلْتُ: هَلْ ذَكَرَ لَهُمْ عَلَامَةً؟ قَالَ: هَذَا مَا سَمِعْتُ لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي» الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ حَدِيثِ

стр. 6166

عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَالْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَيْبَانِيِّ بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَيْبَانِيِّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ» قَوْمٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ «. وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، ثَنَا سُلَيْمَانُ الشَيْبَانِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ:» يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ «. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَيْبَانِيُّ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، قَالَ: يَتِيهُ قَوْمٌ قَبِلَ الْمَشْرِقِ مُحَلَّقَةٌ رُءُوسُهُمْ. الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ الْبَزَّارُ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 6167

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا أَبُو جَنَابٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الْأَعْمَالَ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. قَالَ يَزِيدُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ:» يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ عَمَلَهُ مَعَ عَمَلِهِمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ، كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرَنٌ قَطَعَهُ اللَّهُ «. فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنَا أَسْمَعُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ:» الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا; مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ «وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوُ الْمَشْرِقِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا

стр. 6168

عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَتْنَا بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَدِمْتُ الشَّامَ فَأُخْبِرْتُ بِمَقَامٍ يَقُومُهُ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ، فَجِئْتُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَانْتَبَذَ عَنِ النَّاسِ عَلَيْهِ خَمِيصَةٌ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا رَآهُ نَوْفٌ أَمْسَكَ عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ:» إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ الرَّحْمَنِ، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ «. قَالَ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ:» سَيَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، - حَتَّى عَدَّهَا زِيَادَةً عَلَى عَشْرِ مَرَّاتٍ - كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ فِي بَقِيَّتِهِمْ «. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَوَّلَهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مَنْ» سُنَنِهِ «، عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵄. الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ

стр. 6169

بْنُ فَرُّوخَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيِ ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي - أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي - قَوْمٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» قَالَ ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا كَذَا؟ فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ .. لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ. الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا السَّرِيُّ، بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمَتْ عَائِشَةُ أَنَّ جَيْشَ الْمَرْوَةِ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، ﷺ . قَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ: جَيْشُ الْمَرْوَةِ قَتَلَةُ عُثْمَانَ،

стр. 6170

﵁. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: بَلَغَنَا قَتْلُ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ فَقَالَتْ: قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ شَيْطَانَ الرَّدْهَةِ. تَعْنِي الْمُخْدَجَ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ صُبَيْحٍ، ثَنَا سَهْلُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، الْخَوَارِجَ فَقَالَ: شِرَارُ أُمَّتِي يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي. قَالَ: وَحَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، ثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ النَّهْرَوَانِ .. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَى عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ إِلَّا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ. قُلْتُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَلَكِنَّ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ يَشْهَدُ لَهُ كَمَا أَنَّ هَذَا يَشْهَدُ لِذَاكَ فَهُمَا

стр. 6171

مُتَعَاضِدَانِ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ اسْتَغْرَبَتْ حَدِيثَ الْخَوَارِجِ وَلَا سِيَّمَا خَبَرَ ذِي الثُّدَيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الطُّرُقَ كُلَّهَا; لِيَعْلَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا أَنْ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ سَأَلَتْ عَائِشَةُ، ﵂، بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خَبَرِ ذِي الثُّدَيَّةِ فَتَيَقَّنَتْهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ»: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَامِرٍ الْكِنْدِيُّ بِالْكُوفَةِ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْكَاتِبُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: هَذَا كِتَابُ جَدِّي مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ فَقَرَأْتُ فِيهِ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ ذِي الثُّدِيَّةِ الَّذِي

стр. 6172

أَصَابَهُ عَلِيٌّ فِي الْحَرُورِيَّةِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: فَاكْتُبْ لِي بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَهُمْ. فَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ - وَبِهَا يَوْمَئِذٍ أَسْبَاعٌ - فَكَتَبْتُ شَهَادَةَ عَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ سَبْعٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بِشَهَادَتِهِمْ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا، قَالَتْ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَايَنُوهُ؟ قُلْتُ: لَقَدْ سَأَلْتُهُمْ فَأَخْبَرُونِي بِأَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ عَايَنَهُ. فَقَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا; فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِنِيلِ مِصْرَ. ثُمَّ أَرْخَتْ عَيْنَيْهَا فَبَكَتْ فَلَمَّا سَكَنَتْ عَبْرَتُهَا قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا! لَقَدْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا. حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ رَجُلَيْنِ مُبْهَمَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ: قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي «كِتَابِ الْخَوَارِجِ»، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ حَتَّى قَدِمَا الْعِرَاقَ فَقِيلَ لَهُمَا: مَا أَقْدَمَكُمَا الْعِرَاقَ؟ قَالَا: رَجَوْنَا أَنْ نُدْرِكَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهِمْ; يَعْنِيَانِ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَدْحِ عَلِيٍّ، ﵁ عَلَى قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا فِطْرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ

стр. 6173

رَجَاءِ بْنِ رَبِيعَةَ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: «كُنَّا جُلُوسًا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بُيُوتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا مَعَهُ، فَانْقَطَعَتْ نَعْلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ يَخْصِفُهَا، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَمَضَيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ يَنْتَظِرُهُ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ:» إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ «. فَاسْتَشْرَفْنَا لَهَا وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَقَالَ:» لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ «. قَالَ: فَجِئْنَا نُبَشِّرُهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ وَأَبِي أُسَامَةَ، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ بِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى مِنْبَرِكُمْ هَذَا يَقُولُ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ، ﷺ ، أَنْ أُقَاتِلَ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّادٍ الْبَصْرِيِّ، نَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَهْلٍ الْفَزَارِيِّ بِهِ. فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَمُنْكَرٌ. عَلَى أَنَّهُ

стр. 6174

قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَا تَخْلُو وَاحِدَةٌ مِنْهَا عَنْ ضَعْفٍ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاكِثِينَ، يَعْنِي أَهْلَ الْجَمَلِ. وَبِالْقَاسِطِينَ أَهْلُ الشَّامِ; وَالْقَاسِطُ هُوَ الْجَائِرُ الظَّالِمُ. وَبِالْمَارِقِينَ الْخَوَارِجُ; لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ. وَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَهُمْ أَصْحَابُ الْجَمَلِ الَّذِينَ عَقَدُوا الْبَيْعَةَ لَهُ ثُمَّ نَكَثُوا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي» كَامِلِهِ "، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُمَرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ: ثَنَا أَشْعَثُ بْنُ الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْأَرْقَمِ، عَنْ أَبَانَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ.

стр. 6175

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرَجٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيِّ، أَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا أَبُو غَسَّانَ، عَنْ جَعْفَرٍ - أَحْسَبُهُ الْأَحْمَرَ - عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُمِرْتُ بِقِتَالِ ثَلَاثَةٍ; الْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالنَّاكِثِينَ. وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَمِيمٍ الْحَنْظَلِيُّ، بِقَنْطَرَةِ بَرَدَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي عَمِّي - عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ - عَنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي جَدِّي سَعْدُ بْنُ جُنَادَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، قَالَ أُمِرْتُ بِقِتَالِ ثَلَاثَةٍ; الْقَاسِطِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْمَارِقِينَ; فَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَذَكَرَهُمْ، وَأَمَّا الْمَارِقُونَ فَأَهْلُ النَّهْرَوَانِ. يَعْنِي الْحَرُورِيَّةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَا أَبُو الْقِسْمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَنَا أَبُو سَعْدٍ الْأَدِيبُ، أَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ

стр. 6176

الصُّوفِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، ثَنَا كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ. حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْحَاكِمُ: حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحَرَّارُ الْمُقْرِئُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُقْرِئُ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فَأَتَى مَنْزِلَ أُمِّ سَلَمَةَ فَجَاءَ عَلِيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ، هَذَا وَاللَّهِ قَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ مِنْ بَعْدِي. حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْحَاكِمُ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَيْبَانَيُّ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحِبَرِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ

стр. 6177

وَالْمَارِقِينَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَرْتَنَا بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ فَمَعَ مَنْ؟ فَقَالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مَعَهُ يُقْتَلُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْحَاكِمُ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا أَيُّوبَ فَقُلْنَا: قَاتَلْتَ بِسَيْفِكَ الْمُشْرِكِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، ثُمَّ جِئْتَ تُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ

стр. 6178

وَالْمَارِقِينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَطِيرِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤَدِّبِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِبَغْدَادَ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مَهْرَانَ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَا: أَتَيْنَا أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ صِفِّينَ فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَكَ بِنُزُولِ مُحَمَّدٍ، ﷺ ، وَبِمَجِيءِ نَاقَتِهِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ وَإِكْرَامًا لَكَ حِينَ أَنَاخَتْ بِبَابِكَ دُونَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِسَيْفِكَ عَلَى عَاتِقِكَ تَضْرِبُ بِهِ أَهْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، أَمَرَنَا بِقِتَالِ ثَلَاثَةٍ مَعَ عَلِيٍّ; بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ; فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْنَاهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْجَمَلِ; طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَهَذَا مُنْصَرَفُنَا مِنْ عِنْدِهِمْ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا - وَأَمَّا الْمَارِقُونَ فَهُمْ أَهْلُ الطَّرْفَاوَاتِ، وَأَهْلُ السُّعَيْفَاتِ، وَأَهْلُ النُّخَيْلَاتِ، وَأَهْلُ النَّهْرَوَانَاتِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُمْ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قِتَالِهِمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ

стр. 6179

لِعَمَّارٍ: يَا عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنْتَ إِذْ ذَاكَ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَكَ، يَا عَمَّارُ بْنَ يَاسِرٍ، إِنْ رَأَيْتَ عَلِيًّا قَدْ سَلَكَ وَادِيًا وَسَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا غَيْرَهُ فَاسْلُكْ مَعَ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْلِيَكَ فِي رَدًى، وَلَنْ يُخْرِجَكَ مَنْ هُدًى، يَا عَمَّارُ، مَنْ تَقَلَّدَ سَيْفًا أَعَانَ بِهِ عَلِيًّا عَلَى عَدُوِّهِ، قَلَّدَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِشَاحَيْنِ مِنْ دُرٍّ، وَمَنْ تَقَلَّدَ سَيْفًا أَعَانَ بِهِ عَدُوَّ عَلِيٍّ عَلَيْهِ، قَلَّدَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِشَاحَيْنِ مِنْ نَارٍ. فَقُلْنَا: يَا هَذَا، حَسْبُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ، حَسْبُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ. هَذَا السِّيَاقُ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَآفَتُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُعَلَّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ; فَإِنَّهُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ بَعْضُهُ، فَفِي بَعْضِهِ زِيَادَاتٌ مَوْضُوعَةٌ مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ، وَالْمُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. فَصْلٌ (مَا دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ) قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْخَوَارِجِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دَابٍّ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ، ﵁، مِنَ النَّهْرَوَانِ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ : أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ نَصْرَكُمْ فَتَوَجَّهُوا مِنْ فَوْرِكُمْ هَذَا إِلَى عَدُوِّكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَفِدَ نَبْلُنَا،

стр. 6180

وَكَلَّتْ سُيُوفُنَا، وَنَصَلَتْ أَسِنَّتُنَا، فَانْصَرِفْ بِنَا إِلَى مِصْرِنَا حَتَّى نَسْتَعِدَّ بِأَحْسَنِ عُدَّتِنَا، وَلَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ فِي عُدَّتِنَا عُدَّةَ مَنْ فَارَقَنَا وَهَلَكَ مِنَّا; فَإِنَّهُ أَقْوَى لَنَا عَلَى عَدُوِّنَا - وَكَانَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهَذَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ - فَبَايَعَهُمْ، وَأَقْبَلَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا مُعَسْكَرَهُمْ، وَيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيُقِلُّوا زِيَارَةَ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَأَقَامُوا مَعَهُ أَيَّامًا مُسْتَمْسِكِينَ بِرَأْيِهِ وَقَوْلِهِ، ثُمَّ تَسَلَّلُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا رُءُوسُ أَصْحَابِهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْخَلْقِ وَفَالِقِ الْإِصْبَاحِ، وَنَاشِرِ الْمَوْتَى وَبَاعِثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْعَبْدُ الْإِيمَانُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ; فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ; فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ; فَإِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِهِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ; فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِهِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ; فَإِنَّهُ مَنْفَاةٌ لِلْفَقْرِ مَدْحَضَةٌ لِلذَّنْبِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ; فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ; فَإِنَّهَا تَكْفِيرٌ لِلْخَطِيئَةِ، وَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصُنْعُ الْمَعْرُوفِ; فَإِنَّهُ يَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَيَقِي مَصَارِعَ الْهَوْلِ، أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ; فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ، وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُتَّقِينَ; فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أَصْدُقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ، ﷺ ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ، وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ; فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السُّنَنِ، وَتَعَلَّمُوا كِتَابَ اللَّهِ; فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ; فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ; فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لَمَّا فِي الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ; فَإِنَّهُ

стр. 6181

أَحْسَنُ الْقَصَصِ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْكُمْ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَإِذَا هُدِيتُمْ لِعِلْمِهِ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ; فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةَ أَدُومُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مَنْ عِلْمِهِ، وَضَرَرَهُ عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ، وَكِلَاهُمَا حَائِرٌ مُضَلِّلٌ مَثْبُورٌ. لَا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا، وَلَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا، وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَلُوا، وَلَا تُذْهَلُوا فِي الْحَقِّ فَتَخْسَرُوا، أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَثِقُوا، وَمِنَ الثِّقَةِ أَنْ لَا تَغْتَرُّوا، وَإِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعَصَاكُمْ لِرَبِّهِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يَخَفْ وَيَنْدَمْ، سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ، وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ، وَخَيْرُ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ، إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شَرُّهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدَعَةٌ وَكُلُّ مُحْدِثٍ مُبْتَدِعٌ، وَمَنِ ابْتَدَعَ فَقَدْ ضَيَّعَ، وَمَا أَحْدَثَ مُحْدِثٌ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً، الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ دِينَهُ، وَالْمَفْتُونُ مَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ، وَإِنَّ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنَّ الْإِخْلَاصَ مِنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. وَمَجَالِسُ اللَّهْوِ تُنْسِي الْقُرْآنَ وَيَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ، وَتَدْعُو إِلَى كُلِّ غَيٍّ،

стр. 6182

وَمُحَادَثَةُ النِّسَاءِ تُزِيغُ الْقُلُوبَ وَتُطْمِحُ لَهُنَّ الْأَبْصَارَ، وَهُنَّ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ، فَاصْدُقُوا اللَّهَ; فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ مَنْ صَدَقَ، وَجَانِبُوا الْكَذِبَ; فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ، أَلَا إِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ، وَإِنَّ الْكَاذِبَ عَلَى شَرَفِ رَدًى وَهَلَكَةٍ وَإِهَانَةٍ، أَلَا وَقُولُوا الْحَقَّ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مَنْ أَهْلِهِ، وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَ مَنْ قَطَعَكُمْ، وَعُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ، وَإِذَا عَاهَدْتُمْ فَأَوْفُوا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَا تَفَاخَرُوا بِالْآبَاءِ، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، وَلَا تَمَازَحُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَأَعِينُوا الضَّعِيفَ وَالْمَظْلُومَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلَيْنِ وَفِي الرِّقَابِ، وَارْحَمُوا الْأَرْمَلَةَ وَالْيَتِيمَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ وَرُدُّوا التَّحِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا مِثْلَهَا أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الْمَائِدَةِ: ٢]. وَأَكْرِمُوا الضَّيْفَ، وَأَحْسِنُوا إِلَى الْجَارِ، وَعُودُوا الْمَرْضَى، وَشَيِّعُوا الْجَنَائِزَ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ، وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ، وَغَدًا السِّبَاقُ، وَإِنَّ السَّبَقَةَ وَالْغَايَةَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ،

стр. 6183

أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهْلٍ مِنْ وَرَائِهَا أَجَلٌ حَثِيثٌ عَجِلٌ، فَمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ فِي أَيَّامِ مَهْلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ وَنَالَ أَمَلَهُ، وَمَنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَخَابَ أَمَلُهُ، وَضَرَّهُ أَمَلُهُ، أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا اللَّهَ وَاجْمَعُوا مَعَهَا رَهْبَةً، وَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَهْبَةٌ فَاذْكُرُوا اللَّهَ وَاجْمَعُوا مَعَهَا رَغْبَةً; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَأَذَّنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُسْنَى، وَلِمَنْ شَكَرَ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا أَكْيَسَ مِنْ مُكْتَسِبٍ يَكْسِبُ شَيْئًا الْيَوْمَ يَدَّخِرُهُ لِيَوْمٍ تَنْفَعُ فِيهِ الذَّخَائِرُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، يُجْمَعُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعْهُ الْحَقُّ يَضُرَّهُ الْبَاطِلُ، وَمَنْ لَا يَسْتَقِمْ عَلَى الْهُدَى يَجُرْ بِهِ الضَّلَالُ، وَمَنْ لَا يَنْفَعْهُ الْيَقِينُ يَضُرَّهُ الشَّكُّ، وَمَنْ لَا يَنْفَعْهُ حَاضِرُهُ فَغَارِبُهُ عَنْهُ أَعْوَزُ وَغَائِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ فَاعْمَلُوا عَلَى الْمُرَادِ، أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ; طُولُ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى; فَطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ

стр. 6184

الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَلَهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا; فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. وَهَذِهِ خُطْبَةٌ عَظِيمَةٌ بَلِيغَةٌ نَافِعَةٌ، جَامِعَةٌ لِلْخَيْرِ نَاهِيَةٌ عَنِ الشَّرِّ. وَقَدْ رُوِيَ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَلِيًّا، ﵁، لَمَّا نَكَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الذَّهَابِ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ خَطَبَهُمْ، فَوَبَّخَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمْ فِي الْجِهَادِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَدُوِّهِمْ فَتَأَبَّوْا عَلَى ذَلِكَ، وَخَالَفُوهُ وَلَمْ يُوَافِقُوهُ، وَاسْتَمَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ، وَانْصَرَفُوا عَنْهُ هَاهُنَا. قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ الْخَوَارِجَ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرَابَاتِهِمْ وَإِخْوَانَهُمْ، وَيَرَوْنَهُمْ أَفْضَلَهُمْ وَخَيْرَهُمْ; لِعِبَادَتِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ، فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ وَهَجَرُوهُ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ فِي حَالَةٍ اللَّهُ بِهَا عَلِيمٌ. فَصْلٌ (مَا ذَكَرَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ خُرُوجِ الْحَارِثِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِيِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ النَّهْرَوَانِ) وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى عَلِيٍّ، ﵁،

стр. 6185

بَعْدَ قَتْلِهِ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ رَاشِدٍ النَّاجِيُّ. قَدِمَ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنَّكَ قَدْ قَاتَلْتَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ فِي كَوْنِهِمْ أَنْكَرُوا عَلَيْكَ قَضِيَّةَ التَّحْكِيمِ، وَتَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ أَعْطَيْتَ أَهْلَ الشَّامِ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ، وَأَنَّكَ لَسْتَ بِنَاقِضِهَا، وَهَذَانَ الْحَكَمَانِ قَدِ اتَّفَقَا عَلَى خَلْعِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ; فَوَلَّاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَامْتَنَعَ أَبُو مُوسَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَأَنْتَ مَخْلُوعٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَأَنَا قَدْ خَلَعْتُكُ وَخَلَعْتُ مُعَاوِيَةَ مَعَكَ. وَاتَّبَعَ الْحَارِثَ عَلَى مَقَالَتِهِ هَذِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ - بَنِي نَاجِيَةَ وَغَيْرِهِمْ - وَتَحَيَّزُوا نَاحِيَةً، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الرِّيَاحِيَّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فَقَتَلَهُمْ مَعْقِلٌ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَسَبَى مِنْ بَنِي نَاجِيَةَ خَمْسَمِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عَلِيٍّ، فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَصْقَلَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ، أَبُو الْمُغَلِّسِ - وَكَانَ عَامِلًا لِعَلِيٍّ عَلَى بَعْضِ الْأَقَالِيمِ - فَتَضَرَّعَ السَّبْيُ إِلَيْهِ وَشَكَوْا مَا هُمْ فِيهِ، فَاشْتَرَاهُمْ مَصْقَلَةُ مِنْ مَعْقِلٍ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَعْتَقَهُمْ، فَطَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ مَعْقِلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَصْقَلَةُ: إِنِّي إِنَّمَا

стр. 6186

جِئْتُ لِأَدْفَعَ ثَمَنَهُمْ إِلَيْكَ. ثُمَّ هَرَبَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى عَلِيٍّ، فَطَالَبَهُ عَلِيٌّ بِالثَّمَنِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ مِائَتَيْ أَلْفٍ، ثُمَّ هَرَبَ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِالشَّامِ، فَأَمْضَى عَلِيٌّ عِتْقَهُمْ، وَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ مَصْقَلَةَ؟ وَأَمَرَ بِدَارِهِ فِي الْكُوفَةِ فَهُدِمَتْ. وَقَدْ رَوَى الْهَيْثَمُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ بَنِي نَاجِيَةَ ارْتَدُّوا فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ فَسَبَاهُمْ، فَاشْتَرَاهُمْ مَصْقَلَةُ مِنْ عَلِيٍّ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ فَأَعْتَقَهُمْ، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْهَيْثَمُ: وَهَذَا قَوْلُ الشِّيعَةِ وَلَمْ يُسْمَعْ بِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ مَرَّةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَخْطُبُ: قَتَلْتَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ عَلَى إِنْكَارِ الْحُكُومَةِ، وَقَتَلْتَ الْخِرِّيتَ بْنَ رَاشِدٍ عَلَى مَسْأَلَتِهِ إِيَّاكَ الْحُكُومَةَ، وَاللَّهِ مَا بَيْنَهُمَا مَوْضِعُ قَدَمٍ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:

стр. 6187

اسْكُتْ إِنَّمَا كُنْتَ أَعْرَابِيًّا تَأْكُلُ الضَّبُعَ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ بِالْأَمْسِ. فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: وَأَنْتَ وَاللَّهِ قَدْ رَأَيْنَاكَ بِالْأَمْسِ تَأْكُلُ الْبَلَحَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ الْهَيْثَمُ: ثُمَّ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى عَلِيٍّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقُتِلَ، فَأَمَّرَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِمُ الْأَشْرَسَ بْنَ عَوْفٍ الشَيْبَانِيَّ، فَقُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الْأَشْهَبُ بْنُ بِشْرٍ الْبَجَلِيُّ، ثُمَّ أَخَذَ عُرَيْنَةَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَى عَلِيٍّ سَعِيدُ بْنُ قُفْلٍ التَّيْمِيُّ; تَيْمُ ثَعْلَبَةَ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقُتِلَ بِقَنْطَرَةِ دَرْزِيجَانَ فَوْقَ الْمَدَائِنِ. قَالَ الْهَيْثَمُ: أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مَشْيَخَتِهِ. فَصْلٌ (قِتَالُ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ) ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى - وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ - أَنَّ قِتَالَ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ

стр. 6188

وَثَلَاثِينَ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قُلْتُ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ; نَائِبُ عَلِيٍّ عَلَى الْيَمَنِ وَمَخَالِفِيهَا، وَكَانَ نَائِبَ مَكَّةَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامُ بْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّئَلِيُّ، وَعَلَى مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مُقِيمٌ بِالْكُوفَةِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِالشَّامِ مُسْتَحْوِذٌ عَلَيْهَا. قُلْتُ: وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِلَادَ مِصْرَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، كَانَ قَدْ أَصَابَهُ سِبَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاشْتَرَتْهُ أُمُّ أَنْمَارٍ الْخُزَاعِيَّةُ، الَّتِي كَانَتْ تَخْتِنُ النِّسَاءَ، وَهِيَ أُمُّ سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الَّذِي قَتَلَهُ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ. حَالَفَ خَبَّابٌ بَنِي زُهْرَةَ. أَسْلَمَ خَبَّابٌ قَدِيمًا قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذَى فِي اللَّهِ، فَيَصْبِرُ

стр. 6189

وَيَحْتَسِبُ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: دَخَلَ خَبَّابٌ يَوْمًا عَلَى عُمَرَ فَأَكْرَمَ مَجْلِسَهُ، وَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا بِلَالٌ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤْذَى وَكَانَ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ، وَإِنِّي كُنْتُ لَا نَاصِرَ لِي، وَاللَّهِ لَقَدْ سَلَقُونِي يَوْمًا فِي نَارٍ أَجَّجُوهَا وَوَضَعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي فَمَا اتَّقَيْتُ الْأَرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرِصَ، ﵁. وَلَمَّا مَرِضَ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: أَبْشِرْ غَدًا تَلْقَى الْأَحِبَّةَ; مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِخْوَانِي مَضَوْا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا، وَإِنَّا قَدْ أَيْنَعَتْ لَنَا ثَمَرَتُهَا فَنَحْنُ نَهْدِبُهَا، يَعْنِي الدُّنْيَا فَهَذَا الَّذِي يَهُمُّنِي. قَالُوا: وَتُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، ﵁. خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَكَانَتْ رَايَةُ بَنِي خَطْمَةَ مَعَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، ﵁. سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، قَدْ قَدَّمْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي الْمَوَالِي الْمَنْسُوبِينِ إِلَى

стр. 6190

النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَكَتَبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ كُتَّابِ الْوَحْيِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ، وَكَانَ أَمِيرَ مَيْمَنَةِ عَلِيٍّ فَأَخَذَهَا بَعْدَهُ الْأَشْتَرُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْخَيْرِ، قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ، كَمَا قَدَّمْنَا بِالنَّهْرَوَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ قَالَ لَهُمْ: أَعْطُونَا قَتَلَتَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ آمِنُونَ. فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ. فَقَتَلَهُمْ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَكَتَبَ الْوَحْيَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَامَ الْفَتْحِ، وَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، - وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ - وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقَدْ وَلَّاهُ عُثْمَانُ نِيَابَةَ مِصْرَ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ وَبِلَادَ النُّوبَةِ، وَفَتَحَ الْأَنْدَلُسَ، وَغَزَا ذَاتَ الصَّوَارِي مَعَ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا صَبَغَ وَجْهَ الْمَاءِ مِنَ الدِّمَاءِ،

стр. 6191

ثُمَّ لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ مِصْرَ، فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ مُعْتَزِلٌ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بَيْنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ، ﵁. عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَبُو الْيَقْظَانِ الْعَبْسِيُّ مِنْ عَبْسِ الْيَمَنِ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَكَانَ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي بَيْتِهِ يَتَعَبَّدُ فِيهِ. وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا كَيْفِيَّةَ مَقْتَلِهِ يَوْمَ صِفِّينَ، وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةٍ; عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ عَمَّارًا اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي نَصْرٌ، ثَنَا سُفْيَانُ

стр. 6192

الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: (لَقَدْ مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُعَلَّى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ إِلَّا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَإِنَّهُ حُشِيَ مَا بَيْنِ أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ إِيمَانًا. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلَ الشَّامِ فَلَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَحَدَّثَنِي، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَلَامٌ فِي شَيْءٍ، فَشَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ لَا تُؤْذِ عَمَّارًا; فَإِنَّهُ مَنْ يَبْغَضْ عَمَّارًا يَبْغَضْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يُعَادِ عَمَّارًا يُعَادِهِ اللَّهُ قَالَ: فَعَرَضْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَلَلْتُ مَا فِي

стр. 6193

نَفْسِهِ. وَلَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضَائِلِهِ، ﵁. قُتِلَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ عَنْ إِحْدَى وَقِيلَ: ثَلَاثٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. طَعَنَهُ أَبُو الْغَادِيَةِ فَسَقَطَ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، ثُمَّ اخْتَصَمَا إِلَى مُعَاوِيَةَ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ. فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: اتَّئِدَا فَوَاللَّهِ إِنَّكُمَا لَتَخْتَصِمَانِ فِي النَّارِ. فَسَمِعَهَا مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فَلَامَهُ عَلَى تَسْمِيعِهِ إِيَّاهُمَا ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُ، وَصَلَّى مَعَهُ عَلَى هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، فَكَانَ عَمَّارٌ مِمَّا يَلِي عَلِيًّا، وَهَاشِمٌ إِلَى نَحْوِ الْقِبْلَةِ. قَالُوا: وَقُبِرَ هُنَالِكَ. وَكَانَ آدَمَ اللَّوْنِ، طَوِيلًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، أَشْهَلَ الْعَيْنَيْنِ، رَجُلًا لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ، ﵁. الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا وَكَانَتْ تَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَى الْغَزَوَاتِ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ لِلْكَلْمَى وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَتْ

стр. 6194

أَحَادِيثَ كَثِيرَةً. وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي أَيَّامِ صِفِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌ غَفِيرٌ; فَقِيلَ: قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَقِيلَ: قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَانَ فِي قَتْلَى الْفَرِيقَيْنِ أَعْيَانٌ وَمَشَاهِيرُ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُمْ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 6195

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ فِيهَا بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَاسْتَنَابَ مُعَاوِيَةُ عَمْرًا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ، ﵁، اسْتَنَابَ عَلَيْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ كَانَ أَخَذَهَا مِنَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ نَائِبِ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَلَ عَنْهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ عَمْرٌو هُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا عَزَلَ عَنْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَوَلَّى عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ قَيْسٌ كُفْئًا لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو، فَلَمَّا وُلِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ تُعَادِلُ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا، وَحِينَ عُزِلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْهَا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيٍّ بِالْعِرَاقِ فَكَانَ مَعَهُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ عَلِيٍّ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ تَكُونُ مَعَهُ بَدَلَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ قَدِ اسْتَخَفُّوا بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ; لِكَوْنِهِ شَابًّا ابْنَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَزَمَ عَلِيٌّ عَلَى رَدِّ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ

стр. 6196

إِلَيْهَا، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى شُرَطَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَمَرَّ بِقَيْسٍ عِنْدَهُ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فَاسْتَقْدَمَهُ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مِصْرَ. فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ تَوْلِيَةُ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ مِصْرَ بَدَلَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَشْتَرَ سَيَمْنَعُهَا مِنْهُ; لِجُرْأَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْقُلْزُمَ اسْتَقْبَلَهُ الْجَايْسَارُ، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَلِيٍّ عَلَى الْخَرَاجِ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَعَامًا، وَسَقَاهُ شَرَابًا مِنْ عَسَلٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا وَأَهْلَ الشَّامِ قَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ لَجُنُودًا مِنْ عَسَلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي أَنْ يَحْتَالَ عَلَى الْأَشْتَرِ; فَيَقْتُلَهُ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَسْتَجِيزُ قَتْلَ الْأَشْتَرِ; لِأَنَّهُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ﵁. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلَ الشَّامِ فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا بِمَوْتِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا تَأَسَّفَ عَلَى شَجَاعَتِهِ وَغَنَائِهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِاسْتِقْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَلَكِنَّهُ ضَعُفَ جَأْشُهُ مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ

стр. 6197

الْخِلَافِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ الَّذِينَ بِبَلَدِ خِرِبْتَا، وَقَدْ كَانُوا اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ حِينَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ وَكَانَ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ مَا كَانَ، وَحِينَ نَكَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ مَعَهُ. وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ لَمَّا انْقَضَتِ الْحُكُومَةُ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ سَلَّمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالْخِلَافَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُمْ جِدًّا. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَمَعَ مُعَاوِيَةُ أُمَرَاءَهُ; عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَبُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَحَمْزَةَ بْنَ سِنَانٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَغَيْرَهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَقَالُوا: سِرْ حَيْثُ شِئْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ. وَعَيَّنَ مُعَاوِيَةُ نِيَابَتَهَا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِذَا فَتَحَهَا، فَفَرِحَ بِذَلِكَ عَمْرٌو، ثُمَّ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مَعَهُ جُنْدٌ مَأْمُونٌ عَارِفٌ بِالْحَرْبِ، فَإِنَّ بِهَا جَمَاعَةً مِمَّنْ يُوَالِي عُثْمَانَ فَيُسَاعِدُونَهُ عَلَى حَرْبِ مَنْ خَالَفَهُمْ،

стр. 6198

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَكِنْ أَرَى أَنْ أَبْعَثَ إِلَى شِيعَتِنَا مِمَّنْ هُنَالِكَ كِتَابًا نُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِنَا عَلَيْهِمْ، وَنَبْعَثُ إِلَى مُخَالِفِينَا كِتَابًا نَدْعُوهُمْ فِيهِ إِلَى الصُّلْحِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّكَ يَا عَمْرُو رَجُلٌ بُورِكَ لَكَ فِي الْعَجَلَةِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ بُورِكَ لِي فِي التُّؤَدَةِ. فَقَالَ عَمْرٌو: اعْمَلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَمَا أَرَى أَمْرَكَ وَأَمْرَهُمْ إِلَّا سَيَصِيرُ إِلَى الْحَرْبِ الْعَوَانِ. فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَإِلَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيِّ - وَهُمَا رَئِيسَا الْعُثْمَانِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَكَانَا مِمَّنْ لَمْ يُبَايِعُ عَلِيًّا، وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِ نُوَّابِهِ بِمِصْرَ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشَرَةَ آلَافٍ - يُخْبِرُهُمْ بِقُدُومِ الْجَيْشِ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: سُبَيْعٌ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى مَسْلَمَةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ فَرِحَا بِهِ وَرَدَّا جَوَابَهُ بِالِاسْتِبْشَارِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ لَهُ، وَلِمَنْ يَبْعَثُهُ مِنَ الْجَيْشِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ مُوَدِّعًا وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالرِّفْقِ وَالْمَهْلِ وَالتُّؤَدَةِ، وَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَاتَلَ وَيَعْفُوَ عَمَّنْ أَدْبَرَ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الصُّلْحِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِذَا أَنْتَ ظَهَرْتَ فَلْيَكُنْ أَنْصَارُكَ آثَرَ

стр. 6199

النَّاسِ عِنْدَكَ. فَسَارَ عَمْرٌو فَلَمَّا دَخَلَ مِصْرَ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعُثْمَانِيَّةُ فَقَادَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَتَنَحَّ عَنِّي بِدَمِكَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكَ مِنِّي ظُفُرٌ; فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا بِهَذِهِ الْبِلَادِ عَلَى خِلَافِكَ وَرَفْضِ أَمْرِكَ، وَنَدِمُوا عَلَى اتِّبَاعِكَ، فَهُمْ مُسْلِمُوكَ لَوْ قَدِ الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ، فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنِّي لَكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَالسَّلَامُ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرٌو أَيْضًا بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ غِبَّ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ عَظِيمُ الْوَبَالِ، وَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ لَا يَسْلَمُ فَاعِلُهُ مِنَ النِّقْمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبِعَةِ الْمُوبِقَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ خِلَافًا عَلَى عُثْمَانَ مِنْكَ حِينَ تَطْعَنُ بِمَشَاقِصِكَ بَيْنَ حُشَاشَتِهِ وَأَوْدَاجِهِ، ثُمَّ أَنْتَ تَظُنُّ أَنِّي عَنْكَ نَائِمٌ أَوْ لِفِعْلِكَ نَاسٍ، حَتَّى تَأْتِيَ فَتَتَأَمَّرَ عَلَى بِلَادٍ أَنْتِ بِهَا جَارِي، وَجُلُّ أَهْلِهَا أَنْصَارِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجُيُوشٍ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِجِهَادِكَ، وَلَنْ يُسَلِّمَكَ اللَّهُ مِنَ الْقَصَّاصِ أَيْنَمَا كُنْتَ، وَالسَّلَامُ. قَالَ: فَطَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْكِتَابَيْنِ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى عَلِيٍّ وَأَعْلَمَهُ بِقُدُومِ عَمْرٍو إِلَى مِصْرَ فِي جَيْشٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ; فَإِنْ كَانَتْ لَكَ بِأَرْضِ مِصْرَ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيَّ بِأَمْوَالٍ وَرِجَالٍ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَأْمُرُهُ

стр. 6200

بِالصَّبْرِ وَبِمُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ سَيَبْعَثُ إِلَيْهِ الرِّجَالَ وَالْأَمْوَالَ، وَيَمُدُّهُ بِالْجُيُوشِ. وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ كِتَابًا فِي جَوَابِ مَا قَالَ وَفِيهِ غِلْظَةٌ. وَكَذَلِكَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كِتَابًا فِيهِ كَلَامٌ غَلِيظٌ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَمُنَاجَزَةِ مَنْ قَصَدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ فِي جُيُوشِهِ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْجَمِيعُ فِي قَرِيبٍ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي قَرِيبٍ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَهُمُ الَّذِينَ انْتَدَبُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُلْحِقَهُمْ مَغْلُوبِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، فَجَاءَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الشَّامِيُّونَ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ; فَتَرَجَّلَ عِنْدَ ذَلِكَ كِنَانَةُ وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٥]. ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ، وَرَجَعَ يَمْشِي فَرَأَى خَرِبَةً فَأَوَى إِلَيْهَا، وَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فُسْطَاطَ مِصْرَ، وَذَهَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فِي طَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَمَرَّ بِعُلُوجٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ تَسْتَنْكِرُونَهُ؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا جَالِسًا فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَقَالَ: هُوَ هُوَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
следующие страницы →