Полный текст (13 161 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
إِلَيْهَا، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى شُرَطَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَمَرَّ بِقَيْسٍ عِنْدَهُ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فَاسْتَقْدَمَهُ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مِصْرَ. فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ تَوْلِيَةُ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ مِصْرَ بَدَلَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَشْتَرَ سَيَمْنَعُهَا مِنْهُ; لِجُرْأَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْقُلْزُمَ اسْتَقْبَلَهُ الْجَايْسَارُ، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَلِيٍّ عَلَى الْخَرَاجِ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَعَامًا، وَسَقَاهُ شَرَابًا مِنْ عَسَلٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا وَأَهْلَ الشَّامِ قَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ لَجُنُودًا مِنْ عَسَلٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي أَنْ يَحْتَالَ عَلَى الْأَشْتَرِ; فَيَقْتُلَهُ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَسْتَجِيزُ قَتْلَ الْأَشْتَرِ; لِأَنَّهُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ﵁. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلَ الشَّامِ فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا بِمَوْتِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ
وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا تَأَسَّفَ عَلَى شَجَاعَتِهِ وَغَنَائِهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِاسْتِقْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَلَكِنَّهُ ضَعُفَ جَأْشُهُ مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ
стр. 6197
الْخِلَافِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ الَّذِينَ بِبَلَدِ خِرِبْتَا، وَقَدْ كَانُوا اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ حِينَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ وَكَانَ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ مَا كَانَ، وَحِينَ نَكَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ مَعَهُ. وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ لَمَّا انْقَضَتِ الْحُكُومَةُ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ سَلَّمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالْخِلَافَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُمْ جِدًّا.
فَعِنْدَ ذَلِكَ جَمَعَ مُعَاوِيَةُ أُمَرَاءَهُ; عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَبُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَحَمْزَةَ بْنَ سِنَانٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَغَيْرَهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَقَالُوا: سِرْ حَيْثُ شِئْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ.
وَعَيَّنَ مُعَاوِيَةُ نِيَابَتَهَا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِذَا فَتَحَهَا، فَفَرِحَ بِذَلِكَ عَمْرٌو، ثُمَّ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مَعَهُ جُنْدٌ مَأْمُونٌ عَارِفٌ بِالْحَرْبِ، فَإِنَّ بِهَا جَمَاعَةً مِمَّنْ يُوَالِي عُثْمَانَ فَيُسَاعِدُونَهُ عَلَى حَرْبِ مَنْ خَالَفَهُمْ،
стр. 6198
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَكِنْ أَرَى أَنْ أَبْعَثَ إِلَى شِيعَتِنَا مِمَّنْ هُنَالِكَ كِتَابًا نُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِنَا عَلَيْهِمْ، وَنَبْعَثُ إِلَى مُخَالِفِينَا كِتَابًا نَدْعُوهُمْ فِيهِ إِلَى الصُّلْحِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّكَ يَا عَمْرُو رَجُلٌ بُورِكَ لَكَ فِي الْعَجَلَةِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ بُورِكَ لِي فِي التُّؤَدَةِ. فَقَالَ عَمْرٌو: اعْمَلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَمَا أَرَى أَمْرَكَ وَأَمْرَهُمْ إِلَّا سَيَصِيرُ إِلَى الْحَرْبِ الْعَوَانِ.
فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَإِلَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيِّ - وَهُمَا رَئِيسَا الْعُثْمَانِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَكَانَا مِمَّنْ لَمْ يُبَايِعُ عَلِيًّا، وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِ نُوَّابِهِ بِمِصْرَ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشَرَةَ آلَافٍ - يُخْبِرُهُمْ بِقُدُومِ الْجَيْشِ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: سُبَيْعٌ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى مَسْلَمَةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ فَرِحَا بِهِ وَرَدَّا جَوَابَهُ بِالِاسْتِبْشَارِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ لَهُ، وَلِمَنْ يَبْعَثُهُ مِنَ الْجَيْشِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ مُوَدِّعًا وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالرِّفْقِ وَالْمَهْلِ وَالتُّؤَدَةِ، وَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَاتَلَ وَيَعْفُوَ عَمَّنْ أَدْبَرَ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الصُّلْحِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِذَا أَنْتَ ظَهَرْتَ فَلْيَكُنْ أَنْصَارُكَ آثَرَ
стр. 6199
النَّاسِ عِنْدَكَ.
فَسَارَ عَمْرٌو فَلَمَّا دَخَلَ مِصْرَ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعُثْمَانِيَّةُ فَقَادَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَتَنَحَّ عَنِّي بِدَمِكَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكَ مِنِّي ظُفُرٌ; فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا بِهَذِهِ الْبِلَادِ عَلَى خِلَافِكَ وَرَفْضِ أَمْرِكَ، وَنَدِمُوا عَلَى اتِّبَاعِكَ، فَهُمْ مُسْلِمُوكَ لَوْ قَدِ الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ، فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنِّي لَكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَالسَّلَامُ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرٌو أَيْضًا بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ غِبَّ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ عَظِيمُ الْوَبَالِ، وَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ لَا يَسْلَمُ فَاعِلُهُ مِنَ النِّقْمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبِعَةِ الْمُوبِقَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ خِلَافًا عَلَى عُثْمَانَ مِنْكَ حِينَ تَطْعَنُ بِمَشَاقِصِكَ بَيْنَ حُشَاشَتِهِ وَأَوْدَاجِهِ، ثُمَّ أَنْتَ تَظُنُّ أَنِّي عَنْكَ نَائِمٌ أَوْ لِفِعْلِكَ نَاسٍ، حَتَّى تَأْتِيَ فَتَتَأَمَّرَ عَلَى بِلَادٍ أَنْتِ بِهَا جَارِي، وَجُلُّ أَهْلِهَا أَنْصَارِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجُيُوشٍ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِجِهَادِكَ، وَلَنْ يُسَلِّمَكَ اللَّهُ مِنَ الْقَصَّاصِ أَيْنَمَا كُنْتَ، وَالسَّلَامُ.
قَالَ: فَطَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْكِتَابَيْنِ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى عَلِيٍّ وَأَعْلَمَهُ بِقُدُومِ عَمْرٍو إِلَى مِصْرَ فِي جَيْشٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ; فَإِنْ كَانَتْ لَكَ بِأَرْضِ مِصْرَ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيَّ بِأَمْوَالٍ وَرِجَالٍ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَأْمُرُهُ
стр. 6200
بِالصَّبْرِ وَبِمُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ سَيَبْعَثُ إِلَيْهِ الرِّجَالَ وَالْأَمْوَالَ، وَيَمُدُّهُ بِالْجُيُوشِ. وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ كِتَابًا فِي جَوَابِ مَا قَالَ وَفِيهِ غِلْظَةٌ. وَكَذَلِكَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كِتَابًا فِيهِ كَلَامٌ غَلِيظٌ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَمُنَاجَزَةِ مَنْ قَصَدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ فِي جُيُوشِهِ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْجَمِيعُ فِي قَرِيبٍ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي قَرِيبٍ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَهُمُ الَّذِينَ انْتَدَبُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُلْحِقَهُمْ مَغْلُوبِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، فَجَاءَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الشَّامِيُّونَ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ; فَتَرَجَّلَ عِنْدَ ذَلِكَ كِنَانَةُ وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٥]. ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ، وَرَجَعَ يَمْشِي فَرَأَى خَرِبَةً فَأَوَى إِلَيْهَا، وَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فُسْطَاطَ مِصْرَ، وَذَهَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فِي طَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَمَرَّ بِعُلُوجٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ تَسْتَنْكِرُونَهُ؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا جَالِسًا فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَقَالَ: هُوَ هُوَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
стр. 6201
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْهَا - وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ عَطَشًا - فَانْطَلَقَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ، فَقَالَ: أَيُقْتَلُ أَخِي صَبْرًا؟ فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَقْتُلَهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ، أَيَقْتُلُونَ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ وَأَتْرُكُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ فِي مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، وَقَدْ سَأَلَهُمْ عُثْمَانُ الْمَاءَ فَلَمْ يَسْقُوهُ؟ وَقَدْ سَأَلَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَسْقُوهُ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا سَقَانِي اللَّهُ إِنْ سَقَيْتُكَ قَطْرَةً مِنَ الْمَاءِ أَبَدًا; إِنَّكُمْ مَنَعْتُمْ عُثْمَانَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ حَتَّى قَتَلْتُمُوهُ صَائِمًا مُحْرِمًا، فَتَلَقَّاهُ اللَّهُ بِالرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ نَالَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ هَذَا وَشَتَمَهُ، وَمِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَيْضًا; فَعِنْدَ ذَلِكَ غَضِبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، فَقَدَّمَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي جِيفَةِ حِمَارٍ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ جَزِعَتْ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَضَمَّتْ عِيَالَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ فِيهِمُ ابْنُهُ الْقَاسِمُ، وَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ مِصْرَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فِيهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمِصْرِيِّينَ بِالْمُسَنَّاةِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى
стр. 6202
قُتِلَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ غَيَّاثِ التُّجِيبِيُّ، فَهَرَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: جَبَلَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ. فَدَلَّ عَلَيْهِ فَجَاءَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ وَأَصْحَابُهُ فَأَحَاطُوا بِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ إِلَى مِصْرَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَكَانَتْ أَذْرُحُ فِي شَعْبَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ فَتَحَ عَلَيْهِ بِلَادَ مِصْرَ وَرَجَعُوا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَقَدْ زَعَمَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ مُسِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَرِّضِينَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ - فَبَعَثَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يُبَادِرْ إِلَى قَتْلِهِ; لِأَنَّهُ ابْنُ خَالِ مُعَاوِيَةَ، فَحَبَسَهُ مُعَاوِيَةُ بِفِلَسْطِينَ فَهَرَبَ مِنَ السِّجْنِ - وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُحِبُّ نَجَاتَهُ فِيمَا يَرَوْنَ - فَلَحِقَهُ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ظَلَامٍ - وَكَانَ عُثْمَانِيًّا شُجَاعًا - بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ مِنْ بِلَادِ حَوْرَانَ، فَاخْتَفَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي غَارٍ، فَجَاءَتْ حُمُرُ وَحْشٍ لِتَأْوِيَ إِلَى ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ فِيهِ نَفَرَتْ فَتَعَجَّبَ
стр. 6203
مِنْ نَفْرَتِهَا جَمَاعَةُ الْحَصَّادِينَ الَّذِينَ هُنَالِكَ، فَذَهَبُوا إِلَى الْغَارِ، فَوَجَدُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ظَلَامٍ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَيَعْفُوَ عَنْهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ هُنَالِكَ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قُتِلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، كَمَا قَدَّمْنَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ اسْتَحَلَّ مَالَ قِبْطِيٍّ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ; لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الرُّومَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ - يَكْتُبُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ - فَاسْتَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ بِضْعًا وَخَمْسِينَ إِرْدَبًّا دَنَانِيرَ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: وَالْإِرْدَبُّ سِتُّ وَيْبَاتٍ، وَالْوَيْبَةُ مِثْلُ الْقَفِيزِ، وَاعْتَبَرْنَا الْوَيْبَةَ فَوَجَدْنَاهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَبْلَغُ مَا أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ بِإِسْنَادِهِ: وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَقْتَلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، وَتَمَلُّكُ عَمْرٍو مِصْرَ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَعَلَى مُعَاوِيَةَ، قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ وَالْمَسِيرِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ
стр. 6204
مِنَ الشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ، وَوَاعَدَهُمُ الْجَرَعَةَ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ يَمْشِي إِلَيْهَا حَتَّى نَزَلَهَا فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ بَعَثَ إِلَى أَشْرَافِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ حَزِينٌ كَئِيبٌ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَابْتَلَانِي بِكُمْ، وَبِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، أَوَلَيْسَ عَجَبًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ بِغَيْرِ عَطَاءٍ وَلَا مَعُونَةٍ وَيُجِيبُونَهُ فِي السَّنَةِ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ إِلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ أُولُو النُّهَى وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - عَلَى الْمَعُونَةِ وَالْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ وَتَنْفِرُونَ عَنِّي وَتَعْصُونِي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الْأَرْحَبِيُّ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ عَلِيٍّ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، فَانْتَدَبَ أَلْفَانِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَالِكَ بْنَ كَعْبٍ هَذَا، فَسَارَ بِهِمْ خَمْسًا ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، بِمِصْرَ فَأَخْبَرُوهُ كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ، وَكَيْفَ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَيْفَ اسْتَقَرَّ أَمْرُ عَمْرٍو بِهَا. فَبَعَثَ إِلَى مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ فَرَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ; وَذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى مِصْرَ.
стр. 6205
وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَانْتِقَادِ أَحْكَامِهِ، وَرَدِّ أَقْوَالِهِ، وَحَلِّ إِبْرَامِهِ; لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ وَجَفَائِهِمْ وَغِلْظَتِهِمْ وَفُجُورِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. وَلَمَّا جَاءَ عَلِيًّا الْخَبَرُ عَنْ مِصْرَ وَمَا حَلَّ بِهَا، وَقَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، حَزِنَ عَلَى مُحَمَّدٍ حُزْنًا كَثِيرًا، وَتَرَحَّمَ وَرُئِيَ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ عَلَيْهِ، مَعَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي وَاللَّهِ بِمَوَاضِعِ الْحَرْبِ لَجَدِيرٌ خَبِيرٌ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ وَجْهَ الْحَزْمِ، وَأَقُومُ فِيكُمْ بِالرَّأْيِ الْمُصِيبِ فَأَسْتَصْرِخُكُمْ مُعْلِنًا، وَأُنَادِيكُمْ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيثِ، وَلَا أَرَى فِيكُمْ مُغِيثًا، وَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا، وَلَا تُطِيعُونَ لِي أَمْرًا حَتَّى تَصِيرَ بِيَ الْأُمُورُ إِلَى عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ، فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ الْقَوْمُ لَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَأْرٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى غِيَاثِ إِخْوَانِكُمْ مُنْذُ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَتَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَشْدَقِ، وَتَثَاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ تَثَاقُلَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ وَلَا اكْتِسَابِ الْأَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ مَرَايِبُ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَأُفٍّ لَكُمْ.
ثُمَّ كَتَبَ عَلِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ - يَشْكُو إِلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَيَقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُهُمْ إِلَى غَوْثِ إِخْوَانِهِمْ; فَمِنْهُمْ مَنْ أَتَى كَارِهًا، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَذِرُ كَاذِبًا، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجًا
стр. 6206
وَمَخْرَجًا وَأَنْ يُرِيحَنِي مِنْهُمْ عَاجِلًا، وَلَوْلَا مَا أُحَاوِلُ مِنَ الشَّهَادَةِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْمًا وَاحِدًا، عَزْمُ اللَّهِ لَنَا وَلَكُمْ عَلَى تَقْوَاهُ وَهُدَاهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالسَّلَامُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَلِّيهِ عَنِ النَّاسِ، وَيُعَزِّيهِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَيَحُثُّهُ عَلَى مُلَاطَفَةِ النَّاسِ وَالصَّبْرِ عَلَى مُسِيئِهِمْ، فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ رُبَّمَا تَثَاقَلُوا ثُمَّ نَشَطُوا، فَارْفُقْ بِهِمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ رَكِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادًا. وَفِي هَذَا الْعَامِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ كِتَابًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيِّ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا نَزَلَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ فَأَجَارُوهُ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ زِيَادٌ وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَثَارُوا إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ أَعْيَنُ بْنُ ضُبَيْعَةَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَهَا عَلِيٌّ، فَكَتَبَ نَائِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ زِيَادٌ إِلَى عَلِيٍّ يُعْلِمُهُ بِمَا وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ خُرُوجِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْهَا، فَبَعَثَ عِنْدَ ذَلِكَ عَلِيٌّ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمِهِ بَنِي
стр. 6207
تَمِيمٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ عَنِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَصَدَهُ جَارِيَةُ فَحَصَرَهَ فِي دَارٍ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ - قِيلَ: كَانَ عَدَدُهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَقِيلَ: سَبْعِينَ - فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ، بَعْدَ أَنْ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَنْذَرَهُمْ; فَلَمْ يَقْبَلُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا جَاءُوا لَهُ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ.
فَصْلٌ (قِتَالُ عَلِيٍّ بَنِي نَاجِيَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ)
وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قِتَالَ عَلِيٍّ لِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْخِرِّيتِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِيِّ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، وَكَانَ مَعَ الْخِرِّيتِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي نَاجِيَةَ - وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ - فَجَاءَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا عَلِيُّ لَا أُطِيعُ أَمْرَكَ وَلَا أُصَلِّي خَلْفَكَ إِنِّي لَكَ غَدًا لَمُفَارِقٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إِذًا تَعْصِي رَبَّكَ، وَتَنْقُضُ عَهْدَكَ، وَلَا تَضُرُّ إِلَّا نَفْسَكَ، وَلِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ حَكَّمْتَ فِي الْكِتَابِ، وَضَعُفْتَ عَنْ قِيَامِ الْحَقِّ إِذْ جَدَّ الْجِدُّ، وَرَكَنْتَ إِلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَأَنَا عَلَيْكَ زَارٍ وَعَلَيْكَ نَاقِمٌ، وَإِنَّا لَكُمْ جَمِيعًا مُبَايِنُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بِلَادِ الْبَصْرَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ
стр. 6208
الطَّائِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ وَالْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْمَعَ لَهُ وَيُطِيعَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا صَارُوا جَيْشًا وَاحِدًا، ثُمَّ خَرَجُوا فِي آثَارِ الْخِرِّيتِ وَأَصْحَابِهِ فَلَحِقُوهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي جِبَالِ رَامَهُرْمُزَ قَالَ: فَصَفَفْنَا لَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِمْ، فَجَعَلَ مَعْقِلٌ عَلَى مَيْمَنَتِهِ يَزِيدَ بْنَ مَعْقِلَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مِنْجَابَ بْنَ رَاشِدٍ الضَّبِّيَّ، وَوَقَفَ الْخِرِّيتُ فِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ فَكَانُوا مَيْمَنَةً، وَجَعَلَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْعُلُوجِ مَيْسَرَةً. قَالَ: وَسَارَ فِينَا مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ لَا تَبْدَأُوا الْقَوْمَ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَأَقِلُّوا الْكَلَامَ، وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَأَبْشِرُوا فِي قِتَالِهِمْ بِالْأَجْرِ، إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ مَارِقَةً مَرَقَتْ مِنَ الدِّينِ، وَعُلُوجًا كَسَرُوا الْخَرَاجَ، وَلُصُوصًا وَأَكْرَادًا، فَإِذَا حَمَلْتُ فَشُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَحَرَّكَ دَابَّتَهُ تَحْرِيكَتَيْنِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي الثَّالِثَةِ وَحَمَلْنَا مَعَهُ جَمِيعًا، فَوَاللَّهِ مَا صَبَرُوا لَنَا سَاعَةً وَاحِدَةً حَتَّى وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَقَتَلْنَا مِنَ الْعُلُوجِ وَالْأَكْرَادِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَفَرَّ الْخِرِّيتُ مُنْهَزِمًا حَتَّى لَحِقَ بِأَسْيَافَ - وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ كَثِيرَةٌ - فَاتَّبَعُوهُ فَقَتَلُوهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ
стр. 6209
أَصْحَابِهِ بِسَيْفِ الْبَحْرِ، قَتَلَهُ النُّعْمَانُ بْنُ صُهْبَانَ، وَقُتِلَ مَعَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَعَاتٍ كَثِيرَةً كَانَتْ فِيهَا بَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالْخَوَارِجِ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي الْمَدَائِنِيَّ - عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ، عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، خَالَفَهُ قَوْمٌ كَثِيرُونَ، وَانْتَقَضَتْ أَطْرَافُهُ وَخَالَفَهُ بَنُو نَاجِيَةَ، وَقَدِمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَانْتَقَضَ أَهْلُ الْجِبَالِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْخَرَاجِ فِي كَسْرِهِ، وَأَخْرَجُوا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ مِنْ فَارِسَ - وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا لِعَلِيٍّ - فَأَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِزِيَادِ بْنِ أَبِيهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِيَّاهَا فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَوَطِئَهُمْ حَتَّى أَدَّوُا الْخَرَاجَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نَائِبُ عَلِيٍّ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْيَمَنِ، وَأَخُوهُمَا
стр. 6210
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْبَصْرَةِ، وَأَخُوهُمْ تَمَّامُ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ خَالِدُ بْنُ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيُّ، وَقِيلَ: ابْنُ أَبْزَى، وَاسْتَقَرَّتْ مِصْرُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ
سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبِ بْنِ الْعُكَيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَضَرَ بَقِيَّةَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ صَاحِبًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ شَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا أَيْضًا غَيْرَ الْجَمَلِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَمَاتَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْكُوفَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، وَقِيلَ: سِتًّا. وَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، ﵁.
صَفْوَانُ بْنُ بَيْضَاءَ أَخُو سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ.
صُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ بْنِ مَالِكٍ أَبُو يَحْيَى الرُّومِيُّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْيَمَنِ،
стр. 6211
مِنْ قَاسِطَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْ عَمُّهُ عَامِلًا لِكِسْرَى عَلَى الْأُبُلَّةِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ الْمَوْصِلِ - وَقِيلَ: عَلَى الْفُرَاتِ - فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِهِمُ الرُّومُ، فَأَسَرَتْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حِينًا، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ بَنُو كَلْبٍ، فَحَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ، فَابْتَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، فَأَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حِينًا، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، آمَنَ بِهِ قَدِيمًا هُوَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ، ، وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، هَاجَرَ صُهَيْبٌ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ، فَلَحِقَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ نَثَلَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَوَاللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَ بِكُلِّ سَهْمٍ مِنْ هَذِهِ رَجُلًا مِنْكُمْ، ثُمَّ أُقَاتِلَكُمْ بِسَيْفِي حَتَّى أُقْتَلَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْمَالَ فَأَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَالِي، هُوَ مَدْفُونٌ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ فَأَخَذُوا مَالَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ لَهُ: رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهِ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٧].
стр. 6212
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: وَشَهِدَ صُهَيْبٌ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ، كَانَ صُهَيْبٌ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ أَيَّامَ الشُّورَى حَتَّى تَعَيَّنَ عُثْمَانُ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ لَهُ صَاحِبًا وَصَدِيقًا.
وَكَانَ صُهَيْبٌ أَحْمَرَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَقْرَنَ الْحَاجِبَيْنِ كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَكَانَ فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ مَعَ فَضْلِهِ وَدِينِهِ فِيهِ دُعَابَةٌ وَفُكَاهَةٌ وَانْشِرَاحٌ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، رَآهُ يَأْكُلُ بِقِثَّاءٍ رُطَبًا وَهُوَ أَرْمَدُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، فَقَالَ: أَتَأْكُلُ رُطَبًا وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا آكُلُ مِنْ نَاحِيَةِ عَيْنِي الصَّحِيحَةِ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، مِنْ قَوْلِهِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ. وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السَّبْعِينَ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عِنْدَ الْمَحْرَمِ. وَأَمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَلَمَّا احْتُضِرَ الصِّدِّيقُ
стр. 6213
أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ فَغَسَّلَتْهُ، ثُمَّ لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ فَنَشَأَ مُحَمَّدٌ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ اسْتَنَابَهُ عَلَى مِصْرَ بَعْدَ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ قُتِلَ بِبِلَادِ مِصْرَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ دُونَ الثَّلَاثِينَ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَحَزِنَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا.
أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ مَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَقَدِمَتْ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ، وَلَهَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ، وَعَوْنٌ. وَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةَ، تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَمِيرَ مِصْرَ. ثُمَّ لَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى وَعَوْنًا، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 6214
لِأُمِّهَا. وَكَذَلِكَ هِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ لِأُمِّهَا، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْأَخَوَاتِ لِأُمِّهَا تِسْعُ أَخَوَاتٍ، وَهِيَ أُخْتُ سَلْمَى بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ الَّتِي لَهُ مِنْهَا بِنْتٌ اسْمُهَا عُمَارَةُ.
стр. 6215
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ
فِيهَا فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ جُيُوشًا كَثِيرَةً فِي أَطْرَافِ مُعَامَلَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَأَى بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ هُوَ وَأَبُو مُوسَى عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَعَزْلِهِ عَنِ الْأَمْرِ - أَنَّ وِلَايَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ، فَهُوَ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ خَالَفُوا عَلِيًّا فَلَا يُطِيعُونَهُ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَأَنَا أَوْلَى مِنْهُ; إِذْ كَانَتْ كَلِمَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مَجْمُوعَةً عَلَيَّ، وَهُمْ طَائِعُونَ لِي، يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِي، وَكَلِمَتِي نَافِذَةٌ فِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَةِ عَلِيٍّ، فَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَسْلَحَةً لِعَلِيٍّ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الشَّامِيِّينَ
стр. 6216
ارْفَضُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ مَالِكٍ إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ، فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِأَمْرِ النُّعْمَانِ، فَنَدَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ إِلَى إِغَاثَةِ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ، فَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ وَنَكَلُوا، وَلَمْ يُجِيبُوا إِلَى الْخُرُوجِ فَخَطَبَهُمْ عَلِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، كُلَّمَا سَمِعْتُمْ بِمِنْسَرٍ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ أَظَلَّكُمُ، انْجَحَرَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، انْجِحَارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهِ، الْمَغْرُورُ وَاللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، لَا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَلَا إِخْوَانٌ ثِقَةٌ عِنْدَ النَّجَاءِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَاذَا مُنِيتُ بِهِ مِنْكُمْ؟ عُمْيٌ لَا تُبْصِرُونَ، وَبُكْمٌ لَا تَنْطِقُونَ، وَصُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَدَهَمَهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ، وَلَيْسَ مَعَ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ كَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهُمْ، وَاسْتَقْتَلُوا أُولَئِكَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ نَجْدَةٌ مِنْ جِهَةِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا رَآهُمُ الشَّامِيُّونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَدَدٌ عَظِيمٌ، فَفَرُّوا هِرَابًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَاتَّبَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ لَا يَلْوُونَ عَلَى
стр. 6217
أَحَدٍ حَتَّى قَدِمُوا الشَّامَ وَلَمْ يَتِمَّ لَهُمْ مَا رَجَوْا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَفِيهَا: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ إِلَى هِيتَ فَيُغِيرُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَأْتِي الْأَنْبَارَ وَالْمَدَائِنَ. فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى هِيتَ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، ثُمَّ أَتَى الْأَنْبَارَ وَبِهَا مَسْلَحَةٌ لِعَلِيٍّ نَحْوٌ مَنْ خَمْسِمِائَةٍ، فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ، فَقَاتَلُوا مَعَ قِلَّتِهِمْ وَصَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ أَمِيرُهُمْ - وَهُوَأَشْرَسُ بْنُ حَسَّانَ الْبَكْرِيُّ - فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَمَلَ الشَّامِيُّونَ مَا كَانَ بِالْأَنْبَارِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَكَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا مَا جَرَى لِأَهْلِ الْأَنْبَارِ، رَكِبَ بِنَفْسِهِ فَنَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: نَحْنُ نَكْفِيكَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَكْفُونَنِي وَلَا أَنْفُسَكُمْ، وَسَرَّحَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فِي أَثَرِ الْقَوْمِ، فَسَارَ وَرَاءَهُمْ حَتَّى بَلَغَ هِيتَ فَلَمْ يَلْحَقْهُمْ فَرَجَعَ.
وَفِيهَا: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَ أَهْلَ الْبَوَادِي، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ إِعْطَائِهِ فَلْيَقْتُلْهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالْحِجَازَ. فَسَارَ إِلَى تَيْمَاءَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا بَلَغَ
стр. 6218
عَلِيًّا خَبَرُهُ بَعَثَ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ الْفَزَارِيَّ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَالْتَقَوْا بِتَيْمَاءَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَحَمَلَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ عَلَى ابْنِ مَسْعَدَةَ فَضَرَبَهُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ بَلْ يَقُولُ لَهُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ. فَانْحَازَ ابْنُ مَسْعَدَةَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى حِصْنٍ هُنَاكَ فَتَحَصَّنُوا بِهِ، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَانْتَهَبَتِ الْأَعْرَابُ مَا كَانَ جَمَعَهَ ابْنُ مَسْعَدَةَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَحَاصَرَهُمُ الْمُسَيَّبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَلْقَى الْحَطَبَ عَلَى الْبَابِ، وَأَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالْهَلَاكِ أَشْرَفُوا مِنَ الْحِصْنِ، وَمَتُّوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَأَطْفَأَ النَّارَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ فَتَحَ بَابَ الْحِصْنِ، وَخَرَجُوا مِنْهُ هِرَابًا إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَبِيبٍ لِلْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ: سَرِّحْنِي أَلْحَقْهُمْ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: غَشَشْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَدَاهَنْتَ فِي أَمْرِهِمْ.
وَفِيهَا: وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أَطْرَافِ جَيْشِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ دِرْهَمًا خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَالْتَقَوْا بِتَدْمُرَ فَقَتَلَ حُجْرٌ
стр. 6219
مِنْ أَصْحَابِ الضَّحَّاكَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ حُجْرٍ رَجُلَانِ، وَغَشِيَهُمُ اللَّيْلُ، فَتَفَرَّقُوا وَانْشَمَرَ الضَّحَّاكَ بِأَصْحَابِهِ فَارًّا إِلَى الشَّامِ.
وَفِيهَا: سَارَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ حَتَّى بَلَغَ دِجْلَةَ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ، وَأَبُو مَعْشَرَ مَعَهُ أَيْضًا.
وَفِيهَا وَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى أَرْضِ فَارِسَ، وَكَانُوا قَدْ مَنَعُوا الْخَرَاجَ وَالطَّاعَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَتْلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَصْحَابِهِ بِالنَّارِ حِينَ حَرَّقَهُمْ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ هَذَا الصَّنِيعُ فِي الْبِلَادِ شَوَّشَ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَنْكَرُوهُ جِدًّا، وَاخْتَلَفُوا عَلَى عَلِيٍّ، وَمَنَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي الْخَرَاجَ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ فَارِسَ فَإِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَخْرَجُوا عَامِلَهُمْ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ عَنْهُمْ، فَاسْتَشَارَ عَلِيٌّ النَّاسَ فِي مَنْ يُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، فَأَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ صَلِيبُ الرَّأْيِ، عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: هُوَ لَهَا، فَوَلَّاهُ عَلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ، فَجَهَّزَهُ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَدَوَّخَ أَهْلَهَا
стр. 6220
وَقَهَرَهُمْ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ، وَرَجَعُوا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَسَارَ فِيهِمْ بِالْمَعْدَلَةِ وَالْأَمَانَةِ، حَتَّى كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا سِيرَةً أَشْبَهَ بِسِيرَةِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ مِنْ سِيرَةِ هَذَا الْعَرَبِيِّ فِي اللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ وَالْعِلْمِ بِمَا يَأْتِي وَمَا يَذْرُ، وَصَفَتْ لَهُ تِلْكَ الْبِلَادُ بِعَدْلِهِ وَعِلْمِهِ وَصَرَامَتِهِ، وَاتَّخَذَ لِلْمَالِ قَلْعَةً حَصِينَةً، فَكَانَتْ تُعْرَفُ بِقَلْعَةِ زِيَادٍ، ثُمَّ لَمَّا تَحَصَّنَ فِيهَا مَنْصُورٌ الْيَشْكُرِيُّ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، عُرِفَتْ بِهِ فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: قَلْعَةُ مَنْصُورٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ يَزِيدَ بْنَ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيَّ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا بِمَكَّةَ تَنَازَعَا، وَأَبَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ لِصَاحِبِهِ، فَاصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِهِمْ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ: لَمْ يَشْهَدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْمَوْسِمَ فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ، وَالَّذِي نَازَعَهُ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ إِنَّمَا هُوَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ،
стр. 6221
حَتَّى اصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَمَّا عُمَّالُ عَلِيٍّ عَلَى الْأَمْصَارِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، ثُمَّ سَارَ زِيَادٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ كَمَا ذَكَرْنَا.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
سَعْدُ الْقَرَظِ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ وَلَّاهُ أَذَانَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَكَانَ أَصْلُهُ مَوْلًى لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ الْعَنَزَةَ بَيْنَ يَدِيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ، وَبَقِيَ الْأَذَانُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً.
عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، سَكَنَ مَاءَ بَدْرٍ
стр. 6222
فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ بِبَدْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ يَنُوبُ لِعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْقِتَالِ.
стр. 6223
سَنَةُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَمِمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأُمُورِ الْجَلِيلَةِ، تَوْجِيهُ مُعَاوِيَةَ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ إِلَى الْحِجَازِ، فَذُكِرَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ عَوَانَةَ قَالَ: أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ - هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - فِي جَيْشٍ، فَسَارُوا مِنَ الشَّامِ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَعَامِلُ عَلِيٍّ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَفَرَّ مِنْهُمْ أَبُو أَيُّوبَ، فَأَتَى عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ، وَدَخَلَ بُسْرٌ الْمَدِينَةَ، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ، فَصَعِدَ مِنْبَرَهَا فَنَادَى عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا دِينَارُ، وَيَا نَجَّارُ، وَيَا زُرَيْقُ، شَيْخِي شَيْخِي! عَهْدِي بِهِ هَاهُنَا بِالْأَمْسِ، فَأَيْنَ هُوَ؟ يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا عَهِدَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ فِيكُمْ مَا تَرَكْتُ بِهَا مُحْتَلِمًا إِلَّا قَتَلْتُهُ. ثُمَّ بَايَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكُمْ عِنْدِي مِنْ أَمَانٍ وَلَا
стр. 6224
مُبَايَعَةٍ حَتَّى تَأْتُونِي بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي حَتَّى يُبَايِعَهُ، فَانْطَلَقَ جَابِرٌ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ لَهَا: مَاذَا تَرَيْنَ؟ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ أُقْتَلَ وَهَذِهِ بَيْعَةُ ضَلَالَةٍ. فَقَالَتْ: أَرَى أَنْ تُبَايِعَ، فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ ابْنِي عُمَرَ، وَخَتَنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ; وَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِهَا زَيْنَبَ أَنْ يُبَايِعَا، فَأَتَاهُ جَابِرٌ فَبَايَعَهُ.
قَالَ: وَهَدَمَ بُسْرٌ دُورًا بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَخَافَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ بُسْرٌ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ بِصَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، ذَلِكَ. فَخَلَّى عَنْهُ، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ خَيْلًا مَبْعُوثَةً مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ تَقْتُلُ مِنْ أَبَى أَنْ يُقِرَّ بِالْحُكُومَةِ، ثُمَّ مَضَى بُسْرٌ إِلَى الْيَمَنِ وَعَلَيْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فَفَرَّ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى لَحِقَ بِعَلِيٍّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْيَمَنِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَدَانِ الْحَارِثِيَّ، فَلَمَّا دَخَلَ بُسْرٌ الْيَمَنَ قَتَلَهُ، وَقَتَلَ ابْنُهُ، وَلَقِيَ بُسْرٌ ثَقَلَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ ابْنَانِ لَهُ صَغِيرَانِ، فَقَتَلَهُمَا وَهُمَا; عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقُثَمُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ذَبَحَهُمَا بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِمَا، فَزَاغَ عَقْلُهَا وَوَسْوَسَتْ مِمَّا رَأَتْ، فَكَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَقِفُ فِي الْمَوَاسِمِ مَبْهُوتَةً زَائِغَةَ الْعَقْلِ، تَنْدُبُ وَلَدَيْهَا. وَيُقَالُ: إِنَّ بُسْرًا قَتَلَ فِي مَسِيرِهِ هَذَا خَلْقًا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، وَهَذَا الْخَبَرُ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمُغَازِي وَالسِّيَرِ، وَفِي صِحَّتِهِ عِنْدِي نَظَرٌ،
стр. 6225
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا خَبَرُ بُسْرٍ، وَجَّهَ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ فِي أَلْفَيْنِ، وَوَهْبَ بْنَ مَسْعُودٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَسَارَ جَارِيَةُ حَتَّى بَلَغَ نَجْرَانَ، فَحَرَّقَ بِهَا، وَقَتَلَ نَاسًا مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَهَرَبَ بُسْرٌ وَأَصْحَابُهُ فَأَتْبَعَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مَكَّةَ. فَقَالَ لَهُمْ جَارِيَةُ: بَايِعُوا! فَقَالُوا: لِمَنْ نُبَايِعُ وَقَدْ هَلَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! فَلِمَنْ نُبَايِعُ؟ فَقَالَ: بَايِعُوا لِمَنْ بَايَعَ لَهُ أَصْحَابُ عَلِيٍّ، فَتَثَاقَلُوا ثُمَّ بَايَعُوا حِينَ خَافُوا. ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِهِمْ فَهَرَبَ مِنْهُ، فَقَالَ جَارِيَةُ: وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ أَبَا سِنَّوْرٍ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ. ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَايِعُوا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَبَايَعُوا وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ مُنْصَرِفًا إِلَى الْكُوفَةِ، وَعَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ الْمُهَادَنَةُ بَعْدَ مُكَاتَبَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مُلْكُ الْعِرَاقِ لِعَلِيٍّ، وَلِمُعَاوِيَةَ مُلْكُ الشَّامِ وَلَا يُدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي عَمَلِهِ بِجَيْشٍ وَلَا غَارَةٍ وَلَا غَزْوَةٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَا هَذَا مَضْمُونُهُ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ قَدْ قَتَلَ بَعْضُهَا بَعْضًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَكَ الْعِرَاقُ وَلِيَ
стр. 6226
الشَّامُ، فَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمْسَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ قِتَالٍ الْآخَرِ، وَبَعَثَ الْجُيُوشَ إِلَى بِلَادِهِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَتَرَكَ الْعَمَلَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ السِّيَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَامِلًا عَلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى صَالَحَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا لِلصُّلْحِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ سَبَبَ خُرُوجِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَصْرَةِ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَلَّمَ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّئَلِيَّ - وَكَانَ قَاضِيًا عَلَيْهَا - بِكَلَامٍ فِيهِ غَضٌّ مِنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، فَكَتَبَ أَبُو الْأَسْوَدِ إِلَى عَلِيٍّ يَشْكُو إِلَيْهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيَنَالُ مَنْ عِرْضِهِ; بِأَنَّهُ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ، وَحَرَّرَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ، فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ أَنِ ابْعَثْ إِلَى عَمَلِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنِّي ظَاعِنٌ عَنْهُ،
стр. 6227
وَالسَّلَامُ. ثُمَّ سَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى مَكَّةَ مَعَ أَخْوَالِهِ بَنِي هِلَالٍ، وَتَبِعَتْهُمْ قَيْسٌ كُلُّهَا، وَقَدْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِمَّا كَانَ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْعِمَالَةِ وَالْفَيْءِ، وَلَمَّا سَارَ تَبِعَتْهُ أَقْوَامٌ أُخَرُ، فَلَحِقَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ وَأَرَادُوا رَدَّهُمْ وَمَنْعَهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ بَعْضُ قِتَالٍ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَكَّةَ.
стр. 6228
ذِكْرُ مَقْتَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَفِي فَضْلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ
كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ﵁، قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، وَخَالَفَهُ جَيْشُهُ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَكَلُوا عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ أَهْلِ الشَّامِ وَصَالُوا وَجَالُوا يَمِينًا وَشِمَالًا زَاعِمِينَ أَنَّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ; بِمُقْتَضَى حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فِي خَلْعِهِمَا عَلِيًّا وَتَوْلِيَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ خُلُوِّ الْإِمْرَةِ عَنْ أَحَدٍ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ بَعْدَ التَّحْكِيمِ يُسَمُّونَ مُعَاوِيَةَ الْأَمِيرَ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ أَهْلُ الشَّامِ قُوَّةً ضَعُفَ جَأْشُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَوَهَنُوا، هَذَا وَأَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَهُوَ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ، ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ خَذَلُوهُ وَتَخَلَّوْا
стр. 6229
عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ وَالْمَالَ الْجَزِيلَ، فَلَا زَالَ هَذَا دَأْبَهُمْ مَعَهُ حَتَّى كَرِهَ الْحَيَاةَ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ; وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمِحَنِ، فَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: مَاذَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا - أَيْ مَا يَنْتَظِرُ - مَا لَهُ لَا يَقْتُلُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ - وَيُشِيرُ إِلَى لِحْيَتِهِ - مِنْ هَذِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى هَامَتِهِ. كَمَا قَالَ: الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ، ثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ الْأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ، ثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ - لِلِحْيَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ - فَمَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبُعٍ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ رَجُلَا فَعَلَ ذَلِكَ لَأَبَرْنَا عِتْرَتَهُ. فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَنْ يُقْتَلَ بِي غَيْرُ قَاتِلِي. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: فَمَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا لَقِيتَهُ وَقَدْ تَرَكْتَنَا هَمَلًا؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ اسْتَخْلَفْتَنِي فِيهِمْ مَا بَدَا لَكَ، ثُمَّ قَبَضْتَنِي وَتَرَكْتُكَ فِيهِمْ، فَإِنْ شِئْتَ أَصْلَحْتَهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْسَدْتَهُمْ. فِيهِ ضَعْفٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ.
стр. 6230
طَرِيقٌ أُخْرَى قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ»: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: جَاءَ رَأْسُ الْخَوَارِجِ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، وَلَكِنْ مَقْتُولٌ مِنْ ضَرْبَةٍ عَلَى هَذِهِ تُخَضِّبُ هَذِهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ - عَهْدٌ مَعْهُودٌ، وَقَضَاءٌ مَقْضِيٌّ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ»؟ قُلْتُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: «صَدَقْتَ، فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟» قُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى يَافُوخِهِ. قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أَشْقَاكُمْ فَيُخَضِّبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ دَمِ رَأْسِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ، ﵁: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبُعٍ قَالَ:
стр. 6231
سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَمَا يَنْتَظِرُ بِي الْأَشْقَى؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنَا بِهِ نُبِيرُ عِتْرَتَهُ. قَالَ: إِذًا تَاللَّهِ تَقْتُلُونَ بِي غَيْرَ قَاتِلِي! قَالُوا: فَاسْتَخْلِفْ عَلَيْنَا. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَتْرُكُكُمْ إِلَى مَا تَرَكَكُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: فَمَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا أَتَيْتَهُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ تَرَكْتَنِي فِيهِمْ مَا بَدَا لَكَ، ثُمَّ قَبَضْتَنِي إِلَيْكَ وَأَنْتَ فِيهِمْ، فَإِنْ شِئْتَ أَصْلَحْتَهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْسَدْتَهُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبُعٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: فَأَعْلِمْنَا مَنْ هُوَ، وَاللَّهِ لَنُبِيدَنَّهُ أَوْ لَنُبِيدَنَّ عِتْرَتَهُ. قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَنْ يُقْتَلَ غَيْرُ قَاتِلِي. قَالُوا: إِنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاسْتَخْلِفْ إِذًا. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكِلُكُمْ إِلَى مَا وَكَلَكُمْ إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 6232
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ فَضَالَةَ بْنَ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ - وَكَانَ أَبُو فَضَالَةَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ - قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَائِدًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ مَرَضٍ أَصَابَهُ ثَقُلَ مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبِي: مَا يُقِيمُكَ بِمَنْزِلِكَ هَذَا؟ لَوْ أَصَابَكَ أَجَلُكَ لَمْ يَلِكَ إِلَّا أَعْرَابُ جُهَيْنَةَ، تُحْمَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَصَابَكَ أَجَلُكَ وَلِيَكَ أَصْحَابُكَ وَصَلَّوْا عَلَيْكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ أَلَّا أَمُوتَ حَتَّى أُؤَمَّرَ ثُمَّ تُخْضَبَ هَذِهِ - يَعْنِي لِحْيَتَهُ - مِنْ دَمِ هَذِهِ. يَعْنِي هَامَتَهُ، قَالَ: فَقُتِلَ وَقُتِلَ أَبُو فَضَالَةَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ: الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي «مُسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبَانٍ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا كُوفِيٌّ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ. عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي غَرْزِ الرِّكَابِ: لَا تَأْتِ الْعِرَاقَ; فَإِنَّكَ إِنْ أَتَيْتَهَا أَصَابَكَ بِهَا ذُبَابُ السَّيْفِ. قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ قَالَهَا، وَلَقَدْ قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِي قَبْلَهُ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا مُحَارِبًا يُحَدِّثُ بِهَذَا غَيْرَكَ. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِهَذَا
стр. 6233
الْإِسْنَادِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي حَرْبٍ، وَلَا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ. هَكَذَا قَالَ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُتَعَدِّدَةِ خِلَافَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ طَرَفًا مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ: وَقَدْ رُوِّينَا فِي كِتَابِ «السُّنَنِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ فِي إِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَتْلِهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ الْوَرَّاقُ، ثَنَا نَاصِحٌ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَلِّمِيُّ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟» قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: «فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَاتِلُكَ».
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِياهٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ الْحِمَّانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ «إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي». قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَعْلَبَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمَّانِيُّ فِي
стр. 6234
حَدِيثِهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِّينَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا; أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيُّ بِهَا، ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ مِمَّا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَإِنْ صَحَّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فِي خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ فِي إِمَارَتِهِ ثُمَّ فِي قَتْلِهِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنْ بُسْرًا قَدْ طَلَعَ الْيَمَنَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَظْهَرُونَ عَلَيْكُمْ، وَمَا يَظْهَرُونَ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِعِصْيَانِكُمْ إِمَامَكُمْ وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ، وَخِيَانَتِكُمْ وَأَمَانَتِهِمْ، وَإِفْسَادِكُمْ
стр. 6235
فِي أَرْضِكُمْ وَإِصْلَاحِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ، قَدْ بَعَثْتُ فُلَانًا فَخَانَ وَغَدَرَ، وَبَعَثْتُ فُلَانًا فَخَانَ وَغَدَرَ وَبَعَثَ الْمَالَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، لَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَدَحٍ لَأَخَذَ عِلَاقَتَهُ، اللَّهُمَّ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي وَكَرِهْتُهُمْ وَكَرِهُونِي، اللَّهُمَّ فَأَرِحْهُمْ مِنِّي وَأَرِحْنِي مِنْهُمْ. قَالَ: فَمَا صَلَّى الْجُمُعَةَ الْأُخْرَى حَتَّى قُتِلَ، ﵁ وَأَرْضَاهُ.
صِفَةُ مَقْتَلِهِ، ﵁
ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ ثُمَّ الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي جَبَلَةَ مِنْ كِنْدَةَ، الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ أَسْمَرَ حَسَنَ الْوَجْهِ أَبْلَجَ، شَعْرُهُ مَعَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَفِي جَبْهَتِهِ أَثَرُ السُّجُودِ. وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ. وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ وَأَكْثَرَهُمْ صَلَاةً، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي
следующие страницы →